Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
أو ليس نلت بذاغني … جما، ونلت بذاك فقرا؟!
ولعل شاعرنا حينما ألقت به يد الأمواج إلى جزيرة دهلك لم يأنس بالمقام فيها، ولم يجد من حاكمها مالك بن شداد براولا رحمة، لذلك هجاها، وصورها بصورة جهنم بدليل أن خازنها مالك (ودهلك جزيرة بين بلاد اليمن وبلاد الحبشة) وظلت أيدي النوى تتقاذفه حتى ألقت به في عيذاب، وهي بليدة على شاطئ بحر جدة يعدى منها الركب المصري المتوجه إلى الحجاز عن طريق قوص، وهناك وافته منيته بعد أن بلغ من العمر خمساً وثلاثين سنة.
بالرغم من كثرة أسفار شاعرنا، وكثرة تنقله بين الأوطان المختلفة كان حنينه وشوقه الى مصر لا يفتران: ففي صقلية يذكر مصر، وفي غيرها يذكر مصر، ويذكر آله وقومه، ويذكر ما كان له في تلك الديار: من صحب وأصدقاء فيحن إليهم ويقول:
يا إخوتي، ولنا من ودنا نسب … على تباين آباء وأجداد
متى تنور آفاق المنارة لي … بكوكب في ظلام الليل وقاد
متى تقر ديار الظاعنين بهم … والدهر يسعفهم بالماء والزاد
ويقول مخاطباً أبا القاسم بصقلية:
وعليك السلام مني، فاني … عنك غاد أو رائح أو ساري
شاقني الأهل والديار وذو البعـ … د معنى بأهله والديار
وتلك حالة طبيعية يمسها الرجل المفارق لوطنه، فهو يحن إليه دائماً، ويشتاقه دائماً
(البقية في العدد القادم)
أحمد أحمد بدوي
стр. 2767
من طرائف الشعر
ذكرى الحج
للأستاذ الحاج محمد الهراوي
حَدّا بِي الى أُمِّ القُرَى شوقُ هائِم … مُدَلِّةِ قلبٍ حوْلَ مكة حائم
وَلِهْتُ بها ما بين نومٍ ويقظةٍ … وقلبي يقظانُ الهوى غيرُ نائم
فان نمتُ لم تبرح تُخَيِّلُ لي الرْؤَى … وإن أصْحُ لم يَبرَحْ تخيُّل واهِمِ
فذلك شأني ثم لَجء بيَ الهوَى … الى أن رأيتُ الحجَّ ضربةَ لازِم
حططتُ برحلي فوق ناحيةِ السُّرَى … وطرتُ بشَوْقي فوقَ ذاتِ القوادِم
لعلِّي، وفي برديَّ حُوبة آثمٍ … أُطهِّرُ عن بردىِّ حوبةَ آثمِ
ويُطمعني في الله أنىَ من مِنىً … قريبٌ، وأني من سُلالةِ هاشمِ
أُمَسِّحُ بالأركان وجهي مُعفّراً … وأهمى عليها من دموعي السواجم
أطوفُ وأسْعى بين مَرْوةَ والصَّفا … وآوى الى رُكنٍ من البيت عاصمِ
وأرجعُ مملوء الجوانح خَشيْةً … من الله في يومٍ من الهَوْل قادِمِ
فَيَاهلْ أتى صَحْبي بَمسْرَح لهوْهِم … مَتَابى، وأني قارعٌ سِنَّ نادِمِ
فلم أرَ مثلَ الدينِ أدعى الهُدَى … ولا مثلَ حجِّ البيت أهدْىَ لجارمِ
وما أبتغي إلا المْثَوبةَ مخلصاً … ودعوةَ ربِّ البيتِ تحتَ المحارِمِ
أقول: إلهي أنتَ أدرَى بأمَّتي … وكم نزَلتْ دْهراً على حكم غاشم
تركتُ ورائي أُمةً لم تكن تَني … عن الحقِّ جُهْداً، أو تهى في العزائم
فياربِّ يا حامي حِمَى البيتِ لا تُبِحْ … حِمى مِصرَ للعادِينَ من كلِّ ظالم
وياربِّ إنَّ الشرقَ بات بأهلهِ … كبيرَ الأماني طامحاً للعظائم
يريد حياةَ العزِّ وهو مُسالِمٌ … ويأبى عليه الجَوْرُ عَيْشَ المُسالم
فياربِّ أيِّدْهُ على الحقِّ ما سَعَى … الى الحقِّ وارفعْ عنه نِيرَ المظالِمِ
بلادي وقوميي فوقَ ما جئتُ أبتغي … لنفسي، وما أرجو لها من مغانِمِ
وياربِّ إن كانت لنفسي حاجة … فحاجةُ نفسي منكَ حُسْنُ الخوَاتِمِ
стр. 2768
سبيكة الشعر
إن كنتِ أهديتني من شَعرك الغالي … سبيكةً جددت عهد الهوى الخالي
فقد وهبتك يا دنياي مرتضياً … قلباً يفيض بأحلامي وآمالي
قلبي لديك. فهلاً … رويته من نهرك؟
كما تروْي عيوني … بالدمع غاليَ شَعرك
وهل يجود الزمانُ … بالقرب بعد النوى؟
فتلقي العينانْ … ونستعيد الهوى
مازالت أندب والأحشاء ثائرة … عهوده كلما مرَّت على بالي
ولا أرى بعد ما هاجرتِ مرغمة … إلا عذاب فؤادي أو ضنى حالي
ولم تعد لي دموعْ … إلا دماء الفؤاد
أبكي بها في الضلوع … عليه بعد البعاد
يا ضيعة العمر إلا … في وكرك الفتان
وبؤسَ للقلب إن لم … ينل لديك الأماني
مناي في الحب أن نقضي الحياة كما … كنا: أليفين في حِلٍّ وترحال
أسقيك كأس الهوى والحب متروعة … وأستقى من رضاك المسكر الحالي
محمد فريد عين شوكه
стр. 2769
عالم الهوى
للشاعر الوجداني أحمد رامي
يا طيورْ ما الذي هزك للشَّدو الجميل … في سكَون الليل أو صفو السَّحَر
يا زهورْ ما لأغصانك في الروض تميل … في ضياء الشمس أو نور القمر
يا غديرْ ما لأمواهك في المرْج تسيل … ضاحكاتٍ بين أفنان الشجر
قالت الطير أما تلقى الربى … يتباهي الزهر فيها بالجمال؟
وانثنى الزهر مجيبا هل ترى كيف يجري الماء ما بين الظلال؟
ومضى الجدول مختالا وقال … قد غذانى النهر بالعذب الزلال
تعشق الطير الزهور … والجنى يهوى الغدير
والغدير … يستقى الماء من النهر النمير
كل من في الكون يَغْنى … من هواه بنصيب
وأنا قلبِيَ يَهْنا … برضى قلبِ الحبيب
стр. 2770
وحشة
للاستاذ محمود الخفيف
// ليس يمحو الوجدَ من قلبي الحزين … كلُّ ما في الكون من آي الجمال
يتأسى كل قلب بعد حين … ما لقلبي بات مفقود المثال؟!
شفه طول الحنين … وتباريح الخيال
واغتدى بعد اليقين … بين يأس واحتمال
أظلم الكون وقد كان سناه … مشرقا في النفس اشراق الأمل
نبه القلبَ لأكدار الحياه … وحشة تبعث في قلبي الوجل
حار قلبي في هواه … والهوى أصل الخبل
ويحه ماذا دهاه … فبكى بعد الجذل؟
تبسم الأزهار للصبح الوليد … وتغنى الطير الحان السَّحر
ويلوح النور في الأفق البعيد … فيهز البشر أعطاف الشجر
والندى در نضيد … فوق أكمام الزَّهر
هل يرى قلبي الشريد … حسن هاتيك الصور؟
تشرق الشمس لا أرى معنى … يبهج النفس من معاني ضحاها
لا، ولا البدر اذ يسير الهويني … باعث في النفس أحلام مناها
واذا العصفور غنى … ذكرت عيني بكاها
واذا الغصن تثنج … هيج النفس شجاها
تدمع العين برغمى أن أرى … في ظلال الريف مغنانا الوسيم
كان مرعى اللهو فيه ناضرا … عاطر الأنفاس مطلول الأديم
مالعيني لا ترى … حسن مرآه القديم؟
يتراءى مقفرا … والأسى فيه مقيم!
أسأل الدوحة عنها ذاهلا … وأطيل السير في جنب الغدير
ثم أمضي بعد حين قافلا … تخفق اللوعة في قلبي الكسير
أتناجى قائلا … بين دمع وزفير
стр. 2771
كيف ولى عاجلا … ذلك العيش الغرير؟
صرت لا أقوى على غشيانه … ان في مرآه الوان الشجن
وكأن الورق في أفنانه … تشتكي مثلي تصاريف الزمن
هل سوى سلوانه … لفؤادي من سكن؟
أو سوى هجرانه … لغريب في الوطن؟
زمن الوصل تقضى مثلما … يتقضى في الكرى حلم بديع
وتولت بهجة العيش كما … يسقط الزهر اذا ولى الربيع
ويح نفسي أكلما … ذكر الشمل الجميع
بات مضنى هائما … ذلك القلب الصديع
أترى تذكر (أيدا) عهدنا … أم تناسته وقد طال الغياب
نفِس الدهر علينا صفونا … وكذا الدهر نعيم وعذاب
كم حبسنا دمعنا … ما شكا البينَ الصحاب
وارتقبنا يومنا … في وجوم واكتئاب
اقرإي هذا وحسبي سلوة … أن ترى عيناك هاتيك الدموع
خانني عزمي ففاضت عنوة … وأخو الشوق لدى الذكرى جزوع
فاغفري لي صبوة … لم تجئ بعد شروع
ولقلبي وثبة … أشفقت منها الضلوع
стр. 2772
الى السيدة منيرة توفيق
من الآنسة خيرية أحمد
ناحت مطوَّقةٌ فأشْ … جتْ كلَّ طير في الخمائلْ
وبكت لها مقَل السحا … ب بأدمع تجري هواطلْ
شكتِ الحنين إلى الحلي … لِ من الجوى والوجد ماثلْ
صَدَقَ الهوى بفؤادها … فبكت وصِدق الحب قاتلْ
زَيْنَ العقائل والفضا … ئلِ في المنازل والمحافلْ
أخت الفصاحة والسما … حة والرجاحة في الشمائلْ
لو كنت في عصر الأوا … ئل كنت مَفخْرَةَ الأوائلْ
زَفَرَات أختك قد عَلَمتْ … لأَساكِ تَغْلي كالمراجلْ
عَجبَي لزوجك كيف غير … رَ عَهْدَه بعد التواصلْ
وأدال من حَكَم الهَوَى … والحب خصم لا ينَازَلْ
هل في البرِّيةِ للوفِيّـ … ةِ والحبيبة من مُعادِلْ
هل للخلالَ الباهرا … تِ وللفضائل من مماثل
ولَرُبَّ رأيٍ قد رآ … هـ الزوج حقاً وهو خائلْ
وتعدُّد الزوجات في الـ … أُسْرَات مهزلة المهازلْ
أصل العداوة والشقا … قِ وباب مشكلة المشاكلْ
والحق سيفٌ لو تجرَّ … د نصلهُ ماضٍ وقاصلْ
وأخال أنكِ تحليـ … ن وأنَّ هذا الحلمَ زائلْ
سيعود زوجك للوئا … م وليس عند الخلف طائلْ
стр. 2773
واليها أيضاً
من الآنسة ناهد محمد فهمي
إن طال سهُدُكِ فاشتكي … لله زوجا غيرَ عادل
إني أرى بين السطو … رِ دُموعَ قلبِكِ كالجداول
تجري بألحان الأسى … وخريرها يشجى العقائل
لا تيأسى فلرَّبما … عاد العَقوق الى التواصُل
وترَفَّقى في لومه … فلرافق من شيم الأماثل
وتساهلي فيما جنى … لا شيء ينفع كالتساهل
وتدرَّعي بالصبر في … كل الكوارث والنوازل
كم من ضحايا للرجا … ل وكم نعاني من رذائل
стр. 2774
مذهب (السمبوليسم)
أو
الشعر الرمزي
للاستاذ خليل هنداوي
المدرسة الرومانتيكية والبرناسية. حقيقة المذهب الرمزي. الشعر الرمزي كالاحلام الشعر الرمزي والموسيقي. الشعر الرمزي والطبيعة
(شغل الرسالة - في الايام الاخيرة - ما شغلها من (بول فاليري). وكان من (مقبرته البحرية) مجال فسيح لبحث الوضوح والغموض في الشعر، وقد رأيت ان أرضح مذهب أصحاب المدرسة الرمزية بهذه المقالة، ثم اتلوها بصور سشعرية مختارة لهم).
المدرسة الرومانتيكية والبرناسية
لم يكد يوارى جثمان الشاعر (هينو) في الاثرى حتى قامت مدرسة شعرية جديدة هي مدرسة (السمبوليسم) تنازع المدرسة (البرناسية) التي نازعت بدورها المدرسة (الرومانتيكية)
المدرسة الرومانتيكية جعلت موضوعها الفني عواطف الشاعر نفسه، فترى الواحد من شعرائها ينظرم وينظم، وهو يحدثك عن نفسه، ويقصيك عن نفسه، يحسب نفسه اللعالم الأكبر الذي ينطوي على كل شيء، فاذا أنّ وانتحب عجب من للناس كيف لم يسمعوا أنينه ولم ينتحبوا؟ ونراه اذا عرض عليك عواطفه رقق ديباجته، وبهرج اللوانه، وذوب نفسه، لأن قاعدة هذه المدرسة توجب على الشاعر ان يكون متأثراً حتى يستطيعه ان يؤثر في غيره. فجاءت المدرسة البرناسية تنعى على أصحابها ضيق عقولهم وقلوبهم، وتنتقد هذا المذهب الذي يتغنى على ضرب واحد لا يتغير له لحن ولا وتر، ولا يسمع سامعه الا رنة ناقوس واحد. فكان جدال عنيف وكان نقد صارم، فاضاع الشعر الوجداني كثيراً من قيمته. وذهب زمان كان يؤله الناس فيه هذا النوع من الشعر لأنه - كما يعتقد أصحابه - هو شعر الرقة، وشعر الجمال. وقد لا يمكننا القول بأن أصحابه لم يحسوا الجمال، وغاية الادب - مذ كان الادب - الحج الى مجالي الجمال. ولكن كثيرين ممن يتمثلون الهدف
стр. 2775
ويعينون موقع الهدف، ويسعون بشوق ولهفة، تسعى بهم اقدامهم ويا للاسف الى غير الهدف. وللجمال طريق يختلف عن طريق هؤلاء القوم الذين اتخذوا طريقهم اليه: طريق الالحان المشوشة التي تخلقها العواطف الثائرة. ومتى كانت مقاييس العواطف ثابتة وموازينها صادقة؟ وحقيقة هذه الالحان أنها تصور أهواء النفس، ولا تصور شيئاً من مجالي الفن والجمال. فكانت غاية المدرسة البرناسية أن تحول أذهان الناس عما اعتقدوا، وأن تصف الجمال - بالفن الذي لا يتصل بمشاعر النفس، ولا يتعلق بأهواء النفس، ولكن هذه المدرسة لقيت فشلها، وكان يقدر لها الفشل، وهي لما تدرج من مهدها لولا ثبات أصحابها، واحترام الاندية الأدبيه لهم. وتحوير هؤلاء لبعض قواعدهم. فالفئة التي سئمت الحان النفس والوجدان سأما بعثها عليه المغالاة والتصنع، راعها أن يطلبوا منها أن تقطع كل صلة بينها وبين النفس، ليتسنى لها أن تدرك الجمال بدورها كما أدركوه هم بدورهم. ولكنهم (أصحاب المدرسة البرناسية) لم يستطيعوا أن ييقطعوا هذه الصلة، لان الانسان لا يستطيع أن يؤدي لغته الشعرية، وأن يفهم اللغة الشعرية الا بنفسه. وهل يستطيع أحد أن يفهم ملامح التمثال دون أن يمر بهذه الملامح على نفسه التي تدرك منها ما تدرك. وقد يكون هذا الادراك هو الادراك الصحيح للتمثال وقد لا يكون، ولكنه لم يكن - في الحالين - الا تعبير النفس والعاطفة العميقة. ولذلك لم يحفل الناس بهذه المدرسة الا كحفلهم بشيء جديد له منظر جديد وروعة جديدة ولو كان هذا الشيء قبيحاً. حتى اذا شبعوا من هذه المنظر الجديد والروعة الجديدة صدفوا بوجوههم عنه، وعاودوا النظر في الأفق البعيد، لأنهم لم يقعوا على غايتهم في هذا الأفق الخادع.
وهذا (بول فرلين) أحد شعراء هذه المدرسة لم يستطع أن يثابر على النظم وهو خارج عن نفسه، فتمرد على احساسه وتمرد احساسه عليه، فعاد يترجم عن مشاعره مضطراً، لأنه لم يقدر على كبحها، ولكن بأسلوب غير الأسلوب (الرومانتيكي) لأن فلسفته العميقة ساعدته على خلق فنه ولغته. فنزل الى أعماق النفس، وهبط الى حيث تكمن المشاعر (في الخليات المظلمة) فأيقظها وأحيياها وأدناه من عالم النور والحركة، بعد أن كان يغمرها الظلام والسكون.
حقيقة المذهب الرمزي:
стр. 2776
كان (ديكارت) يزعم خطأ يوم قال: بان لا مستقر في الدماغ الا للافكار الواضحة، وخلا هذه الافكار لا تقوم الا المادة الجامدة التي لا تحتوي على شيء، ولكن الفلسفة الحديثة نقضت هذا الرأي، وأثبتت ان هنالك في الدماغ مجموعة من احساسات وافكار وعواطف، كلها واضحة بادية، ووراء هذه المجموعة مجموعة عواطف نائمة ضعيفة، حتى لكأنها تحيا بنصف شعور! وهذه العواطف قد لا يأبه بها الانسان الا اذا نزل اليها وتنبه لها، ولكن الانسان - في أغلب الاحيان - ينقاد لها على غير وعي، ويقبل حكمها وهو جاهل مصدر الحكم، ويتبع ما أغرته به وهو غافل عن مكمن هذا الاغراء.
مع هذه العواطف القائمة تحيا كل ميولنا الفنية، واحساساتنا الشعرية، ونحن لا نكاد نشعر بها. فنقرأ المقطوعة الجميلة، فتتيقظ هذه الميول وتستفيق هذه الاحساسات، لهوى جاء في هذه المنقطوعة كان سبب يقظتها، فتهب وتظهر وتتوارى وترتخي وتشتد حسبما تشاء. فاذا عرجنا بهذا الهوى على المنطق والعقل تبدل الحكم وتغير الوضع، وجاءت النتيجة: اما مؤيدة لهذا الهوى أو ذاهبة به. على ان هذه الاحساسات نفسها تبقى مبهمة، متدثرة بشيء من الغموض والخفاء، لا يدرك من أين بدأت وانتشرت، والى أين تناهت وتلاشت.
أليس من واجب الشعر اذا ان يعبر عن هذا الهوى وهذا التناقض في الاحساسات التي لا تحصى؟ فاذا كان النثر الواضح المنطقي العقلي واجبه ان يعبر عن أفكار ظاهرة، وعواطف بادية، ومواضيع يراد تقسيمها الى فصول واجزاء لكي تدنيها من الافهام فان الشعر واجبه ان يعبر عن ذلك الاحساس الباطني الذي يكمن الجمال في حناياه.
إن (البرناسيين) وصفوا الجمال للجمال نفسه لا لغاية. وخده والفن للفن لا لحاجة. (ولكن الرمزيين) اعتبروا هذه المذهب وما قبله من المذاهب لا يصلح منها شيء للشعر، اذ - في الامكان - تحويل ما رصفوه القول ونظموه الى نثر لا يذهب ببهجة معانيهم. وانصرفوا هم الى انفسهم، وفي انفسهم تلك العوالم الواسعة الطافحة بالاحساسات المبهمة، والاهواء المظلمة. لا يرسل اليها احد عقله حتى تتلاشى، ولا تلين للتعابير الواضحة لأنها تذهب بمعناها. والاحساس الحقيقي هو الاحساس الذي يختلج في النفس دون ان يستطيع البيان أن يعبر عنه. ولهذه الاحساسات - كما للصور الخيالية - رسائل لا يمكن أن تقيدها الاغلال المنطقية، والقيود الشعرية التقليدية. وهذه الرسائل التي تستعين - بالاحساس وحده
стр. 2777
- لتفهمها، ولا تستعين بالدماغ الذي يفككها ويقضي على روعتها، هذه الرسائل هي الشرع الحقيقي وهذه الاحساسات الباطنة هي التي حدت (بالرمزيين) الى أن يعالجوا اعمق عالم مظلم في أنفسنا، ويعبروا عن هذا العالم تعبيراً شعرياً.
أجمع علماء النفس على أن العقل الواعي ما هو الا مظهر حقير من مظاهر العقل الباطن الكامن في (اللاشعور) وهذه العقيدة الفلسفية اضطرت الشعراء والفنانين الى الانطلاق من قيد العقل الذي لا يحكم الا بوعيه، ولا يخضع الا لحكمة، وقالوا ان العقل الواعي بما فيه من أفكار واضحة انما وجد لكي نستخدمه في حياتنا العملية والتفكيرية. ولم يوجد ليكون معبراً عن الحياة الشعرية، إذ يجب على الشارع أن يرتفع عن هذه العوالم المتجسدة، ويخوض في البقاع التي يتلاقى فيها النور بالظلمة، والبيان بالغموض والشعور باللاشعور.
الشعر الرمزي كالاحلام:
لا نكاد نجهل نصيب الرؤى التي تطرقنا في أحايين وأحايين. فنمت أحلام واوهام وحوادث تبدو وتتوالى لا يدفعها جهد، ولا يربط ما بينها منطق. تظهر كقوة خفية لا يمكن تعليلها ولا تحليلها على أن بعض هذه الاحلام قد يجيء عذبا لذيذاً يسعد النفس بما يجمل اليها من أوهام، أليس من هذه البعض تلك الاحلام التي تغنى بها الشعراء لانها مثلت الهم أطياف الاحباب؟ فودوا لو ان حياتهم الحقيقية تكون صورة من حلم لأن شعورهم الجائع النائم مثل لهم - بدوره - هذه الأحلام. ولكنه تمثيل، ليس له تعليل وهكذا قد تاتي الصور الشعرية ممائلة لهذه الصور الوهمية، صورة أو صوراً تتتالى، يحدوها وهم لا حقيقة له، ولا يمازجها شيء من الشعور؛ ولكنك تتلوها وتتلوها، فيخيل اليك أنك دخلت في عالم جديد تلمس فيه هذه الصور، فترى بعينيك ما يجب أن يرى وتسمع بأذنيك ما يجب ان يسمع. وقد تستقرئ هذه الصور الوهمية، وتحس مواضع التخلخل فيها والاضطراب المنطقي والتباين العقلي، وتشعر بأن المطابقة فيها مفقودة، والتناسب معدوم. تستقرئ هذا كله وتستوضحه بأجمعه، ثم يخيل اليك ألآن هذه الصور الوهمية انما هي حقييقة، وأنها باعثة فيك ما تريد من اسباب الرضا والسرور.
وقف الشاعر (كارنور راميورد) شعره على التعبير عن مثل هذه الصور الوهمية، قد ولد في مدينة مكتظة بالمصانع تقلق آلاتها الراقدين والساهدين؛ وكان يرى - برغم ذلك -
стр. 2778
موطناً يستسلم فه الى أحلامه التي تحمله الى عالم الغيب والذهول، حتى أصبح يرى في الحانة معبداً. وفي كثير من مقطوعاته كـ (سفينته الضالة) جاء بأفكار غامضة كل الغموض، وتعابير مبهمة كل الابهام. لأن الشاعر يخلق لنفسه الحروف والكلمات التي يراها مؤتلفة مع نفسه، ولكن فقدان التسلسل المنطقي يرخي على المقطوعة سدول الغموض، حتى لينتقل الابهام من الأفكار والمعاني الى الصور الشعرية وإذ ذاك يغدون القارئ شبيها بمتدحرج اصابه دوار في بصره شغله عن التأمل والتفكير.
الشعر الرمزي والموسيقى:
الموسيقي قبل كل شيء! الموسيقى دائماً وأبداً
ليكن شعرك شيئاً يطير من النفس صاعداص الى سماوات أخرى.
(بول فرلين)
الفن الشعري: - أنت تعلم ذلك التأثير الذي تثيره في النفس الواعية تلك الألحان الشائعة، لبحر يهدر، أو لجدول يخر، أو لنغمة تعلو من آلة موسيقية. فهذه الالحان لا تكلم العقل رأساًن وانما تكلم - قبل عقلنا - احساساتنا. فيخيل الينا أننا منطلقون منعتقون لأننا لم نتأثر بالعقل والمنطق. فتحملنا هذه الألحان ونحن كسالى هامدون، الى عالم ملؤه الراحة والسكون.
وقد فهم الرمزيون هذه الوشائج النفسية العميقة فأعلنوا - وفي طليعتهم - (فرلين، وراميون وملارمي) أنهم سيتخذون من الكلمات ألحاناً موسيقية، وأنهم سيعنون بوقعها قبل عنايتهم بمعانيها! فكانت هذه الثورة ثورة منتجة للغة، لأنها تهذبها وترفقها وتجملها، ولكنهم - كما أحسنوا في مواطن كثيرة - قد كبوا في مواطن كثيرة، لأنهم استعملوا كلمات غريبة ليس لها معنى يميزها، أو ميسم يسمها، واستخدموا ألفاظاً مجهولة لا تدرك إلا في معاجمهم الرمزية، حتى دعاهم هذا الى الاستخفاف بقيمة الكلمة والنص عن معناها، والالتفات الى وقع موسيقاها؛ ولم نكن لننكر ان القوم أحسنوا كل الاحسان في انعتاقهم من القواعد التقليدية، وعروجهم بالشعر الى مرابع خصبة ندية. فاللغات لا تزال قاصرة، لا تحدد كل كلمة مدلوها الذي وضعت من اجله. ولا تزال تضيق عن استيعاب ما يجود به عالم النفس
стр. 2779
الأكبر من الخواطر الكامنة. ولكن هذا القصور لا يحمل القادر على توسيع شقة الابهام. وترك الامر فوضى بين الأفهام، فان في استطاعة الشاعر أن يتخير الكلمة الواضح معناها، والحسن، وسيقاها، وهو بعد ذلك لا يخسر من معناه ولا من مبناه شيئاً.
فاذا تلونا مقاطيعهم فلنقلها كموسيقى، فانها قد تلذنا لو كنا خلقنا شعراء. وتولد فينا تأثيراً عميقاً يحملنا - على غير وعي منا - الى عالم يزداد وضوحاً أو غموضاً حسب بيان الشاعر.
الشعر الرمزي والطبيعة
التفت شعراء الرموز الى أنفسهم، ولاحظوا دقائق الحياة الباطنة ونواحيها الغامضة، ولم يعنوا كثيراً بالظواهر الخارجية
نظروا إلى عرم الساعة الهاربة، والفصل الغابر، والزمن السائر، ولجب الحياة العاملة ولا انتهاء لها، والانحلال والتركيب اللذين لا ينتهيان في هذه اللحظة وفي قلب هذه الحركة وصفوا صور المادة وشرائع الطبيعة الخفية، قرأوا حقائق الاشياء كانها تتلاشى بين تبدل المظاهر وبقاء أسبابها. والطبيعة ما هي الا صورة متحركة ورمز مستور مقيد محصور. ورأوا من جهة أخرى ان فهمنا للاشياء ما هو الا صورة من صور احساسنا، فكأنها تحيا فينا، أو قل هي نحن. وأنا كلما نظرت للاشياء شعرت بنفسي وأحسسة بحياة عقلي. وما تنظيمي للناظر التي رأيتها ثم نظمي شعراً لهذه الاحساسات الا اباحة منى بجانب او بجوانب من إسرار نفسي. ولكن، أليست الطبيعة كلها رمزاً لحياتي ووجودي؟ أليس هذا الرمز هو اللذي يؤلفغ بين النفس والطبيعة؟
ان الفنان الرمزي لا يجعل همه ان ينقل صور الطبيعة نقلا ويعرضها على الناس، انه يفسر ويؤول قبل كل شيء ما يراه، ويعطيك ما أوله بتعابير ملؤها الرموز والكتابات، وعليك ان ترى وتؤول وتفهم هذه التعابير، لأن فنان يود الايراك عبداً للراحة، والفتور. هو يريد ان يطربك بموسيقاه فتطرب، ولكن موسيقاه، تغرى الأرواح. فتذهب روحك على أثره. وانت تعلم وقد لا تعلم! حتى تجوز ما يقدر لها ارتفاعها من مراحل. وان في هذا السفر تعباً ولكنه تعب فيه لذة المستكشف فاذا كان يطيب لك ان تجول في بقعة غريبة تطلع على مجاهلها وتفرح بما تجد، فجدير بك ان تكون اكثر طرباً، وقد وقعت على بقعة
стр. 2780
نفسية مجهولة تستكشف مخبوءاتها؛ وتقف على مكنوناتها
كتب (ملارمي) جواباً على سؤال (ان البرناسيين يأخذون الشي بتمامه ويبدونه للعين، مع أن تعيينك للشيء هو حذف ثلاثة ارباع لذته، لأن اللذة الحقيقية تكمن في الاستكشاف التدريجي. وفي التنويه الذي ينطوي على السحر الذي ألف عالم الرموز.
ولكن هذا الفن الشعري الذي كانت له مآثره كانت له عيوبه أيضاً، فأصحابه وهم ينطقون عن الغامضن والمبهم، وقعوا في التعابير المظلمة، فجاء شعرهم محاطاً بحجب كثيفة لا تزيحها الا أيديهم.
على أن الشعر الرمزي - برغم هذه الأخطار والاخطار - قد فتح في الأدب عالماً اتسع للاوهام والحقائق الخفيية، وانشأ روحاً جديداً للعاطفة الشعرية التي تعددت وتتعدد من أجلها المذاهب، وهي واحدة لكنها غامضة لم تزل وراء الرموز
دير الزور
خليل هنداوي
-
стр. 2781
العُلوم
مطالعات واشتات
للدكتور أحمد زكي
انقلاب اللاسلكي: الانسان في كثير من أموره يبدأ صغيراً ثم
يطلب الكبر، يطلب العظمة في الضخامة والقيمة من الجرم.
ولكنه جرى على غير ذلك في اللاسلكي، فهو ابتدأ في الاذاعة
بالموجات الطويلة العظيمة، ثم أخذ بالموجات الأثيرية
الصغرى طولا فالصغرى، ثم بالمتوسطة فالتي دون ذلك
فتقسمت الموجات الى طويلة وهي التي تزيد على ١٠٠٠
متر، ومتوسطة وهي التي بين الألف والمائة، وصغيرة وهي
التي بين المائة والعشرة، وزائدة الصغر وهي التي دون ذلك.
وقد يختلف اللاسلكيون في هذا التدريج وهذه التسمية، ولكن
هذا لا يؤثر في الحقيقة الراهنة وهي ان استغلال هذه
الموجات بدأ بالكبيرة ثم بالتي دونها. وكانت الشركات الكبيرة
تعتقد انه لا حاجة بها الى الموجات الصغيرة حتى قام الهواة
في بقاع الأرض المختلفة على الاذاعة والاستقبال، معاً بتلك
الموجات، وأخذوا في التغيير في أجهزتهم والتبديل في
طرائقهم حتى وقفوا على أحسن الشروط لحسن الارسال
стр. 2782
والاستقبال وكشفوا عن ميزات لهذه الموجات الصغيرة ليست
للكبيرة؛ فمن ذلك ان الصغيرة تحمل الأصوات الى السامع
خالصة من هذه الطقطقة والخرفشة وذلك الضجيج والعجيج
والنشوز الملح الذي يؤذي الأذن ويحرج الصدر ويذهب بصبر
الانسان. ومنها أنهاا تنفذ في الأجواء الى مسافة ابعد وعلى
حال أشد حتى لتلف الكرة الأرضية لفاً. لذلك ما لبثت
السلطات اللاسلكية التجارية أن أغارت على هذه الموجات
فاستلبتها واحتفظت للهواة بموجات دون تلك أكثر صغراً
يجرون فيها ما شاءوا من التجارب فقصر الهواة عملهم على
هذه فأتقنوه كساالف دأبهم، فتجددت الاغارة عليهم فاستبلت تلك
الموجات أيضاً، وارتد الهواة الى الوراء، إلى موجات أمعن
في الصغر. ولكن يظهر أن الشركات اللاسلكية عرفت من
مزايا هذه الموجات ما سوغ لها أن تقوم في العلانية قليلا وفي
السر أكثر بدراسة هذه الموجات لتسبق الهواة، وهم الذين كان
لهم فضل السبق الى كشف فضلها. وقد جاء في الاخبار.
الحديثة أن شركة مركوني قامت في الخفاء منذ أكثر من
شهرين بدراسة موجات طولها أصغر من متر واحد وانها
стр. 2783
نجحت في استخدامها نجاحاً كبيراً، وانها ترجو من وراء ذلك
أن تحدث في الاذاعة التجارية انقلاباً خطيراً.
بدأت بتلك التجارب في (بيت مركوني) على نهر (التمس) فكانت تذيع من هناك الرسائل لتستقبلها مستقبلات متنقلة في مقاطعة (كنت) بانجلترا وقد تمكن السناتور مركوني بهذه الاشعة التي يسمونها بالمجهرية من الارسال الى أبعد من ١٨٠ ميلا، والهوائي المستخدم فيها لا يزيد طوله على ثلاث بوصات، والقوة الكهربائية اللازمة للمحطة المرسلة لا تزيد على تلك التي تلزم لأضاءة مصباح كهربائي.
وستكون هذه الطريقة الصغيرة الجديدة شديدة النفع في القريب العاجل في المواصلة بين مراكز الشرطة والاسعاف، وبين بيوت الأعمال الكبيرة وفروعها، فان الجهاز نفسه يكاد يحمل في الجيب، وقد اتضح أن هذه الطريقة المصغرة أيسر في نقل الصور من الطرق الكبيرة والقديمة، أو التي سنسميها قريباً بالقديمة، فقد جربها السناتور مركوني فعلاً في ذلك فنقل بها صورة بلغت مساحتها خمسة أقدام في خمسة كانت غاية في الوضوح ومثلاً في البيان.
وهذه الموجات الضئيلة لا تتأثر بالجو ولا بالضباب، وفوق ذلك لا يمكن استراق السمع منها. ويقول العارفون أنه قد لا تمضي بضع سنوات حتى تصبح الموجات الطويلة اثراً بعد عين
دقات قلب سكنت
الدكتور (هـ. و. كروك) طبيب يسكن (في أكستر) من المدن الغربية الجنوبية في انجلترا، لا يزال الى اليوم رائحاً غادياً في مطالب العيش، ولكن قلبه لا ينبض بالحياة منذ ثمانية أعوام. وليس هو بالرجل الكسول الخامل فهو يشتغل في الاسبوع ستة أيام كاملة ويسوق سيارته بنفسه، وهو يعلم وهو الطبيب ان قلبه سكنت ضرباته الى الأبد، ولا يزعجه ذلك ولا يهمه، فأنت تراه ينعم بالدنيا كغيره من الأصحاء، وهو اذا ذكر قلبه اهتم به اهتمام العالم بظاهرة غريبة يحملها بين جوانحه كأن من حسن حظه ان استأثرته الطبيعة بها.
بدأت قصة هذه الحال في سنة من سنوات بعيدة اذ كان (المستر كروك) يدرس الطب في
стр. 2784
مستشفى (جاي) بلندن، فأصابته حمى روماتزمية أخذت تنتابه ثم تذهب عنه فيصح، فتعود اليه المرة بعد المرة، فكان من آثارها اتساع صمامات قلبه فأصبحت لا تنفتح ولا تنغلق كعادتها اذ تدفع الدم كالمضخة فتجريه في الجسم، وبانعدام هذه الانفتاح وذلك الانغلاق، انعدم الصوت الذي نسمعه وهو دقة القلب.
حدث ذلك له في مرضه الأخير عام ١٩٢٦، وكانت حاله لاا رجاء فيها، وكتم عنه الأطباء أمره خشية أن يدرك خطره فينزعج ويصدمه الخبر السوء، فييكون في ذلك قضاؤه. ودخلوا عليه مرة يفحصونه فأزعجهم أن وجدوه يأخذ سماعة من تحت وسادته يستمع بها الى قلبه. ولكنه ما لبث أن ذكر لهم أنه لم يفتر عن الاستماع الى قلبه كل يوم، وأنه يعلم ما آل اليه. وعقب على ذلك في كثير من البشر وشئ من المزح أنه معجب بنفسه مغتبط بان يقدم لهم وللطب حالة نادرة لذيذة ممتعة للفاحص والمتقصى وقد اتصل بالدكتور في الأسابيع الماضية متصل يستخير عن صحته فذكر له أنه صحيح لا يحسن علة ولا يشكو ضيقاً، وان عضلات قلبه اشتدت سد النقص الذي طرأ على صماماته، وانه ينعم بالحياة كنعمة المستخبر. وهكذا الطبيعة تحاول دائماً أن تصحح أخطاءها، فتصيب مرة وتعجز مراراً.
البيض المحفوظ:
كل كائن حي يفسد على الزمن، وكل نتاج من كائن حيي تظل فيه الحياة حيناً، ثم يعتريه الفساد كذلك. وتدخل في هذه الأنتجة اللحوم والخضروات والحبوب وما اليها. وكان المعروف أن البرودة تطيل من صلاح هذه الأطعمة، والحرارة تعجل فسادها؛ فعمدت المصانع الى استخدام الكهرباء والكيمياء في بناء الخزانات الباردة، منها الصغير الذي يستخدم في المنازل والمعامل، ومنها الكبير الذي يبلغ القصور حجماً؛ وقد أفادت هذه المبردات التجارة فوائد كبيرة أدت إلى انتشارها انتشاراً واسعاً وعمدوا فيها عمدوا اليه البيض يحتفظون به في تلك الخزانات، ولكن التجربة دلت على أن البيض في اختزانه يفقد الشيء الكثير من جدته رغماً من برودته. ويرجع هذا الى تغيرات فسلجية وبيلجية تحدث طبيعة في داخل البيضة من العسير الشاق إيقافها بالتبريد.
وقد ظهر في دورية (الصناعات اللغذائية) وصف لطريقة جديدة يختزن بمقتضاها البيض
стр. 2785
مبرداً ولكن في جو من غاز الكربون أعني ثاني اكسيد الكربون فيخرج بعد أشهر ثمانية صبيحاً لا يمكنك تمييزه من البيض الطازج، وتفصيل ذلك أن البيض المختار يوضع في خزانات مختومة في حجرة لا تزيد حرارتها على الصفر. ثم تفرغ الخزانات من الهواء وتملأ بغاز الكربون حتى يزيد ضغطه قليلاً على الضغط الجوي، وذلك خشية أن يكون في الخزانة ثقب غير منظور فيتسرب اليها منه الهواء. وغير هذا يجعلون على ظاهر الخزانات أنابيب للتبريد تجعل حوائطها أبرد من جوفها ليتكثف بخار الماء داخلها على تلك الحوائط. فلا يسقط على البيض، فأنه ان فعل ذلك اثر على قشر البيض بما يحتويه من غاز الكربون الذائب فخشنه وحببه. ويظهر من هذا الوصف أن النفقة لابد كبيرة، ولكنهم يقولونإن البيض المحفوظ بهذه الطريقة يباع في أشهر القلة بأثمان تزيد على النفقة زيادة مربحة.
كمرة تبلع:
ولكنها بالطبع صغيرة لكي تمر في الحلقوم فالمرئ ثم تستقر في المعدة فتصور ما فيها. وهي على شكل اسطوانه طولها بوصتان وقطر قاعدتها خمسة أثمان بوصة. وتتصل بها انبوبتان أحداهما لتوصيل التيار الكهربائي الى مصباح وامض تحمله الكمرة، والأنبوبة الأخرى لتحمل السلك المتصل بغطاء العدسة يفتحها ويغلقها وهي في جوف الانسان. استخدمت هذه الكمرة في لندن فلقطت ١٦ صورة من جدران المعدة في ٢٠ ثانية.
وهذا لا شك فتح جديد في تشخيص امراض المعدة، فاننا اذا عجزنا عن نزعها من الجسم كما تنزع اجزاء المكنات لفحصها واصلاحها بعدسة العين فلا أقل من أن نراها وهي في مكانها بعدسة الجماد. ومن عجائب ما تستخدم فيه الكمرات مما يتصل بالطب ما قرأته أخيراً عن مريض في البرازيل أصابه في عينه مرض أعجزّ الأطباء. وكان لابد من تشخيصه عاجلا والا فقد المنكود بصره. وفي وقت غاية في القصر صوروا عيني المريض وأبرقوا بالصور على اسلاك التلغراف الى برلين الى احد الأخصائيين، وما لبث هذا الأخصائي في فحصها وعاد فأبرق الى البرازيل بالداء والدواء وبهذا نجا المريض من ظلام ليل دائم
أحمد زكي
стр. 2786
الثعبان والانسان
للدكتور حسين فرج زين الدين
دكتوراه في التاريخ الطبيعي من فينا
من رسالة قيمة وضعها في (الحيات المصرية) سننشر بعض فصولها تباعاً
لعل من يزور حدائق الحيوانات بالجيزة لا يستوقف نظره شيء اكثر مما تستوقفه تلك الحيات السجينة في بيوتها الزجاجية، فهي على الرغم من جمال منظرها وما هو معروف من نعومة ملمسها تبعث في النفس شيئاً من الاشمئزاز والكراهية، وعلى الرغم من سجنها والامان من شرها يهتز القلب فزعاً منها، ولعل السر في ذلك تلك الاعتقادات السائدة التي تناقلها الناس جيلاً بعد جيل عن فتكها وخيانتها حتى جاء ذكرها في كثير من تشبيهات الكتاب وخيال الشعراء. كما ورد ذكرها في الكتب السماوية
وقد يكون ذلك راجعاً الى شكلها الطبيعي ووقوفها شاخصة لا تغمض ولا تطرف وحركات السنتها الدائمة السريعة، واعتقاد الناس خطأ أنها أعضاء اللدغ منها فترى أثر الخوف منها شديداً في نفوس الكبار الذين عرفوا شيئاً عنها، ولكن الاطفال الصغار لا يدركون قليلاً ولا كثيراً من امرها، وكذلك صغار القردة قد ترى الافاعي زاحفة فلا تخشى ان تقترب منها وتلمسها وتعلب بها، وقد ايد هذه المشاهدة البحاثة ميتشل في تجارب عدة قام بها، وقد أثبت كل من العالمين & بعد بحثهما في أفاعي الهند والصين انها على ضخامتها تفزغ من الناس، وتفر منهم ولا تحاول ايذاءهم الا محرجة مضطرة للدفاع عن نفسها، غير ان ذلك لم يقلل من اعتقاد الناس بخطرها، وليس هذا عجيباً منهم فانها كانت دائماً موضع اهتمام عظيييم. كثر ذكرها في الكتب السماوية وفي الديانات على اختلافها، وفي الكتب الادبية والعلمية، فهناك حية آدم ﵇، وعصا موصى وثعبان كليوبطرة، وترى اسكليبوس إله الطب عند اليونان يحمل عصاً ملتفة عليها أفعى، وابنته هيجياً إلهة الصحة ترى دائماً معها أفعى تقدم اليها الماء، وقد صنع عقداً لألهة مينرفا من صور الأفاعي، وإن رأس ميدوزا إلهة الانتقام معصوب بها؛ وكان قدماء المصريين يعبدون الناشر المصري المعروف، وكان من الخرافات السائدة في الشعب في ذلك العهد، ان هذه الأفاعي الخطرة تختلط بالناس في بيوتهم وتعيش بينهم على العسل والنبيذ لا تمسهم بسوء. . ويروي أنها
стр. 2787
ظلت على هذه الولاء للناس حتى كان لأحد التجار طفل فعدا عليه يوماً ثعبان صغير فلدغه فمات؛ ولما عادت أم الثعبان وعلمت بجريرة ابنها قتلته ارضاء لآل الطفل. ومنذ ذلك اليوم هجر الأفاعي البيوت الى الخلاء، وساجلت ابناء آدم العداوة، وأضحت لدغتها قاتلة. ومنذ ذلك اليوم أيضاً جعلت الأفعى رمز القوة، ووضعت على تيجان الملوك القدماء.
وروي بلوتارك المؤرخ الروماني ان قبيلة السلر وهي من القبائل البائدة، كانت في رجالها مناعة طبيعية موروثة ضد سم الحيات، وكانوا يحافظون على طهارة أصلابهم ونقاء دمائهم المحافظة كلها فلا يسمحون لنسائهم أن يتزوجن أو يتصلن أي اتصال برجال من غيرهم، وكانوا يستوثقون من هذه الطهارة بان يطلقوا الحيات السامة على أولادهم حين ولادتهم فان قتلت واحداً منهم تبينوا خيانة أمه.
ومن الحيات المعروفة في الهند ذات النظارة وتسمى الناشر الهندي، وفي الاساطير التي تروي عنها ان الأله بوذا هبط مرة الى الارض على شكل انسان ونام في الهواء فجاءت هذه الحية ونشرت عليه عنوقها فأظلته من الشمس فجزاها على ذلك بان آمنها من شر المخلوقات جميعاً، وبعد حين ذهبت اليه تقتضيه وعده وتشكو اليه الطيور الجوارح واضرارها بها فوهبها تلك النظارة تمتاز بها لدى الطيور فخشاها ولا يصل اليها اذاها.
ومن الروايات الشائعة التي يتناقلها سكان الجمهورية الفضية ان البقرات التي يقل ادرارها تكون قد رضعتها الحيات، بل يعزون ضعف بعض أطفالهم الى أن الحيات تمر ليلاً بأمهاتهم فترضع ثديهن.
ويعتقد الناس أن في الحواة سحراً أو قوة خارقة يسلطونها على االحياة. ففي الهند مثلا يمر الحااوي بالناشر الهندي ومعه عصا ومزمار، فيظل يداعبه باالعصا والحية تعضها، وبعد ان ييكون قد أجهده التعب يرمز له فيهدأ ويسكن فييظن االنااس أن الثعبان لا يلدغ االحاوي خوفاً منه والواقع أنه يكون أفرغ سمه حين عض العصا كماا يحسبون أن للقيثارة أثرا في تهدئته، والحقيقة اانه التعب الذي اضناه.
وكذلك نرى حواتنا في مصر يطوفون بأنواع من الحيات يحملونها عادة في جراب من الجلد ويلعبون بها العاباً مختلفة فيطوقون بها بعض النظارة أو يضعون رؤوسها في أفواههم أو يمزقونها بااسنانهم أو يتركونها تشرب من اناء ثم يشربون منه، ومنهم من
стр. 2788
يدرب بعض القردة على اللهو بها وقذفها على الناس ويوهمون العامة ان ذلك راجع الى سر الولاية الرفاعية فيهم، والحقيقة ان بعض هذه الحيات ليس ذات خطر مطلقاً كالدساس الذي يعتقد الناس ظلماً انه اشد انواعها خطراً، وكأنواع الارقام وكبعض الحيات الاخرى الخطرة المنزوعة الانياب، ولا يعرف غير الحاوي سر ذلك.
وقد حدث في المنيا في مايو سنة ١٩٣١ ان احد هؤلاء الحوّاة الرفاعية كان ينزع أسنان ناشر فأفلت من يده ولدغه فمات. وحية الناشر محفوظة الى الآن في المستشفى االاميري هناك
اما الطريقة التي يستخدمها هؤلاء الناس في امساك الحيات فانها ترجع اولاً الى الذعر الذي يعتري الحية عندما يفاجئها مفاجئ غريب فانها تقف بغتة بتأثير الحركات العكسية فيها، ثم الى خفة حركة الصياد في القبض على رقبة الحية، وفي تحريك عصاه، والى قوة تأثيره النفسي وشعرو الحية بهذه القوة كقوة التنويم المغناطيسي. والدليل الآتي يؤيد صحة هذه النظرية. وذلك أنه قد تقدم أحد الاشخاص وكان يخاف من الحيات فامسك دساساً فعضه، ثم تقدم آخر لا يخشاها ولا يخاف منها وأمسك الحية، فلم تحرك ساكناً وكلاهما لا يدين بمذهب الرفاعية.
وعلى ذلك لا يجوز أن تعزى قوة الحواة الى شيء من السحر أو الولاية، ولا أدل على ذلك من أن أهالي البرازيل وعمال حديقة الحيات الشهيرة عندهم يمسكون بأنواع الحيات، ومنها ذات الجرس المخيف دون أن يمسهم سوء، وهم ليسوا أتباعاً ولا ينتسبون للرفاعي.
وقد شاءت حكمة الله أن يسلط بعض المخلوقات الحية على بعض حتى لا تزدحم بها الأرض أو يطغى جنس منها على غيره من الأجناس، ولهذا نرى رحى الحرب دائرة بين هذه المخلوقات منذ نشات الدنيا فبينما نرى الطيور الجوارح وغيرها مسلطة على الحيات فلا تكاد تراها حتى تنقض عليها وتمزقها تمزيقاً فلا تحميها منها لدغاتها ولا سمومها، تجد هذه الحياة بدورها مسلطة على الضفادع والسحالي وصغار الطير والثديات، ولا ينجو من شرها الانسان نفسه، فكثيراً ما تعدو عليه وعلى أطفاله وعلى ما يربى من طيور وثديات نافعة كما تفعل الأرقام في مصر والبواء في الهند والبرازيل وهناك الحيات المائية الشرهة التي تفتك بالاسماك، ويكثر فتك أنواع من الحيات بالانسان فان للغريبة والناشر في الهند
стр. 2789
وذوات اللاجراس في أمريكا والابتر والناشر في افريقيا لا ينهض بعبء احصائها العادون.
ولكنها الى جانب هذه الاضرار لا تخلو من فائدة، فهي تقضي في الهند على الفيران التي هي من أكبر العوامل في نقل عدوى الطاعون فتقلل بذلك انتشاره وتحمي البيوت والمزارع من هذه الفيران كذلك بخاصة الغيطية منها، وبعض الحيات تأكل الديدان الضارة، وهناك أنواع ضخمة تؤكل لحومها ويصنع من جلودها أجود أنواع الأحذية وحقائب السيدات.
стр. 2790
العالم المسرحي والسينمائي
(فلم عيون ساحرة)
لناقد (الرسالة) الفني
عرض في الاسبوع الماضي فلم (عيون ساحرة) للسيدة آسيا في دار سينما فؤاد، وبرغم الدعاية الواسعة النطاق التي استمرت أشهراً طويلة قبل عرض الفلم، والضجة التي قامت أخيراً بسبب تعنت قلم المراقبة من أصحاب الفلم، وعدم اجازة بعض مراقفه والسماح بعرضها، على رغم كل هذا لم يلق الفلم من اقبال الجمهور ما ينبئ عن نجاح كبير، وهو ما يؤسف له حقاً أشد الأسف، فان صناعة الافلام المصرية في أشد الحاجة الى التشجيع والمؤازرة ليشتد ساعدها وتمضي في طريقها بخطى ثابتة نحو الرقيي والكمال.
يمتاز هذا الفلم من سابقيه بانه نحا في فكرته وفي اخراجه منحى جديداً لم نألفه بعد في أفلامنا المصرية التي كانت في الأغلب تدور فكرتها حول مواضيع مصرية بعضها عادي لا غناء فيه، وبعضها فيه من المحاولة والجهد ما يدل على رغبة صادقة وفي التجديد والابتكار، وان قعدت الوسائل المحدودة والجهود الشخصية التي لا تقوم على أساس صادق في العلم أو التجربة بأصحاب هذه الافلام عن تحقيق ما يطمعون فيه من التقدم والتجديد.
فكرة الفلم معقدة بعض التعقيد، أو قل أنها كانت من العمق بحيث أصبح من العسير على الجمهور ان يلمسها أو يفهمها للوهلة الاولى، والى هذاعزو انصراف الجمهور عن الاقبال عى مشاهدة هذا الفلم. والواقع ان الفلم لا تنقصه عوامل الاغراء التي تدفع الجمهور عن حضوره فمن مناظر جميلة خلابة، وجو يكنفه غير قليل من الرهبة والغموض، وحيل سينمائية لم يألفها جمهورنا في الافلام المصرية، الى غير ذلك من دواعي الاقبال. ومع هذه كله فالواقع ان الفلم لم يصادف نجاحاً كبيراً. وأرجح ان السبب الاول في هذا هو عدم تفهم الجمهور لفكرة الفلم وعدم تتبعه لها في مشاهده المختلفة.
على ان اصحاب الفلم، على ما أظن، قدروا ان نفس هذه العوامل مع الغموض الذي يسود الفلم والفكرة الغريبة التي يعرضها، هي التي ستدفع الجمهور الى التزاحم على مشاهدته؛ فكانوا في تقديرهم مخطئين. وأمثال هذه كثيير مألوف في عالم السينما في اروبا وامريكا على السواء، وكم من افلام أنفق عليها آلاف الجنيهات واشترك فيها أقطاب السينما من
стр. 2791
ممثلين ومخرجين، وقدر لها النجاح، ثم لم تصادف اقبالا من الجماهير فتكبد أصحابها خسائر جسيمة. ولكن ما كان اغنانا نحن في مصر، وما زلنا في خطانا الاولى في هذا الميدان المترامي الاطراف الوعر المسالك، عن ان نجازف منثل هذه المجازفات الخطرة ولما تنضب بعد بين أيدينا المواضيع التي يصح ان نستمد منها مادة لأفلامنا المصرية.
على أن المخرج لم يفلح في خلق الجو الغامض المخيف الذي يسود مثل هذه الافلام، ولذلك كانت مشاهد الفلم - وليست لها تلك الروعة التي تناسب الفكرة - تقابل من الجمهور بكثير من عدم الاكتراث والمبالاة. على أن المحاولة في ذاتها محاولة جريئة مبتكرة - من ناحية الفلم المصري على الاقل - وقد أراد المخرج أن يسير فيها على نمط بعض الافلام الغربية التي من هذا النوع كفلم (فرنكشتين) ولكن لم تسعفه تجاربه وخبرته من الناحية المعنوية، ولا ما تحت يديه من عدد وآلات من الناحية المادية. على أننا نرجو الا تثبط هذه التجربة - وما كانت لها من نتائج تدعو حقا الى اشد الاسف - عزائم السيدة آسيا وتثنيها عن متابعة جهودها، ولعل فلمها القادم يكون أحسن حظاً وأكثر نجاحاً ورواجاً.
ذكرنا أن بالفلم مشاهد رائعة الجمال من تلك الحدائق الغناء والقصور الانيقة والرياش الفاخر مما يعطي لمشاهدي الفلم في الخارج فكرة طيبة عن هذه البلاد، وعن مفاتنها ومغانيها، وينفع في الدعاية لمصر نفعاً لا شك فيه. وقد تقف مميزات الفلم عند هذه الحد فأننا اذا شئنا أن نتحدث عن بعض نواحيه الفنية وجدنا فيها نقصاً كبيراً لعله واضح ملموس حتى لا يخطئه أقل الناس خبرة بمثل هذه الشئون. فالصوت لم يكن حسن الالتقاط ولا دقيقة، والجمل مقطعة تقطيعاً غريباً حتى لتمر الثواني بين الكلمة والكلمة في الجملة الواحدة، وربما اقتضى الموقف ان يلفظها الممثل في تدفق وحرارة، فهذا التقطيع يفسد وقعها ويضيع علىالمشاهد الأثر الذي كان يجب أن تخلفه في نفسه. وصوت الآلات الموسيقية كان أشبه برنين الاواني النحاسية منه بوقع المثاني والمثالث كما يقولون احياناً. . . وكانت (خشخشة) الصوت وما فيه من عيوب واضحة تذكرني بتك الآلة المعلونة (الراديو) التي تزعجني في المنزل اي ازعاج، وقد عدت اليوم شديد الاعجاب بها والرضاء عنها.
كذلك كانت الاضاءة، إلا في بعض المشاهدة الخارجية التي تغني فيها أشعة الشمس
стр. 2792
الساطعة عن الآلات التي قد لا تستخدم على الوجه الأكمل.
وللمرة الأولى - على ما أذكر - تغني السيدة آسيا، ولست ممن ينصح لها بالغناء، على الأقل حتى تجد الآلات اللاقطة التي لا تشوه الصوت وتجعله بحيث يصادف وقعاً حسناً في الأذن، وارتياحاً في نفس المتفرج. وعلى كل حال فما أظن ان أفلام السيدة آسيا - مهما أكثرت فيها من المشاهد الغنائية - ستعد في يوم من الأيام من الأفلام الموسيقية، فالخير لها أن تقتصد في هذا أو تعدل عنه بالمرة.
بذل ممثلو الفلم جهداً كبيراً في أداء أدوارهم على أحسن وجه ممكن، على أن الحظ خانهم في كثير من المشاهد، ولم يصادفوا التوفيق الذي كانوا أهلا له، ونلاحظ على أحمد افندي جلال أنه كان كثير التقيد في حركاته، كثير الاضطراب فيها، حتى في المشاهد العادية التي تخرج عن دائرة السحر ووقوعه تحت تأثير دليله. ولو ترك نفسه على سجيتها، وكان في دوره أكثر بساطة وأقل تكلفا لكان خيراً مما رأيناه.
بقى أن نقول ان الحوار في الفلم لم يكتب بشييء من العناية، والنقص فيه واضح جداً. كما أن تقطيع الفلم لم يخل من الارتباك والاضطراب، وما نجد غناء فيي تفصيل كل هذا.
وفي النهاية أظن من االخير ومن التشجيع للسيدة آسيا على مداومة الجهد والعمل، أن نشكر لها ما بذلت وما حاولت، وان نرجو لها في الأفلام القادمة ما تصبو اليه من النجاح والتوفيق. فان أخطأها الحظ اليوم، فما نظنه يخطئها في المرات المقبلة.
стр. 2793
على مسرح الاوبر الملكية
تعمل على مسرح دار الاوبر الملكية هذه الايام فرقة غنائية فرنسية تضم بعض ممثلي دار (الاوبرا) في باريس (والاوبرا كوميك). وقد جرت التقاليد ان تشغل هذا الفصل من موسم الاوبرا في مصر فرقة ايطالية، وقد حرم الجمهور بذلك من الفن الموسيقي الايطالي على ماله من القدر والقيمة الفنية التي يعرفها عشاق الفن الموسيقي الغربي، واتيحت لنا هذا الموسم فرصة للتمتع بهذه الاوبرات العظيمة التي وضعها كبار الملحنين الفرنسيين.
ومن الاوبرات التي تعرضها هذه الفرقة (تاييس) و (مانون) و (لاكميه) و (كارمن) و (صيادو اللؤلؤ) و (فرتر) (وحياة البوهيميين) و (فاوست) وكلها من أشهر الاوبرات المعروفة، وبعضها مأخوذ من قطع أدبية لها طرافتها ولها قدرها في عالم الادب كفاوست وفرترلجيته، وتاييس لاناتول فرانس، ومانون للأب بريفو
وقد شاهدنا من هذه الاوبرات (تاييس) و (كرمن) و (مانون) ولمسنا عن كثب ما بذله أقطاب هذه الفرقة الغنائية من جهد، ومقدرتهم في اداء الاوبرا روحت عن نفوسنا كثيراً مما نعانيه من الغصص لما يلحق مسرحنا المصري من الركود بل العدم.
على أن من الحق أن نذكر بهذه المناسبة أن مناظر دار الاوبرا وملابسها أصبحت قديمة بالية على ضخامة ميزانية الدار التي لا يخصص منها الا القليل للنواحي النفية الخالصة، وقد كان هذا سبباً في الا تبرز هذه الاوبرات في المستوى الفني الحق الذي يضفي عليها جلالا وروعة، ولهذا يحسن المتفرج كثيراً من النقص، ولا تخرج الرواية بذلك في الثواب الفني اللائق بها، ومن الواجب ان نذكر أن دار الاوبرا لا تستطيع بمعداتها اليوم أن تجاري وسائل التجديد في الفن المسرحي الحديث، ومن الخير الا تكون دارنا الرسمية للفنون في مستوى أقل من الواجب، وفي مرتبة أقل من مثيلاتها من دور الاوبرا في العالم.
стр. 2794
الحركة المسرحية والسينمائية في الخارج
هوليود
تعد هوليود للسنة الجديدة نرنامجاً حافلاً بروايات من أفلام أكبر الكتاب العالميين المعروفين. وستخرج شركة مترو جلدوين ماير روايتي (النور الذي خفت) و (كيم) لرديارد كبلنج شاعر الامبراطورية البريطانية كما يسمونه.
وستخرج رواية (ما تعرفه المرأة) للكاتب الانجليزي الشهري باري، وتقوم بالدول الأول فيها هيلين هايز. كما تعد رواية (صور من المستقبل) للكاتب المعروف ولن للظهور على الشاشة الفضية، وقد سبق أن أخرجت له روايتي (جزيرة الدكتور مورو) و (الرجل الذي لا يرى). وسيرى رواد السينما رواية (دنيا جديدة عظيمة) من قلم ألدس هكلي الذي يعد من أعظم كتاب العصر الحديث.
وتستعد شركة راديو لاخراج راوياة برناردشو (تلميذ الشيطان) ويقوم بالدور الأول فيها جون باريمور الممثل السينمائي الشهير
وقد قبل هرلاميل لدويج الكاتب المعروف وصاحب التراجم الشهيرة أن تقتبس من كتابه عن نابليون رواية للشاشة الفضية، وسمثل دور نابليون فيها ادوارد روبنسون من أقدر ممثلي شركة وارنر السينمائية. وقد عاد لدويج أخيراً من هوليود وذكر لبعض الصحفيين أن من عزمه أن يضع كتاباً عنها قائلاً: إن للمدن كما للاشخاص شخصياتها الملاءى بالفواجع والمهازل على السواء.
برلين
دعا الهر هتلر زعيم حزب النازي ورئيس الوزارة الالمانية أنى أوندرا الممثلة السينمائية الشهيرة وزوجها ماكس شملنج الملاكم المعروف لتناول الشاي في قصره الخاص بمناسبة مبارحتهما المانيا الى أمريكا.
باريس
ايفون برنتان من أشهر ممثلات المسرح الباريسي وقد دعيت لزيارة لندن لتمثل رواية كتبها خصيصاً من أجلها مستر نويل كوارد الكاتب الانجليزي المعروف ومؤلف رواية
стр. 2795
(كفلكاد) الشهيرة. والرواية من نوع الاوبريت وقد عرضت على مسرح (ماجستي) وربما انتهزت بعض الشركات السينمائية في انجلترا فرصة هذه الزيارة وتعاقدت مع الممثلة على الظهور في عدة أفلام غنائية ناطقة.
لندن
ارتفعت الشكاية في لندن من أصحاب المسارح والممثلين ومديري الفرق من الضريبة التي فرضتها الحكومة على المسرح، وعقدت اجتماعات كحثيرة للاحتجاج على هذه الضر يبة واستطاعت سيبل ثورنديك الممثلة الانجليزية الشهيرة بما لها من المكانة والاحترام في جميع الأوساط أن تطلب من بعض أعضاء مجلس العموم البريطاني ممن يعنون بهذه المسائل عقد اجتماع خاص في إحدى غرف المجلس للبحث في هذا الموضوع. وتم الاجتماع خاص في إحدى غرف المجلس للبحث في هذا الموضوع. وتم الاجتماع منذ أمد قريب وحضرته سيبل ثورنديك وباحثت الحاضرين من النواب في أمر هذه الضريبة وقد وعدوها بعرض الأمر على المجلس في القريب العاجل.
قامت شركة جومون الانجليزية للسينما بتجربة هي الاولى من نوعها. والغرض منها تقريب السينما الى العميان وحثهم على مشاهدتها وأعدت الشركة ثلاث حفلات للعميان عرضت فيها فلم (انا كنت جاسوسة) وكانت الحركات السينمائية يتولى اذاعتها علىالحضور احد موظفي الشركة بواسطة ميكروفون خاص دجون أن يحول ذلك بينهم وبين سماع محاورات الفلم وحديث أبطاله. وقد نجحت التجربة وخرج الحضور مسرورين من هذه النتيجة التي قبرب اليهم احدث ما وصلت اليه المدنية الراهنة من وسائل الرفاهية والمتعة.
وبهذه المناسبة نذكر ان بعض المسارح تعد في صفوفها الامامية سماعات خاصة يستطيع بواسطتها الصم أن يسمعوا ما يلقى على المسرح اثناء التمثيل.
نيويورك
عمت البطالة المشتغلين بالمسرح في امريكا كغيرهم من أصحاب المهن والحرف الحرة، واشتدت الأزمة حتى أغلقت كثير من المسارح أبوابها، وأعلنت بعض الاندية الفنية
стр. 2796
وجمعيات الهواة أنها على وشك الافلاس ان لم تمد لها الحكومة يد المعونة، وخفضت المسارح مرتبات ممثليها بنسبة كبيرة، وتدفع نقابة الممثلين في نيويورك مرتبات من صندوق التوفير للممثلين العاطلين، وقد بذلت في هذا السبيل في العام الماضي ٤٠. ٠٠٠ جنيه، وأعدت هذه السنة مطعماً خاصاً لاطعام ثلثمائة من الممثلين العاطلين يتناولون فيه طعام الغداء كل يوم مجاناً.
стр. 2797
القصص
قصة مصرية
المعلم لوقا. . .
اجتاز الترام الميادين والشوارع، وأخذ ينساب بين الحقول في الطريق إلى الأهرام؛ وكان القمر قد نفض الغيوم عن وجهه، وبدا سافرا يضحك للحقول، ويحنو على النباتات المرتجفة في نسيم الليل، ويناغي الأغصان المشرئبة اليه من أعالي الأشجار، فانبسطت أسارير (المعلم لوقا) سائق المركبة، وفارق العبوس وجهه الهزيل اليابس، وأخرج علبة سعوطه وأدناها من أنفه، ييلتمس الصحو والانتعاش.
لم يكن الرجل في حال حسنة، لأن الليلة باردة قارسة البرد، وهو مسن، ليس في هيكل من اللحم ما يقي عظامه المقرورة، ولو كان معافى لما شكى، لكنه مريض، مبهور الأنفاس من السعال، معصوب الرأس، يحرك عينيه بعناء كأن السعال قد شدهما في محجريهما بخيوط قوية. . . ما كان أحوجه أن يأوى الى فراشه! لكنه آثر أن يشتغل الليلة، ليظفر بيوم راحته في الغد، لأن الغد (عيد الميلاد) وهو يريد أن يبقى في البيت مع زوجته (كتُّورة) وابنته (ياسمينة) يستقبل المهنئين بعودة الأيام، والمتمنين أن يمضي الحول، فاذا بياسمينة أم لطفل جميل.
وإذ ذكر (عم لوقا) فناته ابتسم، ونظر في ساعته يتعجل ميعاد العودة، ثم أرسل بصره في الطريق أمامه، وابتدأ يغرق في تأملاته: كم له من السنين وهو يقف هذه الوقفة؟!. . إنه الآن شيخ! كان فتى عندما ارتدى سترة (المصلحة) للمرة الاولى. كان وجهه ناضراً، وشاربه أسود مفتولا! وكان له حاجبان جميلاً! وكان شعره مرتباً معطراً!. . أما الآن فقد صار يابس الوجه! ظهر الشيب في حاجبيه، وعبثت بجمالهما الأيام! ولم تعد رأسه معطرة مزينة، بل استغنت عن المطر بأرد الصابون؛ ولم يعد للمشط معها شأن، لأن شعرها قد انتحل، ولم تذر الأيام منه غير بقايا مبعثرة متباعدة. . . وندت عن صدره آهة طويلة وهو يغمغهم: (ما أعجب أمر الحياة!!).
واكتابت نفس (لوقا) واشتد عليه صداعه، واستيقظ سعاله، فاضطربت الصور في مخيلته، وانهدت قواه، ولم يعد يملك كل وعيه، وصار يستقبل بذهول هذه الأصوات المنصبة في
стр. 2798
أذنيه من ضجيج العجدلات، وصريرا لآلة، وهمهمة الأشجار في أذن الليل. . . فلما وصل التراتم الأهرام تهالك في مقعده، وأغمض عينيه وهو يتحسس بيده جبهته الملتهبة، ويحدث نفسه: لا بأس. سأقضي العيد مع ياسمينة، وارتسمت فوق شفتيه ابتسامة سعيدة، ورقص شاربه الفضي.
حاول لآن ينام ريثما يحين وقت العودة، لكن الالم كان يحتدم في جمجمته، ويتردد في عظامه فيعيده إلى اليقظة. . . وأخيراً آثر أن يفكر، وأن يرسل روحه في ماضيه.
واضطربت مقلتاه خلف جفنيه المقفلين! فقد ذكرلا (آلة القيادة). آلته المحبوبة، التي يحركها فتندفع المركبة، وتشق الطريق وهي تغنى بعجدلاتها فوق القضبان!. . واشتاقت يده أن يلمسها، ويشركها سعادته بالعيد، فمد نحوها يديه، ما أعزها عليه! أليست رفيقة حياته، وعشيرته الدائمة، كزوجته كتورة سواء بسواء!.
وتقلصت ابتسامته عن شفتيه!. ذكر سيئات آلته، وانها لم تكن له مطيعة ولا موانية في بعض الاحيان. وبدت امنام عينيه صور أشلاء مبعثرة، وطربوش فارق جبهة هشمتها العجلات. ودم قان يبلل الحصى ويصبغ القضبان!. . وذهب يستر عينيه بيده المرتجفة النحلية، فقد ذكر موقفه في قفص الاتهام، في محكمة الجنايات، والنائب يحدث المستشارين قائلاً: كان الصبي وأخته في طريقهما إلى المدرسة عندما دهمهما هذا الرجل الشرير المستهين بالارواح من العدل أن ينال أقصى القصاص.
لقد برأته المحكمة. (ومضت عشر سنوات) لكنه يشعر للآن أنه مذنب. وأنه قد ارتكب خطأ ما. وخيل اليه ان الصغيرين ينظران اليه بعيون بريئة عاتبه مملوءة بالألم. وأن أبويهما يجدد ان الحزن في العيد ويذهبان الليلة الى الكنيسة في ثياب سوداء يلتمسان العزاء ويسألان النعيم لولديهما والسلوان لأكبادهما الحرى، فانسابت الدموع من بين جفنيه وبللت وجهه النحيل، وغمغم بصوت حزين (رحماك يا رب)
وارتد فكرة من هذه الجولة في الماضي. وذكر أن (ياسمينة) تنتظره ليشاطرها طعام العيد ورأى مائدة شهيةـ متعددة الالوان عقب أيام الصوم. وما تنالو فيها من طعام غليظ مجهز بالزيت، فسال لعابه. وبدأت اساريره تنبسط. . وبدأ يصفح عن آلته العزيزة وما فعلت طالما مكرت به كتورة واذنبت اليه وسامحها فلا ضير ان سامح آلته المحبوبة.
стр. 2799
وأخذ القمر يغالب الغمام ثم احتجب، وأظلمت الدنيا وامتدت ظلمتها الى روح (المعلم لوقا). . عاد فذكر شيخوخته، وان الحياة ستتبرع له بأيام أخرى قليلة إن كانت كريمة. من يدري قد لا يأتي عليه عيد جديداً. . قد تقضى (ياسمينة) العيد الآتي وحدها، وتشتمل بثوب أسود، وترسل أثوابها الزاهية الملونة الى المصبغة: ويطفئ الحزن لمعان عينيها، ويذهب ببهجة قلبها، وتصير ابنة يتيمة منكرة!. .
نشر يديه في الهواء كأنه يحاول ان يحميها، ثم سقطت يداه فوق ركبتيه، وانتابته رعدة، وأخذ السعال يصخب في صدره. ففتح عينيه وأخذ يحدق في الظلام وقديمم وجهه شطر الصحراء ورأس نفسه يرتقي الاهرام كما كان يفعل ايام الشباب! وخلال انه جالس على القمة يستعرض الحياة من هناك، ويرسل بصره من مكانه العتيد في القفر البعيد الممتد!. . هو واحد من هذه الهوام الزاحفة على ظهر الارض يسحقها الموت بقدمه وهي تسعى، فتضير نسياً منسياً كهذه الحشرة التي يدوسها عابر السبيل!.
وبدت له الحياة متعبة ثقيلة لا خير فيها. . . ما اشبه برجل سائر على الرمال، تائه ضال، يسير نحو مصير مجهول تضربه الشمس، ويقرسه البرد، وتروعه وحوش الفلاة. . . يسير ويسير، وهو ينشد الواحة. ويحتمل الصعاب والمشاق على أمل أن يستريح عليها راحة الأبد، ولا يعود يخشى عرياً ولا جوعاً. . .
ماذا كسب من حياته!. . لا شيء. عمل، وعرق، وخبر. . . ليست هناك مسرات. ولد وتألم، سيموت. لم يبق غير المرحلة الاخيرة. . .
وحدق في الآلة التي امامه، وهي جالسة صامتة، تنتظر يده لتدور، وتفنى الوقت في الدمدمة. لم تعد جميلة في عينيه! ود لو يحطمها! رأى نفسه عبدا لها مربوطا بها يطوف واياها حول المدينة كما تطوف البقرة الذلول حول الساقية كل النهار. أي فرق بينهما!. . بل انه اسوأ منها حالاً! هي تعمل لقاء حفنة من الشعير، وهو يعمل لقاء أجر لا ينيله بين الناس الترف الذي نالته بين البهائم. . .
ماذا أصاب من حياته!. . تنبهت روحه، وأحس كأنه قد حمل على كتفه من ركبوا معه طيلة مدة خدمته. ذكر مركبة الدرجة الأولى التي تكون الى ظهره اذ يقود الترام. وذكر المترفين الذين يصعدون اليها. ناس من طينة غير طينته. ليسو قوما مملقين متعبين مثله
стр. 2800
أيديهم ملساء ناعمة لم يجر عليها العمل الشاق. وجباهم منبسطة مطمئنة لم يبللها عرق الكفاح، وليس على وجوهم ثوب الذل الذي نسجه على وجه الضنك والزمان اللئيم. . ذكر كبرياء بعض السادة وعجرفة بعض السيدات. وخشيتهن على أثوابهن الجميلة أن تمسها سترته الخشنة أو يداه الشقيتان.
ذكر كم منهم ومنهن يندفعون الى باب المركبة وهو يهم بالمسير فتكاد أقدامهم تزل، فيقتحمونه بأبصارهم وتزدحم أفواههم بكلمات الازدراء والتحقير، ويصعقونه بأبصارهم الآلهة وهم يصرخون (يا اعمى) بينما يقيدون (نمرته) في مذكراتهم ذات الجلد الجميل المزركش، ليبلغوا شكواهم الى الشركة، حتى تجزيه بخصم بضعة أيام من راتبه!. . كم من الأيام عمل بلا اجر، بفضل هذا العنف من الناس! كم غضب ويئس وطاش حلمه. ورد لو يقتاد المركبات الى النيل لينتقم ويستريح. . عاد الى حلق المعلم لوقا طعم المرارة الذي يغص به المضطهد والمظلوم. وامتدت انامله المرتجفة الى القطعة النحاسيةالمعلقة بياقته. وقد نقشت عليها (نمرته) فأحسن كأنه مسجون محكوم عليه بالعمل الشاق مدى الحياة، وغمغم. (يا رب رحماك!. .)
ونظر في ساعته. . . بعد قليل سيعود الى القاهرة. سيجمع في طريقه الخارجين من المسارح والصالات. عشاق مسرات الليل زبائنه الدائمين، وشر الراكبين. رحم الله ايام الماضي! لم يكن الناس قد تعلموا الافراط في السهر، فلم يكن الطريق يزدحم عندما ينشطر الليل. وكان يسوق بسرور واطمئنان لا يخشى شيئاً، لأن الطريق خال والناس في مضاجعهم يستقبلون احلام الفجر. . أما الآن فيجب ان يجلو أعصابه ويشحذ حواسه، ويلزم جانب الحيطة والحذر، لأن الحانات بدأت ترفض المتهالكين على الشراب، وتطرد النائمين فوق الموائد. وهم الآن مبعثرون في الطريق يترنحون وقد يحلو لبعضهم أن يداعب السائق، أو يغني وهو جالس بين القضبان!.
وقد بدأت الصالات والمراقص تلفظ روادها. دور الدعارة تتقيأ من ابتلعتهم أول الليل. والفتيات خارجات من دور السينما في رفقة الفتيان! في ذراع كل فتاة شاب! والذراع حار! لا تحلو لهم إلا حفلات الليل! تنهد (المعلم لوقا) وهو يفكر ويحدث نفسه: رحم الله ايام زمان! أيتغير الناس هكذا! أين جيل (كتورة) وعهد الحرائر! أين الثياب الفضفاضة! أين
стр. 2801
البرقع الابيض. واليشمك، والحبرة! ذهبت الحشمة وولى الوقار الادبار من (بر مصر)!. . ولم يعد النساء يعنين بصيانة أجسامهن من عبث الناظرين لا يرى فقدت هيبتها وأصبحت وسيلة بنات البلد لهز الاارداف!. .
ومض السخط في عيني (المعلم لوقا) وحوقل وهو يعيد في ذهنه صورة هؤلاء الفتيان الذين وقفوا بجانبه بالأمس بعد منتصف الليل. كانت رائحة الخمر تنبعث من أفواههم، والكلمات البذيئة تتكاثر عند شفاههم كما يتكاثر الذباب عند الأقذار. كانوا يتهامسون متهكمين بطربوشه الباهت الملوث، وكيف اسودات حافته. . . وأخذ يجذب شعرات شاربه بعنف وأنامل متوترة!. .
واتسعت حدقتاه فجأة!. . صور عنيفة كانت تخطر أمام عينيه! ذكر أنداد هؤلاء الغلمان من أربعة عشر عاماً خلت. . كانوا رجالا بأرواحهم فتياناً بأجسادهم. لأن الزمان كان يخلق في الفتيان جهد الرجال. كانت الأرواح كاملة النمو تامة النشاط. لم يكونوا يتحدثون عندما يقفون خلفه عن الفتيات والموادات، لأن حديثاً آخر كان يشغلهم. ولم تكن تنبعث من أفواههم رائحة الخمر بل قد كانت تقبل الى قفاه اذ يتناقشون أنفاس حارة، نرسلها صدور ألهبها الشوق للحرية. لم يكونوا ضاحكين ساخرين، بل قد كانوا أغلب الوقت حزانى واجمين، ينظرون في صحف الليل فيصمتون ويطيلون الصمت، وهم يحدقون في أعمدة الصحيفة بيضاء لا كتابه فيها، لأن يداً تحب مصر تبعثر الحروف المصفوقة حتى لا تستيقظ الأرواح لكن الأرواح يقظي متنبه، تقرأ الحديث، وتعلم الخطب وإن لم يكن كتوباً!. .
لم يكونوا يتهكمون به، بل قد كانوا يحدثونه عن مصر الفتاة، والمستقبل، والأيام الآتية!. . ويناشدونه ان يلبي داعي الوطن يوم يطلب الوطن المضني دماء بنيه يجدد بها الحياة.
وازدحمت أمام عيني (المعلم لوقا) الصور المجيدة. وبكى كأن العام ١٩، والتلاميذ عائدون من مدارسهم يملأون الترام ويكونون مواكب جميلة متنقلة هاتفة للحرية! وهو القائد لهذه المواكب لانه السائق، قائد فخور تياه، لا يزعجه رفيف الرصاص، تطلقه أيد أثيمة. مشتاقة لابادة الارواح. دائبة على صراع الأحرار. وتمثل في ذهنه صورة الفتيان وهم يسقطون مجندلين يهزون الأعلام في أيديهم وهم يتخبطون في دمائهم. وذكر كيف غلى الدم في
стр. 2802
عروقه فقفظ من الترام وتلقى العلم عن أحد الشهداء وذهب يعدو في الطرقات يزأر بأن الحياة لمصر والنيل لبنيه!. . وأحسن بدم البطولة يعود فيجري في عروقه، ويجدد في صدره الحياة، فشمخ بأنفه، وصعر خده، وابتسم ابتسامة استحمت في الدمع المتهاطل من عينيه، ودس يده في جيبه يلتمس علبة سعوطه وأفرغ ما فيها في أنفه وهو يغمغم! (ياما شافت العين يا لوقا. .)
وكأن صدره لم ييحتمل هذا الأنفعال فاستيقظ سعاله، وأخذ يعبث بانفاسه في غير رحمة ولا هوادة، حتى اغرورقت عيناه وانصدع جنباه. هي نزلة شعبية مزمنة مضت سنين وهو يتطبب، وينفق في الادوية نصف اجره الضئيل على غير جدوى. ولم تكن النوبات بادئ الأمر حادة هكذا ولكن مهنته هي التي قضت عليه استقبال هواء امشير البارد وهواء بؤونه الناري هو ما أحدث هذه التهيجات بصدره واتلف رئتيه. . كم هم بترك العمل، ثم كان يذكر حاجة عياله للقوت. فيعود وهو ناقم. يعود لخدمة سيد يرى أرواح خدامه أرخص من أن تفتدى بالواح من الزجاج تقيهم تغيرات الجو! ليس أمامه الا ان يخضع، ويحتمل، ويدفع ثمن قوته من حياته، وينفق سلفا أيامه الآتية ليتقي غوائل الجوع في الغد القريب!. .
ولم تتركه غلته ليفكر، وبدأ يسعل من جديد. . وتنهد. . لو كان له أولاد لكان الآن في دفء الفراش. رجل سيء البلخت. دفنهم بيده اربعة. غيبهم التراب وهم في سن الشباب ليتهم ماتوا صغارا كاخواتهم الآخرين قبل ان تتعلق روحه بهم ويحبهم حبا مفرطا كانت يد المنون تقصفهم كما تقصف الريح السنابل وقد بدأت تمتلئ بالقمح. .
واشتد البرد، وازداد الليل حلكة، وساد الارجاء صمت عميق، وأخذ الرجل ينتفض، خيل إليه أن أولاده الأربعة يحيوطون به، جالسين في اكفنمهم لا تبين منهم غير وجوهم الشاحبة، وانهم يعتبون عليه اهماله في علاجهم، وعدم مواظبته في السهر عليهم في مرضهم، وأمضه هذا الخاطر وأقلق روحه، وذهب الشك الماكر يعذبه، وذهب الوهم يصور له انهم يحتضرون الساعة بين يديه، وانه يسبل أجفاههم، ويطبع على جباههم القبلة الاخيرة.
كان يحسب أن الجراح قد اندملت، وأن يد النسيان قد مسحت الاحزان عن صدره، فاذا بالذكرى تمزق هذه الغشاوة الرقيقة التي نسجها الزمان وإذا بالجراح تتفتح، وإذا به يحسن
стр. 2803
ان بين جنبيه كبداً قد اخترمها الأسى، فلم يبق منها غير قطعة كالاسفنج راوية من قيح الحزن وصديده.
ووضع يده على جنبه يلم بها حشاه الممزق، وأخذ يبكي. . يبكي؟!. كيف! لم يكن يبكهم وقد كان الحزن جديداً، لأنه كان وقتذاك رجلا قوياً. وكان يزعم أن البكاء للاطفال والاحتمال للرجال، لأن الرجل كفؤ لحمل اثقال الهموم. بل قد كان ينكر على زوجته أن تعول ونتحب، ويطلب منها أن تكون امرأة صبوراً قوية، وكم اختطف حزام من وسطه وانهال عليها بالضرب الموجع - لترأفبنفسها! فما باله الآن يبكي وقد صار شيخاً؟! ان الاطفال اضراب للشيوخ في الابانة عن عواطفهم!.
وأهمته هذه الفكرة، وأزعجه أنه صار ضعيفاً يضطهده الحزن فلا يستطيع حبس دمعه، وكتم أنينه وحدث نفسه: (والله طيب يا زمان! بقيت عيل يا لوقا! فين عزم الرجال!. .)
وصعب عليه الامر فاستخرط في البكاء وأخذ ينشج نشيجاً عالياً. وإذ هو في بكائه فاجأته نوبة السعال، وكانت هذه المرة قوية مجتاحة متلفة. . وأحس (المعلم لوقا) كأن روحه تتسرب من بين جنبيه. وكان أعضاؤه ترتجف وتتشنج، وأنفاسه تختلج في صدره اختلاجاً قوياً. ثم أخذت حركته تهدأ، ورعدته تسكن، وأنفاسه تعود الى الخمود.
وشعر (لوقا) في تلك الآونة بشوق شديد لياسمينة، وخيل له أنها مقبلة اليه فابتسم، ومد نحوها يديه، ثم سقطت يداه الى جانبه، ومال عنقه الى كتفه. .
وأزف وقت العودة، وذهب (الكمساري) يتفقد صاحبه، وهمس في أذنه: لوقا. كل عام وأنت طيب. الدنيا برد. سوق بسرعة هلكنا. يتوب علينا!. .
كان لوقا فاتحا عينيه يحدق في الفضاء، لكنه لم يجب رفيقه، فاغتاظ، وظنه لا يحفل بحديثه فلكزه واذا به يتداعى بين يديه. .
وظهر له ما خفى من أمر زميله، وحدق في عينيه فلعم أن (المعلم لوقا) قد أنتهى أمره مع الحياة فاسبل جفنيه. ومزق السكون صوت ينادي: (لا حول ولا قوة الا بالله. . . انا لله وانا اليه راجعون!. .
كانت (كتورة) تغط في النوم، وكانت الأبنة جالسة في ثوب العيد تنتظر أباها وقد لعب القلق بفؤادها، فلما قرع الباب تهلل، وجهها وهتفت وهي تضع يدها على المزلاج: (ابي،
стр. 2804
كل عام، وانت بخير).
ولم يجب أبوها، لأنه كان نائماً على كتف رفيقه. وكان يبدو على وجهه ان نعاسة عميق، وانه لن يستيقظ سريعاً، وحدق ياسمينة في وجهه لعله يلين ويستيقظ، فلم تظفر بغير تلك الابتسامة الواضحة على شفتيه، كان كان سعيداً، موفور السرور بالوصول (الى الراحة)
يوسف جوُهر عطية
стр. 2805
الكتب
٢ - أهل الكهف
قصة مسرحية للاستاذ توفيق الحكيم
بحث وتحليل ونقد بقلم الأديب عبد الرحمن صدقي
ألوان التفكير:
لا نقصد الى استقصاء ألوان التفكير في الرواية. فالتفكير العميق المنساب في غير للجب ولا عنف هو من أظهر مميزاتها. وقلما تخلو منه صفحة من صفحاتها. والقارئ المطلع على الادب العالي في الأمم الراقية يألف هذه الأفكار، ولا يجد هذه المناحى من التفكير غريبة عنه. وانما براعة هذا المؤلف المسرحي حق براعته في أنه لا يشعرك بأن له فكرة، أو انه يفكر ويتفلسف. وانما هي وقائع الحال ناطقة، وهذا الذي تسمعه هو ما يجري على لسان الحال، وتنطلق به كل نفس على سجيتها في مثل هذه الملابسات
فالرواية فلها فكرة عامة خرج بها المؤلف من بعث هؤلاء الذين بعثوا. وفيها تشاؤم متغلغل خفي نكتفي بالتنويه به تاركين للقراء اكتناهه.
كما أن كل فصل من الفصول الأربعة يكاد يكون له فكرة خاصة يدور على محورها. فهو يعرض في الفصل الاول للأيمان وصنوفه: فثمة ايمان الراعي الموروث في رسوخه وبساطته من غير تحليل ولا تعليل، فهو ايمان التسليم الخاشع والعاطفة الجميلة الساذجة. فاسمع اليه يروي يوم أن ذهب الى المدينة في بعض شأنه، فلمح خارج أسوارها راهباً يتكلم في جميع صغير بين خرائب قديمة تخفيهم عن الأعين؛ فاقترب وأصغى اليه، فاذا به كأنما انقلب إنساناً آخر. فلما سأله صاحباه في الكهف عما كان يقوله الراهب؛ قال: (لست أذكر شيئاً مما قال، لكني لن انسى ما شعرت به إذ ذاك، إحساس لم يعترني في حياتي من قبل إلا مرن إذ كنت أهبط الجبل ساعة غروب، فأشرقت على منظر بالخلاء لم ار اجمل منه، فلبثت ليلتي أفكر وأستذكر أين رأيت هذه الصورة من قبل؟ أفي االطفولة؟ أفي الاحلام؟ أم قبل أن أولد؟. إن هذا الجمال على غرابته ليس مجهولا مني. وقمت في الفجر فذكرت صورة البارحة، وفجأة برقت في رأسي فكرة: هذا الجمال كان موجوداً دائماً منذ
следующие страницы →