← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

الأقرباء، وليس في كل هذا جديد عليه. ولست أدري من ألوم. المؤلف المصري أو مديري الفرق التمثيلية؟ فلو أن مؤلفاً كتب قصة من هذه التي تماثل ما ذكرنا من قصص المسرح الإنجليزي التي تعرض في مواسم الأعياد هل كان يجد الفرقة التي تقبلها وتعرضها؟ إن مؤلفنا لا تنقصه الموضوعات إن شاء وفي كثر من الخرافات الشائعة مجال واسع لقلمه إن أحب، وأنه ليستطيع أن يخلق من بعض هذه الخرافات التي يتلقاها الأطفال في المنزل وتفسد عليهم تفكيرهم البريء موضوعات شائقة تنقلب بها الخرافة من النقيض إلى النقيض وتزيح عن عقل الصغير شيئاً ما نظنه بالهين ولا باليسير. وهذا (البعبع) الذي خلقته العجائز لإخافة الطفل وإفزاعه أما نستطيع أن نعيده رجلاً طيباً يحنو على الأطفال ويحبهم ويهبهم ليلة العيد العطايا والمنح الطيبة من اللعاب والحلوى، أسوة ببابا نويل الذي خلقته الخرافة في الغرب فجعلت منه معبوداً للأطفال الصغار؟! و (أبو رجل مسلوخة) ما ذنب المسكين في سلخ رجله، وما ذنب أطفالنا نقيمه لهم مخافة ومفزعاً؟ أما في مقدورنا أن نضع حول خرافته قصة لطيفة مسلية نبرزه فيها الرجل الطيب الذي يحب الأطفال الذين يحترمون أباءهم ويبجلون أساتذتهم، ويهب النشيطين منهم والمكبين على الدرس الهدايا واللعب الحلوى، وننتزع بذلك تلك الصورة المشوهة التي نلقيها في ذهن أطفالنا وندفعهم إلى التقرب منه عن طريق حبه ورجاء خيره، بدل أن نفزعهم بصورته البشعة ورجله المسلوخة؟ وفي العيد الكبير ألا تصلح قصة كبش الفداء موضوعاً لرواية سهلة يرى فيها أطفالنا أصل هذه العادة الإسلامية التي تدفعنا إلى ذبح الكباش يوم العيد وتوزيع لحومها على الفقراء والمعوزين؟ إننا نستطيع أن نخلق عشرات الروايات من تاريخ مصر القومي ومن تاريخنا الإسلامي تدور حول موضوعات تبث في قلوب الأطفال حب الوطن وتقدير تاريخهم المجيد، كما تبذر فيهم بذرة طيبة صالحة من الخلق القويم والأدب الرفيع، غير ما ندخله على نفوسهم من ألوان المرح والسرور بهذه القصص الشائقة المسلية، ونجعل العيد متعة لهم ومبعث سعادة وفرح، ونجعلهم مشوقين إليه جد الشوق، يحسبون مبلغ عنايتنا بالترفيه عنهم وإدخال

стр. 2557

السرور على نفوسهم، ونجعل من العيد حياة زاخرة قوية، ومن أيامه أفراحاً وأعراساً للصغار وللكبار على السواء ونقيم فارقاً بين ساعاته التي يجب أن نملأها نعيماً وهناء، وبين أيام السنة التي تمضي بين الجد والعمل، وتمر فاترة مملولة. وبعد. . . هل تجد هذه الكلمة أذناً صاغية من مؤلف أو مدير فرقة؟ لقد مرت فرصة العيد الصغير ولكن ما يزال في الوقت فسحة للعيد القادم، فلعل صغارنا يلقون فيه بعض ما يلقى صغار الأمم والشعوب يوم العيد. محمد علي حماد

стр. 2558

القصص أمير النوبة بقلم الأديب حسين شوقي عاد أمير النوبة إلى (نباتا) بعد أن قضى سنوات طويلة في مصر، على زعم أنه يتلقى الدروس بجامعة (عين شمس) الدينية العظيمة، ولكن الواقع هو أنه قضاها في مغازلة وصيفات الإله (رع) الحسان، وما كاد الأمير يرجع إلى وطنه حتى شعر بحنين شديد إلى مصر، وطنه الثاني، فتذكر في حسرة شوارع منفيس الواسعة، وحوانيتها الفخمة، وبائعاتها الرشيقات، ومراقصها. . أما هنا في (نباتا) فكل شيء يضايقه: فقصر أبيه الملك لا يزيد شأناً على الأعشاش التي يقيمها بعض وجهاء المصريين - في المصايف - على شاطئ البحر، والنساء كلهن بدينات متزينات بالريش والودع، دميمات المنظر مثل (سحمت) الإله المصري الذي يلتهم المذنبين في العالم الثاني. . أما أصدقاؤه من النوبيين فكلهم خشن الطباع، يلتهمون الطعام بأيديهم في وحشة وقذارة. . إنه يؤثر عليهم العزلة ليخلو إلى خياله فيتذكر أصدقاءه المصريين المرحين في (عين شمس) الذين قضى معهم أياماً سعيدة في قصورهم الشامخة على ضفاف النيل. ما أبهج تلك الليالي التي قضاها معهم في احتساء (الجعة) اللذيذة المخصصة لقرابين الإله رع، والتي كانوا يحصلون عليها خفية!. أما النوبيون فكانوا لا يميلون اليه، بل كانوا يسخرون من عاداته التي اكتسبها من مصر، ويرمونه بالخنوثة. . حقاً! إنآلام الأمير النفسية كانت شديدة، خصوصاً وهو لم ينس قط (تايا) الحسناء بنت معلمه الكاهن (منتو)، كم ود أن تصحبه هذه الفتاة إلى (نباتا)، ولكن ماذا يعمل أمام رفض والدها الكاهن وهو رجل يحافظ على التقاليد. لم يرض أن تتزوج ابنته من أجنبي دنس في نظر الدين. . وبينما هو سابح في هذه الأحلام، يذكر هذه المناظر المصرية خلال الدخان المتصاعد من (غليونه)، إذا بأبيه الملك يدخل عليه فجأة فيقول: ولدي! أتحب أن تعود إلى مصر؟ فأجاب الأمير وقد تهلل وجهه:

стр. 2559

ما أشد سروري بذلك يا أبت! هذه غاية مناي الملك - ولكنك ستعود هذه المرة طالباً ملكهم لا علمهم! فستقود الجند الذين سيزحفون على مصر في الغد، لأن الوقت مناسب لهذا الهجوم، أما أنا فصحتي لا تسمح لي بالسفر، أنظر إلى ساقي، إن ورمهما يزداد كل يوم. . هذا بلا شك أهر لسحر تلك الجارية التي طردتها في الأسبوع الماضي، آه من السحر! كان يجب أن أدق عنقها بدلاً من أن أطردها، ومع ذلك فأنت تعرف مصر جيداً، ولا بد أنك مغتبط بهذه المهمة. . قال الأمير (في غضب) - كلا يا والدي! لا أريد أن أذهب إلى مصر جلاداً. . فصاح الملك متعجباً ماذا تقول يا ولدي؟ من علمك هذه الترهات؟ إني آمرك بذلك. أفهمت؟ قال الأمير - إني آسف يا والدي إذ لا أستطيع أن أرافق جيشك في هذه الغزوة! فصاح به الملك - (في غضب) - إني آمرك حقاً لقد أخطأت في إرسالك إلى مصر لتتعلم، إن القوم مهرة في علم السحر، فهم قد سحروك. . الأمير - أجل! إنهم سحروني بحضارتهم! الملك - (يضحك بصوت عال) - حضارتهم! أين هي؟ أتسمي حضارة هذا (الغليون) الذي يكتم أنفاسي بدخانه؟ الأمير - ولكن يا أبت ما الفائدة التي نجنيها من هذه الحرب؟ إن المصريين أقوياء وجيشهم مجهز بأحدث الأسلحة. . الملك - ولكنهم منقسمون، يحارب بعضهم بعضاً، إنها فرصة ثمينة لغزوهم الآن. . الأمير - ولكن ألا تخشى غضب آلهتهم العظام؟ الملك - (يضحك) - ليست آلهتهم إلا ضفادع المستنقعات وقطط الحيطان. . (ثم قال في جد) كفى الآن مزاحاً، إذهب! فارصد أهبتك للرحيل الأمير - لن أذهب يا أبت! الملك - (محتداً) - بل ستذهب أنها الولد العاق! غادر الملك الحجرة فشعر الأمير بعد أن هدأت ثورته بحزن عميق، لأنه لا يستطيع بحال

стр. 2560

أن يحارب المصريين الذين تعلم في ديارهم، وتثقف بثقافتهم، واتخذ من بينهم أصدقاء كثيرين. . انه لا يستطيع أن يتصور الني مصبوغاً بالدماء، ورياضه وخمائله جرداء، وقصوره تلتهمها النيران. . كلا! هم ان المصريين لم يعتدوا من جانبهم على النوبة حتى يكون هناك مبرر لهذا الزحف، كلا! هذا أمر فظيع! إنه يؤثر عليه الموت. . ألقى الأمير بنفسه على السرير واخذ يبكي طويلاً، ثم نهض فتذكر قنينة السم التي أعطاها إياه معلمه الكاهن (منتو) عندما ذهب ليودعه يوم سفره، كما تذكر قول الكاهن وقتئذ: (ولدي! إن في الحياة أوقاتاً يفضل الموت فيها، وأنتم معشر الملوك والأمراء معرضون لأخطار كثيرة كالأسر أو المنفى، ثم إن هذا السم لا يحدث ألماً وإنما يشعر شاربه كأنه في الفردوس. .) قصد الأمير دون تردد زاوية من الحجرة حنث كانت حقيبته التي صحبته في رحلاته إلى مصر، فنظر بعين ملؤها العطف إلى البطاقات الكثيرة التي تحملها الحقيبة من الفنادق الكبيرة في منفيس وطيبة والحجر، فأخرج منها قنينة السم ثم شربها جرعة واحدة وتطرح على السرير. . وفي صباح اليوم التالي خاء خادمه لإيقاظه من النوم كالعادة، ولكنه امتنع هذه المرة عن تأدية هذا الواجب لأن وجه سيده كان يفيض بشاشة، فلم يشأ أن يعكر عليه أحلامه اللذيذة. . حقاً! إن الكاهن (منتو) لم يكذب حين قال أن شارب سمه يحلم بالفردوس، ولكن الواقع أن روح الأمير كانت فعلاً في الفردوس، لأن الآلهة أرادوا مكافأته على تضحيته وإنقاذه مصر فردوسهم الثاني في هذه الأرض. . حسين شوقي

стр. 2561

أسطورة جاهلية أساف ونائلة حدث السادن (تيم) من (جرهم) يروي قصة (أساف) و (نائلة) للذين مسخا صنمين، فعبدتهما قبيلتا (قريش) و (خزاعة) ومن حج الكعبة من بعدهما، قال: كان (أساف بن يعلى) من أشراف (جرهم) ومن أشجع فرسانها، وكان مليح الوجه ظريفاً عظيم النفوذ بين العرب، وكانت (جرهم) تهابه أكثر مما تحبه، وقد أوتي حكمة الشعر والكهانة، وجمع إلى المال قوة العماليق، شيد له صرحا في اليمن كعش النسرن ولم يسكنه إلا بعد أن أخذ بثأر أبيه المقتول، ونحر على قبره، واحتفر للغنائم من حوله، حفراً ختمها بالحديد هذا الجبار الذي كان يتلهى بقتل عبيده في أوقات الفراغ، وقع أسر حب (نائلة بنت زيد) من (جرهم)، وكانت من أجمل نساء العرب، وأكثرهن ذكاء. تنشد الشعر، وتترك النار مشبوبة حول بيوتها للضيفان، وكان ربما خرج (أساف) للصيد والقنص، فصادف جواري يستقين، فينشدنه من أشعارها ما يطربه، وما كان (أساف) ليأنف أن يقف للناس في الأسواق وهو الزعيم القوي البأس لكي ينشدهم شعره في نائلة، فاشتهر عشق البطل لربة الجمال، وتغنت به الركبان في أرض اليمن وكان من عادة العرب، التفريق بين العاشقين، فكان طبيعياً أن يحرم العاشق لذة اللقاء، وأن يذوق حرارة البعد، ومرارة الفراق، وأن تفكر المعشوقة في خلها طول النهار، وطرفاً من الليل، وأن يتحين العاشقان فرصة اللقاء، ليرتشفا كأس الحب، فلما أقبلت نائلة من اليمن تحج البيت، كان أساف قد سبقها إليه، وكانت العرب تعظم الكعبة، وتبالغ في حبها والتبرك بها، وكانت تضع في جوفها أصنامها المعبودة. والتقى أساف بنائلة حول ذلك البيت المقدس حاجين، وما كان أشد اشتياق البطل لمعشوقته، فطافا مراراً، ثم دخلا الكعبة يتبركان بأصنامها، فاتفق أن وجدا غفلة من الناس، وخلوة في البيت، فتقدم البطل إلى ربة الجمال، وأسلمت نفسها له في خفة، ورقة ولين، فضمها العاشق إلى نفسه، وتبادلا قبلات فيها شغف ولهفة، وفيها، وجد وجنين، وإذ ذاك صدرت في الحال همهمة مروعة، من أجواف الأوثان، أخرجت العاشق من لذة القبل، فغضب، وسب الأصنام ولعنها، فلما أصبح الحجاج وجدوهما صنمين على صورتهما من العقيق الأحمر، فعدت قريش مسخهما فضلاً من الآلهة ورحمة، واحتفلت خزاعة بهما، ونصبتهما

стр. 2562

للعبادة في أرفع مكان بالكعبة، وكانت تتقرب إلى عبادتهما بالهدايا والقرابين، وتنحر عندهما، وكلما حجت العرب الكعبة تمسحت النساء بالصنم (نائلة) وتمسح الرجال بالصنم المعبود (أساف) وطافوا من حولهما. وبالغت قريش في تقديسهما فأقامت لهما منحراً ينحرون فيه الهدايا من النوق العتاق، والشياه السمان، واختارت سدنتهما من مشايخها. وكانت بنات (نائلة) السادنات يرسلن شعورهن، وينتظرن ظهورها على قارعة النخل مرة كل عام. وكانت نائلة تظهر مرة كل عام في صورة شيطان، رائعة الجمال، مرسلة الشعر، يركض بها جواد أشهب، إلى مقر الكعبة، فإذا بلغتها اختفت، وسمع من الصنمين صوت القبلات المتبادلة، وربما يكون العربي الحاج في هذه الفترة على بعد ألف فرسخ من مقر زوجته أو أمه، فيشعر كأنه قد قبلها وقبلته. سليمان متولي في الكتب حياة نابليون تأليف الأستاذ حسن جلال يقول الإنجليز (لا ينجح مثل النجاح) وهذا ما أردده حين أتعرض للأستاذ حسن جلال، فقد أخرج من قبل كتابه (الثورة الفرنسية) فكان توفيقه باهراً، ثم طلع علينا أخيرا بكتابه (حياة نابليون) فكان بحق مثار الإعجاب والدهشة. نعم، الكتاب جدير بإعجابنا وتقديرنا، فها هي ذي كتب التاريخ الكبيرة بين أيدينا نقرؤها من غير شهية، وهذا في اعتقادي ناشئ من أن الكاتب لم تتشبع روحه بالموضوع ولم يهضم مادته هضماً يمكنه من جعل الحقائق غذاء سائغا لقرائه؛ وأستاذنا من هذه الناحية يحب تاريخ الثورة الفرنسية وعهد نابليون ويعجب به، ولعل الكثير من تلاميذه لا يزال يذكر مقدار توفيقه في تدريس هذه المادة، الحق أن الأستاذ بلغ في هذا منتهى ما يصل إليه الخيال من حدود التوفيق، ذلك لأنه كان يقبل على عمله بعاطفة، ولعل هذا يفسره إخراج هذين الكتابين. فإذا كان الأستاذ قد أحب هذه الصفحة من التاريخ الفرنسي، وصرف شطرا من عمره

стр. 2563

يبحثها وتشبعت روحه بها، فلا أقل من أن يضع بين يدي طلاب الثقافة عصارتها، ومن ثم كان الكتاب سهلاً سائغاً يحبه القارئ وتلذه قراءته. ولا يفرغ منه إلا ليقرأه من جديد. هناك نقطة أخرى، هي الحقائق لا أكثر ولا أقل، يسود المؤلفون بها صحائف الكتب ويلقونها على تلاميذهم دون أن يحاولوا استخلاص الآراء التي تحتجب وراءها، أو بمعنى أخر دون أن يعلقوا عليها التعليق الذي يجعلها تفيض نضارة وحياة وقوة. إلى هذا كله فطن الأستاذ حسن جلال، فلم يكن يهمه في كتابه أن يعلم القارئ أن مئات الحوادث قد وقعت، ولكن يهمه أن يصل بالقارئ إلى ظروف حدوثها وكيف كان يفكر أبطالها، ثم إلى أي حد كتب لهم التوفيق ولماذا أصابهم النجاح أو ضرب عليهم الفشل، ونرى في (حياة نابليون) أن الأستاذ المؤلف يوجه القارئ بواسطة المعلومات التي ساقها في مهارة ولباقة فائقين، إلى سبل التطور وتتبعها، وتفهم الأصول الاجتماعية والسياسية والخلقية والعقلية والاقتصادية التي أحاطت بالعصر الذي عاش فيه نابليون. أما مادة الكتاب فلم يكن الأستاذ مخترعاً لها، فالتاريخ إنما يستخلص من المراجع، ولكنا نجد بعض المؤلفين ينقلون صحائف برمتها من هذه المراجع، ثم يكتبون صحائف أخرى بأنفسهم، فلا نجد انسجاماً بين أجزاء الكتاب الواحد. والقارئ لكتاب الأستاذ جلال يلمس مهارة المؤلف في اختيار مادة كتابه، ويلمس كذلك الترتيب المنطقي للمعلومات، وتبدو شخصية المؤلف الذارة وروحه الخفيفة قويتين بحيث لا نميز خلالهما روح مؤلف ممن رجع إليهم، كل هذا برغم أن الكتابة عن الأشخاص في نظري أبعد أنواع الكتابة التاريخية منالاً. وليس عجيباً أن يكون الأستاذ هادئاً بطبعه، ولكن العجيب أن يكون هادئاً حتى وهو يكتب هذه الحياة العاصفة، لا يميل مع الإنجليزي الذي يمثل نابليون أفعى نفثت سمومها، ولا مع الفرنسي الذي يصور الرجل من قادة البشر إلى الجريمة والإخاء والمساواة، بل يجلس الأستاذ بينهما مجلس القضاء. ومهارة الأستاذ في القصص، تفوق مهارته في التاريخ، فأنت حين تقرأ وصفه للقاء نابليون بجزفين بعد عودته من مصر، تنسى التاريخ وتنسى كل شيء إلا ذلك التصوير الرائع، ولكنك لا تكاد تنتهي منه حتى تصدمك عنوانات تاريخية جافة (حالة فرنسا في غياب بونابرت - انقلاب برومير - دستور ١٧٩٩) فتوقظك من ذلك الحلم وتعيدك إلى حظيرة

стр. 2564

التاريخ مرة ثانية؛ ذلك نصادفه كثيرا في كتاب الأستاذ؛ فهل نعتبر الكتاب قصيدة منثورة أو نعتبره قطعة من التاريخ؟ أما رأيي فهو أن الكتاب تاريخ شعري، وما أحوج التاريخ إلى أن يكون سائغاً جميلاً، ولاسيما إذا تنبهنا إلى أن الأستاذ لم يكتب لنا مؤلفاً نضعه في عداد المراجع التاريخية، أو سفراً له قيمة السجلات الرسمية، ولكنه صاغ حلقة من سلسلة المعارف العامة التي تعنى لجنة التأليف والترجمة والنشر بوضعها بين أيدي طلاب الثقافة. وآخر كلمة أقولها بعد أن قرأت (حياة نابليون) أن الأستاذ المؤلف قد عرض المؤرخين الذين ترجموا لهذا البطل صفاً صفاً، استملاهم جميعا فأفرغوا ما كان يملأ جعباتهم (من وحي الهوى وتصوير الإعجاب وإملاء المقت وصدى الحفيظة) ثم ناقشهم الحساب العسير حتى عرف البواعث التي أملت ما قالوا، وأخيراً قال كلمة العدالة التي عصبت عينيها، ورفعت الميزان في إحدى يديها، وأمسكت بالأخرى سلاحها، فكانت كلمته فصل الخطاب. عبد الفتاح السرنجاوي

стр. 2565

العدد ٣١ - بتاريخ: ٠٥ - ٠٢ - ١٩٣٤

стр. 2566

في الأقصر. . . - ٢ - وقف القطار ضحى على محطة الأقصر. وأخذ الحجيج المدني يخطو على أفرزيها ذابل الأجفان، خاثر الأبدان، من تكسير السهاد أو تفتير الوسن. وكان قوم يستقبلون زوار الآثار، وقوم يستقبلون أطباء المؤتمر، فتدفق الركب المتجمع لدى الباب في وجهتين مختلفتين، وذهب بنا أولياء القطار إلى موائد الإفطار، فأصاب منها من أراد على قدر شهوته، ثم قسمونا إلى قسمين: قسم يزور (طيبة الأحياء) في الشرق، وقسم يزور (طيبة الأموات) في الغرب. وهل بقي لعمري في طيبة اليوم أحياء أو أموات؟! لقد ذهب الموت منذ بعيد بأحيائها إلى القبر، وذهبت الحياة منذ قريب بأمواتها إلى المتحف! فلم يبق منها على عدوتي الوادي غير أنقاض طفت على وجه القرون، وأبعاض بينها وبين الفناء صراع لا يفتر! الأقصر مدينة رقيقة الحال تقوم على أطلال طيبة منا تقوم أعشاش الطيور على شُم الصخور! تسير في شوارعها القروية، وبين منازلها المتنافرة، فلا يستبي طرفك منظر فاتن، ولا يزدهي لبك مظهر غريب، فإذا استثنيت (ونتربالاس) وما تألق من الفن في فنائه وأبهائه، ومرفأ النهر وما ترقرق من الحسن في ظله ومائه. وشارع السلطان حسين وما تنسق على حفافيه من نخله وكهربائه، والجو الفاتر وما شاع من القوة في شمسه والحياة في هوائه، وجدت بلداً كأحقر بلاد الناس يعيش حاضره على ماضيه، وتذهب عينه على آثاره! ولكن وَلِّ ظهرك حضارة الأحداث، وتعال نسر وراء العم (ضاوي) في طريق الكرنك. وبين الأقصر والكرنك مدى من الزمان والمكان يتسع فيه الخيال ويسبح في أعماقه الخاطر. ومن الذي يستطيع أن يجول في مسارح الجبارين دون أن يتمثل هذا الفصل الذي افتتح به الأزل رواية العالم؟ فهنا منذ بضعة آلاف سنة نبتت في ظلال هذه الجبال إنسانية باكرة ترسل النظر الثقيل البطيء في هدوء واستقامة وبعد. ويصور لها عقلها الطفل ألوان التعاجيب والتهاويل من قوى الطبيعة الخفية، فتنحت الجبال قبورا، وتبتني الصخور قصورا، وتقيم لآلهتها الغلاظ من صم الجلاميد تماثيل ومحاريب يتضاءل أمامها الفن الحديث؛

стр. 2567

وهنا منذ أربعة آلاف سنة كان الفكر الإنساني يقطع مرحلته الأولى بينما كان الرقاد الأزلي يغشى سائر الأرض، ويطير متثاقلاً عن جفون يونان وآشور. وهنا سجل الزمن الواعي على ملس الغرانيت أولى صحائف الفكر، فألهمت اليهود والإغريق في الدين والفن والجمال في شتى ضروبه وصوره. وهنا كانت لبني الإنسان بداية حسنة، لولا أن طغيان الفرد المتحكم، وسلطان الدين المتعسف، قد جعلا لهذه البداية نهاية من الجور والإرهاق محزنة! فها نحن أولاء بين صفين من الكباش المسيخة الجاثية أمام معبد آمون. ومعبد أمون يتلو عليك وحده ان شئت نبأ القوم! فهو أكداس هائلة من ضخام الصخر تنافس في نقلها وركمها الجبابرة في خمسة عشر قرناً منذ سيتي الأول! منها أبواب وحجر، ومنها محاريب وتماثيل، ومنها مسلات وعمد؛ ومن ذلك كله ما هو قائم يتحذى بطوله السماء، وما هو نائم يفدح بثقله الأرض! أنظر إلى هذه الغابة الكثيفة المخيفة من الأعمدة أتظن الشمس منذ أوقدها الله أشرقت على مثلها في الضخامة والبساطة؟ إلا يذكرك هذا العمود الذي تتفتح فوق هامته زهرة اللوتس العجيبة على علو خمسة وعشرين متراً بصرح (تيتان) الخرافي وأخوته؟ من الذي قطع هذه الأطواد، ووضع هذه الأوتاد، وشاد هذه الأروقة، ونحت من الصوان هذه الآلهة البكم، وخلد الملوك على هذه الحجارة الصم؟؟ هو شعب النيل الذليل البائس! بناها وبنى سواها على قفار الخبز وأُلهوب السوط ونزع الروح، ولا تستطيع أن تصدق وأنت ترى هذه المعجزات أن مصر كانت في مدى ثلاثين قرناً تعمل غير ذلك. استعبدت فكرة الخلود عقول الفراعنة فاستعبدوا في سبيلها جسوم الشعب، وملكهم حب الآخرة فسخروا له حب الدنيا، وفتنهم متاع السماء فرصدوا له متاع الأرض، وأغرقوا في إعزاز النفس وإيثار الحياة وتقديس العظمة. فأنكروا حرمة العامة، وجحدوا قدرة الموت، وجهلوا معنى الضعة، وخلفوا لأجيال الأبد من يطمح كالملوك، يطمع كالكهنة، ويخضع كالسوقة! لقد كنا نتجمع حول دليلنا الهاذي في أروقة هذا المعبد المحطم، نطن في أجوافه طنين البعوض باللحون المختلفة: نذكر أوائلنا الذين ارتجلوا للناس لفظ المجد، واقتحموا على الدهر باب الخلد فنزهى ونصلف؛ ونذكر أسلافنا الذين قامت على أشلائهم هياكل أمون،

стр. 2568

وفاضت بدمائهم بحيرة أوزيريس فنأسى ونأسف، ونذكر أمام ذلك الماضي الخالد حادز الكرنيش وحائط المحكمة المختلطة فنمضي ونضحك!! أحمد حسن الزيات

стр. 2569

النفس والرقص للكاتب الشاعر الفرنسي بول فاليري ترجمة الدكتور طه حسين - ٤ - فيدر - لنستمتع لحظة أخرى في سذاجة بهذه الأعمال الحسان!. . . كأمها تقدم الهدايا عن يمين، عن شمال، إلى أمام، إلى وراء، إلى فوق والى تحت، من الطيب ومن البخور ومن القبل، وحياتها نفسها تهديها إلى كل مكان في الكرة والى قطبي الكون. إنها ترسم ورداً وشباكاً، ونجوماً من الحركات، وأسواراً سحرية. . . . إنهاً تثب فتتجاوز الدائرة التي لا تكاد تغلق. . . إنها تثب وتجري في أثر الأشباح. . إنها تجني زهرة لا تلبث أن تستحيل إلى ابتسامة. . . ما أعجب ما تنكر وجودها في خفة لا تنقضي!. . . إنها لتضل بين الأصوات ثم يردها إلى الهدى خيط ضئيل. . . هو المزمار المعين الذي أنجاها! يا لعذوبة اللحن!. . . سقراط - كأن ما حولها ليس إلا أشباحاً. . . . إنها تلد هذه الأشباح وهي تهرب منها، ولكنها إذا التفتت فجأة تخيل إلينا أنها تتراءى للآلهة الخالدين!. . . فيدر - أليست هي روح الاساطير، وما ينفذ من جميع أبواب الحياة! أركسيماك - أتظن أنها تعلم من هذا شيئاً؟ أو أنها تفاخر بأنها تنتج شيئاً إلا هذه الحركات التي تأتيها حين تغلو في رفع قدميها، وهذا التوقيع وهذه الالتواءات التي أتقنتها في مشقة حين كانت تتعلم الرقص. سقراط - من الحق أننا نستطيع أن نلاحظ الأمر تحت هذا الضوء الذي لا سبيل إلى إنكاره. . . . فالعين الهادئة تنظر إليها في يسر كما تنظر إلى مجنونة. هذه المرأة التي اجتثت من اصلها اجتثاثاً غريباً، والتي لا تنفك تنزع نفسها من صورتها على حين قد جنت أعضاؤها فهي تتنازع الأرض والهواء، وعلى حين يستلقي رأسها فيجر على الأرض شعراً مفرقا، وعلى حين تظهر إحدى ساقيها كأنها أخذت مكان الراس، وعلى حين تخط صبعها في التراب علامات لا أدري ما هي!. . . . وبعد، فلم هذا كله؟ - يكفي أن تثبت

стр. 2570

النفس وان تمتنع فإذا هي لا تلاحظ إلا ما في هذا الاضطراب من غرابة تدعو إلى الاشمئزاز. . . فلو أردت يا نفس كان كل هذا سخيفاً. أركسيماك - وإذن فأنت تستطيع حسب استعدادك أن تفهم وإلا تفهم، وان ترى الشيء جميلاً أو تراه سخيفاً كما تحب وتهوى؟ سقراط - يجب أن يكون ذلك كذلك. . . . فيدر - أتريد أن تقول أيها العزيز سقراط أن عقلك ينظر إلى الرقص كأنه شخصغريب يحتقر لغته ويرى أخلاقه شاذة بل مؤذية بل فاحشة كل الفحش. أركسيماك - يخيل إلي أحياناً أن العقل هو الملكة التي تمتاز بها نفسناً والتي تمنعها من أن تفهم جسمنا بأي حال من الأحوال! فيدر - أما أنا يا سقراط، فان ملاحظة الرقص تمكنني من أن أتصور أشياء كثيرة وأتصور الصلات بين أشياء كثيرة. وهذه الأشياء تصبح فوراً فكرتي الخاصة وتكاد تفكر مكان فيدر. واجد ضوءاً ما كنت قط لأجده في الخلوة إلى نفسي وحدها. ولقد كانت اتكتيه منذ حين تخيل إلى أنها تصور لي الحب. - أي حب؟ - لا هذا ولا ذاك، ولا أي مغامرة سخيفة! - لم تكن تصور شخص الحبيبة من غير شك. . . لم تكن تخيل، لم تكن تمثل! كلا. كلا. لم تكن تخترع الخيال. . . ولم نتكلف أيها الصديقان حين نستطيع أن نتصرف في الحركة وفي المقدار وهما خير ما في الحقيقة من الحق؟. . كانت إذن حقيقة الحب ولكن ما هذه الحقيقة؟ ومم هي؟ وكيف تحديدها أو تصورها - ونحن نعلم أن روح الحب إنما هي الفرق الذي لا يقهر بين العاشقين، على حين أن مادة الحب الرقيقة إنما هي اتحاد رغبتهما فيجب إذن أن يلد الرقص بدقة معالمه، وبجمال وثباته، وبرقة وقفاته، هذا الكائن الكلي الذي ليس له جسم ولا وجه، ولكن له منحاً وأياماً ومصائر ولكن له حياة وموتاً بل ليس هو إلا حياة وإلا موتاً، فان الرغبة إذا نشأت لم تعرف نوماً ولا هدنة. ولهذا تستطيع الراقصة وحدها أن تظهره للعيان بأعمالها الحسان. كلها يا سقراط، كان الحب!. . . كانت لعباً وبكاء وتكلفاً لا غناء فيه، سحر، سقوط، منح والمفاجاءات، ونعم ولا، وكل هذه الخطى الضائعة في حزن. . كانت تحتفل بكل أسرار المحضر والمغيب، وكأنما كانت أحياناً تمس الكارثة التي لا تمحي. . . ولكن الآن انظر إليها تقرباً إلى

стр. 2571

أفروديت. أليست تظهر فجأة كأنها موجة من موج البحر؟ طوراً أثقل؛ وطوراً أخف من جسمها، تثب كأنما تفصل عن صخرة، ثم تسقط في هدوء. . . هي الموج. أركسيماك - مهما يكن من شيء فان فيدر يزعم أنها تصور شيئاً. فيدر - ماذا ترى يا سقراط؟ سقراط - في أنها تصور شيئا؟ فيدر - نعم. أترى أنها تصور شيئا؟ سقراط - لا شيء أي فيدر العزيز. ولكن كل شيء أي اركسيماك - تصور الحب كما تصور الحياة نفسها وكما تصور الخواطر والآراء. . . إلا تشعران بأنها خلاصة التحول؟ فيدر - أي سقراط الملهم انك لتعلم أي ثقة ساذجة نادرة قد توثقت بنورك الذي لا نظير له منذ عرفتك. لا أسمعك إلا صدقتك، ولا أصدقك إلا استمتعت بنفسي التي تصدقك. ولكن القول بان رقص اتكتيه لا يصور شيئاً ولا نكون فوق كل شيء صورة لقوة الحب وظرفه قول لا أكاد أطيق الاستماع له. سقراط - لم اقل - إلى الآن شيئاً يبلغ هذه القسوة! - أيها الصديقان إني لا أزيد على أن أسألكما ما الرقص، وكلاكما يظهر علماً بالجواب، ولكنكما تعلمانه على اختلاف بينكما! أحدكما يقول إن الرقص هو ما هو، وانه ينحل إلى ما ترى أعيننا هنا. والآخر يؤكد انه يصور شيئا، وإذا فليس هو كله في نفسه وإنما هو في أنفسنا قبل كل شيء. أما أنا أيها الصديقان , فما زلت احتفظ بشكي كاملا!. . خواطري كثيرة، وليس هذا علامة خير!. . . كثيرة مختلطة ومزدحمة حولي على السواء. . . أركسيماك - أتشكو من الثروة! سقراط - إن الثروة تضطر إلى السكون، ولكن رغبتي حركة يا اركسيماك. . . أنا محتاج الآن إلى هذه القوة الخفيفة التي تمتاز بها النحلة، كما تمتاز بها الراقصة. . . يحتاج عقلي إلى هذه القوة، وهذه الحركة المركزة اللتين تعلقان الحشرة فوق جماعة الزهر وتجعلانها حكما ناطقا فيما بين رحيقها من اختلاف. وتقدمانها كما تحب إلى هذه أو إلى تلك، إلي هذه الوردة البعيدة بعض الشيء وتسمحان لها بان تمسها أو تتركها أو تمعن فيها. . . هي تنأى فجأة عن الزهرة التي فرغت من حبها. ثم تعود إليها إذا أحست الندم لأنها تركت فيها

стр. 2572

بعض الرحيق الذي ما تزال ذكراه تتبعها، وما تزال لذته الماضية تنغص عليها طيرانها. أو يحتاج عقلي يا فيدر إلى هذا التنقل الدقيق الذي يتاح للراقصة، والذي إذا انسل بين خواطري أيقظها في رفق واحداً اثر واحد، وأخرجها من ظلمة نفسي وأظهرها لضوء عقليكما، في خير نظام بين النظم الممكنة! فيدر - تكلم، تكلم. . إني لأرى النحلة على فمك والراقصة في نظرتك. طه حسين

стр. 2573

صفحة سوداء بقلم الأستاذ أحمد أمين رووا أن عمرو بن العاص كتب إلى عمر بن الخطاب في وصف مصر أن: (نيلها عجب، وأرضها ذهب، وهي لمن غلب). ورووا أن عتبة بن أبي سفيان كان عاملاً لأخيه معاوية على مصر، فبلغه أمور عن اهلها، فصعد عتبة المنبر مغضباً وقال: (أيا حاملين ألأم أنوف ركبت بين أعين، إنما قلمت أظفاري عنكم ليلين مسي إياكم، وسألتكم صلاحكم لكم، إذ كان فسادكم راجعاً اليكم، فاما أد أبيتم إلا الطعن في الولاة والتنقص للسلف، فوالله لأقطعنَّ على ظهوركم بطون السياط، فان حسمت داءكم وإلا فالسيف من ورائكم). وقبل هذا وذاك، جاء فرعون (فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى) وجاء أبو نؤاس مصر بعد ذلك فقال: محضتكم يا أهل مصر نصيحتي … ألا فخذوا من ناصح بنصيبَ رماكم أمير المؤمنين بحية … أكول لحيات البلاد شروب فان يك باق إفك فرعون فيكمو … فان عصا موسى بكف خصيب واشتهر المصريون عند المؤرخين بالانهماك في الشهوات وعدم النظر في العواقب، ولما رآهم ابن خلدون على هذه الحال قال فيهم: (كأنما فرغوا من الحساب) يريد انهم لا يحاسبون أنفسهم على ما يصدر منهم، ولا يخافون من عاقبة أعمالهم، كأنما فرغوا من الحساب. وظل مؤرخو العرب يرمون المصريين بالذل، وقبول الضيم في كل ما كتبوا - وكان من أشدهم المقريزي في أول خططه، فقد عقد فصلاً في أخلاق المصريين قال فيه: (وأما أخلاقهم فالغالب عليها اتباع الشهوات، والانهماك في اللذات، والاشتغال بالترهات، والتصديق بالمحالات، وضعف المرائر والعزمات، ولهم خبرة بالكيد والمكر، وفيهم بالفطرة قوة عليه، وتلطف فيه، وهداية إليه). ثم رماهم بالذل، واخذ يحصي الأقوال في ذلك: فروي عن كعب الأحبار أن (الخضب قال: أنا لاحق بمصر؛ قال الذل: وأنا معك. وقال الشقاء: أنا لاحق بالبادية. فقالت الصحة وأنا معك). وروى ان ابن القرية وصف أهل مصر فقال:

стр. 2574

(عبيد لمن غلب، أكيس الناس صغرا، وأجهلهم كبارا). وجاء بعده السيوطي فلم يخجل من أن يضع في كتابه (حسن المحاضرة) فصلاً عنوانه (السبب في كون أهل مصر أذلاء يحملون الضيم) وقد جاء فيه (إن الشيخ تاج الدين كان يقول: إن الحكماء وأهل التجارب ذكروا أن من أقام ببغداد سنة وجد في علمه زيادة، ومن أقام بالموصل سنة وجد في عقله زيادة، ومن أقام بدمشق وجد في طباعه غلظة، ومن أقام بمصر سنة وجد في أخلاقه رقة وحسنا) والرقة والذل قريب بعضهما من بعض. وقال القاضي الفاضل: (أهل مصر على كثرة عددهم، وما ينسب من وفور المال إلى بلدهم، مساكين يعملون في البحر، ومجاهيد يدأبون في البر). ويذكرون الذل على انه حقيقة ثابتة، ثم يختلفون في السبب في ذلك، فمن قائل إن المصريين غاظوا يوماً سعد بن أبى وقاص، فدعا عليهم أن يضربهم الله بالذل؛ وسعد عرف بإجابة الدعوة. انو كان ذلك فالخطب هين، فمن الممكن أن يجتمع صلحاء مصر وورعاؤها فيقرءوا الفواتح والدعوات وما تيسر من القران الكريم، ويهبوها لروح سعد ويطلبوا إليه ان يعدل عن دعوته، ويطلب إلى الله تعالى ان يرميهم بالعزة بعد الذل. وما أظن سعداً يصر على دعوته، وقد عرف في حياته بالسماحة والسؤدد. ومن قائل: إن فرعون لما غرق كان معه أشراف القوم وأعزتهم، فلما غرقوا معه، فلم يبق إلا الحثالة، فأتى من نسلهم الجبناء الأذلاء. وهل ينتج الذليل إلا الذليل؟ وهذا القول أيضاً سهل رده، فالمصريون قد نزل بين أظهرهم كثير من سادة اليونان والرومان، وسادة العرب وسادة الأتراك، وذابوا في مصر واختلطوا بأهلها؛ فلم يغلب الذل العزة وعهدنا دائماً غلبة الأعزاء؟ أخطر الأسباب ما يلمح إليه الماكر (المقريزي) فهو يريد أن يبعث في النفوس اعتقاداً بان هذا سبب طبيعي يرجع إلى الإقليم والى الجو، والى طبيعة الأرض، هو يريد أن يقول إن ذلك خلقة فيهم، بل هو في كل شيء حولهم فيقول (إن هواء مصر يعمل في المعجونات وسائر الأدوية ضعفاً في قوتها، فأعمار الأدوية - المفردة المركبة، المعجون منها وغير المعجون - بمصر اقصر منها في غير مصر) واشد من ذلك وأصرح قوله (ان قوى النفس

стр. 2575

تابعة لمزاج البدن، وأبدانهم سخيفة سريعة التغير، قليلة الصبر والجلد، وكذلك أخلاقهم يغلب عليها الاستحالة والتنقل من شيء إلى شيء، والدعة والجبن. . . ومن اجل توليد أرض مصر الجبن والشرور الدنيئة في النفس لم تسكنها الأُسد، وإذا دخلت ذلت ولم تتناسل، وكلابها اقل جرأة من كلاب غيرها من البلدان، وكذلك سائر ما فيها أضعف من نظيره في البلدان الأخر، ما خلا ما كان منها في طبعه ملاءمة لهذه الحال كالحمار والأرنب) قول قاس أيها المؤرخ! ولو صح ما قلت لكان حكماً أبدياً صارماً، فان لنا طاقة بتغيير كل شيء إلا الجو والإقليم فماذا نصنع فيهما، لو كان صحيحاً قولك لاستوجب اليأس في الإصلاح، فما تفلح أمة ضرب عليها الذل والخضوع، بل لوجب الرحيل من بلد يسمم جوها دائماً أخلاق أهلها: وقد قال الشاعر: (وإذا نزلت بدار ذل فارحل) أخشى أن تكون متأثراً بآراء شيخك ابن خلدون وقد كان في طباعه حدة وعنف، وفي المصريين دعة، فنظر إليها بطبعه الحاد نظرة فيها إفراط وفيها مبالغة - لو كانت نظريتك صحيحة لما تعاقبت الذلة والعزة على الأمة الواحدة فتعز بعد ذلة، أو تذل بعد عزة، والجو واحد والإقليم واحد - وان في تاريخ مصر نفسها صفحات بيضاء تجلى فيها العزة بأجلى مظاهرها، الحق - يا سيدي - إن الإقليم عامل، ولكن ليس كل عامل، فإذا كان الجو سماً فالتربية والتعليم ترياق، إلا ترى إلى مثلك نفسه، فقد ذكرت أن الأدوية والمركبات والمعاجين يسرع إليها الفساد في مصر لسوء الجو - لو عشت إلى عصرنا لعلمت كيف تغلب العلم على الإقليم، وصار من المستطاع في يسر وسهولة أن يحفظ الدواء - بأبسط المعالجات - في مصر كما يحفظ في أوربا وان التربية كذلك تفعل في النفس الأعاجيب، وكل ما نستطيع أن نستفيده منك انك نبهتنا أنت وأمثالك من المؤرخين على أن في مصر جبناً وفي مصر ملقاً، إلى هنا نقبله منك ولكنا لا نستسلم له، ولا نقر انه طبيعي فينا. ولكن لنريك الأمثال على خطأ تعليلك ولننبهك على نظرية ثبتت حديثاً وهي: أن الأمم المبتدية الساذجة هي اكثر استسلاماً للطبيعة وشؤونها، والأمم المتحضرة تستطيع بعلمها وتربيتها

стр. 2576

وقوة عقلها أن تسخر الطبيعة لمصلحتها، لا أن تخضعها الطبيعة لأمرها، فنحن نستطيع أن نستفيد من وداعة الطبيعة فنكون وديعين إلى حد، فإذا أرادت ان تتجاوزه إلى نفاق وملق وجبن قالت التربية (لا) بملء فيها، وحق للتربية إذا قالت (لا) أن يكون (لا) وعبت كلاب المصريين بالضعف، ويظهر انك لم تر كلاب (ارمنت) وما هي عليه من بسطة في القوة والجسم، ولو قدر عليك أن ينبحك واحد منها ما سلمت بجلدك، ولغيرت حكمك. لقد أحسست بان تعميم نظريتك خطأ بين، فاستدركت وقلت (ومن المصريين من خصه الله بالفضل وحسن الخلق وبرأه من الشرور) أليس هذا - يا سيدي - نقضا لقولك.

стр. 2577

أبو عبد الله آخر ملوك الأندلس للأستاذ محمد عبد الله عنان تبوأ أبو عبد الله عرش غرناطة للمرة الثانية بعد أن قضى في أسر ملك قشتالة زهاء ثلاثة أعوام. وكانت الخطوب والفتن التي توالت على مملكة غرناطة قد مزقتها حسبما بينا، فلم يبق منها بيد الإسلام سوى بضع مدن وقواعد متناثرة مختلفة الرأي والكلمة ينضوي بعضها تحت لواء أبي عبد الله والبعض الآخر تحت لواء عمه محمد بن علي (الزغل). وكان واضحاً أن مصير غرناطة يهتز في يد القدر بعد أن نفذت جيوش النصرانية إلى قلبها، واستولت على كثير من قواعدها وحصونها الداخلية، ولم يكن الملك الصغير (أبو عبد الله) طبق المعاهدة التي عقدها مع فرديناند سوى تابع لمملكة قشتالة. يدين لها بالخضوع والطاعة، وكان ملك قشتالة يحرص من جهة أخرى على المضي في تحقيق خطته لسحق البقية الباقية من دولة الإسلام في الأندلس قبل أن يعود إليها اتحاد الكلمة، فيبعث إليها روحاً جديداً من العزم والمقاومة، فبدأ بغزو القواعد الشرقية والجنوبية التي يسيطر عليها مولاي الزغل لأنه كان في صلح مع غرناطة يمتد إلى عامين، وقد أراد أن يسبغ على عهوده مسحة غادرة من الوفاء، ولأنه أراد أولاً أن يعزل غرناطة، وأن يطوقها من كل صوب. وزحف فرديناند بادئ بدء على مالقة امنع ثغور الأندلس وعقد صلتها بالمغرب، وطوقها بقوات كثيفة من البر والبحر وسقطت مالقة رغم دفاعها المجيد في شعبان سنة ٨٩٢هـ (أغسطس ١٤٨٧م). ثم استولى فرديناند على المنكب والمرية (أواخر سنة ٨٩٤هـ ١٤٨٩م) ثم على بسطة (المحرم ٨٩٥هـ ديسمبر ١٤٨٩) ثم قصد إلى وادي آش آخر معقل لمولاي الزغل، ورأى الزغل رغم شجاعته وبسالته انه يغالب المستحيل وان جيوش النصرانية تحيط به من كل صوب، فانتهى إلى الاذعان والتسليم، ودخل فرديناند وآدي آش في صفر سنة ٨٩٥هـ (يناير ١٤٩٠م) واتفق بادئ بدء أن يستمر (الزغل) في حكم قواعده باسم ملك قشتالة وتحت حمايته، وان يلقب بملك اندرش، وأن يمنح دخلاً سنوياً كبيراً، ولكنه لم يلبث أن رأى انه يستحيل عليه الاستمرار في ذلك الوضع الشاذ، فباع حقوقه لفرديناند مقابل مبلغ كبير، وجاز البحر إلى المغرب واستقر في تلمسان يقضي بها بقية حياته في غمر من الحسرات والعدم، وجاز معه كثيرون من الكبراء

стр. 2578

الذين أيقنوا أن نهاية الإسلام بالأندلس قد غدت قضاء محتوما. ثم جاء دور غرناطة آخر معقل للإسلام بالأندلس، وكانت جميع قواعد الأندلس الأخرى: مالقة والمرية ووادي آش والحامة وبسطة فد غدت نهائياً من أملاك مملكة قشتالة وعين لها حكام من النصارى، وتدجن أهلها أو غدوا مدجنين يدينون بطاعة ملك النصارى، وذاعت بها الدعوة النصرانية فارتد كثير من المسلمين عن دينهم حرصاً على أوطانهم ومصالحهم، وخشية الريب والمطاردة؛ وجازت ألوف أخرى ممن خشوا على أنفسهم ودينهم إلى المغرب وتفرقوا في ثغوره، وهرعت ألوف أخرى إلى غرناطة تلوذ بها حتى غدت المدينة تموج بسكانها الجدد. وكان سلطان غرناطة أبو عبد الله يرقب هذه الحوادث جزعاً ويشعر أنها تسير إلى نتيجة محتومة هي سقوط غرناطة في يد العدو الظافر، وكان قد تخلص بانسحاب عمه الزغل من الميدان من منافسه القوي، ولكنه فقد في نفس الوقت أقوى عضد يمكن الاعتماد عليه في الدفاع والمقاومة، وسرعان ما بدت طوالع الخطر الداهم، وبعث فرديناند إلى أبي عبد الله يطلب إليه تسليم الحمراء والبقاء في غرناطة في طاعته وتحت حمايته مثلما وقع لعمه الزغل؛ فثار أبو عبد الله لذلك الغدر، وأدرك - وربما لأول مرة - فداحة خطأه في محالفة الملك الغادر؛ وجمع الكبراء والقادة، فاجمعوا على الرفض والدفاع حتى الموت عن وطنهم ودينهم؛ ودوت غرناطة صيحة الحرب؛ وحمل أبو عبد الله بعزم شعبه على القتال والجهاد، وخرج في قواته نحاول استرداد القواعد والحصون المسلمة المجاورة؛ وثار أهل البشرات وما حولها على النصارى؛ ووقعت بين المسلمين والنصارى عدة مواقع ثبت فيها المسلمون، واستردوا كثيراً من الحصون والقرى في تلك المنطقة (أواخر سنة ٨٩٥هـ)، وعاد أبو عبد الله إلى غرناطة ظافرا، وانتعشت قلوب الغرناطيين نوعاً بذلك النصر الخلب، وأخذوا يتأهبون للدفاع بعزم. وغضب فرديناند لتلك المفاجأة التي لم يكن يتوقعها واعتزم أن يقوم بضربته الحاسمة في الحال؛ فخرج في ربيع العام التالي (٨٩٦هـ) في جيش ضخم مزود بالمدافع والذخائر الوفيرة؛ وسار تواً إلى غرناطة ونزل بمرجها الجنوبي وأنشأ لجيشه في بلك البقعة مدينة صغيرة مشهورة سميت سانتافي (شنتفي) أو الإيمان المقدس رمزاً للحرب الدينية، وهي تقوم حتى اليوم وبدأ حصار غرناطة في جمادى الآخرة سنة ٨٩٦هـ (مارس ١٤٩١م).

стр. 2579

ولسنا نقف طويلاً عند حوادث هذا الصراع الأخير بين الإسلام والنصرانية في الأندلس؛ فهي تملأ فصولاً طويلة مؤثرة في الروايات العربية والإفرنجية؛ ويكفي أن نقول أن غرناطة دافعت عن نفسها دفاعاً مجيداً، ولم تدخر لاجتناب قدرها جهداً بشرياً؛ وان فروستها الشهيرة بذلت بقيادة زعيمها موسى ابن أبي الغسان أشجع فرسان عصره، ضروباً رائعة من البسالة، وخرج المسلمون من مدينتهم المحصورة غير مرة واثخنوا في النصارى. ولكن الضيق كان يشتد بالمدينة المحصورة يوماً فيوماً، وتقل مؤنها شيئاً فشيئاً، ويتساقط جندها تباعاً. وكانت مدى الربيع والصيف تستمد بعض المؤن من جهة البشرات من طريق جبل شلير فلما دخل الشتاء غطت هذه السهول والشعاب بالثلج الكثيف؛ وازدادت غرناطة ضيقا، واشتد بأهلها الجوع والمرض، وهم أبو عبد الله بمفاوضة فرديناند في التسليم غير مرة لو أن كان يمنعه موسى بن أبي الغسان وتحمله الحماسة العامة، فلما اشتد الخطب تقدم حاكم المدينة أبو القاسم عبد الملك، وقرر أن المؤن تكاد تنفد، وان الجوع أخذ يعصف بالشعب، وان الدفاع عبث لا يجدي؛ واتفقت كلمة الزعماء والقادة على التسليم؛ وتم الاتفاق على أن تسلم غرناطة بشروط كثيرة أهمها أن يؤمن المسلمون على أنفسهم ودينهم واموالهم، وانتمس مساجدهم وشعائرهم وشرائعهم وتقاليدهم؛ وان يجوز منهم إلى المغرب من شاء وهكذا أذعنت غرناطة وسلمت، وانتهت دولة الإسلام بالأندلس (صفر ٨٩٧هـ ديسمبر سنة ١٤٩١) وطويت إلى الأبد تلك الصفحة المجيدة الرائعة من تاريخ الإسلام، وقضى على تلك الحضارة الأندلسية الشامخة وآدابها وعلومها وفنونها وكل ذلك التراث الباهر بالفناء والمحو، ودخل النصارى غرناطة في الثاني من ربيع الأول سنة ٨٩٧ (٢ يناير ١٤٩٢) واحتلوا حمراءها وباقي قصورها وحصونها وخفق علم النصرانية ظافراً فوق صرح الإسلام المنهار. أما الملك التعس أبو عبد الله فقد قضت معاهدة التسليم ان يغادر غرناطة مع أسرته إلى البشرات وان يحكم هذه المنطقة باسم ملك قشتالة وفي طاعته وان يكون مقره في قرية اندرش. ولما ذاعت أنباء التسليم اضطرم الشعب غضباً وسخطاً على أبي عبد الله واعتبره مصدر كل مصائبه ومحنه؛ فبادر أبو عبد الله بالأهبة للسفر مع أسرته وخاصته وحشمه، وبعث بأمواله ونفيس متاعه إلى مقره الجديد في اندرش. وفي نفس اليوم الذي دخل

стр. 2580

النصارى فيه غرناطة، غادر أبو عبد الله قصره وموطن عزه ومجد إلى آبائه الأبد؛ وخرج للقاء عدوه الظافر في سرية من الفرسان والخاصة، فاستقبله فرديناند في محلته على ضفة شنيل. وتصف الرواية هذا المنظر المؤثر فتقول إن أبا عبد الله حين رأى فرديناند، هم بترك جواده، ولكن فرديناند بادر بمنعه وعانقه بعطف ورعاية؛ ثم قدم إليه أبو عبد الله مفاتيح الحمراء قائلا: (إن هذه المفاتيح هي الأثر الأخير لدولة العرب في إسبانيا. وقد أصبحت أيها الملك سيد تراثنا وديارنا وأشخاصنا. هكذا قضى الله، فكن في ظفرك رحيماً عادلاً). وسار أبو عبد الله بعد ذلك صحبة فرديناند إلى حيث كانت الملكة إيزابيلا , فقدم إليها تحياته وخضوعه، ثم انحدر إلى طريق البشرات ليلحق بأسرته وخاصته. وهنا تقول الرواية إن أبا عبد الله اشرف أثناء مسيره في شعب تل البذول (بادول) على منظر غرناطة فوقف يسرح بصره لآخر مرة في هاتيك الربوع العزيزة التي ترعرع فيها، وشهدت مواطن عزه وسلطانه؛ فانهمر في الحال دمعه وأجهش بالبكاء، فصاحت به أمه عائشة: (أجل فلتبك كالنساء ما لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال). وتعرف الرواية الإسبانية تلك الأكمة التي كانت مسرحاً لذلك المنظر المحزن باسم شعري مؤثر هو: (زفرة العربي الأخيرة) وما تزال قائمة حتى اليوم يعينها سكان تلك المنطقة للسائح المتجول. ثم تقول الرواية أيضاً إن باب غرناطة الذي خرج منه أبو عبد الله لآخر مرة قد سد عقب خروجه برجاء منه إلى ملك قشتالة وبني مكانه حتى لا يجوزه من بعده إنسان. لم يطل مكث أبي عبد الله بمقره الجديد في اندرش، ولم تمض اشهر قلائل حتى أدرك كما أدرك عمه من قبل انه يستحيل عليه البقاء في هذا الوضع الشاذ كعامل لملك قشتالة، وكان فردنياند من جانبه ينظر إلى وجوده بعين الريب ويخشى مثار الفتنة؛ فعول أبو عبد الله ان يحذو حذو عمه في الجواز إلى أفريقية، ونزل لفرديناند عن حقوقه نظير مبلغ كبير، ثم جاز بأسرته وماله ومتاعه من ثغر المرية إلى المغرب الأقصى في سفن أعدت له (١٤٩٣م) ونزل أولاً بمليلة، ثم قصد إلى فاس واستقر بها، وتقدم إلى ملكها السلطان محمد شيخ بني وطاس الذين خلفوا بني مرين في الملك، مستجيراً به، مستظلاً بلوائه ورعايته، معتذراً عما أصاب الإسلام في الأندلس على يده، متبرئاً مما نسب إليه، وذلك في كتاب طويل مؤثر كتبه عن لسان كاتبه ووزيره محمد بن عبد الله العربي العقيلي، وسماه

стр. 2581

(الروض العاطر الأنفاس في التوسل إلى المولى الإمام سلطان فاس). وقد افتتحها بعد الديباجة بقصيدة رائعة هذا مطلعها: مولى الملوك ملوك العرب والعجم … رعياً لما مثله يرعى من الذمم بك استجرنا ونعم الجار أنت … لمن جار الزمان عليه جور منتقم حتى غدا ملكه بالرغم مستلب … وافظع الخطب ما يأتي على الرغم حكم من الله حتم لا مرد له … وهل مرد لحكم منه منحتم كنا ملوكاً لنا في أرضنا دول … نمنا بها تحت أفنان من النعم فأيقظتنا سهام للردى صبت … يرمي بأفجع حتف من بهن رمى فلا تنم تحت ظل الملك نومتنا … وأي ملك بظل الملك لم ينم وهي طويلة جدا، يمتدح فيها ملوك فاس وشيد بعلائقهم القديمة مع بني الأحمر: ويشير أبو عبد الله بعد ذلك إلى حوادث الأندلس، ويعتذر عن نكبته؛ ويعترف بخطاه. زمن قوله في ذلك: (اللهم لا بريء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، ولكني مستقيل، مستنيل، مستغيث، مستغفر؛ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء) بيد أنه يدفع عن نفسه تهم الزيغ والتفريط والخيانة بشدة، ويقول: (ولقد عرض علينا صاحب قشتالة مواضع معتبرة خير فيها، وأعطى من أمانه المؤكد فيه خطه بإيمانه، ما يقنع النفوس ويكفيها؛ فلم نر ونحن من سلالة الأحمر مجاورة الصفر، ولا يسوغ لنا الإيمان الإقامة بين ظهرانيالكفر، ما وجدناه على ذلك مندوحة ولو شاسعة) ثم يرثي ملكه بعبارات مؤثرة منها: (ثم عزاء حسناً وصبراً جميلاً، عن أرض ورثها من شاء من عباده معقباً لهم ومديلاً، وسادلاً عليهم من ستور الإملاء الطويلة سدولاً، سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا. فليطر الطائر الوسواس المرفرف مطيراً كان ذلك في الكتاب مسطوراً. لم يستطع غير مورده صدوراً. وكان أمر الله قدراً مقدوراً). واستقر أبو عبد الله في فاس في ظل بني وطاس، وشيد بها قصوراً على طراز الأندلس رآها وتجول فيها المقري مؤرخ الأندلس بعد ذلك بنحو قرن (١٠٣٧هـ - ١٦٢٨م)، وقضى أعواماً طوالاً في غمر الحسرات والذكريات المفجعة، وتوفي سنة ٩٤٠هـ (١٥٣٤م). ودفن بفاس، وترك ولدين هما يوسف وأحمد، واستمر عقبه متصلاً معروفاً

стр. 2582

بفاس مدى أحقاب، ولكنهم انحدروا قبل بعيد إلى هاوية البؤس والفاقة، ويذكر لنا المقري أنه رآهم سنة ١٠٣٧هـ فقراء معدمين يعيشون من أموال الصدقات وفي بعض الروايات الأسبانية أن أبا عبد الله توفي قتيلاً في موقعة نشبت بين السلطان أحمد الساطي وبني سعد الخوارج عليه في وادي أبى عقبة وقاتل فيها أبو عبد الله جانب أصدقائه بني وطاس وذلك سنة ٩٤٣هـ (١٥٣٦م) بيد أنها رواية ظاهرة الضعف لان أبا عبد الله يكون في هذا التاريخ قد جاوز السبعين ومن الصعب أن نصدق انه يخوض مثل هذه المعارك الطاحنة بعد أن هدمه الإعياء والهرم، هذا إلى أن الرواية الإسلامية في هذا الموطن ادعى إلى الترجيح والثقة. ويعرف أبو عبد الله آخر ملوك الأندلس بالملك الصغير (وبالأسبانية تمييزاً له من عمه أبي عبد الله الزغل، ويلقب بالزغيبي، أو عاثر الحظ تنويها بما أصابه وأصاب الإسلام على يده من الخطوب والمحن. هذه قصة مصرع الأندلس، وقصة آخر ملوكها وصار ما كان من ملك ومن ملك … كما حكى عن خيال الطيف وسنان تم البحث محمد عبد الله عنان

стр. 2583

المشتهى بحث طريف لم ينشر للعلامة المغفور له أحمد تيمور باشا ذكره المقريزي في خططه في كلامه على متنزهات الفاطميين، ولكن الذي ورد عنه في النسخ التي اطلعنا عليها لا يعد وهذه الجملة المقتضبة (وكان من مواضعهم التي أعدت للنزهة المشتهى) وبعدها بياض متروك، غير أن السيوطي نقل عنه في كوكب الروضة مانصه: (قال المقريزي كان من مواضع الخلفاء الفاطميين التي أعدت للنزهة المشتهة بالروضة وكانوا يركبون إليه يوم السبت والثلاثاء فيعم الناس من الصدقات أنواع ما بين ذهب ومآكل وحلوى وغير ذلك) ولا ريب في أن هذه الزيادة من كلام المقريزي، لأن السيوطي أعقب العبارة بقوله (انتهى). وذكرها الشيخ عبد الغني النجدي النابلسي في رحلته المسماة بالحقيقة والمجاز عن المقريزي بهذا النص أيضا، فالظاهر أنهما نقلاها عن نسخة من الخطط بها هذه الزيادة أو عن تاريخ المقريزي المسمى بالسلوك. ثم أوردا بعدها بيات الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض التي منها: وطني مصر وفيها وطري … ولعيني مشتهاها مشتهاها وقال الشيخ عبد الغني النابلسي في شرحه لديوانه: المشتهى الثاني اسم مكان في مصر تدخل إليه فرقة من ماء النيل وهو متنزه مشهورا. وله ذكر في الأشعار المصرية في حسن المحاضرة وغيره من كتب الأدب والتاريخ انتهى. قلنا نعم أكثر الشعراء من ذكره وأورد السيوطي في كوكب الروضة وحسن المحاضرة كثيراً من مقطعاتهم فيه، ومنها قول ابن الفارض أيضاً مشيراً إليه والى المقياس والروضة وكان كثير التردد على المسجد الذي فيه أيام النيل. لقد بسطت في بحر جسمك بسطة … أشارت إليها بالوفاء أصارع فيا مشتهاها أنت مقياس قدسها … وأنت بها في روضة الحسن يانع ولكن الغريب إلا ترى في كتب التاريخ ذكراً لموضعه بالروضة ولا نعرف من خبره غير القليل الذي رواه المقريزي، ولولا السيوطي والنابلسي ما وصل إلينا هذا القليل أيضاً. وطالما تلمسنا مزيداً من العلم به فلم نكن نحلو بطائل، فقصرنا الجهد على تحقيق موضعه

стр. 2584

وعولنا في ذلك على الوسيلة الباقية لدينا وهي مراجعة ما كتب عن آثار الجزيرة وتتبع ما وقع في أسمائها من التغيير جيلاً بعد جيل إلى زماننا هذا رجاء ان نرى في الباقي منها ما له صلة بهذا المتنزه تهدينا إليه. ولابد لنا في الوصول إلى ذلك من قطع المراحل الثلاث الآتية. المرحلة الأولى كان أول ما تنبهنا إليه في هذا البحث أننا تذكرنا رباطاً يسمى برباط المشتهى مر بنا اسمه أثناء المطالعة فقلنا إن ظهر أنه بالروضة فلا ريب في أنه لم يشتهر بذلك إلا لكونه بنى في موضع من هذا المتنزه وقد تكون له بقية تهدينا إلى موضعه. ثم بادرنا إلى خطط المقريزي فرأيناه يقول عنه (رباط المشتهى. هذا الرباط بروضة مصر مطل على النيل وكان به الشيخ الملك بهاء الدين الكازوني ولله در شيخنا العارف الأديب شهاب الدين أحمد بن أبي العباس الشاطر الدمنهوري حيث يقول: بروضة المقياس صوفية … هم منية الخاطر والمشتهى لهم على البحر أياد علت … وشيخهم ذاك له المنتهى ثم رأينا السيوطي ذكره في كوكب الروضة فنقل هذه العبارة عن الخطط، ونقل عن تاريخ المقريزي (أي المسمى بالسلوك) أن بهاء الدين الكازروني المذكور توفي بهذا الرباط ليلة الأحد الخامس من ذي الحجة سنة ٧٧٤هـ ثم نقل ترجمته عن إنباء الغمر للحافظ ابن حجر ونصها (محمد بن عبد الله الكازروني الشيخ بهاء الدين قدم مصر فصحب الشيخ أحمد الحريري صاحب الشيخ ياقوت الحبشي تلميذ أبي العباس المرسي وانقطع بعده بالمشتهى من الروضة وكان الناس يترددون إليه ويعتقدونه، وكان الشيخ أكمل الدين شيخ الشيخونية كثير التعظيم له، واقطع إليه البدر البشتكي وكتب له أشياء من تصانيف الشيخ محي الدين بن العربي، وكان يكثر الثناء عليه، وكانت وفاته في ذي الحجة، وأرخه ابن دقماق ليلة الأحد خامس ذي القعدة) انتهى. قلنا وقد وقفنا على ترجمته أيضاً في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة للحافظ بن حجر المذكور فرأيناه أرخ وفاته بسنة ٧٧٣ أي بنقصان سنة واحدة عن قول المقريزي. ولم يزل لهذا الرباط بقية إلى اليوم، وذكره علي مبارك باشا في موضعين من خططه

стр. 2585

أحدهما في مساجد الروضة باسم زاوية المشتهى (ج ١٨ ص ١٤) فنقل عبارة المقريزي والسيوطي ثم قال (وفي زماننا هذا يعني سنة إحدى وتسعين ومائتين وألف، الزاوية المذكورة مشهورة بزاوية الشيخ الكازروني وموضعها غربي سراية الخديو إسماعيل وبنتها سعادة والدة باشا والدة الخديو المذكور، وأقام بها الشيخ علي القشلان أحد المشاهير من رجال الطريقة القادرية ومعه سبعة دراويش ورتبت بها مولداً سنوياً، وفي كل شهر ثلاثمائة قرش ديوانية ورتبت لها من الشمع والبن والفحم والزيت ما يلزم لها يوميا). والثاني في كلامه على الربط (ج٦ ص٥٣) فذكره باسم رباط المشتهى ونقل عبارة المقريزي المتقدم ذكرها ثم قال (وهذا الرباط يعرف اليوم بجامع المشتهى وقد ذكرناه في كتابنا المسمى مقياس النيل فارجع إليه إن شئت) انتهى. قلنا لم نر أحداً يعرفه النوم بذلك بل هو معروف بزاوية الكازروني كما ذكر في عبارته الأولى. وقد زرنا هذه الزاوية فرأيناها تلاصق السور الغربي لقصر الخديو إسماعيل وحديقته، وكان القصر بينها وبين النيل، ولا ريب في أنها بقية الرباط وأن سائره كان ممتداً في جزء من موضع القصر حتى يكون مطلاً على النيل كما ذكروه عنه في التواريخ، والباقي من هذا القصر الآن أطلال ماثلة شرقي الزاوية وفي حائطها الجنوبي قبة مدفون بها الكازروني، وعلى قبره تابوت من الخشب مغطى بستر أخضر من الجوخ عملته له أم الأمير حسين ابن الخديو إسماعيل، وفي الجانب الغربي من هذا الستر رقعة حمراء مكتوب فيها بالبياض (هذا مقام سيدي محمد الكازروني) وفي جانبه الشرقي رقعة مثلها مكتوب فيها (جددت هذا الستر دولتلو فادن أفندي والدة دولتلو حسين كامل باشا ثاني نجل حضرة الخديو حالا ١٢٨٩) انتهى بنصه ورسمه. وليس بالزاوية اليوم إلا خادم واحد وأما الشيخ علي القشلان القادري شيخ صوفيتها فقد دفن في الإيوان الشرقي بالزاوبة القادرية المسماة قديماً بالزاوية العدوية والمعروفة الآن بجامع سيدي عُلَيّ (بالتصغير) خارج باب القرافة، وقد فصلنا الكلام على هذا الجامع وما به من القبور في ص ٢٩ - ٣٨ من رسالتنا (اليزيدية ومنشأ نحلتهم) ولما زرناه وقت تأليف الرسالة سألنا خدمته عما يعرفونه عن هذا الشيخ فأخبرونا أنه الذي كان مقيماً بالمنيل في زاوية الكازروني ومات من نحو خمس وأربعين سنة. وموقع هذه الزاوية في وسط الجزيرة بقرب شاطئها الشرقي، وكان المتنزه المسمى

стр. 2586

بالمشتهى ممتداً منها إلى جهة الشمال كما سنبينه في المرحلة الثانية وربما كان ممتداً في الجهة الجنوبية منهاً أيضاً. المرحلة الثانية وفي هذه المرحلة نترك زاوية الكازروني أو رباط المشتهى ونسير شمالاً حتى نصل إلى قرية صغيرة تعرف الآن بكفر قايتباي فنرى في شماليها مسجداً ملاصقاً لدورها يعرف بجامع قايتباي قد نقش على بابه اسم السلطان الملك الأشرف أبي النصر قايتباي وهو ثالث تغيير وقع في اسمه، فقد كان قديماً يعرف بجامع الفخر باسم منشئه القاضي فخر الدين محمد بن فضل الله ناظر الجيش المشهور بالفخر، وكان نصرانياً ثم أسلم وحسن إسلامه ومات سنة ٧٣٢. قال السيوطي في كوكب الروضة ثم جدده الصاحب شمس الدين المقسي فصار يقال له جامع المقسى ونسي اسم الفخر، ثم جدده سلطان عصرنا وزماننا الملك الأشرف أبو النصر قايتباي وابتدأ فيه سنة ٨٨٦ وعمل فيه ناعورة على وضع غريب بحيث تدور بحمار ينقل قدميه وهو واقف من غير أن يمشي ولا يدور وركب عليها طاحوناً فصار يسمى جامع السلطان ونسي اسم المقسى كما نسي اسم الفخر ثم زاد فيه سنة ٨٩١ وأنشأ حوله الغراس والعمائر الحسنة فعمرت تلك البقعة وأحييت الروضة بعد ما كادت تدرس محاسنها انتهى المراد منه. قلنا ثم نزل به جلال الدين السيوطي المذكور أو سكن قريباً منه فعرف به ثم عاد إليه اسم قايتباي لبقاء اسمه منقوشاً على بابه، وفي تاريخ الجبرتي (ج٣ ص ١٩١ طبع بولاق) خبر حريق وقع بهذا المسجد سنة ١٢١٦ يقول عنه في حوادث يوم الجمعة ١٣ ربيع الأول (وفي ذلك اليوم احترق جامع قايتباي الكائن بالروضة المعروف بجامع السيوطي، والسبب في ذلك أن الفرنسيس كانوا يصنعون البارود بالجنينة المجاورة للجامع فجعلوا ذلك الجامع مخزنا لما يصنعونه فبقي ذلك بالمسجد وذهب الفرنسيس وتركوه كما هو وجانب كبريت في أنخاخ أيضاً فدخل فلاح ومعه غلام وبيده قصبة يشرب بها الدخان وكأنه فتح ماعونا من ظرف البارود ليأخذ منه شيئا ونسي المسكين القصبة بيده فأصابت البارود فاشتعل جميعه وخرج لهصوت هائل ودخان عظيم واحترق المسجد واستمرت النار في سقفه بطول النهار واحترق الرجل والغلام). وقد ذكر علي باشا مبارك هذا المسجد في ثلاثة مواضع من خططه أولها في الجزء الخامس ص٦٧

стр. 2587

باسم جامع الفخر في كلامه على جوامع القاهرة عامة في حرف الفاء، والثاني في ص٦٩ من هذا الجزء في حرف القاف باسم جامع قايتباي بالروضة، والثالث في الجزء الثامن عشر ص١٣ في كلامه على جوامع الروضة خاصة وقال في الموضع الثاني عن الحريق الذي وقع به ما نصه (ثم بعد مدة جدد ما احترق منه وأقيمت شعائره إلى الآن وكان يعرف أيضا بجامع السيوطي لإقامة الشيخ جلال الدين السيوطي فيه أيام نزوله بالروضة) انتهى. قلنا وقد وصلنا في هذه المرحلة إلى ان مسجد قايتباي كان يعرف بجامع السيوطي لنزوله فيه أو لتردده عليه بسبب سكناه بجواره وإذا رجعنا إلى مترجمي هذا الإمام نراهم متفقني على إقامته في أواخر أيامه بالروضة ووفاته بها بعد أن مرض أسبوعاً وصرح الأسدي في طبقات الشافعية بوفاته سنة ٩١٦ بالروضة بالمشتهى وعلى هذا فمسجد قايتباي والأماكن المجاورة له كانت داخلة في حين هذا المتنزه أيضاً وكذلك ما بينها وبين زاوية الكازروني من المواضع غير أن قول الأسدي كما يحتمل أيضاً أن يكون مراده بالمشتهى رباط المشتهى المعروف بزاوية الكازروني على تقدير أن يكون السيوطي انتقل إليه وسكنه قبل وفاته وتوفي به ولكنا نرجح الأول لبعض مرجحات اطمأننا إليها: منها أنه الأشبه بما كان عليه هذا المتنزه من العظم المظنون في أمثاله من متنزهات الخلفاء الفاطميين إذ لا يعقل أنه كان محصوراً في بقعة ضيقة لا تتعدى الجهة الجنوبية لهذا الرباط وهو ما سنعالج تحقيقه في المرحلة الثالثة. المرحلة الثالثة إذا تركنا زاوية الكازروني وسرنا في الجهة الجنوبية منها فانا نصل إلى زاوية تعرف بزاوية الأباريقي واقعة على فيد غلوة منها شمالي قصر علي باشا شريف بجانب السور المحيط بحديقته وكانت قديما مسجداً جامعاً أنشاه قائد القواد غبن أحد خدام الحاكم بأمر الله الفاطمي فعرف به كما في كوكب الروضة للسيوطي قال وقد صار يسمى الآن جامع الأباريقي بولي مدفون بجواره ونسي اسم غبن فلا يعرفه الآن أحد إلا من له نظر في التواريخ. انتهى. وذكر على باشا مبارك في خططه أن هذه الزاوية بنيت على جزء من جامع غبن وجددها أخيراً علي باشا شريف ابن شريف باشا. قلنا وقد زرناها فرأينا على بابها كتابة منقوشة في الحجر نصها: (مقام سيدي أحمد الاباريقي، أنشأ هذا المسجد سعادة

стр. 2588

عبد الحميد بك شريف في غرة شهر شعبان المكرم من سنة ١٣٢٧ هجرية) وبداخلها من الغرب قبة على حجرة بها ضريح الشيخ وعليه ستر أخضر عمله له عبد الحميد بك المذكور سنة ١٣٢٨، ثم توفي بعد ذلك بقليل وهو ابن علي باشا شريف المتقدم ذكره وقد يكون المراد بإنشائه هذا المسجد إصلاح ما تشعث فيه من بناء والدة. وفي هذه الزاوية صلوا على الإمام السيوطي لما شيعوا جنازته من الروضة إلى حوش قوصون قال الأستاذ الشعراني في ترجمته بذيل طبقاته (ثم بعد شهر سمعت ناعيه ينعى موته فحضرت الصلة علوه عند الشيخ أحمد الاباريقي بالروضة عقب صلاة الجمعة وفي سبيل المؤمنين عند الجامع الجديد بمصر العتيقة). فيتضح مما تقدم ان زاوية الكازروني المسماة قديما برباط المشتهى واقعة بلا ريب في موضع من هذا المتنزه ويعلم من موقعها انه كان في وسط الجزيرة على الشاطئ الشرقي منها ويدخل فيه ما في كمالي هذه الزاوية من المواضع إلى جامع قايتباي، ثم إذا صح أن هذه الزاوية واقعة في وسط المشتهى كما يغلب على الظن كان أيضاً ممتداً في الجهة الجنوبية منها أي زاوية الأباريقي أي فيكون موقعه فيما بين الأباريقي وجامع قايتباي وربما كان زائداً عن ذلك جنوباً وشمالاً والله أعلم. تتمة في توضيح أماكن ذكرت أسماؤها بالمصور منها جامع عبد الرحمن بن عوف فان العامة تزعم أن القبر الذي به للصحابي المشهور أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃ والصواب انه مدفون بالبقيع وبهذا المسجد قبر آخر دفن فيه حسن باشا المناسترلي الذي كان كتخدا مصر زمن عباس باشا الكبير أي وزيراً للولاية وهو من المساجد القديمة بالروضة أنشأه بدر الجمالي زمن المستنصر الفاطمي وكان يسمى جامع المقياس ثم جدده الصالح نجم الدين أيوب ثم هدمه المؤيد شيخ ووسعه ولم يتمه فأتمه بعده الظاهر جقمق ثم عمره قائصوه الغوري ثم خرب وانتهك الفرنسيس حرمته زمن احتلالهم لمصر ثم جدد حسن باشا المناسترلي البناء القائم منه الآن على الجزء الشمالي منه ولما توفي دفن فيه وكان في الأصل كبيراً ممتداً من الجنوب إلى الشاطئ ومتصلاً بالدرج التي كانت على النيل وهي التي تزعم العامة أن موسى ﵇ قذف منها بتابوته في اليم، ويرى

стр. 2589

الفرنسيس في كتابهم (وصف مصر) أن أبا جعفر النحاس رمى من هذه الدرج في النيل لما جلس عليها يقطع بيتاً من الشعر لظنهم انه يسحر النيل. ومنها زاوية أبي يزيد البسطامي فان العامة تزعم أيضا انه مدفون بها والصواب انه مدفون ببسطام وقبره معروف بها كما في معجم البلدان لياقوت، واسمه طيفور ووفاته سنة ٢٦١ أو ٢٦٤ كما في وفيات الأعيان لابن خلكان. وإنما نسبت هذه الزاوية للبسطامي لان بانيها من ذرية وهو الشيخ محمد بن أصيل بن مهدي الهمذاني ثم جعلها فتح الدين صدقة بن زين الدين أبي بكر رئيس الخلافة جامعاً في حدود سنة ٧٧٠ فعرفت بجامع الريس وهي معروفة اليوم بزاوية البسطامي. ومنها جامع الديريني وهو الشيخ عبد العزيز الديريني المتوفى سنة ٦٩٤ فانهم يزعمون انه مدفون به والصواب انه مدفون بديرين وقبره بها معروف يزار كما في المنهل الصافي وطبعات الشعراني. ومنها مقام الأربعين ولا مقام بهذا المكان وإنما هي شجرة سدر تعتقد العامة فيها ذلك، وقد وضع سدنتها بجوارها زيراً وأكوازاً لشرب الزوار والسابلة. ومنها شجرة المندورة وهي من الجميز وللعامة فيها اعتقاد ومزاعم غريبة والظاهر ان اسمها عن المنذورة بالذال المعجمة والمراد المنذور لها والله أعلم.

стр. 2590

عثمان بن أبي العلاء الرجل الذي غزا الأسبان ٧٣٢ غزوة للدكتور عبد الوهاب عزام ملك بني مرين يعم المغرب الأقصى، ويرث دولة الموحدين. وهذا سلطانهم السادس يوسف بن يعقوب بن عبد الحق (٦٨٥ - ٧٠٦هـ) يسير الجحافل لتمكين ملكه، ويجتهد ليكسو الدولة المرينية رونق الحضارة، ولكن جماعة من بني مرين حسدوا بني عمومتهم على السلطان، ونفسوا، وزعموا أنهم أحق منهم بميراث عبد الحق فثاروا على السلطان يوسف، اعتصموا بجبال ورغة، فأنزلهم السلطان من صياصيهم وألحمهم السيف. فأشفق أعياص بن مرين على أنفسهم ولحقوا ببني الأحمر بالأندلس سنة ٦٨٦ ثم رجع إلى المغرب بعد سنين أحدهم: عثمان بن أبي العلا إدريس بن عبد الله بن عبد الحق، لينازع بني عمه السلطان، فثار في جبال غمارة فاشتملت عليها ناره واستطارت منها ثورته، فعمت بلاد كثيرة، ولجأ إليه كل مخالف من بني مرين وغيرهم. ومات يوسف وعثمان في ثورته فخلفه ابنه أبو ثابت (٧٠٦ - ٧٠٨) فسير الجحافل إلى عثمان فهزمهم، ومد على رغم أبي ثابت سلطانه إلى بلاد أخرى فنهض أبو ثابت نفسه في جنود لا قبل لعثمان بها فخلى البلاد واعتصم بسبته، وهي يومئذ في قبضة بني الأحمر ومات أبو ثابت فخلفه أخوه أبو الربيع سنة ٧٠٨ واصطلح بنو مرين وبنو الأحمر فضاق المغرب على عثمان بن أبي العلاء فولى وجهه شطر الأندلس فيمن تبعه من قرابته. لم يكن للمسلمين في الأندلس إلا مملكة غرناطة الضيقة وقد ألح العدو عليها وصمم على محوها. واستمات في الدفاع عنها المسلمون إذ كانت الملجأ الأخير، والوزر الذي ليس وراءه إلا الموت أو الاستعباد. وكان بنو مرين يرسلون جيوشهم مدداً لبني الأحمر حيناً، ويسيرون إلى الجهاد بأنفسهم حيناً. وكان أولو النجدة والصرامة، كأبي العلاء، يفدون على الأندلس مجاهدين مرابطين غضبا لدينهم، وحمية لإخوانهم. جاء عثمان الأندلس فتولى (مشيخة الغزاة) وحسن بلاؤه، وعظمت مكانته فكان شجى في حلوق الأسبان، وكان غصة لبني الأحمر شاركهم في سؤددهم حتى كان يستأثر بالأمر دونهم وهو من قبل خصم قومه ملوك المغرب، ثار عليهم وزلزل دولتهم زمانا. لم يكن

стр. 2591

عثمان ملكا ولكنه: كان من نفسه الكبيرة في جيش، وكم كبرياه في سلطان تولى زعامة الغزاة ثلاثاً وعشرين سنة فما وهن عزمه، ولا فل حده، ولا أغمد سيفه، ولا خط سرجه، وما كان إلا النار في كل موضع تثير غباراً في مكان دخان والنفس الكبيرة تستهين بالصعاب، وتطرق على المنايا الأبواب. وما الجيوش الجرارة، والحروب المستعرة في همة الرجل العظيم إذا صمم. فأثبت في مستنقع الموت رجله وقال لها: من تحت أخمصك الحشر حسبي من الإفاضة في وصف عثمان، والإشادة بذكره أن أنقل هنا ما كتبه أصحابه الغزاة على قبره: (هذا قبر شيخ الحماة، وصدر الأبطال والكماة، وأحد الجلالة، ليث الأقدام والبسالة، علم الأعلام، حامي ذمار الإسلام، صاحب الكتائب المنصورة، والأفعال المشهورة، والمغازي المسطورة، وإمام الصفوف، والقائم بباب الجنة تحت ظلال السيوف، سيف الجهاد، وقاصم الأعاد، وأسد الآساد، العالي الهمم، الثابت القدم، الهمام الماجد الأرضى، البطل الباسل الأمضى، المقدس المرحوم أبي سعيد عثمان أبن الشيخ الجليل الهمام الكبير الأصيل الشهير المقدس المرحوم أبي العلاء إدريس بن عبد الله بن عبد الحق. كان عمره ثمانياً وثمانين سنة أنفقه ما بين روحة في سبيل الله وغدوة، حتى استوفى في المشهور سبعمائة واثنين وثلاثين غزوة، وقطع عمره مجاهداً مجتهداً في طاعت الرب، محتسبا في إدارة الحرب، ماضي العزائم في جهاد الكفار، مصادما بين جموعهم تدفق التيار، وصنع الله تعالى له فيهم من الصنائع الكبار، ما سار ذكره في الأقطار، أشهر من المثل السيار، حتى توفي ﵀ وغبار الجهاد طي أثوابه، وهو مراقب لطاغية الكفر وأحزابه. فمات على ما عاش عليه، وفي ملحمة الجهاد قبضه الله إليه، واستأثر به سعيدا مرتضى، وسيفه على رأس ملك الروم منتضى، مقدمة قبول وإسعاد، ونتيجة جهاد وجلاد، ودليلاً على نيته الصالحة، وتجارته الرابحة. فارتجت الأندلس لبعده، أتحفه الله برحمة من عنده. توفي يوم الأحد الثاني لذي الحجة من سنة ثلاثين وسبعمائة. ﵀.

стр. 2592

صحائف المجد والخلود الفن المصري القديم - ٣ - مصر ملتقى ثقافات العالم: مرت بمصر في مدى نيف وسبعة آلاف من السنين، من عهد ما قبل التاريخ حتى يومنا هذا، أربع مدنيات عظيمة: المدنية المصرية أو الفرعونية. وهي عصر قدماء المصريين وملوكهم حتى دخول الإغريق مصر واتخاذهم الإسكندرية مقراً للحكم، والمدنية الإسكندرية، وهي عصر الإغريق والرومان الذين كانت الإسكندرية في عهدهم عاصمة البلاد. والمدنية المسيحية (أو القبطية البزنطية) وهي عصر خضوع مصر للديانة المسيحية وظهور الأقباط. ثم المدنية الإسلامية، وتبدأ بدخول العرب وتغلب الديانة الإسلامية على البلاد. ومن ذلك تجمع مصر لنا في آثارها أعظم سجل للحضارات البارزة، وأجل كتاب يقرأ عن العصور المتعاقبة في تاريخ الإنسانية. دع عنك ما شهدت مصر من مختلف الشعوب التي تتابعت على أرضها في الفتوح المتوالية، وما تركت هذه الدول في وادي النيل من صور للثقافات المتباينة. حتى لتكفي مصر وحدها أن تعطي لمن يرغب في دراسة الفن كل شيء، وتكفية المؤونة في كل ما يريد عمله. وإننا إذا وضعنا تحت عيني القارئ بأن أديم مصر قد كان مسرحاً كبيراً لغالب الأمم التي عرفها التاريخ، مثلت فيه كل واحدة دورها، وصرعت عليه أمة بعد أمة. وإذا أشرنا إلى أن كل أمة من هذه الأمم تركت على هذا الأديم أثراً من ثقافتها، وأثراً من نفسيتها، إن كان كبيراً أو ضئيلاً. فقد تكون مصر وحدها أجدر دول التاريخ بالدراسة. فضلاً عن أنها المصدر الأول للمدنيات جميعاً. ويكفي لنقرر كيف جمعت مصر في أرضها حضارات العالم بأجمعه بان نشير إلى العناصر التي دخلت فيها من الحروب والفتوح، مدى التاريخ القديم حتى يومنا هذا. فقد تعاقب على مصر من عناصر الأمم المختلفة: الساميون. والهكسوس (البدو الرعاة). واللوبيون. والأتيوبيون (النوبيون). والآشوريون. والفرس. والإغريق. والرومان. والعرب. والمغاربة. والأكراد. والشراكسة. والأتراك. والفرنسيون. والإنجليز. وقد احتك

стр. 2593

بها فوق ذلك من الأمم الأخرى: الحثيون. والكلدانيون. والفينيقيون. فلا عجب أن تكون مصر خير أمة يجب دراسة تاريخ الفن فيها. بل ما أجدرها أن تجتمع حولها الدنيا الحديثة لترقب في آثارها وسجلاتها صوراً خالدة من الدنيا القديمة. وتقرأ في مظاهرها المتباينة جليلا من كتب المجد لم تجمعه أمة غير مصر. وقد يجب أن تعتبر مصر ملتقى ثقافات الشرق بالغرب. بل إن ثقافة مصر ذاتها نشرت على البلاد المجاورة لها نوراً كان له الأثر الأهم في حضارتها وتفكيرها. ونأخذ دليلاً على ذلك فتوح مصر القديمة على يد جيوش (تحوتمس الثالث) و (رمسيس الثاني) مثلاً. فان أمثال هذه الفتوحات قد ترك في كل مكان، من الغرب للشرق، ومن المال للجنوب، أثرا، لا تزال بقاياه تشاهد في الآثار الموجودة حتى أقصى الفرس، وحتى أقصى بلاد المغرب، وحتى أواسط أفريقيا. ولكن مصر ظلت مدى هذه التطورات التي مرت بها محافظة على قومية خاصة في فنها لم تعرف لها ظاهرة في أي أمة أخرى. ففي عهد المدنيات الأربع المتعاقبة على تاريخها، التي ذكرناها، وفي عهد الاقتباسات الفنية القليلة التي دخلت على الفن المصري في بعض فترات من التاريخ، كان للفن عندها طابعه الخاص. لا يخطئ قوميته أو روحيته الملازمة له. فهي إن كانت في إبان المدنيات الأربع قد انتقلت من عصر إلى عصر، يكاد يكون كل واحد منه غريباً عن أخيه في ثقافته ونظامه، حتى ليظهر جديداً كل الجدة عما كان مألوفاً من قبل. وان كانت الحياة قد تطورت عندها، من مصرية فرعونية، إلى إغريقية ورومانية، إلى مسيحية وقبطية، إلى إسلامية، إلا أن الفن في إبان هذه الثقافات الطارئة كان مصرياً. مصري الشخصية والروح. أو أن البلاد تمصر فيها الفن، أو هي مصرت فن كل مدينة من تلك المدنيات، وذللته ليلائم طبيعة مصر، ويتمشى مع ذوقها. وان كان من شاهد يطلب على ذلك، فقد نشير إلى آثار الفن في العصر الذي حكمت في مصر فيها الإغريق والرومان مثلن ونقارنه في نفس الوقت بما كان من اثر الفن الإغريقي والروماني في بلاد الإغريق والرومان ذاتهما. فلاشك سيظهر ذلك الفرق واضحاً بين روحية الفن في المكانين في الإغريق والرومان متشحاً بذلك الوشاح الظاهر من الإجهاد والتعمق. وفي مصر بسيطاً وديعاً رشيقاً.

стр. 2594

وكما نطبق هذه الحال على العصر الإغريقي والروماني، نطبقها أيضاً على العصر المسيحي القبطي، الذي كان فاشياً فيه نوع الفن البيزنطي. فان نفس تلك الظاهرة التي بيناها ستفرق ما في مصر عما كان مألوفاً في ذلك العهد من نفس نوع الفن في القسطنطينية مثلاً، مهبط الفن البيزنطي. وهكذا أيضاً الفن الإسلامي. فقد يكفي بلا كبير عناء مقارنة ما في مصر من آثاره بما هو موجود في بلاد المغرب مثلاً التي نقلت إلى مصر الأسلوب الفاطمي. أو ما هو موجود منه في بلاد العراق وسوريا اللتين ارتبطت مصر في طويل من الزمن معهما في عصر من الأسلوب والشكل. فقد خضع الفن الإسلامي نفسه في جو مصر لمزاج أهل مصر، وللروح المصرية. في حين أن له في كل مكان، وفي بلاد الإسلام جميعا، صبغة عالمية. فاضطر الفن لذلك أن يتكيف في الأرض المصرية بالطابع الذي تتميز به مصر دائما، وهو طابع الاحتشام والبساطة والرقة الذي يعطي مع ذلك أروع وألطف ما يكون من التأثير. وحينئذ فقد بقي لمصر فنها الخاص بها، المنطبع بالطابع المصري الصميم، الذي لم يخطئ غرضه، ولم يشذ عن طريقه، منذ أخذت مصر مكانها تحت الشمس. وفي ذلك سر من أسرار عظمة مصر الفنية التي نعترف لها بها التاريخ. وإذن فالفن المصري جدير بالدراسة قبل كل الفنون الأخرى. إذ هو فضلا عن كونه فنا محليا غير مقتبس في اصله من أي بلاد أجنبية، بخلاف غيره. وفضلا عن انه الفن الوحيد الذي احتفظ مدى التاريخ بشخصيته الخاصة التي اقترنت باسم مصر. فانه المرأة التي تعكس علينا ثقافات الأجيال المتعاقبة مجتمعة في سجل واحد، هو الآثار المصرية القديمة. ودون ذلك يجب إلا ينسى فضل الفن المصري على فنون العالم، في انه المصدر أو المدرسة الأولى التي تلقنت عنه دروس الفن أمم الأرض جميعا. (يتبع) أحمد يوسف بالمتحف المصري

стр. 2595

من الصميم يا أختاه. . . إلى الفتاة المصرية: صحراء الحياة موحشة يا أختاه، تشيع في شعابها المخاوف وتتحفز على هضابها الوحوش، وتكمن في كهوفها الحتوف، وتحوم في سمائها العقبان. . . ومرحلة الجهاد طويلة. . . ونحن المدلجين في صحراء الجهاد ينقصها رفاق يحملون عنا بعض ما ننوء به حتى لا يأخذ منا الياس، ويحملون أمامنا المشاعل حتى لا نأخذ على غير الطريق. نحن بحمد الله أقوياء ما سلبنا الألم الأمل وان طال وغلا، وما غلبنا اليأس على بعد الشقة واتصال المشقة. . . ولكن: إذا الحمل الثقيل توازعته … أكف القوم هان على الرقاب في عنقك الجميل دين يا أختاه، وعلى عطفك الرقيق تبعة هائلة؛ إن كنت تؤمنين بحق الوطن فاستعدي لتعدي لمصر جيلا جديدا أمينا على الميثاق، متينا بالأخلاق قويا لا يهاب في سبيل مصر الموت، مؤمنا لا يرتاب في حق بلاده وصدق جهاده. إن كنت أما: فعلمي طفلك الدين أولا، ثم حدثيه عن مصر، اقرئي له صحف المجد الأولى، صحف أجداده من سادة الزمان، وقادة العالم وشادة الهرم، لقنيه تاريخ الأبطال فربما نفعت الذكرى، حديثه عن (مصطفى كامل) المجاهد المؤمن الشاب كيف جاهد ولما يتخط العشرين فتداولته الوان العسف وتناولته ضروب الإرهاق، فلم يصرفه ذلك عن السبيل ولم يصدفه عن الغاية، حدثيه عن (محمد فريد) كيف ضحى في سبيل مصر بالمنصب والراحة والصحة والمال وكيف مات غريبا واهتفي معه: لتحيى الضحية! فإذا فرغت من تاريخ إشراق النهضة فحدثيه عن انبثاق الثورة ففيها من روائع آيات التضحية وبدائع صفحات الوطنية ما يهز نفوس المخلصين فخرا، ويحفز نفوس الناكصين في طريق المجد. . هناك (سعد زغلول) حمل الراية في أعصب الظروف وقد تساقط من حولها المجاهدون وكان له في مناهضة الاحتلال ومعارضة أهله جولات لا يزال يذكرها
следующие страницы →