Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
جداً لا يرى أكبرها حجماً إلا بالمجهر حيث يكون طوله
حوالي ١١٠٠ من المليمتر. وهي تختلف في الشكل من كرية
إلى عضوية أو حلزونية وكثيراً ما توجد لها أهداب غاية في
الدقة تساعدها على الحركة.
والبكتيريا تقوم بأعمال شتى في التربة، فمنها ما يحول المواد العضوية نباتية كانت أو حيوانية إلى مواد أخرى بسيطة التركيب. ومن بين هذه الأخيرة غاز ثاني أكسيد الكربون الذي ينتشر في الجو، وكذلك غاز النشادر ذو الرائحة النفاذة الخاصة، وغاز النشادر لا يصلح غذاء لمعظم النباتات الخضراء وعلى ذلك يقوم نوع خاص من البكتيريا بتحويله إلى حمض الازوتوز، وهذا المركب الأخير يتناوله نوع خاص آخر من البكتيريا ويحوله إلى حمض الأزوتيك، وأملاح هذا الحمض (الازوتات) هي الغذاء الصالح للنبات الأخضر.
وكذلك يعلم الزارع تعد طول تجربته أن نباتاً كالفول أو البرسيم أو الترمس وأشباهها إذا زرع في أرض زاد من خصوبتها، ولذلك فهو يراعي دائماً هذه الظاهرة عند ترتيب الدورة الزراعية للمحاصيل. أما سبب ازدياد الخصوبة فهو ناتج من نشاط نوع من البكتيريا تسمى بالبكتيريا العقدية ينفذ من التربة إلى أنسجة جذور نبات الفول مثلا ويعيش هنيئا في تلك الأنسجة.
وهذا النوع يمتص غذاءه الكربوني من الجذر وغذاءه الأزوتي من الهواء الجوي الذي يوجد بين الأنسجة أي أنه لا يتغذى من الأزوت الموجود في التربة. وتكون نتيجة هذه العملية ظهور انتفاخات صغيرة أو عقد على جذور الفول. فبعد الحصاد تتحلل الجذور بما عليها من العقد فتزداد في التربة كمية الازوت المركب.
أما الفطر فهو عبارة عن خيوط دقيقة متفرعة لا لون لها تعيش بين أنسجة النبات الراقي أو بين المواد العضوية الموجودة في التربة وهي منتشرة في الطبقات السطحية ويقل وجودها في الطبقات العميقة. والفطر تقوم بتحويل المواد الكربوادراتيه (كالخَلَوُوز وغيره) إلى مواد بسيطة التركيب، واليها فقط يعزى مثل هذا العمل النافع في الأراضي الزراعية.
стр. 2697
وفضلا عن ذلك فهي تقوم بتحويل المواد العضوية الازوتية إلى مواد أبسط منها تركيباً كالنشادر. وتساعد أيضا على إذابة المادة المعدنية الموجودة في التربة وربما فاق عملها في هذه الناحية عمل الشعيرات الجذرية في النباتات الراقية.
وهناك ظاهرة أخرى أخذت تثير كثيراً من الاهتمام في السنين الأخيرة وهي أن بعض الفطر الموجود في التربة يكون مع جذور بعض النباتات أجساما غريبة تسمى جذورا فطرية وهذه تتكون من أنسجة الجذور ومن خيوط الفطر.
ويعيش كلا الفردين (الجذور والفطر) عيشاً رغداً ما داما مجتمعين ولكن في كثير من الأحيان لا ينمو أحدهما نموه العادي إذا أقصته الظروف عن رفيقه. ويقوم الفطر في الجذر الفطري مقام الشعيرات الجذرية أي أنه يمتص المادة المعدنية من التربة ويرسل بها إلى الجذر وفي مقابل ذلك يمد الجذر خيوط الفطر بالمادة العضوية اللازم لها. فنرى اذن أن المنفعة بينهما متبادلة. فضلاً عن القيام مقام الشعيرات الجذرية فأننا نجد أن كثيرا من خيوط الفطر تهضمه خلايا الجذر وبذلك يكون الفطر مورداً داخليا لغذاء الجذر.
يونس سالم ثابت
стр. 2698
شذرات
صعدة في الجو جديدة
في عام ١٩٣٢ أطلق ريجنر بالونات من المطاط تحمل أجهزة علمية تسجل من ذات نفسها فبلغ علوا قل الضغط عنده إلى ٢٢م. م. وصعد البالون الروسي الحديث يحمل بروكوفييف ورفاقه فبلغ حسبما قدروا علوا قدره ٦١٠٠٠ قدم أي ما يعدل ضغطا قدره ٥٠ م. م.
وفي الخريف الماضي ارتفع أمريكيان ببالونهما إلى ضغط قدره ٦٤٥ م. م. أما البلجيكيون كوسينس وكبفر فأقل ضغط سجلوه بلغ ٨٣م. م. واليوم تأتي الأخبار بان محاولة جديدة ستكون يرجى فيها الصعود إلى أعلى من ٦٨٠٠٠ قدم وهي الطبقة التي بلغها الروس.
في الصعدات القديمة كان الطائرون يغلقون أنفسهم في حجيرات مكورة محكمة السد. أما في هذه المحاولة الجديدة فسيركب الطائرون في سلة البالون العادية المفتوحة ولكنهم سيلبسون بذلة من المطاط الرخص تغلف أجسامهم تغليفاً تاماً فلا تتصل بالجو الذي يبلغون. وبما أن هذا الجو سيكون قليل الضغط وبما أن هذا سيؤدي إلى انتفاخ تلك البذلات لما بها من هواء صعدوا به من سطح الأرض لذلك ستتفرع تلك البذلات من تعض هوائها، وذلك إلى الضغط الذي يحتمله جسم الإنسان في أثناء تنفسه من الأكسجين. والطائر على هذا الحال سيستطيع الحركة والتنقل في شيء كثير من الحرية واذن سيتمكن من معالجة أجهزته وتسجيل ملاحظاته عن الجو بها وهي ذات مساس بالجو نفسه لا محجوبة عنه كما كان الحال في الصعدات السابقة. وباستخدام السلة المفتوحة مكان القارب المغلق الثقيل سيخف الوزن كثيراً فيزيد لاشك العلو الذي يرجى بلوغه.
ومما يذكر عن الرحلة الروسية أنهم اكتشفوا أن تركيب الهواء في تلك الطبقات العالية هو نفسه الهواء على سطح الأرض، وأن الرطوبة نقصت على حدود الاستراتوسفير ٤٢ في المائة وقد كانت ٩٢ على سطح الأرض، وفي الصعدة الجديدة المزمعة سيحملون معهم جهازاً لقياس الطيف لتسجيل نور الشمس هناك وضوء السماء وجهازاً لتقدير حرارة الشمس وأجهزة لأخذ عينات من الهواء وكمرات وكل هذه الأجهزة لتشغل بالأيدي الطليقة في الجو الطلق لا في داخل الحجيرة الحبيسة كما كان الحال. ولكن مما يؤسف له ان العين
стр. 2699
والأذن لابد من تغطيتهما فلا ترى الأشياء ولا تسمع إلا من وراء الزجاج. فاللون البنفسجي الغميق الذي رآه الطيارون البلجيكيون والروس سوف لا يراه الطيارون الجدد إلا من دون الزجاج.
ولعل أرجى ما يرجى في هذه الرحلة الجديدة سيكون مما اقترحه الدكتور لوسينس من استخدام خزانة ولسن في أخذ صور فوتوغرافية لأشعة ب العالمية هذه الأشعة الأخيرة لا يزال مجهولاً.
أزمة الضباب
من متاعب الملاحة الضباب لا سيما في البحار الشمالية، ومن آخر ما حاولوا في التغلب على مصاعبه: استعاضة الكمرة
عن العين رجاء أن تنفذ عين الكمرة في طبقاته الكثيفة إلى أبعد مما تصل عين الإنسان. ففي الأيام الأخيرة ركبوا في السفينة الأمريكية الكبيرة (منهاتن كمرة تحس أفلامها أشعة ما دون الأحمر، وفي هذه الكمرة وسيلة مكنية تتوضح الصورة بها وتتثبت من نفسها فتخرج تامة كاملة بعد دقيقة من كشف الكمرة. والى الآن لم تصادف السفينة العظيمة المذكورة حالة جوية لإجراء التجارب المقصودة، فإذا هي صادقت هذا الجو فلا شك أن النتائج ستكشف القناع عن الدرجة التي بها يستطيع الملاحون الاهتداء بالكمرة مكان العين والنهار حالك والبصر كليل.
стр. 2700
العالم المسرحي والسينمائي
كلمة صريحة حول الإعانة الحكومية للمسارح
لناقد (الرسالة) الفني
لم تكن للحكومة - إلى سنوات قلائل - أية صلة بالمسرح المصري
وبالعاملين فيه. وكانت دار الأوبرا الملكية ملحقة بوزارة الأشغال
فكأنها كانت في نظر الحكومة بناية من المباني لا داراً للفنون والآداب.
وبقي الأمر على هذا المنوال حتى وزارة الوفد الأولى التي كان يرأس
المغفور له صاحب الدولة سعد زغلول باشا فرأى مرقص حنا باشا
وزير الأشغال أن يولي المسرح في مصر قسطاً من عنايته واهتمامه،
فكانت المباراة الأولى التي اشترك فيها مديرو الفرق والممثلون
والممثلات، وكانت هذه المباراة هي أول اتصال مباشر بين الحكومة
والمسرح.
وقد ذكرنا في كلمة لنا (حول أزمة المسرح في مصر) كيف اضطربت سياسة الحكومة في اتصالها بالمسرح فعدلت عن طريقة المباراة بعد أَن أقامتها عامين متواليين على ما نذكر إلى سياسة الإعانة السنوية، وألفت في وزارة المعارف - بعد أن الحقت بها دار الأوبرا وأصبحت هي الوزارة المشرفة على الشؤون الفنية - لجنة تتفقد المسارح وتقدر للفرق وللممثلين المبالغ التي تمنح لهم في حدود الإعانة المقررة.
وسارت الوزارة في هذه الخطة سنوات برغم ما ظهر من فسادها وعدم جدواها، وبرغم صيحات الاستنكار التي رددها الكتاب والنقاد طوال هذه السنين. ويكفي أن نلقي نظرة عجلى على حالة المسرح المصري اليوم لنرى أن النقاد كانوا على حق في انتقاد هذه الطريقة، فلقد سار المسرح من سيء إلى أسوأ في هذه السنوات الأخيرة رغم ما بذلته الحكومة من إعانات سنوية، فلو أن هذه الطريقة كانت مجدية لاعانت على النهوض بالمسرح وعلى انتشاله من الهوة التي تردى بين جنباتها، ولكن حال المسرح قبل الإعانة
стр. 2701
كان خيراً منه بعدها، وفي ذلك ما يدعو للعجب حقا ولكنها دلالة حاسمة على أية حال على فشل طريقة الإعانة.
وكأن الوزارة ولجنة الإعانة تنبهتا أخيراً إلى هذه الحقيقة بعد أن ظهر جليا أن الإعانة لم تثمر الثمرة المنشودة، وأن المسرح قد هوى إلى الحضيض وانصرفت الجماهير عنه حتى اضطرت الفرق إلى إغلاق دورها حيال الكساد الذي منيت به. تنبهت الوزارة أخيراً إلى الحق إذ صدمت بالواقع الملموس فرأت أن تعدل عن خطتها القديمة إلى خطة أخرى، وقد نمى الينا أن لجنة الإعانة في اجتماعها الأخير في الأسبوع الماضي فكرت في تكوين فرقة من جميع المشتغلين بالمسرح من رجال وسيدات تحت اسم فرقة اتحاد المسرح المصري) وقد عرضت الفكرة على مديري الفرق الذين حضروا الجلسة فوافقت أغلبيتهم عليها وأبدوا استعدادهم للانضمام أليها وشكلت لجنة فرعية لتضع تفاصيل المشروع بالاتفاق مع مديريالفرق على أن يبداء في الحال وعلى أن تختص وزارة المعارف هذه الفرقة بالإعانة السنوية كلها.
ونحن نسجل هنا أولا عدول الوزارة عن خطتها القديمة، وهذا اعتراف صريح منها بفشلها، وهي خطوة طيبة على أية حال. أمافكرة تأليف فرقة تضم جميع المشتغلين بالمسرح فمن العسير أن نكون لها أو عليها قبل أن نطلع على تفاصيل المشروع وعلى النظام الذي سيوضع لهذه الفرقة. والفكرة من حيث هي لا بأس بها، بل لعلها العلاج الوحيد لانتشال المسرح من الوهدة التي سقط فيها، وتضافر هذه القوى مجتمعة له خطره ولا شك، وهذه الفرقة إن تحقق وجودها ستجذب الشعب ايها ما في ذلك ريب، وستكون تحت تصرفها بطبيعة الحال طائفة صالحة من الروايات لتمثلها. وأعني الروايات ألا نموذجية التي ترجمها بعض الأدباء تحت إشراف الوزارة عن شاكسبير وابسن وموليير وراسين وغيرهم من أقطاب الفن المسرحي في العالم، كما أن مبلغ الإعانة سيكون العماد الذي يمون الفرقة بما تشاء من وسائل الاستعداد المسرحي في المناظر أو الملابس أو الأدوات المسرحية جميعا على اختلافها وتنوعها. وفي النهاية نستطيع أن نقول أن هذه الفرقة تتوافر بين يديها من القوى المادية والمعنوية، ما ينهض بها إلى الذروة الفنية التي نطمع فيها وينشدها أنصار المسرح وهواته في مصر.
стр. 2702
قلنا أن الفكرة من حيث هي فكرة حسنة لا بأس بها في مجملها، ولكنها ككل فكرة في العالم قد لا يعدو جمالها الخاطر والفكر فإذا لم تخرج للناس في ثوب القشيب الذي يلائم جلالها وخطرها بدت شوهاء ووئدت في مهدها وكان الفشل نصيبها المحتوم وهذا ما نخشاه.
على أن الزوارة إذا أخذت بالحزم ووضعت لهذه الفرقة نظاماً داخلياً محكماً يضع الكل على قدم المساواة وعهدت بتنفيذه إلى أيد مخلصة قديرة لا تعرف الأغراض سبيلاً أليها ولا الأهواء مدخلاً إلى قلوبها، وأعلنت أنها ستأخذ بالشدة والعنف كل من يحيد عن هذا النظام وتقصيه عن العمل وتحرمه حرماناً مطلقاً من إعانتها، لو أحس القوم هذه النية الصادقة وهذه الإرادة القوية والعزم النافذ من الوزارة، لسارت الأمور على أحسن ما يرام ولرجونا لهذه الفكرة النجاح والتوفيق. وأخوف ما نخافه أن تلين قناة لجنة الإعانة ويجد فيها البعض مغمزا يهدمون عن طريقه هذه الفكرة، أو لعلهم ينتظرون حتى يخرج المشروع إلى حيز الوجود وتبدأ الفرقة عملها فيضربون ضربتهم.
على أن من الخير أن تعلن الوزارة من الآن في لهجة حاسمة إنها عدلت نهائيا عن خطتها القديمة ولن تتبع سياسة توزيع الإعانة بين مديري الفرق والممثلين بأية حال؛ وأن هذه الفرقة (فرقة اتحاد المسرح المصري) هي التي ستخصها بإعانتها كلها، فإذا لم تتألف هذه الفرقة فلن ينال أحد مليما واحدا من الوزارة. وأني لأعتقد - في رأيي الضعيف - أن كلمة كهذه من الوزارة سيكون لها صداها في جميع الأوساط، وستكون من أكبر العوامل في إنجاح المشروع، وأشد ما أخشاه أن تنكص لجنة الإعانة، إذ تصطدم في خطاها الأولى لتحقيق مشروعها الجديد ببعض العقبات فتفضل العافية والراحة على الجهد ومقاومة الصعاب، وتقرر صرف الإعانة على النحو المتبع في السنوات الماضية. وأن تفعل لتكونن قد أجرمت في حق الفن وفي حق هذا البلد الذي يطمع أن يكون له من مظاهر الثقافة الحقة ما لغيره من سائر البلدان.
стр. 2703
سيناريو سينمائي
لبيت أمير الشعراء أحمد شوقي بك
نظرة، فابتسامة، فسلام … فكلام، فموعد، فلقاء
من وضع ناقد (الرسالة) الفني
١ - منظر مقرب لعدسة منظار. . يظهر في العدسة شبح فتاة جالسة، المنظر يبتعد قليلا قليلا فتظهر أجزاء المنظار المختلفة.
٢ - الضوء نهارا. . منظر مستدير لفتاة على شرفة منزل جالسة مطرقة ورأسها إلى الأرض تطرز. . . المنظر يبدو أولا من بعيد جداً. . ثم يقترب ويقترب حتى يملأ الشاشة.
٣ - شاب وراء نافذة وهو مغلق الشيش وينظر من خلفه بحذر وبلهفة. . بيده منظار.
٤ - كيوبيد إله الحب معه جعبة سهامه. . يخرج سهما ويرشقه.
٥ - الشاب لا يزال ينظر من خلف الشيش. يتراجع قليلا إلى الوراء ويضع يده على قلبه.
٦ - الفتاة لا تزال تطرز. . تستريح وتضع الشغل جانبا. . ترفع رأسها. . تظهر علائم الخجل على وجهها. . تجمع شغلها في ارتباك ظاهر وتجري مسرعة إلى الداخل.
٧ - الفتاة من الداخل أمام شباك الشرفة وهي تقفله. . . . قبل أن ترد المصراع نهائيا تنظر إلى الخارج نظرة أخيرة في خلسة وحذر. . فجأة ترد المصراع في غضب ظاهر ولكنه مفتعل. . . بعد قفل المصراع تعطي ظهرها له وتقف مسندة اليه. . . النور كله محصور في الوجه. . . على ملامح الوجه الاستنكار ولكن في شيء من مظاهر الطفولة. . . يخف هذا الاستنكار شيئاً فشيئاً ويتحول بعد قيل إلى شيء من الرضا. . .
تبتسم. . . يضاء الجسم كله. . . تظهر عند قدميها وردة. . تنظر اليها على مهل. . . تنحي وتأخذها. . . تتأملها. . . تشمها. . . تقبلها. . . فجأة كأنها خجلت من نفسها فتضع الوردة في صدرها وتجري حيث تختفي.
٨ - باب الشرفة حيث كانت الفتاة واقفة. . . النور يغمره. . . يخفت النور قليلا قليلا. . . يظهر شبح كيوبيد يبتسم. . . يأخذ سهما من جعبته ورشقه في الاتجاه الذي سارت فيه الفتاة. . . النور يخفت قليلا قليلا. . . المنظر يبتعد ويرى كيوبيد يضحك في انشراح.
٩ - على شاطئ النيل. . . أناس متفرقون. . . قليلون. . . شبان. . . فتيات. . . يمشون
стр. 2704
على مهل. . . يتنزهون.
١٠ - الفتاة آتية من بعيد مع طفل صفير يشبه كيوبيد. . . تقف أمام النيل ساهمة
١١ - الشاب قادم من بعيد يمشي على حذر كأنه يتبع إنسانا ما. . . يسرع في مشيته. . . يتمهل. . . ينظر أمامه. . . كأنه رأى من يريد فيسرع في المشي
١٢ - الفتاة تتحرك وتمشي على مهل. . . والى جانبها الطفل. . . تلتفت فجأة خلفها. . . ثم يظهر عليها الارتباك. . . تمسك بيد الطفل وتسرع في المشي. . . يسقط منديلها من يدها دون أن تشعر.
١٣ - المنديل على الأرض. . الشاب يسرع لالتقاطه. يقف لحظة. . . ويسرع في المشي.
١٤ - الفتاة والطفل. . يمشيان بشيء من العجلة. . . الشاب يتقدم نحوهما في هيئة المتردد. . الفتاة تنظر خلفها. . . فتراه. . . يزيد ارتباكها تريد المضي في سيرها. . . الشاب يسرع أليها. . . يمد يده بالمنديل. . . الفتاة تنقل النظر بين الشاب وبين يده الممدودة بالمنديل. . . تمديدها على مهل لتأخذ المنديل. . . تحني رأسها علامة الشكر. . . الطفل يتقدم نحو الشاب ويمسك بيده ويجره للمشي معهما. . الثلاثة يمشون سويا. . . الارتباك ظاهر على الشاب وعلى الفتاة بينما يضحك الطفل الصغير في خبث. . . يمشون صامتين. . . يبدأ الشاب بالحديث مع الفتاة. . . كلمات قليلة. . . ترد عليه ورأسها إلى الأرض. . . يمشون قليلا وهم يتحدثون. . . يظهر عليهم التبسط في الحديث. . تظهر الألفة. . فجأة تقف الفتاة وتمد يدها مودعة للشاب الذي يمد يده. . بالسلام. . الطفل يمد يده للشاب مسلما. . الشاب ينحني ويقبله. . تمضي الفتاة مع الطفل. . . الشاب واقف في مكانه يتبعهما بنظراته. . . تختفي الفتاة والطفل.
١٥ - الشاب وحده واقف يفكر. . . يبتسم. . . ينظر أمامه. . . يمشي في هدوء
١٦ - الوقت ليل. . . ضوء القمر يغمر كل مكان. . . حديقة زاهرة. . . النسيم يميل الأغصان في لطف. . . صوت غناء هادئ جميل من بعيد. . . يتخلله صوت خرير مياه
١٧ - الفتاة في شرفتها واقفة ورأسها مسند إلى النافذة وعيناها تنظران في الفضاء. . . ضوء القمر يغمرها
١٨ - نافذة يلمع من ورائها نور كهربائي. . . يطفأ النور ويعم الظلام
стр. 2705
١٩ - الفتاة في موقفها في المنظر (١٧) تستيقظ من غفوتها وأحلامها وتنظر أمامها. . . إلى بعيد. . . نظرة ساهمة حالمة. . . تتقدم إلى سلم الشرفة
٢٠ - سلم الشرفة الهابط إلى الحديقة. . . الفتاة تنزل عليه بهدوء وحذر وهي تتلفت خلفها
٢١ - أقدام رجل تمشي في الحديقة على مهل. . . تمشي. . . تقف. . . تدور. . تمشي
٢٢ - أقدام سيدة تمشي على مهل. . . تقف. . . تتقدم منها أقدام الرجل. . . الأقدام الأربعة أمام بعضها على مسافة قصيرة. . . تقترب. . . تقف وهي مواجهة. . تتقدم أقدام الرجل إلى محاذاة أقدام السيدة. . . وقوف لحظة. . تمشي الأقدام الأربعة معا. . . يسمع صوت ناي من بعيد. . . خرير مياه
٢٣ - مقعد حجري وسط الحديقة تحت خميلة جميلة. . يظهر خلفه سور الحديقة. . . القمر يعمر المكان بالنور. . . الأقدام الأربعة متجهة نحو المقعد. . . تظهر تحته وكأن صاحبيها جالسان عليه
ٍ٢٤ - في الشارع. . . إلى جانب سور الحديقة خفير يمشي ذهابا وإيابا. . . ينظر إلى داخل السور. . . يمعن النظر باهتمام شديد. . . يبتسم. . . يبتسم ببلاهة مضحكة. . . يبتعد على مهل. . . وهو ينظر خلفه ويبتسم ويبرم شاربه
٢٥ - لأقدام تحت المقعد. . . تتساقط عليها بعض الورورد منثورة ورقا.
٢٦ - كيوبيد من بعيد يضحك وهو سعيد جداً وظاهر عليه الفرح الشديد. . . المنظر يقترب رويداً رويداً. . . جعبة سهامه إلى جانبه على الأرض. . . يمد يده فيأخذها. . . يحملها على كتفه. . يمشي. . . يختفي. . . الضوء يخفت قليلا قليلا.
محمد علي حماد
стр. 2706
التناسل في فيراكروز
في ديسمبر سنة ١٩٣٢ صدر قانون الأنسال في مقاطعة فيراكروز بالمكسيك، وهي أكثر المقاطعات سكانا. وبهذا القانون تأسس مكتب للتناسل وصحة العقول، واندمج في مصلحة الصحة فاكتسب بذلك من قوة الحكومة والسلطان الشيء الكثير. وبتأسيسه افتتحت مراكز لضبط النسل وتعقيم من ليسوا أهلا للأنسال، سواء لضعف في الأبدان أو العقول. وهذا الإصلاح حلقة في سلسلة بدأها حاكم تلك المقاطعة منذ تولاها، فقد أغلق (الصالونات) وجعل تعليم التناسليات إجبارياً في المدارس، وعلاج الأمراض الجنسية كذلك، وأمر الأطباء أن يتدخلوا في الزواج قبل أن يتم، وفي الطلاق كذلك، فيكون له قوة على العقد وقوة على الحل إذا تعارض ما انعقد والصالح الخاص أو العام. وهكذا نجد من الأمم الأقل من هو أسبق إلى الإصلاح وأجرأ عليه من الأمم ذات القدم الراسخ في الحضارة والمكان المستقر من المدنية.
القصص
عنترة
مأساة شعرية في خمسة فصول لفخر الشرق المرحوم شكري
غانم
ترجمة الأستاذ محمد كامل حجاج
ينتمي هذا الشاعر العبقري إلى أسرة عظيمة لبنانية، وقد نبغ في الشعر الفرنسي وله ديوان فرنسي ظهر حوالي سنة ١٩٠٠، وروايتان مثلتا بالاوديون سنة ١٩٠٥ في فصل واحد وهما (وردة) أو (زهرة الحب) و (ربع ساعة من الف ليلة وليلة) ورواية قصصية كبيرة تسمى (دعد) وأهم رواياته التمثيلية عنترة وقد أبت عليه قوميته إلا أن يبتدئ بتمثيلها على مسرح شرقي فاختار الأوبرا الملكية المصرية ولحسن حظه كانت فرقة الكوميدي الفرنسية في ذلك الوقت مؤلفة من أعظم الممثلين الذين يسود على مجموعهم الانسجام والتوافق وفي مقدمتهم الممثلة القديرة مرجريت مورينو وقد تقدمت بها السن إلى أن أصبحت تمثل دور
стр. 2707
العجائز وقد قامت بدور عبلة، وداراجون وقد توفي بالانفلونزا منذ بضع سنين وقد قام بدور عنترة، ومونتو وقد مثل دور وزر المعروف بالأسد الرهيص.
ومن الغريب المدهش أنهم حفظوا الرواية وأخرجوها وأعدوا مناظرها في خمسة عشر يوماً وقد سحروا الجمهور بابداعهم النادر وكانت الرواية موفقة من جميع الوجوه.
اشتهرت مورينو بحسن القائها ونبرات صوتها الموسيقي وكانت تلقي الشعر بسهولة وهي تقلد ساره برنار وتضيف إلى ذلك قدرا كبيرا من شخصيتها الخاصة وعواطفها المتأججة وحركاتها الخالية من كل تكلفن، ورشاقتها النادرة وظرفها في الحديث. وقد مثلت دور ابن نابوليون في النسر الصغير وروكسان في سيرانو دوبرجيراك. وقد فتنت النظارة في هذه الروايات الثلاث ولم يستطع أحد من الأجواق أن يحرز هذا النجاح من سنة ١٩٠٩ إلى الآن.
مثلت رواية عنترة للمرة الأولى بمسرح الأوبرا الملكية. ثم مثلها مسرح الاوديون بباريس في ١٢ فبراير سنة ١٩١٠ فلاقت إعجابا شديداً ونجاحا باهراً وقرظتها أغلب الجرائد الفرنسية الشهيرة مثل الفيجارو والجولوا والاكلير والدييا والطان واللبيرتيه ومجلة التياتر المصورة والاوبنيون كما قرظتها وذكرت ملخصها دائرة معارف لاروس في ملحقها الشهري سنة ١٩١٠. وهي تستحق أكثر من هذا لبلاغتها النادرة وتفكيرها العميق وتحليلها الأخلاقي ومناقشاتها الطلية وعواطفها المشتعلة ورقتها ومواقفها الفنية الرائعة.
ومن سمو أخلاق شاعرنا النابغة ونبل عواطفه أنه أنبأ في القطعة التي أوردناها عن اقتراب ظهور النبي (ص) وما سيكون له من شأن خطير كما نوه بإعجابه الشديد ببلاغة القرآن بعبارة تستعصي بلاغتها على أي شاعر مع أنه مسيحي فجزاه الله خيراً ورحمه رحمة واسعة.
المنظر الثالث من الفصل الرابع
عنترة. ثم شيبوب. ووزر بن جابر الملقب بالأسد الرهيص
(يدخل عنترة في الحال)
هل هو عربي؟ لا. . . كان الخائن مختبئا في الظلام وراء هذه الصفاة كالذئب، ولا بد أن يكون أجنبياً
стр. 2708
(يسمع صوت شيبوب من بعيد)
هاهو شيبوب، هل يقوده؟ لأني أرى شبحين
شيبوب (يتكلم بصوت مرتفع)
تقدم!
(ثم ينظر شيبوب وهو يجر وزرا من يده)
لقد قطع الخوف ساقيك! وعز عليك البقاء فودع اذن الحياة
(مخاطبا عنترة الذي يقترب منهما)
لا جدال ولا ريب! فانه يستر وجهه! وعيناه لا تخترقان حجب الظلام إلا لرمي السهام، وسيطفئ الموت شعلتيهما بعد قليل
(يجره بجانب عنترة وهو جالس على صخرة وكان شيبوب يتكلم وهو سائر حتى يصل إلى عنترة)
لا تبصران الصخور ولا الخمائل ولا الجحور حتى أنني كدت أن أحمله
عنترة - لكنه يحسن الهرب!
شيبوب - لا، انه لم يهرب وكان جالسا على مقربة من صفاة، وقد طعن نفسه بسهم عندما اقتربت منه؛ وترى هنا قليلا من الوضوح فانظر!
(ثم يزيح شيبوب اللثام عن وجهه ويحدق فيه)
آه! وزر!!
عنترة - وزر! أتحلم؟ كلا!
شيبوب - هو بعينه
عنترة - الفارس المختال الذي عرفته من قبل؟ (ثم يحدق به هنيهة) نعم نعم، كيف تكون خائنا؟ أقبلت في الليل الدامس لتقترف إثما ملؤه النذالة والصغار، ولم ير مثله في البلاد العربية! هل بلغت بك السفالة أن تفعل فعلتك هذه؟ ماذا عملت بقناتك وحسامك؟ لقد أحسنت بستر وجه دمغ بميسم النذالة والجبن. ما أبشع هذا الوجه الدميم. أتنهض وترفع عينين باردتين ملؤهما الخجل والخزي؟ أم يتلهفان لاقتراف جرم آخر؟ تكلم.
وزر - عيناي فارغتان وقد استعضت عنهما بقلب مليء حقداً!
стр. 2709
عنترة - ولم؟ وعلى من تحقد؟
وزر - لا تتجاهل وما هو إلا عليك!
شيبوب - ماذا تقول؟
عنترة - دعه! ويلزم أن يوضح هذا الرجل. أجب!
وزر - أنظر إذن! هاهو جوابي! هاتان العينان الخامدتان المفقوأتان كأنهما حجران أسودان كئيبان! آه! إنك تسميني النذل يا عنترة وما النذل الا أنت!
شيبوب - قد بلغ السيل الزبى!
عنترة - (وهو يزيح شيبوب عن وزر)
إنني أجهل أمرك، ولقد أسرتك من قبل وأنا راع صغير الشأن وأنت فارس مدجج بسلاحك ثم سافرت في مساء ذلك اليوم وسلمتك إلى غيري ولا أعلم ما فعلوا بك في غيبتي وأنت أسير
وزر - ألم تك أنت الذي أمرت أن يفقأوا عيني؟
عنترة - (وقد غير لهجته شيئاً فشيئا)
كلا! فاني لا أعرف أن أسيء إلى ضعيف. أما كنت أستغرب ما حصل لك منذ هنيهة؟ وكيف لي وأنا الذي ما زلت أحارب ورائدي الشرف ومبدئي النبل أن تعزو ألي هذا الجرم الفظيع دون عذر أو مبرر. أو يتهمني به عدو مقهور موتور نهش صدره الحسد. إنني فتنت بالحروب وهي صناعة كثير من الملوك ذوي الحول والطول وغيرهم من السادة الأمجاد الذين لا يستطيعون أن يشقوا لهم طريقا إلى الأفئدة ويعتقدون أنهم بالغوها بظبأ البيض الصفاح، وهذا خطأ ظاهر وما فتئ الإنسان عرضة للخطأ
أيترك الإنسان حنقه ليبطش بالمقهورين ويخفي أرواحهم من أعماق جفونهم ويسلبهم حقهم في هذا النور حتى يجعلهم أمواتا وهم أحياء كلا! ثم كلا! وأقسم بهذا الهلال الصيرفي الذي بزغ في السماء، انني لا أستطيع أن أقترف مثل هذا الإثم. إنهم يريدون أن يلوثوا اسمي بمثل هذه الريبة ويجردوني من الخير الوحيد الذي يقود إلى المجد والفخار وهو الطيبة. . . فهل تثق بي إذن؟
وزر - أثق؟. . . نعم!. . . أود أن لا أثق، إنني أبحث في قلبي وأفتش في ذاكرتي لان
стр. 2710
عندي أسبابا أخرى أهم وأقوى تبرر بغضك!. . . مهلا!. . . (يناجي وزر نفسه على مسمع من عنترة) (ان كان ترك لك عينيك ولم يكن لك جلاداً فهل كف أن يكون خائناً لكل عربي نحب حريته واستقلاله. انه يريد أن يبيع ويسلم بلاده إلى الفرس)
(ثم يوجه الكلام إلى عنترة) وهذا ما أعرفه منذ أكثر من عامين، لقد كبر وعظم جرمك حتى برر كل اعتداء واغتيال وسحب ذيل النسيان على الجريمة التي كنت ضحيتها، والعربي لا يحفل بفقد عينيه ومته في سبيل إنقاذ بلاد العرب!
عنترة - هل نصبت نفسك حكما؟
وزر - (وقد اطمأن شيئا فشيئا) لقد حكمت نفسي بكل الوسائل من سلاح وقول وكل ما يصلح للقتل والانتقام، أما تراني ادن جريئا سفاحا؟
عنترة - عجبا لك! كيف يعرفون أن يشوهوا الحقيقة الحسناء! يخفون صورة الجمال تحت كثيف البراقع والأصباغ كالعجائز ينقشن وجوههن بالوشم ويتكحلن ويصبغن خدودهن بالحمرة. يريدون أن يزيدوا الجمال حسنا فيشوهونه. يجب أن تغمره الشمس وهو في صحة عربة فيتركونه في بساطته ووداعته ويزيلون هذه الصبغة الدميمة التي تحجبه.
أصخ لي يا وزر: فاني سأجعل جمال الحقيقة ولونها الوضاح يخترقان جسمك إلى أن يبلغا نفسك السوداء وسوف أقتل فيك الريب والشك بكلمة: أما كنت فيما مضى صديقا للملك المنذر
وزر - أنا؟
عنترة - نعم أنت! وتعلم جيدا مقاصد هذا الملك
وزر - (بلهجة مرة)
عنترة - ما هو الآن بحلم
وزر - وكيف؟
بلى، وهي وحدة العرب في يد ملك فرد، وهذا صحيح، ولكن ذلك لم يكن إلا حلما لذيذا
عنترة - لقد تخلص وتحرر من نير الفرس وسأنضم إليه الآن. . .
وزر - تنضم إليه؟
عنترة - وستظهر حكمة فرد آخر كطلوع الفجر ويؤيده الله بقوته فينشر قوله الأبدي. إلا
стр. 2711
تشعر بالأرض وهي تميد قبل انتشار هذا القول الذي سيمليه على الناس رب قوي عظيم. لقد زلزلت الأرض زلزالها واهتز النخل في الصحراء من عبث رياح السماء اللواقح، وأصبحت آمال الإنسان تتتابع مسوقة بنسيم الصبا كأسراب هائلة من نبات الهديل تنشد أيكا تحط عليه لتريح أجنحتها المتعبة فلا تعثر عليه. تسير تلك الأسراب حيارى مترددة لا رائد لها إلا المصادفات: ولكن المغرب سيتوهج شفقه بزخرفه وقد اقترب الزمن الذي ستتصل فيه الأرض بالسماء حتى يسمع أهل الدنيا كلام الله الكريم، كلاما ذهبيا في إطار الألفاظ اللجينية، وستهب قبائل العرب من كل فج عميق من فيافيهم المترامية الأطراف وقت طلوع هلالهم الفضي المتألق. . .!
(ينوه في هذه الفقرة عن ظهور النبي ﷺ ونزول القرآن)
وزر - أواه! إنني لاشعر باستنارة إمارتي بالسوء باحمرار الفجر وضوء اللهب! صبت عليكم اللعنات يا من خدعتموني! لقد قطع سهمي خيط حياته الذي تتعلق به آمال أسلافنا وهذا الخيط الذي انتظمت فيه حبات المستقبل! يا لكم من خونة مجرمين! وان قبره ستدفن فيه بلادي! عفوا وغفرانا!
عنترة - لقد عفوت عنك وسامحتك ولكن هذا الجرم سيقع على من حللوه وأن إثمك قد خط فوق الرمال وسرعان ما تمحوه الرياح، ولكن المجرم المحرض سيلاقي جزاءه في القريب العاجل إن امبد الأجل، وإني أحمد الله وأمجده وآمل أنيكون الجرح خفيفا. . .
وزر (بلهجة قوية وأنفاس مضطربة)
ماذا تقول! هل أصابت طعنتي؟
عنترة - لقد أصابت ذراعي وليس لها أقل تأثير
وزر (وهو هائج)
انها لعظيمة خطيرة! فاسحقني بحجر من هذه الأحجار كما تسحق العقارب والأفاعي! ادفعني بقدمك بكل ازدراء واحتقار فأنني لا أستحق أية رحمة ولا شفقة! إنني لتعس شقي! وإن جرمي لعظيم لم يخط فوق الرمال. لقد نقش نقشا عميقا فوق جسمك الكبير الذي يماثل النحاس بصلابته بآلة الحقد والحفيظة! فاسحقني سحقا!
عنترة - ولم هذا اليأس؟
стр. 2712
وزر - إنني خائف!
وزر - هل أسود الجرح؟
شيبوب (وهو يزيح الثوب عن الجرح) نعم قد اسود!
وزر - (وقد كشف عن صدره لشيبوب) انظر هل اسود جرحي مثله؟
شيبوب - لا يفترق عنه
وزر - (وهو خائر القوى) هذا هو المنظر! ولا يغني حذر من قدر، أي عنترة! قد اشتريت جرمي بحياتي وأني أريد نجاتك ولا أستطيعها لأن سهمي يحمل السم الزعاف بين أسنانه. . .
شيبوب - ويل لك من شقي! ألا تجد له دواء؟. . .
وزر - هيهات هيهات!
شيبوب - ولو يقف سير السم
وزر - لا ينجع فيه دواء
شيبوب - ولكن الأدوية كثيرة جداً
وزر - كلا! إن سمي لا دواء له وهو يندفع كالسيل وهو هو الذي يقتلني. أنني أعالج سكرات الموت يا عنترة فاصفح عني وسامحني!
عنترة - مت بسلام واطمئنان!
وزر - ما العمل الآن؟ ويل لي من شقي! لقد نسيت! أسرع عنترة وفوت مالك وزوجك ورجالك من هذا المضيق، فان عمارة الوغد الذي قادني إلى هذا المكان يتربص لقتلك. . . ومعه مائتان. . . وسيمرون من هنا
عنترة - إنني مازلت قويا قائما على رجلي فقل لي أين هم؟
وزر - كلا، فلات ساعة لحاق يا عنترة والأفضل الهرب. . .
عنترة - الهرب؟
وزر - ليس لك! فلا فائدة لك منه ترتجى. . . ولكن الآخرين فهربهم وإن ساعدك لكفيل بتهريب زوجك وعشيرتك. . . فعجل دون أن تنتظر أن يكفر موتي عن حياتي. . . شيبوب - اواه؟ إنك لن تموت
стр. 2713
عنترة - لم يرد الموت ان يدركني في الحروب!
شيبوب (مهددا جثة وزر) ويل لك أنها الخائن!
عنترة - (يمنعه) ولم هذه الإساءة للموتى؟ فلينم بدعة وسلام! وان موتي لم يختلف عنه في الأجل والشكل وسيموت كلب ضال وهو في عنفوان قوته دون أن يثب الوثبة الهائلة ليصل إلى الماء وينهل الحياة. ولما شحب لونه وأسلم روحه الصغير ومن يعلم لأي جلاد؟. . مات من غلته أمام خرير الماء. كلا فاني سأثب هذه الوثبة مهما حل وحصل! وسأحيا!!! وسأحيا!!! إذ لابد أن أحيا. أوقد النار يا شيبوب واصهر حد السيف أو الرمح فان السم مهما بلغ أمره فلا يقوى على الحرق إذا ما تعدى الجرح وان مت فسأموت مختالا فخورا. ويخيل ألي وقتئذ إنني قتلت بالحديد
(وقد أسرع شيبوب في إيقاد النار بقطع من الخشب ثم وقعت عيناه على جثة وزر) ولكن الآخر مات بنفس الجرح وقد سرى السم في جسمه واصبحت جثته بمثابة نذير! إلهي انما أنا عبدك وخادمك! إنني أسعى وأعمل لك فلا تمتهني هذه الميتة بل على الأقل في الموضع الذي ينتظرني فيه الحصار! يالهذه الجثة! إنني وجل! وعيناي تطرفان أمام الموت كما تطرف أجفان المولود الجديد من الضوء. ما انتابني قط الخوف فكيف حل بي الآن. وإذا كان الإنسان في الحروب مقداما فهل يكون دائما في كل المواقف؟
(ثم يسوق الكلام إلى شيبوب) هل تمكنت من مشاهدة عبلة وتطمينها؟
شيبوب - إنها نائمة وتنتظرك وهي واهية القوى من وعثاء الرحيل والتأثر والفضل لسلمى في تهدئتها
عنترة - ما أعزك علي يا عبلة
شيبوب - لقد احمر النصل
عنترة - يجب أن تضع النصل المصهور في الجرح دون اضطراب وارتعاش فان حياتي معلقة به
شيبوب - وا أسفاه! ستتألم كثيرا
عنترة - كلا! احرق! احرق فاني لا أحب أن أموت (ثم يعري عنترة كتفه فيكوي شيبوب الجرح)
стр. 2714
ثم ينزل الستار
الفصل الخامس
عنترة وشيبوب
يأتيان من المعسكر والوهن باد على عنترة وهو متوكئ على كتف شيبوب
شيبوب - نعم، لقد بدد صوتك الشك عندهم والباقون سيستعدون لموالاة سيرهم
عنترة - ولكن هذا يوم الراحة الذي وعدوا به
شيبوب - لم أقل عنه شيئا البارحة، وقد أرجأت البت فيه إلى هذا الصباح
عنترة - ألا يدهش أحد من هذا السفر السريع؟
شيبوب - كلا وفضلا عن هذا فلا يعلم القريبون منا ولا البعيدون بمصابك. . هل تشعر بتحسن؟
عنترة - إن نسيم الصباح يطفئ قليلا الحمى؛ والكي وحده الذي يؤلمني هل دفن ميت البارحة؟
شيبوب - أجل، هناك بجانب تلك الخميلة
عنترة - ان الموتى مهما بلغ أمرهم لهم الحق في الراحة. ولننتخب الآن المكان الملائم لمشروعي. . . هناك! لا. . بل بجانب تلك الهاوية فاتها مكان مكشوف قليلا. . . ويجب أن يتمكن العدو حينما يصل من رؤية عنترة حيا أو ميتا. والآن أيها الرفيق والأخ يجب أن نفترق في هذا المكان ولنرجع من هذا الطريق الذي كان بالأمس طريق الأمل؛ أما أنا فسأتمم حياتي وواجبي
شيبوب - ألا تريد إذن أنوب عنك
عنترة - ولم يا شيبوب يحدث موتي ارتباكا في سير الأمور؟ وتصيح عبلة وسط هذا الاضطراب دون أن تتمكن من الوصول إلى الملك؟ لا! بل يجب أن ينفع حتفي رجالي وعشيرتي ومجدي ويترك نقطا من الابريز الوهاج في صفحات تاريخي!
شيبوب - ولكنني سمعت أن المنذر من علماء الطب فتعال! تعال! ومن يدري؟
عنترة - لقد فات الوقت، إذ بيننا وبين المنذر ثلاثة أيام ولقد مات وزر بسرعة ولا مرد للقضاء
стр. 2715
شيبوب - نستطيع أن نؤخره بجهد عظيم!
عنترة - لا يمكن تأخير ساعة الموت، ولم هذا الجشع الذي ينقص الكرامة ويسقط الاعتبار. وصباح حافل بالحوادث خير من يوم عظيم خال. . . . . . . . . . . . . . . . .
أتبكي؟ ومتى كانوا يبكون فارسا سقط عن جواده في ميدان المجد والفخار؟
شيبوب - إني أبكي قومنا جميعا، أبكي بلادك وأمتك وكل ما سيموت بموتك. عفوك اللهم وغفرانك!
عنترة - إن مستقبل الأمة والبلاد لا يتوقف على فرد ولو كان فارس الزمان أو كان ملكا دانت له الدنيا من أقصاها إلى أقصاها ولا شيء يقف تقدم أمة. انني أراها ترقى وتتقدم من المشرق إلى المغرب في ازدهاء كسف الكوكب الذهبي في فلكه. ولا يهم النسور المختالة حتى الخطاطيف ريشة تزيد أو تنقص من أجنحتها القوية!
شيبوب - كلا يا عنترة! فان هذه الفكرة لا تنطبق على ذويك!
عنترة - حتى ذوي! إذ سيكون ألمهم شديدا ينفذ إلى سويداء قلوبهم. وكل شيء في الدنيا يتألم حينما يولد أو يخلق حتى الحبة تتعفن قليلا قبل أن تنبت وما الحياة إلا ثمرة شجرة الموت. اذهب وارحل فلربما رأيتني في يوم قريب وسأظهر لك مرة ثانية في الخيط الأسود الذي يخطه موتى في الموضع الذي مر فيه الزارع. وستنبت تحت قدميه الحبة التي بذرها
سافر واسهر عليها واحرسها أيها الصديق والحارس الأمين، ومن يدري ماذا سيكون شان المولود الذي ستلده
شيبوب (وهو ناظر إلى جهة المعسكر) اذهب وكن على رأس الجند ومر من المضيق!
(عبلة آتية من المعسكر وهي تعدو وشيبوب وراءها. أواه) (عنترتي لقد فهمت كل شيء وحدثني به قلبي. لا تمكر على فان قلبي لقلب بطلة ولو انه تألم كثيرا ولكنه يستطيع أن يستمر في ألمه
(ثم تقع على قدميه)
إنني لا أتألم إذا شاطرتك حظك، أما أنا ظل ارتبط بظلك؟
стр. 2716
عنترة (وقد غالب آلامه)
هذه زهرتي المسكينة قد أضجعها إعصار وهي مثقلة بماء السماء. انهضي فان الشمس ستشرب وهي منحنية عليك عبرات حبك. لقد بدد الحديد المصهور كل خوف أني لاشعر بخفة وطأة الموت وأكاد أفلت من مخالبه. وانك تستطيعين يا عبلة أن تذهبي وأنت مطمئنة مرتاحة البال (ثم يقول بلهجة حنان وتأثر) هذا واجب عليك، وان لك غرضا يجب أن يكون نصب عينيك ستبتهج له نفسك وهو أمل عظيم يتوج المرأة ويولد الغد من أسراره الخفية. . . وحبذا لو نضجت ثمرة حبنا يا عبلة. وان مت وجب عليك أن تضاعفي حبك لهذا المخلوق الصغير (ثم يبتسم) ولكن ما العمل؟ وكأني أحزنك وأقطب جبينك واسعد عبراتك، ولكن كل شاعر حزين الفؤاد ولو من غير ما داع ولا سبب
عبلة (تنهض وهي منهوكة القوى مصعدة الزفرات) سأرحل ولكنك لا تخدعني، واعلم أن كل لحظة أو خطوة تبعدني إلى الأبد عن وجهك ونظرك المملوء بالعطف والحنان، ولا تقل عنك شجاعتي وسأذهب طائعة، وأتمنى أن ألد ولدا يثأر وينتقم لأبيه! وإني أحب الحياة لأجلكما وهل يساعدني الحظ على نيل هذه الأمنية؟
عنترة! إنني كالسكران من هذه الضحية وذلك الألم. فالوداع الوداع! وآمل أن لن تلين عبراتي من قناتك (ثم يتعانقان)
عنترة_الوداع الوداع يا ابنة الأمير النبيل سلالة الأبطال الأماجد الذين يقابلون الأهوال بعيون كعيون النسور القشاعم، أن دم أسلافك لا يكذب كما يصدق دم راعيهم القديم الذي نال الشرف اليوم
(ثم يصطحب شيبوب عبلة)
اذهبي ولن ترحلي وحدك يا عبلة، ان نفسي لتشيع خطواتك وسأجعل نصب عيني الساعات والأيام التي نسجت منذ طفولتنا خيوط حبنا وسأبذرها في الهواء لتكون ذرات حياتي هذه لك بمثابة حرس عظيم! ثم أحرسكم جميعا فيما بعد من أعالي السماء
(ثم يعود إليه شيبوب)
شيبوب - يا لك من مسكين.! يجب أن تلحق بها في أقرب وقت. هيا بنا فأنني تام العدة والسلاح، وهذه آخر واقعه أخوضها ويلزمني أن أستعد لها كالفوارس البواسل وأتلقى
стр. 2717
الطعنات إلى أن أقع مضرجاً بالدماء
شيبوب! يا أخي وزميلي في الحروب! لنتعانق دون ضعف أو أسف لا يجدي ولا ينفع، وعيون جامدة لا تعرف أن تدمع
(ثم يطيع شيبوب إشارة عنترة وهو يكظم زفراته ويذهب)
سأموت الآن بغير شهود ونعم ما فعلت. أنني أستطيع الآن أن اعبر آلامي ويتسنى لعيني أن تبكيا دون أن تسيل عبرات الآخرين. لقد خارت قوي ولكني ضاعفت قواكم ولن يرى أحد منكم ضعفيوآلامي. (ثم يخترق شعاع من الشمس المشرقة سحب الضباب المربد وينير وجه عنترة)
والشمس لا تفترق عنا إذ تولد ثم يراها الناس وهي تموت. أيتها الشمس اذهبي إلى ذوي وانضمي إلى موكبهم وقولي لهم بأني أحميهم في الحياة والممات. الوداع يا أمان الحب والمستقبل الزاهر أواه! أنني اشعر أن البرد يغير علي شيأ فشيأ وقد اضطربت عيناي، ماذا دهاني! هل هذه وطأتك أيها الموت! مهلا مهلا! فاني أنا الذي أهاجمك واشد عليك دون وجل. لامتط الجواد والريح في يدي كما كنت من قبل! سأجبرك أن تخضع لامري وسيقود ذراعي سيرك الأعمى الأحمق
(ثم يعلو جواده وهو في الرمق الأخير) والآن تفتح روحي جناحيك فطر وحلق. يخيل إلى أني أنام نوما هادئا وأرى سربا من الطير آتيا من الشرق!. . . يقترب مني ويحيط بي ثم يذهب ويعود. ولكنه حياتي بأجمعها التي تضمني كأكفان نسجتها الأيام التي عشتها. أيام الأمل والحب والحرب، أن الماضي يعرض أمامي وأرى أول الكفن: أي أيام الطفولة! إن خيوطك لمن خز وعسجد وانت وحدك اللامعة الزاهية! إننا ننسج بأيدينا أكفاننا، وهذا كفني يطويه الموت بإصبعه! وهو يدفنني في طيات حياتي!. . . لا تتحرك يا عنترة. . . بجب ان يراك العدو حينما يقبل مستعدا للكفاح. . .
(ثم يسلم النفس الأخير ويميل رأسه ويبقى جسمه منتصبا معتدلا مستندا ذات اليمين إلى رمحه وذات اليسار إلى الصخور القائمة وفي هذه الآونة يأتي الرجال شاهرين رماحهم وسيوفهم وعلى رأسهم عمارة بن زياد فيلمح على حين غفلة عنترة وقد أضاء وجهه شعاع الشمس المشرقة فلمع سلاحه وهو راكب جواده)
стр. 2718
عمارة - آه! إنه لحي لم يمت!
الباقون (وهم يولون الأدبار مذعورين) حي!
ينزل الستار
محمد كامل حجاج
стр. 2719
الكتب
أهل الكهف
قصة مسرحية للأستاذ توفيق الحكيم بحث وتحليل ونقد بقلم
الأديب عبد الرحمن صدقي
تتمثل حياة الشرق في كتابين: القرآن الكريم، وحكايات ألف ليلة وليلة. فالأول يهدي إلى ما يجب أن يكون، والثاني يصور ما هو كائن واقع. يعالج أحدهما من طريق الوحي الديني علائق الإنسان بالله والمحدود باللا محدود وموقف البشر حيال المسائل الخالدة التي تفوق مداركه ولا تني تعذبه. ويستعرض الآخر لعياننا وأخلادنا صوراً حية تترى وتترى، مؤنسة كل الايناس مؤثرة أبلغ التأثير، لزحمة الحياة، والوان المجتمع على اختلاف شياته وتعدد أصباغ نسيجه، وأنماط الناس، ومطالب العيش، ودوافع الغرائز المعقدة المتضاربة، ومسارب الأحاسيس العميقة الغامضة.
وقد عمد الأستاذ الحكيم إلى هذين المرجعين من الحكمة الإلهية ومن الحكمة البشرية. فاستوحى من الأول قصته المنشورة عن أهل الكهف، واستأنف من الثاني قصته التي لم تنشر بعد عن شهرزاد. فكان اختيار المؤلف (الحكيم) أول عناصر نجاحه.
وسيقصر كلامنا هنا بطبيعة الحال على القصة المنشورة (أهل الكهف)
عمل الفنان
لأجل أن نرد ما لقيصر لقيصر وما لله لله، نسوق ملخصا لشرح البيضاوي للسورة الكريمة. وظاهر من هذا الشرح أنه كل ما اعتمد عليه مؤلفنا في قصته التمثيلية البعيدة الغور.
هم فتية من أشراف الروم، أرادهم دقيانوس الجبار على عبادة الأوثان والشرك بالله؛ فأبوا وهربوا إلى الكهف، وقد مروا في هربهم بأحد الرعاة فتبعهم وتبعه كلبه، وكان دخولهم الكهف غدوة وألقى الله عليهم سباتا سنين عدة: اختلف الناس في عدتها، فقالوا ثلاث ماية، وزادها غيرهم تسعا، والله أعلم بما لبثوا. وظلوا على الحال التي كانوا بها تحسبهم أيقاظا وهم رقود وكلبهم باسط ذراعيه بالوضيد. ثم قضى الله انبعاثهم، فانتبهوا ظهيرة وظنوا أنهم
стр. 2720
في يومهم أو اليوم الذي بعده، فلما نظروا طول أظفارهم وأشعارهم التبس عليهم الأمر وأعياهم علمه. فأخذوا فيما يهمهم، وبعثوا أحدهم إلى المدينة ليأتيهم بطعام على أن يتخفى ولا يشعر بهم أحدا لخوفهم أن يظهر رجال دقيانوس عليهم فيرجموهم أو يرغموهم على الشرك. فلما دخل المبعوث السوق وأخرج الدراهم وكانت مضروبة باسم دقيانوس اتهموه بأنه وجد كنزا فذهبوا به إلى الملك وكان نصرانيا موحداً، فقص عليه القصص. فقال بعضهم ان آباءنا أخبرونا أن فتية فروا بدينهم من دقيانوس فلعلهم هؤلاء. فانطلق الملك وأهل المدينة من مؤمن وكافر وأبصروهم وكلموهم. ثم قالت فتية الكهف للملك نستودعك الله ورجعوا إلى مضاجعهم فماتوا. فدفنهم الملك في الكهف وبنى عليه بيعة. والأقوال مختلفة في عددهم فمنهم من قالوا ثلاثة رابعهم كلبهم، ومنهم من قالوا خمسة، ومن قالوا سبعة. ويروى أن أسماءهم يمليخا ومكشلينيا ومشينيا وهؤلاء أصحاب يمين الملك ومرنوش ودبرنوش، وشاذنوش أصحاب يساره، وكان يستشيرهم. والسابع الراعي الذي وافقهم واسم كلبه قطمير. واسم مدينتهم أفسوس وقيل طرسوس.
هذه هي المادة الأولية التي أتيحت للمؤلف فانظروا كيف صارت في يديه، وكيف نحت فيها هذه المجموعة من التماثيل الحية وأقام منها هذا الأثر القصصي.
لقد شاء له الفن أن يأخذ بقول الزاعمين أن فتية الكهف ثلاثة وآثر الاقتصار عليهم حتى لا يتوزع اهتمام القارئ أو الناظر، فيضعف التأثير وتقل المتعة فحسب الفن اثنان من مستشاري الملك والراعي. وارتأى أن تتقدم السن بأخذ هذين المستشارين ويكون الوزير الأول، أما الثاني فيكون فتى في ميعة الشباب وريعانه. ثم يشاء الفن القدير أن يجعل للوزير زوجة وولدا ً كان يخفي أمرهما، وأن يجعل للفتى حبيبة في الخفاء هي ابنة الملك ووحيدته. وقد اعتنق الرجل دينه الجديد حباً في زوجته المسيحية، كما أن حب سليلة الأباطرة للفتى المسيحي حبب اليها دينه. فإذا فأما من سباتهما وقد تفترت من طول الرقاد أوصالهما، كان لهما من العلائق القلبية ما يذكرانه فتنازعهما النفس إلى طلب الخروج من الكهف، ويختلفان فترى الفتى نزقاً كعادة العاشق المشوق، أما الزوج فحذر كظيم شأن رب الأسرة المسئول. ويشاء الفن أيضا أن تكون ابنة الملك في عصر انبعاثهم شبيهة كل الشبه بابنة دقيانوس حتى يطول وهم صاحبها وأما الراعي فلا تطول خديعته، فما هو إلا أن
стр. 2721
افتقد غنمه فلم يجدها، ورأى أبناء هذا الجيل على غير عهده بهم سمتا ولهجة وزيا، حتى اتضحت له الحقيقة، وثقلت عليه الحياة فعاد زاهدا فيها إلى رقدة الكهف. ثم تبعه الوزير ثاكلا متفجعا باكيا وقد علم موت زوجته ومصرع ولده كهلا منذ دهر طويل في حومة الوغى وميدان الشرف. وأخيرا الفتى العاشق وقد تبددت أحلامه، وبدت لناظريه هوة الزمن السحيقة تفصله عن المرأة التي يحبها.
وهكذا دخل الفن على العبرة القصصية فخرج منها - كما يرى القراء - بآية فنية.
التحقيق التاريخي
لم يقصد المؤلف بروايته وجه التاريخ. ولا أظن به طمعا في أن يكون مؤرخاً. وهيهات أيضا لكاتب هذه السطور أن يدعي لنفسه هذه الدعوى العريضة. بيد أنه لما كانت القصة التي نحن بصددها لها صلة بالتاريخ، فلا مراء في أن الدراسة التاريخية هي على الأقل من مستلزماتها.
ولقد راجعت القليل من المراجع في التفسير، ومن معاني التاريخ الموضوعة في العربية، ثم انتقلت إلى غير الكتب العربية مما هو موضوع في تاريخ الإمبراطورية الرومانية ونشأة المسيحية بغض النظر عن مؤرخي الكنيسة ورجالها. فإذا مؤلف أهل الكهف لم يسلم من نقص في هذه الجهة وأخطاء قد لا يكون لها خطر في صميم الفكرة، بيد أنه كان من المستحسن على كل حال تداركها ولو تكلف قاصنا المسرحي اليسير من العناء في التحقيق التاريخي
فقد زعم أن العاهل دقيانوس هو صاحب عصر الشهداء أي ديوقلاسيانوس لتقارب النطق واحتمال التحريف في تعريب الاسماء الأعجمية عند العرب. والحقيقة أن دقيانوس هو ذوقيوس كما يلفظها البعض أو دسيوس عاهل الرومان الذي حكم من عام ٢٤٩ إلى عام ٢٥١ بعد الميلاد. وكان مع بسالته وحسن تدبيره شئون الملك شديداً على النصارى، فنقض ما كانوا فيه من أمان وسكينة، وأجمع العزيمة على سحق المسيحية. فكان شديد الكراهية للبطارقة وكان كل مؤمن في ملكه الواسع رهنا بالسجن والتعذيب، وقد شاع لعهده التفنن في التعذيب بالجوع والعطش. واشتد اضطهاداته في سنة ٢٥٠ ميلادية فلم تعد وقائع مفردة بل أمور عامة وتدابير منظمة. ولعل فتية القصة هربوا إلى الكهف في هذه السنة
стр. 2722
ثم إن أكبر فتية الكهف هو مكسلمينا. والأجدر بالمؤلف اتخاذه بدلا من مرنوش. كما أن أجملهم وأجلدهم تمليخا فلا محل لإطلاق اسمه على الراعي وحسب الراعي أن يدعى راعيا
كذلك لا نستسيغ تسمية الوادي الذي به الكهف في ظاهر المدينة بالرقيم. لأننا أميل إلى قول المفسرين بأن الرقيم إشارة إلى لوح من الحجر أو الرصاص عمد إليه رجلان مؤمنان من بيت الملك، فكتبا فيه شأن الفتية ورقما أسماءهم وأنسابهم، وأودعاه في تابوت من نحاس مختوم بخاتم من فضة، وجعلاه على باب الكهف
وأما المدينة التي كانت مسرحا لوقائع القصة فليست طرطوس كما استحسن المؤلف استنادا إلى قول في البيضاوي بل هي مدينة كما ذكر ذلك البيضاوي نفسه وعليها أجمع المؤرخون والمفسرون من المسلمين ورجال الدين من النصارى، ولا عبرة بوهم واهم من المفسرين زعم (أن مدينة أفسوس هي طرطوس وكان اسمها في الجاهلية أفسوس فلما جاء الإسلام سموها طرطوس) فقد ساقه إلى هذا الخلط جهله بتلك المدينة الداثرة إطلاقا، واقتصار علمه على طرطوس التي فتحها العرب، ولقد عمد في حيرته إلى قطع العقدة بدلا من حلها، فقطع بأن المدينتين واحدة، وشتان مابينهما في موقعها الجغرافي وماضيهما التاريخي
ومدينة أفسوس قديمة، وبها للمشركين هيكل لإحدى آلهتهم أرتميس (أو ديانا وحرم لتمثالها المقدس. وهذه الربة هي الأم العذراء للحياة والانتاج. وكان لأهل المدينة ولع بعلوم السحر والكهانة حتى بعد انتشار النصرانية فيها. وقد اشتهرت بأوليائها وشهدائها. وقد زعم القوم أن مدينتهم كانت الموطن الأخير لمريم العذراء وأنها دفنت بها، ومع هذا فأن اعتقادهم في أرتميس الأم العذراء أيضا لم يزل قائما قويا. وقد كان من حق أفسوس على الأباطرة الرومان أن تكون أول مدينة ينزل بها ولاتهم على آسيا وأن يتقلدوا فيها مقاليد الولاية. وأفسوس معروفة بكثرة ما خلفته من نقودها المضروبة المتنوعة وما على سكتها من بديع النقوش وطوابع الحكام.
وأخيراً يحسن تعيين الملك الذي ابنعث على عهده أهل الكهف وهو إمبراطور الدولة الشرقية المسيحي تاودوسيوس الصغير ٢وحكمه من عام ٤٠٨ إلى عام ٤٥٠ ميلادية.
стр. 2723
وكانت قد فشت في زمانه بين الناس بدعة القائلين ببعث الارواحدون الاحساد، فجاءت معجزة الكهف تفنيداً لهم وآية على قدرته تعالى وكان هذا الملك في أول حكمه قاصراً يدير الدولة باسمه القاضي أنتيميوس ثم تولت القوامة عليهأخته بولكيريا فدرج بعنايتها على الصلاح ودماثة الخلق والنزاهة وحسن الفكر والروية. وبولكيريا أسم تاريخي يصلح بدلا من بريسكا في رواية المؤلف بعد تبديل بسيط
ونقف عند هذا الحد لنقول أن الرواية لا تخسر بهذا التحقيق التاريخي شيئا. ولعل الأستاذ الحكيم لو اطلع على معظم التفاسير والتواريخ من عربية وغير عربية في هذا الموضوع وحوله، لصدقنا فيما نذهب إليه من أن روايته الكبيرة تكسب عظمة من وجود هذه المواد في يدي صناع مثله، وأنه كان بهذا التشبع بالتاريخ قميناً بأن يفرغ عليها إلى جانب ذلك السنا الفلسفي والضرام العاطفي والروح الإنساني لوناً محليا ظاهراً يصبغها في غير تكلف منه أو تعمل، بطبيعة المناخ الآسيوي، وبذلك المزيج من الحس الوثني، والتصوف المسيحي.
(له بقية)
عبد الرحمن صدقي
стр. 2724
العدد ٣٣ - بتاريخ: ١٩ - ٠٢ - ١٩٣٤
стр. 2725
في الأقصر. . .
لا تجد في معبد الأقصر ما تجد في معبد الكرنك من ذلك الاستغراق الذهني الذي يمحو الوجود من ناظرك، ويعفو الحاضر في خاطرك، ويحييك مع أمينوفيس ورمسيس في دهر واحد! فأن هذا المعبد يقع في جبهة المدينة ونزهة الناس فلا تنفك وأنت فيه بين نظرة خادعة من مفاتن النهر، وزفرة صادعة من بواخر كرك، ولفظة صاخبة من لغط المار؛ ولن تستطيع وعيناك تضطربان بين الهيكل والكنيسة والمسجد وقصر السلطان وونتر بلاس، ان تحصر ذهنك في موضع، وتقصر فكرك على موضوع. فكل صورة من هذه الصور الموائل يمثل فكرة وييسجل نهضة ويؤرخ حقبة؛ أما معبد الكرنك فظل بنجوة من تيار الزمن الجارف، ينعم بسكونه الشعري في اعتزاله، ويتمتع في جوه الفرعوني باستقلاله
فتننا سحر الأصيل عن شعر المعبد، فذهبنا فيي طريق السلطان حسين نشهد أروع مجالي الجمال في الطبيعة. ومن حدثك أن بلداً من بلاد الله غير مصر يتمتع في يناير بدفء يستجيش العرق والبهر، وضوء يغمر القلب والنظر، وصحو يدوم النهار والليل، فهو ولا ريب لم ير الأقصر! وأي منظر تألقت به قدرة الله، وتأنقت فيه يد الطبيعة، كمنظر الغروب في طيبة؟ فالشمس المصرية تغرب في جلال وراء الجبل، وأشعتها الفاترة قد تجمعت حولها من سهول الوادي، فلم يبق منها الا غرر تلمع في أجنحة الطير وسعف النخل ورؤس الهضاب، وشفقها الوهاج قد شب في أطراف السلسلة اللوبية حريقا بارد اللهيب ايذانا بالمغيب، والمشتون من سراة أوربا وأمريكا يطالعون في شرفات الفندق أجمل ما خطته يد البارئ المصور في صفحة الوجود، وأنا وأصدقائي الثلاثة نسير الهويني على الشاطئ الضاحك، يشيع في دمائنا مجد هذا الماضي، وفي أعصابنا عظمة هذا الوادي، وفي أخلاقنا صراحة هذا الجو، وفي مشاعرنا جمال هذه الطبيعة، فنكاد من فرط الزهو نقول لمن نلقى من السائحين االغربيين: نحن تلية هذا المجد، وصنيعة هذه الشمس، وصورة هذا الجمال، فهلا تروننا اخلص الناس جوهرا. واصدقهم مظهرا، وازكاهم أرومة؟
وكان حديثنا في هذه الساعة الجليلة نغمة منسجمة في هذا اللحن السماوي الذي تنشده الكائنات كل يوم عند الغروب، وما ظنك بحديث نقي الحواشي يشققه أستاذ في كلية الآدب، واستاذ في كلية العلوم، واستاذ في كلية الحقوق، وكاتب صغير من كتاب الرسالة؟
стр. 2726
كان صباح اليوم العيد موعد (المقابلة الملكية) فعبرنا النهر في رهط من أطباء المؤتمر، ووقفنا بالضفة الأخرى نتحسس الآثار الهوالك، فلم نجد أمامتا غير الحقول الزمردية تكسو السهل، والجبال الوردية تسد الأفق. وكانت هذه الضفة الخلاء في دهرها الغابر حيا من أحياء طيبة يسكنه محنطو الجثث وصناع المومياء، فما كان يومئذ يموت انسان أو ينفق حيوان الا أتوابه هذا الحي فيمضي فيه أهله (عملية) الخلود!!
انطلقت بنا السيارات بين الزروع الخضر أرتالا يسفى بعضها الغبار في وجوه بعض، فمررنا بالقرنة وقد خرج أهلها في زينتهم يعيدون فوق المقبرة! وأكبر الظن أنهم بقايا ذلك الحي البائد، فهم يسكنون الجحور كبنات آوى، وينبشون القبور كلصوص الموتى. وينحتون التماثيل كصانعي الآلهة، ويخدعون بالتمائم كدهاة الكنهة!
وقفت بنا الحقول فجأة، ثم أسلتنا الى قفز من الأرض بعضه مرمل وبعضه مترب، فسرنا فيه بين أعلام من الحجارة المنضودة، حتى دفعنا الى شعب في الجبل تكثر على جانبيه الغيران الموحشة والفجوات العميقة، فنحسبها بادئ ذي بدء من أثر الوحوش الحافرة، ولكنك تدرك بعد هنيهة أنها من أثر الانسان الذي نكبت به هذه الأرض منذ أربعة آلاف سنة فلم يرفع معموله عنها الى اليوم!!
شقها فدفن بها الملوك! ثم شقها فسلب فيها الملوك! ثم هو يشقها اليوم دائبا ليخرج منها الملوك!
أخذت طراءة النسيم تتخلف عنا رويداً رويداً حتى انقطعت، وهب يناوحنا من فجاج الوادي الملكي جو ثقيل كجو مايو، وأصبحت سلسلة الجبال فوقنا بعد ان كانت أمامنا، ثم انعطفت الطريق الصاعبد بغتة فاذا السيارة أمام باب من الخشب، وبواب من الناس، وقائل يقول: هنا جبل الخلود وحرم الملوك ومثوى توت عنخ آمون!!
الجبل من أعلاه إلى أسفله قطعة واحدة من الحجر الجيري الصلد لا تجد فيه صدعا ولا فرجة! نقرت يد الانساان القديم في أصله فتحة مربعة دخل منها الدليل ودخلناها على أثره، فاذا سلم حادر يهبط بك قليلاً أو كثيراً الى بئر عميقة تضلل اللصوص: ثم يعود فيهبط الى قاعة فسيحة تجمع أشتات المتاع، ثم يعود فيهبط الى حجرة تضم جثمان الملك! وسقوف الحجر محلاة بصور من جماعات الكواكب، وجدران الانفاق مغشاة بسور من كتاب
стр. 2727
الموتى: فالبرزخ الفاصل بين الحياة الفانية والحياة الباقية مصور كله في وضوح ودقة! فهنا الميزان، وهناك الصراط، وهنالك المطهر، وفيما بين ذلك عقبات هائلة وحيات قاتلة لا يفلت منها الا من حمل جواز الأمان وعرف كلمة السر!!
وقفنا حيال فرعون وهو راقد في أكفانه الذهبية رقدة الضراعة والهون! يشمت به الفناء، ويسخر منه البقاء، ويصيح في أذنيه القدر:
لقد علوت في الأرض، وغلوت في الجبروت، وسخرت الزمان لتخليدك، والانسان لتمجيدك، ثم كانت عاقبتك يا فرعون هذه العاقبة المضحكة!! فصاحب اذنك خادم حقير، وكبير أمنائك (ترجمان) أجير، وشعبك العابث يحضر (التشريفة الكبرى) يوم العيد في غير حلة رسمية، ولا هيئة جدية، وجلالتك الالهية كلها لم تقو إلا على الدود، ولم تحظ إلا ببسمة ساخرة من ثغر الخلود!!
أحمد حسن الزيات
стр. 2728
السياسة وعلم الاجناس
للدكتور محمد عوض محمد
يود الذين يشتغلون بعلم من العلوم لو أدرك الناس ان لكل علم حرما يجب ألا يدنو منه غير أهله إلا بشيء كثير من الحذر. ومع ذلك فان من الشائع المألوف ألا يكتفي للناس بالدنو والاقتراب من حرم هذا العلم أو ذاك، بل ان الكثيير منهم ليقتحم عليه الباب ويخترق الساحة، ويستبيح الحمى. في غير رفق ولا حذر، ودون ان يستأذن أو يسلم
وهذا الاعتداء قد يكون من عامة الناس وجهلتهم. فلقد ترى الواحد من هؤلاء يصف للمريض الدواء الشافي والعلاج الناجع في جرأة قلما نراها في الطبيب المحنك الذي وعى في صدره طب الأولين والآخرين. ولكن هذا الاجتراء على حرم العلم قد يكون أيضا - ويا للاسف - من رجال ينتسبون إلى الثقافة وإلى العلم، وربما رأينا المثقف يعتدي - فيي جرأة واعتداء بالنفس - على حرمة علم لم يدرسه ولم يلم به، فيتحدث عنه حديث من أحاط بأطرافه وتوفر على درسه.
ولعل هؤلاء أشد خطراً من جهلة الناس وعامتهم. لأنهم مثقفون، ولأنهم ألموا ببعض العلوم إلماماً حسنا. فأكسبتهم ثقافتهم وعلمهم مكانة بين الناس ومقدرة على الافصاح عن آرائهم ليست للأمي الجاهل، فهم اذا تحدثوا عن علم غير ما اختصوا بدراسته، أخذ الناس عنهم أقوالهم من غير جدال، لما لهم من المقدرة في البيان ومن المكانة في النفوس.
والذين راقبوا هذه الظاهرة بين رجال الثقافة قد أدهشهم أن يروا هؤلاء يتكلمون في جرأة وفي ثقة، عن أمور لا يتحدث عنها الاخصائيون الا في حذر شديد. فيصدق فيهم المثل الانكليزي:
(يمعن السفهاء في الجري والاندفاع، حيث تخشى الملائكة أن تمشي الهويني)
أثارت هذه الخواطر في نفسي مقالة للدكتور أحمد زكي في الرسالة عنوانها (العنصرية) وقد رأينا فيها ما يعانيه علم جديد وهو علم الأجناس من رجال السياسة ممن لن يلموا به إلماماً صحيحا، ولا جشموا أنفسهم مشقة مطالعة سفر واحد مما ألف فيه. وقل أن يكون بين العلوم علم لقي من هذه الناحية مثل ما لقيه علم الأجناس.
стр. 2729
فلقد كان من الشائع جدا أن المتكلم عن الأجناس البشرية يخلط بين الثقافة واللغة والدين في تقسيم الناس إلى أجناس، وبين صفاتهم الجثمانية البحتة كاختلافهم في اللون والقامة وشكل الرأس والشعر. . وهي الصفات التي يجب أن تكون الأساس العلمي الاكبر - بل الوحيد - لتقسيم الناس إلى أجناس.
هذه الاختلافات الجثمانية أمرها قديم جداً. وللأسف لم ينشأ علم ولا علماء يعنون بمعالجة هذا الموضوع ودراسة السلالات البشرية دراسة علمية صحيحة إلا في عصر حديث جداً، ومما يؤسف له أن كثيرين ممن أوتوا حظا وافراً من الثقافة لا يزالون - بسبب حداثة هذا العلم - جاهلين حتى بمبادئه الأولية.
ولهذا قد نرى كثيرا من المسئولين من رجال الأدب والسياسة ينطق بألفاظ وعبارات عن الأجناس وأهميتها وأفضلية جنس على حنس في صور لا تنم عن دراسة حقيقة للسلالات البشرية ولعلم الأجناس.
واختلاط السياسة بعلم الأجناس من أيسر الأمور. فان الدول كثيرا ما تصبح في مقام المنافسة والمناظرة من أجل استنهاض همة الناس أو تقوية الروح القومية فيهم. فليس أسهل للوضوال الى هذه الغاية من أن يفهم الناس أن سلالتهم أعظم السلالات، وجنسهم ارقى الأجناس. وقد يتدخل رجال العلم في هذا الأمر، وينزلون عن عرش علمهم الى درك المنافسات القوية. وهذا أمر يستدعي الأسف، ولكنه كثير الحدوث، ولم تختص به المانيا النازية: كما يزعم خصومها. بل إن أشهر الكتاب فيه من غير الألمان
إن علم الأجناس لا يرى فضلا لسلالة على سلالة ولا لجنس على جنس. حتى إن بعض المؤلفين (راجع مثلا كتاب وقد يخصص جزءا غير قليل من كتابه في دحض الآراء الشائعة عن الأجناس، فهو لابد له أن يهدم الخطأ قبل أن يبنى الصواب.
الاجناس كلها متساوية في نظر العلم، ولكن أكثر الناس قد وقر في نفسه غير هذا. ومن قديم الزمان جداً يفخر كل شعب بأنه هو الشعب الأعظم. وما سواه أمم بربرية. وهذا بالطبع لم يكن سوى صورة من صور الأثرة القومية. فاليونان كانوا يقسمون سكان العالم الى قسمين: اليونان والأمم البربرية. وهكذا يقول هرودوت في مقدمة كتابه إنه سيقص فيه الحوادث العجيبة التي حدثت للهلينيين (اليونان) وللأمم البربرية.
стр. 2730
وكذلك كان الرومان يعتقدون أن ما سواهم شعوب بربرية. ومن الغريب أن أهل الصين أيضاً كانوا الى منتصف القرن التاسع عشر ينظرون الى الانكليز ومن اليهم بأنهم بربرة. والكلمة الصينية التي تفيد هذا المعنى: معناها الحر في الاشخاص الذين يجلسون القرفصاء على الأرض: أي أنهم من الوحشية بحيث لا يتخذون كراسي لجلوسهم. وهكذا كان كبار رجال الدولة الصينية يخاطبون سفراء الملكة فكتوريا وكانوا يدعونها ملكة البرابرة حتى لقد كان هذا مما أحفظ الأنكليز؛ وكان من جملة الأسباب التي دعت الى اثارة حرب الأفيون.
ولئن كان الجرمان يفخرون بجنسهم اليوم. فكذلك كان يفعل الروس قبل الحرب، فقد كانوا يمجدون الجنس السلافي ويزعمون أنه أرقى الأجناس جميعاً.
ولعله ليس في العالم شعب قد غلا - من هذه الناحية - الغلو كله مثل الشعب اليهودي، الذي لم يكتف بأن ينادي بأنه الشعب المختار، بل لقد أصبحت هذه العقيدة جزءا من الدين اليهودي لا سبيل الى فصلها عنه.
هذه النعرات القومية، قد تكون من ضروريات السياسة، ومن وسائل النهوض بأمة في وقت من الاوقات. ولكن الواجب يقضي علينا بأن نفرق صريحا بين صيحات السياسة ونظريات العلم.
هنالك نظرية أو رأي اثنولوجي خاطئ شاع في الزمن الحديث، ولا يستند على أساس على ولا تاريخي، بل يحلو لأصحابه أن يتجاهلوا التاريخ تماما. وهذا الرأي هو القائل بأن الجنس الشمالي أو التيوتوني - الذي يمتاز بالشقرة والقامة الطويلة والعيون الزرقاء، وغير هذا من الصفات الجسدية - هو أرقى السلالات البشرية. وأنه لولاه لما كانت حضارة ولا رقى في أي عصر من العصور.
هذا الرأي الجرئ لا يجوز ان ينسب الى الالمان ولا الى الهتلريين، بل ان المؤمنين به في أمريكا مثلا أكثر من القائلين به في المانيا. ومن الغريب أن أول من قال بهذا الرأي الكونت جوبنو الفرنسي في كتابه:
'
وفي هذا الكتاب يزعم المؤلف ان التيوتونيين هم أرقى الاجناس البيضاء جميعا، وأفضل
стр. 2731
السلالات البشرية على الاطلاق من حيث قدرتهم على خلق الحضارة بجميع عناصرها المادية والأدبية.
وقد شاع كتاب جوبنو هذا في وقت كانت فيه المنافسة بين فرنسا وألمانيا بالغة منتهى الشدة (بين عام ١٨٦٠ وعام ١٨٧٠) ولما كان أكثر الشعب الفرنسي من غير التيوتونيين، وأكثر الالمان منهم فقد كان كتاب جوبنو هذا بمثابة الفضل الذي شهدت به الاعداء.
وقد رد على جوبنو ودحض مزاعمه كثير من الكتاب، ولكنا لا نزال الى وقتنا هذا نرىة كتبا تنشر في انكلتره وفي أمريكا خاصة، ولكها في تمجيد الجنس التيوتوني وتفضيله على سائر الاجناس. ومن شاء الاطلاع على شيء من هذا فليراجع كتاب الاستاذ ماديسون جوانت وعنوانه وكتاب الاستاذ ماكدوجال وهو من كبار علماء النفس في الولايات المتحدة وعنوانه
وكلاهما ينادي في مؤلفه بضرورة الحرص على الجنس الشمالي والاكنار منه لانه العماد الاكبر لحضارة أمريكا؟
ومن الغريب أن الولايات المتحدة حين سنت قانون المهاجرة منذ نحو عشر سنين سمحت بالمهاجرة الى بلادها لعدد عظيم من سكان البلاد التي يسود فيها الجنس التيوتوني. مثل اسكندناوه والمانيا وانكلترة وهولندة. ولم تسمح الا بعدد قليل من المهاجرين من الأقطار الأخرى.
وهذا مثال خطير لتطبيق نظرية لا تقوم على أساس في مسألة دولية خطيرة. وبرغم الاحتراس الشديد الذي يبديه علماء الأجناس أنفسهم، لا نزال نرى الكثيرين يتحدثون في موضوع الأجناس من غير تدبر ولا حذر.
محمد عوض محمد
стр. 2732
قيمة الثقافة
للأستاذ أحمد أمين
للثقافة قيمة مالية مقررة. فالليسانس والدكتوراه والدبلوم وما الى ذلك
من الأسماء، هي عنوان للثقافة، أو بعبارة أخرى تتويج لمجهود سنين
قضيت في تحصيل العلم، وتأتي (المالية) بعد فتقدر هذه الدرجات
بالجنيه والمليم، وتجعل لكل منها قيمة مالية خاصة، ولها العذر في أن
تخالف بين الدرجات، وتسوى بين حاملي الدرجة الواحدة وإن اختلفوا
في مقدار الثقافة، لأنه لم يخترع الى الآن مقياس دقيق يوزن به الفكر
ومقدار استعداده وزناً صحيحاً. ولو اختراع هذا الميزان لألغيت
الدرجات، واكتفى بوزن الكفايات؛ ولكن من لنا بذلك وقد عجزت
المدنية الحديثة عجزاً تاماً عن اختراع هذا الميزان.
وللثقافة كذلك قيمة اجتماعية، فالثقافة ترفع من كان من طبقة وضيعة، الى ان يكون أحياناً مساوياً لمن كان من طبقة رفيعة، فحامل الشهادة العليا يرى نفسه - وقد يرى الناس معه - أنه صالح لأن يتزوج من طبقة راقية، مهما كان منشؤه ومرباه. وقديماً قال الفقهاء في (باب الزواج): إن شرف العلم فوق شرف النسب - والمثقف الراقي له الحق أن يكون عضواً في الأندية الراقية من غير أن يسأل عن نسبه وحسبه - بل له أن يُدِلّ على أبناء الطبقة الأرستقراطية إذا نال درجة لم ينالوها، وعرف من أنواع الثقافة ما لم يعرفوا، وله من حرمة الناس في المجتمعات والأندية ما لا يناله غير المثقفين، وإن كانوا من بيت خير من بيته، وفي نسب خير من نسبه.
ولكن لا أريد أن أتحدث في شيء من هذا ولا ذاك، فليست تعنيني الآن الناحية المالية للثقافة، ولا الناحية الاجتماعية لها - وإنما أريد أن أتسأل: ما القيمة الذاتية للثقافة؟ إن المال واحترام الناس عرض خارجي، فما القيمة الثابتة التي تتصل بنفس المثقف ولا تفارقها في فقر أو غنى، وفي جاه وغير جاه؟
стр. 2733
أهم قيمة - في نظري - لثقافة المثقف هي كيفية نظره الى هذا العالم. ذلك بأن عيون الناس في نظرها الى الأشياء وحكمها عليها ليست سواء، فعيونهم الحسية وإن اتفقت في الحكم على الألوان بالسواد والبياض والحمرة والصفرة، وإن اتفقت في الحكم على الأبعاد قرباً وبُعداً، وإن اتفقت في الحكم على الأحجام كبراً وصغراً، فان العيون النفسية لا تتفق في نظرها ولا حكمها، فالشيء في نظر الأبله غيره في نظر الفيلسوف، وبين هذين درجات لا حدّ لها، وليس للشيء الواحد معنى واحد، بل معان متعددة تتسلسل في الرقي، والناس يدركون من معانيه بحسب استعدادهم وثقافتهم وأذواقهم.
وقد حكموا أن عيسى عليه السلاام مرّ هو وأصحابه بجيفة فقالوا: ما أخبث رائحتها! وقال هو: ما أحسن رياض أسنانها! ونظر الرجل العادي الى حديقة مزهرة غير نظر الاديب الفنان، هذا ينظر اليها فيقرأ فيها من المعاني والجمال ما يمتزج بنفسه، ثم يسيل على قلمه كأنه قطع الرياض - وذاك ينظر اليها نظرة مبهمة، لا تُسفر عن معنى، ولا تُعْرف لها وجهة، نظرة بليدة جامدة، لا يسعفها ذوق ولا تخدمها قريحة.
ومثل هذا في كل شيء يعرض على العين، فكل شيء في السماء وفي الأرض لا يحمل معنى واحدا بل معاني متعددة، وقيمة الثقافة ان تنقل العين من أنظار سخيفة ومعان وضيعة الى أنظار بعيدة ومعان سامية. فالاديب اذا لم ينظر في المرأة الا الى حسن جسمها وتناسب أعضائها لم يكن أديباً مثقفاً وقلنا له كما قال المتنبي
وما الخيل الا كالصديق قليلة … وان كثرت في عين من لا يُجرّب
اذا لم تشاهد غير حسن شياتها … وأعضائها فالحسن عنك مغيب
ففرق كبير بين ان تنظر الى المرأة كشيطان وان تنظر اليها كأنسان وان تنظر اليها كملك - وفرق كبير في كل شيء في الوجود يعرض على أنظار الناس
وكل انسان له نظراته في العالم من اسفل شيء إلى أرقى شيء، من مادة تحيط به ومال يعرض عليه وأعمال تتعاقب أمام نظره واله يعبده - هو في كل ذلك قد يكون سخيفا في نظراته، وضيعا في رأيه، وضيعا في حكمه وقد يبلغ في ذلك كله من السمو منزلة قل أن تنال. وعمل الثقافة ان تنتشله من تلك النظرات الوضيعة الى هذه النظرات السامية
وليست نظرات الانسان الى الحياة قوالب من طوب، كل قالب مستقل بنفسه، محدود
стр. 2734
بحدوده، انما هي كسائل لطيف اذا لوَنْتَ نقطة منه بلون مشع اللون في سائر السائل، واذ سخنت جزءا منه وزع حرارته على السائل كله حتى يتعادل - بل الرأي والنظرات ألطف من ذلك وأدق وأرق. فاذا رقى النظر الى شيء أثر ذلك رقيا في سائر النظرات. فكل نظرات الحياة متأثرة بنظرك الى نفسك والعكس، بل نظرك الى الله تعالى متأثر بنظركُ الى عالمك المحيط بك - وهذا ما يجعل الثقافة في أية ناحية من النواحي الأدبية والعلمية يؤثرا أثراً كبيراً في النواحي الأخرى حتى ما تظن أن ليست له صلة به. وقد أصاب صديقي يوما اذ كان يقول (ان رقى الامة في الموسيقى وتذوقها الصوت الجميل والغناء الجميل يجعلها تتعشق الحرية وتأنف الضيم وتأبى المذلة) فمحيط المخ والعقل والشعور محدود، كل ذرة فيه تتأثر بأقل شيء وتؤثر بما تأثرت - والفكرة الجديدة قد تدخل في الفكر فتقلبه رأساً على عقب وتجعل من صاحبه مخلوقاً جديداً يقل وجه الشبه بينه وبين ما كان من قبل، فتجعله في أعلى عليين أو أسفل سافلين.
ان كان هذا صحيحاً، وكانت قيمة الثقافة الذاتية في مقدار ما رفعته في المثقف من وجهة النظر الى الاشياء وتقويمها قيما جديدة اقرب الى الصحة، أسلمنا ذلك الى نتائج خطيرة - فدين خير من دين بمقدار ما تحاول تعاليمه من رفع مستوى النظر الى الله تعالى والى الحياة - وعلم خير من علم باعتبار ما يؤدي اليه من نظر راق صحيح - وثقافة الانسان لا تقدر بمقدار ما قرأ من الكتب وما تعلم من العلوم والآداب ولكن بمقدار ما أفاده العلم، وبمقدار علو المستوى الذي يشرف منه على العالم، وبمقدار ما اوحت اليه الفنون من سمو في الشعور وتذوق للجمال.
أحمد أمين
стр. 2735
بل. . . صفحة بيضاء!
للأستاذ حسن جلال
كتب الأستاذ الكبير - أحمد أمين - تحت عنوان (صفحة سوداء) مقالا عن مصر كما يراها بعض مؤرخي العرب.
فكمع كثيراً مما قاله القوم في المصريين وفي طبيعة بلادهم. وكيف أن أرض مصر (تولد الجبن والشرور الدنيئة في النفس حتى أن الأسد لم تسكنها - وهي إذا دخلت أرضها ذلت ولم تتناسل! وكلابها أقل جرآة من كلاب غيرها من البلدان، وكذلك سائر ما فيها أضعف من نظيره في البلدان الأخرى) أهـ
وقد تفضل الأستاذ فرد على هذه التهم ولا سيما التهمة المسندة إلى كلاب مصر فانه أبدع في تفنيدها وأشاد بذكر أرمنت وما يستطيع أن يفعله كلابها بجلد المؤرخ الذي فرط منه ذلك القول ونحن نشكره هنا. . بلسان أرمنت وما فيها!
ولكن بقيت بعد ذلك تهمتاه نريد أي نقول نحن أيضاً فيهما كلمتين: أما التهمة الأولى فهي الخاصة بأرض مصر وأن الأسد لا تسكنها، وأنها إذا سكنتها ذلت ولم تتناسل فيها لأنها ترث الجبن عن هذه الأرض، وهذا قول عجيب، فكأن التناسل من أعمال الشجاعة في نظر ذلك المؤرخ الذي يحيط علمه الواسع ولا شك بما قال الشاعر من أن
(بغاث الطير أكثرها فراخا)
والحقيقة الواقعة أن التناسل لا دخل له بالقوة ولا بالضعف ولا بالجبن ولا بالشجاعة. على أننا نكتفي في هذا الصدد بأن نحيل حضرة المؤرخ المحترم - كما يقول البرلمانيون - الى حدائق الحيوان بالجيزة فهي كفيلة وحدها بالرد على دعواه. وفي (بيت الأسود) فيها من الاشبال الكثيرة التي نبتت على أرض مصر وتحت سمائها ما يكفي لتنفيذ مزاعمه!
والآن بقيت تهمة أرض مصر بأنها تفسد أهل مصر وتجعل ما في مصر أضعف من نظيره في البلدان الاخرى. وهذا ما نريد أن نقول فيه كلمة قصيرة. ونحن نطمع في أن يتصدى للادلاء بالقول الفصل في هذا الموضوع رجال هم أقدر منا على ذلك بحكم عملهم ووقتهم واطلاعهم. على أنا نرى الموضوع لا يكفي فيه رد واحد يطلق في صحيفة واحدة ثم تنطوي الصفحة وينسدل الستار، ونبقى نحن على ما عشنا فيه من الاتهام بالذل
следующие страницы →