Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
هذه الحقيقة المدهشة أخيرا كانت مثار السخط والريب في نزاهة القضاء. وكان ستافسكي طريد القضاء أثناء ذلك يعيش في بذخ لم يسمع به في داره الفخمة بحي الشانزليزيه مع زوجته الحسناء أرليت سيمون التي تزوجها منذ سنة ١٩٢٢، وولديه الصغيرين، وكان يظهر في المسارح والأوساط الرفيعة وفي ملاهي الليل وميادين السباق وأندية المقامرة بأعظم مظاهر الغنى والترف، وينفق الملايين الطائلة في كان ومونت كارلو وبيارتز وغيرها من مدن المياه، كل ذلك باسم (مسيو آلكس) وقد ظهر من التحقيق فيما بعد أن كثيرين ممن اتصلوا به لم يكن يدور بخلدهم أن مسيو آلكس هذا أو آلكس الجميل هو نفسه الكساندر ستافسكي بطل الفضيحة الكبرى.
وفي سنة ١٩٣٠ وقع ستافسكي في مازق جديد وافتضح أمره مرة أخرى، ذلك أنه قدم إلى بنك التسليف البلدي باورليان طائفة كبيرة من الجواهر الزائفة واستطاع برهنها أن يحصل على سندات للخزينة قيمتها عشرة ملايين فرنك، وأن يقطع هذه السندات ويحصل على قيمتها ولكن هذا التزييف الهائل اكتشف غير بعيد، وظهر أن الجواهر المودعة كلها زائفة لا تساوي أكثر من عشرة آلاف فرنك، بيد أن ستافسكي فطن في الحال للخطر الذي يهدده، وبادر بتسوية المسألة ورد قيمة السندات المسحوبة، وبذا أسبل الستار على الفضيحة بسرعة، وأنقذ ستافسكي مشاريعه من خطر الانهيار وأنقذ نفسه من ظلام السجن.
ولم يمض على ذلك أشهر قلائل حتى استطاع ستافسكي أن ينفذ مشروعه الجديد، وهو انشاء بنك التسليف البلدي في مدينة بايون. وهذه البنوك المحلية الصغيرة تنشأ في عواصم الأقاليم طبقا لقانون خاص، وتقوم بمهمة التسليف برهونات منقولة مثل الجواهر والحلي، وهي تنشأ عادة برؤوس أموال صغيرة، ولكنها تستطيع متى اتسعت أعمالها أن تزيد في رأسمالها باصدار سندات على الخزينة بالاعتمادات اللازمة، وهذه السندات تتمتع بنوع من الضمان الحكومي، لأنها تصدر بمصادقة السلطات المحلية فضلاً عن ادارة البنك، وتمثل السلطات المحلية في إدارة البنك على يد مدير المقاطعة وعمدة المدينة، وتمنح هذه السندات عادة ربحا حسنا لا يقل عن خمسة في المائة، وتعفى من ضريبة الدخل، وهي لذلك تجد إقبالا من شركات التأمين وغيرها من شركات الادخار فتسارع إلى اقتنائها كوسيلة حسنة لتوظيف المال. وقد رأى ستافسكي في الحال أنه يستطيع أن يجعل من إصدار هذه
стр. 2662
السندات وسيلة سهلة مدهشة لاختلاس عشرات بل مئات الملايين. بيد أنه حرص بادئ بدء أن يتمتع مصرفه الجديد بسمعة حسنة؛ واستطاع أن يجعل منه مؤسسة ناجحة متسعة العمل. ثم عمد بعد ذلك إلى إصدار السندات تغطية لاعتمادات يريد البنك تحقيقها، ويسدد قيمتها متى حلت آجالها، فأخذ يصدر منها الملايين ثم عشرات الملايين ثم مئاتها؛ وكان اختلاس هذه الأموال الطائلة يجري بالصورة الآتية: يصدر البنك سندات قيمتها عشرة ملايين مثلا، ثم يعرضها في السوق المالية للقطع، فتشتريها إحدى شركات التأمين بقطع مرغب جدا (٥ في الماية مثلا) لكي تقبض قيمتها متى حل أجل استهلاكها وتستفيد بذلك من القطع ثم من الأرباح. وقد بذل ستافسكي لترويج هذه السندات جهودا مدهشة، واستعان في ذلك بالجهات الرسمية وبالدعوة الصحفية. ومن الغريب أنه استطاع بواسطة النائب جارا عمدة بايون، أن يستصدر من وزير المالية ووزير التجارة منشورا وجه إلى شركات الاستثمار المختلفة يحثها على اقتناء سندات بنوك التسليف المحلية باعتبارها أوراقاً ثابتة مضمونة ووسيلة حسنة للاستثمار، وذلك طبقا لما نصت عليه بعض القوانين المالية، فكان هذا التعضيد الرسمي أداة قوية في يد ستافسكي ومشجعا للشركات على شراء سندات مصرفه، وكانت هذه الملايين الطائلة بدلا من أن تودع خزينة البنك تذهب توا إلى جيب ستافسكي يبددها على بذخه المدهش وينفق منها على شركائه وأعوانه. ولم تكن هذه الملايين ترصد في سجلات البنك لان السندات كانت زائفة تصدر دون مرجع أو سجل، وقد استطاع ستافسكي كما أثبت التحقيق أن يبيع من هذه السندات المزورة إلى مختلف الشركات والأفراد بما يساوي نحو خمسمائة مليون فرنك (أو نحو ستة ملايين جنيه) في أقل من ثلاثة أعوام! هذا إلى طريقة أخرى للاختلاس لجأ اليها ستافسكي، وهو أنه في فرص كثيرة كان يقدم إلى البنك بعض الجواهر المزيفة باعتبار أنها جواهر ثمينة ويسحب عليها مبالغ طائلة، وفي أحيان كثيرة كان يستخرج الجواهر الثمينة التي أودعها عملاء البنك في خزائنه رهنا للقروض ثم يضع مكانها جواهر زائفة، ويحصل بهذه الوسيلة على عشرات الملايين.
والآن، لنر كيف اكتشفت هذه الاختلاسات الهائلة. ومن المحقق أنه كان من المستحيل أن يمضي ستافسكي في جرائمه طول هذه المدة، وعلى هذا النحو المدهش لو لم يكن مستظلا
стр. 2663
بحماية الرجال المسئولين آمنا مطاردة البوليس والقضاء. على أن حادثا فجائيا أدى إلى اكتشاف الحقيقة المروعة، وهو أن إحدى شركات التأمين، كانت قد اشترت من السندات الزائفة ما قيمته ثمانية ملايين حل أجل استهلاكها في أغسطس الماضي، فتقدمت إلى البنك بطلب هذا المبلغ فطلب مدير البنك تسييه رجل ستافسكي وشريكه مهلة للدفع، فرأت الشركة من باب الاحتياط أن توقع حجزاً على بعض المبالغ المطلوبة للبنك، فدهش مراقب الضرائب في بايون لهذا الحادث وارتاب في الأمر لأنه لا يعقل أن مصرفا كبيرا محترما مثل بنك بايون يتوقف عن الدفع بهذه الصورة، وتصادف عندئذ أنه فحص بعض السندات المسحوبة فلم يعثر لها على أثر في سجلات البنك أو حساباته، فأخطر الجهات المختصة، وكان ذلك في يوم ٢٣ ديسمبر الماضي. ولما رأى مدير البنك تسييه أن الأمر قد افتضح ذهب إلى مدير البوليس، واعترف له بطرف من هذه الجرائم، وفي الحال تدخلت النيابة، وقبض على تسييه وبدأ التحقيق في الفضيحة الكبرى وسنرى في فصل تال ماذا كشف التحقيق عنه، وماذا كانت خاتمة هذا الأفاق البارع وماذا كانت آثار هذه الجرائم المثيرة في سير الحياة الفرنسية العامة.
محمد عبد الله عنان
стр. 2664
الأدب والخلود
بدت في أفق الوجود منذ أقدم العصور أنواع كثيرة من الحيوان والنبات، ظلت تتصارع مع إرادة البيئة وعوامل الموت والحياة حقبا طوالا، حتى فرق بينها قانون (تنازع البقاء) بكلمته الحاسمة، فسكنت رحى الحرب وأسفرت تلك الوقائع عن خطوط متباينة لكل نوع منها عن الآخر: فمنها ما كان ضعيف الايد فقير العدة لم يستطع أن ينجو من نار هذا التنافس المستعر فالتهمته ألسنتها وأسدلت على كيانه وذكراه حجاب العدم إلى الأبد، ومنها ما جاوزته هذه النيران وقد أبقت منه هيكلا هشيما أو بقايا منثورة لم تزل مطمورة تحت أطباق الثرى حتى عثر عليها رجال الآثار والحفريات فنشروها في صدور المعارض والمتاحف، ووهبوها بعثا جديدا لحياة الذكرى. وكان هناك غير هذين ما وهبته الطبيعة أمضى الأسلحة للوقاية أو السطوة، فكان هو الصامد للهول الصائل في المجال حتى خرج مظفرا منصورا رافعا لواء الحياة!
كذلك في أفق الفنون والآداب نرى مثل هذا الصراع العنيف دائر الرحى بين أنواعها المختلفة، وبين مؤثرات العدم والوجود، كأنها كائنات حية شاخصات الجثمان تحكم بينها قوانين النشوة والبقاء. ولئن كانت حرب الأنواع المادية قد خمدت نارها منذ آماد لتؤول إلى نضال آخر بين فصائل النوع الذي ظفر بالبقاء، فأن صراع منتجات العقل وبخاصة ما كان في دائرة الأدب لما يزل حامي الوطيس مشتعل اللهيب منذ أخذ الفكر وأخذت العاطفة تفتح عيونها على الكون، وتتعرف ما فيه من ظواهر وأسرار إلى اليوم. وسيضل هكذا يزداد أواره احتداما كلما نما العقل واتسعت شعاب الحياة أمام العواطف، وكلما ارتقت مثل الإنسانية وآمال المجتمعات والأفراد في سماء الحضارة الرحيبة الآفاق، فكل أدب واهن القوى أو فاقد الأداة لا بد أن يكون مصيرهكمصير ذلك الكائن الضعيف إما فناء أبديا أو فناء يتخلله البعث للذكرى في خزائن الكتب، أو شوارد التاريخ أو على جدار المعابد، وكل أدب موفور القوة موهوب المناعة لابد أن يغالب الزمان ويبقى على الحدثان. هكذا توزعت الجدود على أنواع الأدب في كل عصوره الماضية وكذلك سيبقى نظامها، وقد تكون تلك الظاهرة ملحوظة في جملتها قريبة الإدراك بشكل عام عند من يتنبهون إلى حقائق الموت والحياة في المعنويات كما يعرفونها في الحسيات، ولكن الغموض وسوء الإدراك إنما يقعان في تحديد معاني هذه الحقائق، ودقة الإحاطة بمدلول كلمات الضعف والقوة والغلبة
стр. 2665
والهزيمة، وفي العثور على محور التنافس والنزاع، وكشف القوانين التي تعمل من وراء هذا كله لترجيح كفتي الفناء أو الخلود إحداهما على الأخرى. فكثير من متناولي الأدب من يقف اليوم خاشعا أمام تراثنا الأدبي القديم، مستلهماً نفحات الخلود من سطوره وكلماته لأنه قديم باقي منذ مئات الأعوام إلى اليوم برغم الغير والأحداث، دون أن يفرق بين أدب لا يجدر به أن يحفظ إلا ليؤدي مثل وظيفة تلك البقايا الحفرية تسجن في غرف المتاحف فتذكر بنوع باد وانقرض، وبين أدب خالد وثيق الصلة بعناصر الحياة فهو باق بأصله وأثره ولو اندثرت ألفاظه، وليس من سبب لهذا النظر الواهم إلا عدم الإحاطة بدائرة الخلود وتنور الأسس التي يشاد عليها صرحه وما يؤدي إليه هذا الإبهام من قصور عن إدراك الفارق الكبير بين مدلول كلمتي (الخلود) و (البقاء) في العرف الأدبي الدقيق.
ليس الخلود في الأدب هو مجرد البقاء، وإن أوضح ما يبدي الفرق
بينهما هو ذات هذا التباين الذي أدركناه بين بقاء الآثار والعاديات وبين
بقاء الكائن الحي الخالد، ويمكن أن يعبر عن تلك الميزة الكبرى بأن
خلود هذا الكائن إنما هو بقاء مقرون بالتأثير والتأثر، أو هو بقاء قابل
فاعل، أو هو الحياة، فالأثر الأدبي كالأثر المادي سواء في أن كلا
منهما لا تتحقق له صفة الخلود إلا إذا امتاز بصفات وخواص
تؤهلهلان يظل مشتركاً مع دوره هذا الكون الحي بآثار يحدثها فتزيد
في قوة تلك الدورة، أو بطواعية ولطف تقبل لما يوحي به الكون من
غايات، وما يتطلبه من نظم، وبقدر ثروته من هذه الخصائص تتعين
له منزلته من درجات الخلود المتفاوتة السمو، غير أن الكائن المادي
يؤدي وظيفة حياته هذه بالفعل أو الترك، والأدبي إنما يؤديها بما فيه
من أفكار ووجدانات.
وإذا كانت مؤهلات الخلود للنوع المادي هي في هذا التكوين الدقيق المنظم من عناصر
стр. 2666
متجانسة متوافقة، انتخبت من جنس عناصر الكون الخالد، لتشترك باتحاد ذروتها واتساق تركيبها في تأدية سلسلة مترابطة من الغايات، حتى تنتهي إلى الغاية الكبرى من تكون الكائن كله بجميع أجهزته وأعضائه، وهي الاتصال المباشر بدورة الحياة وبالنشاط والحركة والعمل والإنتاج والإهلاك والإدارة بنوعيها من سلب وإيجاب - كذلك مؤهلات الخلود للنوع الأدبي إنما هي في تكوينه من لباب من المعاني، مأخوذ بمهارة من صفحة الكون الزاخر بالحقائق والأحلام، متسق العناصر والأجزاء بدقة وتفنن وابتكار، حتى يبدو في شكل وحدة متلائمة كلها أفكار ووجدانات، تؤدي غايتها العظمى، مؤثرة تارة في الحياة ببعث الحق فيها والخير والفضيلة والكمال، أو متأثرة بها تارة أخرى بتقديس ما بها من جمال وعبادة ما وراءها من أسرار وامتزاج بما فيها من روح!
ذلك هو الشرط الخلود بحدوده العامة، وليس هو قيدا نبتكره ونمليه نحن على الأدب وأهله، وإنما هو فيما نرى قانون ثابت أملته طبيعة الحياة من قبل على الكائنات المادية، ونفذت أحكامه عليها بعنف وقسوة، وهي تمليه اليوم وتطبقه على الكائنات المعنوية بعد أن اشتد تنافسها وكثرت أنواعها، وبعد أن أصبح للآداب كيان ظاهر في الحياة الإنسانية يسعى إلى مثل ويتجه إلى مقاصد، أو كما يقول النحاة بعد أن أصبح (عمدة) لا (فضلة).
ولقد ظهرت آثار هذا القانون بجلاء منذ بضعة قرون في الحياة الأدبية لأمم أوربا الراقية حين أخذت آدابهم تنمو وتستقل وتقوى شخصيتها وتتحدد غاياتها، فنشأت عندهم مذاهب النقد وطرائق البحث التي تعمل كلها في ضوء هذا القانون حتى لا تمنح رتبت الخلود إلا لما أحتوى على عناصره وتحقق فيه شروطه، وهاهو ذا تراثهم الأدبي تجد فيه سجل الخلود منشورا واضحا لا يجمع إلا أمثال أسماء شكسبير وملتون وشلي وبيرون وتنيسون وسكوت في انجلترا وموليير وروسو وفولتير وهوجو في فرنسا ولسنج وشلر وجيته في ألمانيا، وغيرهم ممن يظاهيهم أو يقاربهم مرتبين في درجات مختلفة من الخلود بحسب ما حاز كا منهم من عناصره. أما نحن فلا تزال حياتنا الأدبية ناشئة حديثة، وقد كانت إلى عهد قريب حائرة ضعيفة الإدراك لا تدري أي سبيل تسلك ولا على أي مرفأ ترسو. لأن الشعور بالحياة كان ضيق الدائرة ضئيلا، وكان سوء التقدير وفساد الفهم لغايات الأدب ومعاني خلوده يحاصر هذا الضيق ويأبى عليه أن يكتسب مرونة أو اتساعا. ولكنها الآن قد
стр. 2667
أخذت تنهج طريقة أختها الأوربية وتفتح عينها على الحياة وترشف من رحيق أسرارها ومثلها، معتزة بوجودها، مكتسبة كل ما يزيدها نموا وارتقاء، وبهذا حق عليها أن تدفع ثمن هذه الحرية غاليا، وتتقبل راضية أو كارهة قانون الحياة الدائم، فلا خلود إلا لمن ظفر بشرطه وأوفى على غايتة. نعم لم يعد يسيرا في هذا العصر لأثر أدبي أن يظفر بالخلود، لأن التنافس يزداد شدة كلما تقدمت الحضارة خطوة، ولأن ذوق الجمهور قد أخذ يدق وسمو حتى ليكاد يصبح ناقدا عاما، ووجدانه قد بدأ يزخر بالآمال والعواطف حتى يأبى إلا أن يحتسي كأس الحياة حتى الثمالة، وأرادته ايضا قد غدت حرة قوية مؤثرة حتى لا تقنع إلا بنشدان المثل العليا. وهذه كلها نتائج طبيعية لنشر وسائل التهذيب من تعليم وصحافة وأقاصيص وتمثيل وخيالة، ولحياته بروح الدساتير الحديثة التي تكفل له الحرية وتسيغ له الاشتراك في الحكم والدولة، ولشدة أمتزاج الشعوب اليوم بعضها ببعض وسرعة تبادل الأفكار والمشاعر، فهل يقنع هذا المجهود الطامح المهذب إلا بأدب يمثل قانون الخلود فقرة فقرة؟ لابد إذا لوجود هذا الأدب السامي من أديب يملك بفطريه نفسا شاعرة نبيلة دقيقة الحس كميزان الذهب، تتلقى الإلهام والوحي من محيط الوجود كما يتلقى الجارس (الراديو) موجات الأثير حاملات الأغاني لا يشعر بها غيره، وعقل صافياً كالعدسة المكبرة تواجه الشيء فيتجلى فيها بخفاياه وحذافيره، قد صقلته التربية ووسعت أفقه التجارب والثقافة المحيطة، وقدرة ماهرة على التنسيق والتنويع وحسن الصياغة بابتكار واستقلال.
وندع الآن مشكلة اللفظ وما تنتجه من مسائل الفصاحة والبلاغة فإنما نحن نتحدث عن الجوهر لا عن العرض، ونبحث في القانون الثابت المطرد لا الأمر العارض النسبي، ولسنا نعني بذلك ان نهمل البتة ناحية اللفظ فنكسو الحسناء الجميلة ثوباً خلقا مهلهلا، بل الذي إليه نقصد أن سر خلود الأدب أصالة إنما هو في معناه، ثم تأتي مسألة اللفظ بعد ذلك مختلفة باختلاف اللغات متفاوتة بتفاوت الأذواق، فكم في اللغات العامية من معان رائعة حية الأثر تتداولها الألسنة رواية لا تدوينا، وبداهة لا تعليما، وهي خالدة على مر الأجيال في معزل عن اللغة الفصحى بل في نفور منها أن تشوه جمالها، وكم في اللغات الأعجمية من آثار خالدة أيضاً لم تدرك لغتنا الفصحى شأوها بعد ولا يضيرها أن تؤدي برطانة الأعجام! فمسألة الخلود في الحقيقة مسألة المعنى وهي الأمر الثمين النادر، أما اللفظ فيسير
стр. 2668
الثمن بتعلم اللغة والاطلاع على أساليبها. وكأننا بهذا نعكس رأي علماء البلاغة الأقدمين إذ كانوا يقولون: ان المعاني منثورة في الطريق يعرفها الفصيح والمفحم والعالم والأمي والبدوي والحضري، ولكن الفرق كله بين هؤلاء في اختيار اللفظ وحسن التركيب!
ولعمري ما أشبههم في ذلك بمن يقولون إن الذهب والفضة مطروحة في الطرقات، ولكن المشكلة المعضلة حقا إنما هي: كيف يحمل الفقير تلك الكنوز؟!
وبنظرة نرددها بين غاية الخلود البعيدة المدى، وبين أدبنا الحديث، نستطيع أن ندرك كيف ينحرف هذا الأدب عن الهدف الذي يجب أن يقصد؛ ثم إذا تتبعنا خط الميل عن الجادة المستقيمة لم نلبث أن نقف على نقطة الانحراف أو رأس المفترق، وليست هي فيما أرى الا حيث يتدفق سيل التقليد الجارف، فيكتسح أدبنا أمامه ويحول بصره عن الهدف إلى صحراء العصور الخالية، ولقد سار أدبنا منذ نشأته في هذا الطريق المنحرف مراحل واسعة، ثم جاء الأدباء المجددون والشباب المثقف الحديث فحاولوا أن يمسكوا بزمامه ويردوه إلى غايته، فإذا به يستقيم ويعدل سيره في أنوارهم وهو حقيقة يوشك ان يعتدل. بيد ان انكساره القديم قد ترك في بصره بعض الزيغ وفي هيكله بعض الاعوجاج!
كانت الروح الفردية هي عماد الأدب القديم، وما زالت هي أيضا عماد أدبنا الحديث، فكما كان رجل الصحراء ينشد أدبه الغنائي في حدود نفسه معتزاً بشخصيته دون غيرها، حين يصف حبه وهيامه وحوادث غرامه أو حين يصف ناقته وفرسه أو يفخر بشجاعته وبأسه، كذلك نحن لا نبرح مقيدين بخطته مقتفين أثره لا نعني أكثر ما نعنى إلا بالتغني بهذه الأغراض الفردية الضيقة من حب شخصي وحزن وسرور ورثاء ومدح لا تعدو حدود النفس، ولست أدري كيف نمهد لنا عذرا عن هذه الأثرة التقليدية إذا وضحت أمامنا أعذار الرجل الصحراوي وقد كانت طبيعة بيئته ونظام حياته لا يسمحان ببناء مجمع مترابط ممتزج بل تلحان على كل فرد أن يكون هو مجتمع نفسه وحكومة شخصه؟
وهل تلك الحياة المفككة هي حياتنا اليوم؟ أليست دعامة هذا العصر المتحضر هي قوة روح الاجتماع وتشييد بناء الوحدة وتربية الفرد ليفنى في المجموع؟ إذن فلن ينطلق أدبنا من رجعيته الا إذا جارى العصر وساير الحياة فاندمج في المجتمع بما فيه من سياسة ودين وتربية وأخلاق وغاص إلى أعماقه وترجح على أمواجه؛ متشربا العواطف الإنسانية لا
стр. 2669
على إنها نزعات فردية من شخص لآخر، ولكن على انها ظواهر اجتماعية لها آثارها في المجتمع ولها أحوالها وخواصها المتأثرة به المتغيرة بتغير، وناظراً منصتاً لا في منطقة شخصه ولكن في رحاب المجتمع الطليق يراه كيف يجد ويلعب وكيف يفكر، وكيف يشعر، ويسمعه بأي لحن ينطق ويغني ويئن ويهتف، ضاربا معه على أوتار أفراحه وأحزانه؛ صاعداً إلى سماء الآمال أو منحدراً إلى أرض الهوان، صارخا في ثورته، نائما في رقدته.
وكان الأدب القديم نسيجا من خواطر وأحاسيس هي بنت ساعتها، ووليدة حادثتها، توضع متراصة مسرودة دون أن ينظمها سمط من العلم أو رباط من العقل، وما زال أدبنا الحديث أيضا نسيجا من مثل هذه الخواطر والاحاسيس؛ لا يحاول أن يتقرب إلى العلم أو يصافح الفلسفة أو يمد يده إلى علم النفس، بل كثيرا ما يقف منها موقف الاضداد، فإذا كان منشأ هذا النقص عند أدباء القرون الماضية هو فقرهم من هذه الثروة الفكرية العظيمة؛ وفهمهم الأدب على أنه منفذ للشعور الفردي الوقتي كيفما كان لا كما نفهمه نحن اليوم من أنه دعامة من دعائم الحضارة وأسس الاجتماع المهذب الراقي - فبأي سبب غير عماية التقليد نعلل وجود هذا النقص في أدبنا إذن ونحن في عصر يفهم الأدب على هذا الوجه، ثري بما فيه من منتجات الفكر؟
ولعل هذه الروح الجديدة التي نحاول أن نشربها أدبنا ليتصل بالعلم والاجتماع، تدل بنفسها على أنها لا تستطيع أن تحيا وتنمو وراء هذه الأسوار الضيقة التي كانت تحاصر الأدب القديم: أسوار الشعر الغنائي والحكم المقتضبة والأمثال الموجزة، والفصول الكتابية والأراجيز النظمية تعقد لبيان الأخلاق والنصائح والعظات في قواعد وقضايا آخذ بعضها برقاب بعض. وإنما هي يريد قبل أن نفكر في استلهامها أن نهدم هذه الأسوار ونخرج إلى ميدان القصة والملحمة والرواية الرحيب الجوانب فننثر في فضائه ما نريد من حكم ووصف وعظات وما نشاء من وحي الفكر والوجدان.
أجل، فان ذروة الخلود سوف تدنو من صروح القصة والرواية وما حكاهما، وسوف تكون هذه الأنواع أقوى أنواع الأدب وأكبرها اثرا في تأدية وظائفه في الحياة الإنسانية بين الجماعات والافراد، وستندمج في ثناياها تلك الأنواع الصغيرة التي لا تحتوي الا على خطرات محدودة من مشاعر الحب والانتقام والهجاء والفخر والحماسة والمثل والوصية
стр. 2670
والمراسلة وما جرى مجراها، فلا يبقى منها مستقلا إلا ما ترشحه رقة نغماته ووحدة موضوعه وصدق شعوره ليجيب بعض نداءات الحياة القصيرة التي لا تتحمل أعباء القصة ولا تستطيع تغذيتها. وفيما خلا ذلك تنهض القصة بدعوات الحياة الكبيرة وتخض معارك الاجتماع وترتوي من منابع العلم فتصبح صورة صادقة ناطقة للإنسان والكون وما بينهما من أسباب وصلات.
وحري بنا ألان وقد جرت معنا ألفاظ الغاية والهدف والقصد إلى جانب الأدب أن ندفع ما قد يدور بخلد ظان من أننا نريد أن تكون الغاية هي التي تخلق الأدب وتتحكم فيه، فلا يكتب الأديب أو ينظم إلا لغاية قد تعمدها ونصبها أمامه، فان مآل هذا أن يصبح الأدب صناعة لا فنا وأن يصير الأديب مصنوعا لا مطبوعاً، وإنما نحن ننسب الغاية إلى الأدب على سبيل المجاز، ونريد في الحقيقة أن يصدر الأدب عن نفس تشربت من قبل بالغايات والمبادئ حتى ذابت فيها وتحولت إلى وجدان حي ورغبة فنية دافعة، فهي لا تكتب بعد ذلك ناظرة إلى غاية منفصلة، وإنما هي تعبر عن شعورها المتصل بها وفكرها الذي أصبح ملكا لها إرضاء لطبيعتها الفنية وفطرتها الأدبية، فكأن للأدب غاية لا ترى لا بعد صدوره بالفطرة.
وللخلود في الأدب مناطق تختلف سعة وامتدادا. فقد يسري حتى يعم العالم بأجمعه ويصير أدبا عالميا، وقد يقتصر على أمته وشعبه فيكون أدباً قومياً. وحولهما درجات، والسر في هذا إنما يرجع إلى اختلاف موضوعاته: فإذا كان متناوله النفس الإنسانية من حيث هي لا باعتبار الأجناس والأنواع فهو جار مع النفس الإنسانية في كل مكان. وكذلك إذا كانت وجهته الكون والطبيعة والمعاني الكلية التي لا تحدها الأمكنة، ولا تطغى عليها البيئات. ومن أظهر الأمثلة لذلك أدب المعري وابن الرومي والخيام في الشرق، وشكسبير وروسو وهوجو في الغرب. أما إذا كان موضوعه مصبوغاً بصبغة البيئة وألوان المكان وأغراض الشعوب والأجناس فهو خالد في حدود من يصورهم ويتحدث بلسانهم. ومن أمثلته بعض أدب حافظ وشوقي مما يغذي الوطنية في مصر، ورديارد كبلنج في إنجلترا، وجميع الآداب القومية التي يعتز بها اليوم كل شعب. وليس يعني هذا التفاوت في سعة النفوذ تفضيلاً في الرتبة بين خلود وآخر، لان الأديب قد ينتج النوعين وينبغ في الناحيتين معا، ولكنه يقال
стр. 2671
كقاعدة عامة في هذا العصر الذي أصبحت القومية روح وجوده أنه لا بد لكل شعب من أدباء قوميين يغذونه بالأدب الرفيع الخالد.
محمد ضياء الدين الريس
стр. 2672
فلسفة سبنسر
للأستاذ زكي نجيب محمود
- ٢ -
تطور الحياة
يبدأ سبنسر كتابه عن تطور الحياة بتعريف الحياة نفسها بأنها التوفيق بين الكائن الحي وبيئته، ويتوقف كمالها على كمال هذا التوفيق. فهذا حيوان يكتسي بالفراء ليتقي لذعة البرد، وذلك قد أعد لاختزان الطعام لما عساه أن يصادفه من قحط وإجداب، وثالث يستطيع أن يتلون بلون الأرض التي يدب فوقها حتى لا يبصره العدو فيفتك به، إلى آخر هذه الوسائل التي زودت بها الطبيعة الأحياء، أو بعبارة أصح، التي قسرها الأحياء قسرا على أن تزودهم بها للذود عن حياتهم، مما يعلم القراء جميعا. وبديهي أن هذه الملاءمة لم تبلغ ولن تبلغ درجة الكمال ما دام الحيوان مخلوقا ناقصا يعتريه الضعف والموت، ولكن مهما يكن من أمر فهو دائب لا يني عن السعي الحثيث في زيادة هذه الملاءمة شيئا فشيئا، بان يكمل هذا النقص تارة وذاك طورا، وينقح من أعضائه حتى تتمكن من مجاوبة الطبيعة ومقاومتها، ومعنى ذلك أن الكائن الحي يشعر بالحاجة أولا ثم ينطلق في سعيه جيلا بعد جيل يستمد من الطبيعة عضواً يسد له ما أحس من نقص، فهو مثلا يشعر بحاجته إلى النظر لكي يتبين ما يحيط به في دقة ووضوح فيكون لنفسه على مر الدهر عضوا للإبصار وهكذا قل في سائر الأعضاء،
وليست الحياة إلا هذا التوفيق الذي لا تنقطع أسبابه، ولا تقتصر هذه المحاولة على أفراد الحيوان، بل تعدوها إلى الأنواع، إذ يسعى كل نوع باعتباره كل الملاءمة بينه وبين البيئة. ويرى سبنسر توافقا عجيبا بين تكاثر الحيوان وما يحيط به من الظروف الطبيعية، فهو يرى أن الأصل في التناسل هو تخلص الكائن الحي من زيادة في حجمه لا تتناسب مع جهازه الهضمي، أي أن كتلة الكائن الحي إذا اطردت في النمو، تصل إلى حد لا تستطيع معه المعدة أن تسد حاجتها في الغذاء، وعندئذ يضطر الحيوان إلى ان يقف نموه عند حد معين، وكل زيادة تجيء بعد ذلك يتخلص منها بان يخرجها نسلا. وتطبيق ذلك، أن الإنسان، ذكرا كان أم أنثى، يأخذ جسمه في النمو إلى حد محدود ثم يقف نموه إذا ما جاءت
стр. 2673
مرحلة التناسل، ولذا نرى أن عدد النسل يتناسب تناسبا عكسيا مع درجة النمو، فكلما كبر حجم الحيوان كان نسله أقل عددان فبينما تنسل الذبابة مثلا عشرات الذباب لا يلد الفيل إلا واحدا. كذلك يتناسب عدد النسل مع مقدرة الحيوان على مقابلة الاخطار. فان كان ضعيفا عاجزا عن صد ما يتهدده من الكوارث لجأ إلى كثرة النسل ليعوض فناء أفراده الناشئ من ضعف المقاومة وإلا تلاشى النوع. والعكس صحيح، أي إذا كان النوع قادرا على الاحتفاظ ببقائه، وجبت قلة النسل، والا رجحت كثرة العدد على كمية الطعام. ومعنى ذلك بعبارة أخرى أنه كلما ارتقى النوع في سلم الحياة، كان أقدر على الأحتفاظ بوجوده، وكان بالتالي قليل النسل. وهذه القاعدة صحيحة إلى حد كبير حتى في الأفراد، أي إذا ارتقى الفرد في عقليته وذكائه كان أقل نسلا. ومما هو جدير بالذكر أنه كلما ازدادت عند الفرد كمية الاستهلاك العقلي أي التفكير - قل عدد النسل أو انعدم. ولعل أبلغ آية لذلك عقم الفلاسفة. وقد يشير هذا الدليل إلى إن الإنسانية تسير في تطورها نحو مرحلة تزيد فيها القوة العقلية ويقل عدد النسل.
وعلى الرغم من ان الطبيعة ساهرة على هذا التوفيق بين نسبة التناسل وحاجة النوع. فقد يظهر إنها أخطأت الحساب ومالت نحو الإكثار من السكان، بغض النظر عن كمية الغذاء، وحق لملتوس أن يجهر بدعوته إلى ضبط النسل لما لاحظه من زيادة السكان على مواد الغذاء.
تطور المجتمع
ليست دراسة الاجتماع باليسيرة الممهدة، بل يعترض سبيلها من العقبات والصعاب ما لا يستطيع التغلب عليها إلا الأفذاذ الفحول، فقد حدث مرة ان ارتحل رجل فرنسي إلى إنجلترا يقضي بأرضها بعض الوقت ترويحا للنفس وحبا للاستطلاع فلم يكد ينقضي علت إقامته بها أسابيع ثلاثة حتى اعتزم ان يصدر كتابا عن انجلترا، اذ خيل اليه انه قد درس شعبها فأتقن الدراسة، فلما انقضت شهور ثلاثة، هم بوضع كتابه، ولكنه أدرك أنه لم يتقن الدراسة بعد بحيث يستطيع أن يخرج الكتاب الذي يريد، وآثر الروية والاناة، فلما انقضت سنوات ثلاث، اتسع شعوره بالعجز والقصور، وأيقن أنه لا يعلم من موضوعه شيئا. . . وهذا صحيح، فقد يخيل للإنسان للوهلة الأولى ان دراسة المجتمع سهلة ميسورة، ولكنه
стр. 2674
كلما ازداد علما بدقائقه، ازداد يقينا بجهله وعجزه.
فما بالك بالجهود التي بذلها سبنسر، وهو لا يريد أن يدرس شعبا بعينه فحسب، بل يقصد إلى دراسة المجتمع الإنساني باسره وكيف تطور كيانه م حالة إلى حالة؟ فهو يرى أن المجتمع كائن عضوي له أعضاء للتغذية وله دورة دموية، وفيه تعاون بين الاعضاء، وله فوق ذلك تناسل وإفراز، شأنه في كل ألوان الحياة شأن الأفراد سواء بسواء. . . فهو ينمو، وكلما ازداد نموه اشتد تعقداً، وكلما تعقد ازدادت أجزاؤه استقلالا. وحياة المجتمع باعتباره كلا طويلة جداً بالنسبة إلى حياة أجزائه التي يتألف منها. والمجتمع كالفرد يتعاوره التكوين والانحلال وهما وجها التطور: فنمو الوحدة السياسية من الاسرة إلى الدولة ثم إلى عصبة الامم، ونمو الوحدة الاقتصادية من الصناعة المنزلية الصغيرة إلى نظام الشركات ثم إلى الاحتكار، ونمو وحدة السكان من القرية إلى المدينة. . . كل هذه ظواهر للتجمع والتكوين، ولكنك من جهة أخرى ترى تقسيم العمل وتعدد المهن والصناعات، وتنوع الانتاج بين الريف والمدن، وبين أمة وأمة. . . وهي دلائل تشير إلى التنوع والتنافر. . وتستطيع كذلك أن تلمس التطور بشطريه - تآلف الأجزاء في وحدة، ثم تنافرها داخل تلك الوحدة - في كل جانب من جوانب المجتمع: في الدين والحكومة والعلم والفن وغيرها.
فقد كان الدين أول الأمر عبادة طائفة من الآلهة والأرواح، فأخذت هذه تتجمع وتأتلف حتى تركزت في إله واحد. . ثم عاد التوحيد فتفرع إلى جملة من الأديان وطائفة من العقائد، ولم يتحور الدين في شكله فقط، بل تبدل موقعه من النفوس كذلك. فقد كان الجمهور الذي تدور حوله رحى الحياة بأسرها، ذلك لأنه ألقى في روع الإنسان الأول ان هذه الحياة الدنيا غرور ولهو، ويجب أن يربأ بنفسه أن تنغمس في حمأتها أو تتلوث بأدرانها ولتكن الآخرة وحدها محطا لآماله ومعقداً لأمانيه فهي خير من الأولى وأبقى، ولكن ما لبثت وجهة النظر أن تطورت، وتوجه الإنسان بشطر من عنايته نحو هذه الحياة التي يعيش فيها. وأخذت تلك العناية تزداد شيئا فشيئا كلما اتسع نطاق العمل الصناعي.
أما نظام المجتمع فلعل أبلغ ما طرأ عليه من تغيير، هو الانتقال التدريجي من النظام الحربي الذي ساد أوربا إبان العصور الوسطى إلى النظام الاقتصادي الصناعي، ويتقد سبنسر أن تقسيم الحكومات إلى ملكية وأرستقراطية وديموقراطية وما إلى ذلك، ان هو الا
стр. 2675
عرض تافه لا يمس الجوهر والصميم، وأما الحد الفاصل الذي يميز دولة من دولة، فهو أساس بنائها الاجتماعي. هل يقوم علت النزعة الحربية أم يصطبغ بصبغة الصناعة، وبعبارة أخرى تنقسم نظم الاجتماع نوعين: جماعة تعيش من أجل النزال والقتال، كما كانت الحال في نظام الاقطاع، وجماعة لا تجد في الحياة هدفا تتجه صوبه وتحيا به ومن أجله سوى العمل، فتلك تحارب من أجل الحياة، وهذه تعمل من أجل الحياة.
وللدولة الحربية صفات تلازمها، منها ان السلطة تتركز في قبضة الحكومة وحدها، ويغلب أن تكون حكومة ملكية لا تدخر وسعا للتفريق بين الشعب الواحد إلى طبقات بعضها فوق بعض، فتكون الحرب والفروسية صناعة الأشراف، وللسوقة الصناعة وفلاحة الأرض. . . كذلك تعظم في الدولة الحربية سيطرة الرجل في الأسرة، ذلك لأن الرجال هم عماد الحروب، وأين منزلة الرجل في حومة الوغى من منزلة المرأة قابعة في عقر دارها؟! ويمقت سبنسر هذا الضرب من الاجتماع الذي تدور حياته حول قطب الحرب، لأن مصلحة الفرد تذوب وتتلاشى في صالح المجموع، ولأن الدولة لا تقوم الا على القتل والسرقة، ونحن إن كنا نصم الإنسان الأول بالوحشية لأنه كان يلتهم لحوم البشر، فما أجدرنا أن نزدري هذه الدول الني تأكل شعوبا بأسرها في وجبة واحدة! ويعتقد سبنسر ان رقي الإنسانية مرهون بإلغاء الحروب، وهو لا يرى سبيلا لتحقيق هذا المثل الأعلى سوى أن تقطع الأمم شوطا بعيدا في الصناعة لأنها تعمل على المساواة والسلام، وهي تقسم السلطة بين أعضاء المجتمع جميعا ولا تركزها في أيدي الحكومة وحدها، وفضلاً عن ذلك فهي تشحذ العقول وتدفعها إلى الابتكار، وهو المعول الهدام الذي يكفل لنا تحطيم التقاليد الوراثية التي تقوي من شوكة الحكومة. . . وستصبح الوطنية في ظل الصناعة حبا للوطن لا كراهية الأوطان الأخرى، ثم إذا اطرد نموها، فستؤدي حتما إلى ازالة الحواجز الجمركية التي تفصل الدول بعضها عن بعض، وعندئذ تورق دوحة السلام وتمتد فروعها حتى يتفيأ ظلها أبناء الإنسانية جميعا. . . وإذا ما خفقت راية السلام وأمحت الحروب، زالت دولة الرجل، ولا يعود له في أسرته سلطة الحجاج التي ينعم بها، ويرتفع قدر المرأة حتى تقف معه كتفا إلى كتف، لتشابه ما يؤديان من عمل، وعندئذ فقط يتحقق تحرير المرأة الذي تنشده.
стр. 2676
ولما كانت الصناعة تستقي ماء حياتها من العلوم، فلا ريب في أن تقدمها وانتشارها ينتجان تربية التفكير العلمي وصحة الاستنتاج للأسباب والمسببات، ولن يلجأ الإنسان بعدئذ إلى قوى الطبيعة الخارقة والأبالسة والشياطين يعلل بها أحداث الحياة. . . وفوق هذا كله سينقلب التاريخ رأسا على عقب، فستزدهر صحائفه بذكر الرجال العاملين بدلا من الملوك المحاربين، وسيفسح في مجاله للمخترعات والأفكار. . . سيزداد الشعب سلطانا وقوة، وتتقلص سطوة الحكومة وتنكمش، وسيبطل ذلك الوهم العتيق البالي الذي يفرض على الفرد أن يحيا من أجل دولته، وأن يضحي بنفسه في سبيلها، وسيعلم الناس حقا ان الدولة إنما وجدت وأنشئت لصالح الفرد، وان كان هذا هكذا فلا يجوز أن تضحي الحياة من أجل العمل، بل يجب أن يكون العمل أداة تستغلها الحياة في تحقيق السعادة والهناء.
تطور الأخلاق
على أي أساس نشيد مبادئ الأخلاق؟ وبأي مقياس نزن الخير والشر؟ أما سبنسر وأتباعه فلا يترددون لحظة في إخضاع الأخلاق، كأي شيء آخر، إلى قوانين التطور وانتخاب الطبيعة، وبعبارة أخرى يريدون أن نلقي بزمام الإنسان فقي يد الطبيعة نفسها تختار من أخلاقه ما تشاء. وقد ناهضهم طائفة كبيرة من العلماء والكتاب، يربأون بأخلاقنا التي تواضع المجتمع عليها أجيالا متعاقبة، أن توضع بين مطرقة الطبيعة وسندان التطور، يفعلان بها كيف شاء لهما الهوى وفي ذلك يقول هكسلي: إن علم الحياة لا يصلح دليلا خلقيا بأية حال من الاحوال، اذ كيف نترك مصيرنا في كف الطبيعة العمياء، وهي كما قال عنها تنسون الشاعر الإنجليزي (ملطخة بالدماء ناباً ومخلباً)!! نعم، كيف نذر الطبيعة تصب في قوالبها ما يطيب لها من أخلاق وهي كثيراً ما تمجد الوحشة والمكر والخداع وتمقت الرحمة والعدل والحب؟!
ولكن تحدث بهذا المنطق لغير سبنسر! لابد أن تخضع مبادئ الأخلاق للانتخاب الطبيعي وتنازع البقاء، وليبق من أخلاقنا ما يصمد لهذه التجربة القاسية، وليفن منها ما تذروه هذه الريح العاصفة. . . الأخلاق - كأي شيء آخر - تعود على الإنسان بالخير أو بالشر بمقدار ما تساوق أغراض الحياة (والخلق السامي هو ذلك الذي يسير مع الحياة ويشاطرها فيما ترمي إليه) فلنقبل من الأخلاق ما يلائم الحياة، ولنرفض منها ما يعترض سبيلها
стр. 2677
ومجراها، أو بعبارة أخرى يجب أن تكون الأخلاق بحيث تعاون الفرد على البقاء في مضطرب الأهواء المختلفة المتنازعة التي تصدر من أعضاء المجتمع. ولما كانت هذه الملاءمة بين الفرد والمجتمع تختلف باختلاف الزمان والمكان، كانت بالتالي فكرة الخير تختلف عند الشعوب أوسع اختلاف. ويرى سبنسر أن الطبيعة قد زودتنا بمقياس دقيق نميز به الطيب من الخبيث، وهو مقياس السرور والألم، فإذا صادف سلوكنا من أنفسنا ارتياحا ورضى، كان ذلك دليلا على ملاءمته للحياة الكاملة، لان ذلك الاطمئنان الباطني علامة على أن الطبيعة قد اختارت ذلك السلوك ليكون سبيلا إلى حفظ الحياة. فأنت تستطيع إذن أن تفرق بين الخير والشر، بما يبعثه العمل المعين من سرور أو الم لأنهما دليل ساقته الطبيعة نفسها للتفريق بين هذا وذاك.
نعلم مما تقدم أن الأخلاق يختلف لونها باختلاف البيئة الطبيعية أو الاجتماعية، لأن الأولى صدى الثانية وانعكاسها، ولما كان نظام المجتمع في العصور الوسطى أخذ يتطور في كثير من أسسه وقواعده، كان حتما أن ينشأ عن هذا التحوير انقلاب في فكرة الأخلاق. فقد كانت أكاليل المجد والفخار لا تعرف موضعا غير هامة الفرسان المقاتلين، فأما هؤلاء الذين يقضون نهارهم في الزراعة والصناعة فعبيد أرقاء حقب عليهم الذلة والهوان، ولكن وجهة النظر أخذت تتطور منذ حلت الصناعة ورسخت قدمها، لانها تعتمد كما قدمنا على القوة العقلية، فأضحى العمل أشرف ما يمارسه الإنسان. لأنه عماد المجتمع وسنده. . . ولما كان هذا العمل لا ينمو ولا يستقيم إلا تحت ظل العدالة، وهذه بدورها لا تورق أو تزدهر إلا في جو من الحرية؛ كانت هذه الحرية أول واجب في عنق الدولة، وقد عرف سبنسر العدالة بان: (كل إنسان حر في أن يفعل ما يشاء، على شريطة ألا يتعارض ذلك مع حرية إنسان آخر له ماله من حقوق). ولا يستقيم هذا النص مع نزعة الحرب، لانها تعبد سلطان القوة وتفرض الطاعة العمياء، ولكنه شرط أساسي لنجاح الصناعة لأنها تعتمد على السلام والحرية في الراي والابتكار.
تلك هي حقوق الإنسان الأساسية عند سبنسر. حق الحياة وحق الحرية، فأما شكل الحكومة فلا يقيم له وزنا، فلتكن ملكية مطلقة أو دستورية أو ما شئت من نظم، فما لنا ولها ما دمنا نتمتع بالحرية والحياة؟ وفي هذا يسخر سبنسر من النساء اللائي يلححن في طلب الحقوق
стр. 2678
السياسية، لأنها في رأيه وهم باطل لا يسمن ولا يغني من جوع، فضلاً عن أنه يتوجس من المرأة خيفة ان هي وثبت إلى مقاعد النيابة والحكم، اذ يخشى ان تدفعها غريزة الإيثار إلى تقوية الضعيف الذي يجب أن يرك للطبيعة تسحقه، فلا تذر من الاحياء غير الاقوياء، نعم يجب أن تتحكم الأنانية وان تظل أساسا لأعمالنا بحيث لا تلين لعاطفة الإيثار، فهي أسبق منه إلى الوجود، وهي أصلح للحياة والبقاء. . . . وهل الإيثار إلا أثرة في لبه وصميمه! أليست الأبوة حباً صريحاً للنفس؟ والوطنية ما هي؟ ألا تراها أثرة مجسمة؟ فأنت لا تنتصر لهذه البقعة من الأرض إلا لأنك تعيش بين أرجائها!
وخلاصة الرأي عند سبنسر أن المثل الأعلى للأخلاق هو مزيج متزن بين الاثرة والإيثار_الإيثار الذي يشبع الأنانية ويغذوها.
زكي نجيب محمود
стр. 2679
في تاريخ الأدب العربي المصري
ابن قلاقس ٥٣٢ - ٥٦٧هـ (١١٣٨_١١٧٢م)
- ١ -
في ثغر الإسكندرية، مهبط الوداع واللقاء. حيث تجلب السفن قوما وتذهب بآخرين، وتحمل أناسا إلى أوطانهم، بينما تذهب بغيرهم إلى بلاد غير بلادهم وآل غير آلهم، وحيث البحر الأبيض يحمل عبابه السفن، مهتدية بمنار الثغر، فتحط اليه أو ترحل عنه، وفي رابع ربيع الآخر عام اثنين وثلاثين وخمسمائة ولد لعبد الله بن مخلوف بن علي ولد سماه نصبر الله، وكناه أبا الفتوح، ولقبه الناس بعد ذلك بالقاضي الاعز، وشهر في كتب الادب بابن قلاقس، وأرجح ما نراه سببا لكنيته الأخيرة أن أحد الأجداد في عمود نسبه يسمى بقلاقس، فحمل حفيده الشاعر النسبة إليه، (وقلاقس بقافين. الأولى مفتوحة والثانية مكسورة جمع قلقاس، وهو معروف) ولسنا ندري السبب الذي من أجله سمي جده بهذا الاسم.
ولد هذا الطفل الذي كان على ما يظهر نحيفا ضئيل الجسم، وظلت صفة النحافة ملازمة له، لم تبرحه طوال حياته حتى قال حينما كبر يحدثنا أن ضآلة الجسم لا تحول بينه وبين العلا:
جوهر المرء نفسه وبها الفض … ل، وما غير ذاك فهو فضول
والصغير الحقير يسمو به الس … ير فيعنو له الكبير الجليل
فرزن البيدق التنقل حتى ان … حط عنه في قيمة الدست فيل
ويروي بعض الرواة أنه لم تكن له لحية، ولكن شعره يحدثنا أنه كان خفيف العارضين يقول:
لا تغرنك اللحى من أناس … درجوا كالحمير تحت المخالي
ولئن خف عارضاي فاني … لا أبالي بكل وافي السبال
يلبس على رأسه عمامة كالتاج، وذلك كل ما تستطيع ان تصل اليه إذا أردت أن تعرف شيئا عن خلقه وزيه، فإذا أردت أن تدرس أسرته وأن تعرف شيئا عن أبيه وأمه فانك غير مهتد إلى ما يشفي غليلك، اللهم الا أنه يرجع في نسبه الاول إلى قبيلة عربية هي قبيلة لخم ان صح ما يقوله النسابون عن نسبه.
стр. 2680
- ٢ -
الحياة العملية لابن قلاقس يشوبها العموض، فلسنا ندري على وجه اليقين كيف تعلم، ولا ماذا تعلم، ولا على يد من تخرج، وان كنا نعلم انه درس في الازهر، وربما يكون قد طالت مدة دراسته حتى صح أن ينسب ويقال له الأزهري، كما إننا نعلم أنه صحب الشيخ الحافظ أبا طاهر أحمد بن محمد السلفي وهو أحد الحفاظ الذين رحلوا في طلب الحديث، ولقي المشايخ الأعلام ودرس الفقه على مذهب الشافعي، ثم ألقى عصا التسيار بالإسكندرية، حيث قصده أهل العلم من البلاد النائية، ويقال أنه لم يكن في اخر زمانه مثله، ولقد بنى الوزير المصري وزير الظاهر العبيدي له مدرسة بالإسكندرية وكل أمرها إليه، فقام بأعبائها.
أتصل ابن قلاقس بهذا العالم وانتفع بصحبته كثيرا، وان شعره الذي مدحه به يدلنا على ما كان بينهما من أواصر المودة وقوة العلاقة، كان السلفي رجل حديث فلا بد أن يكون ابن قلاقس قد درس عليه الحديث، وكان رجل فقه ولغة وأدب فلا بد أن يكون صاحبنا قد تأثر بفقهه وأدبه، وإذا كان الشاعر يهضم دراساته كلها ثم تأبى إلا أن يظهر أثرها في شعره فكذلك كان صاحبنا؛ فانك ترى في شعره بعض اصطلاحات علمية تدلنا على دراسته وما تلقاه، وأتنصت إليه يقول:
البدر في العرض الضياء وأنت قد … جمعت بجوهر ذاتك الاضواء
ألا يذكرك ذلك باصطلاح المتكلمين حينما يتحدثون عن العرض والجوهر والذات، ويقول:
وأنت ورثت الأكرمين علاهم … وعالت على قوم سواك الموارث
ويقول:
ملك شاعر الحماسة يأبى … أن يمل التسهيم والتقسيما
فهو يشير إلى الميراث والعول والتسهيم والتقسيم التي هي من الاصطلاحات الفرضيين واستعمالاتهم، ويقول:
وجدي بنحوك لا عطفا ولا بدلا … فانظر إليه تجده الكل توكيدا
ويقول:
خفضت بها الأشعار حتى كأنها … وإن رفعتني الآن من أحرف الجر
стр. 2681
ويقول:
وأحسن بالرفع رفع الحدي … ث وإظهاره للجوى المضمر
فهو في كل هذه الأبيات يشير إلى قواعد النحو من عطف وبدل وتوكيد وخفض ورفع وحروف جر وإظهار وإضمار، وهي كلها اصطلاحات نحوية تلوكها ألسنة النحاة، كما كان في البيت الاخير يحدثنا عن رفع الحديث الذي هو من مصطلحات المحدثين كما قال:
لوارث الحمد يرويه ويسنده … إلى مناسب أجداد وآباء
إذ هو يشير إلى الرواية والإسناد اللذين يجريان على ألسنة المحدثين. ويقول:
حيث الدماء عقار يستحث على … ما شئت من رمل للخيل أو هزج
ففي رمل وهزج تورية ببحري الرمل والهزج اللذين يعرفهما علم العروض ويقول:
وأراك تريف الجمال بوجهه … فانظر إلى ألف العذراء ولامه
تلك هي العلوم التي نستطيع استنباط أنه درسها من شعره، واذا شئت أن تجملها قلت إنه درس الدين وعلومه واللغة العربية وعلومها كما أنه قد أخذ بحظ كبير من دراسة أدب الشعراء الغابرين وحفظ الكثير من أقوالهم، يدلنا على ذلك معارضته لهم في أشعارهم وقصائدهم واقتباسه الكثير من أفكارهم وتعبيراتهم، وإن شعر شاعرنا ليدلنا حقيقة على اطلاع واسع وثقافة متغذية بأشعار السابقين له: جاهليين وإسلاميين، وسوف نتحدث بعد عن اقتباسه ومعارضته حينما نحدثك عن شعره. قلنا انه صحب الحافظ السلفي، ونقول، ان التاريخ لم يحفظ من أسماء أساتذته إلا هذا الاسم، وقليا ان العلاقة التي كانت بينهما متينة العرى وثيقة الصلة تلمسها في شعره، وتقرؤها في المدح الذي يفيض قداسة وحبا، كما تلمس فيه بلك الدرجة العظيمة التي وصل اليها السلفي، وتلك المنزلة السامية التي كان يضعه فيها أهل عصره، وحسبك أن تسمع قوله فيه:
نجم علا نوره فكاد بأن … تقبض بالضوء عين من جحده
سائل به من رمته هيبته … فمات من خوفه، وما عمده
ألم تزره كواكب ضمنت … رجم شياطين كيده المرده
وأصبح العاضد الإمام به … في دولة بالسعود معتضده
وابتسم الثغر عن مفضله … بما ارتضى الله جده ودده
стр. 2682
خر له الناس ساجدين فلو … شئت عددت النجوم في السجده
وشعره فيه كثير جدا يوجد في ديوانه، وكان السلفي كثيرا ما يثني عليه، ويقدره حق قدره.
- ٣ -
عاش ابن قلاقس طوال حياته في عهد الدولة الفاطمية، تلك الدولة التي جعلت مصر سيدة لإمبراطورية ضخمة تمتد من المحيط الأطلسي إلى نهر الفرات، غير أن شاعرنا كان في آخر عهودها، وبعبارة أخرى كان في عهد ضعفها وانحلال قواها، إذ لم يكن الأمر والسلطان فيها للخليفة: يصرف الأمور ويدبر الشئون؛ ولكنهما كانا في أيدي الوزراء يفعلون ما يفعلون، ويدعون ما يدعون، ويولون الخلافة من يشاءون، فقام التنافس على الوزارة. كل يرجوها لنفسه ويصرف في سبيل نيلها ما شئت من مال وجند، مما كان مدعاة لأن توجه مصر قواها إلى نصر بعض بنيها على بعض لا إلى عدو آخر مغير، ولهذا كان تاريخ الدولة الفاطمية في آخر عهدها تاريخا للنزاع الذي كان قائما حينذاك بين الوزراء، ولعل ضعف سلطة الخليفة في أكثر المدة التي عاشها ابن قلاقس هي التي لم تدعه إلى السعي للاتصال به، بل هو لم يتصل بأحد من رجال السياسة المصرية المبرزين إلا بشاور الذي تغلب على خصمه رزيك وانتزع منه الوزارة، ولا زال الغالب يجد النصير ويجد المادح؛ لهذا تسمع ابن قلاقس يقول له:
يا آل شاور أنتمو دون الورى … للملك كالأرواح في أشباحه
والى معاليكم إشارة خرسه … والى أياديكم ثناء فصاحه
ويقول حينما انتصر على بني رزيك:
بك الاسلام قد لبس الشبابا … وكان سناه قد ولى فآبا
وهز الملك عطفيه بملك … تقلد فهمه، وكفى، ونابا
وقد لبست به الدنيا حلاها … جلاها حسنها خودا كعابا
وقالوا: أطول الاملاك باعا … فقلت: نعم، وأنداهم جنابا
سلوا عنه بني رزيك لما … أفاد الحرب منهم والحرابا
فان جعلوا الظلام لهم مطيا … فكم جعل النجوم لهم ركابا
ليهن الملك أن أمسى مصوناً … عشية راح غيرهم مصابا
стр. 2683
وكذلك له شعر يحدثنا عما قام بين شاور وشيركوه الذي قدم لمساعدته ثم أبى شاور أن يفي له بما عاهده فاضطر شيركوه إلى الانسحاب من مصر مؤقتا؛ ويقول في ذلك ابن قلاقس:
عارض الصفح في يديك الصفاحا … ورأى البأس أن تطيع السماحا
فرفعت الجناح عن جارم الذن … ب بعفو خفضت منه الجناحا
ووضعت السلاح حين أراك ال … حزم والرأي ان وضعت السلاحا
أي ثغر سما اليه أبو الفت … ح فلم يبتدر اليه افتتاحا
بخيول طارت بأجنحة النص … ر فراحت بها تباري الرياحا
شاركت شيركوه في النفس والما … ل وصاحت به فصاحا فصاحا
طلب الأمن، فاستجيب، وما يع … رف منك الطلاب إلا النجاحا
بعد ما ضيق الحمام عليه … سبلاً غودرت لديه فساحا
فليطل تعدها الفخار، فقد را … ح طليقا لبيضكم حيث راحا
وبغير شاور لم يتصل شاعرنا بسياسي مبرز في السياسة المصرية اللهم إذا استثنينا القاضي الفاضل الذي توصل بجده ومهارته إلى أن يثب على كرسي ديوان الإنشاء عوضا عن الموفق بن الجلال الذي كان أستاذا له، وكان يشغل هذا المنصب قبله، وإذا أنت قرأت شعر ابن قلاقس في مدح القاضي لحظت فيه تأنفا واجتهادا في استعمال المحسنات اللفظية، ولا غرو فالقاضي الفاضل زعيم طريقة عرفت به وعرف بها: هي طريقة الجمال والتزيين اللفظي، فكان من حسن الذوق أن يجتهد مادحه في السير على نهجه واتباع مذهبه لان في ذلك إذاعة لطريقة يريد أن يذيعها، ويقولون: إن أول قصيدة قالها فيه هي التي أولها:
ما ضر ذاك الريم ألا يريم … لو كان يرثى لسليم سليم
ومنها:
من لفظه راح، وأخلاقه … روح، وتلك الدار دار النعيم
فارشف بأسماعك من قهوة … ما أحدثت من ندم للنديم
بلاغة جرت جريرا، ولم … تدع حطاما بيد ابن الحطيم
رأى به الديوان ديوانه … مطرزا باسم شريف وسيم
стр. 2684
وقال يا عبد الحميد ادرع … من بعد هذا اليوم ثوب الذميم
علامة السؤدد معروفة … جسم نحيف وعلاء جسيم
وله فيه مدح كثير، وثناء على أخلاقه، وطريقة انشائه، وصاحبنا مع فخره بشعره يقف أمام القاضي الفاضل فيقول له:
أتينا بقرى الأشعا … ر نهديها إلى المدن
إلى من بحره الزا … خر لا يعبر بالسفن
إلي من لفظه يط … رب كاللحن بلا لحن
وهذان العظيمان شاور والقاضي الفاضل أكبر من اتصل بهما شاعرنا في الديار المصرية.
يتبع
أحمد محمد بدوي
стр. 2685
من طرائف الشعر
الى زوجي الفاضل
قصيدة طريفة من الأدب النسوي الجميل
للسيدة منيرة توفيق حرم الصاغ محمد ماهر رشدي مأمور بندر
الزقازيق
طالَ السهادُ وأرّقت … عيني الكوارثُ والنوازل
لما جفاني من أح … بُّ وراحَ تشغلهُ الشواغل
وطوى صحيفة حبنا … وأصاخ سمعاً للعواذل
يا أيها الزوج الكري … م وأيها الحب المواصل
ما لي أراك معاندي … ومعذبي من غير طائل
لم ترع لي صِلةَ الهوى … وهجرتني والهجرُ قاتل
هل رمُتَ ان تغدو طلي … قاً لا يحولُ هواكَ حائل
أو رمتَ غيري زوجةً … يا للأسى مما تحاول
ان تبغ مالاً فالذي … تدريه انَّ المال زائل
أو تبغ أصلا فالتي … قاطعتها بنتُ الأماثل
أو تبغ حُسناً فالمحا … سنِ جمةَّ عندي مواثِل
أو تبغِ آداباً فأش … عاري على أدبي دلائل
أنا ما حَفِظتُ سوى الوفا … ءِ ولا ادَّخرت سُوى الفضائل
وأنا وَلي شرفُ العفا … فِ أُعَدُ مفخرة المنازلْ
فَجَزَيتني شرَّ الجزا … ءِ وكنتَ فيه غيرَ عادِل
أنسيتَ عهداً قد مضى … حُلوِ التَّواصُل والتراسل
أيام تبذل من وسا … ئل أو تنِّمقُ من رسائل
وتبثُ معسولَ المُنَى … وتمدُ أسباب التحايُل
ولبِثتَ تُغريني بما … تبديه من غرِّ الشمائل
стр. 2686
فحسبتُ أن الدهر أن … صفني وأن السعد ماثل
ظناً بأنك لم تكن … لا بالعَقوق ولا المُخاتل
ماذا جرى فهجرتَني … والحُب شيمته التساهل
عاشَرت أهل السو … ء فاقتنصوك في شر الحبائل
ومَضيتَ تطلب بينهم … عيش المقيدَّ بالسلاسل
ورضيت هجر حليلةٍ … لمَّا تزل خير الحلائل
والله ما فكرت يو … ما في جفاكَ ولم أحاول
فجفوتَ يا قاسي الطبا … ع ولم تُدار ولم تجامل
فاعلم بانك قاتلي … والموت فيما أنت فاعل
أين المسائل والموا … صل في العشي وفي الاصَائل
أين المودةُ في الهوى … بيني وبينك بالتبادُل
أين الحديثُ العذبُ من … ك وأين ولَّى سحرُ بابِل
أني أسائلُ أين عه … دك في الهوى إني أسائل
أعلمت ما فَعل النوى … بي من ضنى أم أنت ذاهل
فاربأ بنفسِكَ وانهها … وارجع إلي زين العقائِل
منيرة توفيق
الذكرى
للشاعر الدمشقي أنور العطار
تهبطُ الذكرى على قلبي فيحيا … ثم تنأى عن حِماهُ فيموت
غَلبَ اليأسُ على مأمله … وطوى ضجته الكبرى السكوت
فهو كالبلبل غنَّى بُكرةً … ولدى الامساء وافاه الخفوت
رُبَّ ذكرى غلغلت في ساحه … هي عندي أبد الآباد قوت
نعشَت رُوحي منها نفحةُ … مثلما ينعشك المسكُ الفَتيت
يا سرباً لم أزل أنشُدُه … طول عمري وهو عن عيني يفوت
стр. 2687
بينما الأمر جميع فإذا … عشيَ المنضورُ منهوبٌ شتيت
وحياتي نهرٌ معتكرٌ … غيبته فلوات ومرُوُتُ
أعشبَ الشوكُ على أعطافه … ولقد يزهو بها آسٌ وتوت
الدنا بعدكِ قفرٌ وحشةٌ … ما بها مأوى لقلبي ومَبيِتُ
خلتِ الأكوانُ من بهجتها … وامحت منها صفاتٌ ونُعُوت
لا تظني شجوها يكرُبني … إني في الألم العاتي ربيت
كلُ ما لاحَ لعيني رائعاً … هو عندي بعد ما غبت مقيتُ
زهِدَ القلبُ الأماني كلها … وثوى يصدفُه عنها القُنوتُ
غير ذكرى صورةٍ اعبُدها … أنا منها في عذابِ ما حَييت
الرّزايا رصَّنتني خِبرةً … والرزايا قد تربى وتقيتُ
كلما حرَّقني جرحُ الهوى … صاح قلبي: إن جرح الحبِ صيت
يالهٍّم مُستفيض إن يغِب … ملكوتٌ منه يطلعُ ملكوت
لكِ في قلبي طيفٌ ماثلٌ … هو في عيني تمثال نحيت
غلَّف الأجفان ما يبرحُها … مُشرِق الساحة بحلوه الثُبوتُ
الم أكن أرضى بأفراح الورى … وأنا اليوم بأوجاعي رضيت
تُنشد الروحُ إذا طفت بها … وإذا غِبت تولاَّها الصُموت
أنا كالشارد من فرطِ الأسى … مضنَّى هم على العيشُ مُميِت
نَسَج الدهر لحظِّى دارة … رُبما أربت عليها العنكبوت
الأماني الحائرة
لله كم من أمان بت أرقبها … فيها يحاربني دهري وأيامي
تراكمت فهي أكوام مكدسة … ليست تعد بأقلام وأرقام
أحدث النفس عنها كل آونة … وما أحدثها في غير أوهام
لهفي عليها وقد راحت تقاذفها … يد المقادير من عام إلى عام
ما أن نظرت اليها وهي حائرة … إلا أنثنيت بقلب صارخ دام
الا تحقق لي الايام أمنية … حتى أودع أشجاني وآلامي
стр. 2688
لكم أجِّمعُها حولي وأندبها … بكل أنشودة حرَّى، وأنغام
مأرب كبياض الفجر باسمة … حفت بعاثر جد غير بسام
يا حسنها من أمان لو يحققها … دهري، وما رجفت أضغاث أحلام
دار العلوم العليا
محمد برهام
الساعة
وآلة تقطع الأيام سائرة … لا تبصر العين من تسيارها أثرا
أرى عقاربها اللاتي، تدور بها … عقاربا كل حين تلدغ العمرا
كأنها تبصر الأوقات راسمة … لها وما ملكت كفا ولا بصرا
تهاجم العمر دوما وهي ساكنة … والعمر يركض منها خائفا حذرا
نعدها من جماد وهي مدركة … من وقتنا ما اختفى عنا وما ظهرا
تطوى السنين وتجري وهي ثابتة … وتمنح الناس - لكن لم تفه - عبرا
فأن يكن أي سير في المكان يرى … ففي الزمان مسير جاوز النظرا
ان صاغها من جمادات حجى بشر … فقد ترقت فأضحت ترشد البشرا
كأن دقاتها في كل آونة … دقات قلب خفوق بالنوى صحرا
كأن في جوفها قلاب الزمان غدا … يدق مستعجلا من نفسه ضجرا
يقطع الخفق منه كل آونة … جزءا فتحسبه بالخفق منتحرا
بالخفق نحيى وذاك الخفق ينقصنا … جزءاً من العمر من أرواحنا أنبترا
كأن دقاتها في السير حشرجة … للدهر يلفظها جزء قد أحتضرا
كأنما هي أنفاس يرددها … دهر تأوّه أو ذو علة زفرا
كأن توقيعها المرنان وقع خطى … للدهر في موكب نحو الفنا عبرا
يبغى الفرار من الساعات عقربها=خوفا على العمر ممن تتلف العمرا
لكن يعود اليها مكرها جزعا … كساكن قفصاأو موثق أسرا
ليت القلوب من الساعات قد وقفت … أو ليت عقربها الجرار قد كسرا
стр. 2689
حتى تمر بنا الأوقات سانحة … ما أن نحس لها طولا ولا قصرا
وكي تمر بنا الأوقات عابرة … جسر الحياة وهذا البرزخ الخطرا
ما العمر إلا منام طال أم قصرا … فلا تقطع مناما في الرقاد سرى
من يصح من نومه لم يلقى غير أسى … وفاز بالسعد من في حلمه سكرا
دمشق
أحمد صافي النجفي
قصر الأحلام
في عالم الأحلام قد … شاهدت أعجب الرؤى
رأيتُ قصراً شاهقاً … بين الكواكب استوى
أبراجه من ذهبٍ … مؤتلقٍٍ مثل الضحى
أشجاره تحكي الزمر … دً الكريم في النقا
ينبوعه يرسل ما … ءً كاللجين في الصفا
بلغته في مركب … يجره بعض القطا
ثم دخلتُ ساحةً … كهالةٍ من السنى
تضم حوراً قد رفا … ن في الحرير والحُلى
وقيل لي ذلك قص … ر الخلد لو شئت البقا
أصحابه قد وهبوا … صعدا على طول المدى
لكن حبيبي لم أجده … بين هاتيك الدُمى
فعدتُ أدراجي الى … دنيا الزوال والفنا
أبحث عن خليّ بها … هناك في عشّ الهوى
حسين شوقي
يا أم. . .
قد مزّقتْ صدرَها النبالُ … وهَّدها السُّقم والهُزالُ
стр. 2690
لبيكِ يا مصرُ، لا تراعى … فِدًى لك المالُ والرجالُ
يا أم لا تجزعي، فأنَّا … نَقضي، ليبقى لك الجلالُ
من نيلك الكوثر أحتسينا … سُلافة سكرها حلالُ
تطوف بالفكر في فجاج … يقصرعن نقشها الخيالُ
وتدفُع الروح في صعيد … من عالم الوَهم لا ينالُ
أروع ما قد لمست فيه … حرية صاغها الجمالُ
لبيكِ يا أُم هاكِ قلبي … آليتُ لن يَهَدأ النضالُ
هيا إلى الموتِ يا فؤادي … أو يُصرع الظلمُ والظلالُ
ما أكثر الأُمنيات عِندي … تجري وما ضمها مجالُ. . .
يضيقُ دهري عن رجائي … ايسرُ ما أنشُدُ المُحَالُ. .!!
مختار الوكيل
стр. 2691
بين الشك والأيمان
(شيللر)
للأستاذ خليل هنداوي
تتمة ما نشر في العدد الماضي
- ٣ -
في عام ١٧٩٠ كتب شيللر إلى صديقه (كاربز) الأمين (ما أحوجني إلى رفيق يقيم معي، ويقدر على إسعادي، وتبديد وحشتي ونفي همومي وتجديد أيامي) وكأن الأقدار رغبت في تحقيق رجائه فوهبته امرأة ما كان أدناها من هذا الصاحب الذي تمناه، وفيها يقول (غوته) إن الجمال النقي يرتسم على ملامحها، وأشعة الظهر تلمع في عينها. هي كثيرة الإحساس بكل ما هو خير وجميل في الحياة، وتغلب على مشاعرها الرقة والإيناس. وكان تأثير هذه الصاحبة الأمينة في حياة شيللر شديدا، فقد نفحت روحه بالأمل الذي هو سر الحياة، وكتب إليها قبل زواجه منها (أصبحت أرى نفسي متفتحة لكل ما هو خير وجميل. قد وجدت نفسي. . .) وبعد زواجه كتب (الآن غلب على مزاجي الاعتدال. وأيامي تنقضي خالية من ثورة الأهواء، صافية هادئة. وقد عدت إلى أعمالي بنفس ملؤها الطمأنينة كعادتي السابقة) وهذا الذي عرفناه ثائراً، شاكاً، ناقماً على نفسه وعلى الناس تميل روحه للاستسلام وتغلب عليه السكينة، فإذا ما عراه داء شكر ربه لأن يداً فوقه تبدي له من العطف أضعاف ما يحس من الألم. وقد منحته السماء طفلاً فقال (أحس بأنني أرى مشعل حياتي الذي بدأ ينطفئ، يشتعل في غيري. إنني راض عن القدر) ويتجه قلبه إلى أمه الكهلة التي يضطرم قلبها عليه حباً وحناناً فكتب إليها (كل ما يجعل حياتك سعيدة يجب أن يكون لك يا أماه! وأن الواجب يقضي علي أن أنقذ روحك من كل ملل. بعد تلك الأتعاب التي أرهقتك يجب أن يكون مساء حياتك صافياً هادئاً. . . .)
استشاره رجل يريد أن يقبل على ذلك العلم الخطير (الفلسفة) فراح يصرفه عنه بقصيدة تصف مخاطر هذا العلم وطريقه الملتوية.
هل أنت متأهب مع سلطان برهانك الكئيب؟
هل أنت ناضج الفكر لتظهر في الهيكل الذي يحرس. . . كنزه الخطير.
стр. 2692
وهل أنت شاعر بما سترى؟ وبأي ثمن سوف تشتريه؟
وهل أنت موقن بأنك تبذل شيئا لا تملكه لقاء شيء أكيد؟
وهل تحس أن قواك كافية لمعركة هي أشد المعارك هولا! تلك المعركة التي تثور بين القلب والروح والعاطفة والفكر؟
وهل تملك جرأة وشجاعة تسعفانك في قتال (ثعبان) الشك الخالد، الكامن في داخلك؟
ألا فر، وأمعن في الأرض فراراً، إذا لم تكن واثقا كل الثقة بالدليل الذي تحمله في صدرك. فر من هذه الشواطئ المغرية قبل أن تلتهمك الهاوية. . . كثيرون هم أرادوا أن يمشوا نحو النور فوقعوا في ظلمات فوقها ظلمات.
ألا أن الطفولة تؤول حقا بصاحبها إلى نور الشفق!)
أن هذه المقطوعة تبين أن الشاعر قد نقم على الفلسفة وسئم معنوياتها. واستغنى عن هدايتها. وكان موفقا كل التوفيق في ممثليه مخاطرها.
ولكن هل كانت الفلسفة كلها شكا يعذب ويؤلم؟ هل تكون الحياة - وجميع أبوابها مغلقة - إلا هذا الشك المؤلم؟
والشاعر يبدي رأيه أكثر وضوحا في هذا النوع من الفلسفة في مقطوعته (صورة ساييس المحجوبة)
وهذه هي المقطوعة:
هجر الدار، ولم يعبأ بما … ستذوق النفس من برح الألم
جاعلاً وجهته مصر، لكي … يفهم الأسرار ممن قد فهم
هذه (ساييس) قد أرخت على … وجهها ألف حجاب تلتثم
كل من يطلب يوماً ان يرى وجهها … يبلى بأنواع السقم
لم يزد صاحبنا الا جوى … زاد في القلب لهيبا وضرم
غافل الكهان عنها ليلة … وتوارى تحت أسدال الظلم
رفع الأستار عنها ورأى. . . … (هل رأى حين رأى غير عدم)؟
لم يقل عما رآه وثوى … بخشوع تحت أقدام الضم
فبراه السقم حتى شفه … وتردى جسمه حتى انهدم
стр. 2693
قال: ويل للذي يطلبها … بطريق منكر: ثم وجم!
وفي هذه القصيدة غموض يحاكي غموض الحقيقة. والفقرة الأخيرة منها تدل على ما ساور الشاعر من الندم الممض والألم العنيف. ولكن لماذا الندم؟ هل على معرفة الحقيقة؟ ولكن هل هي الحقيقة الكامنة وراء الحجاب عرفها؟! كنا نود أن نعرفها كما عرفها، ونتذوق بعد ذلك ما تذوق الرجل في سبيل معرفتها - ولكنني أخشى من إن الرجل لم ير - وراء التمثال_إلا ما يحمل عادة التمثال! والوثنيون إنما يعبدون من التمثال ما نسجت قلوبهم وراء ملامحه من أقداس وطهارة. ولو أنهم تمثلوا ما يعبدونه بعقولهم لما رأوا إلا حجارة مسندة لا تضر ولا تنفع. وهؤلاء وغيرهم ممن ينشأون في كل عصر إنما يعبدون ما تصوره لهم قلوبهم وترسمه نفوسهم، وهل تساوي اثنان من شريعة واحدة في عبادة واحدة؟ ذلك يتمثل في صلاته شيئاً لا يتمثله الآخر، مع أن الصلاة واحدة والوجهة واحدة. وسر هذا الخلاف يعود إلى ما يتمثله هذا القلب المباين لذلك القلب في كثير من ضروب التفكير والشعور. وما أكثر أولئك الذين إذا منعتهم عن عبادة تمثالهم المقدس! وأريتهم حقيقة عارية، تقتل أمانيهم وتهدم حياتهم، فيودون لو بقوا في جهالتهم سادرين ناعمين!!
هذه الحقيقة التي تكاد تمثلها هذه النقطة هي حقيقة العدم! ولكن هل أراد الشاعر أن يصل إلى هذه الحقيقة؟ انه وصل إليها طوعاً أو كرهاً، ولكنه ندم لانه أضاع قيمة حياته! وهو إنما يريد أن يعرف شيئا من الحياة هو أقدس وأسمى من حقيقة الفناء!
ما كان أدنى شيللر بهدوئه وكآبته الصامتة في أيامه الأخيرة من هذا الرجل الذي أخذ يتلاشى بعد معرفته الحقيقة، فقد أخذت حوادث الدهر وصور الموت تجوز إلى نفسه، وهذه مقطوعة (الناقوس)
(في فناء الكنيسة تتهادى رنات الناقوس! تلك الرنات العالية التي ترافق أغاني القبر. تنبئ عن عبور المسافر الذي مضى إلى ملجئه الأخير. وا أسفاه!! هذا المسافر هو زوجة عزيزة! أو أم اختطفها الموت من حضن زوجها، ومن بين أولادها الذين منحتهم السعادة والغبطة، وأرضعتهم بمحبة ورفق. هذه الروابط الجميلة تقطعت إلى الأبد
لأنها نزلت إلى مثوى مظلم عميق. . . هذه الأم!)
كانت هذه القصيدة بعد ثلاثة أعوام لسان حال شيللر في الحوادث التي تتالت عليه، فقد
стр. 2694
غادرت أمه الوجود، هذه الأم التي كانت كلما ازدادت عمرا، ازدادت عطفاً على ولدها. كتبت له في كتابها الأخير (لا يوجد ولد - كمثلك - في الوجود) وأخذت صورة ولدها قبل أن يغتالها الموت وضمتها إلى صدرها ضماً شديداً، وأشبعتها لثماً وتقبيلاً، وماتت يشرف على قبرها صليب حجري نقش عليه هذه الكلمة (أم شيللر)
أما الشاعر فقد تسرب إليه اليأس، وزادت عليه الأسقام حتى خرب صدره وخارت قواه وفسدت رئته. وهو_برغم ذلك_يريد أن يغلب على هذه المحن ناظراً إلى غده الزاهي. ولكن المرض المبرح ضن عليه بكل شيء حتى بنعمة الأمل. ففي شتاء عام ١٨٠٥ استسلم للألم صامتاً راضياً هادئاً. ولكن ثورة الشك في اللحظات الأخيرة طغت على نفسه وروحه، أقلقها تساؤلها عن العالم الثاني، سمعه بعض عواده في أغرأقة من إغراقات الحمى يهتف (أهنالك جحيمك؟ أهنالك سماؤك؟ ولكن السكون المغمور بالملل والتعب غلب عليه فاستسلم، وما الموت إلا استسلام، وفي الأمسية الأخيرة سألته أخته القائمة على سريره (والآن كيف أراك؟ فأجابها بصوت خافت: (أراني دائما أكثر هدوءاً) فكانت هذه الجملة هي آخر ما لفظت شفتاه، ثم سكنت ملامحه، وارتعش رأسه ارتعاشة واحدة، ثم سكن منه كل شيء وهو في الخامسة والأربعين.
ما كان أقدس هذه الكلمة؟ وما كان أكبرها باعثا للهدوء في النفوس المضطربة. ولكننا لا نعلم: أهو هدوء الإيمان، أم هدوء الملل والقنوط.
هذه الكلمة وحدها تمثل كل حياة الشاعر وهي:
(أراني دائماً أكثر هدوءاً)
دير الزور
خليل هنداوي
стр. 2695
العلوم
نباتات التربة المجهرية
للأستاذ يونس سالم ثابت مدرس النبات بكلية العلوم
لا شك في أن التربة هي مصدر الحياة، واليها المرجع، وهي ليست
آهلة فقط بمختلف النبات الذي نراه في غدونا ورواحنا، ولكنها تعج
بكثير من دقيق النبات الذي لا يرى إلا بالمجهر.
وتنتمي النباتات المجهرية في التربة إلى الطحالب والبكتيريا والفطر، فالطحالب تحتوي أجسامها على مادة الخضير (الكلوروفيل) وهي المادة التي تكسب النبات اللون الأخضر والتي تساعده على أخذ المجهود اللازم لنموه من غاز الكربون الجوي عند تعرضها لضوء الشمس.
وطحالب التربة صغيرة الحجم مختلفة الشكل بسيطة التركيب تنتشر على سطح الأرض وتكسيها أحيانا لوناً أخضر أو بنياً داكناً وقد تعيش داخل التربة بعيدة عن ضوء الشمس، وفي هذه الحالة تستمد غذاءها الكربوني من مصادر غير الهواء الجوي.
والطحالب تساعد كثيراً على تهوية الأرض فعندما تقوم بعملية التمثيل الكربوني تأخذ غاز ثاني أكسيد الكربون من التربة وتطرد غاز الأؤكسيجين وبذلك تصبح التربة أكثر صلاحية لنمو الكائنات الأخرى - ويشاهد ذلك بنوع خاص عند زراعة الأرز. فقد شوهد أن وجود كميات وافرة من الطحالب في مياه حقول الأرز يجعل الماء مشبعا بالأوكسجين، ووفرته ضرورية لتنفس جذور الأرز. فإذا قلت كميات الطحالب قل المحصول.
والطحالب تزيد المادة العضوية في التربة وتقوم أحيانا بتفتيت الصخور.
أما البكتيريا فيظن كثير من الناس أنها ان هي إلا كائنات
مجهرية تسبب معظمها أمراضاً، فهي كثيرة الضرر قليلة
الفائدة، ولكن الحقيقة هي أنها في التربة على عكس ذلك حيث
نرى إن نفعها فيها أكثر من ضررها. والبكتيريا أجسام دقيقة
стр. 2696
جداً لا يرى أكبرها حجماً إلا بالمجهر حيث يكون طوله
حوالي ١١٠٠ من المليمتر. وهي تختلف في الشكل من كرية
إلى عضوية أو حلزونية وكثيراً ما توجد لها أهداب غاية في
الدقة تساعدها على الحركة.
والبكتيريا تقوم بأعمال شتى في التربة، فمنها ما يحول المواد العضوية نباتية كانت أو حيوانية إلى مواد أخرى بسيطة التركيب. ومن بين هذه الأخيرة غاز ثاني أكسيد الكربون الذي ينتشر في الجو، وكذلك غاز النشادر ذو الرائحة النفاذة الخاصة، وغاز النشادر لا يصلح غذاء لمعظم النباتات الخضراء وعلى ذلك يقوم نوع خاص من البكتيريا بتحويله إلى حمض الازوتوز، وهذا المركب الأخير يتناوله نوع خاص آخر من البكتيريا ويحوله إلى حمض الأزوتيك، وأملاح هذا الحمض (الازوتات) هي الغذاء الصالح للنبات الأخضر.
وكذلك يعلم الزارع تعد طول تجربته أن نباتاً كالفول أو البرسيم أو الترمس وأشباهها إذا زرع في أرض زاد من خصوبتها، ولذلك فهو يراعي دائماً هذه الظاهرة عند ترتيب الدورة الزراعية للمحاصيل. أما سبب ازدياد الخصوبة فهو ناتج من نشاط نوع من البكتيريا تسمى بالبكتيريا العقدية ينفذ من التربة إلى أنسجة جذور نبات الفول مثلا ويعيش هنيئا في تلك الأنسجة.
وهذا النوع يمتص غذاءه الكربوني من الجذر وغذاءه الأزوتي من الهواء الجوي الذي يوجد بين الأنسجة أي أنه لا يتغذى من الأزوت الموجود في التربة. وتكون نتيجة هذه العملية ظهور انتفاخات صغيرة أو عقد على جذور الفول. فبعد الحصاد تتحلل الجذور بما عليها من العقد فتزداد في التربة كمية الازوت المركب.
أما الفطر فهو عبارة عن خيوط دقيقة متفرعة لا لون لها تعيش بين أنسجة النبات الراقي أو بين المواد العضوية الموجودة في التربة وهي منتشرة في الطبقات السطحية ويقل وجودها في الطبقات العميقة. والفطر تقوم بتحويل المواد الكربوادراتيه (كالخَلَوُوز وغيره) إلى مواد بسيطة التركيب، واليها فقط يعزى مثل هذا العمل النافع في الأراضي الزراعية.
стр. 2697
وفضلا عن ذلك فهي تقوم بتحويل المواد العضوية الازوتية إلى مواد أبسط منها تركيباً كالنشادر. وتساعد أيضا على إذابة المادة المعدنية الموجودة في التربة وربما فاق عملها في هذه الناحية عمل الشعيرات الجذرية في النباتات الراقية.
وهناك ظاهرة أخرى أخذت تثير كثيراً من الاهتمام في السنين الأخيرة وهي أن بعض الفطر الموجود في التربة يكون مع جذور بعض النباتات أجساما غريبة تسمى جذورا فطرية وهذه تتكون من أنسجة الجذور ومن خيوط الفطر.
ويعيش كلا الفردين (الجذور والفطر) عيشاً رغداً ما داما مجتمعين ولكن في كثير من الأحيان لا ينمو أحدهما نموه العادي إذا أقصته الظروف عن رفيقه. ويقوم الفطر في الجذر الفطري مقام الشعيرات الجذرية أي أنه يمتص المادة المعدنية من التربة ويرسل بها إلى الجذر وفي مقابل ذلك يمد الجذر خيوط الفطر بالمادة العضوية اللازم لها. فنرى اذن أن المنفعة بينهما متبادلة. فضلاً عن القيام مقام الشعيرات الجذرية فأننا نجد أن كثيرا من خيوط الفطر تهضمه خلايا الجذر وبذلك يكون الفطر مورداً داخليا لغذاء الجذر.
يونس سالم ثابت
стр. 2698
شذرات
صعدة في الجو جديدة
في عام ١٩٣٢ أطلق ريجنر بالونات من المطاط تحمل أجهزة علمية تسجل من ذات نفسها فبلغ علوا قل الضغط عنده إلى ٢٢م. م. وصعد البالون الروسي الحديث يحمل بروكوفييف ورفاقه فبلغ حسبما قدروا علوا قدره ٦١٠٠٠ قدم أي ما يعدل ضغطا قدره ٥٠ م. م.
وفي الخريف الماضي ارتفع أمريكيان ببالونهما إلى ضغط قدره ٦٤٥ م. م. أما البلجيكيون كوسينس وكبفر فأقل ضغط سجلوه بلغ ٨٣م. م. واليوم تأتي الأخبار بان محاولة جديدة ستكون يرجى فيها الصعود إلى أعلى من ٦٨٠٠٠ قدم وهي الطبقة التي بلغها الروس.
في الصعدات القديمة كان الطائرون يغلقون أنفسهم في حجيرات مكورة محكمة السد. أما في هذه المحاولة الجديدة فسيركب الطائرون في سلة البالون العادية المفتوحة ولكنهم سيلبسون بذلة من المطاط الرخص تغلف أجسامهم تغليفاً تاماً فلا تتصل بالجو الذي يبلغون. وبما أن هذا الجو سيكون قليل الضغط وبما أن هذا سيؤدي إلى انتفاخ تلك البذلات لما بها من هواء صعدوا به من سطح الأرض لذلك ستتفرع تلك البذلات من تعض هوائها، وذلك إلى الضغط الذي يحتمله جسم الإنسان في أثناء تنفسه من الأكسجين. والطائر على هذا الحال سيستطيع الحركة والتنقل في شيء كثير من الحرية واذن سيتمكن من معالجة أجهزته وتسجيل ملاحظاته عن الجو بها وهي ذات مساس بالجو نفسه لا محجوبة عنه كما كان الحال في الصعدات السابقة. وباستخدام السلة المفتوحة مكان القارب المغلق الثقيل سيخف الوزن كثيراً فيزيد لاشك العلو الذي يرجى بلوغه.
ومما يذكر عن الرحلة الروسية أنهم اكتشفوا أن تركيب الهواء في تلك الطبقات العالية هو نفسه الهواء على سطح الأرض، وأن الرطوبة نقصت على حدود الاستراتوسفير ٤٢ في المائة وقد كانت ٩٢ على سطح الأرض، وفي الصعدة الجديدة المزمعة سيحملون معهم جهازاً لقياس الطيف لتسجيل نور الشمس هناك وضوء السماء وجهازاً لتقدير حرارة الشمس وأجهزة لأخذ عينات من الهواء وكمرات وكل هذه الأجهزة لتشغل بالأيدي الطليقة في الجو الطلق لا في داخل الحجيرة الحبيسة كما كان الحال. ولكن مما يؤسف له ان العين
стр. 2699
والأذن لابد من تغطيتهما فلا ترى الأشياء ولا تسمع إلا من وراء الزجاج. فاللون البنفسجي الغميق الذي رآه الطيارون البلجيكيون والروس سوف لا يراه الطيارون الجدد إلا من دون الزجاج.
ولعل أرجى ما يرجى في هذه الرحلة الجديدة سيكون مما اقترحه الدكتور لوسينس من استخدام خزانة ولسن في أخذ صور فوتوغرافية لأشعة ب العالمية هذه الأشعة الأخيرة لا يزال مجهولاً.
أزمة الضباب
من متاعب الملاحة الضباب لا سيما في البحار الشمالية، ومن آخر ما حاولوا في التغلب على مصاعبه: استعاضة الكمرة
عن العين رجاء أن تنفذ عين الكمرة في طبقاته الكثيفة إلى أبعد مما تصل عين الإنسان. ففي الأيام الأخيرة ركبوا في السفينة الأمريكية الكبيرة (منهاتن كمرة تحس أفلامها أشعة ما دون الأحمر، وفي هذه الكمرة وسيلة مكنية تتوضح الصورة بها وتتثبت من نفسها فتخرج تامة كاملة بعد دقيقة من كشف الكمرة. والى الآن لم تصادف السفينة العظيمة المذكورة حالة جوية لإجراء التجارب المقصودة، فإذا هي صادقت هذا الجو فلا شك أن النتائج ستكشف القناع عن الدرجة التي بها يستطيع الملاحون الاهتداء بالكمرة مكان العين والنهار حالك والبصر كليل.
стр. 2700
العالم المسرحي والسينمائي
كلمة صريحة حول الإعانة الحكومية للمسارح
لناقد (الرسالة) الفني
لم تكن للحكومة - إلى سنوات قلائل - أية صلة بالمسرح المصري
وبالعاملين فيه. وكانت دار الأوبرا الملكية ملحقة بوزارة الأشغال
فكأنها كانت في نظر الحكومة بناية من المباني لا داراً للفنون والآداب.
وبقي الأمر على هذا المنوال حتى وزارة الوفد الأولى التي كان يرأس
المغفور له صاحب الدولة سعد زغلول باشا فرأى مرقص حنا باشا
وزير الأشغال أن يولي المسرح في مصر قسطاً من عنايته واهتمامه،
فكانت المباراة الأولى التي اشترك فيها مديرو الفرق والممثلون
والممثلات، وكانت هذه المباراة هي أول اتصال مباشر بين الحكومة
والمسرح.
وقد ذكرنا في كلمة لنا (حول أزمة المسرح في مصر) كيف اضطربت سياسة الحكومة في اتصالها بالمسرح فعدلت عن طريقة المباراة بعد أَن أقامتها عامين متواليين على ما نذكر إلى سياسة الإعانة السنوية، وألفت في وزارة المعارف - بعد أن الحقت بها دار الأوبرا وأصبحت هي الوزارة المشرفة على الشؤون الفنية - لجنة تتفقد المسارح وتقدر للفرق وللممثلين المبالغ التي تمنح لهم في حدود الإعانة المقررة.
وسارت الوزارة في هذه الخطة سنوات برغم ما ظهر من فسادها وعدم جدواها، وبرغم صيحات الاستنكار التي رددها الكتاب والنقاد طوال هذه السنين. ويكفي أن نلقي نظرة عجلى على حالة المسرح المصري اليوم لنرى أن النقاد كانوا على حق في انتقاد هذه الطريقة، فلقد سار المسرح من سيء إلى أسوأ في هذه السنوات الأخيرة رغم ما بذلته الحكومة من إعانات سنوية، فلو أن هذه الطريقة كانت مجدية لاعانت على النهوض بالمسرح وعلى انتشاله من الهوة التي تردى بين جنباتها، ولكن حال المسرح قبل الإعانة
следующие страницы →