Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
عثمان ملكا ولكنه:
كان من نفسه الكبيرة في جيش، وكم كبرياه في سلطان تولى زعامة الغزاة ثلاثاً وعشرين سنة فما وهن عزمه، ولا فل حده، ولا أغمد سيفه، ولا خط سرجه،
وما كان إلا النار في كل موضع تثير غباراً في مكان دخان والنفس الكبيرة تستهين بالصعاب، وتطرق على المنايا الأبواب. وما الجيوش الجرارة، والحروب المستعرة في همة الرجل العظيم إذا صمم.
فأثبت في مستنقع الموت رجله وقال لها: من تحت أخمصك الحشر حسبي من الإفاضة في وصف عثمان، والإشادة بذكره أن أنقل هنا ما كتبه أصحابه الغزاة على قبره:
(هذا قبر شيخ الحماة، وصدر الأبطال والكماة، وأحد الجلالة، ليث الأقدام والبسالة، علم الأعلام، حامي ذمار الإسلام، صاحب الكتائب المنصورة، والأفعال المشهورة، والمغازي المسطورة، وإمام الصفوف، والقائم بباب الجنة تحت ظلال السيوف، سيف الجهاد، وقاصم الأعاد، وأسد الآساد، العالي الهمم، الثابت القدم، الهمام الماجد الأرضى، البطل الباسل الأمضى، المقدس المرحوم أبي سعيد عثمان أبن الشيخ الجليل الهمام الكبير الأصيل الشهير المقدس المرحوم أبي العلاء إدريس بن عبد الله بن عبد الحق. كان عمره ثمانياً وثمانين سنة أنفقه ما بين روحة في سبيل الله وغدوة، حتى استوفى في المشهور سبعمائة واثنين وثلاثين غزوة، وقطع عمره مجاهداً مجتهداً في طاعت الرب، محتسبا في إدارة الحرب، ماضي العزائم في جهاد الكفار، مصادما بين جموعهم تدفق التيار، وصنع الله تعالى له فيهم من الصنائع الكبار، ما سار ذكره في الأقطار، أشهر من المثل السيار، حتى توفي ﵀ وغبار الجهاد طي أثوابه، وهو مراقب لطاغية الكفر وأحزابه. فمات على ما عاش عليه، وفي ملحمة الجهاد قبضه الله إليه، واستأثر به سعيدا مرتضى، وسيفه على رأس ملك الروم منتضى، مقدمة قبول وإسعاد، ونتيجة جهاد وجلاد، ودليلاً على نيته الصالحة، وتجارته الرابحة.
فارتجت الأندلس لبعده، أتحفه الله برحمة من عنده. توفي يوم الأحد الثاني لذي الحجة من سنة ثلاثين وسبعمائة. ﵀.
стр. 2592
صحائف المجد والخلود
الفن المصري القديم
- ٣ -
مصر ملتقى ثقافات العالم:
مرت بمصر في مدى نيف وسبعة آلاف من السنين، من عهد ما قبل التاريخ حتى يومنا هذا، أربع مدنيات عظيمة: المدنية المصرية أو الفرعونية. وهي عصر قدماء المصريين وملوكهم حتى دخول الإغريق مصر واتخاذهم الإسكندرية مقراً للحكم، والمدنية الإسكندرية، وهي عصر الإغريق والرومان الذين كانت الإسكندرية في عهدهم عاصمة البلاد. والمدنية المسيحية (أو القبطية البزنطية) وهي عصر خضوع مصر للديانة المسيحية وظهور الأقباط. ثم المدنية الإسلامية، وتبدأ بدخول العرب وتغلب الديانة الإسلامية على البلاد.
ومن ذلك تجمع مصر لنا في آثارها أعظم سجل للحضارات البارزة، وأجل كتاب يقرأ عن العصور المتعاقبة في تاريخ الإنسانية. دع عنك ما شهدت مصر من مختلف الشعوب التي تتابعت على أرضها في الفتوح المتوالية، وما تركت هذه الدول في وادي النيل من صور للثقافات المتباينة. حتى لتكفي مصر وحدها أن تعطي لمن يرغب في دراسة الفن كل شيء، وتكفية المؤونة في كل ما يريد عمله. وإننا إذا وضعنا تحت عيني القارئ بأن أديم مصر قد كان مسرحاً كبيراً لغالب الأمم التي عرفها التاريخ، مثلت فيه كل واحدة دورها، وصرعت عليه أمة بعد أمة. وإذا أشرنا إلى أن كل أمة من هذه الأمم تركت على هذا الأديم أثراً من ثقافتها، وأثراً من نفسيتها، إن كان كبيراً أو ضئيلاً. فقد تكون مصر وحدها أجدر دول التاريخ بالدراسة. فضلاً عن أنها المصدر الأول للمدنيات جميعاً.
ويكفي لنقرر كيف جمعت مصر في أرضها حضارات العالم بأجمعه بان نشير إلى العناصر التي دخلت فيها من الحروب والفتوح، مدى التاريخ القديم حتى يومنا هذا. فقد تعاقب على مصر من عناصر الأمم المختلفة: الساميون. والهكسوس (البدو الرعاة). واللوبيون. والأتيوبيون (النوبيون). والآشوريون. والفرس. والإغريق. والرومان. والعرب. والمغاربة. والأكراد. والشراكسة. والأتراك. والفرنسيون. والإنجليز. وقد احتك
стр. 2593
بها فوق ذلك من الأمم الأخرى: الحثيون. والكلدانيون. والفينيقيون. فلا عجب أن تكون مصر خير أمة يجب دراسة تاريخ الفن فيها. بل ما أجدرها أن تجتمع حولها الدنيا الحديثة لترقب في آثارها وسجلاتها صوراً خالدة من الدنيا القديمة. وتقرأ في مظاهرها المتباينة جليلا من كتب المجد لم تجمعه أمة غير مصر.
وقد يجب أن تعتبر مصر ملتقى ثقافات الشرق بالغرب. بل إن ثقافة مصر ذاتها نشرت على البلاد المجاورة لها نوراً كان له الأثر الأهم في حضارتها وتفكيرها.
ونأخذ دليلاً على ذلك فتوح مصر القديمة على يد جيوش (تحوتمس الثالث) و (رمسيس الثاني) مثلاً. فان أمثال هذه الفتوحات قد ترك في كل مكان، من الغرب للشرق، ومن المال للجنوب، أثرا، لا تزال بقاياه تشاهد في الآثار الموجودة حتى أقصى الفرس، وحتى أقصى بلاد المغرب، وحتى أواسط أفريقيا.
ولكن مصر ظلت مدى هذه التطورات التي مرت بها محافظة على قومية خاصة في فنها لم تعرف لها ظاهرة في أي أمة أخرى. ففي عهد المدنيات الأربع المتعاقبة على تاريخها، التي ذكرناها، وفي عهد الاقتباسات الفنية القليلة التي دخلت على الفن المصري في بعض فترات من التاريخ، كان للفن عندها طابعه الخاص. لا يخطئ قوميته أو روحيته الملازمة له. فهي إن كانت في إبان المدنيات الأربع قد انتقلت من عصر إلى عصر، يكاد يكون كل واحد منه غريباً عن أخيه في ثقافته ونظامه، حتى ليظهر جديداً كل الجدة عما كان مألوفاً من قبل. وان كانت الحياة قد تطورت عندها، من مصرية فرعونية، إلى إغريقية ورومانية، إلى مسيحية وقبطية، إلى إسلامية، إلا أن الفن في إبان هذه الثقافات الطارئة كان مصرياً. مصري الشخصية والروح. أو أن البلاد تمصر فيها الفن، أو هي مصرت فن كل مدينة من تلك المدنيات، وذللته ليلائم طبيعة مصر، ويتمشى مع ذوقها.
وان كان من شاهد يطلب على ذلك، فقد نشير إلى آثار الفن في العصر الذي حكمت في مصر فيها الإغريق والرومان مثلن ونقارنه في نفس الوقت بما كان من اثر الفن الإغريقي والروماني في بلاد الإغريق والرومان ذاتهما. فلاشك سيظهر ذلك الفرق واضحاً بين روحية الفن في المكانين في الإغريق والرومان متشحاً بذلك الوشاح الظاهر من الإجهاد والتعمق. وفي مصر بسيطاً وديعاً رشيقاً.
стр. 2594
وكما نطبق هذه الحال على العصر الإغريقي والروماني، نطبقها أيضاً على العصر المسيحي القبطي، الذي كان فاشياً فيه نوع الفن البيزنطي. فان نفس تلك الظاهرة التي بيناها ستفرق ما في مصر عما كان مألوفاً في ذلك العهد من نفس نوع الفن في القسطنطينية مثلاً، مهبط الفن البيزنطي.
وهكذا أيضاً الفن الإسلامي. فقد يكفي بلا كبير عناء مقارنة ما في مصر من آثاره بما هو موجود في بلاد المغرب مثلاً التي نقلت إلى مصر الأسلوب الفاطمي. أو ما هو موجود منه في بلاد العراق وسوريا اللتين ارتبطت مصر في طويل من الزمن معهما في عصر من الأسلوب والشكل. فقد خضع الفن الإسلامي نفسه في جو مصر لمزاج أهل مصر، وللروح المصرية. في حين أن له في كل مكان، وفي بلاد الإسلام جميعا، صبغة عالمية. فاضطر الفن لذلك أن يتكيف في الأرض المصرية بالطابع الذي تتميز به مصر دائما، وهو طابع الاحتشام والبساطة والرقة الذي يعطي مع ذلك أروع وألطف ما يكون من التأثير.
وحينئذ فقد بقي لمصر فنها الخاص بها، المنطبع بالطابع المصري الصميم، الذي لم يخطئ غرضه، ولم يشذ عن طريقه، منذ أخذت مصر مكانها تحت الشمس. وفي ذلك سر من أسرار عظمة مصر الفنية التي نعترف لها بها التاريخ.
وإذن فالفن المصري جدير بالدراسة قبل كل الفنون الأخرى. إذ هو فضلا عن كونه فنا محليا غير مقتبس في اصله من أي بلاد أجنبية، بخلاف غيره. وفضلا عن انه الفن الوحيد الذي احتفظ مدى التاريخ بشخصيته الخاصة التي اقترنت باسم مصر. فانه المرأة التي تعكس علينا ثقافات الأجيال المتعاقبة مجتمعة في سجل واحد، هو الآثار المصرية القديمة.
ودون ذلك يجب إلا ينسى فضل الفن المصري على فنون العالم، في انه المصدر أو المدرسة الأولى التي تلقنت عنه دروس الفن أمم الأرض جميعا.
(يتبع)
أحمد يوسف
بالمتحف المصري
стр. 2595
من الصميم
يا أختاه. . .
إلى الفتاة المصرية:
صحراء الحياة موحشة يا أختاه، تشيع في شعابها المخاوف وتتحفز على هضابها الوحوش، وتكمن في كهوفها الحتوف، وتحوم في سمائها العقبان. . .
ومرحلة الجهاد طويلة. . .
ونحن المدلجين في صحراء الجهاد ينقصها رفاق يحملون عنا بعض ما ننوء به حتى لا يأخذ منا الياس، ويحملون أمامنا المشاعل حتى لا نأخذ على غير الطريق.
نحن بحمد الله أقوياء ما سلبنا الألم الأمل وان طال وغلا، وما غلبنا اليأس على بعد الشقة واتصال المشقة. . . ولكن:
إذا الحمل الثقيل توازعته … أكف القوم هان على الرقاب
في عنقك الجميل دين يا أختاه، وعلى عطفك الرقيق تبعة هائلة؛
إن كنت تؤمنين بحق الوطن فاستعدي لتعدي لمصر جيلا جديدا أمينا على الميثاق، متينا بالأخلاق قويا لا يهاب في سبيل مصر الموت، مؤمنا لا يرتاب في حق بلاده وصدق جهاده.
إن كنت أما: فعلمي طفلك الدين أولا، ثم حدثيه عن مصر، اقرئي له صحف المجد الأولى، صحف أجداده من سادة الزمان، وقادة العالم وشادة الهرم، لقنيه تاريخ الأبطال فربما نفعت الذكرى، حديثه عن (مصطفى كامل) المجاهد المؤمن الشاب كيف جاهد ولما يتخط العشرين فتداولته الوان العسف وتناولته ضروب الإرهاق، فلم يصرفه ذلك عن السبيل ولم يصدفه عن الغاية، حدثيه عن (محمد فريد) كيف ضحى في سبيل مصر بالمنصب والراحة والصحة والمال وكيف مات غريبا واهتفي معه: لتحيى الضحية!
فإذا فرغت من تاريخ إشراق النهضة فحدثيه عن انبثاق الثورة ففيها من روائع آيات التضحية وبدائع صفحات الوطنية ما يهز نفوس المخلصين فخرا، ويحفز نفوس الناكصين في طريق المجد. . هناك (سعد زغلول) حمل الراية في أعصب الظروف وقد تساقط من حولها المجاهدون وكان له في مناهضة الاحتلال ومعارضة أهله جولات لا يزال يذكرها
стр. 2596
الذاكرون.
وشيء آخر أحب أن تلفتي نظر بنيك إليه:
في الألزاس واللورين نوعان من (الشيكولات) أحدهما مر والآخر حلو، والوالدة تبدأ فتعطي لطفلها المر منهما، فإذا بكى أفهمته أن هذه ألمانيا. . . سبب هذه المرارة ثم أعقبت فأعطته القطعة، الحلوة فيصفو ويبسم فتفهمه أن هذه فرنسا. . حلوة كهذه القطعة، هنا قياس طرفه الثاني محذوف للظروف فاستخلصي منه النتيجة والحكمة والموعظة إن كنت مدرسة.
فرسالتك مهمة، ومجالك متسع، وأثرك بعيد، وخطرك شديد، ودورك يبتدئ. حيث ينتهي دور الأم: لقد أعدت لك التربة، ومهدت لك منها ما جفا فاغرسي فيها الأصول الطيبة بالموعظة الحسنة والقدوة الحسنة، علمي تلميذتك كيف تفني في الحق وتغضب للكرامة وتثور للوطن وتستشهد في العقيدة والواجب في أسماء بنت أبي بكر يوم ساقت ابنها عبد الله إلى الموت، وفي الخنساء يوم فقدت بنيها الأربعة، وفي المرأة الإسبرطية يوم صرخت في ولدها الجندي (عد بترسك أو محمولا عليه) في كل أولئك صور من الفناء في الحق والواجب. . وأخيرا: ملاحظة لست أرفع القلم دون أن أثبتها.
قابلت في قطار الصعيد فتاة مدرسة في القاهرة ومعها طالبات لا تقل صغراهن عن ست عشرة سنة فاتصلت بيننا أسباب الحديث وتشققت نواحيه، فكان من رأيهن جميعا أن المرأة لا تقع في الذكاء والعقل دون الرجل، وزادت المدرسة أنه يجب أن يباح للمرأة من الحريات والأعمال ما يتاح للرجل، وكنت أعتقد أن هذا لا يخرج عن كونه نقاشا ومكابرة! وراعني ان تخرج المدرسة (علبة سجائرها) أمام طالباتها وتقدم لي سيجارا!! أفي هذه الوجوه وحدها تطلبين المساواة؟ أنا مسلم يا أختاه أن رسالة المرأة في الحياة لا تقل أهمية عن رسالة الرجل، ولكن كل ميسر لما خلق له، ولو شاء ربك لجعل الناس جنسا واحدا رجالا أو نساء، ولكنه خلق المرأة لتكون كالظل يسكن إليها المجهود، فيجد في أحضانها مقيلا ينسى فيه لفحات الشقاء وسفعات الحياة. . . لتكون كالشاطئ يعود إليه الملاح بعد اضطراب الموج وثورة الزوابع. لم يخلقها لتحترف التنس والجولف. خلقها لتزين العش لا لتوزع وقتها بين الحدائق والزيارات والسينما. خلقها لتشارك الرجل في السراء والضراء
стр. 2597
لا لترهقه من أمره عسرا. خلقها لتعد بنفسها أبناءها، لا لتتركهم لعناية الخدم والمربيات. . . تلك يا أختاه رسالة المرأة، أما ما عدا ذلك فباطل.
محمود البكري القلنصاوي
стр. 2598
فلسفة سبنسر
للأستاذ زكي نجيب محمود
تمهيد
تستطيع أن تصور لنفسك الحركة الفكرية في أوربا في القرن الماضي بند ولا يتذبذب من طرف إلى طرف، ونقفز من النقيض إلى النقيض، وليس في ذلك نبو أو شذوذ، إنما هي الطبيعة الإنسانية، أو إن شئت فقل هي طبائع الأشياء جميعا، إذا ما تطرف بها الموضع، لا تستطيع أن تتوسط في مقر معتدل مطمئن قبل أن تجذبها الدفعة إلى أقصى الطرف الآخر. وهكذا خضعت الفلسفة في القرن التاسع عشر لما تخضع له الأشياء جميعا، فاهتزت بها الأرجوحة بين طرفي النقيض. ففي أوائل القرن الماضي طوح بها هجل في بيداء الغيبيات والتجريد فلا تكاد تقرأ شيئا منه، حتى تضل في عالم وراء هذا العالم المحس الملموس، فليست الطبيعة عنده شيئا، وما وراء الطبيعة هو كل شيء. ولكن لم يكد ينسلخ من القرن نصفه الأول ويضرب الناس في أحشاء النصف الثاني حتى نفر العقل الإنساني من ذلك الفكر المجرد، وسئم تلك الميتافيزيقا المعقدة الموحشة، وأعياه هذا العبء الثقيل. فألقاه عن كاهله غير أسف، وقفز الفكر إلى النقيض الآخر، فنهضت فلسفة جديدة تنكر غيبيات هجل وأشياع مذهبه، وتنتقل بالإنسان إلى ضرب آخر من ضروب الفكر، فبعد أن كانت تتناول بالدرس حياة لا يربطنا وإياها إلا الخيال الشارد، أخذت تعالج مظاهر هذا العالم الواقع المحسوس. نعم انتقلت الفلسفة إلى المعرفة اليقينية الإيجابية. وكان حامل اللواء في هذه الحركة أوجست كنت في فرنسا، ثم دارون وسبنسر في إنجلترا.
وكان طبيعيا أن تنشا هذه الفلسفة الإيجابية في فرنسا، لأنها موطن اللا أدرية والشك، وهما طريق لا بد أن تؤدي يوما إلى الإيمان واليقين مهما امتد بها الزمان، ثم كتب لهذه الحركة الإيجابية أن تصل بتيار الفكر في إنجلترا الذي استمد روحه من الصناعة التي تدوي أرجاؤها في كل ربع من ربوعها، والتي تقوم على العلوم أولا واخرا، فليس عجيبا أن يصوب الفكر الإنجليزي ناظريه نحو الحقائق التي هي المعين الذي تستنبط منه العلوم بأسرها وان يضرب بكل ما وراء الطبيعة عرض المحيط. . وقد كان بيكون أول من انتحى بقومه ذلك النحو من التفكير، ثم تأثر خطوه من جاء بعدهفلاسفة الإنجليز: هوبز
стр. 2599
ولوك وهيوم.
عني الإنجليز إذن بدراسة ما حولهم من أحياء وأشياء. حيث آمنوا إيمانا قاطعا أنها هي الحقائق التي لا حقائق بعدها، فنتج عن هذه الدراسة علوم الطبيعة والكيمياء وسائر العلوم جميعا، بما في ذلك علم الحياة الذي كانت نظرية التطور ثمرة من قطوفه. وقد فصلها دارون في كتابه اصل الأنواع تفصيلا ضافيا، فكان لها دوي ارتجت له أركان الجامعات ومجامع العلم في أنحاء العالم، ثم جاء على الأثر فيلسوفنا سبنسر حيث استوى على ذروة بلك الموجة الفكرية فتناول مبدأ التطور وأخذ يطبقه على كل ناحية من نواحي التفكير. وها نحن أولاء نورد لك خلاصة موجزة لأهم ما جاء في كتبه من آراء.
١ - الحقيقة المغلقة، أو ما لا يمكن معرفته
يقدم سبنسر بين يدي كتابه (المبادئ الأولى) قضية لا يرتاب في صدقها، وهي أن كل دراسة تقصد إلى البحث في حقيقة الكون واستقصاء علتو، لابد أن تنتهي إلى مرحلة يقف حيالها العقل عاجزا لا يستطيع أن يدرك عندها من الحق شيئا، سواء سلك إلى ذلك سبيل الدين أو العلم أو ما شئت من سبل
ابدأ بالدين وانظر كيف يعلل ك الكون: هذا ملحد يحاول أن يقنعك بان العالم إنما وجد بذاته، لم يتفرع عن علة وليس له بدء ولا ختام، فلا يسعك أمام قوله هذا إلا أن تمط شفتيك جحودا وإنكارا، لان العقل لا يسيغ معلولا بغير علة، وموجودا سار في الحياة شوطا لا بداية له. . . ثم استمع إلى هذا الناسك المتدين، ها هو ذا يقص عليك علة الكون وكيف كانت نشأته، فخالق الكون عنده إنما هو الله العلي العظيم، ولكنك صلب عنيد، سترى انه لم يفسر من المشكلة شيئا، ولم يزد على صاحبه سوى أن أرجعها خطوة إلى الوراء، وكأني أسمعك تسائله في سذاجة الطفل ومن أوجد الله؟. وإذن فالدين بجانبيه - الإيمان والإلحاد - لم يستطع أن يقدم لك تعليلا واضحا معقولا.
خذ العلوم، فلعلك واجد عندها ما يرد حيرتك. . . سائل العلم: ما هذه المادة التي أراها والمسها والتي تغص بها جوانب الكون؟ انظر! ها هو ذا يحلل لك المادة إلى ذرات ثم إلى ذريرات أدق. ثم إلى أخريات اكثر منها دقة، ثم ماذا؟ هنا يقف العلم بين اثنتين، فهو إما أن يعترف بان المادة قابلة للتجزئة إلى ما لا نهاية له من الأجزاء، وليس من اليسير أن تسيغ
стр. 2600
هذا القول، وإما أن قرر بان ثمت حدا يقف عنده التقسيم، وهو ما يستحي عليك أن تقنع به. . . ثم سائل العلم عن القوة ما هي؟ فلست أحسبه يستطيع جواباً. . وأذن فالعلم كذلك عاجز عن شرح حقائق الكون.
وأي غرابة فيما يصادف الذكاء البشري من إبهام لا يقوى على معرفته؟ انه اعد لكي يفهم ظواهر الأشياء، ولا يعدوها إلى ما خفي وراء أستارها، ولكنا في الوقت نفسه لا نستطيع أن ننكر هذا الشعور الذي تضطرب به نفوسنا من أن وراء هذا الغشاء الظاهر حقيقة كامنة، حسب العقل أن يدرك وجودها، إما إذا هم نحوها بالتحليل والتعليل خر صريعا عاجزا.
وعلى هذا الأساس من وجهة النظر، يصبح التوفيق بين العلم والدين هينا ميسورا، فليقصر العلم دائرة بحثه على ظواهر الأشياء دون أن يورط في البحث عن حقائقها المستورة. له أن يتناول المادة تحليلا وتركيبا دون أن يبحث في ماهية المادة، وله أن يستنبط قوانين الحرارة والضوء والصوت وما إليها من مظاهر القوة دون أن يعلم ماهية القوة، لان هذه وتلك فوق مقدوره، وكل محاولة له في هذا السبيل ضرب من العبث. . . أما الدين فخير له أن يترك هذا العقل المعاند الملحاح، الذي لا يركن لغير الحجة المنطقية، خير له إن يترك هذا العقل يسبح في غروره وان يناشد العقل من الإنسان، لأن من طبعها إلا تلزم بالحجة العقلية. . قل للعلم أن يكف عن إثبات الله أو إنكاره فليس اللاهوت ميدانه الذي يصول فيه ويجول، وقل للدين أن يكف عن مناشدة العقل لأنه لا يستقيم مع نهجه في التفكير، تر الدين والعلم أخوين متصافحين لكل منهما حلبة ومجال.
ترى من هذا أن سبنسر يعتقد اعتقادا لا يلين للشك بان وراء ظواهر الأشياء حقيقة مغلقة لا يستطيع العقل البشري أن يعلم من أمرها شيئا، ولكني أريد أن أتقدم هنا إلى سبنسر في تحفظ أن يعلم عنها شيئا، قول يهدم نفسه بنفسه لأنه يتضمن اعترافا بان العقل قد ألم بها فعلا بعض الإلمام فقد أدرك وجودها على اقل تقدير، ثم سار في بحثها شوطا أيقن بعده أنها فوق مقدوره المستطاع، إذ لو كانت مغلقة دون العقل إغلاقا تاما، لما علم وجودها فضلا عن علمه بقدرته على إدراكها أو عدم قدرته.
٢ - التطور
стр. 2601
ولكن مهما يكن من أمر فهاهي ذي الفلسفة - أي العقل - قد ألقت سلاحها معترفة بقصورها وعجزه عن إدراك تلك الحقيقة الكامنة وراء ظواهر الأشياء وبادرت فألقت بهذا العبء الذي اثقل كاهلها طوال العصور إلى الدين نبحثها ما شاءت له طرائقه، ولتقنع الفلسفة بالبحث فيما تستطيع له فهما وإدراكا، ولتكن مهمتها منذ اليوم تلخيص النتائج العلمية وجمعها في وحدة شاملة. فقد بدأت المعرفة بأشتات متناثرة من المعلومات، ثم امتدت إليها يد العلم بشيء من الربط حتى تركزت في طائفة من العلوم. أفلا يجدر بالفلسفة أن تؤاخي بين أفراد هذه الجماعة من العلوم المختلفة. فتسكب المعارف الإنسانية جميعا في وحدة متماسكة؟ حقيق بها إلا تدع سبيلا للبحث حتى تهتدي إلى قانون عام ينتظم التجارب الإنسانية جميعاً، كائناً ما كان لونها. . . ترى هل توفق إلى الهداية في هذه الطريق الملتوية الوعرة، فتنتهي إلى قانون واحد يفسر هذا الشتيت المتضارب مما يقع تحت حسنا؟ ويضم تحت لوائه المفرد كل هذه البنود المتباينة مما تضم صدورنا من تجربة وعلم؟
يجيب سبنسر أن نعم، إلا يتلخص تاريخ الكائنات جميعا في ظهورها من بدء مجهول ثم اختفائها في نهاية مجهولة؟ إذن فلا بد ان يكون ذلك القانون المنشود شاملا للتكوين والانحلال. . . إلا وهو التطور. وهنا يضع سبنسر قانونا للتطور شرحه في مجلدات عشرة واستغرق من زمنه عشرين سنة كاملة، هاك نصه: (التطور هو تجمع لأجزاء المادة، يلازمه تشتيت للقوة والحركة، وفي خلال ذلك تنقل المادة ن حالة التجانس المطلق إلى حالة التباين المحدود) ولشرح هذه العبارة نقول:
لقد تكونت الجبال الشامخة من ذرات الحصى، وامتلأت المحيطات الفسيحة بقطرات ضئيلة من الماء، واجتمعت عناصر دقيقة من الأرض فكونت الأدواح العالية، ووجبات متعاقبة من الطعام تشيد أجسام الرجال، وتآلفت طائفة من المشاعر والذكر فألفت فكرا ومعرفة، ثم تآخت جزئيات المعرفة فأنتجت علماً وفلسفةً، لقد تطورت الأسرة إلى القبيلة، ثم إلى المدينة والجنس، ثم إلى الدولة، ثم إلى تحالف بين دول الأرض قاطبة. . . كل هذه أمثلة لأجزاء المادة المتناثرة كيف تأتلف ويجتمع بعضها إلى بعض. ومن جهة أخرى يسبب هذا التالف حدا من حركة الأجزاء وشلا لقوتها، فقوة الدولة مثلا تحد من حرية الافراد، والحبة من الهباء حرة الحركة وهي منفصلة، مشلولة مقيدة إذا ما اجتمعت مع
стр. 2602
أخواتها في صخرة أو جبل. . ولكن تجمع الأجزاء يستتبع نتيجة أخرى هي التنوع والتنافر في العمل الذي نؤديه كل منها، فقد كان السديم الأول مركبا من مادة متجانسة يشبه بعضها بعضا ولكنها سرعان ما تنوعت في غازات وسوائل وأجسام صلبة. . أنظر فهذه قطعة من الأديم قد افترشت سندسا أخضر، وتلك الجبال قد اكتست ثوبا ناصعة البياض، وذلك البحر قد تسربل بلباسه الأزرق. . . أنعم النظر في هذه الخلية الواحدة المتجانسة وما سينشأ عنها من مختلف الأعضاء: هذا للغذاء وذاك للإفراز ثالث للحركة ورابع للإدراك. . . اللغة الواحدة لا تكاد تسري في بطاح الأرض حتى تتنوع في السنة ولهجات لا يفهم بعضها عن بعض. . العلم الواحد يتفرع عنه عشرات من العلوم، المنظر أو الحادثة توحي صورا من الفن والأدب ليس إلى حصرها من سبيل. . . كل هذه أمثلة على التنوع والتنافر اللذين يعقبان التشابه والتجانس.
وهكذا أسطورة الحياة: تجمع وتفريق، تآلف وتنافر، تأتلف الأجزاء وتجتمع في وحدة لا تزال تطرد في النمو حتى يدركها تنافر الأجزاء، ثم يشتد حتى تتلاشى وتنحل. . .
سنة الوجود هذا الانحلال والتكوين، ولكنه بين جذبة المد ودفعة الجزر يلتمس التوازن لكي ينتهي إليه. . . فكل حركة تعاني من المقاومة ما يؤدي بها البطء ثم إلى السكون عاجلا أو آجلا. . . الكواكب السيارة يضيق فلكها شيئا فشيئا. . . حرارة الشمس وضوؤها يقلان كلما تقادم عليها الدهر. الأرض تتلكأ في سرعتها عهدا بعد عهد الدماء في عروقنا سيصيبها البرودة والبطء. . . وهكذا سيسعى الوجود نحو الانحلال، أو سيسعى الانحلال إلى الوجود خطوة خطوة، وهي خاتمة محتمة للتطور: سينحل المجتمع وتتفرق الشعوب، ونذوب، وتذوب المدن. وبمثل هذا تتم دورة التطور والانحلال ولكنها ستبدأ السير ثانية وثالثة إلى ما لا نهاية له من المرات، وكل تكوين جديد لا بد أن ينتهي بالفناء والموت.
وهكذا كان كتاب (المبادئ الأولى) مأساة مروعة تروى لنا قصة العالم صعود وهبوط، تكوين وانحلال، حياة وموت، تطرأ متتابعة على الأحياء والأشياء. . . أفيكون عجيبا أن يقابل هذا المؤلف عند إخراجه وأذاعته في الناس ثورة عنيفة لأنه لم يدع مجالا للعقيدة والأمل؟!
رأيت فيما سبق أن التطور عند سبنسر هو القانون الذي تنشده الفلسفة لكي تضم بين دفتيه
стр. 2603
علوم الإنسان بأسرها. فمهما قلبت النظر في مظاهر الكون وجدتها تسير في سبيل التطور أي من البساطة إلى التعقيد ومن التجانس إلى التباين. ويجدر بنا أن نورد في هذا المقام نقدا للفيلسوف المعاصر برجسن على هذا القانون، فهو يقول إن سبنسر بقانونه هذا إنما يقدم لنا صورة الطبيعة كما هي، وليست هذه مهمة الفيلسوف، بل يطلب إليه أن يفسر هذه الصورة التي اكتفى بسردها سردا.
ويختم سبنسر كتابه هذا برأيه في الحياة بأنها تافهة حقيرة لا تستحق البقاء، فأصاب بهذا الرأي ما أصاب الفلاسفة جميعا من محنة النظر البعيد، إذ ألقى ببصره إلى الأفق النائي، فمرت صور الحياة الخلابة تحت أنفه دون أن يراها!!
ولنقف من الأمر عند هذا الحد على أن نعود في مقال تال إلى تتمة الموضوع.
زكي نجيب محمود
стр. 2604
من طرائف الشعر
أغنية ريفية
للشاعر الوجداني علي محمود طه المهندس
إذا داعبَ الماءُ ظلَّ الشجر … وغازلت السحب ضوء القمر
ورددت الطير أنفاسها … خوافق بين الندى والزهرْ
وناحت مطوقةٌ بالهوى … تناجي الهديلَ وتشكو القدرْ
ومرَّ على النهر ثغرُ النسيم … يقبلُ كلَّ شراعٍ عَبَرْ
وأطلعت الأرض من ليلها … مفاتنَ مختلفات الصورْ
هنالك صفصافةٌ في الدجى … كأن الظلام بها ما شعر!
أخذت مكاني في ظلها … شريد الفؤاد كئيب النظر
أمر بعيني خلال السماء … وأطرق مستغرقا في الفكر
أطالع وجهك تحت النخيل … وأسمع صوتك عند النهر
إلى أن يمل الدجى وحشتي … وتشكو الكآبة مني الضجر
وتعجب من حيرتي الكائنات … وتشفق مني نجوم السحر
فأمضى لأرجع مستشرفا … لقاَءك في الموعد المنتظرْ!!
стр. 2605
الزورق الغريق
للشاعر الدمشقي أنور العطار
(. . . ولكن إذا رجع بك القدر دون ما قصد إلى أثر لحب منسي، فان هذه الحصاة تقفك ويؤلمك أنها صدمتك. وتصيح حينذاك أن الحياة حلم، وتظل مكتوف اليدين كما لو انتبهت من إغفاءة، فتحزن وتضطرب، ذلك لان الأكذوبة المفرحة لم تدم إلا لحظة!)
(ألفريد دوموسيه)
أنيري ظلام الروح فالحب زورق … متى يعترضه طائف اليأس يغرقه
يحوم على شط النجاة مروعا … فتحبسه الأمواجقربان متق
علالة مغلوب تعايا رجاؤه … فلم يبق منه غير أنَّة مشفق
وفاضت من المجداف حسرة خائب … حبيس التشكي خافت النوح مرهق
وعاصفة هوجاء كالموت صولة … رمت بشراع خافق متمزق
فطاحت أمانيه وافضى به الردى … إلى حالك جهم السرائر ضيق
قسوت على قلبي وشردت حلمه … وخلفتني مثل الغريق المعلق
فلا اللجة الربداء تخطف روحه … ولا هو من مر العذاب المعلق
حنانيك ردي النفس من عالم الأسى … إلى عالم حلو الأعاليل مونق
فينتعش القلب الذي مضه الجوى … ويمرح في كون من الحب مورق
أسيت له كم يقطع العمر موجعا … ويحيا بحب يائس منك مقلق
متى تلتمع ذكراك في ساح حلمه … يضج كطفل واهن الصبر محنق
يود لو آن الله ألقاه موجة … بصدرك أن يخنق به الوجد تخفق
خذي بيدي فالحب لم يبق لي يدا … أرد بها كيد الحياة وأتقي
أضعت ملاذي في هواك وليتني … ظفرت بحب طافح منك مغدق
كأن الهوى قد بدل القلب طائرا … وعلمه نوح الحمام المطوق
يحلق في موج السماء مغلغلا … ومن يضنه الحب البريء يحلق
هل الحب إلا بعض اصبغة الصبا … متى ما توش القلب يخفق ويعشق
يعيد إلى خابي الحياة شعاعها … فتندى بنور ساطع متألق
стр. 2606
أفيضي عليَّ الحب تلمع على المدى … خيالات ماض ضاحك الحلم مشرق
يرف سناه وهو نديان بالرؤى … كموجة نور في غلالة زنبق
تعاودني ذكراك والقلب عاطش … وإما يساوره التذكر يشرق
إذا اغدر الورد الذي كان صافيا … فلا بد من كرع المرير المرنق
أيا نهر النسيان غيب صحيفتي … وهرق بها في الغيب كل مهرق
فما نور هذا الكون إلا عماية … إذا كان حظ الحب غير موفق
أماني كثر والهوى يستثيرها … ولكنها بنت الخيال المنمق
يزين لي أفق الأعاليل حاليا … فأيان يبد الحلم نضرا اصدق
ويغري فؤادي بالرؤى وهي ضلة … وما كان حلم القلب بالمتحقق
أفقت وقلبي لا يروم إفاقة … ومن تحتجب عنه الأماني يزهق
فيالك من قلب كحلمي طائح … شتيت كدمع الفجر نهب مفرق
سنمضي ويبقى الحب لهفان باكيا … يموج كسر في السموات مغلق
إذا طفحت هذي السماء بحبنا … فهل تحفظ النجوى إلى يوم نلتقي
وقفت عليك الشعر أسوان دامعا … بقية ومض من فؤاد محرق
فصوني نشيدا ضم أحلام شاعر … مضاع شرود اللب ولهان شيق
стр. 2607
آية الجزر
للأستاذ فخري أبو السعود
جزيرة قد إشاحتها يد القدر … عن الشطوط فقامت آية الجزر
قد استوت وسط أمواج تلاطمها … نصب الرياح ونصب البرد والمطر
إذا الشتاء أتاها لم يرم حولا … عنها وفشى فجاج الأرض بالكدر
قريب ما بين أطراف النهار وما … يزهو برونق آصال ولا بكر
يأتيك في كل يوم من تحوله … شأن جديد وأمر غير منتظر
يا رب يوم شرود جاء مزدهيا … بشمس ونسم لين عطر
تلاه آخر رواها وأترعها … بوابل مستمر الوكف منهمر
فجاء صبح حديد البرد قارسه … يكوى الوجوه بوخز منه كالإبر
فجاء من بعد صبح أبيض يقق … كاس بثلج كزغب الطير منتشر
نغشى المنازل والأشجار ناصعة … كسكر فوق حلوى العيد منتر!
يكاد يزلق عنه غير منتبه … من لم يطأه بنعل الخائف الحذر
فجاء صبح يلف الأرض في سدف … من الضباب كثيف اللون معتكر
يكاد يفتقد الإنسان راحته … إذا تعرض بين الراح والبصر
يطوي معالمها في طي غيهبه … فلم يدع ثم منظورا ولم يذر
إذا أقام ثلاثا في جوانبها … نسيت كيف مسير الشمس والقمر
إذا تراءت شتاء وهي كالحة … شوهاء عاطلة من معجب الصور
دجناء مربدة الآفاق حائلة … جدباء ذاوية الأزهار والشجر
عجبت كيف يزور الوحي واديها … وكيف ينطق فيها الشعر بالغرر
وكيف يونع حسن في كواعبها … يتهن في ريق منه وفي نضر
لكن شاعرها سارت نباهته … في الخافقين وجابت سالف العصر
وقومها في أقاصي الشرق قد رفعوا … والغرب راية رب السبق والظفر
سادوا بكل أديم راق منظره … وكل واد قشيب الوشي والحبر
وسخروا اليم واعرورو أواذيه … بقاهر حيث جاب اليم منتصر
стр. 2608
الله يشهد ما جاءوا بمعجزة … في العالمين ولا بدع من الخبر
لكنه الجد تنقاد الأمور به … للطالبين ويدنو عازب الوطر
стр. 2609
في ١٤ نيسان ١٩٣٣
(هدية إلى صديقي الشاعر الملهم أحمد رامي)
احبك في القنوط وفي التمني … كأني منك صرت وصرت مني
أحبك فوق ما وسعت ضلوعي … وفوق مدى يدي وبلوغ ظني
هوى مترنح الأعطاف طلق … على سهل الشباب المطمئن
أبوح إذن فكل هبوب ريح … حديث عنك في الدنيا وعني
سينشرنا الصباح على الروابي … على الوادي على الشجر المغني
أبوح اذن، فهل تدري الدوالي=بأنك أنت أقداحي ودني
أتمتم باسم ثغرك فوق كأسي … وارشفها كأنك أو كأ ني!!
نعيم حبنا فانظر بعيني … وعرس للمنى فاسمع بأذني
كأن الصحو يلمع في ظنوني … ويخفق في ضلوعي ألف غصن
على الوتر الحنون خلعت شوقي … وماج هواي في آه المغني
ففي النغم العميق إليك أمشي … وأسلك جانب الوتر المرن
بيروت
أمين نخلة
стр. 2610
دراسات أدبية
بلاسكو ايبانيز
نقل رفاته من منفاه إلى مسقط رأسه
بقلم محمد أمين حسونة
رأت الجمهورية الأسبانية وقد تحققت أطماع رجالها السياسية واستقرت حركتها الانقلابية الدستورية، أن تمجد الرجل الذي تقدم الصفوف ونفخ في بوق الثورة، فذهب ضحية مبادئه، بعيدا عن البلاد التي لبث نصف قرن ونيفا يخلص لها الحب، حتى كانت (إسبانيا) آخر كلمة لفظتها شفتاه، وهو يعاني الآم الموت في منفاه. فلم تجد أليق من أن تعبد رفاته إلى وطنه ليضمه ثرى (بلنسية) وهي البلدة التي انبثق من نواحيها فجر هذه العبقرية الفذة التي نتحدث عنها.
فمن أسابيع خلت، احتفلت الحكومة الأسبانية رسميا بنقل رفات الكاتب الشهير (بلاسكوايبانيز) من مدينة (منتون) بفرنسا، على ظهر بارجة حربية حملته إلى مسقط رأسه، وقد كان الاحتفال بوصول رفاته يوما مشهودا في تاريخ إسبانيا، ساهم الشعب فيه بإظهار عواطفه السامنة، نحو الرجل الذي لبث يجاهد ويناضل ويذكي في وطنه من حرارته وفتوته، لتظل فوهة البركان أبدا مشعلة وهاجة!
عاش ايبانيز طيلة حياته متمرداً ثائراً، لا يهدأ ولا يستقر ولا يعرف لبدنه عليه حق، كأنه موكل بتسخير قوى الطبيعة لخدمتة حتى قيل: إنه سحابة من نار.
طالع في فجر شبابه كل كل ما كتب عن الثورة الفرنسة، وكان يشبهها (بالهرة) عندما تجوعلا تلبث أن تأكل صغارها، ولكن الثورة لم تأكل صغارها، بل أكلت زعماءها: دانتون، ومارات وروبسبير. وكان مفتوناً بروسو وفولتير، يعجب بهما ويقول: هما اللذان مزقت أفكارهما وثائق العبودية، وبفضل مبادئهما اشتدت روح الثورة، غذاها الاول من ناحية القلب، والثاني من ناحية العقل.
ولد بلاسكو فيسنت ايبانيز في ٢٩ يناير سنة ١٨٧٦ بمدينة بلنسية، وهي حاضرة المقاطعة المسماة باسمها، وقد اشتهرت بكتدرائيتها الأثرية ومنها خرجت طائفة من اعظم فناني
стр. 2611
إسبانيا في القرن الرابع عشر، وقبل أن يبلغ العشرين من عمره، اصدر صحيفة أسبوعية كانت تبث المبادئ السياسية المتطرفة في ذلك الوقت، كالجمهورية، والدعوة إلى الاشتراكية ونحو ذلك، وحدث أن قدم ايبانيز إلى برشلونة - مهد الثورة - ليخطب في حفل سياسي، فتناول في خطابه الجمهورية والملكية، وأخذ يفاضل بينهما، فقبض عليه رجال البوليس، ولكنه قاومهم واعتدى عليهم فحكم عليه بالسجن، غير أنه خرج من السجن وقد ازداد إيمانا بمبادئه وتحفزاً إلى تحقيقها، فكون (الحزب الجمهوري الحر) وتقدم في ضوء هذه المبادئ إلى الانتخابات، ففاز بالإجماع وانتخب نائبا في البرلمان الإسباني عن مقاطعة (بلنسية) ولم يمنعه اشتغاله بالسياسة من ان يتفرغ للأدب والكتابة، وهو بلا شك أعظم كاتب ظهر في إسبانيا إلى اليوم، خلف وراءه ثروة أدبية زاخرة، تبلغ الثلاثين كتابا، كل صفحة منها مشرقة إشراق النجم!
أم تقتصر ثورته على الأوضاع السياسية التي كانت تشكو منها بلاده فحسب، بل عرف أنه كان هداما في دائرة الأدب أيضاً، ليبني على أنقاض القديم وجموده، أدبا جديدا حيا له طابعه ومميزاته الخاصة، والحقيقة أن العصر الذي بدأ فيه ايبانيز حياته الأدبية، كان في حاجة إلى من يقوض أركانه، وكان يقول: نحن في حاجة إلى الثورة الأدبية التي تدفعنا إلى كشف مواطن الجمال وتؤدي بنا إلى النور.
ولكن هل أثرت تعاليم ايبانيز حقا فأخرجت الأدب الأسباني من الظلمة إلى النور؟ أن من يتذوق ذلك الفن العميق الرائع الذي خلده ايبانيز في قصصه الممتعة، أمثال: في ظل الكنيسة، وامرأة (جويا) العارية، وفرسان الرؤيا الأربعة، وفاجعة البحيرة، وبحرنا، وزهرة مايو، وأعداء المرأة، ورمل ودم، والأراضي المجهولة الخ، ذلك الفن الذي كان يعتمد في إبرازه على جمال التنسيق ودقة الوصف، وإرهاف العاطفة ويكسوه بإشعاع الروح الدرامي الغامر، حتى يجتهد في أن يجعل من أدبه مرآة صافية لفنه الجميل، تنعكس عليها مختلف الصور والأحاسيس، فتشعر وأنت تطالع قصة له أن شعورك ووجدانك مرتبطان تماما بحوادثها، وأنها تمثل بلاده ونفسيتها أبلغ تمثيل، وقد لا يصرفه كلفه باللوحة ومحاولة إظهار مكامن الفتنة في الصورة، عن العناية بالإطار نفسه، فتجده يقتنص المعاني ويصقل الألفاظ كما يصقل النحات الأحجار قبل البناء، وولعه بالطبيعة يدفعه إلى ان يجاري (زولا)
стр. 2612
فيرسم أبطاله وهم يعيشون بين مهادها بعيدين عن تلك العاطفة الزائفة التي تولدها الحياة المصطنعة في المدن، كما أن، إعجابه بالبحر المتوسط - مهد جميع البطولات والأديان - يوحي إليه أن يمجد من أعمال رجاله. عوليس، وبركليس، وهنبيبال، والاشادة بشجاعة فرسانه، ولك في قصته الخالدة
لفت ايبانيز أنظار العالم الأوربي إلى فنه خاصة والى الأدب الإسباني عامة، فترجمت مؤلفاته إلى اللغات الحية وأولع الفرنسيون بقصصه فقلدوه وسام (جوقة الشرف)، وهتف له شيوخ النقدة، فوصفه كورتوس النقادة الألماني (بأن فيه عباره عن مأساة الخير والشر)، وقال أحد القصصيين الأمريكيين (لقد بدأ ايبانيز ينافسنا في صناعتنا، والاوفق أن نحطم أقلامنا ونبحث عن صناعة غير الأدب لنعيش)!
وقد غرست مبادئ فولتير في نفسه كراهية رجال الدين والسخرية من أعمالهم، ففي قصته المسماة ' (في ظل الكتدرائية)، يصور لنا مفكرا اشتراكيا هو (جبريل لونا)، يطالب بالإصلاح الاجتماعي فيكون نصيبه الاضطهاد من الكنيسة، فيثور على رجالها ويحتج ويغادر بلده بعد ان يؤمن بأن لا كرامة لنبي في وطنه! ويطوف باوربا ليبشر بمبادئه، غير أن السلطات تطارده أينما حل، فيعود أخيرا إلى بلده مقصوص الجناح كسيرا، ويضطر إلى ان يعيش متخفيا مع أخيه الذي يعمل خادما (بالكتدرائية)، أي يعود فيأكل من خبز الكنيسة التي يضمر لها البغض، حتى إذا ما اشتد ساعده اخذ يكفر بنعمتها ويؤلب الجموع عليها، يتخذ من خدامها تلاميذ له، ويبث مبادئه بينهم، فلا تلبث هذه المبادئ أن تسري كالسم في أبدانهم، يحملهم على سرقة أموالها وتحفها، ولكنهم في خلال السرقة يقتلونه ويمثلون به اشنع تمثيل!
ولعل فن ايبانيز يبدو قويا واضحا، وأفكاره مستوية ناضجة في القسم السادس من القصة، عندما يحمي وطيس المناقشة بين جبريل واحد اتباعه، فيبسط أمامه حالة إسبانيا وجمود الكنيسة، ويتعرض للفترة الذهبية من تاريخها، فيذكر ان الإسبانيين اعظم من اليونان والبيزانطين، فهم الذين اهدوا البشرية (الدنيا الجديدة) وهم أرستقراطية الشعوب وسادة البحار، قادوا الرواد في سياحاتهم حول الكرة وجابوا الآفاق وبعثوا المدنية من مرقدها، ولو أنصف التاريخ لجعل بلادهم وطن العالم الأول!
стр. 2613
أما في قصته (رمل ودم) فهو المتهكم اللاذع، صاحب الأسلوب المتدفق الفياض، يرسم لنا في لياقة وسحر، حياة مصارعي الثيران فلم يحاول أن يقلل من خطر هذه المصارعة الوحشية، ولكنه هاجم الأرستقراطية التي تبني مجدها وتسليتها على شقاء هؤلاء المصارعين الذين يطلقون عليهم اسم (التربادور). فبطل هذه القصة (جوان جالا رادو)، فتى يخرج من صفوف الشعب ليشق طريقه إلى المجد بقوة ساعديه فيتمرن على مصارعة الثيران ولا يلبث أن يبذ أقرانه ويتألق هجمه، وتمكنه شهرته وحياته الجديدة من ان يستمتع بكل ما كان يصبو إليه في صغره، يحارب الفقر والجوع وينعم بالزواج ووفرة المال، ولكن القوة والشهرة لا تدومان، فهو يخشى ان يفقدهما عندما يقف في ساحة المصارعة حاملا حياته بين ذراعيه، ويرسم ايبانيز إلى جانبه صورة أخرى يحملنا على التهكم والازدراء بها: صورة (كورنتيس) وجدانية الحس متقلبة الأهواء تدعى (دوناسول)، بعد أن تنتزع (جالارادوا) من أحضان زوجته، تحبه، وتعبده كبطل وتحاول أن تقرن نجمها بمجده وشهرته، ولكن عندما تحس بالفارق بينهما كامرأة أرستقراطية تنحدر أصلاب الأشراف، وبينه كرجل من عامة الشعب. تحتقره وتتخلى عنه، فيهوى نجمه ويفقد توازنه وهو في ساحة المصارعة فينشب الثور قرنيه في صدره ولا يلبث أن يقع مضرجا على الأرض حيث تسيل دماؤه وتمتزج بالرمال، يحملونه إلى الخارج جثة هامدة ولكن الجمهور لا يلبث بعد قليل أن يصفق ويصيح طالبا مشهدا جديدا ليشبع نهمته ويرضى غريزته التي طبعت على ذلك، منذ أن شهدت الدماء الأولى وهي تجري على الأرض: دماء هابيل.
وايبانيز قوي الإيمان بروح الحضارة العربية التي سادت إسبانيا وظلت ترفرف فوق ربوعها زهاء ثمانية قرون؛ تلك الروح المتوقدة التي نفذت إلى الغرب فعلمته كيف يخلق من الحب أدبا عاليا ومن المرأة صنما معبودا، ما برحت تمد المعجم الإسباني بربع مفرداته وان تشع أنوار خيالها فتلهب قرائح كتابها وتسعر بحرارتها دماءهم فتدفعهم إلى كتابة، دون كيشوت، وكونده لوكانور، وغيرهما مما نرى آثار الفروسية العربية كامنة بين سطورها، بل أن أثر هذه الروح ليبدو واضحا تماما في مؤلفات وأشعار سلفادور، رويدا، والفريدو بلانكو، وبيرس فالنتي وغيرهم ممن نراهم متأثرين بالخيال العربي الباهر.
لقد صهر بلاسكو ايبانيز بنار عاطفته المشبوبة تخيلاته عن حضارة أجداده العرب،
стр. 2614
فأودعها في بعض قصصه ودافع عنها في حماسة ويقين، فهو وان كان يكتب بلغة أسبانية، إلا انه كان يفكر قبل كل شيء بروح عربي، وقد خلف وراءه أنصارا يحاولون اليوم جهدهم تحقيق ما كان يصبو إليه من إعادة الحضارة العربية إلى (الفردوس الإسلامي المفقود) كي تنتعش النهضة الحاضرة من تراثها الخالد، وإعادة التعليم باللغة العربية - مفتاح الثقافة الإسلامية في إسبانيا - ونشرها بين الجامعة ودراسة آدابها العالية؛ وسوف يكون شأنهم بالنسبة لها في أوربا شأن الموارنة عندما خدموها في الشرق خلال العصور الغابرة.
ينشر ايبانيز ظلال أفكاره هذه على صفحات روايته (في ظل الكنيسة) فتراه يمجد من شأن هذا الروح العربي ويصف شعوره على لسان أحد أبطال قصصه فيقول:
(إن تاريخ إسبانيا الباهر لم يأت إليها من الشمال ولا من الكنيسة، بل من الجنوب ومن العرب، هؤلاء الرجال سمر الوجوه الذين وصلوا إلى شواطئنا في القرن الثامن من شمال أفريقيا بعد أن سيطروا في انتصاراتهم على أرقى الشعوب، حملوا إلينا الحضارة والتمدن، حضارة أجيال امتزجت ببعض، قوامها فلسفة الهند وثقافة الفرس وآداب اليونان وفن البيزانطيين وأشياء أخرى من الشرق ومن الصين.
(احتضنت إسبانيا العرب، ومكنتهم في مدى عامين من أن يستولوا على حضارة سبعة أجيال، رحب الشعب بهم لأنهم فكوا وثاقه من استبداد ملوكه السابقين، وكان استعمارهم استعمار الحضارة والنور والتسامح الديني لا استعمار الوحشية والسلاح!
(وعندما استوطن العرب إسبانيا، جعلوها. . كالولايات المتحدة الأمريكية) في العصر الحاضر، تعيش فيها جميع الأديان في حرية ومساواة، من غير تحيز ولا تعصب، وفي الوقت الذي كانت شعوب الشمال تعيش في ظلمات الجهالة وتتطاحن في الحروب الدينية وتختلط بالأقوام البربرية، كان العرب والإسبان واليهود، يعيشون كتلة واحدة في وئام، يعملون في سبيل إسعاد إسبانيا ورفاهية شعبها، فتأسست دور العلم والجامعات وازدهرت الفنون وارتقت العلوم ونشطت المواردالاقتصادية وبدأت إسبانيا تستيقظ لتشهد أنوار فجر جديد!
(وماذا عمل ملوك الكثلكة الذين أتوا إلينا من الشمال بعد ذلك؟ نشروا الإرهاب ومحاكم
стр. 2615
التفتيش، أجلوا العرب واليهود، طردوا العبقرية والحضارة، واحلوا مكانهما: الدين والتعصب، أطفأوا مصابيح العلم التي كانت تضاء من المساجد الإسلامية والبيع اليهودية، ليضعوا مكانهما قناديل الجهل والجمود وخرافات رجال الكنيسة، وعندئذ بدأت إسبانيا تتلاشى من العالم وتموت).
يتشعب بنا الحديث لو شئنا ان نتحدث عن ايبانيز لنوفيه حقه، وخير لنا أن نرجئ هذا إلى فرصة يكون فيها المجال أكثر اتساعا، وإنما نختم هذه الكلمة بان نقول، انه لما شبت نار الثورة الإسبانية الأخيرة التي انتهت بإعلان الجمهورية، كان ايبانيز في مقدمة من يثيرون الخواطر ضد دكتاتورية الجنرال بيمودي رفيرا، فاشتدت الخصومة بينهما، وكان ايبانيز عزوفا عن الضيم فاتهم الملكية في وطنيتها، وكان هذا هو السبب في إبعاده عن إسبانيا ونفيه.
محمد أمين حسونة
стр. 2616
بين الشك والإيمان:
(شيلر)
للأستاذ خليل هنداوي
حتى في ظلمات الشك التي رانت على قلبي، وفي الغم الذي غشى نفسي، تعلم - يا إلهي - بأنني قد تحريت النور. . . أراني - دائما - أكثر هدوءا. . .!
(شيلر)
بين كل شعراء الأدب الألماني تجد (شيلر) هو أشقى من طغى عليهم الشك. وبرح بهم التشاؤم المعذب.
درج (شيلر) من مهده، يغمره حنان أم هي رمز التقوى ومثال العطف. وأب دعا له حين احتضنه بذراعيه - (ربي! امنح طفلي هدى العقل، واهده السبيل الذي أخطه له) وهكذا كانت مظاهر طفولته محاطة بالإيمان العميق. وقضى الشاعر نشأته الأولى مولعا بالكتب. وهائما في الطبيعة يشيع ما يثور في نفسه من الأهواء الشعرية.
دخل المدرسة وأخذ العلم يطغى على شاعريته وإيمانه، ولكن (شيلر) كره العلم والعلماء، وكان يجد ألذ ساعاته ساعة ينفرد بنفسه ويتلو توراة (لوثر) أو (المسباد) ولكن روح الشك كانت تتسلل إلى نفسه من حيث لا يشعر. وفجأة تيقظت هذه الروح فيه فغدا صاحب شك وقلق - وظل في دوره الأول - بين عاملين يتساجلان الغلبة عليه، فطورا يقهر القلب المتردد روحه الصافية. وتارة تغلب روحه الصافية قلبه المتردد: فينشد متألما
(حتى في ظلمات الشك التي رانت على قلبي، وفي الغم الذي غشى نفسي: علمت - يا إلهي - بأنني قد تحريت النور.
أنت أردت لي هذه الأيام السوداء، التي تبرز فيها الأوهام المغرية من ناحية، ويبرز الإنكار - من ناحية أخرى - ضاحكا ضحكة الساخر
هانذا - تجأر فوق رأسي العاصفة! والقصبة سترتجف إذا لم ترحمني يا الهي!
احرس قلبي في هذا الهدوء، في هذا الهدوء المقدس وأنا سائر إلى الحقيقة. فالشمس لا تعكس أشعتها في اللجة الثائرة، ولا تبسط شعاعها إلا على صفحة الماء الرقراق.
стр. 2617
إنني اسمع صلصلة الناقوس الذي يهتف بي إلى الهيكل: فأغدو إليه حاملا إيماني. . . .
ألا أفتح قلبي لإدراك الحقيقة، حتى أستطيع أن أعانقها، فأغدو سعيدا.)
في هذه المقطوعة الصغيرة يظهر لنا شك الشاعر، ومرارة قلبه، وتوقان روحه إلى الحقيقة، والطريق التي انتقاها ليستعيد الهدوء والإيمان. ولكن الله لم يجاور قلب شيللر كثيرا. لأن الشك تسرب إليه ظافراً وملك عليه نفسه ولما يتجاوز الثمانية عشر ربيعا، فعاد شاعر هذه المقطوعة الطافحة بالإيمان شاعراً شاكاً ما علمنا سر انقلابه! ولكن هل كانت المذاهب الفلسفية إلا تاريخ قلب الإنسان؟ وهل كان الشك والجمود والسلب إلا ثورة من ثورات النفس المتعطشة إلى معرفة المجهول. وإذا بشيللر يقول - متحديا الدين بلهجة من يؤله الطبيعة (إن الإله الواحد إنما هو كل الكائنات. الطبيعة والآلهة هما قوتان متساويتان. الطبيعة هي اله يتعدد ويتقسم إلى ما نهاية) وفي الاجتماع، يؤمن بمذهب (روسو) القائل: إن الإنسان يولد صالحا ولكن المجتمع هو الذي يفسده.
- ٢ -
ليدرس الشاعر، نفسه وقلبه وعواطفه في رسائله وفي قصائده، لأنها هي صورة نفسه - إذا توخينا صورتها الصادقة.
إن شقاء شيللر لم يكن شقاء شعريا خياليا فحسب، بل كان شقاء مصدره نفسه التي غشيها منه ما غشيها! فهو في بعض أحيانها يتنازعه عاملان: ثورة حواسه، وتعنيف ضميره له تعنيفا أراد أن يحطمه الشاعر فعجز عن تحطيمه، ويتمثل أنينه هذا في مقطوعة (القتال)
(لا لا. . . سوف لا أتحمل طويلا هذا القتال. . القتال الطاحن الذي يقوم به الواجب، فإذا لم تقدري على كبح أهواء قلبي أيتها الفضيلة، فلا تطلبي مني التضحية. . . هذا إكليلك ليظل - كل الأيام بعيداً عني. . .
خذيه. . . وذريني وحدي أتلاشى!)
وفي بعض أحيانه قد يجد الشاعر في نفسه جرأة على الفرار، الذي يتجلى فيه الانتصار. فيأوي إلى ملجأ (مانهايم)
(في حالة هم وغم، أكتب لكم - يا أصدقائي - بأنني لم أعد أستطيع البقاء هنا - فأنا خلال اثني عشر يوما أحسست مع نفسي كل مكان داخل نفسي وخارج نفسي، طالباً الخروج من
стр. 2618
هذا العالم، فالناس والسماء والأرض كلها غدت عندي قبيحة. أنا هنا فاقد نفسي. . .)
وهناك لحظات نرى وطأة الحاضر والمستقبل والعالم والناس تثقل عليه حتى تحطم قلبه، فيقول يائسا:
إنني عانقت الإنسانية بحرارة وشوق ملتهب ولكن - وآ أسفاه - لم أجد نفسي إلا بين ذراعي كتلة من جليد)
إن النفوس التي نشأت في كنف الله، تجد - عندما تنعتق منه - ما لا نجده غيرها من أصناف الألم، وضروب التوجع، لأن هذا الفراغ الذي كان يملؤه الله ينقلب إلى ظمأ شديد لا يرويه شيء ولا يطفئه شيء.
هذه هي المرحلة الأولى التي قطعها شيللر ومن ورائها مراحل، والآن أصبح يظهر تردده كمذهب في كتابه (رسائل فلسفية من جول إلى روفائيل) فما كان جول إلا الشاعر نفسه، وما كان روفائيل إلا صديقه الشاعر (كرونر). ففي (جول) تجلى نفس فتية ينتابها الشك، وهي لا تستطيع أن تفر من أسفها على إيمان فقدته!
قال: (يا لها من أيام سعيدة! تلك الأيام السمارية، حين كنت أتبع مورد الحياة بعينين مغمضتين، كنت مستسلماً لعواطفي وكنت سعيداً. علمني روفائيل أن أفكر. وهأنذا الآن أكاد أذري دموع الندم على هذا الاستكشاف. أنت سلبتني الإيمان الذي كان يودع الراحة في قرارة نفسي، وأوحيت إلى أن أزدري كل ما كنت أحترمه فكم من أفكار كانت عندي مقدسة فنزعت حكمتك (الحزينة) عنها رواءها. وأذهبت بهاءها.
كلما رأيت الناس وهم يرددون صلاة واحدة بلحن واحد قلت لله هذه الشريعة التي استمسك بها الناس! فبعثت في قلوبهم الراحة والسكون.
عقلك قد أطفأ هيامي النفسي. أنت قلت لي: لا تؤمن إلا بعقلك. ولا مقدس غير الحقيقة، ولا حقيقة إلا ما يتقبله عقلك - وهكذا أطعتك وصرفت عني أبهى أفكاري.
والآن عقلي وحده ظل معي ليكون وحده دليلي يحملني إلى الله. إلى الحقيقة والأبدية. فتعساً لي إذا وجدت ما يخالف تفكيره. أو عراني شك في معرفته، أو غزاه داء تركه مشلولاً)
فروفائيل يمثل أصحاب المذهب العقلي القائلين بأن لا حكم إلا للعقل كما يذكر جول: (أنت قلت لي: لا تقبل شاهداً غير العقل، إذ لا مقدس إلا الحقيقة. والحقيقي هو الشيء الذي
стр. 2619
تعرفه بعقلك , قد أطعتك وضحيت بإيماني وغدوت كالظافر اليائس الذي أحرق كل سفنه وقطن في الجزيرة الجديدة قاتلاً منه كل جاء بالرجوع. فعقلي هو الآن كل شيء وهو وحده يحملني إلى الله ويفتح لي أبواب الحقيقة والأبدية! ولكن تعساً لي إذا ضل دليلي الطريق فالعادة لا بد أن تغادرني. وويل لي إذا شاء القدر أن تتقطع أوتار هذه القيثارة، فتضطرب ألحانها، وتكثر أشجاني وأشجانها.)
وفي فترة ثانية يكتب جول هذه الرسالة لروفائيل:
(إن مذهبك قد خدع كبريائي، كنت سجينا وأنت جذبتني من عجلتي لتقودني إلى ضوء النهار. فالنور الذهبي والفضاء الفسيح قد لامسا جفوني. بالأمس كان يرضيني من المجد الوضيع ان أكون ابنا صالحاً وصديقا فاضلا ورجلا نافعاً لبلده، أما أنت فقد صيرتني رجلاً إنسانيا.)
قال لي روفائيل: المملكة الوحيدة في العالم الروحاني هي مملكة العقل
وفجأة ترى الشاعر يحس حقارة الإنسان إزاء عظمة الوجود فيجعله إحساسه هذا في شك من نفسه فيقول:
في أي مكان حيثما حولت أنظاري يا روفائيل يبدو لي الإنسان محدود العقل، وان هوة عظيمة تفصل بين تأملاته وبين الحقيقة لا تغبطه على النوم الذي يستريح فيه ولا توقظه! فالعقل هو مشعل في عجلة ينير لحظة فوق رأس السجين ثم يتركه في ليل أكثر حلوكة. إن فلسفتنا هي رغبة (أوديب) في المعرفة رغبة يحوطها الألم. ولا تنتهي من الإلحاح والسؤال حتى يجيبها مجيب (هل تستطيع أن تعلمني من أنت؟) ولكن الشك أخذ يحز في قلب جول وجول يصيح ويتألم فتخمد جذوته المشتعلة، فيقول مؤنبا (روفائيل) بلهجة النادم:
(هل تعيد إلى حكمتك ما سلبته مني؟ وإذا لم يكن - لديك - مفتاح تفتح لي به السماء فلماذا طردتني من الأرض؟ وإذا كنت تعلم أن سبل الحقيقة وراء حفائر الشك المخيفة فلماذا ألقيت صاحبك في هذه الشعب الملتوية؟
أنت هدمت كوخا حقيرا لتشيد على بقاياه قصرا منيعا ولكنه قصر فارغ ويا للأسف!
روفائيل!! أطلب منك نفسي، فأنا لست بسعيد.
قد فقدت شجاعتي، ويئست من قوتي. ويدك وحدها تستطيع أن تشفي جراحي.)
стр. 2620
وروفائيل يجيبه: (عزيزي جول:
أتريد أن تنصب عليك السعادة من السماء بدون انقطاع؟ هذا كثير على نصيب الإنسان. داء الشك الذي وقعت فيه لن تشفى منه إلا بنفسك، وبرغم أن يقظتك تعسة فإنني لا أملك علاجا أنقذك به من خيالك واحلامك؛ أنا لم أضع شيئا للنفوس التي هي أمثال نفسك إلا أنني لقحتها بالاضطراب الذي لا مفر منه
أيها الجاحد! قد لعنت العقل ونسيت النعم التي حباك بها.)
وها هو ذا روفائيل يحاول أن يقود صديقه إلى الحقيقة فيكتب له:
(ما الشك - يا صديقي - إلا حدة العقل الإنساني في ثورته. على أن الهزة الشاذة التي تصيب النفس النامية يجب إلا تؤول بها إلى تأييد صحتها، وتثبيت وجهتها، وكلما كان الخطأ بعيدا كان الظفر بالحقيقة أكثر خطراً. وكلما كثرت عوامل الشك في الإنسان كان أكثر لجاجة في تحري اليقين)
وكتاب روفائيل الأخير يقر بتأثير مدرسة (كانت) الفيلسوف. وفي تلك الأثناء كان شيللر يقف أجدر ما كتبه (كونسبرغ) بالمطالعة من تصانيف فلسفية. فقرأ فيها بان أفكارنا وآراءنا التي نراها، قد يمكن إلا يكون لها خارج عقلنا حقيقة مدركة. ومثل هذا المذهب يوافق كل الموافقة مذهب شكه، بل يذهب شيللر إلى أبعد من ذلك، فبينما كان (كانت) يحرص على شيء من الحكمة في (العقل المكتسب) إذا بشيللر يسلخ عن (الكانتيسم) هذه النتيجة التي تجعل الواجب شيئاً مجرداً والفضيلة حلماً.
والآن فلنتل بعض مقطوعاته نر فيها هذا الشك بارزاً بألوان مختلفة يفيض على جنباتها، ونرى الجمال الفني أسمى صفاتها. أما المثل الأعلى فأنت مجهد نفسك باطلا لتقف عليه. لأنه هو حلم , يقول: (لقد خمدت تلك الشمس التي كانت تضئ أيام فتوتي. وذهبت رسوم ذلك العالم الكامل الذي كان يهجس به ضميري. وضاع إيماني الجميل بتلك الأشياء التي كانت تخلقها لي أحلامي الوادعة الإلهية.)
كان الشاعر يسأل. ما هو الوجود؟ وأين يذهب؟ وما يحول؟ والإنسان نفسه ما هو؟
هو في بعض أحيانه:
(كحاج في ربيع أيامه، وقف في الطريق يستخفه الطرب فسمع صوتا يهتف به: سر وثابر
стр. 2621
على سيرك حتى تبلغ الأفق، حيث يغدو ما هو أرضي ترابي سماوياً لا نهائياً. هذه كانت أنشودة الفجر:
ولكن - وا أسفاه - قدم المساء وحالت الجبال والأنهار دون سيره، فترامى على البحر لكي يبلغ غايته! ولكن الغاية كانت تفر دائما دون أن يدركها.
وقف الحاج في النهاية قائلا! (وا أسفاه! لا طريق تقودني إلى الغابة، والسماء لن تلتقي مع الأرض. والمكان الذي أنا فيه ليس هو بالمكان الذي يجب أن أكون فيه.)
وهو في بعض أحيانه الأخرى (كالهارب) الذي يسأل نفسه. (أين يجب علي أن أمشي حتى أجد الهدوء؟ أنا متكئ على عصاي! والأرض الضاحكة بربيع شبابها ما هي - لي - إلا كالضريح.
فاصعد يا لون الصباح! ولون الشفق والقبل الملتهبة هذه الإحراج والغابات. وانزل أيها المساء، وسكن بهمسك الجميل هذا العالم الذي سكنت منه الحياة
أنت أيها الفجر لا تنير إلا حقلا للأموات، وأنت أيها المساء لا تهز بهمسك الجميل إلا نعاسا طويلا.)
ولكن أية أحلام يريدها الشاعر في قصيدتة (آلهة اليونان) ففي هذه المقطوعة يظهر الهدف الذي سعى إليه، ووضعه نصب عينيه. فهو يتغنى بالشك ويتباهى به، لأنه يقدس من اليونان الأقدمين ما يريد أن ينشره من عبادتهم الوثنية فهو يعظم خلقهم البسيط، وبكرم أساطيرهم الحساسة. بل هو يأسف على ذهاب العصر الذي كانت تحكم فيه مجموعة آلة لطيفة تسيطر على العالم. وتقود الناس وراءها إلى إلهات اللذائذ والمسرات ويختم هذه القصيدة بقوله:
(سرعان ما تبدل كل شيء! في كل الخليقة يجري سلطان الحياة المطلق
أما النبات القديم، والوقار الحزين فقد طردتها من عبادتك الصافية. وكل القلوب يجب أن تخفق سعيدة مغتبطة لأن السعداء كانوا حلفاءك، ولا شئ إذ ذاك مقدس غير الجمال) أما وقد قطع هذه الرحلة فليدن خطوة أخرى! أليس هو معتنقاً مذهب الشك وناصراً مذهب اللذة فلماذا لا يؤمن بالعدم ويتغنى به؟ وهذه قصيدة (الخضوع للقدر)
إن إنسانا مخلوقا للسعادة يتمثل لنا في يومه الأخير. كان زاهداً في كل طيبة من طيبات
стр. 2622
دنياه، راجيا منه العالم الثاني أن يحتسب له هذه التضحية. سفك الدمع الكثير ولم يتمن إلا وعداً إلهياً حتى يكمل إلى النهاية غلبته على قلبه، وأخيرا دنت الساعة التي ينال فيها ثوابه. فانتصب الرجل الأمين أمام عرش الله ليذكره بالوعد الذي ضحى في سبيله بكل ملذة.
فكان الجواب:
إنني احب كل أبنائي على السواء. أنت تأملت فكان التأمل ثوابك، وآمنت فكان الإيمان سعادتك، أنت تستطيع أن تستفهم العقلاء وهم سيقولون لك (أن الأبدية لن تعيد إليك ما فرطت في ملذاتك.)
(البقية في العدد القادم)
стр. 2623
العلوم
البحوث الروحية
للأستاذ عبد المغني علي حسين
خريج جامعت برمنجهام
سبقت لنا كلمة بهذا العنوان في الرسالة. وفيها أشرنا إلى أن أفراداً من أساطين رجال العلم الحديث جمعوا من اختباراتهم وتجاربهم باستخدام الوسطاء أدلة جديرة في اعتبارهم باسم العلم تبرر القول بأن العالم الروحي جزء من النظام الكوني، وأن الاتصال به في حيز الممكنات.
ونود بعد ذلك أن نورد طرفا من تلك الاختبارات والتجارب، ونزنهابالميزان العلمي، لنرى مبلغ صلاحيتها كدعامة لهذا الزعم الخطير، الذي إذا صح فأن كل كشف علمي سابق يعتبر بجانبه من محافر الأمور. لما لا، والعلم لم يمهد لنا إلى اليوم غير سبيل المادة، والمادة لا نمكث في محيطها إلا قليلا، ونرتحل عنها وشيكا. أما عن الخلود بعد الممات فلم نسمع أن العلم الحديث كلمة، الهم إلا كلمة إنكار من بعض الذين ينتسبون إليه.
نعم، نسمع إنكاراً صريحا من بعض رجال العلم، وافتراض وجود الأرواح غير المنظورة أبغض شئ إلى رجل العلم الحديث وليس هذا بغريب، فالبرق الذي أعتبره الأقدمون لمع سيوف الآلهة في السماء قد ثبت اليوم أنه شرر كهربائي. والرعد الذي حسبوه زمجرة غضب الآلة ليس سوى فرقعة ذلك الشرر. وقوس قزح الذي ظنوه سلما تمده الآلة ليهبط على درجه رسولهم ليس سوى طيف ضوئي ناتج من تحلل أشعة الشمس بانعكاسها وانكسارها في قطرات ماء المطر. والمرض الذي توهموه فعل أرواح شريرة وطاردوها عبثا بالتمائم والتعاويذ ليس سوى فعل ذر دقيق يرى بالمجهر ويعالج علاجا صحيحاً بالمحقن. لا حد لما كان ينسبه الأقدمون إلى الأرواح. ولا شك أن تاريخ العلم الحديث يكاد يكون سلسلة حرب مع الارواح، فهو يجليها كل يوم عن مركز في العالم المادي، ويقيم على أعقابها نظما وقوانين يتسع بعضها بعضا ولا أثر فيها لروح ما.
لا بدع إذن أن نرى رجل العلم يرفض الاستماع لكل زعم بوجود أرواح للموتى مهما كان مصدره. ويعتبر ذلك رجوع القهقري، وعوداً إلى عهد الخرافات البغيض، واستسلاماً لحب
стр. 2624
البقاء، وطمعا في لقيا الاعزاء، وذرعاً من الفناء. ولا بدع أن نراه يعتبر تعليل الظواهر بالأرواح عجزاً عن التعليل، ويفضل عليه أن تبقى الظواهر بلا تعليل.
هذا الموقف السلبي تراه كثرة المفكرين هو الجدير بالروح العلمية الصحيحة، التي لا تعرف الآمال ولا المخاوف. ولكن بعض المفكرين يرونه تطرفا وتنعتا. لأن الروح العلمية التي لا تعرف الآمال والمخاوف، لا تعرف أيضا البغض والحب. يجب أن نستمع لكل رأي مهما كان بغيضا. وأن لا نرفض الاشتراك في تجارب تجري إلى النمط العلمي مهما بدا موضوعها سخيفا والأمل في جدواها ضعيفا. إذا لم نفعل ذلك فنحن كالذين رفضوا النظر في تلسكوب غاليلو (سر الفر جوزيف لدج) أستاذ إنجليزي في علم الطبيعة، وشخصية علمية عالمية فذة. نيف اليوم على الثمانين من عمره، ولا يزال نشيطا عاكفا على البحث العلمي في معامله. كان أستاذا بجامعة ليفربول، ثم قضى حقبة طويلة مديراً لجامعة برمنجهام. وكان رئيسا للمجمع العلمي البريطاني، ولجمعية رنتجن، ولجمعية الطبيعة، ولجمعية الراديو. ولديه من ألقاب الشرف العلمية الشيء الكثير. وله فضل معروف في تحقيق التخاطب اللاسلكي ويعتبر دائما حجة في كل ما له علاقة بالأثير
لم تقتصر جهود هذا العلم الكبير على الطبيعة، بل امتدت إلى ما فوق الطبيعة. والذي دفعه إلى هذه المخاطرة العلمية أمران: أحدهما بحوثه في الأثير، التي أوصلته إلى أن الأثير هو الحقيقة الأساسية في العالم المادي، وانه الوسط الشامل، وان منه تصاغ المادة نفسها. ثم نظر فرأى الأثير الجزء الأهم في كياننا الجثماني نفسه. أليس الجسم البشري ككل جسم مادي يتألف من كهارب دقيقة بينها فراغ شاسع بالسبة لحجومها المتناهية في الصغر؟ أليس الجزء الأكبر من الجسم البشري فراغا يملؤه الأثير؟ هذا الأثير إذن هو الثوب الحقيقي لعنصر الحياة الذي يميزنا من الجماد والذي نسميه الروح. أما الذرات المادية فهي مجرد آلة تمكننا من العيش برهة في عالم المادة. أن الدقائق المادية نفسها لا تتلامس قط بل يوجد بينها دائما فراغ يملؤه الأثير. فنحن إذن لا نمس شئ إلا عن طريق الأثير. ولا نسمع شيئا إلا بتوسط الأثير. ولا نرى شيئا إلا باستخدام الأثير. والتفكير وكل الظواهر العقلية والنفسية لا شأن لها البتة بالذرات المادية. بل تنشأ أول في الأثير المتخلل لأجسامنا. وهذا الأثير بكيفية مجهولة يحرك ذرات المادة التي تتألف منها أعضاؤنا الظاهرة. فننسب نحن
стр. 2625
كل شئ لذرات المادة وننسى الأثير الرابط لها والضابط لكل ما تأتيه من حركات.
هل يتحتم إذن أن يكون موت الفرد زوال كل أثر لذاتيته من الوجود؟ إذا كانت الحياة من خواص الأثير الجثماني فهناك كل أمل في بقائها بعد الممات. إذ قد علمتنا دروس الطبيعة أن الظواهر الأثيرية تبقى ما بقى الدهر، ولا نتشتت أيدي سبا، شأن ذرات الجسم المادي. الموت إذن هو طرح ذرات المادة والعيش بعد ذلك في ثوب الأثير الجثماني، وفي عالم أثيري لا يحجبه عن حواسنا الحاضرة إلا عجز تلك الحواس وقصورها. لقد كشف العلم عن ظواهر أثيرية لم تكن من قبل محسوسة، مثل الإشاعة الخارجة عن حدود المنظور، فلم نستنكر أن يكشف العلم عن حياة في الأثير؟
هذا ما يقوله (لدج). وظاهر أنه رأي فلسفي أكثر منه عمل علمي. وإذا كانت هذه هي كل حجته فقد أتى بغير جديد. إذ النقاش الفلسفي في المادة والروح والفناء والخلود فاضت به الكتب وكاد يصبح مفروغا منه. لذا لا نرى التبسط في حجته هذه رغم ما تستحقه من تقدير. وننتقل إلى اتصاله الفعلي بتلك الكائنات الأثيرية وكيف أمكن أن يكون.
وضع (لدج) كتابا اسماه (كيف ثبت في خلود النفس البشرية) مهد له بما يأتي: -
(القول بخلود النفس البشرية بعد الممات، وبأن الموت طرح للجسد المادي ليس غير، هو قول قديم، وجد منذ وجد البشر. أما الحجج التي تؤيد هذا القول فبعضها ديني قائم على التسليم بوجود خالق رحيم عاقل، وبعضها حيواني يرجع إلى نفور النفس الغريزي من فكرة الانعدام، والقول بأن الغرائز البشرية تنم حتما عن حقائق واقعة. أني في هذا الكتاب لا أعتمد على أحد هذين النوعين من الحجج، وأن كنت أحترمهما وأقدرهما قدرهما. بل لست أنوي أن أحاج أو أجادل، فنظريتي قائمة على أساس من الاختبار الفعلي، وعلى قبول طائفة من ظواهر يمكن لكل إنسان أن يشاهدها بنفسه إذا تجشم عناء التجريب. إني أعرف خطورة كلمة (حقيقة) من الوجهة العلمية، ومع ذلك أقول دون أدنى تردد أن بقاء ذاتية الفرد بعد الموت هو عندي حقيقة قام عليها الدليل الحسي. لقد وصلت إلى هذا اليقين بدراسة خصائص نفسية غامضة لم يلتفت إليها العلم حتى الآن، ولا يرتاح لها فيما أظن رجال الدين. لذا أرى لزامنا على أن أذيع من آن لآن ما يبرر مثابرتي على هذه البحوث ويعبر عن اقتناعي التام بصحة ما وصلت إليه.
стр. 2626
(ولا حاجة بي إلى القول بأن كلمة (خلود) الواردة في العنوان لا يقصد بها الخلود أبد الآبدين فهذا ما لا علم لي به. كل ما أطمع في تقريره هو بقاء ذاتية الفرد بعد الموت. الموت هو الحادث الذي نرى عنده انقطاع حبل الحياة فإذا كنا نعيش بعد هذا الحادث القاصم فبعيد أن نلتقي بعده بحادث أشد منه وأعظم خطرا. لست أعرف ما يكون من شأننا في المستقبل القاصي، وكل ما استدللت عليه هو بقاء ذاتية الفرد منا بعد مغادرة هذا الجسد المادي. والمستقبل البعيد خليق بأن لا يشغل بالنا الآن. وحسبنا العلم أن هذه الحياة الأرضية ليست كل نصيبنا من الوجود كأفراد، وإننا إذا استخدمناها كما ينبغي فهي المرحلة الأولى من عيش طويل كله فرص للخدمة التي تتفق مع طبيعتنا الحقيقية وفيها سعادتنا الصحيحة.)
هذا ما كتبه (لدج) تمهيدا للكتاب. وسنتناول ما تضمنه الكتاب من تجارب ومشاهدات في كلمة أخرى إن شاء الله.
عبد المغني علي حسين
خريج جامعة برمنجهام
стр. 2627
في النسبية
بين أستاذ وتلميذه
التلميذ - كأنك تريد أن تقول إنالأطوال تنكمش بالحركة
الأستاذ - يظهر انك لم تفهم ما أعنيه بالضبط. سأضرب لك مثلا. تصور طائرة الآنسة لطيفة مبتعدة عنا بسرعة مائتي كيلو متر في الساعة. وأنك ترصد - وأنت على الأرض - قائمة علم مثبتة عمودية على هيكل الطيارة في اتجاه حركتها تريد قياس تلك القائمة. ثم لنفرض انك - باستعمال ما تعلمنه في مدرستك من أصول حسابات المثلثات وما تحت يدك من دقيق آلات القياس قادر على إيجاد طول تلك القائمة الثبتة في الطيارة مضبوطا إلى أجزاء من ألف مليون من الميليمتر. فان العلم الحديث يؤكد لك انك ستجد انكماشا في طول القائمة المذكورة. . .
التلميذ - أي أنني أجد طولها أقل منه عندما كانت ساكنة أمامي على سطح الأرض.
الأستاذ - نعم. ولكن ليس هذا كل ما هناك. فان الآنسة لو رأت القيام بتجربة مماثلة وهي في طائرتها. وكان معها أجهزة دقيقة مثل التي عندك. ثم حاولت قياس ارتفاع قامتك وأنت على ظهر الأرض. لرأتك أقصر قليلاً مما كنت وهي أمامك قبل أن تبدأ الطيران.
التلميذ - أقصر! لا شك أنك تريد أن تقول أطول
الأستاذ - لا. بل أريد أن أقول أنها تراك أقصر. فهنا موضع الدقة في النظرية الجديدة. ذلك لأن الحركة والسكون نسبيان. وإذا كنت تعتبر الآنسة وطائرتها مبتعدتين عنك بتلك السرعة بينما ترى نفسك ساكنا. كذلك هي. فأنت والأرض التي تحملك - بالنسبة للطائرة - في حركة ابتعاد عنها بسرعة مائتي كيلو متر في الساعة. أما هي فتعتبر نفسها ساكنة.
التلميذ - ولكن أترى الآنسة محقة في اعتبار طائرتها في حالة سكون وكل ما عداها مبتعد عنها بتلك السرعة الكبيرة.
الأستاذ - هذه وجهة نظرها. صحيح أن وجهة نظرك أنت على الضد من ذلك. ولكن هذا لا يمنع أن تكون أنت أيضا على حق من وجهة نظرك. أي أن كليكما على حق في اعتبار نفسه ساكنا والآخر متحركا. ولا شك أنك تذكر قطار السكة الحديدية عندما سار بك لأول مرة. وكيف أنه كان يخيل لك كأن الأرض تبتعد عنك. وأن القطار لا يتحرك. وهذا ما
стр. 2628
يحدث أيضا للمسافر بالطيارة. فالأستاذ البشري عندما ركب الطيارة لأول مرة ووصف شعوره في مقال له بالأهرام. أبان كيف أنه خال الطائرة لا تحرك أكثر من كيلومترين كل ساعة بينما هي تقطع مائة. ولعله لو أغمض عينيه وتجاوز عن بعض العوامل الآلية التي تحيط به في الطائرة كأزيز محركها مثل. لما شعر بحركة ما.
وما دمنا قد قررنا هذا المبدأ - نسبية الحركة والسكون - فيمكننا أن نعيد نظرة على مسألة انكماشا لأطوال المتحركة. أيمكنك أن تخبرني الآن أيهما ينكمش في الطول. قائمة العلم في طائرة الآنسة المبتعدة: أم قامتك أنت وأنت واقف على ظهر الأرض؟
التلميذ - يخيل لي مما سمعته الآن أن كليهما ينكمش طولا. فقائمة العلم بالنسبة لي تتضاءل وتصغر، وكذلك قامتي إذا حاولت الآنسة رصدها.
الأستاذ - تعبيرك الآن مضبوط. أزيد عليه بأن كلا الاثنين أيضا ثابت الطول. فقائمة العلم طولها لم يتغير في نظر الآنسة. وكذلك قامتك في اعتبارك أنت ثابتة. إذ مادامت الحركة نسبية فالانكماش نسبي أيضا.
التلميذ - فهمت أن مثل هذا الانكماش النسبي - لو وجد - ضئيل جدا. وأظن أن كشفه بالآلات مستحيل، فما الذي دعا أينشتينلفرض وجوده.
الأستاذ - ليس هو أينشتينأول من قال بوجود مثل هذا الانكماش. فمنذ اكثر من مائة عام وعلماء الطبيعة يجرون تجارب على الضوء والأثير؛ فيجدون نتائج مخالفة لما يتوقعون، وقد وجدوا أنفسهم مضطرين إزاء تلك النتائج غير المنتظرة إلى البحث عن تعليل لها؛ وكان أوفق الفروض التي اهتدوا لها فكرة انكماشا لأطوال المتحركة. وبواسطة هذا الفرض أمكن إصلاح ما فسد من النتائج. ثم قامت المحاولات لتعليل انكماشا لأطوال بالحركة، ووضعت النظريات العلمية على أسس معقدة، حتى جاء أينشتينفعرض تفسيرا بسيطا سهلا لهذا الانكماش معتبرا إياه كقوس قزح، أنت تراه موجودا وغيرك لا يراه بتاتا.
وليست الأطوال هي المقاسات النسبية فقط، فهناك الكتلة والزمن، فهذان أيضا نسبيان. الكيلو جرام من المادة في نظرك هو أكثر من كيلو جرام في نظر الآنسة الطائرة. والساعة من من الوقت عندك. . . .
التلميذ - مهلا. مهلا. فان ما قلته الآن يتنافى تماما مع ما علمناه في المدرسة عن الكتلة.
стр. 2629
أليست هي مقدار ما تجمع في الجسم من المادة، فكيف تقول إذن إنها تتغير. ومن أين تجيئها تلك الزيادة وهذا التغيير؟
الأستاذ - ومن أين يجيء التغيير للأطوال؟ وفوق ذلك فالتعريف الذي أعدته أمامي للكتلة قابل للانتقاد. والتعريف الذي يمكننا أن نقبله لها هو التعريف الذي يبين طريقة الوصول لتقديرها. وما دامت الكتلة لا تصل لتقديرها إلا عن طريق تغير في (كمية تحرك) أو (عجلة) سببتها قوة. فالسرعة والأطوال لهما دخل دائما في تقديرها. والأطوال والسرعة كما علمت نسبيان. فلماذا لا تكون الكتلة نسبية أيضا؟
وأريد أن أزيد الآن على ما قلته عن الكتلة كلاماً يشبهه عن الزمن فالدقيقة من الزمن ليست كذلك في كل زمان ومكان.
التلميذ - أرجو أن تعلم أن النسبية تطلق الآن على نظريتين: النظرية الخاصة والنظرية العامة. والأولى قال بها أينشتين سنة١٩٠٥ أما الثانية فلم يكملها إلا سنة ١٩١٧. وكل ما سمعته الآن من النتائج مأخوذ من النظرية الخاصة. التي تبحث فيما يحدث للأقيسة أثناء الحركة المنتظمة في خط مستقيم , وهي تبدأ من فرض أبانت التجارب العلمية صحته. وهو فرض ثبات سرعة الضوء. فالمسافة التي يقطعها الضوء في الثانية هي عدد محدود من الكيلومترات لا يزيد ولا ينقص باختلاف الأمكنة والأزمنة. وقد استغل اينشتين هذا الفرض. واستنتج رياضياً بواسطته وبواسطة مبدأ النسبية الخاص. مقدار التغير في الاقيسة نتيجة الحركة النسبية.
والنظرية العامة لا تقتصر في بحثها على الحركة المنتظمة في خط مستقيم، بل تتناول الحركة الدورانية ومجالات القوى. وهذه النظرية طبعاً أعم من الأولى وأشد تعقيداً: ورياضياتها تظفر بمن يتقن فهمها، ولذا فهي سيئة الحظ مع جمهور الكتاب بعكس شقيقتها.
تسألني إلى أي مدى عززت المشاهدات والتجارب النظرية
النسبية وسأجيبك مقتصراً على النظرية الخاصة. ١ - فأنت
تعلم أن فرض انكماش الأطوال نتيجة الحركة احتاج العلماء
له لتفسير نتائج غير متوقعة في تجاربهم. وما دام هذا الفرض
стр. 2630
مقررا بوضوح ومبينا على أسباب معقولة في النظرية النسبية
فالنظرية لم تأت إذن إلا بما دعمته التجارب وقررته.
٢ - وأنت تذكر من غير شك الالكترونات السالبة التكهرب
المنبعثة من المواد المشعة (كالراديوم مثلاً). هذه الالكترونات
تحرك بسرعة كبيرة تقرب من سرعة الضوء. وقد وجد أنها
تختلف في السرعة باختلاف مصدرها أحيانا. ووجد أيضاً ان
كتلتها تختلف باختلاف سرعة تحركها.
والنظرية النسبية كما رأيت تقول بذلك. فالكتلة مثل الطول شيء نسبي تختلف باختلاف السرعة. والنظرني تعطينا مدى تغير الكتلة بتغير السرعة. وهو ما يتفق مع المشاهد الملحوظ.
٣ - كان هناك رأي قائل بأن النجوم المتحركة للأمام، ضغط
الإشعاع على سطحها الأمامي أكثر منه على سطحها الخلفي.
وهذا مما يعمل على تقليل سرعتها بالتدريج حتى تصل لحالة
السكون في وقت ما. وقد استنتج الفلكيون من ذلك أن النجوم
القديمة لا بد ان تكون أسرع حركة من النجوم الحديثة. ولكن
من الأسف لم تعزز المشاهدة هذا الاستنتاج الواضح.
ولقد جاءت النظرية النسبية في الوقت المناسب لتسعف العلماء وتنقذهم من هذا التناقض فأبانت لهم أن السرعة ليست إلا شيئا نسبيا. فلا يوجد ما يسمى بحالة السكون المطلق. والنجم المتحرك بالنسبة لنا ساكن بالنسبة لنفسه. فلا داعي لان نبني على حركته المزعومة
следующие страницы →