← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

السلالات البشرية على الاطلاق من حيث قدرتهم على خلق الحضارة بجميع عناصرها المادية والأدبية. وقد شاع كتاب جوبنو هذا في وقت كانت فيه المنافسة بين فرنسا وألمانيا بالغة منتهى الشدة (بين عام ١٨٦٠ وعام ١٨٧٠) ولما كان أكثر الشعب الفرنسي من غير التيوتونيين، وأكثر الالمان منهم فقد كان كتاب جوبنو هذا بمثابة الفضل الذي شهدت به الاعداء. وقد رد على جوبنو ودحض مزاعمه كثير من الكتاب، ولكنا لا نزال الى وقتنا هذا نرىة كتبا تنشر في انكلتره وفي أمريكا خاصة، ولكها في تمجيد الجنس التيوتوني وتفضيله على سائر الاجناس. ومن شاء الاطلاع على شيء من هذا فليراجع كتاب الاستاذ ماديسون جوانت وعنوانه وكتاب الاستاذ ماكدوجال وهو من كبار علماء النفس في الولايات المتحدة وعنوانه وكلاهما ينادي في مؤلفه بضرورة الحرص على الجنس الشمالي والاكنار منه لانه العماد الاكبر لحضارة أمريكا؟ ومن الغريب أن الولايات المتحدة حين سنت قانون المهاجرة منذ نحو عشر سنين سمحت بالمهاجرة الى بلادها لعدد عظيم من سكان البلاد التي يسود فيها الجنس التيوتوني. مثل اسكندناوه والمانيا وانكلترة وهولندة. ولم تسمح الا بعدد قليل من المهاجرين من الأقطار الأخرى. وهذا مثال خطير لتطبيق نظرية لا تقوم على أساس في مسألة دولية خطيرة. وبرغم الاحتراس الشديد الذي يبديه علماء الأجناس أنفسهم، لا نزال نرى الكثيرين يتحدثون في موضوع الأجناس من غير تدبر ولا حذر. محمد عوض محمد

стр. 2732

قيمة الثقافة للأستاذ أحمد أمين للثقافة قيمة مالية مقررة. فالليسانس والدكتوراه والدبلوم وما الى ذلك من الأسماء، هي عنوان للثقافة، أو بعبارة أخرى تتويج لمجهود سنين قضيت في تحصيل العلم، وتأتي (المالية) بعد فتقدر هذه الدرجات بالجنيه والمليم، وتجعل لكل منها قيمة مالية خاصة، ولها العذر في أن تخالف بين الدرجات، وتسوى بين حاملي الدرجة الواحدة وإن اختلفوا في مقدار الثقافة، لأنه لم يخترع الى الآن مقياس دقيق يوزن به الفكر ومقدار استعداده وزناً صحيحاً. ولو اختراع هذا الميزان لألغيت الدرجات، واكتفى بوزن الكفايات؛ ولكن من لنا بذلك وقد عجزت المدنية الحديثة عجزاً تاماً عن اختراع هذا الميزان. وللثقافة كذلك قيمة اجتماعية، فالثقافة ترفع من كان من طبقة وضيعة، الى ان يكون أحياناً مساوياً لمن كان من طبقة رفيعة، فحامل الشهادة العليا يرى نفسه - وقد يرى الناس معه - أنه صالح لأن يتزوج من طبقة راقية، مهما كان منشؤه ومرباه. وقديماً قال الفقهاء في (باب الزواج): إن شرف العلم فوق شرف النسب - والمثقف الراقي له الحق أن يكون عضواً في الأندية الراقية من غير أن يسأل عن نسبه وحسبه - بل له أن يُدِلّ على أبناء الطبقة الأرستقراطية إذا نال درجة لم ينالوها، وعرف من أنواع الثقافة ما لم يعرفوا، وله من حرمة الناس في المجتمعات والأندية ما لا يناله غير المثقفين، وإن كانوا من بيت خير من بيته، وفي نسب خير من نسبه. ولكن لا أريد أن أتحدث في شيء من هذا ولا ذاك، فليست تعنيني الآن الناحية المالية للثقافة، ولا الناحية الاجتماعية لها - وإنما أريد أن أتسأل: ما القيمة الذاتية للثقافة؟ إن المال واحترام الناس عرض خارجي، فما القيمة الثابتة التي تتصل بنفس المثقف ولا تفارقها في فقر أو غنى، وفي جاه وغير جاه؟

стр. 2733

أهم قيمة - في نظري - لثقافة المثقف هي كيفية نظره الى هذا العالم. ذلك بأن عيون الناس في نظرها الى الأشياء وحكمها عليها ليست سواء، فعيونهم الحسية وإن اتفقت في الحكم على الألوان بالسواد والبياض والحمرة والصفرة، وإن اتفقت في الحكم على الأبعاد قرباً وبُعداً، وإن اتفقت في الحكم على الأحجام كبراً وصغراً، فان العيون النفسية لا تتفق في نظرها ولا حكمها، فالشيء في نظر الأبله غيره في نظر الفيلسوف، وبين هذين درجات لا حدّ لها، وليس للشيء الواحد معنى واحد، بل معان متعددة تتسلسل في الرقي، والناس يدركون من معانيه بحسب استعدادهم وثقافتهم وأذواقهم. وقد حكموا أن عيسى عليه السلاام مرّ هو وأصحابه بجيفة فقالوا: ما أخبث رائحتها! وقال هو: ما أحسن رياض أسنانها! ونظر الرجل العادي الى حديقة مزهرة غير نظر الاديب الفنان، هذا ينظر اليها فيقرأ فيها من المعاني والجمال ما يمتزج بنفسه، ثم يسيل على قلمه كأنه قطع الرياض - وذاك ينظر اليها نظرة مبهمة، لا تُسفر عن معنى، ولا تُعْرف لها وجهة، نظرة بليدة جامدة، لا يسعفها ذوق ولا تخدمها قريحة. ومثل هذا في كل شيء يعرض على العين، فكل شيء في السماء وفي الأرض لا يحمل معنى واحدا بل معاني متعددة، وقيمة الثقافة ان تنقل العين من أنظار سخيفة ومعان وضيعة الى أنظار بعيدة ومعان سامية. فالاديب اذا لم ينظر في المرأة الا الى حسن جسمها وتناسب أعضائها لم يكن أديباً مثقفاً وقلنا له كما قال المتنبي وما الخيل الا كالصديق قليلة … وان كثرت في عين من لا يُجرّب اذا لم تشاهد غير حسن شياتها … وأعضائها فالحسن عنك مغيب ففرق كبير بين ان تنظر الى المرأة كشيطان وان تنظر اليها كأنسان وان تنظر اليها كملك - وفرق كبير في كل شيء في الوجود يعرض على أنظار الناس وكل انسان له نظراته في العالم من اسفل شيء إلى أرقى شيء، من مادة تحيط به ومال يعرض عليه وأعمال تتعاقب أمام نظره واله يعبده - هو في كل ذلك قد يكون سخيفا في نظراته، وضيعا في رأيه، وضيعا في حكمه وقد يبلغ في ذلك كله من السمو منزلة قل أن تنال. وعمل الثقافة ان تنتشله من تلك النظرات الوضيعة الى هذه النظرات السامية وليست نظرات الانسان الى الحياة قوالب من طوب، كل قالب مستقل بنفسه، محدود

стр. 2734

بحدوده، انما هي كسائل لطيف اذا لوَنْتَ نقطة منه بلون مشع اللون في سائر السائل، واذ سخنت جزءا منه وزع حرارته على السائل كله حتى يتعادل - بل الرأي والنظرات ألطف من ذلك وأدق وأرق. فاذا رقى النظر الى شيء أثر ذلك رقيا في سائر النظرات. فكل نظرات الحياة متأثرة بنظرك الى نفسك والعكس، بل نظرك الى الله تعالى متأثر بنظركُ الى عالمك المحيط بك - وهذا ما يجعل الثقافة في أية ناحية من النواحي الأدبية والعلمية يؤثرا أثراً كبيراً في النواحي الأخرى حتى ما تظن أن ليست له صلة به. وقد أصاب صديقي يوما اذ كان يقول (ان رقى الامة في الموسيقى وتذوقها الصوت الجميل والغناء الجميل يجعلها تتعشق الحرية وتأنف الضيم وتأبى المذلة) فمحيط المخ والعقل والشعور محدود، كل ذرة فيه تتأثر بأقل شيء وتؤثر بما تأثرت - والفكرة الجديدة قد تدخل في الفكر فتقلبه رأساً على عقب وتجعل من صاحبه مخلوقاً جديداً يقل وجه الشبه بينه وبين ما كان من قبل، فتجعله في أعلى عليين أو أسفل سافلين. ان كان هذا صحيحاً، وكانت قيمة الثقافة الذاتية في مقدار ما رفعته في المثقف من وجهة النظر الى الاشياء وتقويمها قيما جديدة اقرب الى الصحة، أسلمنا ذلك الى نتائج خطيرة - فدين خير من دين بمقدار ما تحاول تعاليمه من رفع مستوى النظر الى الله تعالى والى الحياة - وعلم خير من علم باعتبار ما يؤدي اليه من نظر راق صحيح - وثقافة الانسان لا تقدر بمقدار ما قرأ من الكتب وما تعلم من العلوم والآداب ولكن بمقدار ما أفاده العلم، وبمقدار علو المستوى الذي يشرف منه على العالم، وبمقدار ما اوحت اليه الفنون من سمو في الشعور وتذوق للجمال. أحمد أمين

стр. 2735

بل. . . صفحة بيضاء! للأستاذ حسن جلال كتب الأستاذ الكبير - أحمد أمين - تحت عنوان (صفحة سوداء) مقالا عن مصر كما يراها بعض مؤرخي العرب. فكمع كثيراً مما قاله القوم في المصريين وفي طبيعة بلادهم. وكيف أن أرض مصر (تولد الجبن والشرور الدنيئة في النفس حتى أن الأسد لم تسكنها - وهي إذا دخلت أرضها ذلت ولم تتناسل! وكلابها أقل جرآة من كلاب غيرها من البلدان، وكذلك سائر ما فيها أضعف من نظيره في البلدان الأخرى) أهـ وقد تفضل الأستاذ فرد على هذه التهم ولا سيما التهمة المسندة إلى كلاب مصر فانه أبدع في تفنيدها وأشاد بذكر أرمنت وما يستطيع أن يفعله كلابها بجلد المؤرخ الذي فرط منه ذلك القول ونحن نشكره هنا. . بلسان أرمنت وما فيها! ولكن بقيت بعد ذلك تهمتاه نريد أي نقول نحن أيضاً فيهما كلمتين: أما التهمة الأولى فهي الخاصة بأرض مصر وأن الأسد لا تسكنها، وأنها إذا سكنتها ذلت ولم تتناسل فيها لأنها ترث الجبن عن هذه الأرض، وهذا قول عجيب، فكأن التناسل من أعمال الشجاعة في نظر ذلك المؤرخ الذي يحيط علمه الواسع ولا شك بما قال الشاعر من أن (بغاث الطير أكثرها فراخا) والحقيقة الواقعة أن التناسل لا دخل له بالقوة ولا بالضعف ولا بالجبن ولا بالشجاعة. على أننا نكتفي في هذا الصدد بأن نحيل حضرة المؤرخ المحترم - كما يقول البرلمانيون - الى حدائق الحيوان بالجيزة فهي كفيلة وحدها بالرد على دعواه. وفي (بيت الأسود) فيها من الاشبال الكثيرة التي نبتت على أرض مصر وتحت سمائها ما يكفي لتنفيذ مزاعمه! والآن بقيت تهمة أرض مصر بأنها تفسد أهل مصر وتجعل ما في مصر أضعف من نظيره في البلدان الاخرى. وهذا ما نريد أن نقول فيه كلمة قصيرة. ونحن نطمع في أن يتصدى للادلاء بالقول الفصل في هذا الموضوع رجال هم أقدر منا على ذلك بحكم عملهم ووقتهم واطلاعهم. على أنا نرى الموضوع لا يكفي فيه رد واحد يطلق في صحيفة واحدة ثم تنطوي الصفحة وينسدل الستار، ونبقى نحن على ما عشنا فيه من الاتهام بالذل

стр. 2736

والضعف حتى من بعض مؤرخي العرب كأن لم يكفنا ما نلقاه نحن وهم على يد الافرنج من التجني إذ يقولون عنا - ويقصدون بهذه اللفظة المفردة كل ما تنطوي عليه الفاظ الوحشية والهمجية والتأخر من المعاني! ولعل الوقت الحاضر أنسب الاوقات للأكثار من البحث في هذا الموضوع ورد الحق الى نصابه والأشادة بمكانة المصري ومقدرته وما يمكن أن يأتيه من جلائل الأعمال لو تهيأت له الظروف. فلقد رأينا أخيراً أن هذه الدعوى التي رمانا بها مؤرخو العرب وغيرهم قد بات يحلو ترديدها في قم بعض المصريين أنفسهم عن يقين منهم بصحتها. وتلك آفة الآفات والنكبة التي ما بعدها نكبة لهذه البلاد، فان الايحاء أفعل من السحر. وانك لتستطيع أن تستأنس النمر الشرس لو أتيح لك أن تفهمه أنه هر أليف، ثم تمضي تردد على سمعه هذا القول الهراء. فلينظر الذين يحلو لهم ترديد مثل ذلك القول المنكر إلى أين يهبطون بأنفسهم وبجيلهم يهرفون بما لا يعرفون! لقد قالوا إن الشعب المصري شعب ذليل بحكم سمائه وارضه. كذبوا، فان سماء مصر وأرضها لا تنبتان الذل وانما تنبتان العزة والقوة والقدرة على الاستذلال. وإني لأستنكف أن أذكر الفراعنة في هذا الصدد حتى لا يقال احتمى بمجد أمة ماضية، ولاذ بعزة قوم غابرين. ولكني أكتفي بأن أنظر الى ما عليه مصر الآن. فان هذه البلاد العجيبة لما ينقض على نهضتها الأخيرة ربع قرن، ومع ذلك برز من بين أبنائها أبطال عالميون في مختلف ميادين الحياة. لقد ظهر فيها اسماعيل سرى المهندس، وعلى ابراهيم الجراح، وخليل عبد الخالق البيولوجي، ونبتت فيها لطفية النادي الطيارة، ومحمود مصطفى المصارع، وسيد نصير الرباع، ونشأ بين أرضها وسمائها طلعت حرب المالي الكبير. ولست أذكر رجالا ظهروا في مستهل هذه النهضة ففتحوا الشام وهزموا الوهابين واستعمروا السودان. فكل أولئك وغيرهم ما كادوا يلجون ميادين أعمالهم حتى تخطوا كل قرنائهم في أنحاء العالم. وحملوهم على التنحي لهم عن الصدر فتبوأوه ورفعوا راية مصر عالية فوق رؤوس الجميع. فما هو مدلول هذه الظاهرة عند كل ذي عينين غير أن الأمة التي أنجبت كل هؤلاء الأبطال في جيل واحد - وفي هذه الظروف القاسية التي تجتازها مصر الآن - لا يمكن

стр. 2737

أن يكون معدن أهلها كمعدن أهل غيرها من بلاد الله. وأنها لابد تمتاز على من عداها في حسن فطرتها وقوة ملكاتها وسلامة استعدادها. ولئن كانت قد طغت على هذه البلاد موجات من الضعف والتأخر فهذه هي سنة الطبيعة في كل شيء. فما من شعب يدعى اضطراد سيره في سبيل التقدم والرقي منذ خلقه الله، وأنه لم يطرأ عليه من عوامل الضعف ما جعله فريسة لغيره من الشعوب (وتلك الايام نداولها بين الناس) ولئن صح ما يقال من أن دولا كثيرة استعمرت مصر، فصحيح أيضاً أن مصر من دون البلاد التي استعمرت كانت هي التي تأكل مستعمريها وتطبعهم بطابعها قبل أن تنطبع هي بطابعهم! لقد حكم الاتراك مصر واشتهرت تركيا بفخامة مساجدها وعظمة قصورها. وأن هذه المساجد وتلك القصور لتشهد للصانع المصري بأنه هو الذي زينها ووشاها، ورفع سمكها وسواها. ولقد ولى (محمد على الكبير) أمر مصر ولم تك إلا نفخة قوية من صدره الشديد حتى انجاب عن جمرة مصر رمادها الذي خلفه عليها عجز المماليك، فتوهجت هذه الجمرة ونضنض لهيبها ثم اشتعل واندلع لسانه طويلا فلف فلسطين والشام والحجاز والسودان وكاد يحرق استامبول نفسها، وروعيت أوربا من طغيانه نحوها، وأشفقت على سلطانها في الشرق أن تلفحه هذه النار، فاجتمع العالم الغربي كله ليقف في وجه مصر ليكبح جماح المصريين يوم أن أفاقوا من سباتهم وتفتحت أعينهم من جديد على النور! هذا هو الشعب المصري الذي لا يمكن إلا أن يكون عظيما لأن العظمة في دمه ولحمه. في ماضيه وحاضره. في أرضه وسمائه! وحق مصر: لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون مصريا! حسن جلال

стр. 2738

فضائح المالية العليا في فرنسا للاستاذ محمد عبد الله عنان (تتمة) حدثت في فرنسا، مذ كتبنا مقالنا الاول، تطورات سريعة خطيرة لم تكن في حساب أحد؛ فان وزارة مسيو شوتان أو وزارة (الفضيحة) لم تستطع أن تواجه غضب الرأي العام أو أن تهدئ روعه؛ ووقعت في باريس وفي الأقاليم مظاهرات ومصادماات دموية خطيرة قتل فيها مئات وجرح ألوف: وشحنت حامية باريس بالجند المدجج تحوطا للطوارئ، ولاح مدى لحظة أن فرنسا ستغدو فريسة الحرب الأهلية، أو يتحكم فيها النظام الجمهوري لتقوم مكانه دكتاتورية مطلقة. ولكن وزارة دالاديية استقالت في الحال؛ واستدعى مسيو دومرج رئيس الجمهورية الاسبق ليؤلف وزارة ثقة قومية، وقد وفق مسيو دومرج الى تأليف وزارته من شخصيات قوية بعيدة عن ريب الفضائح الأخيرة، وهدأ الرأي العام نوعا، ووقفت المظاهرات مؤقتا. ولكن فرنسا ما تزال مترقبة جزعة، ومن المستحيل أن يتنبأ انسان بما قد يقع بعد هذا الهدوء المؤقت من الحوادث أو التطورات. كانت فضيحة ستافسكي المالية التي فصلنا حوادثها وظروفها روح هذه التطورات الخطيرة وباعتها الأول. ويندر أن نجد في صحف التاريخ الحديث جريمة أو جرائم مالية كالتي ارتكبها ستافسكي، تحدث في سير الحياة العامة لامة عظيمة كفرنسا مثل هذه الآثار الفادحة، فتهدد سلامة نظام عريق بأسره كالنظام الجمهوري، وتدفع شعباً عظيماً إلى نوع من التوراة أو الحرب الاهلية. ولكن فضائح ستافسكي كانت في الواقع وصمة للنظام باسره، وكانت دليلا ساطعاً على أن عوامل الفساد والانحلال قد سرت الى جميع واحي الحكم والادارة والحياة العامة الفرنسية كلها، وقد شهد الشعب الفرنسي في روعة وسخط كيف يكشف التحقيق تباعا عن أن من بين وزرائه وحكامه وقضاته ونوابه رجالا يلحق الريب بذممهم ونزاهتهم، وكيف أن المجرمين الذين يدبرون اغتيال أموال الشعب يستطيعون بالرشوة أن يشتروا أولئك الذين اختارهم الشعب للسهر على أمواله ومصالحه، وأن يستظلوا بحماية أولئك الذين عهد اليهم بقمع الجريمة، وان يجعلوا من القانون والقضاء اداة مشلولة. وقد رأينا مما تقدم كيف أن ستافسكي، وهو متهم بعدة جرائم نصب وتزوير،

стр. 2739

استطاع مدى ثمانية أعوام أن يتفادى نظر القضاء لقضيته، وان يفوز بتأجيلها تباعا عشرات المرات، وانه لبث أعواما يمرح في جرائمه واختلاساته مع أنه معروف لدى دوائر البوليس، ولم تكن جرائمه سراً من الاسرار، فأي دليل أسطع على فساد القضاء وتدهور القانون والأمن والنظام؟ وقد حاولت وزارة مسيو شوتان التي ظهرت في ظلها هذه الفضائح ان تقمع الفساد بسرعة، فأبعد منها الوزيران اللذان اتجهت اليهما الشبه، وهما مسيو دالامييه وزير المستعمرات ووزير العمل السابق، ومسيو رينالدي وزير الحقانية، وقدمت الى البرلمان مشاريع قوانين بمعاقبة الرشوة والمواظفين المرتشين بأشد العقوبات، وقبض على مدير البوليس القضائي وبعض زملائه ليحقق معهم، وقبض على النائبين جارا وبونور اللذين ثبت انهما تلقيا مبالغ طائلة من الافاق ستافسكي وعاوناه في مشاريعه لدى الرجال المسؤلين، وأحيل عدة قضاة من رؤساء الدوائر وأعضاء النيابة الى المحاكمة التأديبية لأنهم تهاونوا في نظر قضية ستافسكي فتركت معلقة عدة أعوام دون أسباب معقولة، ولكن هذه الاجراءات كلها لم تقنع الشعب ولم ترضه. وبدا للشعب بحق أن الجريمة أوسع مدى مما ظهر، وأن الداء أشنع وأبعد أثراً مما صور، وكان من اصراره وسخطه واضطرامه ان استقالت الوزارة (الملوثة) واستقالت من بعدها وزارة دالالدييه، لأنها تستند الى نفس الأحزاب التي ينتمي اليها الرجال (الملوثون)؛ وجاشت باريس وفرنسا كلها بموجة ثورية، كادت تكتسح في طريقها كل شيء لولا أن تذرع الرجال المسئولون ببقية من الشجاعة والحزم، وتقدم الرئيس الشيخ دومرج ليضطلع بأعباء الحكم في هذا المأزق العصيب؛ فألف وزارة ثقة قومية ارتضتها البلاد واستطاعت أن تبث نوعاً من الطمأنينة. والآن لنعد الى ستافسكي بطل هذه الفضائح المروعة التي كادت تبث الى فرنسا ضرام الحرب الأهلية لقد شرحنا فيما تقدم طرفا من الحياة المالية العجيبة التي خاض غمارها هذا الافاق البارع، وكيف انه ارتفع من العدم الى صف أعظم رجال المال، وانشأ شركات وبنوكا عديدة، وانتهى بأن انشأ بنك التسليف البلدي في بايون، واتخذه مع شركائه اداة لاصدار سندات مزورة بمئات الملايين كان يستولي على قيمتها ويبددها على بذخه ولهوه، وشرحنا طرفا

стр. 2740

من الوسائل والاجراءات التي كان يتبعها لاختلاس هذه المبالغ الطائلة، وكيف اكتشف أمره أخيرا وقبض على شريكه ومساعده الاول تسييه مدير بنك بايون، فبادر بالاعتراف وقص على المحققين كيف كان هذا الاختلاس الهائل يدبروينفذ مدى هذه الاعوام، والقى كل مسئولية فيه على ستافسكي وزعم أنه ضحية نفوذه وإكراهه المعنوي. وكان اكتشاف الحادث في يوم ٢٢ ديسمبر، ففي نفس اليوم غادر ستافسكي مسكنه الفخم بحي الشانزليزيه بباريس وودع زوجه وولديه، وقال انه مسافر الى فينا لاعمال هامة. ثم اختفى في نفس الوقت الذي صدر فيه أمر قاضي التحقيق بالقبض عليه، وابلغ هذا الامر الى جميع مراكز البوليس والنيابة في فرنسا، والى جميع سلطات الحدود، وطير الامز بواسطة الراديو واللاسلكي الى جميع البواخر الراسية في الثغور الفرنسية والمسافرة في عرض البحر، فلم يكن ثمة وسيلة لأن يغادر ستافسكي فرنسا أو يجتاز الحدود الى أي بلد أجنبي، وأطلقت في أثره مئات من رجال البوليس السري في جميع المواطن التي يظن أنه قصد اليها، ولكن ستافسكي ظل مختفياً عن العيان، ولم يظفر انسان بأثره، وأصرت زوجته على أنها لا تعرف شيئاً عن مصيره ومكان اختفائه ولم تهتم قط بأن تعرف شيئاً عن اعماله المالية. على أن ادارة البوليس كانت على ثقة من أن ستافسكي لم يغادر فرنسا وأنه لا زال مختفيا بها بمعاونة بعض أصدقائه وقد اسفرت تحرياتها المتواصلة في النهاية عن تأييد هذه الحقيقة، واستطاع بعض رجال البوليس السري بعد أسبوعين من البحث والتنقيب أن يعثروا بآثار بعض أصدقاء ستافسكي في مدينة (شوموني) احدى مدن الجنوب الجبلية، وأجتمعت لديهم القرائن والأدلة على أن الهارب قد التجأ الى هذه الناحية القاصية. وكان ستافسكي قد فر الى هذا المكان بمعاونة اثنين من موظفيه السابقين الذين كان يغدق عليهم عطفه وعطاءه، واستاجر له أحدهما في (شوموني) منزلا صغيراً منعزلا باسم مستعار، ولجأ اليه ستافسكي مع صديقيه باسم مستعار أيضا، ولزم غرفته ولم يغادرها، فحاصر رجال الشرطة هذا المنزل بعد أن وثقوا من أنه هو المقصود، وأن ستافسكي موجود فيه بلا ريب. ثم صعد بعضهم الى الطابق الأعلى، وطلبوا الى ستافسكي أن يسلم نفسه، وكان معتصما بغرفته، فلم يجبهم أحد، فاستمروا في البهو الخارجي حينا يطلبون التسليم دون

стр. 2741

جدوى. وأخيراً دوت من الغرفة المحصورة طلقة نار، وهوى جسم على الارض، فكسر رجال البوليس باب الغرفة في الحال، فالقوا ستافسكي بعينه ملقى على الارض مضرجا بدمه في النزع الاخير وقد اخترقت الرصاصة رأسه. وكان ذلك في الثامن من شهر يناير الماضي. هذا هو البيان الذي قدمته إدارة البوليس عن مصرع ستافسكي بطل الفضيحة الكبرى، ورددته معظم الصحف الفرنسية. ولكن ثارت حول هذا البيان ريب وشكوك خطيرة، وأنكرت بعض الدوائرصحته، وأكدت أن ستافسكي لم ينتحر، ولكن البوليس قتله قتلاً لكي يخرس بذلك لسانه الى الأبد فلا يفضيي إلى المحققين بشيء من الاسرار التي يعرفها، ولا يفضى بالاخص باسماء شركائه ومنهم كثير من الرجال المسئولين، وبذلك يسدل الستار على أهم جوانب الفضيحة. وقد رددت هذه التهمة بقوة، وقذف بها في مجلس النواب في وجه الوزارة، وأهتم لها الرأي العام. ويدلل أصحاب هذا الاتهام على صحته بقرائن شتى، منها أن ستافسكي لو كان ينوي الانتحار لانتحر منذ البداية، ولم يتكبد مشاق الفرار والاختفاء وان رجال البوليس حينما داهموه في مخبئه انتظروا نحو ساعة قبل أن يحاولوا القاء القبض عليه، وأن رئيسهم اتصل أثناء ذلك تليفونيا بادارة البوليس في باريس مع أنه كان يحمل أمراً صريحاً بالقبض على ستافسكي، ثم يقولون أيضاً إن ستافسكي ترك بعد مصرعه طريحاً ينزف الدم منه نحو ساعة ونصف ساعة قبل أن يسعفه الطبيب وسمح للمصورين أن يصوروه وهو في هذه الحالة الخطرة، وأن المقصود بذلك كله أن يهلك ستافسكي قبل أن يستطيع الافضاء بشيء وهذه أقوال لها قوتها بلا ريب. ونحن من جانبنا نرجح مقتل ستافسكي لا انتحاره، خصوصاً وانه ثبت من التحقيق أن البوليس كان يتستر على ستافسكي، وان بعض أكابر ادارة الشرطة الباريسية وفي مقدمتهم مسيو جيشار مدير البوليس القضائي كانوا يتلقون منه الاعانات الطائلة، هذا الى أن الاختام القضائية لم توضع على مسكن ستافسكي الباريسي، وعلى مكاتبه الا بعد عدة أيام من فراره، ولما فتشت لم توجد بها أوراق تفيد التحقيق في شيء: هكذا كانت خاتمة سرج ستافسكي أعظم أفاق ومختلس في العصر الحديث، بيد أن هذه الخاتمة لم تنجع شيئا في تهدئه اضطراب الرأي العام، ولم تفعل سوى أن أثارت على

стр. 2742

وقائع الفضيحة وظروفها ظلاماً جديداً. هل قبض على جميع المجرمين المسئولين عن تبديد أموال الشعب بهذه الجرأة المثيرة؟ أم بقى الاكابر المرتشون المتسترون كالعادة في الظلام؟ هذا ما يتساءل الشعب الفرنسي عنه اليوم. والظاهر أن الشعب الفرنسي لم يقنع بأن ما اتخذ من اجراءات القبض والتحقيق يكفي للقمع ذلك الفساد الذي يقضم النظم والحياة العامة كلها. فقد سقطت وزارة دالادييه أمام غضب الشعب وسخطه، ولكن وزارة دومرج التي قامت مكانها ما تزال تصطدم بهذا السخط، وما تزال العاصمة الفرنسية تضطرم بمختلف المظاهرات، وما يزال العاصمة الفرنسية تضطرم بمختلف المظاهرات، وما يزال الجو فياضاً بمختلف الاحتمالات والرأي العام لا يقف عند المطالبة بمعاقبة المجرمين المغتالين لأموال الشعب أياً كانت مراكزهم وصفاتهم، ولكنه يطالب أيضاً بتطهير الحياة اللعامة من تلك الاادرلان المشينة ووضع الضمانات الكفيلة بطمأنينة الشعب على أمواله وثقته بأن وزاءه ونوابه وموظفيه ليسوا شركاء للصوص والمختلسين، بعد أن دل التحقيق في كل فضيحة من هذه الفضائح المالية الكبرى أن هنالك وزراء ونوباً ومواظفين يشتركون مع اللصوص والمختلسين، ويمرحون معهم في تبديد اموال الأرامل وصغار المودعين والمستشمرين، ويعانونهم في اجتناب سطوة القانون والعدالة. والواقع أن هذه الفضائح المالية الشاملة لم تبق في فرنسا حوادث فردية، بل غدت ظاهرة قوية في سير الحياة العامة. واذا تتبعنا تاريخ الجمهورية الثالثة وجدناه فياضاً بتلك الكوارث المالية الفادحة التي يدبرها افراد اذكياء بمعاونة الرجال المسئولين، وتسفر دائماً عن اختلاس مئات الملايين ونكبة مئات الالوف. وقد كانت هذه الحوادث في بدء الجمهورية الثالثة تعتبر من مخلفات الامبراطورية، لانها ظهرت وتفاقمت في أواخر عهدها، وان توطد النظام الجمهوري سوف يقضي عليها ويطهر الحياة العامة من ادرانها. ولكنها استمرت تتعاقب قوية مروعة في ظل الجمهورية؛ ودلت كثرتها وتفاقمها في الاعوام الاخيرة، حسبما بينا، على أن النظام الجمهوري او بعبارة أخرى على أن الديموقراطية تحتضنها وتسيغها. ويخشى اليوم أولئك الذين يقدسون النظم الديمقراطية، أن هذا الفساد الدفين الذي لم توفق الحكومة الديمقراطية الى قمعه، قد يصرف الشعب عن عبادة الجمهورية والديمقراطية، ويجعله أكثر قبولا لقيام النظم الفاشستية والطغيان المطلق. والديمقراطية تعاني اليوم ازمة

стр. 2743

شديدة، بعد أن سحقت في ايطاليا والمانيا؛ وهي تهتز اليوم في فرنسا ويخشى ان تنهار دعائمها اذا لم تتداركها الايدي القوية الماهرة، بيد أنا نستطيع أن نقول ان تطور الحوادث الأخيرة في فرنسا كان ايضاً ظفراً حقيقياً للديموقراطية فقد استطاع الشعب بقوة رأيه وارادته أن يسقط في اسابيع قلائل وزارتين لم يثق بهما ولم يرتض حكمها: وان يقدم الدليل القوي على انها ما زال في ظل الديمقراطية سيد نظمه ومصايره. محمد عبد الله عنان

стр. 2744

حول الغموض والوضوح أيضاً للاستاذ عباس فضلي خماس (هل يحسن بالشعر أن يكون واضحا حتي لا خلاف فيه أم أن بعض الغموض فيه مغتفر بل مطلوب) - ط. ح - يذكر قراء الرسالة ان الدكتور طه حسين كان قد عقد فصلاً ممتعاً حول غموض الشعر ووضوحه، وكان خلال بحثه يرمي الى غاية، وهي ان الشعر الغامض قد ينطوي على ابداع فني. ويذكرون ايضا انني علقت على الموضوع بكلمة ذهبت فيها الى ان الجمال والغموض لا يجتمعان في صعيد واحد، وانتهيت الى ان كل بديع في هذا الكون من منظر الى صوت الى شعر يلازمه الوضوح كيفما تكيف وتطور أو تصور، وأن الوضوح هو جوهر الجمال. وكان لي من تعليقي على مقال الدكتور غرض جوهري لم يخف على القارئ الاديب كما كان لي من ورائه امل في ان ينشط الادباء للكتابة حول الموضوع بالنظر لما أعتقده فيه من خطورة. وقد تحقق شيء من هذا الأمل بتعليق الاديب الفاضل شوقي ضيف على مقالي حول الغموض والوضوح بما يعرفه القراء الذين تتبعوا هذا البحث. يتساءل الدكتور طه حسين (هل يحسن بالشعر ان يكون واضحاً حتى لا خلاف فيه). نعم يحسن بالشعر ان يكون واضحاً حتى لا خلاف فيه اذا كان هم الشاعر ان يضمنه صوراً جميلة، وسوانح رائعة، لأن القارئ لا يستطيع ان يتبين الصورة الجميلة اذا كانت مغمورة في حجب الغموض الكثيفة ولا تتأثر نفسه بروعة السوانح الفكرية، والخوالج النفسية اذا كانت متلفعة من الشعر الغامض بأستار مظلمة. الشعر الفاظ وتعابير، يستعين بها الشاعر على وصف مشاهد الكون وتصوير الحادثات، والانفعالات والانطباعات النفسية المتكونة من تأثير المحيط الخارجي في نفسه. فهو اذن وسيلة وليس غاية. والشعر بالفاظه وتعابيره واصطلاحاته واوزانه وقوافيه للشاعر كالقيثارة أو الكمان أو البيان للموسيقى. يجلس الموسيقى على شاطئ بحر في ليل عاصف، فتتأثر نفسه بصفير الرياح وهزيم الرعد وتلاطم الامواج، فيحاول ان يصور تأثير نفسه

стр. 2745

بانغام يتخيلها اولاً، ثم يؤلف بين متصاعداتها ومُتنازلاتها، ويوفق بين تموجاتها مستعيناً بآلاته الموسيقية حتى يهتدي الى تأليف قطعة موسيقية تتضمن من الانغام، ما لو سمعها الانسان لشعر بنفس التأثير الذي تأثر به الموسيقي ولخيل اليه انه في مجلس ذلك الموسيقي من شاطئ البحر في تلك الليلة: ويجلس الشاعر مجلس هذا الموسيقي، ويتأثر بنفس ما تأثر به زميله، فيحاول ان يصف تأثره ويصور انفعالات نفسه بتخير الألفاظ والتعابير التي تحمل تلك التأثيرات الى نفوس السامعين ليجسم لهم الخيال المتولد من تأثير هذه الالفاظ والتعابير، صفير الريح وهزيم الرعد، كما يجسم لهم شعور الاستيحاش من الظلام الذي يشمل الطبيعة في ذلك الموقف هذا اذا كان الأول يملك من الآلات الموسيقية ومن القابليات الفنية الخاصة بالموسيقى ما تمكنه من بلوغ غاية نفسه. واذا كان الثاني ذا نفس شاعرة حساسة دقيقاً في تصوره، متقنا في تصويره، مالكاً زمام الالفاظ والتعابير يحسن استعمالها في مواطنها، حاذقاً في أسلوبه، عالماً بنفسيات الناس وما تتأثر به والى غير ذلك من الصفات التي يجب ان تتوفر في الشاعر. فاذا لم يتصف الموسيقى بما مر ذكره، أسمعنا ولا شك قطعة مزعجة في نغماتها، لا تناسب ولا وئام بين تموجاتها، فلا تولد في النفس التأثير الذي قصد الموسيقى اليه. وكذلك االشاعر اذا لم تتوفر فيه الصفات التي ذكرنا بعضها انشدنا كلاما غامضاً لا نكاد نتبين منهقصده، واذا لم يتبين الانسان قصد الشاعر بما نظم فأين يا ترى يكون موضع الجمال ومحل الابداع، وموطن الروعة من شعره؟ لكي يفلح الشاعر في وصف الجمال او القبح وتصوير اللذة او الالم وغيرها من الحادثات النفسية يجب ان يكون صافي الذهن والنفس، واضحاً في تعابيره واصطلاحاته. استعرض مناظر الكون جمعاء، تحت نور الشفق القاني الأدكن، وتحت أشعة الهاجرة المتوهجة، أو تحت نور الأصيل الذهبي الفاتح، وتحر الجمال وابحث عن الروعة في هذه المناظر، تجد نفسك مهتدياً اليهما دون أي عناء، وتراك تنجذب الى مواطنهما كما تنجذب الفراشة الى الورود والازاهير الزاهية بالوانها الفياحة باريجها. فالجميل يكهرب حواسك، والبديع يمغطس مشاعرك، فيجذبك اليه فتنجذب. وما ذلك الا

стр. 2746

للتناسب الظاهر بين اجزائه وللنظام المسيطر على تراكيب تلك الاجزاء والاشكال، وهذا هو سر الوضوح. استعرض دواوين الشعر ديواناً، واقرأ قصائدها واحدة بعد واحدة، تجد نفسك تعرض عن قراءة بعضها بينما تقبل على قراءة بعض آخر، ابحث في نفسك عن سبب اعراضك وتلمس دواعي إقبالك، تجد أنك في الحالة الأولى لا تستطيع أن تهتدي تحت جنح ظلام الغموض الى الجمال واللذة اللتين تنشدهما نفسك كما تجد أن نور الوضوح في الحالة الثانية ينير نفسك فتهتدي الى الجمال وتلمس اللذة. اما أن يكون هناك غموضان أو نوعان من الغموض كما يرى الاديب الفاضل شوقي ضيف، فهذا ما لا أتفق معه عليه ولا إخال أحداً من الأدباء يوافقه في مذهبه. فالكلام إما أن يكون واضحاً وإما غامضاً، ولك ما نرى أو نسمع أو نلمس، وكل ما تتأثر به أنفسنا بطريق الحواس: إما أن يكون واضحاً بتأثيره في النفس، وإما أن يكون غامضاً، ففي الحالة الأولى تتلذذ به لأن نفسنا تستطيع أن تلمس جماله، وتعانق ابداعه، وتحتضن روعته، وفي الحالة الثانية نشمئز منه وننفر؛ فنفسنا لا تتأثر به، لأنها لا تلمس منه إلا شيئاً واحداً، وهو الألم الذي تعانيه من معالجة حل رموزه وطلاسمه. فاذا كانت ثمة نتيجة من قراءة الشعر الغامض، فهي ليست حينئذ لذة من تلمس أثر جمال أو روعة، وإنما هي شعور بألم الخيبة، ولذة الراحة بعد العناء. ومثل الذي يعالج استنباط المعنى أو الغرض من الشعر الغامض، كمثل من يتوهم أن في بقعة من الأرض ركازاً، فيظل ينبش أرض تلك البقعة الى أن يعييه الاجهاد، ولما لم يجد ما يتوهم وجوده يطرح بمعوله جانباً وهو يلهث كما يطرح بنفسه على الأرض وهو غير مفلح إلا بشيئين: ألم، ولذة. أما الأول فناشئ من شعور الخيبة في العثور على كنزه الموهوم. وأما الثاني فشعوره الناشئ من لذة الراحة بعد التعب والعناء. أما الأديب الفاضل شوقي ضيف فقد أوجد غموضين (فجلل) الغموض الأول (من حنادس الليل بحجب وأستار) فجعله بذلك مشتملا على ظلام موحش وحلوكة دامسة. أما الثاني فقال عنه إنه غموض جميل (لا تنفر منه النفس ولا تستوحش، وإنما تقبل عليه وتهش له وتجد فيه لذة ومتاعاً كبيراً، ثم راح يشبه غموضه الجميل بالظلال التي لا (تحجب النور)

стр. 2747

وارتأى أنه لا يحول بين المرء وبين التأثر الجميل بالقطعة الشعرية، وأنه منار للاعجاب ومبعث للسرور، وما إلى ذلك. والعجيب كل العجب أن الأديب الفاضل لم يبتعد كثيراً عن غموضه الجميل الذي شبهه بالسدول الرقيقة التي يرخيها الضباب على الطبيعة، حتى أخذ يسرد لنا أسبابه وبشرح علته، فقال: إن كثيراً من الغموض يرجع أسبابه الى فقر اللغة وقصورها في الافصاح عن عواطف الشعراء وميولهم؛ ثم أردف هذه الأسباب بأخرى وهي تعقد الحياة النفسية وإبهامها وغموضها، ثم انتهى الى أن هذا الغموض سيظل مسيطراً على الشعر حتى تتضح الحياة النفسية. أما قصور اللغة في الافصاح عن بعض الحوادث النفسية الدقيقة فأمر لا ننكره ولا ينكره أحد من الناس، ولكن ذلك لا يعني بأن الشعر الغامض يجب أن يكون منطوياً على جمال رائع، وفن بديع، ولا يسوغ لنا أن نعتبر الكلام المرتبك الغامض شعراً كما أنه لا يجوز لنا أن نعتبر الناظم الذي لا يوفق لتصوير خوالج نفسه وعواطف روحه وانفعالاته شاعراً مبدعاً واذ القيت نظرة متأمل الى ضروب الشعر الوجداني والعاطفي تبين لك أن بين هذا الشعر ما قد تمكن من أن يصف لك أعمق العواطف البشرية وأدقها بأبرع اسلوب وأتم بيان، ومنه ما كان بالفاظه وتعابيره أشبه بالاحاجي والالغاز منه بالكلام المفهوم وقد يجوز أن تجيش في نفس الانسان بعض الخواطر البديعة والمشاعر الرائعة، وقد يجوز أن يحتدم جيشانهما في أعماق نفسه فيضطرب شعوره بها ويظهر هذا الاضطراب ويفيض من جوانحه الى جوارحه فيصبح على أشبه ما يكون بثورة نفسية، ولكنه مع ذلك لا يستطيع أن يظره لغيره، ما تكنه نفسه لأنه ليس بشاعر ليتمكن من التوفيق بين الكلمات والتأليف بين التعابير والمصطلحات اللفظية التي تحمل الى نفوس الناس وافهامه ما خالج نفسه وما أثار شعوره وإحساسه، أو لأنه ليس برسام ليستطيع أن ينقل بريشته الوان تلك الصور والأشكال التي تأثرت بها نفسه، أو لأنه ليس بالفنان الذي يستطيع أن يستخدم وسائل فنه لتصوير ما جاشت به نفسه ووصف ما اضطرب له حسه. فان شعوره ولا شك يبقى مطموراً في باطنه، ولا يمكن البتة أن يتأثر احد سواه بما تأثر به

стр. 2748

هو، ومثل الشاعر الغامض الذي ينظم قصيدة فيقرأها الناس ولا يفهمون ما اراد بها وما قصد، فيضطرون الى ان يسألوا منها عن مراده وقصده - كمثل كل انسان اعتيادي بما يشعر به تجاه مظاهر الكون وحوادثه. والسبب الثاني الذي اورده الاديب الفاضل شوقي ضيف على غموض الشعر هو تعقد الحياة النفسية وابهامها، ولعله قاصد بهذا التعقد والابهام عجز الانسان عن تبين ماهية بعض من ميول نفسه ونزعاتها ورغباتها وانفعالاتها و. . . الخ نعم ان الحياة النفسية معقدة بالرغم من مجهودات البشر العلمية في تحليلها الى ابسط ما يمكن، وستظل معقدة بل سيزيد تعقدها وابهامها كلما تقدمت جهود الانسان العقلية في البحث عن كنه النفس واسرار حوادثها. اما ان يظل الشعر يلازمه الغموض ما دامت الحياة النفسية غامضة فهذا حكم غير صائب، ولعل الاديب الفاضل قد تورط اضطرار في هذا الحكم وذلك لأنه ضيق على نفسه بيده مجال البحث فناط بالشعر وحده دون سواه من الفنون الجميلة اماطة اللثام عن اسرار هذه الحياة النفسية. لا يا أخي شوقي! ما كان الشعر في جميع أدوار حياته، ولن يكون وحده الكفيل الضامن للنهوض بهذا العبء الثقيل، فقد وجدناه في سالف العصور ونجده الآن يمد يده الى اخوته، الفنون الجميلة مثل الرسم والنحت والموسيقى حتى الرقص يستعين بها على بلوغ هذه الغاية. فهناك بعض الحوادث النفسية لا يستطيع الشعر أن يصفها بما لديه من وسائل، وتستطيع ريشة الرسام أن تبرزها واضحة، فعدم استطاعة الشعر في مثل هذا الموقف يجب ألا نعتبره عجزاً منه وتقصيراً بل هو في الحقيقة تكليفه بالخروج عن نطاق اختصاصه وقابليته كما أن هناك بعض الخوالج النفسية يعجز عن ابلاغها إلى النفوس كل من الشاعر والرسام والمثال والموسيقي، ولكن راقصة رشيقة فنانة تتمكن بحركات خاصة أن تعبر عنها وتجسم تأثيرها في النفوس. فمطالبة الشعر وحده يكشف أسرار الحوادث النفسية ووصفها وتصويرها على اختلاف أنواعها وضروب تأاثيراتها هو السبب الذي حدا ببعض المفكرين أن يرموه بعلة الغموض،

стр. 2749

هذه العلة التي راحوا بعد اختراعها يتحرون بين طياتها الجمال الموهوم والابداع المزعوم. بغداد عباس فضلي خماس في محكمة التاريخ

стр. 2750

الوزير مؤيد الدين بن العلقمي هل غدر بأمته وخليفته؟ إن موضوع الخيانة العظمى التي تتهم جمهرة المؤرخين هذا الوزير بها موضوع دقيق، اذ ليس لدى من يعرض لهذا الحادث التاريخي المهم الادلة الكافية التي تخرجه بنتيجة حاسمة لا جدل فيها ولا مغالطة، وكيف يتسنى لكاتب ان يصل لحقيقة تحيط بها الشكوك وتكتنفها الظنون؟ لأن ما يظهره بعض من كتبوا او قل تعرضوا لهذا الأمر الخطير من ميل مع هوى النفس وخضوع للعواطف يزيد في التحير والتشكك. زد على هذا وقوع هذا الحادث في فترة فوضى واضطراب استولى الرعب فيها على مشاعر الناس، وكيف لا وهي فترة تقتيل وتشريد وتحريق وتدمير. وفي احوال كهذه يجب الشك، ويلزم الحذر والتنبه لاكثر ما يروي عما يقع عادة في خلال هذه الاحوال المضطربة، لأن الفزع والذعر يخرجان المرء عن الطبيعة الهادئة المتروبة التي تتطلبها رواية الحوادث ولا سيما الهامة منها، فالاضطراب والتشويش صنوان متعانقان فضلاً عن رواج سوق الشائعات، ولا سيما الباطلة منها في اوقات الانقلابات والاحداث السياسية المهمة، وسأضع الآن بين أيديكم ما تقوله المصادر الأولية عن هذا الحادث، مبتدئاً بالمصادر حسب اوليتها، وبعد ان افرغ من ذلك سأحاول جهدي المقابلة بين المصادر، ثم نقد مواطن الضعف في كل مصدر. وأبدأ بما يقوله ابن الطقطقي في صدد الكلام عن مخامرة الوزير (ونسبة الناس انه خامر. وليس ذلك بصحيح. ومن أقوى الأدلة على عدم مخامرته سلامته في هذه الدولة، فان السلطان هلاكو لما فتح بغداد وقتل الخليفة سلم البلد الى الوزير وأحسن اليه وحكمه، فلو كان قد خامر على الخليفة لما وقع الوثوق اليه). وبعد أن ينتهي من هذا البرهان يذكر لنا روايته عن تصلب الوزير واصراره على عدم الخروج الى هلاكو. ويروي المؤرخ هذه الرواية عن ابن أخت الوزير، ومألها أن الخليفة طلب وزيره وقال له (قد أنفذ السلطان بطلبك، وينبغي أن تخرج اليه، فخرج الوزير من ذلك، وقال يا مولانا اذا أخرجت فمن يدير البلد ومن يتولى المهام؟ فقال له الخليفة لابد من أن تخرج. قال فقال السمع والطاعة، ثم مضى الى داره وتهيأ للخروج ثم خرج. . فلما حضر بين يدي السلطان وسمع كلامه وقع بموقع الاستحسان. . . . فلما فتحت بغداد

стр. 2751

سلمت اليه والى علي بهادر الشحنة فمكث الوزير شهوراً ثم مرض ومات ﵀ في جمادي الأولى سنة ست وخمسين وستمائة) اما ابو الفدا فيقول في كلامه عن استيلاء التتر على بغداد وسبب مجيئهم (ان وزير الخليفة مؤيد الدين بن العلقمي كان رافضياً، وكان اهل الكرخ ايضاً روافض، فجرت فتنة بين السنية والشيعة ببغداد على جاري عادتهم فامر أبو بكر ابن الخليفة وركن الدين الدوادار العسكر فنهبوا الكرخ وهتكوا النساء وركبوا منهن الفواحش فعظم ذلك على الوزير ابن العلقمي وكاتب التتر واطمعهم في ملك بغداد) وبعد ان يذكر ما وقع بين جند الخليفة وجند السلطان وتغلب السلطان وتقدمه لحصار بغداد (خرج مؤيد الدين الوزير ابن العلقمي الى هولاكو فتوثق منه لنفسه وعاد الى الخليفة المستعصم وقال إن هلاكو يبقيك في الخلافة كما فعل بسلطان الروم ويريد ان يزوج ابنته من ابنك أبي بكر، وحسن له الخروج الى هلاكو فخرج اليه المستعصم في جمع من اكابر اصحابه فانزل في خيمة ثم استدعى الوزير الفقهاء والاماثل فاجمتع هناك جميع سادات بغداد والمدرسون، وكان منهم محي الدين بن الجوزي واولاده وكذلك بقى يخرج الى التتر طائفة بعد طائفة، فلما تكاملوا قتلهم التتر عن آخرهم) ويجيء بعد ابي الفداء ابن الوردي وهو يأخذ عن ابي الفدا احياناً بالحرف، ولولا انه ذكر اشياء لم يذكهرا ابو الفدا لاغفلت ذكره، وهو بعد ان يذكر ما ذكره ابو الفدا عن فتنة بغداد وما ارتكب من الامور الشنيعة، وان ابن العلقمي ارسل الى هولاكو يستقدمه يورد نص الرسالة التي ينفرد بذكرها فيقول (وكاتب التتر واطمعهم في بغداد وطمع الخبيث الغوي في اقامة خليفة علوي) (قلت) وكتب ابن العلقمي وكتب ابن العلقمي الى وزير اربل يطلعه على ذلك في رسالة (منها) أنه قد نهب الكرخ المكرم وقد ديس البساط النبوي المعظم وقد نهبت العترة العلوية واستؤسرت العصابة الهاشمية وقد حسن التمثيل بقول شخص من غزيه امور تضحك السفهاء منها … ويبكي من عواقبها اللبيب قد عزموا على نهب الحلة والنيل، بل سولت لهم أنفسهم أمراً فصبر جميل. أرى تحت الرماد وميض نار … ويوشك أن يكون لها ضرام

стр. 2752

ومنها: وزير رضى من حكمه وانتقامه … بطى رقاع حشرها النظم والنثر كما تسجع الورقاء وهي حمامة … وليس لها نهى يطاع ولا أمر (فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون) ووديعة من سر آل محمد … أودعتهاا إن كنت من أمنائها فاذا رأيت الكوكبين تقارنا … في الجدي عند صباحها ومسائها فهناك يؤخذ ثار آل محمد … وطلابها بالترك من اعدائها وكن لما أقول بالمرصاد، وتأول أول النجم واحرص) ثم يقول في شأن الرسول وكيف أرسل بالرسالة الى هلاكو (فارسل ابن العلقمي الى التتر أخاه يستدعيهم فساروا قاصدين بغداد في جحفل عظيم (قلت) أراد ابن العلقمي نصرة الشعية فنصر عليهم، وحاول الدفع عنهم فدفع اليهم، وسعى ولكن في فسادهم، وعاضدو لكن على سبي حريمهم وأولادهم، وجاء بجيوش سلبت عنه النعمة، ونكبت الامام والأمة، وسفكت دماء الشيعة والسنة، وخلدت عليه العار واللعنة) ثم يقول عن عاقبة الوزير: وفيها أي في سنة ٦٥٦هـ (توفى. . . والوزير المتبر مؤيد الدين محمد بن محمد العلقمي الرافضي، قرر مع هلاكو أموراً فانعكست عليه وعض يده ندماً وصار يركب اكديشاً فنادته عجوز يا ابن العلقمي هكذا كنت تركب في أيام المستعصم؟ ووبخه هلاكو آخراً فمات غماً وغبناً لا رحمة الله ومات ابنه بعده) أما صاحب فوات الوفيات فيذكر ان الوزير ظل مخلصاً للأستاذه حتى وقع بينه وبين الدوادار ما وقع من اختلاف، فعضدت الحاشية الدوادار فضعف أمر الوزير فرفعته الضغينة والحقد ان يسعى في ادالة الدولة فأخذ (يكاتب التتر الى ان جرأ هلاكو على أخذ بغداد وقرر مع هلاكو أموراً انعكست عليه وندم حيث لا ينفعه الندم، وكان كثيراً ما يقول. وجرى القضاء بعكس ما املته، لأنه عومل بانواع الهوان من اراذل التتر والمرتدة) ثم يستمر ابن شاكر في حديثه فيروي لنا كيف ابلغ الوزير رسالته الى التتر، فقد ابتدع خطة جهنمية قد لا تخطر لانسان فيقول المؤرخ (وحكى انه لما كان يكاتب التتر تحيل الى ان أخذ رجلاً وحلق رأسه حلقاً بليغاً، وكتب ما اراد عليه بالابر ونفض عليه الكحل وتركه عنده الى ان طلع شعره وغطى ما كتب فجهزه وقال اذا وصلت مرهم بحلق رأسك ودعهم

стр. 2753

يقرأون ما فيه. وكان في آخر الكلام (قطعوا الورقة) فضربت عنقه وهذا غاية في المكر والخزي) أما عن نهاية الوزير فيروي انه مات بعيد استيلاءالتتر على بغداد بتأثير الغنم والغيظ على ما أصابه من التتر في سبيل انتقامه من الدوادار ومشايعيه ويقول ابن خلدون في كلامه عن هلاكو (وقصد قلعة ألموت وبها صاحبها علاء الدين فبلغه في طريقه وصية ابن العلقمي وزير المستعصم ببغداد في كتاب ابن الصلايا صاحب اربل يستحثه للسير الى بغداد ويسهل عليه امرها لما كان ابن العلقمي رافضيا هو وأهل محلته بالكرخ، وتعصب عليهم أهل السنة بان الخليفة والدوادار يظاهرونهم، وأوقعوا باهل الكرخ وغضب لذلك ابن العلقمي ودس الى ابن الصلايا باربل وكان صديقاً له بان يستحث التتر للملك بغداد، وأسقط عامة الجند يموه بانه يصانع التتر بعطائهم، وسار هلاكو والتتر الى بغداد) وبعد أن يذكر فظائع التتر ببغداد وما قتلوا من أنفس أحصى عددها فبلغ المليون والثلاثمائة ألف يقول (. . . واستبقى ابن العلقمي على الوزارة والرتبة ساقطة عندهم فلم يكن قصاى أمره الا الكلام في الدخل والخرج متصرفاً من تحت آخر أقرب الى هلاكو منه فبقى على ذلك مدة ثم اضطرب وقتله هلاكو) ويقول دحلان في كلامه عن مجيء التتر (وكان من أعظم الاسباب أن ابن العلقمي وزير المستعصم كان رافضيا وكان يريد نقل الخلافة من العباسيين الى العلويين فكاتب التتر وأطمعهم في ملك بغداد. . أما ابن العلقمي فلم يتم له ما أراد وذاق من التتر غاية الذل والهوان، فان هلاكو استدعاه بين يديه وعنقه على سواء ما فعله مع أستاذه، ثم قتله شر قتلة، وقيل إ ' نه مات حتف أنفه غماً وكمداً) فرحان شبيلات الجامعة الامريكية (بيروت)

стр. 2754

خواطر للاستاذ أديب عباسي ١ - الفضيلة سياج من شوك ليس له باب، يجد الداخل اليه والخارج منه صعوبة على السواء. ٢ - كثيرون يخلقون عندما يموتون. ٣ - مساوئ المرء تدفن معه. ٤ - بعض الناس كالموائع يتشكلون دائماً بشكل الاناء الذي يوضعون فيه. ٥ - كلما دنت النفوس من الأرض هان قطافها - شأنها شأن الثمر. ٦ - أفراح الحياة واتراحها ممتزج بعضها ببعض. لهذا كان من المستحيل أن ينال امرؤ حظاً من الحياة خالصاً من الاتراح، أو خالياً من الأفراح. ٧ - أكثر الذين يظنون انهم يحبون غيرهم لا يحبون في الحقيقة غير نفوسهم. ٨ - يحب الرجل الانكسار في المرأة لأنه تعود اذلالها. ٩ - من لا تحفزه همته الى الاهتمام بنفسه لا يستطيع احد ان أن يحمله على ذلك. ١٠ - من الناس من يخلقون اذناباً؛ ومن العبث المسرف أن تجعلهم رؤساء. ١١ - ليس آلم للنفس من رؤية الرذيلة في ثياب الفضيلة والذئب في ثياب الحمل. ١٢ - المتكبر كالرابية الجرداء. ١٣ - يحب الشهرة جميع الناس، ولكن العاجزين يتظاهرون بالرغبة عنها. ١٤ - شر الناس واشدهم خطرا هم اولئك الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، لأن من بدت للناس سريرته هان عليهم اتقاؤه مهما كان شره. ١٥ - ينعم الجاهل بجهله كما ينعم الحكيم بحكمته. ١٦ - ضعيف الأرادة كالمريض المدنف عرضه لتغيرات البيئة. ١٧ - كثير الكلام كالصبي لا يستطيع ان يعطيك فكرة محبوكة الاطراف. ١٨ - تحب المرأة في الرجل الصفات التي هي خلو منها وكذلك الرجل، فكانهما فهما قصد الطبيعة فامتزجا على هذا النحو ليخرجا المخلوق الكامل. ١٩ - الجهل صحراء محرقة لا يعيش فيه الا من تعوده.

стр. 2755

٢٠ - الضمير الحي كالابرة لا تستطيع ان تمعن في الضغط عليه. ٢١ - المصائب الكبرى تبتلع الصغرى. ٢٢ - كلما كثرت اغلاط المرء قل اهتمامه بها. ٢٣ - من حرص على اخفاء عيوبه فقد قلل منها. ٢٤ - الفن هو فن على قدر ما يستولي علينا ويستغرق حواسنا ومشاعرنا. ٢٥ - رحب الصدر كالبحر مهما جاش وأزبد يبقى في موضعه. ٢٦ - المتكبر كالرجل فوق الجبل يرى الناس صغاراً وهم يرونه صغيراً. ٢٧ - ما أغرب ما تكون حياة المرء لو عمل بكل ما يفكر به. ٢٨ - اذا فقد الذئب أنيابه صار حملا. ٢٩ - النبع العميق لا تعكره الحصاة الصغيرة. ٣٠ - الأمل يزيد القوي قوة والضعيف ضعفاً. ٣١ - من لا يقتنع بالحق لا يستطيع أن يقنع به أحداً. ٣٢ - الوضيع كالدخان لابد عائد الى مصدره الوضيع مهما ارتفع. ٣٣ - بعض الناس (كديك) الهواء يميلون دائماً حيث تميل الريح ٣٤ - من تكلف الصدق فقد كذب. ٣٥ - نزعة الدفاع عن النفس يذكيها ويغذيها فينا الشعور بالنقص والحرمان من جهة، وما فطرنا عليه من حب للكمال وكره للنقص من جهة أخرى. ومن هنا كانت هذه النزعة بين الناس في هذا الحد من الشيوع. ٣٦ - من الناس من اذا أعياه الارتفاع الى مستوى الأغيار حاول النزول به الى مستواه. ٣٧ - ان العبقري كالمصباح القائم على عمود عال يرى ويلاحظ من بعيد، ولكنه في الوقت ذاته يبدي للمشاهدين كل ما يحيط به ويرتكز عليه. ٣٨ - المرأة كالأطفال تأسرها الروايات المغرقة في الخيال. وهذا ليس أمراً عارضاً: إنما هو تعبير صامت عن شعورها بالضعف ومقياس لمقدار ما تشتهيه من قوة ونفوذ، فتعوض عن ذلك بطريق الخيال. ٣٩ - ان الميل الذي يظهره البعض الى الزهد والتقشف قد لا يكون له من أساس إلا طلب

стр. 2756

المتعة من جهة، والعجز عن نيلها من جهة أخرى، فينطبق عليهم مثل الثعلب والعنب. ٤٠ - ان الخطيب الذي يهبط كلامه الى قرارة النفوس هو الخطيب الذي يقول: (نحن) ولا (أنتم). ٤١ - العبقري جبل شاهق بين سلاسل من التلال المطمئنة. فيشعر أوساط الناس - الذين يقيسون اقدارهم الى قدره - بأنوارهم تكف وأقدارهم تتضاءل. ومن هنا ترانا الى تضخيم سيئات العبقري أميل، وبتشويه سمعته أعلق، كأننا ننتقم منه لعزَّتنا الجريحة ٤٣ - لا يوصف العبقري بالاعتدال (والاعتدال دائماً النزول على حكم الأكثرية). ومن هنا يجده العبقري من تأييد شديداً وعداء شديد. فهو في آرائه ونزعاته وأخلاقه ينحاز غالباً الى أحد طرفي المبالغة. وهو - لذلك - ييوافق فئة أشد الموافقة ويخالف فئة أشد الخلاف. ٤٤ - لا ترسل الطبيعة العبقري برقا يردد صدى اصوات الجمهور، انما ترسله نوراً وهداية يؤتم به ويهتدي بهديه. شرق الأردن أديب عباسي

стр. 2757

يوم سقراط الأخير في منزله للآنسة اسماء فهمي تهمنا ناحية خاصة من تعاليم الفيلسوف سقراط، التي سجلها أفلاطون في (الجمهورية) وهي رأيه في تعليم النساء؛ فقد كان يقول بوجوب تعليم الممتازات منهن تعليما لا يختلف عن تعليم الرجال الممتازين، لاعدادهن لتولي منصب الحكام الفلاسفة في المدينة النموذجية، إذ لا يرى اختلافاً جوهرياً بين استعداد المرأة واستعداد الرجل. يرى سقراط هذا الرأي في وقت انحطت فيه مكانة المرأة في أثينا وأصبحت لا تمتاز من الأرقاء إلا قليلاً؛ وبالرغم من أنه كان يعيش مع زوجة يضرب بها المثل في شراسة الطباع ورعونة الخلق. وهذا لا شك برهان قوي على استقلال رأي الفيلسوف وسموه على الآراء السائدة، والمؤثرات الخارجية، واعترفاً بفضل سقراط على المرأة سأبين فيما يلي ما عاناه من عنت زوجه (زانتيب) في يومه الأخير بداره قبل القبض عليه، مستعينة بالرواية التي وضعها عن حياة الفيلسوف. في صباح يوم راق جوه، وسطعت شمسه، آثر سقراط البقاء في منزله على غير العادة، فلم يخرج للحوار والمجادلة في أسواق أثينا، وإنما جلس على مقعد خشبي عتيق في فناء داره التي كانت يستعملها غرفة استقبال - وأخذ يخصف حذاءه؛ ولعل ذلك ما منعه عن الخروج ذلك اليوم؛ وتلك عملية كانت تجدد ولا شك كل بضعة أسابيع، لأن الفيلسوف كان لا يستعمل شيئاً أكثر من نعليه سوى لسانه! وبينما هو على تلك الحال، ولحيته الطويلة البيضاء المرسلة تكاد تخفي الحذاء وتعوق سير العمل، اذ بزوجته زانتيب تنقض عليه انقضاض الصاعقة وتفاجئه قائلة: - أنت هنا يا سقراط؟ - نعم: ييا زانتيب، ولكن لا أفهم المقصود من تلك العبارة. .؟ - وما الذي تفهم من شئون الحياة؟ سأفرغ من اعداد طعامك بعد دقائق. . - حسن جدا. - الطعام المعتاد طبعا. - جميل للغاية.

стр. 2758

- أحقاً ما تقول؟! لو كنت تعمل عملاً شريفاً وتحصل منه على بعض النقود مثل سائر الرجال المجدين لما أصبحنا في حاجة لأكل العيش والعدس يوماً بعد يوم. - إن من لا يسأل غير الكفاف يا زانتيب يكون بلا شك أعظم الناس شبها بالآلهة! - أبق هذا الهذيان حتى تكون مع صحبك الأعزاء. أما انا فلا تهذ معي. . . - لقد خلق كلانا محبا للكلام! - لقد خلقت محباً لذاتك، وتلك هي مصيبتك. - ربما. - أيهمك أمري أو أمر اللأطفال؟ لو كنت تفكر فينا حقاً لما جننت لدرجة أنك أصبحت تناصب الحكومة العداء، - ما الذي سيحل بي؟ - أريد أن أعلم - عندما يلقونك في أعماق السجون؟ - عندئذ تصبحين أسعد حالاً. - وكيف ذلك؟ هل لي أن أسأل؟ - إن أصدقائي لا يفتأون يقدمون الى نقودا. . . - (زانتيب مقاطعة) وأنت دائماً ترفضها. - بالتأكيد! أما أنت فسوف لا ترفضينها! - هل تريد ان أموت جوعاً؟ أما عن اصدقائك فاني أبغضهم جميعاً ما عدا (السبياديس) الانيق. اني لا أستغرب ان يقتل الشبان الموسرون أوقاتهم في المجادلة في أمور تافهة، ولكن الذي استغربه هو عدم ترك الرجل الفقير لتلك الأمور لمن هم فوقه مرتبة. - لقد اشتغلت بجد في شبابي - وانفقت كل ما جمعت على الناس! آه لقد نفد معين الصبر معك! - لقد لاحظت ذلك - آه. كم أود أن تغتاط وتفقد حلمك معي! انني كمن يحاول إيقاد خشب مبتل. - لا تحاولي ذلك - سحقاً لك! أعازم على الدخول أنت؟

стр. 2759

- سريعاً - سوف لا تجد من الطعام غير الماء البارد - هو كل ما أريد (يسمع طرق على الباب) زانتيب: - من الطارق؟ إذا بقيت هنا للكلام فقد لا تجد طعاماً مطلقاً. (تخرج) سقراط: يفتح الباب ويدخل (مليتاس) الشاعر سقراط: أنك لتفاجئني! مليتاس: أتسمح لي بالبقاء دقائق معدودة؟ سقراط: بالطبع. ولكنك منذ ثلاثة أيام قلت إنك سوف لا تكلمني أبداً مليتاس: لقد كان ذلك هياجاً سخيفاً. لقد كنت على صواب وكنت أنا على خطأ وقد جئت لأقر بذلك الآن بجانب غرض آخر سقراط: وما هو الغرض الآخر؟ مليتاس - أن أسأل عما اذا كان في إحضاري صديقين من أصدقائي للحديث معك عمل خارج عن حدود الحرية المألوفة. انهما يتلهفان لمعرفتك سقراط - بابي لكل وارد مفتوح. من هما؟ مليتاس - أنيتاس الدباغ، وليكون الخطيب من ذوي المستقبل الباهر في السياسة. ولقد سنحت لهما الفرصة الآن طبعا. سقراط - الآن؟ ولم الآن؟ مليتاس - أحقا إنك لم تسمع بعد؟ سقراط - لم أخرج اليوم من منزلي قط. مليتااس - إذن أنا الذي سأزف اليك النبأ السار: لقد سقطت الحكومة الاستبدادية وقامت مكانها حكومة ديمقراطية. سقراط - معنى ذلك نفي عدد جديد من الناس على ما أعتقد. مليتاس - معناه أنك أصبحت بعيداً عن الخطر الآن.

стр. 2760

سقراط - نعم! ولكني واثق من إغضاب الحكومة الحاضرة كما أغضبت السالفة. مليتاس - وهل نسيت أن لك عدداً كبيراً من الأصدقاء في أثينا؟ سقراط - لي أضعاف أضعافهم من الاعداء. (يسمع طرق على الباب) مليتاس - ها هما ذان قد حضرا سقراط - من أعدائي؟ مليتاس - كلا. كلا. بل قل أصدقاءك الجدد (يدخل أنيتاس الدباغ وليكون الخطيب) مليتاس - ها قد أتيتما. هذا أنيتااس الدباغ وليكون الخطيب سقراط - اجلسا على الرحب والسعة. ليكون - ان من دواعي فخاري أن أتعرف اليك الآن أنيتاس - وإنه ليسرنا نجاتك المدهشة. ليكون - قد تتساءل عن سبب زيارتنا لك الآن؟ سقراط - صدقت. ليكون - إننا ديقراطيان متحمسان أنيتاس - ونعد الديمقراطية النوع الوحيد من الحكومات الذي يرضى أفراد الشعب الذين يحترمون أنفسهم ويعتزون بالكرامة. ليكون - وإنه ليسرنا أن سقراط العظيم يوافقنا في الرأي سقراط - ان نوع الحكومة لا يفضل أي نوع آخر، بل كل شيء يتوقف على الأشخاص الذين يحكمون بالفعل. مليتاس - ولكنك بالطبع تؤيد المبادئ الديمقراطية؟ سقراط - هل لليكون أن يعرفني ما هي لأنه كما يبدو أكثر احتمالا لغباوتي من غيره؟ ليكون - الديمقراطية هي الحكومة القائمة على رغبة الشعب، هي المبنية على المساواة المطلقة بين الافراد. سقراط - عظيم جداً. . . ولكن هل لي أن أسأل بعض الاسئلة بحسب طريقتي المعروفة. زانتيب (من الداخل) سقراط! سقراط!

стр. 2761

سقراط - هي زوجتي تعلن اعداد الطعام ليكون - اذن يجب أن نستأذن للخروج سقراط - انني أفضل الحديث على الطعام. مليتاس - اذن سل ما تشاء. سقراط - سأبدأ بسؤال ليكون. اتسلم مبدئياً بمقتضى ما لديك من التجارب أن التجارب مثلا ليست من الأمور الهينة وكذلك إدارة الجيش. ليكون - بالتأكيد. سقراط - وأن ادارة الحكومة يدخل ضمنها التجارة والجيش والزراعة وأشياء أخرى صعبة الحصر؟ ليكون - بالطبع سقراط - وأن من الضروري أن يديرحكومة كهذه كثيرة الفروع مختلفة الاغراض أعقل الأفراد؟ ليكون - بالضرورة. سقراط: وهؤلاء يختارون بالتصويت العام. أليس كذلك؟ ليكون: هو ما تقول سقراط: وانت تقول إنه لابد من اشتراك الافراد في الحكومة اشتراكاً مبنيا على المساواة في التصويت ماداموا يتساوون في الدفاع عن الأوطان؟ ليكون: مازلت محتفظاً بنظريتي. سقراط: ومعنى ذلك أن الفرد الغبي له سلطة تعادل سلطة الرجل الذكي، والنتيجة تكون اختيار افضل الرجال؟ ليكون: (بغضب) إننا نعتمد على الاجماع الذي لا يضل: انيتاس: وما الذي ترمي اليه من محاورتك هذه؟ (تدخل زانتيب) زانتيب: بمثل هذا الاهمال تعامل الزوجة الصالحة التي تجهد نفسها في طهي العدس؟ ألا فاشهدوا أيها الرفاق على عقوق الأزواج!

стр. 2762

هيا انهض معي وإلا كيف يكون الانتقام سقراط: معذرة أيها الرفاق فانا ذاهب معها! (يخرجان) مليتاس: ألم اقل لكما إنه عدو للحكومة والشعب؟ اذهب يا انيتاس وأحضر من يتولى القبض عليه فهو كما تبين لكما خائن للحكومة وكثيراً ما عاث في الارض وأفسد عقائد الشيوخ والشبان. (يخرج انيتاس) (يدخل سقراط) سقراط - أين انيتاس وكيف يخرج غير مسلم؟ ليكون - لقد كلب إلى أن أعتذر اليك إذ تذكر موعداً أنساه إياه حديثك العذب الطريف. . الآن وقد استنرت بآرائك في السياسة فهل لي أن أطلب هدايتك في الدين؟ مليتاس - حذار يا ليكون فسقراط معروف بكفرانه بالآلهة سقراط - تلك أكذوبة لفقها كتاب الكوميديا. ليكون - أنت غير ملحد إذن؟ سقراط - يلزمنا أن ننظف أدمغتنا كل عاام كما ننظف دورنا من سقط المتاع مليتاس - وما هو سقط المتاع يا ترى؟ سقراط - آراء ماتت أو آخذة فيي التعفن والاضمحلال. (تدخل زانتيب) زانتيب - لقد برد طعامك، فما الفائدة من كل ذلك الهذيان؟ إن العدس لا يؤكل الآن سقراط - لا بأس فلا حاجة لي به زانتيب - أتقول لا حاجة لك به بعد أن تعبت في إعداده لك؟ حسنا هاك جرة من الماء البارد هي كل ما ينبغي أن تأكل جزاء وفاقا (تلقي الجرة في وجهه) (يسمع طرق على الباب) زانتيب - تسير نحو الباب وتفتحه قليلا ثم ترده بسرعة صارخة وتكر راجعة

стр. 2763

زانتيب - الجنود! الجنود بالباب يا سقراط. . . اني أرى الشر في وجوههم أي زوجي العزيز. . لقد جاءوا في طلبك ولا شك. ألم أقل لك أن كف عن النقد والجدل. . آه (تبكي) (يشتد الطرق) ولكنك لم تنهرني ابداً ولم تضربني كما يفعل الرجال غلاظ القلوب مغفلة يا زوجي العزيز. واحزناه. . انك لم تذق طعاماً منذ ظهر أمس (تدخل الجنود) سقراط - مهلا ايها الجنود. . انا قادم اليكم. . . وداعا يا زانتيب. . لا تجزعي فسيرعاك الله في غيبتي. . . واذا ماا ذكرتني فاذكري انني لم أعبأ قط بالحياة ولا بالموت بل بالحقيقة التي سأعذب ولا شك من أجلها. . . . زانتيب -: ترتمي على مقعد وتنتحب. . . اسماء فهمي (٢ - ابن قلاقس ٥٣٢ - ٥٦٧هـ (١١٣٨ - ١١٧٢م) لشاعرنا مذهب في الحياة، اختاره لنفسه، وارتضاه كطريقة يسير عليها، ذلك المذهب هو اختلاس الفرصة، وانتهاز غفلة الزمان، فهو قد آمن بأن الدهر لا يحسن مرة الا أساء أخرى، ولا يمد يداً الا انتزاع بشماله ما قدمه بيمينه، فهو متقلب متلون كالحرباء، وإذا كانت تلك حالة الدهر، فمن الخير للمرء أن ينتهز الفرصة التي تسنح له، فلا يدعها تفلت من يده، ولينل فيها اللذة التي تهيأت له، إذ انه من الخير للمرء ألا يدع نفسه فريسة الدهر فيزيد السهام سهماً، والجراح جرحاً، وأولى له أن ينتهز غفلة الدهر فاذا نامت عينه، تمتع ما دامت تلك العين غافلة، واستمع إليه حين يقول: واعطف على خلس اللذات مغتنماً … فالدهر في حربه تلوين حرباء أما اختلاس اللذات من الناحية الدينية فهو يطمئنك عليها ويخبرك أن هناك الها رؤوفاً رحيماً لا يضن عليك بالعفو إن أنت اقترفت جرماً ثم عدت إليه لابساً التوبة مرتدياً ثياب الاستعطاف، فلا بأس عليك من ذنب، ولا ضير عليك من اقتراف معصية، فاقترف، واعترف، فثم كريم يهب الأقتراف للاعتراف ولقد كان من وسائل سروره التمتع بالغناء، والانصات إلى مغنية جميلة رخيمة الصوت تطربه وتسره، حتى أصبح له بسبب هذا

стр. 2764

الولوع اذن غنائية هيأت له أن ينتقد المغنيات اللاتي لا يجدن من الغناء ولا يحسن الا مد الصوت ولو كان متنافراً، ولا يجدن اتفاق النغمات، ولا ندري إن كان شاعرنا قد اتخذ الخمر وسيلة من وسائل تمتعه بالحياة ولهو فيها، أو أن لهجة بها وتغنيه بذكرها، وتفننه في وصفها، كان ناشئا عن تقليد لا عن عاطفة نحوها، وبعد فماذا كان موقف ابن قلاقس إزاء الحياة العلمية؟ وما مذهبه الذي اختطه لنفسه؟ وهل كان موفقاً في اختياره هذا المذهب؟ - ٥ - إن كنت تبغي وطنا … من العلا فاغترب فالسمر في غابلتها … معدودة في القضب على أن أسعى وما … على نجح الطلب تلك هي عقيدته في الحياة العملية، وذلك هو مذهبه الذي اختاره وارتضاه، فهو لا يرى العلا تنال إلا بالبعد عن الوطن والتغرب عن الآل، ففي ذلك نيل الأمل وبلوغ المأرب. ولعل ولادته في ثغر الاسكندرية لها اثر في ذلك، على أنه بالرغم من هذا لا يرى التغرب إلا وسيلة من الوسائل للوصول إلى أطماعه، فأن أخفقت فأن ذلك الاخفاق لا يفت في عضده ولا يضعضع من قوته، فعليه أن يسعى، وما عليه نجح مطالبه، وشاعرنا لم يكن في مذهبه ذلك مشرعاً فحسب أو قانونياً يلقى القانون إلى الناس، ولا يتبعه بعمل بل كان قوله ذلك معبراً أصدق تعبير عن حياته العملية كلها، فتاريخه ينبئنا أنه كان كثير الحركات والأسفار، لم يقتصر على التنقل في وطنه، بل غادره إلى بلاد غير بلاده وآل غير آله رحل إلى صقلية في شعبان سنة ثلاث وستين وخمسمائة، وصقلية جزيرة قرب ايطاليا كانت تابعة للفاطميين حينا من الزمن طويلا، إلى أن تغلب عليها روجر النورماندي، وانتزعها من أيديهم، وجعلها إمارة مستقلة، وكان بتك الجزيرة أيام وصل اليها شاعرنا قائد يسمى أبا القاسم بن حجر، فاتصل به اتصالا وثيقاً، ومدحه مدحا كثيراً، وتوثقت بينهما الصلة، حتى ان شاعرنا ألف له كتابا أسماه الزهر الباسم في أوصاف أبي القاسم، ويقال إنه قد أجاد فيه، ولكن الكتاب لم يصل الينا، وعبثت به يد الزمان، وظل شاعرنا لدى أبي القاسم حول عامين، أراد الرجوع بعدهما إلى بلاده، وكان في زمن الشتاء، فردته الرياح إلى صقلية، فكتب إلى أبي القاسم المذكور:

стр. 2765

منع الشتاء من الوصو … ل مع الرسول الى دياري فأعادني وعلى اختيا_ري جاء من غير اختياري ولم يقتصر شاعرنا في رحلاته على صقلية، بل ذهب الى بلاد المغرب ومدح صاحبها عبد المؤمن بقصيدة قوية الأسلوب، قوية المعاني، تدلنا على عظمة من قيلت فيه. وانصت اليه يقول: عظمت قيمتها مذ علقت … بأمير المؤمنين الأعظم كعبة المن التي من زارها … بات في أمن حمام الحرم قبلة الدين التي حج لها … خلقه: من كافر أو مسلم قائد الجيش الذي من راعه … باسمه قبل التلاقي يهزم يا إماما خضع الدهر له … فأطاعته رقاب الأمم. . . الخ. ثم عاد الى وطنه، ولكنه لم يستقر به المقام طويلا حتى دفعته النوى إلى بلاد اليمن، ودخل مدينة عدن، واتصل بأبي الفرج ياسر بن بلال وزير البلاد اليمنية، فأحسن الوزير صلته، وأجزل عطيته، ثم فارقه عائداً إلى الديار المصرية فانكسر المركب به وغرق جميع ما كان معه بالقرب من دهلك، فعاد الى ياسر، ومدحه بقصيدة بدأها بقوله: صدرنا وقد نادى السماح بناردوا … فعدنا إلى مغناك، والعود أحمد وجاذبنا للأهل شوق يقيمنا … وشوق لمغنينا عن الأهل يقعد ثم أنشده قصيدة أخرى يصف فيها غرقه، وما أصابه في البحر غير أن هذا الحادث لم يجعله يسخط على السفر والاغتراب كما قد يظن، فقد رأيناه بعد أن نجا يكرر مذهبه ويؤكده، ويقول سافر إذا ما رمت قدرا … سار الهلال فصار بدرا والماء يكسب ما جرى … طيباً، ويخبث ما استقرا وبنقلة الدرر النفيس … ة بدلت بالبحر نحرا مما يدلنا على قوة عزمه، وتغلغل مبدأ السفر والارتحال في فؤاده، ولقد هداه حادث الغرق إلى أنه من الخطا تشبيه ممدوحه بالبحر إذ يقول: وغلطت في تشبيه … بالبحر فاللهم غفرا

стр. 2766

أو ليس نلت بذاغني … جما، ونلت بذاك فقرا؟! ولعل شاعرنا حينما ألقت به يد الأمواج إلى جزيرة دهلك لم يأنس بالمقام فيها، ولم يجد من حاكمها مالك بن شداد براولا رحمة، لذلك هجاها، وصورها بصورة جهنم بدليل أن خازنها مالك (ودهلك جزيرة بين بلاد اليمن وبلاد الحبشة) وظلت أيدي النوى تتقاذفه حتى ألقت به في عيذاب، وهي بليدة على شاطئ بحر جدة يعدى منها الركب المصري المتوجه إلى الحجاز عن طريق قوص، وهناك وافته منيته بعد أن بلغ من العمر خمساً وثلاثين سنة. بالرغم من كثرة أسفار شاعرنا، وكثرة تنقله بين الأوطان المختلفة كان حنينه وشوقه الى مصر لا يفتران: ففي صقلية يذكر مصر، وفي غيرها يذكر مصر، ويذكر آله وقومه، ويذكر ما كان له في تلك الديار: من صحب وأصدقاء فيحن إليهم ويقول: يا إخوتي، ولنا من ودنا نسب … على تباين آباء وأجداد متى تنور آفاق المنارة لي … بكوكب في ظلام الليل وقاد متى تقر ديار الظاعنين بهم … والدهر يسعفهم بالماء والزاد ويقول مخاطباً أبا القاسم بصقلية: وعليك السلام مني، فاني … عنك غاد أو رائح أو ساري شاقني الأهل والديار وذو البعـ … د معنى بأهله والديار وتلك حالة طبيعية يمسها الرجل المفارق لوطنه، فهو يحن إليه دائماً، ويشتاقه دائماً (البقية في العدد القادم) أحمد أحمد بدوي

стр. 2767

من طرائف الشعر ذكرى الحج للأستاذ الحاج محمد الهراوي حَدّا بِي الى أُمِّ القُرَى شوقُ هائِم … مُدَلِّةِ قلبٍ حوْلَ مكة حائم وَلِهْتُ بها ما بين نومٍ ويقظةٍ … وقلبي يقظانُ الهوى غيرُ نائم فان نمتُ لم تبرح تُخَيِّلُ لي الرْؤَى … وإن أصْحُ لم يَبرَحْ تخيُّل واهِمِ فذلك شأني ثم لَجء بيَ الهوَى … الى أن رأيتُ الحجَّ ضربةَ لازِم حططتُ برحلي فوق ناحيةِ السُّرَى … وطرتُ بشَوْقي فوقَ ذاتِ القوادِم لعلِّي، وفي برديَّ حُوبة آثمٍ … أُطهِّرُ عن بردىِّ حوبةَ آثمِ ويُطمعني في الله أنىَ من مِنىً … قريبٌ، وأني من سُلالةِ هاشمِ أُمَسِّحُ بالأركان وجهي مُعفّراً … وأهمى عليها من دموعي السواجم أطوفُ وأسْعى بين مَرْوةَ والصَّفا … وآوى الى رُكنٍ من البيت عاصمِ وأرجعُ مملوء الجوانح خَشيْةً … من الله في يومٍ من الهَوْل قادِمِ فَيَاهلْ أتى صَحْبي بَمسْرَح لهوْهِم … مَتَابى، وأني قارعٌ سِنَّ نادِمِ فلم أرَ مثلَ الدينِ أدعى الهُدَى … ولا مثلَ حجِّ البيت أهدْىَ لجارمِ وما أبتغي إلا المْثَوبةَ مخلصاً … ودعوةَ ربِّ البيتِ تحتَ المحارِمِ أقول: إلهي أنتَ أدرَى بأمَّتي … وكم نزَلتْ دْهراً على حكم غاشم تركتُ ورائي أُمةً لم تكن تَني … عن الحقِّ جُهْداً، أو تهى في العزائم فياربِّ يا حامي حِمَى البيتِ لا تُبِحْ … حِمى مِصرَ للعادِينَ من كلِّ ظالم وياربِّ إنَّ الشرقَ بات بأهلهِ … كبيرَ الأماني طامحاً للعظائم يريد حياةَ العزِّ وهو مُسالِمٌ … ويأبى عليه الجَوْرُ عَيْشَ المُسالم فياربِّ أيِّدْهُ على الحقِّ ما سَعَى … الى الحقِّ وارفعْ عنه نِيرَ المظالِمِ بلادي وقوميي فوقَ ما جئتُ أبتغي … لنفسي، وما أرجو لها من مغانِمِ وياربِّ إن كانت لنفسي حاجة … فحاجةُ نفسي منكَ حُسْنُ الخوَاتِمِ

стр. 2768

سبيكة الشعر إن كنتِ أهديتني من شَعرك الغالي … سبيكةً جددت عهد الهوى الخالي فقد وهبتك يا دنياي مرتضياً … قلباً يفيض بأحلامي وآمالي قلبي لديك. فهلاً … رويته من نهرك؟ كما تروْي عيوني … بالدمع غاليَ شَعرك وهل يجود الزمانُ … بالقرب بعد النوى؟ فتلقي العينانْ … ونستعيد الهوى مازالت أندب والأحشاء ثائرة … عهوده كلما مرَّت على بالي ولا أرى بعد ما هاجرتِ مرغمة … إلا عذاب فؤادي أو ضنى حالي ولم تعد لي دموعْ … إلا دماء الفؤاد أبكي بها في الضلوع … عليه بعد البعاد يا ضيعة العمر إلا … في وكرك الفتان وبؤسَ للقلب إن لم … ينل لديك الأماني مناي في الحب أن نقضي الحياة كما … كنا: أليفين في حِلٍّ وترحال أسقيك كأس الهوى والحب متروعة … وأستقى من رضاك المسكر الحالي محمد فريد عين شوكه

стр. 2769

عالم الهوى للشاعر الوجداني أحمد رامي يا طيورْ ما الذي هزك للشَّدو الجميل … في سكَون الليل أو صفو السَّحَر يا زهورْ ما لأغصانك في الروض تميل … في ضياء الشمس أو نور القمر يا غديرْ ما لأمواهك في المرْج تسيل … ضاحكاتٍ بين أفنان الشجر قالت الطير أما تلقى الربى … يتباهي الزهر فيها بالجمال؟ وانثنى الزهر مجيبا هل ترى كيف يجري الماء ما بين الظلال؟ ومضى الجدول مختالا وقال … قد غذانى النهر بالعذب الزلال تعشق الطير الزهور … والجنى يهوى الغدير والغدير … يستقى الماء من النهر النمير كل من في الكون يَغْنى … من هواه بنصيب وأنا قلبِيَ يَهْنا … برضى قلبِ الحبيب

стр. 2770

وحشة للاستاذ محمود الخفيف // ليس يمحو الوجدَ من قلبي الحزين … كلُّ ما في الكون من آي الجمال يتأسى كل قلب بعد حين … ما لقلبي بات مفقود المثال؟! شفه طول الحنين … وتباريح الخيال واغتدى بعد اليقين … بين يأس واحتمال أظلم الكون وقد كان سناه … مشرقا في النفس اشراق الأمل نبه القلبَ لأكدار الحياه … وحشة تبعث في قلبي الوجل حار قلبي في هواه … والهوى أصل الخبل ويحه ماذا دهاه … فبكى بعد الجذل؟ تبسم الأزهار للصبح الوليد … وتغنى الطير الحان السَّحر ويلوح النور في الأفق البعيد … فيهز البشر أعطاف الشجر والندى در نضيد … فوق أكمام الزَّهر هل يرى قلبي الشريد … حسن هاتيك الصور؟ تشرق الشمس لا أرى معنى … يبهج النفس من معاني ضحاها لا، ولا البدر اذ يسير الهويني … باعث في النفس أحلام مناها واذا العصفور غنى … ذكرت عيني بكاها واذا الغصن تثنج … هيج النفس شجاها تدمع العين برغمى أن أرى … في ظلال الريف مغنانا الوسيم كان مرعى اللهو فيه ناضرا … عاطر الأنفاس مطلول الأديم مالعيني لا ترى … حسن مرآه القديم؟ يتراءى مقفرا … والأسى فيه مقيم! أسأل الدوحة عنها ذاهلا … وأطيل السير في جنب الغدير ثم أمضي بعد حين قافلا … تخفق اللوعة في قلبي الكسير أتناجى قائلا … بين دمع وزفير
следующие страницы →