← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

(ولا حاجة بي إلى القول بأن كلمة (خلود) الواردة في العنوان لا يقصد بها الخلود أبد الآبدين فهذا ما لا علم لي به. كل ما أطمع في تقريره هو بقاء ذاتية الفرد بعد الموت. الموت هو الحادث الذي نرى عنده انقطاع حبل الحياة فإذا كنا نعيش بعد هذا الحادث القاصم فبعيد أن نلتقي بعده بحادث أشد منه وأعظم خطرا. لست أعرف ما يكون من شأننا في المستقبل القاصي، وكل ما استدللت عليه هو بقاء ذاتية الفرد منا بعد مغادرة هذا الجسد المادي. والمستقبل البعيد خليق بأن لا يشغل بالنا الآن. وحسبنا العلم أن هذه الحياة الأرضية ليست كل نصيبنا من الوجود كأفراد، وإننا إذا استخدمناها كما ينبغي فهي المرحلة الأولى من عيش طويل كله فرص للخدمة التي تتفق مع طبيعتنا الحقيقية وفيها سعادتنا الصحيحة.) هذا ما كتبه (لدج) تمهيدا للكتاب. وسنتناول ما تضمنه الكتاب من تجارب ومشاهدات في كلمة أخرى إن شاء الله. عبد المغني علي حسين خريج جامعة برمنجهام

стр. 2627

في النسبية بين أستاذ وتلميذه التلميذ - كأنك تريد أن تقول إنالأطوال تنكمش بالحركة الأستاذ - يظهر انك لم تفهم ما أعنيه بالضبط. سأضرب لك مثلا. تصور طائرة الآنسة لطيفة مبتعدة عنا بسرعة مائتي كيلو متر في الساعة. وأنك ترصد - وأنت على الأرض - قائمة علم مثبتة عمودية على هيكل الطيارة في اتجاه حركتها تريد قياس تلك القائمة. ثم لنفرض انك - باستعمال ما تعلمنه في مدرستك من أصول حسابات المثلثات وما تحت يدك من دقيق آلات القياس قادر على إيجاد طول تلك القائمة الثبتة في الطيارة مضبوطا إلى أجزاء من ألف مليون من الميليمتر. فان العلم الحديث يؤكد لك انك ستجد انكماشا في طول القائمة المذكورة. . . التلميذ - أي أنني أجد طولها أقل منه عندما كانت ساكنة أمامي على سطح الأرض. الأستاذ - نعم. ولكن ليس هذا كل ما هناك. فان الآنسة لو رأت القيام بتجربة مماثلة وهي في طائرتها. وكان معها أجهزة دقيقة مثل التي عندك. ثم حاولت قياس ارتفاع قامتك وأنت على ظهر الأرض. لرأتك أقصر قليلاً مما كنت وهي أمامك قبل أن تبدأ الطيران. التلميذ - أقصر! لا شك أنك تريد أن تقول أطول الأستاذ - لا. بل أريد أن أقول أنها تراك أقصر. فهنا موضع الدقة في النظرية الجديدة. ذلك لأن الحركة والسكون نسبيان. وإذا كنت تعتبر الآنسة وطائرتها مبتعدتين عنك بتلك السرعة بينما ترى نفسك ساكنا. كذلك هي. فأنت والأرض التي تحملك - بالنسبة للطائرة - في حركة ابتعاد عنها بسرعة مائتي كيلو متر في الساعة. أما هي فتعتبر نفسها ساكنة. التلميذ - ولكن أترى الآنسة محقة في اعتبار طائرتها في حالة سكون وكل ما عداها مبتعد عنها بتلك السرعة الكبيرة. الأستاذ - هذه وجهة نظرها. صحيح أن وجهة نظرك أنت على الضد من ذلك. ولكن هذا لا يمنع أن تكون أنت أيضا على حق من وجهة نظرك. أي أن كليكما على حق في اعتبار نفسه ساكنا والآخر متحركا. ولا شك أنك تذكر قطار السكة الحديدية عندما سار بك لأول مرة. وكيف أنه كان يخيل لك كأن الأرض تبتعد عنك. وأن القطار لا يتحرك. وهذا ما

стр. 2628

يحدث أيضا للمسافر بالطيارة. فالأستاذ البشري عندما ركب الطيارة لأول مرة ووصف شعوره في مقال له بالأهرام. أبان كيف أنه خال الطائرة لا تحرك أكثر من كيلومترين كل ساعة بينما هي تقطع مائة. ولعله لو أغمض عينيه وتجاوز عن بعض العوامل الآلية التي تحيط به في الطائرة كأزيز محركها مثل. لما شعر بحركة ما. وما دمنا قد قررنا هذا المبدأ - نسبية الحركة والسكون - فيمكننا أن نعيد نظرة على مسألة انكماشا لأطوال المتحركة. أيمكنك أن تخبرني الآن أيهما ينكمش في الطول. قائمة العلم في طائرة الآنسة المبتعدة: أم قامتك أنت وأنت واقف على ظهر الأرض؟ التلميذ - يخيل لي مما سمعته الآن أن كليهما ينكمش طولا. فقائمة العلم بالنسبة لي تتضاءل وتصغر، وكذلك قامتي إذا حاولت الآنسة رصدها. الأستاذ - تعبيرك الآن مضبوط. أزيد عليه بأن كلا الاثنين أيضا ثابت الطول. فقائمة العلم طولها لم يتغير في نظر الآنسة. وكذلك قامتك في اعتبارك أنت ثابتة. إذ مادامت الحركة نسبية فالانكماش نسبي أيضا. التلميذ - فهمت أن مثل هذا الانكماش النسبي - لو وجد - ضئيل جدا. وأظن أن كشفه بالآلات مستحيل، فما الذي دعا أينشتينلفرض وجوده. الأستاذ - ليس هو أينشتينأول من قال بوجود مثل هذا الانكماش. فمنذ اكثر من مائة عام وعلماء الطبيعة يجرون تجارب على الضوء والأثير؛ فيجدون نتائج مخالفة لما يتوقعون، وقد وجدوا أنفسهم مضطرين إزاء تلك النتائج غير المنتظرة إلى البحث عن تعليل لها؛ وكان أوفق الفروض التي اهتدوا لها فكرة انكماشا لأطوال المتحركة. وبواسطة هذا الفرض أمكن إصلاح ما فسد من النتائج. ثم قامت المحاولات لتعليل انكماشا لأطوال بالحركة، ووضعت النظريات العلمية على أسس معقدة، حتى جاء أينشتينفعرض تفسيرا بسيطا سهلا لهذا الانكماش معتبرا إياه كقوس قزح، أنت تراه موجودا وغيرك لا يراه بتاتا. وليست الأطوال هي المقاسات النسبية فقط، فهناك الكتلة والزمن، فهذان أيضا نسبيان. الكيلو جرام من المادة في نظرك هو أكثر من كيلو جرام في نظر الآنسة الطائرة. والساعة من من الوقت عندك. . . . التلميذ - مهلا. مهلا. فان ما قلته الآن يتنافى تماما مع ما علمناه في المدرسة عن الكتلة.

стр. 2629

أليست هي مقدار ما تجمع في الجسم من المادة، فكيف تقول إذن إنها تتغير. ومن أين تجيئها تلك الزيادة وهذا التغيير؟ الأستاذ - ومن أين يجيء التغيير للأطوال؟ وفوق ذلك فالتعريف الذي أعدته أمامي للكتلة قابل للانتقاد. والتعريف الذي يمكننا أن نقبله لها هو التعريف الذي يبين طريقة الوصول لتقديرها. وما دامت الكتلة لا تصل لتقديرها إلا عن طريق تغير في (كمية تحرك) أو (عجلة) سببتها قوة. فالسرعة والأطوال لهما دخل دائما في تقديرها. والأطوال والسرعة كما علمت نسبيان. فلماذا لا تكون الكتلة نسبية أيضا؟ وأريد أن أزيد الآن على ما قلته عن الكتلة كلاماً يشبهه عن الزمن فالدقيقة من الزمن ليست كذلك في كل زمان ومكان. التلميذ - أرجو أن تعلم أن النسبية تطلق الآن على نظريتين: النظرية الخاصة والنظرية العامة. والأولى قال بها أينشتين سنة١٩٠٥ أما الثانية فلم يكملها إلا سنة ١٩١٧. وكل ما سمعته الآن من النتائج مأخوذ من النظرية الخاصة. التي تبحث فيما يحدث للأقيسة أثناء الحركة المنتظمة في خط مستقيم , وهي تبدأ من فرض أبانت التجارب العلمية صحته. وهو فرض ثبات سرعة الضوء. فالمسافة التي يقطعها الضوء في الثانية هي عدد محدود من الكيلومترات لا يزيد ولا ينقص باختلاف الأمكنة والأزمنة. وقد استغل اينشتين هذا الفرض. واستنتج رياضياً بواسطته وبواسطة مبدأ النسبية الخاص. مقدار التغير في الاقيسة نتيجة الحركة النسبية. والنظرية العامة لا تقتصر في بحثها على الحركة المنتظمة في خط مستقيم، بل تتناول الحركة الدورانية ومجالات القوى. وهذه النظرية طبعاً أعم من الأولى وأشد تعقيداً: ورياضياتها تظفر بمن يتقن فهمها، ولذا فهي سيئة الحظ مع جمهور الكتاب بعكس شقيقتها. تسألني إلى أي مدى عززت المشاهدات والتجارب النظرية النسبية وسأجيبك مقتصراً على النظرية الخاصة. ١ - فأنت تعلم أن فرض انكماش الأطوال نتيجة الحركة احتاج العلماء له لتفسير نتائج غير متوقعة في تجاربهم. وما دام هذا الفرض

стр. 2630

مقررا بوضوح ومبينا على أسباب معقولة في النظرية النسبية فالنظرية لم تأت إذن إلا بما دعمته التجارب وقررته. ٢ - وأنت تذكر من غير شك الالكترونات السالبة التكهرب المنبعثة من المواد المشعة (كالراديوم مثلاً). هذه الالكترونات تحرك بسرعة كبيرة تقرب من سرعة الضوء. وقد وجد أنها تختلف في السرعة باختلاف مصدرها أحيانا. ووجد أيضاً ان كتلتها تختلف باختلاف سرعة تحركها. والنظرية النسبية كما رأيت تقول بذلك. فالكتلة مثل الطول شيء نسبي تختلف باختلاف السرعة. والنظرني تعطينا مدى تغير الكتلة بتغير السرعة. وهو ما يتفق مع المشاهد الملحوظ. ٣ - كان هناك رأي قائل بأن النجوم المتحركة للأمام، ضغط الإشعاع على سطحها الأمامي أكثر منه على سطحها الخلفي. وهذا مما يعمل على تقليل سرعتها بالتدريج حتى تصل لحالة السكون في وقت ما. وقد استنتج الفلكيون من ذلك أن النجوم القديمة لا بد ان تكون أسرع حركة من النجوم الحديثة. ولكن من الأسف لم تعزز المشاهدة هذا الاستنتاج الواضح. ولقد جاءت النظرية النسبية في الوقت المناسب لتسعف العلماء وتنقذهم من هذا التناقض فأبانت لهم أن السرعة ليست إلا شيئا نسبيا. فلا يوجد ما يسمى بحالة السكون المطلق. والنجم المتحرك بالنسبة لنا ساكن بالنسبة لنفسه. فلا داعي لان نبني على حركته المزعومة

стр. 2631

ما بنينا من النتائج. لعلك تعفيني الآن من ذكر نتائج أخرى هامة للنظرية. فإني أخاف أن تعجز عن متابعتي فيها بمثل ما فعلت من الصبر حتى الآن ولعلنا نناقشها في فرصة أخرى. طنطا محمد محمد السيد

стр. 2632

القصص إلى خراسان للأستاذ الرحالة محمد ثابت من رحلة قام بها الأستاذ عام ١٩٣٣ إلى تركية والعراق وإيران وأفغانستان اعتزمت القيام من (طهران) إلى (خراسان) حيث مقر الإمام الرضى أحد أئمة الشيعة، وضريحه في (مشهد) ثانية مدن فارس، وأولى البلاد المقدسة. . تعد عن طهران مسافة نائية هي فوق مائة وستين فرسخا. والفرسخ - وهو وحده القياس عندهم - نحو ستة كيلومترات، فالمسافة كلها نحو ألف كيلومتر أو تزيد. كان القوم يقطعونها على متون الإبل والبغال والحمير قبيل الحرب الكبرى، فيما بين أربعين يوما وستين، وهي اليوم بالسيارات بين يومين وثلاثة. أخذت مكانا أماميا في سيارة كبيرة من ذوات العجل المزدوج برفقة ركب من الحجاج يناهز الخمسة والعشرين بين رجال ونساء، وشيوخ وشبان، وبدأنا السير ليلاً، وكلهم إيمان صادق لا يبتغون من وراء متاعبهم تلك ونصبهم هذا إلا زيارة قبر الإمام الرضى ومعهم زادهم، أما أنا فكنت أعتمد على المحاط وما فيها من وسائل ساذجة للنوم والطعام، آونة وأخرى كان يصيح القوم قائلين: (لاهم سل آلي مهمد آل مهماد) وأخذنا نمر بالمحاط التي يسميها القوم مسافر خانات أو (كرفان سراي) وهناك نجد أمكنة تحكي الفنادق بها حجرات فقيرة الأثاث، وغذاء بسيط كنا نتزود منه ونأخذ قسطنا من الراحة، ثم نستأنف السير ولم تكن تقوى القوم لتنسيهم ملاذهم، فقد كان الفريق الأكبر منهم يحمل الغلايين لتدخين الأفيون فينتحون جانبا من المكان ويمر الغليون عليهم جميعا , وكان في جواري إلى جانب السائق أحد علماء كربلاء بعمامته السوداء الضخمة، ولحيته المرسلة، وسحنته الناحلة، وكان يتيه على الآخرين بعلمه وبأنه من سلالة هاشمية ومن نسل العلم والعلماء، ولأولئك على الناس حق العطاء ويسمونه هناك (حق الخمس)، يقصدون الأغنياء كلما أعوزهم المال ليأخذوا منهم حقهم هذا لأنهم من السادة سلالة الرسول. جد السائق في السير على ضوء القمر وقبس مصباحه، فخانه نظره فما نسعر إلا والسيارة

стр. 2633

تنحدر بنا عن الطريق، وتنزل هوة من دونها واد سحيق، فكادت تنخلع لرجاتها قلوبنا، وصاح الجميع، وارتطم هذا بذاك، وذاك بجانب من السيارة، ثم كانت صدمة عنيفة وفرقعة أصمت آذاننا، وإذا هي صخرة كبيرة ناتئة في منحدر الوادي توقف السيارة قبل أن تنقلب، وقد أصيب من الركاب كثير، ونالني من ذلك شج بين العينين سال منه الدم سيلاً وصدمة شديدة في الركبة اليمنى أحدثت بها كسرا لا أزال أعانيه، فقفزت من السيارة ونمت على الصخر تائها حتى الصباح فرأيت العجلة قد كسرت من أساسها، ولولا لطف الله لكنا اليوم في عالم غير الذي نحن فيه. أمضينا يوما كاملا في تلك البرية المقفرة ولم يكن لدى السائق ومعه بديل عما كسر، وكان قد رجع إلى طهران ثم عاد إلينا وأصلح ما أفسدت غفلته، واستأنفنا سيرنا شاكرين الله ان أنجانا من خطر الموت في بلك الناحية النائية وكم من سيارة خانها الحظ العاثر فهوت وهلك من ركابها الكثير في تلك الطرق الوعرة. ولقد عزا القوم سلامتنا إلى رضى الإمام عنا. وما كدنا نسير بعيداً حتى وفقت السيارة فجأة وتبين أن البنزين قد نفد، ولم يكن لدينا منه شيء، فلبثنا مكاننا حيارى ساخطين جزعين أربع ساعات حتى مرت بنا سيارة أخرى أعارتنا بعض البنزين والسيارات الكبيرة تمر تباعا ذهابا ورجعة في كثرة هائلة، تحمل جماهير الحجاج، ويقولون بان هذا الخط على وعورته أكثر الخطوط حركة في نقل المسافرين لأن (مشهد) خير لديهم من مكة المكرمة تغنيهم عن حج بيت الله الحرام في زعمهم فترى الفاني منهم والفقير المدقع يدخر أجر السفر ليصل إليها ويود لو يموت بها ليدفن في أرضها الطاهرة. لبثنا نسير وسط الربى وصعدنا منها ما هو بالغ الوعورة في طرق لياتها متعاقبة، وكلها مجدبة عريت عن النبت إلا في بعض بطون من الأودية، حيث كنا نرى سيلا من الماء يتلوى وتقوم القرى على جوانبه بأبنيتها الوطيئة من اللبن والطين، وبعد يوم ونصف دخلنا سهولا غالبها صحراوي وتلك بداءة أرض خراسان. استوقفت السيارة قليلا في قرية (نيسابور) مثوى رفات (عمر الخيام) الذي عاش في الربع الأخير من القرن الحادي عشر وأوصى ان يدفن في بقعة تظلها الأشجار ويكسوها ورقها الذابل مرتين كل عام. زرت مقبرته وسط الحقول، تظلها حقاً أدواح عالية قديمة، ويزورها من الأجانب خلق كثير لأنه قد خلد له ذكرا بما كتب في رباعياته التي ترجمها الناس إلى

стр. 2634

جميع اللغات، ولقد أبى عليه علماء الدين تشييد مدفنه لاتهامهم إياه بالزندقة لأنه كان إباحيا في شعره. عادت الربى فتسلقناها وأشرفنا على (مشهد) وهي في حجر الجبال بعد أن لبثنا في الطريق ثلاثة أيام وأربع ليال كاملات قاسينا خلالها كثيرا. هنا وقف السائق ونبه القوم أن هاهي مشهد فارقبوها تبركا فأخذوا يحاولون رؤية القبة الشريفة وسط الضباب والدخان المنبث وكل من لمح منها قبسا قرأ آيات التبرك وعمد إلى قطع الأحجار يجمعها في كومة، ثم أقبل على السائق يهبه من أنعامه ما تيسر. دخلنا مشهد تحوطها المزارع والبساتين ثم أخذنا نخترق طرقا فسيحة يحفها الشجر وتقوم عليها المباني الحديثة الوطيئة، وقد كانت من قبل أزقة مختنقة كسائر بلاد فارس، لكن يد الإصلاح تناولتها اليوم على نحو ما فعلت في طهران، وقد استرعى نظري بناء القنصلية البريطانية بعظيم امتداده وهو أثر من آثار النفوذ الإنجليزي الذي كان يسيطر على البلاد بجانب النفوذ الروسي. حتى حدث مرة أن حاول بعض الناس أن يعلو ببناء بيته الملاصق لتلك الدار فمنعه القنصل إذ لا يجوز كشف حرمة الدار الإنجليزية أما اليوم فلا يكاد يكون لذاك النفوذ ظل أبداً. قصدت زيارة ضريح الإمام الرضى، الذي بدت لنا قبته الذهبية البراقة من أميال، وإذا المسجد والحرم فاخران إلى حد كبير. مداخلهما عدة، الباب تلو أخيه في زخرف جذاب وفن شرقي بديع بالقيشاني والبلور والمرمر والرخام، وأمام كل واجهة رئيسية بهو مربع تحفه الحجرات المزركشة أقيمت لطلاب العلم في طابقين وتتوسطه قناة الماء يغترف منها الجميع للشر والغسل وتنظيف الملابس والأحذية ومآرب أخرى، والباب الرئيسي للضريح مكسو كله بالذهب الخالص في فجوات وتعاريج جذابة، وفوق الضريح قبة مكسوة بالذهب الخالص وللمسجد مئذنتان دقيقتان، عليهما غشاء من ذهب. أما عن العالم المتراص كالموج المرتطم هنا وهناك فحدث في دهشة فائقة. كنت أسيراً ولا أكاد أشق لي طريقا بينهم، ومنهم المثقف أنيق الهندام والمتسول البائس في الخرق البالية والأقذار التي ينبعث منها مكروب المرض فيوشك أن يخترق أجسادنا. هذا إلى العلماء في عباءاتهم وعمائمهم السوداء للشرفاء منهم، والبيضاء لغير الشرفاء يخضبون لحاهم بالحناء جميعاً، ومن زوار

стр. 2635

الأجانب خلق كثير، عراقيون وهنود وأفغان ومن كافة العالم الإسلامي، وعلى الجدران يرتمي الكثيرون في خمول زائد وجلهم ممن أضناهم المرض وشوه البؤس أجسادهم، ويتوسط أحد الأفنية سبيل مذهب في داخله نافورة حولها السلال تحمل القعاب للمحتسين ويشرف عليهم كهل توقد حوله الشموع صباح مساء وبين آوية وأخرى يمد مغرفة يحرك بها الماء والسعيد من استطاع أن يتذوق هذا الماء الطاهر: أخيرا دخلت الضريح الفضي وإذا المدفن وسط شباك الفضة والذهب ترصعه الجواهر الثمينة وقد أتممت تطوافي حوله في ثلث ساعة كدت أختنق خلالها من كثرة الزحام وهنا رأيت عجباً: نواح وصياح ولطم وتقبيل واستلقاء على الأرض ولمس للأعتاب بالخدود وما إلى ذلك مما تقشعر له الأبدان. هنا أسرع شيخ يطوف بي وناولني أدعية مطبوعة يجب أقرأها وأركع أسجد وأقبل، فأسرعت بالتخلص منه بفضل زميل فارسي عرفته، فخاطب المطوف قائلا بأنني عالم قارئ بكل أولئك، وقد علمت بعدئذ أنني لو رفضت الإذعان للأمر وحدي لظن أني ملحد ولكان ما لا تحمد عقباه، وبجانب الضريح قبر هرون الرشيد غير أنه منبوذ في ناحية غير طاهرة وقد وضعوه بحيث يلمسه الزائرون بأدبارهم عندما يطوفون حول الرضى وذلك احتقارا لشأنه وكثير منهم يلعنه بعد الزيارة ويركله برجله ووجهه مقابل للأمام ويقول (لعن الله المأمون وأباه) وذلك لأنه سني أولاً، ثم لأنه والد المأمون الذي اتهم بدس السم للإمام، وقد سافر الرشيد إلى هناك في حملة ضد أحد الحكام الذين مالأوا بني أمية، فوافته منيته هناك فأوصى بأن يدفن في هذا المكان الذي أقام عليه الاسكندر المقدوني علماً، ونبأ بأنه سيكون مدفن رجل عظيم، ولما جاء المأمون ولى الرضى حاكما على تلك البلاد من قبله، ولما عاد إلى بغداد وتم له الأمر دس للرجل فمات ودفن إلى جوار الرشيد. خرجت إلى الفناء وإذا في كل ركن من أركانه عالم يرتقي منبرا وحوله خلق كثير جلوس على الأرض في وجوم وشبه ذهول وهو يقص عليهم أنباء الإمامين علي والحسين وجميعهم يبكون، وكلما أشار في قوله إلى الفاجعة صاحوا ولطموا جباههم وخدودهم في فرقعة مؤلمة ومنهم الطفل والمراهق والسيدة والعجوز والكهل الفاني والمتفقه والأمي الجاهل، وذاك التبشير يضل سحابة اليوم في جميع أركان الأفنية. ولما أوشك الغروب سمعت من شرفة الباب الأوسط طبولا تقرع في نقرات مثلثة ثم أعقبها صياح وتلا ذلك نفخات في أبواق طويلة

стр. 2636

مزعجة، وظل هذا حتى غربت الشمس فكأنهم يودعونها كما يفعل المجوس بذاك الذي يدخل الرهبة ويلقي الرعب في القلوب. فقلت في نفسي أهكذا يلعب رؤساء الدين بأذهان البسطاء لا ابتغاء مرضاة الله بل لملء جيوبهم هم وذراريهم الذين لا يحصيهم عد؟ تأخر معيب وتدهور يعطي الأجنبي عن البلاد أسوأ الفكر؛ وحتى تقضي حكمة الشاه على كل أولئك، سيظل هذا حجر عثرة في سبيل تقدم البلاد. والذي شجع الفرس على اتخاذ (مشهد) كعبة مقدسة، الشاه عباس أكبر ملوك الصفويين هناك وكان عصره ثالث العصور الذهبية في فارس. صرف قومه عن زيارة مكة لكراهتهم للعرب ولكي يوفر على قومه ما كانوا ينفقون من مال طائل في بلاد يكرهونها، فاتخذ (مشهد) كعبة وجه الشعب إليها ولكي يزيدها قدسية حج إليها بنفسه ماشيا على قدميه مسافات تفوق ألف كيلومتر ومائتين فتحول الناس اليها، ويندر من يزور الحجاز منهم اليوم وهم يحترمون كلمة (مشهدي) عن كلمة (حجي) لان من زار مشهد لا شك أكثر احتراما وطهارة ممن زار مكة في زعمهم!

стр. 2637

حبيشة - ١ - عذراء، فاتنة، ناطقة الملامح، تبسم عن ثغر نقي مؤشر. فوهاء ولكن جمالها في ذلك الفوه. حوراء، تتراءى نفسها اللطيفة رقصة في عينيها، ما تلقى عليها نظرة إلا ثبتت في قلبك بصورتها المرحة، وبسمتها الوادعة، مأنقة في ملبسها من غير تبرج، متألقة في خفرها بلا تكلف، وكانت فتاتنا في ريعان شبابها، بدأ عودها يثمر، وأخذت حركتها تنتظم، ونظرتها تستقر ونغمتها تلين. قضت أيام طفولتها ترعى البهم، وكانت محبوبة من لداتها وصواحبها، مشهورة المواهب بينهم، يتهافتون على صحبتها ويجمعون على مودتها، ويقنعون منها بكلمة طيبة أو بسمة عذبة. وكان لابد للطفولة من نهاية، وقعدت في بيتها تاركة رعيتها للصغار من اخوتها وابتدأت حياة جديدة. - ٢ - أنبأت (عبد الله) أمه برغبتها في زيارة بيت من حيها. وكان غلاما يفعه، فاستبان وجهتها وإذا به بيت (حبيشة) رفيقة صباه فوثبت صورتها توا إلى مخيلته، وبدا وجهها الطلق يناديه وصوتها العذب يناغيه. فدعاها لأن تتريث حتى يمضي معها، ليكسر عنها كلاب الحي الضارية وأكبرت الأم شهامة فتاها، وحستها عاطفة حقاً لأمومتها. فرجل جمته، وطيب ثيابه، ومشى يختال كالطاووس، ويترنح كالعروس، ومن مثله سيقدم على وجه صبيح طالما انتظر لحظات رؤيته؟ والآن قد أمكنته الفرصة. نعم سيراها، وفي بيتها، وتحت رقبة أهلها، ويشبع نفسه من حسنها فيروي قفره، ويبل صداه. دخل عليها، وشد على يديها، ونظر نظرة فيها، فإذا هي غيرها بالأمس، جمال يتولد ومحاسن لا تنفد. تحمل الفتى بسهامها، وخرج من دارها، تحدثه أمه فيغمغم، يهيم في مهامه فكره، قد أطرق برأسه وشرق بنفسه، وبعد حين زفر كالمهجور، وانتظمت أنفاسه كلمات خافتة خاشعة. وما أدري، بلى إني لأدري … أصوب القطر أحسن أم حبيش؟ حبيشة والذي خلق الهدايا … وما عن بعدها للصب عيش

стр. 2638

سمعته أمه، وفطنت لدائه، ولكنها تغافلت عن همه، ومشيا يلفهما الصمت، حتى اعترضهما ظبي نعطو إلى سلمة فوق رابية، رآه مقدودا كتمثال، ولمح في جيده وعينه ليلاه، فانطلق لسانه من عقاله، وجهر بصوته: يا أمتا! أخبريني غير كاذبة … وما يريد مسول الحق بالكذب؟ أتلك أحسن أم ظبي برابية؟ … لا، بل حبيشة في ظني وفي أرب وماذا تخبره أمه؟ صبت عليه ذنوبا من الملامة، وقرعته على خوره واستخذائه، وحذرته أن يتمادى في عمايته، ثم فكرت في صرف هواه إلى بنت أختها، التي عمدت تزينها، وتبدع في تجميلها علها تقع من قلبه موقعا، ولكن حب حبيشة كان قد واتى والنفس فارغة فاستحكم، وان غابت عنه تركت ربعه خاويا، وقبله وارياً إذا غيبت عني حبيشة مرة … من الدهر لم أملك عزاء ولا صبرا كأن الحشى حر السعير، يحشه … وقود الغضى والقلب مستعر جمرا وكان عبد الله ككل الشعراء، وضع قلبه على طرف لسانه، أحب فشبب، ولذ له ذلك، فلقي أهلها منه كل بلاء، وعملوا كيدهم لصرفها عنه، فأرادوها على أن تعده موعدا، وفيه تصارحه بزهادتها فيه، وكراهتها إياه، وهم عن جنب منها يسمعون. فلما أقبل انخرط اللؤلؤ متهالكا، والتفتت حيث أهلها كامنون، ففطن لنظرتها، ورجع من حيث أتى، وقال: لو قلت ما قالوا لزدت جوى بكم … على أنه لم يبق ستر ولا صبر ولم يك حبي عن نوال بذلته … فيسليني عنه التجهم والهجر وما أنس م الأشياء لا أنسى دمعها … ونظرتها حتى يغيبني القبر وظل على حبه، يقنع باللمحة، ويتعلل بالخيال حتى وقعت الوالقعة. - ٣ - وجه النبي ﷺ خالد بن الوليد بعد فتح مكة إلى ما حولها من القبائل يدعوهم. إلى الله فنزل ببني جذيمة من عامر ولم ينزلوا على رأيه، فأسر من استطاع منهم، وحكم السيف فيهم وكان من أسراه (عبد الله بن علقمة الكناني) صاحب حبيشة، ولما هموا ليقتلوه استوقفهم لحاجة في نفسه وطلب من آسره أن ينزل معه إلى أسفل الوادي، حتى يودع ظعنه، ولما كان منهن قاب قوسين، نادى بأعلى صوته: أسلمي يا

стр. 2639

حبيش، عند نفاد العيش) فقالت وأقبلت عليه: وأنت فأسلم على كثرة الأعداء، وشدة البلاء، ولبث معها برهة، تزود منها بقبلة، تقويه على سفره الناصب، وشقته البعيدة، ثم أنشدها إن يقتلوني يا حبيش فلم يدع … هواك لهم مني سوى غلة الصدر وأنت التي أخليت لحمي من دمي … وعظمي وأسبلت الدموع على نحري وبعد أن قضى لبانته، دفع لصاحبه هامته، وكان ما كان. أحمد أحمد التاجي دبلوم دار العلوم

стр. 2640

الكتب كتاب ابن خلدون للأستاذ محمد عبد الله عنان لقد ظهرت للأستاذ عنان مؤلفات شتى في اللغة العربية تختلف في موضوعاتها، وتجول في أنحاء مختلفة من نواحي الأدب، ولكنها جميعا تنضوي تحت لواء واحد، وهو لواء البحث، وتقصد إلى قصد واحد وهو إحياء التراث القومي العربي، وإغناء التأليف في اللغة العربية. ولعل الأستاذ من أغنى المؤلفين المصريين إنتاجا، فله كتب في الأدب، وأخرى في التاريخ، نذكر منها كتب: قضايا التاريخ والمحاكمات الكبرى، وكتاب (مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام) وكتاب (تاريخ الخطط المصرية) وكتاب (تاريخ الأندلس) وها نحن اليوم نتلقى منه كتاب (ابن خلدون) في ترجمة حياة ذلك المؤلف العربي الكبير وأثره في الحياة الفكر العالمية. وليس لأحد أن يبحث في السبب الذي دعا الأستاذ إلى تأليف كتابه الجديد، فليس من العجيب أن يوجد في اللغة العربية كتاب في ترجمة حياة ذلك العالم الإسلامي العظيم، وإنما العجب أن تكون اللغة العربية خالية من مباحث شتى فيه وفي تحليل آرائه ودراسة مؤلفاته. فعلى أهل العربية شكر الأستاذ عنان على أن قام بأداء ذلك الغرض وكان أداؤه له أداء كريماً. ولقد بين الأستاذ في مقدمة كتابه الدافع الذي دفعه إلى تأليف الكتاب فقال (أن هذه الدراسة التي أقدمها اليوم للتعرف بابن خلدون وتراثه، إنما هي وفاء التلميذ لاستاذه، التمست لكتابتها هذه الذكرى الستمائة لمولد المؤرخ والفيلسوف العظيم). وقد قسم الأستاذ كتابه إلى أقسام: كل منها يتعلق بناحية من نواحي دراسته. فأولها يتعلق بحياة أبن خلدون وتطورها في مختلف الظروف والتقلبات وفيه ذكر للدول التي كانت له بها علاقة. وقد أفاض في وصف حياته في مصر وأثره في مجتمعها. والقسم الثاني وصف لما خلفه أبن خلدون من المؤلفات ولا سيما مؤلفه الأكبر (المقدمة) والقسم الثالث عرض

стр. 2641

لآراء الغربيين في أبن خلدون وأثره في مؤلفات أوربا في العصور الوسطى. وقد حرص الأستاذ عنان في القسم الأول من كتابه على أن يصور المؤرخ الإسلامي الكبير تصويرا دقيقا تلمح فيه تفاصيل الملامح، ودقائق الأوصاف فتحس وأنت تقرأ وصفه أنك حيال رجل حي ينبض قلبه بأقوى المشاعر وتتحرك نفسه مع عوامل الحياة المضطربة حوله، ويفكر في كل مواقفه تفكيرا متناسقا متوافقا منطقيا مع نفسيته. وانه لمن الأمور المعتادة في كتابة المترجم أن يقع الكاتب في خطأ المبالغة إذا كان بمن يترجم له، فان الكاتب إذا كان معجبا بالرجل الذي يصف حياته كان من السهل عليه أن يؤول كل أعماله وكل آرائه تأويل المعجب. ولكن الأستاذ عنان كان فوق هذه المرتبة، فان إعجابه بعقل ابن خلدون وقوة تفكيره لم يحمله على أن يتغاضى عن وزن مسلكه الخلقي في حياته، فكان في حكمه عليه من هذه الناحيه قاضيا غير محاب، لا يحمله الإعجاب على الإغراق والمبالغة. ومن ثم نراه يصفه بعد النقد والتمحيص وصفا فيه اللوم إذا كان في مسلكه ما يدعو إليه فيقول مثلا: (فكانت كسابقتها دليلا على ما تجيش به نفسه من الأثرة ونكران الصنيعة وانتهاز الفرص السانحة مهما كان انتهازها ينافي الوفاء والولاء والعرفان. كان ابن خلدون ينطق في خططه وأعماله عن احتقار عميق للعاطفة والأخلاق المرعية، وكان يسيره مثل ذلك الروح القوي الذي اعجب به ميكافللي فيما بعد الخ) غبر أن الأستاذ عنان وأن لم يحمله الإعجاب على المبالغة لم ينس أن يعطي ابن خلدون حقه في التقدير الفكري فكتب فصلا بديعا في وصف عزلته ومؤلفاته وآخر في وصف ولاية للتدريس والقضاء. ويمكن أن يعتبرا آية من آيات التأليف الحر والبحث الدقيق. ثم ختم بحثه بفصل بين فيه أثر ابن خلدون في التفكير المصري صور فيه صورة واضحة للرجل والعصر حتى ليكاد الإنسان يرجع حيا إلى ذلك العصر، ويحس ما كان الناس يحسونه فيه من تنازع في العواطف بين صديق معجب وحاسد كاره وناقد متجن وهو في كل ذلك يبين الأسباب التي تحت المظاهر ويرد الأمور إلى عللها وأساسها. وقد عاد الأستاذ عنان بعد تحليل شخص ابن خلدون إلى تحليل آرائه فختم بحثه بالكتاب الثاني وهو في وصف تراث ابن خلدون الفكري والاجتماعي، فبين مجمل آرائه ووجهة نظره فيها، ثم بحث تطور آرائه الاجتماعية فتتبعها فيما كتب المؤلفون من قبله، ثم عقب بما كتب من بعده في الموضوع

стр. 2642

نفسه. وكانت خاتمة هذه البحوث فصل طريف عن رأي النقد الحديث في ذلك المؤلف وهو باب قلما يعني به الكتاب عند كلامهم على مؤلفي الإسلام. ولعله لم يسبق أحد إلى الإفاضة في المقارنة بين آراء ابن خلدون وآراء ميكافيللي الإيطالي مؤلف كتاب (الأمير) المشهور وقد خرج من تلك المقارنة إلى رأي طريف في مقدار الصلة التي بين المؤلف الأوربي والمؤلف العربي الذي سبقه بنحو قرن من الزمن. فكتاب الأستاذ عنان كتاب شامل على صغر حجمه دقيق على سهولة مأخذه وسلامة أسلوبه. وإنني لأهنئ الأستاذ به وأرجو منه المزيد في هذه البحوث التي ظهر فيها فضله إلى هذا المدى. م. ف

стр. 2643

العدد ٣٢ - بتاريخ: ١٢ - ٠٢ - ١٩٣٤

стр. 2644

في الأقصر. . . - ٢ - كان (ترجماننا) الأمي (ضاوي) يشرح للأساتذة الجامعيين والثانويين حديث تحوتمس الثالث مع أخته العاشقة، ووجوه التماثيل الواجمة غارقة في صمتها الناطق، تتراكم على قسماتها أنظار الخليقة، وتجثم على شفاهها أسرار القرون، ورءوس الأعمدة القائمة ناتئة في أشعة الشمس كالمزولة الهائلة، ترسم بظلالها الوريفة تعاقب الساعات منذ آلاف السنين! وكانت عيناي الحالمتان قد وقفتا على تمثال من تماثيل رمسيس الأكبر، يخطو إلى الأمام خطى المصمم الواثق، وبإحدى يديه مفتاح الحياة يجتاز به موت الساعة إلى خلود الأبد والخلود حلم الفراعنة الدائم وهواهم الملح، أخطره ببالهم قبل الناس ما مُتِّعوا به من فيض الحيوية وخفض العيش ونفوذ السلطان واكتمال اللذة، فلو أنهم عاشوا على جدب من الإقليم، وحرب مع الطبيعة، وهوان على الدهر، لاستشرفت نفوسهم للبلى، واستهلكت عقولهم للعدم خلّد الله الروح وحاول الفراعين تخليد الجسد! وما يدريك لعلهم كانوا يظفرون بهذا الخلود لو خلى الناس بينهم وبين الزمن. لقد قهروا الفساد والدهر وقهرهم اللص والفاتح! فمنذ خمسة وعشرون قرنا ما برحت يد الإنسان تبعث بهذي الجسوم والجروم! جرب القدر عليها حقد قمبيز، وعبث الاسكندر والقيصر، وورع تيودوسيوس وعمرو، وزهو المأمون ونابليون، وعلم مسبيرو وكارتر، فقطع بعض الرقاب، وقوض بعض الأنصاب، ونبش بعض القبور، ولكن بسمة رمسيس لا تزال كما أراها تناجز الفناء وتعاجز القدر!! وأي سبيل بعد ذلك إلى بِلاها ومسلاتها في العواصم الأوربية، ومخلفاتها في المتاحف الأثرية، باقية ما بقيت الأرض؟! صعد بنا الدليل باب المعبد في سلم جانبي حديث يقوم عن شماله، ولو قلت لك البرج بدل الباب لقربت إليك وصفه! فهو سطح عريض من ضخام الجلاميد تكدس بعضها فوق بعض كما ترى في الهرم، أشرف من شرقه على ما بقى من صخور السقف فوق الأساطين، وتراءى من النصب خلال الاواوين، وطعن في السماء من أسنة المسال؛ من غربه على طريق بين صفين متوازيين من الكباش الرابضة في حجم البقر، يسايره النظر والفكر إلى

стр. 2645

مرفأ كان ولا شك ينتهي عنده قبل أن يأخذ النهر من الساحل الغربي ألف متر في هذا الطريق كانت تخرج الجنائز الملكية من المعبد إلى نهر الحياة فتعبره إلى مراقدها الصخرية الآبدية في جوف الجبل، وفي هذا الطريق كان يسير موكب أمون السنوي إلى النهر، أمامه زُمَر المهرجين والمشعوذين يدورون على الارجل، ويمشون على الأيدي، بين أخلاط من باعة الفاكهة وشواة الإوز والبط، ثم يلي هؤلاء جوقات الموسيقى تصدح بالأهازيج، وطبقات الكهنوت تعج بالأناشيد، وحاملو الأصنام والبنود يسيرون بها وئيدا في خشوع ورهبة، حتى إذا بلغوا المرفأ تقدموا بامون فجعلوه في فُلكه الذهبي، وبالآلهة الأخر فوضعوا كل إله وكل الآهة في زورق خاص، ثم يسير الفلك بالاله الأكبر متنزها على النهر، تتهادى من ورائه زوارق الآلهة على الماء، وتهلل من حوله جموع الناس على الشاطئ! من العسير على النفس الشاعرة ان تعيش في حاضرها بين هذه الأخيلة والصور! فحيثما أرسلت طرفك أو نقلت خطاك وجدت حجرا يكلمك أو أثرا يلهمك! هذا التمثال الذي تراه أمامك، أتراه أمامك، أتدري كم مرة طالعته الشمس، وكم نظرة نظرته الناس، وكم وقفة وقفها الناس عليه أقوام من قبلك بعضها لتقديس، وبعضها للتدنيس وبعضها للعبرة!! أنك لتغرق من هذا الماضي الحاضر من فيض التأمل العميق الهادئ، يقطعك عن الدليل، ويفردك من الجمع، فلا تجد - متى عدت لحظة إلى نفسك - الدليل الذي كان يخطب، ولا الحشد الذي كان يسمع، ولا العربة التي كانت تنتظر! خرجت فيمن تخلف في المعبد من الأصدقاء الشعراء وأخذنا نسير الهوينى في طريق الرمل حتى أدركتنا في بعضه عربة أقلتنا إلى الفندق وفي الأصيل المونق من هذا النهار المشرق خرجنا نشهد وداع الشمس الغاربة لأطلال معبد الأقصر ومعبد الأقصر كذلك أجمة من العمدان الباسقة المتشاجنة نتأت على سيف النهر في طول ثلثمائة متر بمشيئة آل أمينوفيس ورمسيس الاكبر! وأول ما يملك عليك عقلك وقلبك فيه منظر يجمع تاريخ الوادي ويختصر أطوار العقيدة: ذلك منظر المسلة في المعبد، والبرج في الكنيسة، والمأذنة في المسجد!

стр. 2646

تجاورت هذه الثلاثة في هذا المكان منذ قرون تجاور الخصوم اللدِّ، لا يسفر بينها سلام، ولا تقطع حروبها هدنة! ومن الغريب المعجز أن تصمد هذه الأوثان لهجمات المسيحية والإسلام، صمودها العجيب لعاديات الليالي والايام!. . أحمد حسن الزيات

стр. 2647

لحظات للدكتور طه حسين أتعرف هذه اللحظات القصار المفاجئة التي تعرض لك من حيث لم تكن تقدر ان تلقاها كأنما كانت تكمن في بعض أنحاء الزمن، حتى إذا قربت من مكمنها خرجت عليك بما يملؤها من قوة وحدة، وبما تستطيع ان تثير نفسك من حزن عريض عميق أو أمل واسع مبتسم. فوقفتك في طريقك الزمني واضطرتك بعد وقفة قصيرة إلى أن ترجع إلى الماضي البعيد والقريب تستحضر ما كان فيه من أحداث وتحس ما ترك في نفسك من ذكرى، أو تضطرك إلى أن تثب وثبة بعيدة إلى مستقبل الأيام، فإذا أنت تشيد القصور وتتخذ من الخيال أحلاما حلوة تحبب إليك الحياة وتملأ قبلك بالصفح عما جنت عليك من السيئات.؟ أتعرف هذه اللحظات القصار المفاجئة الخصبة التي لم تكن تقدر في وقت من الأوقات أنها ستعرض لك أو أنك ستعثر بها، ولكنك خرجت ذات يوم من دارك تسعى فيما يسعى الناس فيه من جدة الحياة وهزلها، وتبلو ما يبلو الناس في سعيهم من حلو الحياة ومرها، فإذا لحظة من هذه اللحظات قد سقطت عليك كما يسقط الجدار على الغريب الذي مر به مصادفة وهو يميل إلى السقوط. أو عنت لك ثم مثلت أمامك كما يعن الشيء النفيس لبعض المارة ثم يمثل بين أيديهم حين يصلون إليه، وإذا هم وقوف أمامه قد أخذتهم الحيرة ثم غمرهم السرور؟ أتعرف هذه اللحظات القصار المفاجئة التي يضمرها لك الغيب ويخفي عليك بوادرها وطوالعها ثم يفجأك بها على غير انتظار، كما يلقاك الرجل تعرفه أو لا تعرفه فيلقي إليك نبأ من الأنباء لا يرى له خطراً ولكنك لا تكاد تسمع له حتى يحدث في نفسك أعمق الآثار وأقواها، وأبلغها وادعاها إلى الحزن والابتئاس أو إلى الفرح والابتهاج؟ إنك تحسب هذه اللحظات حين تلقاها أو حين تلقاك قصاراً لأنك تحصيها بالدقاق والثواني، وما هي بالقصار لأنها تحمل في وعائها الضيق الضئيل من العواطف والأهواء، ومن الأمل والذكرى، ومن اللذة والألم، ما يضيق به كثير من الساعات بل كثير من الأيام. إنك تحسب هذه اللحظات مفاجئة لأنها عرضت لك أو لأنك عرضت لها على غير انتظار ولا تهيؤ منها ولا منك وما هي بالمفاجئة. فان قوى أخرى غير قوتك وغير قوتها قد عملت منذ أزمان بعيدة في تهيئتك لها وتهيئتها لك، وفي دفعك إليها ودفعها اليك، حتى التقيتما عن

стр. 2648

مفاجأة في ظاهر الأمر، وعن قضاء مدبر وقدر مقدر في حقيقة الأمر. وإذا كلاكما قد صنع لصاحبه وقدر له تقديراً. هذه اللحظات القصار الطوال المفاجئة المدبرة لا تسنح للناس جميعا، ولا تسنح للناس في كل وقت، ولو عرفت وسيلة إلى أن تتبين كيف تسنح للناس ومتى تسنح لهم، ولأيهم تسنح لكنت من أكبر المستكشفين والمخترعين. وكيف برجل يفضح سر القدر ويهتك أستار الغيب؟! ولكنت بعد ذلك محسناً إلى كثير من الناس لأني أعلمهم كيف يتقون كثيراً من الشر، وكثيراً من الألم اللاذع والحزن المضني للنفوس والقلوب. ومسيئاً إلى كثير من الناس لأني أعلمهم كيف يفقدون لذات قلما يظفر الناس بمثلها، وكيف يصدهم العلم عن ضروب من السعادة لا ينعم بها إلا الجهلاء، ولحرصت أشد الحرص على أن أجهل هذا العلم وأغلق نفسي من جميع أنحائها دون هذه القوانين، لأني لا أعدل بهذه اللحظات القصار الطوال المفاجئة المدبرة كثيراً من أجزاء الزمن مهما تطل، ومهما تقصر، ومهما تمتلئ ومهما تفرغ، وأي حزن ممض مرمض يشبه في اللذة المحرقة اللاذعة، وفي السعادة المظلمة القاتمة هذا الحزن الذي حملته لحظة من هذه اللحظات في ليلة من الليالي فوضعته في قلبي ثقيلاً خشناً شاقاً، ولكنه على ذلك كله حلو، ولكني على ذلك أحببته وكلفت به. ولكني على ذلك حمدت هذه اللحظة القصيرة المفاجئة التي حملته حتى إذا بلغت قرارة نفسي وضعته فيها هادئة مطمئنة إلى من أقصى الزمن، وأقبلت به متباطئة متثاقلة كما توضع الصخرة الثقيلة في مكان من الأمكنة في غير عنف ولا سأم ولا كلال. كنت مع جماعة من الأصدقاء نشهد التمثيل ونسمع الموسيقى والغناء في الأوبرا. قد فرغنا لما نشهد وما نسمع، وتركنا أعباء الحياة وأثقالها جميعاً في تلك العربة التي كانت تنتظرنا بالباب، وقد حفظت لكل واحد منا ما ائتمنها عليه من الودائع لترده إلينا متى عدنا إليها، ولم تكن ودائعنا تلك التي ائتمنا عليها العربة وتخففنا منها قبل أن ندخل الأوبرا إلا حياتنا اليومية وما فيها من مشقة ولين، ومن مودة وبغض، ومن يأس وأمل، ومن ألم ولذة، ومن نشاط وخمود. تخففنا من هذا كله وسللنا نفوسنا منه إلى حين كما تسل السيوف من أغمادها، وخلصنا بقلوبنا ونفوسنا نقية صافية مصقولة كأنها المرآة نعرضها للممثلين لينعكس فيها ما يبدعون من مظاهر الجمال الفني في التمثيل والغناء. وكنا لا نحس الا ما

стр. 2649

نشهد ونسمع، ولا نفكر الا فيما نشهد ونسمع فإذا وقف التمثيل وتفرقنا في أبهاء الدار أو لبثنا في أماكننا لم نتحدث الا بما شهدنا وسمعنا نصفه ونستمتع به، والإ بما سنشهد ونسمع، نتوقعه ونتنبأ بما سيحمل إلينا من اللذة والمتاع. وهل ينبغي أن يدخل الناس دور الفن إلا على هذا النحو، قد خلصوا للفن من كل شيء ومن ذكرى كل شيء، وفرغوا للفن لا يشركون معه في نفوسهم شيئا، وإني لجالس في ناحية من نواحي الدار مع أصدقائي نتحدث بما كان في الملعب ونتوقع ما سيكون، واذا صوت يخرج أصدقائي ويخرجني مما كنا فيه. . صوت لم أسمعه منذ أعوام وقد كنت أسمعه كل يوم، صوت قد بعدت آماد الزمان والمكان بينه وبين سمعي حتى تقطعت بينه وبيني الأسباب، وحتى كدت أنسى نبراته، وكنت أفكر فيه تفكيراً بعيداً نائياً حين كان يحدثني عنه المتحدثون. ثم دنا هذا الصوت ودنا، ثم امتدت يد فامتدت إليها يدي. ثم كانت مصافحة ثم كانت تحية. ثم كان استئذان في الجلوس، وأذن به، ثم كان وجوم من صاحب الصوت، ووجوم ممن كان يبلغه الصوت لم يطل، ولم يكن من اليسير أن يلحظ، ولكنه مع ذلك كان طويلاً ثقيلاً. ثم كان حديث قصير في أشياء لا تغني ولا تفيد ولا تدل على شيء، ثم شرب القهوة واحرق السيجارة، ثم تحية الوداع، ثم الافتراق. لست أدري أذاق أصدقائي لذة التمثيل بعد ذلك أم شغلوا عنه؟ أما أنا فأعلم أني لم أذق للتمثيل بقية الليلة طعمأً، إنما كانت الأصوات تبلغ أذني ثم لا تصل إلى نفسي وإنما تقف من دونها وقوفا لأني كنت أفكر في غير التمثيل، ولأني صرفت عن الغناء والفن صرفاً، لم دنا اليّ هذا الصوت، وكان قد بعد وأمعن في البعد؟ لم مد إليّ هذه اليد وكانت قد قبضت عني قبضاً؟ لم اتصل الحديث بين صاحب الصوت واليد وبيني كانت قد انقطعت بينه وبيني الاحاديث، بل كانت قد انقطعت بينه وبيني الصلات إلا أن نضطر إليها اضطراراً حين تجمعنا المجامع، أو نلتقي على غير موعد ولا انتظار. ثم لا نستطيع أن يهدي بعضنا إلى بعض ما ينبغي من الإعراض في مثل ما نحن عليه من الجفاء. لم دنا لي هذا الصوت؟ ولم امتدت الي هذه اليد؟ ولم اتصل بيننا هذا الحديث؟ لقد كان الحياء يترقرق في هذا الصوت الذي كان يدنو الي مأخوذاً حزيناً ولقد كان الحياء يضطرب في هذه اليد التي كانت تصافحني مترددة مرتعشة بعض الشيء. ولقد كان الحياء يملأ هذا الحديث فيضطره

стр. 2650

إلى الفراغ مما يعني أو يفيد. ومع ذلك فشهد الله ما شككت في أن هذا الصوت قد دنا الي صادقا، وفي أن هذه اليد قد امتدت الي صادقة وفي أن هذا الحديث قد اتصل بيننا خالصا من كل رياء. وا رحمتاه للناس! إن الضعف الإنساني ليحمل نفوسهم آلاماً ثقالا. وا رحمتاه للناس! إنما في الحياة من إعراض زائلة ترغبهم في الخير العاجل، وتخوفهم من الشر العاجل، لتحمل نفوسهم آلاما ثقالا. وا رحمتاه للناس! ان أجسامهم لتطغى على نفوسهم وان أهواءهم لتطغى على عقولهم، وان منافعهم لتنسيهم حقوق الصداقة والصديق، وا رحمتاه للناس! ان رهبة السلطان والرغبة في جاهه والحرص على قرب المكان منه لتفسد عليهم من لذات الحياة الخالصة الصافية ما لا ينبغي أن يفسد، وا رحمتاه للناس ان لهم على هذا كله لنفوساً لم تطبع على الشر، ولم يحل بينها وبين الخير، وان هذه النفوس التي تضعف حتى تتورط فيما لا ينبغي لها، لتختلس الفرص إلى القوة والخير اختلاساً، وتختطفها اختطافا، وتنعم منها باليسير الضئيل في اللحظة القصيرة المفاجئة، لم تكن تنتظر ولم يكن يدبر السعي لها تدبيراً، وإنما سنحت فاقتنصت كما يسنح الصيد وتمكن منه الفرصة فيقتنص. وا رحمتاه للناس! لو علموا أن منافع الحياة وأعراضها وأغراضها وما فيها من رغبة ورهبة، ومن مكانة وجاه لا تزن كلها لحظة قصيرة مفاجئة يصفو فيها الود، ويخلص فيها النصح، ويفرغ فيها الصديق للصديق، لغيروا من حياتهم ومن سيرتهم الشيء الكثير. عرضت لي هذه اللحظة القصيرة المفاجئة في ليلة من ليالي الأوبرا، وما أكثر ما تعرض هذه اللحظات القصار المفاجئة لكثير من الناس في هذه الأيام السود، فاللهم، ارفع عن الناس مقتك وغضبك واللهم هيئ للناس حياة لا يخاف الصديق فيها لقاء الصديق، ولا يختلس الصديق فيها لقاء الصديق، ولا يقطع الصديق فيها أسباب الود والحب، لا لشيء الا لأنه يخاف بأس السلطان أو يرجو رضى السلطان. طه حسين

стр. 2651

جريمة. . . للدكتور محمد عوض محمد - ١ - في صباح يوم من تشرين الأول كان الضباب ضاربا بجرانه على شوارع (ليفربول) فلا تكاد العين أن تستبين السبيل الا عن كثب. . والمصابيح لم تزل موقدة كأنما حسبت أن الضباب بقية من الليل، وأن النهار لم يطلع بعد. . . في تلك الساعة الباكرة أخذ الشطر العامل من أهل المدينة يتحرك، وجعلت الأبواب تتثاءب، فيخرج منها العمال أفواجا، ينشدون عملهم ويجرون وراء خبزهم وزبدهم_لأن العامل في مصر قد يقنع بالبحث عن الخبز؛ أما هناك فلا بد له من الخبز والزبد. هذه الحركة الباكرة في بعض أحياء المدينة قد تلاها سكون؛ لأن الشطر الثني من المدينة لم يستيقظ بعد. . وكأنما كانت الحركة الأولى بمثابة الفجر الكاذب، أضاء لحظة، ثم ساد من بعده الظلام - ولكن سرعان ما انقضت ساعة الهدوء هذه، وأخذ ذلك الغطاء الكثيف من الضباب يرق شيئا فشيئاً. وبدا في أقصى الشرق على الأفق شيء غامق مبهم يدعونه في تلك البلاد الشمس. . ولقد تستطيع العين المصرية - بشيء كثير من المران - أن ترى فيه من الشمس شبها، وأن له بها صلة. وبعد لأيٍ، تثاءبت الأبواب في الأحياء الوسطى، وخرجت منها أفواج من الحضريين (البورجوا) الذين يشتغلون في دور التجارة. فيعملون بها ساعات قلائل، ولكن أجرهم أعلى، ومقامهم في المجتمع أسمى. وهم ايضاً ينشدون الخبز والزبد. ولكنهما من صنف أرقى وأرفه من خبز العمال وزبدتهم. وهكذا تحركت في المدينة أحياؤها السفلى والوسطى، ولم يبق مغموساً في عسل الرقاد سوى أحياء (العاطلين)، الذين يعيشون من أموال تأتيهم من وراء البحار: من الهند ومن استراليا ومن سائر أنحاء الدولة التي لا تغرب الشمس عليها. . هؤلاء لا يتحدثون عن خبز ولا زبد، بل يأتيهما الخبز والزبد طائعين يجرران الذيول. . . وليس يعنينا اليوم من أمر هؤلاء شيء، وانما تعنينا الآن تلك الأحياء الوسطى التي لم يكد أبناؤها وبناتها يخرجون. . . كل إلى عمله، حتى فتحت الأبواب مرة أخرى، وخرجت من

стр. 2652

كل باب امرأة نصف في ثياب رثة زرية، وهي تحمل في يمينها خرقة بالية، وفي يسارها سطلاً فيه ماء دافئ. هؤلاء النساء لسن بخادمات كما قد يتبادر إلى الخاطر العجل، بل ان كلا منهن ربة دار، وصاحبة الأمر والنهي فيها. وهي تنتظر ريثما يخرج من بالدار من بنين وبنات، ثم تأخذ في الجد والعمل، من غسل وطهي وخبز وعجن، ولا تكاد تهدأ ساعة من الصباح إلى المساء، بادئة عملها حيث يجب أن تبدأه: من عتبة الدار ودهليز البيت. . . ولقد تجد الواحدة منهن في غسل العتبة لذةً خاصة، ولعل أحب الأعمال جميعاً إليها. . لأنه يتيح لها فرصة قد تكون الوحيدة في كل يوم لان تتحدث إلى جارتها، وتقص عليها من كل شيء، بل ومن عدة أشياء أخرى. . . وفي هذا اليوم من تشرين الأول خرجت السيدة نلسن من المنزل رقم ١٥ في ساعة باكرة، وأخذت تمسح عتبتها في شيء كثير من النشاط، لكنه كان نشاطا يشوبه القلق والاضطراب، وكانت من آن لآن تنظر إلى منزل جارتها السيدة هرفي صاحبة المنزل رقم ١٧، وكأنها تود بفارغ الصبر لو خرجت هذه السيدة لمسح عتبعها، كي تحدثها في الامر الذي أهمها وأزعجها؛ والذي كانت ترتعد من أجله الخرقة التي بيمينها. والسيدة هرفي هذه أرملة ورثت عن زوجها منزلا يفضل عن حاجتها وحاجة أسرتها، فكانت تسعىفي تأجير شطر منه لقاء مال يسير تستعين به على تكاليف الحياة. ولم تكن جارتها ترى في هذا بأساً، ما دام نزلاؤها رجالا ذوي فضل. لكنها لاحظت بالأمس من خلال النافذة رجلا أسود الوجه خارجاً من المنزل رقم ١٧؛ فما شكت في أنه النزيل الجديد، الذي تريد السيدة هرفي أن تؤويه في دارها. . . . يا عجباً لهذه المرأة التي لا تتورع من الخروج على كل عرف، وانتهاك كل حرمة. والنزول بهذا الحي الراقي، وهذا الشارع الطاهر، إلى الدرك الأسفل. . . ماذا يكون مصير هذا الحي يوم يرى سكانه هذا الأسود رائحاً غادياً، بوجه المزعج وسحنته المنقلبة؟. . إن العاقبة ستكون من غيب شك وخيمة والمصير أليما. فلن يلبث سادة الحي وأشرافه حتى يهجروه وينأوا عنه؛ لكي لا تقذى أبصارهم برؤية هذا الوجه الكريه. . . ان وجها واحداً من هذه الوجوه السود لكفيل بأن يلوث حياً بأسره، وأن ينغص على أهله صفاء الحياة وطيب الرقاد. . . . والويل لفتيات الحي ان صادفن هذا الوجه المنحوس في

стр. 2653

ليلة حالكة الظلام، عند أوبتهن من المرقص والمسرح: ان الرعب الذي يستحوذ عليهن في تلك اللحظة لخليق بان يورثهن سقماً يلازمهن مدى الحياة. . . كلا. . ان السيدة هرفي - مهما كان حبها للمال - يجب أن تعلم أن مثل هذا الشيء لا يجوز. . . ومن حسن الحظ أن الفتى لم يأت بأمتعته بعد. . . ولم يزل في الوقت متسع لمنع هذه الكارثة من أن تلم بهذا الحي الآمن المطمئن، ولئن كانت السيدة هرفي قد نسيت ما عليها من واجب تلقاء الحي وأهله، فأحرى بجارتها مسز نلسن أن تريها الرشد من الغي، وأن تردها عما هي سائرة إليه من الوبال. . . . ولم يطل بها الانتظار، بل فتح باب المنزل رقم ١٧ وخرجت السيدة هرفي، وهي في نهاية العقد الخامس من العمر؛ وفي يمينها خرقة كبيرة وفي يسارها سطل كبير. ثم بدأت جارتها بالتحية. - عمي صباحاً، مسز نلسن، عمي صباحاً. - نعم صباحك، مسز هرفي. - أن الهواء دافئ صحو، والشمس مشرقة في السماء. أرجو أن تكوني بخير. - انك خرجت اليوم متأخرة على غير عادتك. أجل لقد كان لدي اليوم عمل كثير، وكان علي أن أعد الحجرة السفلى، والغرفة الأمامية من أجل ضيفنا الجديد فانه سيأتي بأمتعته قبل الظهر بساعة وقد يبقى بالمنزل إلى وقت الغذاء. أتعنين إذن انك رضيت بذلك الزنجي الدموي نزيلا عندك؟ - هل أنبأك بأمره أحد؟ - رأيته أمس من خلال النافذة خارجاً من باب بيتك، ففتحت عيني من الدهشة، وأنا لا أكاد أصدق ما أراه. وخشيت أن تكوني قبلت أن تسكنيه بيتك. والآن قد صدقت أسوأ ظنوني فبالله يا صديقتي، إلا تدبرت الأمر قليلا، قبل أن تنزلي بهذا الحي الآمن هذه النكبة الفادحة. - وأي نكبة في هذا؟ أن للفتى حجرته يجلس فيها، وغرفته ليرقد فيها، ولن يكون له سبيل إلى أحد من الحي، ولا لسكان الحي سبيل إليه. فهوني عليك فليس في الأمر ما يدعو لكل هذا الاهتمام. .

стр. 2654

- اللهم لطفا. .! إنك لا تبالين - إذا ظفرت بالمال الذي تبغين - أن يشقى الحي وأهله برؤية هذا الزنجي الكريه المنظر، - إنه ليس بزنجي، بل هو مصري. - وما الفرق بين هذا وذاك؟ أو ليسوا جميعا من أهل آسيا؟ - لست أدري أية آسيا تعنين. . . غير أني حادثت هذا الشاب، فرأيته يتكلم بلساننا كأحسن أبنائنا. ورأيت في حركاته وسكناته ما ينم عن حسن الأدب وكرم المحتد. ذاك لعمري العسل الذي يخفي السم الزعاف. وكأنما نسيت ذلك الهندي الزنيم الذي كان نازلاً في بيت مسز براون. لكم كانت تكرمه الأم وتجله، وتسمح له أن يصحب ابنتها دورا إلى بيوت الرقص واللهو. فكان جزاؤها أن خان الأمانة وخفر الذمة، ثم اختفى من المدينة فلا يعرف له أحد مستقراً ولا مقاماً. - ما أحسب الناس أشراراً كلهم، وفي أبنائنا البيض من يرتكب ما هو شر مما ارتكبه الهندي. وعدا هذا فاني ليست لي ابنة فأخاف عليها، وقد زوجت بناتي جميعاً، ولله الحمد. ونحن؟ أما تحسبين لنا ولبناتنا حسابا؟ انك من أجل بضعة الجنيهات التي سينقدك إياها لا تبالين بنا ولا بما قد يحل بنا ولا بالحي وما يدنسه ويحط من شأنه. لكني قد وعدت هذا الشاب أن أسكنه الحجرة السفلى والغرفة الأمامية، ولا بد أن أبر بوعدي. - يا لهذي السذاجة البديعة! كأنما يفهم هؤلاء السود ما الوعد وما الوفاء بالعهد!. . . ولقد كان ذلك بالهندي شديد الوفاء لدورا المسكينة يوم تركها في تلك الحال الأليمة، واعتصم بالفرار!. . وفي هذه اللحظة خرجت الحارة الأخرى من المنزل رقم ١٩ وانضمت إلى جارتيها وانتقل الحوار من الحديقة إلى داخل المنزل وقد صحت نية الجارتين إلا تركا صاحبتهما حتى تذعن لرأيهما، وتنزل عند إرادتهما. - ٢ - في صباح ذلك اليوم من تشرين الأول استيقظ (حسن) من رقاد كان مملوءا بالأحلام. . . وكانت أحلامه عن مصر وعمن بمصر، وعن منزله المطل على النيل، حيث خلف والدين

стр. 2655

آلمهما فراقه، وأحزنهما أن سيكون بينهما وبينه هذا البحر الفسيح وهذا البر العريض، وأن يهزهما إليه الشوق، فلا يستطيعان إليه سبيلا، ويحترق الصدر وجداً وهيهات الشفاء. . . في هذه الليلة رأى حسن أخته في المنام، ولقد غادرها في مصر حليفة السقم. . أما اليوم فقد ابتسمت إليه حين رآها، وطلبت منه أن يعود إليها رجلا عظيماً. . . عجب كيف حالهم اليوم، وهل يختلف الجديدان عليهم بالسعادة أو النعيم، أم بالشدة والشقاء؟. . . وهل اعتادت الأم فراق الابن الوحيد، الذي لم يفترق عنها منذ أن رزقته بعد يأس، فكان قرة العين، وشفاء ما بالصدور. . . وها هو ذا قد اضطر لأن ينزح عن داره، وأن ينزل هذه المدينة الداوية الصاخبة، وقد التحق بجامعتها، وأخذ يجد في طلب العلم ومضى عليه تحت هذه السماء الرمادية اللون أسبوعان، لم يكتسب فيهما صديقاً جديداً، ولم يحاول أحد أن يتعرف به أو يتقرب اليه. . . كان كذبا ما زعمه المتشدقون من أصحابه في مصر: أن الناس في هذه البلاد يقبلون على الغريب، ويجدون في إرضائه واكتساب صداقته. . لقد كان الناس يجيبون على سؤاله إذا سأل بجواب هادئ قصير، لا يحمله على المضي في الحديث بل سرعان ما أشعر أن بينه وبينهم سوراً غليظًا وعراً، هيهات له أن يجتازه. ولم تطل به الحال حتى اعتاد أن يقابل البعد بالبعد والصد بالصد. . . وهكذا أمسى وأصبح وحيداً غريباً، وسط هذا المزدحم الزاخر من الناس. واستيقظ في صباح هذا اليوم ونهض من فراشه في شيء من النشاط. . وكان ذاك آخر أيامه في هذا (البنسيون) الذي قضى فيه هذين الأسبوعين، وكان عليه اليوم أن يبادر بإعداد حقائبه وجمع ما تناثر من أمتعه. وكان مغتبطا ناعم البال، لأنه وفق أخيرا إلى هذا المسكن الجديد في المنزل رقم ١٧. . فمنذ اليوم سيكون له حجرتان: حجرة يجلس فيها ويطالع أسفارها ويتناول طعامه. والأخرى لنومه وراحته، ولقد كان من حسن الطالع أن غرفة نومه تطل على تلك الحديقة الغناء، فيستطيع أن يطالع من نافذته ابتسام الربيع وقهقهة الصيف، وهدوء الخريف ووجوم الشتاء. . . أما هذا البنسيون في (اكسفورد ستريت) فلم يكن له فيه سوى غرفة صغيرة، ولم تكن إقامته فيه إلا ريثما يتحول عنه. . ومع هذا فان صاحبته اليهودية لم يرضها منه أن يغادر البنسيون، فلم تكن تلقاه - منذ

стр. 2656

علمت قرب انتقاله - إلا عابسة غاضبة، فكان أنفها البارز المحدب ينتفض ويضطرب، وعيناها البراقتان يتطاير منهما الشرر، إذا طلب قليلا من الماء الساخن ليستعين به على حلق لحيته. . والويل له ان تخلف عن موعد الطعام قليلا: فانه كان يجد المائدة قد رفعت؛ فإذا نظر إلى ما حوله ألفى وجوهاً عابسة تنذره بالشر المستطير إن هو حدثته نفسه بالحصول على شيء من القوت الذي فاته. . فكان نؤثر الصمت وينسل إلى غرفته في سكون وهدوء. ان هذا الاضطهاد العجيب كثيراً ما كان يضحكه؛ وكثيراً ما سأل نفسه أيمكن أن تقسو عليه هذه اليهودية كل هذه القسوة لا لسبب سوى أنه يؤثر أن يسكن في ظاهر المدينة حيث الهواء الطلق والسكون الشامل؟ إن أحد الناس أخبره فيما بعد أن هذه اليهودية لم تظلمه ولم تضطهده إلا لكي تثأر منه: لما جناه أجداده الفراعنة في الزمن القديم على بني إسرائيل، حيث كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم. . . وكثيراً ما أغرب حسن في الضحك كلما خطر له هذا الرأي الظريف. . . ومهما يكن من أمر، فان هذا اليوم من تشرين الأول هو آخر أيام الاضطهاد وأول أيام الحرية. فلن يطالبهم اليوم بالماء الساخن؛ واذا قدم اليه الشاي بارداً والبيض فاسداً في طعام الفطور، فانه لن ينبس بكلمة. . . ثم أخذ يعد أمتعته ويحزم حقائبه. وقبيل الظهر بساعة كان قد أعد العدة للرحيل. . . ومشى على استحياء إلى ربة المنزل، فحيته في تكلف وفتور. أما هو فابسم لها ابتسامة ظنها ابتسامة الظفر؛ وقدم لابنتها الصغيرة (سارة) صندوقاً جميلاً مفعماً بالحلوى؛ ونفح الخادم بضعة شلنات أنطقتها بالشكر. ثم انطلقت به السيارة وبأمتعته وحقائبه تلقاء ذلك المنزل، رقم ١٧ المطل على الحديقة الغناء؛ وصدره مملوء غبطة لم يحس مثلها منذ نزل على ضفاف (المرزي) وأخرج من جيبه مرآة صغيرة فأصلح الرباط الذي يحيط بعنقه، والذي تزعزع كثيراً أثناء نقله لحقائبه من الغرفة العليا إلى التاكس. . لم يكن حسن قبيح الصورة، ولكنه من غير شك كان أسمر اللون. وقد أخذ يحس احساساً مبهما إن هذه السمرة قد تكون من جملة الأسباب التي أغلقت دونه أبواب القلوب. . . لكنه

стр. 2657

كان بعد في شك من هذا الأمر. . . ولم يكن قد وقر في نفسه بعد واصبح عقيدة راسخة. . . فكان في يومه هذا باسما مستبشرا. ها هي ذي السيارة قد وقفت لدى لمنزل رقم ١٧! وقد أوشك أن يقلب صفحة جديدة من صفحات حياته. . . فلتنتظر السيارة قليلا ريثما ينزل ويستاذن أهل الدار في الدخول. . هم يأخذ في دق الجرس. . . . عجبا ليس من مجيب. . . ان السيدة قد ذهبت - دون شك - إلى بعض شأنها وليس بالدار أحد. . . فلينتظر قليلا. . . ولكن. . أي شيء هذا؟. . ان النافذة تفتح وهذه مسز هرفي نفسها. . ولكنها تنظر إليه بوجه عابس متجهم. . . إنها تبدي أسفها الشديد لأنها لا تستطيع أن تقبله في منزلها. . . . أجل. . . ولا يهمها أن تكون قد سبقت كلمة منها إليه. . إنها لا تقدر أن تؤوي لديها أحدا من أهل آسيا، فليرجع بسلام. . آسيا؟ ولكنه ليس من أهل آسيا. . . إنه من أهل مصر! سيان لديها، من أية الجهات مصدره، مادام أهل الحي لا يروقهم شكله ومنظره. . فليرجع إلى أحد فنادق المدينة فانهم سيرحبون به هناك. أما منزلها هذا فليس إليه سبيل. . . ويطأطأ حسن رأسه ويمشي إلى سيارته مطرقاً واجماً. ويهمس في أذن السائق اسم أحد الفنادق ويرتمي في مقعده مجهدا متعبا. وتحين منه ألتفاته إلى يديه وبشرته السمراء، فيدرك أن في العالم بعد جريمة هائلة دونها كل أثم وكل جرم، وأنه_ويا للأسف - لا سبيل إلى الخلاص منها، ولا إلى الابتعاد عنها. . .

стр. 2658

فضائح المالية العليا في فرنسا للأستاذ محمد عبد الله عنان - ١ - تشغل فرنسا منذ أسابيع بإحدى هذه الفضائح المالية الكبرى التي لا تقف آثارها عند اختلاس مئات الملايين ونكبة آلاف الضحايا، ولكنها تتغلغل في جميع نواحي الحياة العامة، وتثير في الشعب روحا جديدا من السخط والريب في سلامة النظم القائمة التي تحدث في ظلها أمثال هذه الفضائح المروعة. والحادث الذي نعنيه هو فضيحة ستافسكي التي يتتبع الشعب الفرنسي، والرأي العام العالمي تفاصيلها وتطوراتها بمنتهى الدهشة، والتي كان من خطورتها وفداحة آثارها أن سقطت وزارة مسيو شوتان بعد أن حاولت عبثا أن تغالب العاصفة وأن تهدئ روع الرأي العام. ولا بد قبل أن ندخل في تفاصيل هذا الحادث العجيب أن نشير إلى أن هذه الفضائح المالية الكبرى لم تبق في عصرنا حوادث شخصية أو فردية يسئل عن تدبيرها أفراد معينون، وتحصر نتائجها وآثارها في حدود معينة، بل غدت بالعكس ظاهرة بارزة في سير المالية العليا، وظاهرة من ظواهر الحياة العامة حيثما تبلغ النظم الاقتصادية ذروة التعقيد والتقدم. وتقع في جميع الأمم الأوربية من آن لآخر حوادث من هذا النوع، وتحدث دائما آثارها السياسية والاجتماعية؛ ولكن هنالك حقيقة واضحة: هي أن هذه الحوادث تكثر في فرنسا بنوع خاص وتمتزج امتزاجا قويا بحياتها العامة، وتتخذ فيها صورا هائلة مثيرة، وتلقى دائما سحبا من الريب على كثير من الرجال المسئولين. ونستطيع أن نمثل لذلك بأمثلة عديدة من حوادث العصر الحديث؛ من ذلك فضيحة شركة باناما التي أسسها فردينان دي لسبس سنة ١٨٨١ لتقوم بحفر قناة باناما، ثم انهارت دعائمها لأعوام قلائل بعد أن اتسعت أعمالها اتساعا هائلا وكثرت قروضها وعجزت عن الوفاء بتعهداتها، وكشف التحقيق القضائي عن اشتراك كثير من النواب والشيوخ في أعمالها والدعوة إلى تعضيدها اشتراكا مريبا، وأحيل بسببها وزير سابق وبعض الشيوخ على محكمة الجنايات سنة ١٨٩٢، وقضي على الوزير بالسجن. ووقعت في أوائل هذا القرن بفرنسا عدة فضائح مالية أخرى، بيد أنها لم تكن بمثل هذه الخطورة. ووقعت منذ أعوام قلائل فضيحة (الجازيت ده فرانك)

стр. 2659

التي اتهمت فيها مدام هانو الكاتبة الصحفية باختلاس مئات الملايين، واتهم فيها عدد من أكابر الصحفيين والكتاب بالمعاونة في التستر على مشاريعها المريبة والترويج لها في صحف كبيرة محترمة. ثم وقعت منذ ثلاثة أعوام فضيحة شركات أوسترك فكانت من أعظم الكوارث المالية التي عرفت، حيث أفلست من جرائها عدة بنوك كبيرة واختلس نحو مليار فرنك (يومئذ نحو عشرة ملايين جنيه)، وألقيت بسببها ريب خطيرة على وزيري المالية والحقانية وإدارة بنك فرنسا، وانتهت بسقوط وزارة مسيو تاردييه (أواخر سنة ١٩٣٠)، وقد كان أوسترك بطل هذه الكارثة خادما في مطعم ثم انتهى إلى صف أعظم رجال المال وأسس بنوكا وشركات عديدة قامت علت التزوير والنصب والدعوة، ونكب انهيارها مئات الألوف من أصحاب الودائع، وكان كل جزائه بعد تحقيقات طويلة معقدة أن قضى عليه بالحبس عاما واحدا! وليست فضيحة ستافسكي التي تشغل فرنسا اليوم إلا مثلا جديدا مروعا يؤيد هذه الحقيقة. فهي كسابقاتها تقوم على اختلاس مئات الملايين، ونكبة مئات الألوف، وهي كسابقاتها تلقي كثيرا من الريب الخطيرة على الرجال المسئولين، وقد سقطت بسببها وزارة قوية تستند إلى أغلبية كبيرة في البرلمان. بيد أنه يمكن أن يقال أن هذه الفضيحة الجديدة تفوق سابقاتها في التغلغل إلى صميم النظم والحياة العامة، وفي التدليل على فسادها، وفي آثارها السياسية والاجتماعية. وقد شهدنا نتائجها الأولى في سقوط وزارة مسيو شوتان وقيام وزارة مسيو دلادييه، ولكن من الصعب أن نتنبأ الآن بما يمكن أن يتلو هذا الانقلاب الأول، خصوصا وان الفضيحة مازالت تتمخض كل يوم عن حوادث وأسرار جديدة، ومازال الرأي العام يضطرم سخطا ودهشة، ويتطلب أجراء العدالة بمنتهى القسوة واصلاح هذا الفساد الدفين بسرعة حرصا على سلامة النظم الجمهورية، وتوطيد للثقة العامة التي زلزلت أركانها. ولنر الآن ما هي هذه الفضيحة المروعة التي تقيم شعبا بأسره ولنر من هو ستافسكي هذا الذي غدا بطلا من أعظم نكبات العصر. أن هذه الشخصية المدهشة، شخصية - ستافسك - مازالت تبدو خلال التحقيق الذي تقوم به عدة جهات قضائية وادارية لغزا مغلقا؛ وكان مصرع ستافسكي أو انتحاره عاملا في

стр. 2660

ازدياد هذا الغموض؛ فمن جهة نرى ستافسكي الفتى الأنيق الجواد الذي ينثر المال أينما حل بسخاء لم يسمع به، ورب الأسرة الوفي الذي يعبد زوجته وولديه، والمالي الذكي الساحر الذي لا يفتر نشاطه والذي يتقدم كل يوم لإنشاء مشاريع وشركات مالية جديدة ظاهرة القوة والنجاح، إذا بنا نرى من جهة أخرى ذلك الأفاق البارع الخطر الذي لا يفتأ يرتكب جرائم التزوير والنصب والاختلاس تباعا، والذي يحيط نفسه بعصابة مريبة من كبار المزورين، ويشتري ذمم جميع الرجال المسئولين الذين يوجدون في طريقه ويستخلص لنفسه مئات الملايين من أموال الأرامل واليتامى وصغار المودعين، ثم ينفقها على ترفه وبذخه المجرم دون ضمير ولا وازع، ونرى آثار مشاريعه الخيالية الجهنمية تتغلغل في صميم المالية العليا والحياة ت العامة، ونرى أعين السلطات والمحققين تغضي عن تتبع جرائمه مع العلم بها، تلك هي شخصية ستافسكي. ولد سرج الكساندر ستافسكي سنة ١٨٨٦ في سبودكا من أعمال روسيا؛ ونزح إلى فرنسا بعد الحرب وتجنس بالجنسية الفرنسية، وبدأ حياته المالية في باريس وسيطا في تجارة الجواهر والحلي. ثم نشط إلى تأسيس الشركات المالية المختلفة، فأسس شركة لصنع اللحوم المقددة، وأخرى للسينما، وثالثة لبيع بعض الأجهزة الطبية وهكذا: ولكن هذه الشركات كانت مريبة، ولم تكن سوى ستار لسلسلة من جرائم التزوير والنصب ارتكبها ستافسكي، واستولى بواسطتها على ملايين عديدة. وكانت أعظم وسائله اذ ذاك تزوير قيم التحاويل المسحوبة لإذنه. واستطاع بهذه الوسيلة أن يحصل خلال سنتي ١٩٢٥و١٩٢٦ على ستة ملايين فرنك، وهنا اكتشف أمره وصدر الأمر بالقبض عليه بناء على عدة شكاوى قدمت في حقه من البنوك، فاختفى مدة ولم يستطع البوليس أن يقبض عليه الا بعد أشهر. وقضى ستافسكي في الحبس الاحتياطي حينا ثم استطاع أن يحصل على قرار بالإفراج عنه ريثما تتم المحاكمة. وقدم إلى المحاكمة بتهم النصب والتزوير والاختلاس مع آخرين. ولكن هذه المحاكمة لم تتم قط منذ سنة ١٩٢٦، ولا زالت حتى اليوم معلقة للنظر امام محكمة الجنح. وكانت مدى أعوام ثمانية تؤجل في كل مرة إلى آجال طويلة لأتفه الأسباب؛ وظهر فيما بعد أن ذلك يرجع إلى نفوذ مؤثرات معينة، وأن الأفاق استطاع أن نؤثر عن طريق أصدقائه الأقوياء على سير القضاء كما استطاع أن يؤثر في عمل البوليس، ولما ظهرت

стр. 2661

هذه الحقيقة المدهشة أخيرا كانت مثار السخط والريب في نزاهة القضاء. وكان ستافسكي طريد القضاء أثناء ذلك يعيش في بذخ لم يسمع به في داره الفخمة بحي الشانزليزيه مع زوجته الحسناء أرليت سيمون التي تزوجها منذ سنة ١٩٢٢، وولديه الصغيرين، وكان يظهر في المسارح والأوساط الرفيعة وفي ملاهي الليل وميادين السباق وأندية المقامرة بأعظم مظاهر الغنى والترف، وينفق الملايين الطائلة في كان ومونت كارلو وبيارتز وغيرها من مدن المياه، كل ذلك باسم (مسيو آلكس) وقد ظهر من التحقيق فيما بعد أن كثيرين ممن اتصلوا به لم يكن يدور بخلدهم أن مسيو آلكس هذا أو آلكس الجميل هو نفسه الكساندر ستافسكي بطل الفضيحة الكبرى. وفي سنة ١٩٣٠ وقع ستافسكي في مازق جديد وافتضح أمره مرة أخرى، ذلك أنه قدم إلى بنك التسليف البلدي باورليان طائفة كبيرة من الجواهر الزائفة واستطاع برهنها أن يحصل على سندات للخزينة قيمتها عشرة ملايين فرنك، وأن يقطع هذه السندات ويحصل على قيمتها ولكن هذا التزييف الهائل اكتشف غير بعيد، وظهر أن الجواهر المودعة كلها زائفة لا تساوي أكثر من عشرة آلاف فرنك، بيد أن ستافسكي فطن في الحال للخطر الذي يهدده، وبادر بتسوية المسألة ورد قيمة السندات المسحوبة، وبذا أسبل الستار على الفضيحة بسرعة، وأنقذ ستافسكي مشاريعه من خطر الانهيار وأنقذ نفسه من ظلام السجن. ولم يمض على ذلك أشهر قلائل حتى استطاع ستافسكي أن ينفذ مشروعه الجديد، وهو انشاء بنك التسليف البلدي في مدينة بايون. وهذه البنوك المحلية الصغيرة تنشأ في عواصم الأقاليم طبقا لقانون خاص، وتقوم بمهمة التسليف برهونات منقولة مثل الجواهر والحلي، وهي تنشأ عادة برؤوس أموال صغيرة، ولكنها تستطيع متى اتسعت أعمالها أن تزيد في رأسمالها باصدار سندات على الخزينة بالاعتمادات اللازمة، وهذه السندات تتمتع بنوع من الضمان الحكومي، لأنها تصدر بمصادقة السلطات المحلية فضلاً عن ادارة البنك، وتمثل السلطات المحلية في إدارة البنك على يد مدير المقاطعة وعمدة المدينة، وتمنح هذه السندات عادة ربحا حسنا لا يقل عن خمسة في المائة، وتعفى من ضريبة الدخل، وهي لذلك تجد إقبالا من شركات التأمين وغيرها من شركات الادخار فتسارع إلى اقتنائها كوسيلة حسنة لتوظيف المال. وقد رأى ستافسكي في الحال أنه يستطيع أن يجعل من إصدار هذه

стр. 2662

السندات وسيلة سهلة مدهشة لاختلاس عشرات بل مئات الملايين. بيد أنه حرص بادئ بدء أن يتمتع مصرفه الجديد بسمعة حسنة؛ واستطاع أن يجعل منه مؤسسة ناجحة متسعة العمل. ثم عمد بعد ذلك إلى إصدار السندات تغطية لاعتمادات يريد البنك تحقيقها، ويسدد قيمتها متى حلت آجالها، فأخذ يصدر منها الملايين ثم عشرات الملايين ثم مئاتها؛ وكان اختلاس هذه الأموال الطائلة يجري بالصورة الآتية: يصدر البنك سندات قيمتها عشرة ملايين مثلا، ثم يعرضها في السوق المالية للقطع، فتشتريها إحدى شركات التأمين بقطع مرغب جدا (٥ في الماية مثلا) لكي تقبض قيمتها متى حل أجل استهلاكها وتستفيد بذلك من القطع ثم من الأرباح. وقد بذل ستافسكي لترويج هذه السندات جهودا مدهشة، واستعان في ذلك بالجهات الرسمية وبالدعوة الصحفية. ومن الغريب أنه استطاع بواسطة النائب جارا عمدة بايون، أن يستصدر من وزير المالية ووزير التجارة منشورا وجه إلى شركات الاستثمار المختلفة يحثها على اقتناء سندات بنوك التسليف المحلية باعتبارها أوراقاً ثابتة مضمونة ووسيلة حسنة للاستثمار، وذلك طبقا لما نصت عليه بعض القوانين المالية، فكان هذا التعضيد الرسمي أداة قوية في يد ستافسكي ومشجعا للشركات على شراء سندات مصرفه، وكانت هذه الملايين الطائلة بدلا من أن تودع خزينة البنك تذهب توا إلى جيب ستافسكي يبددها على بذخه المدهش وينفق منها على شركائه وأعوانه. ولم تكن هذه الملايين ترصد في سجلات البنك لان السندات كانت زائفة تصدر دون مرجع أو سجل، وقد استطاع ستافسكي كما أثبت التحقيق أن يبيع من هذه السندات المزورة إلى مختلف الشركات والأفراد بما يساوي نحو خمسمائة مليون فرنك (أو نحو ستة ملايين جنيه) في أقل من ثلاثة أعوام! هذا إلى طريقة أخرى للاختلاس لجأ اليها ستافسكي، وهو أنه في فرص كثيرة كان يقدم إلى البنك بعض الجواهر المزيفة باعتبار أنها جواهر ثمينة ويسحب عليها مبالغ طائلة، وفي أحيان كثيرة كان يستخرج الجواهر الثمينة التي أودعها عملاء البنك في خزائنه رهنا للقروض ثم يضع مكانها جواهر زائفة، ويحصل بهذه الوسيلة على عشرات الملايين. والآن، لنر كيف اكتشفت هذه الاختلاسات الهائلة. ومن المحقق أنه كان من المستحيل أن يمضي ستافسكي في جرائمه طول هذه المدة، وعلى هذا النحو المدهش لو لم يكن مستظلا

стр. 2663

بحماية الرجال المسئولين آمنا مطاردة البوليس والقضاء. على أن حادثا فجائيا أدى إلى اكتشاف الحقيقة المروعة، وهو أن إحدى شركات التأمين، كانت قد اشترت من السندات الزائفة ما قيمته ثمانية ملايين حل أجل استهلاكها في أغسطس الماضي، فتقدمت إلى البنك بطلب هذا المبلغ فطلب مدير البنك تسييه رجل ستافسكي وشريكه مهلة للدفع، فرأت الشركة من باب الاحتياط أن توقع حجزاً على بعض المبالغ المطلوبة للبنك، فدهش مراقب الضرائب في بايون لهذا الحادث وارتاب في الأمر لأنه لا يعقل أن مصرفا كبيرا محترما مثل بنك بايون يتوقف عن الدفع بهذه الصورة، وتصادف عندئذ أنه فحص بعض السندات المسحوبة فلم يعثر لها على أثر في سجلات البنك أو حساباته، فأخطر الجهات المختصة، وكان ذلك في يوم ٢٣ ديسمبر الماضي. ولما رأى مدير البنك تسييه أن الأمر قد افتضح ذهب إلى مدير البوليس، واعترف له بطرف من هذه الجرائم، وفي الحال تدخلت النيابة، وقبض على تسييه وبدأ التحقيق في الفضيحة الكبرى وسنرى في فصل تال ماذا كشف التحقيق عنه، وماذا كانت خاتمة هذا الأفاق البارع وماذا كانت آثار هذه الجرائم المثيرة في سير الحياة الفرنسية العامة. محمد عبد الله عنان

стр. 2664

الأدب والخلود بدت في أفق الوجود منذ أقدم العصور أنواع كثيرة من الحيوان والنبات، ظلت تتصارع مع إرادة البيئة وعوامل الموت والحياة حقبا طوالا، حتى فرق بينها قانون (تنازع البقاء) بكلمته الحاسمة، فسكنت رحى الحرب وأسفرت تلك الوقائع عن خطوط متباينة لكل نوع منها عن الآخر: فمنها ما كان ضعيف الايد فقير العدة لم يستطع أن ينجو من نار هذا التنافس المستعر فالتهمته ألسنتها وأسدلت على كيانه وذكراه حجاب العدم إلى الأبد، ومنها ما جاوزته هذه النيران وقد أبقت منه هيكلا هشيما أو بقايا منثورة لم تزل مطمورة تحت أطباق الثرى حتى عثر عليها رجال الآثار والحفريات فنشروها في صدور المعارض والمتاحف، ووهبوها بعثا جديدا لحياة الذكرى. وكان هناك غير هذين ما وهبته الطبيعة أمضى الأسلحة للوقاية أو السطوة، فكان هو الصامد للهول الصائل في المجال حتى خرج مظفرا منصورا رافعا لواء الحياة! كذلك في أفق الفنون والآداب نرى مثل هذا الصراع العنيف دائر الرحى بين أنواعها المختلفة، وبين مؤثرات العدم والوجود، كأنها كائنات حية شاخصات الجثمان تحكم بينها قوانين النشوة والبقاء. ولئن كانت حرب الأنواع المادية قد خمدت نارها منذ آماد لتؤول إلى نضال آخر بين فصائل النوع الذي ظفر بالبقاء، فأن صراع منتجات العقل وبخاصة ما كان في دائرة الأدب لما يزل حامي الوطيس مشتعل اللهيب منذ أخذ الفكر وأخذت العاطفة تفتح عيونها على الكون، وتتعرف ما فيه من ظواهر وأسرار إلى اليوم. وسيضل هكذا يزداد أواره احتداما كلما نما العقل واتسعت شعاب الحياة أمام العواطف، وكلما ارتقت مثل الإنسانية وآمال المجتمعات والأفراد في سماء الحضارة الرحيبة الآفاق، فكل أدب واهن القوى أو فاقد الأداة لا بد أن يكون مصيرهكمصير ذلك الكائن الضعيف إما فناء أبديا أو فناء يتخلله البعث للذكرى في خزائن الكتب، أو شوارد التاريخ أو على جدار المعابد، وكل أدب موفور القوة موهوب المناعة لابد أن يغالب الزمان ويبقى على الحدثان. هكذا توزعت الجدود على أنواع الأدب في كل عصوره الماضية وكذلك سيبقى نظامها، وقد تكون تلك الظاهرة ملحوظة في جملتها قريبة الإدراك بشكل عام عند من يتنبهون إلى حقائق الموت والحياة في المعنويات كما يعرفونها في الحسيات، ولكن الغموض وسوء الإدراك إنما يقعان في تحديد معاني هذه الحقائق، ودقة الإحاطة بمدلول كلمات الضعف والقوة والغلبة

стр. 2665

والهزيمة، وفي العثور على محور التنافس والنزاع، وكشف القوانين التي تعمل من وراء هذا كله لترجيح كفتي الفناء أو الخلود إحداهما على الأخرى. فكثير من متناولي الأدب من يقف اليوم خاشعا أمام تراثنا الأدبي القديم، مستلهماً نفحات الخلود من سطوره وكلماته لأنه قديم باقي منذ مئات الأعوام إلى اليوم برغم الغير والأحداث، دون أن يفرق بين أدب لا يجدر به أن يحفظ إلا ليؤدي مثل وظيفة تلك البقايا الحفرية تسجن في غرف المتاحف فتذكر بنوع باد وانقرض، وبين أدب خالد وثيق الصلة بعناصر الحياة فهو باق بأصله وأثره ولو اندثرت ألفاظه، وليس من سبب لهذا النظر الواهم إلا عدم الإحاطة بدائرة الخلود وتنور الأسس التي يشاد عليها صرحه وما يؤدي إليه هذا الإبهام من قصور عن إدراك الفارق الكبير بين مدلول كلمتي (الخلود) و (البقاء) في العرف الأدبي الدقيق. ليس الخلود في الأدب هو مجرد البقاء، وإن أوضح ما يبدي الفرق بينهما هو ذات هذا التباين الذي أدركناه بين بقاء الآثار والعاديات وبين بقاء الكائن الحي الخالد، ويمكن أن يعبر عن تلك الميزة الكبرى بأن خلود هذا الكائن إنما هو بقاء مقرون بالتأثير والتأثر، أو هو بقاء قابل فاعل، أو هو الحياة، فالأثر الأدبي كالأثر المادي سواء في أن كلا منهما لا تتحقق له صفة الخلود إلا إذا امتاز بصفات وخواص تؤهلهلان يظل مشتركاً مع دوره هذا الكون الحي بآثار يحدثها فتزيد في قوة تلك الدورة، أو بطواعية ولطف تقبل لما يوحي به الكون من غايات، وما يتطلبه من نظم، وبقدر ثروته من هذه الخصائص تتعين له منزلته من درجات الخلود المتفاوتة السمو، غير أن الكائن المادي يؤدي وظيفة حياته هذه بالفعل أو الترك، والأدبي إنما يؤديها بما فيه من أفكار ووجدانات. وإذا كانت مؤهلات الخلود للنوع المادي هي في هذا التكوين الدقيق المنظم من عناصر
следующие страницы →