Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
البرقع الابيض. واليشمك، والحبرة! ذهبت الحشمة وولى الوقار الادبار من (بر مصر)!. . ولم يعد النساء يعنين بصيانة أجسامهن من عبث الناظرين لا يرى فقدت هيبتها وأصبحت وسيلة بنات البلد لهز الاارداف!. .
ومض السخط في عيني (المعلم لوقا) وحوقل وهو يعيد في ذهنه صورة هؤلاء الفتيان الذين وقفوا بجانبه بالأمس بعد منتصف الليل. كانت رائحة الخمر تنبعث من أفواههم، والكلمات البذيئة تتكاثر عند شفاههم كما يتكاثر الذباب عند الأقذار. كانوا يتهامسون متهكمين بطربوشه الباهت الملوث، وكيف اسودات حافته. . . وأخذ يجذب شعرات شاربه بعنف وأنامل متوترة!. .
واتسعت حدقتاه فجأة!. . صور عنيفة كانت تخطر أمام عينيه! ذكر أنداد هؤلاء الغلمان من أربعة عشر عاماً خلت. . كانوا رجالا بأرواحهم فتياناً بأجسادهم. لأن الزمان كان يخلق في الفتيان جهد الرجال. كانت الأرواح كاملة النمو تامة النشاط. لم يكونوا يتحدثون عندما يقفون خلفه عن الفتيات والموادات، لأن حديثاً آخر كان يشغلهم. ولم تكن تنبعث من أفواههم رائحة الخمر بل قد كانت تقبل الى قفاه اذ يتناقشون أنفاس حارة، نرسلها صدور ألهبها الشوق للحرية. لم يكونوا ضاحكين ساخرين، بل قد كانوا أغلب الوقت حزانى واجمين، ينظرون في صحف الليل فيصمتون ويطيلون الصمت، وهم يحدقون في أعمدة الصحيفة بيضاء لا كتابه فيها، لأن يداً تحب مصر تبعثر الحروف المصفوقة حتى لا تستيقظ الأرواح لكن الأرواح يقظي متنبه، تقرأ الحديث، وتعلم الخطب وإن لم يكن كتوباً!. .
لم يكونوا يتهكمون به، بل قد كانوا يحدثونه عن مصر الفتاة، والمستقبل، والأيام الآتية!. . ويناشدونه ان يلبي داعي الوطن يوم يطلب الوطن المضني دماء بنيه يجدد بها الحياة.
وازدحمت أمام عيني (المعلم لوقا) الصور المجيدة. وبكى كأن العام ١٩، والتلاميذ عائدون من مدارسهم يملأون الترام ويكونون مواكب جميلة متنقلة هاتفة للحرية! وهو القائد لهذه المواكب لانه السائق، قائد فخور تياه، لا يزعجه رفيف الرصاص، تطلقه أيد أثيمة. مشتاقة لابادة الارواح. دائبة على صراع الأحرار. وتمثل في ذهنه صورة الفتيان وهم يسقطون مجندلين يهزون الأعلام في أيديهم وهم يتخبطون في دمائهم. وذكر كيف غلى الدم في
стр. 2802
عروقه فقفظ من الترام وتلقى العلم عن أحد الشهداء وذهب يعدو في الطرقات يزأر بأن الحياة لمصر والنيل لبنيه!. . وأحسن بدم البطولة يعود فيجري في عروقه، ويجدد في صدره الحياة، فشمخ بأنفه، وصعر خده، وابتسم ابتسامة استحمت في الدمع المتهاطل من عينيه، ودس يده في جيبه يلتمس علبة سعوطه وأفرغ ما فيها في أنفه وهو يغمغم! (ياما شافت العين يا لوقا. .)
وكأن صدره لم ييحتمل هذا الأنفعال فاستيقظ سعاله، وأخذ يعبث بانفاسه في غير رحمة ولا هوادة، حتى اغرورقت عيناه وانصدع جنباه. هي نزلة شعبية مزمنة مضت سنين وهو يتطبب، وينفق في الادوية نصف اجره الضئيل على غير جدوى. ولم تكن النوبات بادئ الأمر حادة هكذا ولكن مهنته هي التي قضت عليه استقبال هواء امشير البارد وهواء بؤونه الناري هو ما أحدث هذه التهيجات بصدره واتلف رئتيه. . كم هم بترك العمل، ثم كان يذكر حاجة عياله للقوت. فيعود وهو ناقم. يعود لخدمة سيد يرى أرواح خدامه أرخص من أن تفتدى بالواح من الزجاج تقيهم تغيرات الجو! ليس أمامه الا ان يخضع، ويحتمل، ويدفع ثمن قوته من حياته، وينفق سلفا أيامه الآتية ليتقي غوائل الجوع في الغد القريب!. .
ولم تتركه غلته ليفكر، وبدأ يسعل من جديد. . وتنهد. . لو كان له أولاد لكان الآن في دفء الفراش. رجل سيء البلخت. دفنهم بيده اربعة. غيبهم التراب وهم في سن الشباب ليتهم ماتوا صغارا كاخواتهم الآخرين قبل ان تتعلق روحه بهم ويحبهم حبا مفرطا كانت يد المنون تقصفهم كما تقصف الريح السنابل وقد بدأت تمتلئ بالقمح. .
واشتد البرد، وازداد الليل حلكة، وساد الارجاء صمت عميق، وأخذ الرجل ينتفض، خيل إليه أن أولاده الأربعة يحيوطون به، جالسين في اكفنمهم لا تبين منهم غير وجوهم الشاحبة، وانهم يعتبون عليه اهماله في علاجهم، وعدم مواظبته في السهر عليهم في مرضهم، وأمضه هذا الخاطر وأقلق روحه، وذهب الشك الماكر يعذبه، وذهب الوهم يصور له انهم يحتضرون الساعة بين يديه، وانه يسبل أجفاههم، ويطبع على جباههم القبلة الاخيرة.
كان يحسب أن الجراح قد اندملت، وأن يد النسيان قد مسحت الاحزان عن صدره، فاذا بالذكرى تمزق هذه الغشاوة الرقيقة التي نسجها الزمان وإذا بالجراح تتفتح، وإذا به يحسن
стр. 2803
ان بين جنبيه كبداً قد اخترمها الأسى، فلم يبق منها غير قطعة كالاسفنج راوية من قيح الحزن وصديده.
ووضع يده على جنبه يلم بها حشاه الممزق، وأخذ يبكي. . يبكي؟!. كيف! لم يكن يبكهم وقد كان الحزن جديداً، لأنه كان وقتذاك رجلا قوياً. وكان يزعم أن البكاء للاطفال والاحتمال للرجال، لأن الرجل كفؤ لحمل اثقال الهموم. بل قد كان ينكر على زوجته أن تعول ونتحب، ويطلب منها أن تكون امرأة صبوراً قوية، وكم اختطف حزام من وسطه وانهال عليها بالضرب الموجع - لترأفبنفسها! فما باله الآن يبكي وقد صار شيخاً؟! ان الاطفال اضراب للشيوخ في الابانة عن عواطفهم!.
وأهمته هذه الفكرة، وأزعجه أنه صار ضعيفاً يضطهده الحزن فلا يستطيع حبس دمعه، وكتم أنينه وحدث نفسه: (والله طيب يا زمان! بقيت عيل يا لوقا! فين عزم الرجال!. .)
وصعب عليه الامر فاستخرط في البكاء وأخذ ينشج نشيجاً عالياً. وإذ هو في بكائه فاجأته نوبة السعال، وكانت هذه المرة قوية مجتاحة متلفة. . وأحس (المعلم لوقا) كأن روحه تتسرب من بين جنبيه. وكان أعضاؤه ترتجف وتتشنج، وأنفاسه تختلج في صدره اختلاجاً قوياً. ثم أخذت حركته تهدأ، ورعدته تسكن، وأنفاسه تعود الى الخمود.
وشعر (لوقا) في تلك الآونة بشوق شديد لياسمينة، وخيل له أنها مقبلة اليه فابتسم، ومد نحوها يديه، ثم سقطت يداه الى جانبه، ومال عنقه الى كتفه. .
وأزف وقت العودة، وذهب (الكمساري) يتفقد صاحبه، وهمس في أذنه: لوقا. كل عام وأنت طيب. الدنيا برد. سوق بسرعة هلكنا. يتوب علينا!. .
كان لوقا فاتحا عينيه يحدق في الفضاء، لكنه لم يجب رفيقه، فاغتاظ، وظنه لا يحفل بحديثه فلكزه واذا به يتداعى بين يديه. .
وظهر له ما خفى من أمر زميله، وحدق في عينيه فلعم أن (المعلم لوقا) قد أنتهى أمره مع الحياة فاسبل جفنيه. ومزق السكون صوت ينادي: (لا حول ولا قوة الا بالله. . . انا لله وانا اليه راجعون!. .
كانت (كتورة) تغط في النوم، وكانت الأبنة جالسة في ثوب العيد تنتظر أباها وقد لعب القلق بفؤادها، فلما قرع الباب تهلل، وجهها وهتفت وهي تضع يدها على المزلاج: (ابي،
стр. 2804
كل عام، وانت بخير).
ولم يجب أبوها، لأنه كان نائماً على كتف رفيقه. وكان يبدو على وجهه ان نعاسة عميق، وانه لن يستيقظ سريعاً، وحدق ياسمينة في وجهه لعله يلين ويستيقظ، فلم تظفر بغير تلك الابتسامة الواضحة على شفتيه، كان كان سعيداً، موفور السرور بالوصول (الى الراحة)
يوسف جوُهر عطية
стр. 2805
الكتب
٢ - أهل الكهف
قصة مسرحية للاستاذ توفيق الحكيم
بحث وتحليل ونقد بقلم الأديب عبد الرحمن صدقي
ألوان التفكير:
لا نقصد الى استقصاء ألوان التفكير في الرواية. فالتفكير العميق المنساب في غير للجب ولا عنف هو من أظهر مميزاتها. وقلما تخلو منه صفحة من صفحاتها. والقارئ المطلع على الادب العالي في الأمم الراقية يألف هذه الأفكار، ولا يجد هذه المناحى من التفكير غريبة عنه. وانما براعة هذا المؤلف المسرحي حق براعته في أنه لا يشعرك بأن له فكرة، أو انه يفكر ويتفلسف. وانما هي وقائع الحال ناطقة، وهذا الذي تسمعه هو ما يجري على لسان الحال، وتنطلق به كل نفس على سجيتها في مثل هذه الملابسات
فالرواية فلها فكرة عامة خرج بها المؤلف من بعث هؤلاء الذين بعثوا. وفيها تشاؤم متغلغل خفي نكتفي بالتنويه به تاركين للقراء اكتناهه.
كما أن كل فصل من الفصول الأربعة يكاد يكون له فكرة خاصة يدور على محورها. فهو يعرض في الفصل الاول للأيمان وصنوفه: فثمة ايمان الراعي الموروث في رسوخه وبساطته من غير تحليل ولا تعليل، فهو ايمان التسليم الخاشع والعاطفة الجميلة الساذجة. فاسمع اليه يروي يوم أن ذهب الى المدينة في بعض شأنه، فلمح خارج أسوارها راهباً يتكلم في جميع صغير بين خرائب قديمة تخفيهم عن الأعين؛ فاقترب وأصغى اليه، فاذا به كأنما انقلب إنساناً آخر. فلما سأله صاحباه في الكهف عما كان يقوله الراهب؛ قال: (لست أذكر شيئاً مما قال، لكني لن انسى ما شعرت به إذ ذاك، إحساس لم يعترني في حياتي من قبل إلا مرن إذ كنت أهبط الجبل ساعة غروب، فأشرقت على منظر بالخلاء لم ار اجمل منه، فلبثت ليلتي أفكر وأستذكر أين رأيت هذه الصورة من قبل؟ أفي االطفولة؟ أفي الاحلام؟ أم قبل أن أولد؟. إن هذا الجمال على غرابته ليس مجهولا مني. وقمت في الفجر فذكرت صورة البارحة، وفجأة برقت في رأسي فكرة: هذا الجمال كان موجوداً دائماً منذ
стр. 2806
الازل، منذ وجدت الخليقة. هذا الاحساس بعينه هو ماشعرت به وأنا أصغي الى الراهب. إن كلامه الذي أسمعه لاول مرة ليس مع ذلك جديداً عندي. أين سمعته ومتى؟ أفي الطفولة؟ أفي الحلم؟ أقبل أن ولدت؟ وتولدت في نفسي عقيدة أن هذا الكلام هو الحق، إذ لا أتصور بدء الوجود بدونه ولا انتهاءه بدونه. . .)
أما المستشاران فهما بطبيعة تعليمهما وحداثة عهدهما بالعقيدة يؤمنان ايمان العقل والمنطق. بلا شأن لله فيما وقعا فيه بل هما اللذان أوقعا نفسيهما في التهلكة. وهما يفكران في أمرّهما أكثر من تفكيرهما في الله. واذا صليا له فلكي يسألانه الخير - هذا لامرأته وولده وذلك لحبيبته. والحب يبتلع كل شيء حتى الايمان لانه ايمان أقوى من كل ايمان. وما دام الله قد خلق للناس قلوبا فقد نزل عن بعض حقه عليهم. . . واذا هما قابلا بين ايمانهما هذا وايمان الراعي قدرا في تحليل وتعليل أن صاحبهما خلى، فما يضيره أن يمنح قلبه كله لله أو للشيطان
ثم ايمان المرأة، فقد كان حسب ابنة الملك أن تسمع الفتى الذي تحبه يقول لها وهي في ثياب بيضاء تخطر في بهو الأعمدة في هدأة الليل وسكون القصر (إنك ملك من ملائكة السماء) وأن تعلم منه ان هذا في المسيحية اسم لمخلوقات أسمى وألطف من مخلوقات الارض، حتى رضيت نفسها عن المسيحية وارتاحت لها بحافز ما في الاحياء عامة وفي المرأة خاصة من الانانية الكامنة.
ويأتي الفصل الثاني فتراه يعالج في مطلعه طبيعة المرأة. فهي أبداً امرأة، قديسة كانت أو غير قديسة، ملكة أو من بنات السوقة فاذا قيل ارتباط بعهد مقدس لم يخطر لها انه مع الله بل حسبته مع من يختاره قلبها. فقلب المرأة يتسع دائماً لله وغير الله. ولعل اللقديسة كانت تفضل أن تكون امرأة لو أنها استطاعت.
والفصل الثالث عن الزمن. فالمؤلف يشعرك بأنه لا حقيقة المزمن خارج شعورنا وأنه على قدر تطور شعورنا تكون حركة الزمن. فكل واحد من أهل الكهف لم يشعر بشقة الزمن الذي غبر حتى أحس بالشقة السحيقة بينه وبين من حواليه في الشعور. والذي أطال وهم أصغر فتية الكهف أنه التقى بمن تشبه حبيبته، وتكاد تكون مثالا لتقمص روحها، فلم يصدق دورة الزمن حتى حدث له ما حدث. ثم اسمع لقائل منهم يقول: (حياة جيدة! إن
стр. 2807
مجرد الحياة لا قيمة لها. ان الحياة المطلقة المجردة عن كل ماض وعن كل صلة وعن كل سبب لهي أقل من العدم بل ليس هناك قط عدم. ما العدم إلا حياة مطلقة)
والفصل الأخير يعرض لحيرة العقل في الحد بين الوهم والحقيقة، وما يعترض المعرفة الصحيحة من عقبات لقيام العواطف االداخلية والمؤثرات الخارجية، وكيف اختلاط الحقيقة بالوهم بحيث يرفع الخيال عالم الواقع ويجمل الحلم عالم اليقظة، كما يفعل الفني بمادته من الحياة فيسبغ عليها من عبقريته معنىً فنياً من جمال أو فظاعة لم يكن لها.
أسلوب التأليف
المؤلف خبير بالقصة المسرحية، وما يدخل هذه الصناعة من التفنن والاحتيال. فلم يغفل عن شيء فيه تقويه العمل والحركة في روايته. وقد بث في اثناء كل فصل من فصولها المفاجأة بعد المفاجأة فكلما استقرت حواسك وألفت من القصة مسلكاً، ابتدهك بما يجدد اهتمامك ويفززك، فلا يدركك فتور ولا ركدة. والعجب أنك على عرفانك بوقائع القصة المروية فأنه يسوقها في نظام يجعل شعورك بها جديداً، ولا يسردها سرداً في نفس واحد، بل يفرط عقدها حبة حبة بين حين وآخر في ظرفها الملائم وموقعها المناسب، فاذا كل واقعة تفعل في نفسك كأنه اول عهد لك بها. كما أنه لا يفتأ يستغل كل جزء منها في أصغر تفاصيله ويستنبطه حتى أخر قطرة فلا يتركه بعده الامصاصة جافة. ومؤلفنا من طبيعة ذهنه الاستطراد والتنقل من فكرة ومن أحساس الى إحساسن تتداعى جميعها في سبحات حالمة دون ان يكون سياقها منبتاً وعراهاً متفككة ومن ديدنه أحياناً تكرار الجمل وترديد الخواطر في مواضع تشعرك بتعلق القوم بأمل ضعيف واه يعيدون فيه ويستأنفونه محاولين بهذا إقناع أنفسهم. ثم ان عنده مقدرة بارزة الأثر في تعقيد المواقف وخلق سوء التفاهم بحيث يتكلم كل فريق ويتصرف بما يفهمه اللآخر على غير الوجه المقصود وإن كان يحتمله منطوقه. وله هنا وهناك فكاهة دقيقة تجمع في بعض الاحايين بين الفكه والفاجع ويتجاور فيها الدمع والابتسام.
وعبارة الكاتب فيها قصد وايجاز تغنى بالاشارة عن الافاضة وتنطوي على ايحاء يفتح للقارئ نوافذ وكواء على آفاق وأجواء. وفيه شاعريه غنية تمده بالجميل قالباً ودلالة. فيقول مثلا عن أساطير الأمم أنها ضمير الشعب. ويقل على لسان أحد فتية الكهف وقد برم
стр. 2808
بالحياة في هذا الوسط الجديد (إلى الكهف، الكهف كل ما نعرف من مقر في هذا الوجود، الكهف هو الحلقة التي تصلنا بعالمنا المفقود) وعلى لسان آخر منهم (أننا أشباح لسنا ملك الزمن. إنما نحن ملك التاريخ. وقد هربنا منه. فالتاريخ ينتقم).
كذلك قصة أورشيما فهي في ذاتها جميلة رائعهة ويزيد في روعة جمالها موضعها من قصة أهل الكهف لما بينهما من مقابلة، ولو أنه يخشى ألا يكون للرومان والمسيحيين الأوائل علم بأساطير اليابان في عزلتها العتيدة.
وإلى هذا ملكة في التصوير ملحوظة. وأبرع مثال عليها وصف الراعي لاحساسه بالغربة في هذه البيئة المستحدثة:
(آه لو تعلمان ما رأيت الآن في شارع بطرسوس، إن كانت هذه بعد مدينة طرسوس (لو رأيتماني وقد أحاطت بي ناس في ثياب غريبة وعلى وجوههم ملامح غريبة. وأينما سرت فهم في إثري بنظراتهم المستطلعة الحذرة. وكأنهم يتفحصون امري تفحص من يحسبني من عالم الجن. لا أستطيع مخاطبة أحد منهم، وإن فعلت فلا أحسبني اجد مجيباً بل نظرت صامتة مفزوعة. . . بل إني سمعت اثناء هذا نباحاً خافتاً مخنوقاً، فأنتبهت فألفيت كلبي قطميراً كذلك قد أحاطت به كلاب المدينة، وطفقت ترمقه وتشمه كأنه حيوان عجيب. وهو يحاول الخلاص من خناقها ولا يجد الى ذلك سبيلا وجرى المسكين أخيراً الى جدار قريب ووقع تحته اعياء ورعباً، والكلاب في أثره، حتى وقفت منه على قيد خطوة. تعيد النظر اليه، ويريد بعضها الدنو منهه لمعاودة شمه فيقصيها الحذر. . هذا أنا، وهذا كلبي قمطير في هذه الحياة الجديدة.
وله أيضاً زكانة لأدراك العواطف المركبة وتحليلها، كاستمتاع برييسكا بعنف فتى الكهف في كلامه معها يحسب أنها وحنثت بعهده، فهي وإن صدمها عنف هذا الخطاب الا أنه يشعرها بأنها محبوبة - ولو وهما، يشعرها بعاطفة الحب التي تعيش كل امرأة في انتظارها
كذلك له توفيقات عجيبة نذكر منها على قبي المثل أنه يجعل الراعي أول من استيقظ من أهل الكهف كعادة الرعاة في التبكير ويتلوه مرنوش لأنه أكبر الصاحبين سنا والمرء يقل نومه كلما تقدم به العمر، وأخيراً مشلينيا لأنه فتى والفتيان نومهم عميق. وتجتزئ لضيق
стр. 2809
المقام بهذا المثل. ولا نحسب أن المؤلف حسب لكل هذه التوفيقات حساابها الدقيق ودبر لها التدابير. ولكنها - فيما نعلمه عن المؤلف - الهام ذوقه الفني. وان هذا الذوق الفني العميق الشعور هو فيما يكتب هايه ومسدد خطاه
الختام
فقصة الكهف قد استوفاها مؤلفها الشاب من ناحية التأليف المسرحي ورسم الشخصيات وعمق التفكير وجمال الحوار. ولا شك أن القارئ لا يفرغ منها حتى يقول: هذا الفتى فنان حتى أطرقاف أنامله.
стр. 2810
العدد ٣٤ - بتاريخ: ٢٦ - ٠٢ - ١٩٣٤
стр. 2811
(أسبوع جول رومان
للدكتور طه حسين
يستطيع هذا الأديب الفرنسي الكبير أن يقول لنفسه منذ الآن ولمواطنيه إذا عاد إليهم بعد أيام انه شغل المثقفين من سكان مصر أسبوعاً كاملاً بل اكثر من أسبوع، ويستطيع أن يقول لنفسه ولمواطنيه انه شغل هؤلاء المثقفين من سكان مصر شغلاُ لذيذاً مريحاً ممتعاً لا ألم فيه ولا جهد ولا عناء، وإنما فيه الحديث الحلو، والحوار العذب، والتفكير الخصب، والإعجاب بمظاهر الجمال الفني الرفيع وقد يكون مسيو جول رومان من هؤلاء الأدباء المتواضعين الذين يسرهم ما يلقون من نجاح فيتحدثون به إلى أنفسهم والى الناس، وينعمون به إذا تحدثوا إلى أنفسهم أو إلى الناس. وقد يكون من أصحاب الكبرياء التي تدعو أصحابها إلى العجب والتيه والخيلاء فيزدهيهم النجاح ويدفعهم الفوز إلى أن يفاخروا ويكاثروا ويستطيلوا على المنافسين، وقد يكون من أصحاب هذه الكبرياء التي تدفع أصحابها إلى ان يستغنوا بأنفسهم عن كل شيء وعن كل انسان. والى ان ينظروا إلى الناس في شيء من الازدراء الرحيم، فلا يزدهيهم إعجاب الناس بهم، ولا يسوؤهم اعراض الناس عنهم، ولا يستخفهم من الناس شيء، لأنهم لا ينتظرون من الناس شيئاً، وإنما ينتظرون من أنفسهم كل شيء؛ وأكبر الظن ان جول رومان ليس من هذه الطبقة بين طبقات الأدباء، فقد رأيته شديد العناية بما يكتب عنه في مصر او يقال فيه، ورأيته شديد الحرص على ان يتبين ذلك ويحصيه ويتفهمه. ثم سمعته يتحدث في بعض محاضراته عما قال هذا الناقد أو ذلك في هذا الكتاب أو ذاك من كتبه التي أذاعها في الناس، بل سمعته يتحدث في بعض محاضراته بأنه إذا اصدر كتاباً من الكتب التي يصور فيها حياة الأفراد والجماعات كانت عنايته برأي هؤلاء الأفراد وهذه الجماعات في كتابه أشد جداً من عنايته برأي النقاد والزملاء. وقد قص علينا في ذلك قصصاً طريفة، وكان ظاهر السرور والرضى حين كان يقص علينا هذه القصص لأنها كانت تصور مقدار ما ظفر به من التوفيق إلى رضى الأفراد والجماعات الذين وصفهم في كتبه وأسفاره. وقد حدثنا بأنه يلهو أحياناً بالمقارنة بين ما يكتب إليه القراء وما يكتب عنه الناقدون، وبما تنتهي إليه هذه المقارنة من بعد النقاد عن الحق والإنصاف وتورطهم في الخطأ واللجور، ومن إصابة القراء لمواضع الصدق وحسنالتقدير. وإذا لم يكن جول رومان من أصحاب الكبرياء
стр. 2812
الطاغية المعتصمة بنفسها المتعالية عن الناس، فليس من شك في انه سيغتبط ويبتهج حين يعلم أنه قد شغل المثقفين في مصر أسبوعاً أو أكثر من أسبوع، ولم يثر في نفوسهم الا حباً له وإعجاباً به وعناية بآثاره، وجداً في قراءتها أو الاستمتاع بما فيها من جمال. نعم وسيبتهج ويغتبط حين يعلم ان المثقفين من أهل مصر قد نظروا إلى هذا أسبوع الذي أقامه بينهم محاضراً متحدثاً كأنه عيد من أعياد الثقافة العليا، خلصت فيه نفوسهم من أثقال الحياة اليومية وأعبائها وتكاليفها وما تثيره من الخصومات وما تبعته من الهموم التي تضعف القلوب، ومن الأحزان التي تميت النفوس، ومن المشاغل التي تنحط بالعقول عن مكانتها وتبتذلها ابتذالا.
بدئ هذا الأسبوع حين ألقى جول رومان محاضرته الأولى في مدرسة الليسيه الفرنسية، وختم حين ألقى محاضرته الأخيرة في قاعة الجغرافية مساء الخميس الماضي، وكان في محاضرته الأولى يتحدث عن وطنه فرنسا ورأى الأفراد والشعوب فيه، وكان في محاضرته الأخيرة يتحدث عن نفسه وعن كتابه الأخير، وعن رأي الناس من مواطنيه ومن غير مواطنيه فيه وفي هذا الكتاب. وكان فيما بين ذلك يتحدث عن العقل وعما أحدث في حياة الناس السياسية من خير، وما ينتظر أن يحدث في مستقبل حياتهم من خير. وكان فيما بين ذلك أيضاً يتحدث إلى الجماعات والأفراد أحاديث خاصة في موضوعات مختلفة من الأدب الفرنسي والأجنبي، ومن السياسة والفلسفة والاقتصاد. وكانت أحاديثه ومحاضراته كلها متعة عالية ممتازة للذين استمعوا منه وتحدثوا إليه. ذلك إن جول رومان ليس أديبا عادياً من هؤلاء الأدباء الذين ينتجون الآثار الأدبية القيمة دون أن يمتازوا بأكثر من قدرتهم على الإنتاج وبراعتهم فيه إنما هو أديب ممتاز حقاً. ولعل خير ما يميزه من الأدباء انه من هؤلاء الأفراد القليلين الذين جعلت نفوسهم مرآة صافية شديدة الصفاء. تنعكس فيها صور الحياة التي تحيط بها، فإذا وصلت إليها استقرت فيها. وما تزال الصور تتبع الصور دون أن يطغى بعضها على بعض أو يفسد بعضها جمال بعض وإذا أنت أمام نفس من أغنى النفوس، أمام نفس لا تصور فرداً ولا بيئة، إنما تصور شعباً كاملاً، وإنما تصور خلاصة كاملة لأرقى ما تصل إليه الثقافة في عصر من العصور. فالذين كانوا يسمعون من جول رومان أو يتحدثون إليه إنما كانوا يسمعون من العقل الفرنسي كله،
стр. 2813
ويتحدثون إلى العقل الفرنسي كله، ولا تظن إن في هذا النحو من القول غلوا أو ميلا إلى الإسراف، إنما هو الحق كل الحق، والاقتصاد. ذلك أن جول رومان لم يكد يبلغ رشده الأدبي كما يقول حتى رأى نفسه أكثر من فرد، ورأى مطمعه الأدبي أكثر من مطمع الفرد، ورأى انه إذا كتب فلن يستطيع ان يكتب كما تعود الناس أن يكتبوا في هذه الموضوعات المحصورة، وفي هذه الإطارات الضيقة المحدودة. وإنما هو ان كتب فسيصور الجماعات، وسيصورها في إطار واسع مخالف لما ألف الكتاب أن يتخذوا من الإطارات والحدود. رأى أنه لا يستطيع أن يتخذ الفرد من حيث هو فرد موضوعاً لأدبه، وإنما الجماعة هي موضوع هذا الأدب فهو شاعر الجماعات إن نظم الشعر، وهو واصف الجماعات أن كتب القصص، وهو مصور الجماعات ان عالج التمثيل. ولم يكد يكتب وهو في العشرين في اوائل هذا القرن حتى ظهرت هذه الخصلة في آثاره ظهوراً بينا وفرضت نفسها عليه فرضا، وأحس هو ذلك وشعر به، وإذا هو ينظم صفته هذه تنظيماً ويصوغها صيغة المذهب الأدبي ويدعو إلى هذا المذهب ويجاهد في الدعوة اليه، وإذا هو على شبابه صاحب مدرسة لها تلاميذ ولها أنصار، وإذا مدرسته لا تلبث أن تتجاوز حدود فرنسا بل حدود اوربا فتكسب الأنصار والتلاميذ في المانيا وانجلترا وامريكا. ثم تتقدم به السن ويمضي في انتاجه الأدبي شعراً وقصصاً وتمثيلاً، وكلما مضى في هذا الإنتاج زاد امتيازه وضوحاً وجلاء ولان مذهبه واشتدت مرونته. وإذا جول رومان منذ أعوام يفرض نفسه على الأدب الفرنسي ثم على الأدب الحديث فرضاً ويصبح من اظهر الممثلين لحياة الأدب الفرنسي في هذا العصر الذي نعيش فيه. فليس غريباً إذن أن يكون حديثه حديث الشعب الفرنسي المثقف كله، لأنه قد وعى هذا الشعب كله وصوره واختصر خلاصته كلها في نفسه، فهو يتحدث بها وهو يتحدث عنها وهو يصورها في حديثه أجمل التصوير وأروعه وأبلغه تأثيراً في النفوس. وقد عالج جول رومان من فنون الأدب الشعر وعالج القصص وعالج التمثيل. وكان قبل هذا كله أستاذاً للفلسفة. مر بالسوربون طالباً وتخرج من مدرسة المعلمين العليا، وعلم في المدارس الثانوية. وليس هنا بالطبع موضوع الدرس لشعره وقصصه وتمثيله فذلك شيء لا يتسع له فصل في صحيفة بل لا تتسع له فصول، وإنما تتسع له كتب وأسفار
стр. 2814
ولكن من الخير أن ندع الآن شرع جول رومان لأنه هو نفسه قد انصرف عن الشعر أو كاد، وأن نقف وقفة قصيرة عند تمثيله ووقفة أقصر منها عند قصصه وعند كتابه الاخير بنوع خاص. ولعل أظهر ما يمتاز به تمثيل جول رومان أنه أقرب التمثيل الفرنسي الحديث إلى تمثيل موليير، فموضوعاته فرنسية ولكنها من دون إطارها الفرنسي تتجاوز فرنسا وتصبح موضوعات إنسانية عامة لا تقف عند بيئة خاصة ولا عند زمان بعينه، وإنما تتجاوز الزمان والمكان المعينين إلى جميع الازمنة والأمكنة. فقضته الدكتور كنوك ليست نقداً لطبيب بعينه، ولا لطبيب فرنسي ولا لطبيب في القرن العشرين وإنما هي نقد للون من الوان حياة الأطباء في كل أمة وفي كل عصر وفي كل مكان. ولا يكاد يعرف التمثيل الفرنسي بعد الحرب فوزاً كالفوز الذي أدركته هذه القصة التي لا أتردد في أن أراها آية من آيات التمثيل الحديث.
وقصته التي تسمى مسيو لترودك، وقصته الأخرى التي تسمى زواج لتروادك لا تصفان أستاذاً بعينه من أساتذة الجغرافية، وإنما تصفان لونا من حياة الاستاذ الذي تطغى عليه ظروف الحياة فتخرجه عن الدرس إلى الحياة العامة، وتعرضه لألوان من المحن والخطوب تثير الضحك ولكنه الضحك الذي يثيره موليير، والذي يمتلئ بالعبر والعظات. وقد هممت أن أسأل جول رومان لماذا اختار لهاتين القصتين بطلا من أساتذة الجغرافية، دون أساتذة التاريخ أو العلم الطبيعي أو الفلسفة. واكبر الظن أن هذا الاختيار ليس نتيجة المصادفة، ومن يدري لعله كان يضيق باستاذ من أساتذته الذين تعلم عليهم وصف الارض وتقويم البلدان في المدرسة أو الجامعة. وليس أقدر من جول رومان على تشخيص الجماعات ومحو ما بين أفرادها من الفروق، وجعلها شخصاً واحداً يشعر ويعمل ويتكلم ويصدر في هذا كله عن نفس واحدة، والذين يقرأون زواج لتروادك يرون أنه وفق في ذلك إلى أقصى حدود الاتقان.
أما كتابه الاخير الذي لم نتفق أمس - وكنا كثيرين - علىترجمة دقيقة لعنوانه، والذي أسميه كما سماه صديقي هيكل، الاخيار من الناس، فاعجوبة القصص الفرنسي في هذه الايام. أخذ يظهر منذ أعوام. وظهر منه الجزء الخامس والسادس في هذا العام. والناس يتساءلون كم تكون أجزاؤه؟ وجول رومان يأبى أن ينبهم بعدد هذه الاجزاء اشفاقا عليهم
стр. 2815
وعلى نفسه من السأم والخوف فيما يقول، وأكبر الظن أنه لا ينبئهم بعدد هذه الاجزاء لأنه هو لا يعرف كم تكون وقد زعم بعض نقاده في النوفيل لترير منذ أسابيع أنها قد تنيف على العشرين وتمنى
ناقد الطان ان تبلغ الخمسين، والله يعلم ماذا يتمنى جول رومان. وأكبر الظن انه لا يتمنى الا أن تستقيم له الطريق، ويمضي القلم في يده حتى يتم شيئاً لا يستبينه هو في نفسه إلى الآن.
وقد حدثنا جول رومان عن كتابه هذا أحاديث ضاق بها توفيق الحكيم، لأنه لا يحب أن يتحدث الكتاب عن أنفسهم وعما يكتبون. ورضيت عنها أناكل الرضى لأن الكتاب إذا بلغوا منزلة جول رومان كان من حقهم ان يتحدثوا عن أنفسهم. ولست ادري لم يباح للكتاب ان يتحدثوا عن ان
وعلى نفسه من السأم والخوف فيما يقول، وأكبر الظن أنه لا ينبئهم بعدد هذه الاجزاء لأنه هو لا يعرف كم تكون وقد زعم بعض نقاده في النوفيل لترير منذ أسابيع أنها قد تنيف على العشرين وتمنى
ناقد الطان ان تبلغ الخمسين، والله يعلم ماذا يتمنى جول رومان. وأكبر الظن انه لا يتمنى الا أن تستقيم له الطريق، ويمضي القلم في يده حتى يتم شيئاً لا يستبينه هو في نفسه إلى الآن.
وقد حدثنا جول رومان عن كتابه هذا أحاديث ضاق بها توفيق الحكيم، لأنه لا يحب أن يتحدث الكتاب عن أنفسهم وعما يكتبون. ورضيت عنها أناكل الرضى لأن الكتاب إذا بلغوا منزلة جول رومان كان من حقهم ان يتحدثوا عن أنفسهم. ولست ادري لم يباح للكتاب ان يتحدثوا عن انفسهم إلى عشرات الالوف في الكتب، ويكره منهم ان يتحدثوا إلى المئات في قاعة من قاعات المحاضرات، واحب ان يعلم توفيق الحكيم، وان يعلم جول رومان أيضاً اني لم أومن بكل ما سمعت من هذا الحديث فالاديب يحدثنا بأنه تصور موضوع كتابه تصوراً دقيقاً كل الدقة، محدداً من جميع الوجوه ولم يبدأه حتى وضع له برنامجاً مفصلاً أدق التفصيل، ولما كان من المستحيل ان يعرض علينا الصورة التي في نفسه، والبرنامج الذي رسمه لكتابه على الورق، فاني اسمح لنفسي بأن اشك في هذا الحديث. وإنما هو خيال يتلهى به الكاتب الاديب، على حين انه في حقيقة الامر لا يتصور كتابه الا تصوراً مجملاً تفصفه الظروف، وتفصله لمزاولة والكتابة بنوع خاص. ذلك ان موضوع الكتاب ليس من هذه الموضوعات التي يمكن ان ترسم في دقة وضبط، فجول رومان يريد ان يصف الجماعة الانسانية، فحدثني كيف تستطيع ان تحدد هذه الجماعة او ان تحدد ما تريد ان تصف من أمرها تحديداً دقيقاً، بل ان تص ذلك بالفعل إنما يريد جول رومان أن ينشئ اثراً كالذي أنشأه بلزاك أو زولا أو رومان رولان. ولكن من الذي يستطيع ان يقول ان هؤلاء الناس قد رسموا موضوعاتهم رسماً دقيقاً قبل ان يبدؤا في كتابتها. إنما الشيء القيم الذي تحدث به الينا جول رومان هو مذهبه في الاستعداد لكتابة، فهو لا يسلك طريق غيره من الذين سبقوه فيحصى ويستقصى ويكتب المذكرات ويجمعها ويرتبها ثم يعود اليها كلما هم بالكتابة في موضوع من الموضوعات، وإنما هو يحيا في جميع البيئات التي يريد أن
стр. 2816
يصورها، يحيا فيها كما يحيا أهلها، حتى يصبح واحداً منهم، ثم يرسل خياله على سيجيته فيكتب، حتى إذا أتم الكتابة عاد إلى هذه البيئة فقارن بين الصورة وبين الاصل وانتهى في أكثر الاحيان إلى الرضا عن هذه المقارنة
على أن التصوير الصحيح لمذهب جول رومان في الاستعداد لهذا الكتاب هو الذي تقرأه في المقدمة فهو تصوير معقول لا يتجاوز حدود الممكن المألوف، وهو في الوقت نفسه تصوير يبين ما في هذا الكتب من الابتكار. فالكتاب لا يدور حول شخص بعينه ولا حول حادثة بعينها، وإنما هو قصص كثيرة مختلفة لبيئات كثيرة متباينة، تنشأ هذه القصص في وقت واحد أو في أوقات متقاربة ثم تمضي كل واحدة منها في طريقها التي رسمت لها فتلقى أحياناً وتفترق أحياناً، وتتوازى أحياناً، ويضاد بعضها بعضاً أحياناً أخرى والله يعلم ولعل جول رومان يعلم أيضاً إلى أن تنتهي وكيف تنتهي آخر الامر
وقد بدأت هذه القصص في اكتوبر سنة ١٩٠٨ وحدثنا جول رومان انها تنتهي في سنة ١٩٣٣ الا أن يطرأ ما يغير هذا الميعاد. فالكتاب اذن محاولة جديدة لوصف الجماعة الانسانية وصفا قصصياً رائعاً في ربع قرن، وتريد أن تعلم بالطبع هل وفق جول رومان إلى ما أراد، وتريد أن تعلم مقدار ما في هذا الكتاب من روعة وجمال. فالذي أستطيع أن أقوله هو أن كتاباً آخر لم يظفر بمثل ما ظفر به هذا الكتاب من الاعجاب بعد كتاب مرسيل بروست في هذا العصر الذي نعيش فيه. فاذا اردت ان تتبين جماله وروعته فالسبيل إلى ذلك ان تقرأه، وانا واثق بانك لن تأسف على ما تنفق في قراءته من الوقت أو الجهد.
طه حسين
стр. 2817
صندوق الكتاكيت
للاستاذ أحمد أمين
كان أمس، من أيام الشتاء المشهودة: ريح صِرّ، وليل قَرّ، حتى خَصِرَت اليد، وقفقفت الأسنان، ويبست الأطراف، وتجلّى (أمشير) بأجلى ما وسم به من هَوَج ورَعَن. حتى لو كان طفلاً لسال لعابه، أو رجلا لسقطت عنه االتكاليف.
ثم انجلى الليل عن صبح بديع: سماء صافية، وشمس مشرقة، حاولت أن آتي لهما بتشبيه جديد، فكانت الشمس في السماء أجمل من كل تشبيه قديم وحديث.
غادرت حجرتي إلى حديقتي الصغيرة المتواضعة فوجدت خادمي قد سبقت، فاخرجت صندوق الكتاكيت إلى الشمس لينعم ما فيه بحرارتها ودفئها - وقع عليه نظري، وصادف ذلك مني تفكيراً في موضوع للرسالة.
شعرت إذ ذاك بشخصيتين من نفسي تتناظران مناظرة عجيبة عنيفة اسجلها للقراء:
لم لا يكون (صندوق الكتاكيت) موضوعاً طريفاً؟
إنه مووضوع تافه لا يليق بأستاذ في جامعة، ولا بمدرس، ولا بمساعد مدرس - إن الجامعيين وأمثالهم يجب أن تكون موضوعاتهم في أعلى السماء، أو أعمق الأرض، ويجب أن تصبغ بصبغة ميتافيزيقية، ويكون فيها الجوهر والعرض، والكمية والكيفية، والأنِّيّة والعلية. أما صندوق الكتاكيت فموضوع يثير الهزؤ والسخرية، ويستخرج من النفس عاطفة الازدراء والاحتقار.
ليس ذلك بصحيح، فكل شيء في الحياة موضوع أدب، وخير الأدب ما مس الحياة الواقعية، واستخرج من تافه الاشياء فكرة بديعة، أو رأياً طريفاً. لقد قال تعالى (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما، بعوضة فما فوقها، والكتكوت خير من البعوضة من جميع الوجوه، فالبعوضة منبع ألم، والكتكوت منبع لذة - والبعوضة إذا كبرت كانت أقوى على اللدغ وأقدر على الايلام، بنفسها وبمنتجاتها، والكتكوت إذا كبر كان دجاجة أو ديكاً، يسيل لعاب الانسان إذا تصوره على مائدة أنيقة، أو تخيّله وقد أنضجه طاه ماهر.
وضب الله الذباب مثلا فقال تعالى (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباّ ولو اجتمعوا له، وان يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه، ضعُفَ الطالب والمطلوب) وأين
стр. 2818
الذباب من الكتكوت؟ وقد سميت في القرآن الكريم سور منه بالبقرة والنحل والنمل والعنكبوت.
وقرأت لأديب كبير لا أذكره الآن مقالا بديعاً في زنبار أراد أن يخرج من شباك فاصطدم بزجاجة، وحاول مراراً أن يخرج فلم يستطع، فاستخراج الكاتب من ذلك قطعة فنية طريفة في الحرية والاسترقاق، وكيف يبحث الزنبار عن حريته فلا يجدها، ثم هو لا ينساها مهما صادفه من عقبات، وتحمل من آلام.
وكتب فيكتور هوجر قصة طريفة عن برغوث أنقذ أمة من الأمم سلط عليها حاكم ظالم لم تستطع حمله على العدل ولا إبعاده عن الحكم.
وبعد هذا وذاك كتب مستشرق كبير معاصر كتاباً جمع فيه ما قيل من الأدب العرب في البراغيث واقترح عليه مستشرق آخر أن يسمي الكتاب (صيحة المستغيث من البراغيث) إلى ما لا يعد ولا يحصى.
إذن فنظرتك في اختيار الموضوع وأنه يجب أن يكون (أكاديمياً)، وأن يعنون عنواناً ضخماً يستعمل في اختياره كل ضروب التكلف والتعمق والفلسفة، نظرة أرستقراطية بغيضة يجب أن تتخلص منها وتهزأ بما جرى عليه العرف فيها.
على هذا النحو ظلت الشخصيتان تتناظران، وظللت أصغي اليهما وأقيد أفكارهما، إلى أن طال الاخذ والرد، وأشفقت على القراء من استرسالهما في الجدل، وحاولت أن أبتعد عن الصندوق، وأهرب من الموضوع فلم أستطع.
أيها الكتكوت! فيك كل معاني الحياة ومشاكلها ومظاهرها. فاسمك - أولا - كتكوت ويجمع على كتاكيت، ولم أدر من أين أتى لك بهذا الاسم، فقد راجعت القاموس المحيط ولسان العرب، وغيرهما من كتب اللغة، فلم أجد فيها هذا اللفظ للدلالة عليك، ولا يستعمله الا أهل مصر. أما أهل الشام والعراق فلا يعرفونه - أتعمدت اللغة إهمالك لحقارتك؟ ذلك ما لا أظن، لأني أعلم أن اللغة ديمقراطية تعنى بالجليل والحقيرعلى السواء، بل اللغة العربية مفرطة في الديمقراطية فقد وضعت لأتفه الأشياء أسماء تعد بالمئات، واحتقرت أشياء عظيمة فلم تضع لها اسماً للآن كالراديو والبيانو ومئات من المخترعات الحديثة، بل هم وضعوا لك اسماً آخر هو (الفرخ) ولكن الفرخ غير مقصور عليك، شاركك فيه كل صغار
стр. 2819
الطيور حتى استعملوه أحياناً في صغار الشجر والنبات، على انهم وضعوا لك اسم (الفروج) فلم يطلقوه على غيرك من صغار الحيوان ولكنهم أشركوا معك فيه نوعاً من أقبية وأمثالها ولعل العامة كانوا أنصف لك فوضعوا لك اسماً خاصاً، ومن أولى التخصص منك؟
ولكن - مع كل هذا - لا أدري من اين أتى اسمك (الكتكوت) فسأتركك لعلماء اللغة والاشتقاق ومقارنة اللغات، من سريانية وآرامية وفارسية وعبرية، لعلهم يجدون لك أصلاً - وعلى كل حال فقد أثبتَّ أن فيك مشكلة من مشكلة الحياة العظمى، وهي مشكلة اللغة، وستثبت مشكلة أخرى أعظم من هذا وأعقد فهب أن علماء اللغة استنكروا هذه الكلمة فأين سلطانهم على لفظك الذي تداولته العامة ونطقت به قروناً.
فهل إذا صدر قرار بمحو هذه الكلمة لأنها ليست عربية يسمع ويطاع. على أي وجه من الوجوه أنت مشكلة حتى في اسمك هذه هي الخادم قد رمت الحب للكتاكيت، فلا تسأل عما كان بينها من خصام ونزاع، ومباراة وسباق وضرب وطعان
وهل الانسان الا هذا - وهل تاريخ حياته الا نزاع وصراع وقد عبروا عن ذلك أصدق تعبير فقالوا، ان الحياة جهاد - أو ليس أكبر باب من كتب التاريخ هو تاريخ الحروب والفتوح، واعلان الحرب، ومعاهدات الصلح. وكل الفرق بينك ايها الكتكوت وبين الانسان أنك استعملت في جهادك ونزاعك منقارك الوديع وجسمك اللين الغض وجاء الانسان الراقي فاستعمل في الحصول على غذائه الكذب والخديعة والرياء والنفاق، واستعمل في مدافعة خصومه كل طر الكيد والدهاء، واستخدمت الجماعات في حربها كل أنواع المدمرات والمهلكات - وقد أعطى الانسان عقلا أرقى من عقلك لينظم عيشه فأفسده، ولينظم السلم فنظم الحرب، وليعاون أخاه فعاداه.
- أيها الصندوق!
فيك تنازع البقاء وبقاء الاصلح، فيك استكانة الضعيف وغلبة القوى، فيك الضعيف يكره العراك، وفيك القوي يصول ويجول، ويدعو إلى النزال - فيك الجمال وفيك القبح
- استأنست ايها الكتكوت بالانسان صغيراً، ثم علمتك التجارب ففررت منه كبيراً.
وكنت مادة صالحة للغذاء كما كنت مادة صالحة للادب، فمن قديم استعيرت منك الاستعارات اللطيفة، والابيات الجميلة، فقد قال الشاعر
стр. 2820
أرى فتنهة هاجت وباضت وفَرّخَتْ … ولو تُرِكَتْ طارت اليها فراخها
وفي حديث عمر. يا أهل الشام تجهزوا لأهل العراق فان الشيطان قد باض فيهم وفرخ
ثم قالت العامة (الكتكوت الفصيح من البيضة يصيح) وأخيراً، فيك سر الحياة الغاض - كيف دبت الحياة فيك يوم كنت بيضة، وكيف تطورْتَ جنيناً، وكيف نبض قبلك لاول مرة، وكيف خرجت إلى هذا الوجود، وكيف تموت ولم خرجت، ولم تموت؟ لو أفصحت لنا عن كل هذه الاسرار لكشفت سر الوجود، ولما كان هناك مجال لفسلفة ولا حكمة ولكنك أعجزت الفلاسفة، إذا كتمت سرك بين جناحيك فهامت الفلاسفة علىوجوهها، وارتبكت في تفكيرها.
إذن فيك ايها الصندوق الصغير، كل ما في العالم الكبير، من معاني الحياة وغوامضها وأسرارها، وفيك كل مظاهر الانسان على تبجحه وغروره - وفيك ما حير العقول قروناً، وأجهد الفكر أجيالاً - وهل العالم الا لغز، لو حل جزؤه لحل كله.
أحمد أمين
стр. 2821
صفحة من تاريخ افغانستان المعاصر
لمناسبة حوادثها الاخيرة
للاستاذ محمد عبد الله عنان
في الثامن من نوفمبر الماضي سقط نادر شاه ملك أفغانستان السابق قتيلاً برصاص طالب أفغاني في احدى حدائق كابول اثناء حفلة رياضية كان يشهدها الملك القتيل، فخسرت أفغانستان بذهابه أميراً قوياً حازماً لبث مدى أربعة أعوام يشرف على مضايرها ويعمل لتنظيم شئونها وتوطيد سلامها في ظروف عصيبة.
وكانت أفغانستان قبل أن يتبوأ عرشها نادر خان قد اضطرمت باحدى هذه الثورات القومية التي يتميز بها تاريخا منذ أواخر القرن الماضي، والتي تدفع بها دائماً إلى فترة من الفوضى الخطرة، وتجعل من عرشها مثار معارك طاحنة بين الزعماء والمتغلبين، ومن استقلالها هدفاً تعلم السياسة الاجنبية ما استطاعت للنيل منه؛ وكان عرشها بعد أن غادره الملك السابق أمان الله في صيف سنة ١٩٢٩ فراراً من نقمة شعبه قد تداوله اثنان في بضعة أشهر، أولهما عناية الله أخو أمان الله الأكبر، والثاني حبيب الله أو باشا سقا، الزعيم الثائر: وكانت أفغانستان تمزقها الحرب الاهلية حينما جاء اليها نادر خان وزير الحربية السابق في أواخر سنة ١٩٢٩ من مقامه في أوربا، وانتزع كابول من يد الثائر وقبض عليه وأعدمه، ثم نادى بنفسه ملكاً، واستطاع في أشهر قلائل أن يقمع الفوضى وأن يعيد إلى أفغانستان نوعاً من السكينة والاستقرار.
ولم يكن مقتل نادر شاه (نادر خان) مفاجأة ولا حادثاً غير عادي في تاريخ أفغانستان الحديث؛ فعرش أفغانستان يرتجف دائماً فوق بركان من المنافسة الدموية؛ وقد قتل في الفترة الأخيرة من ملوك أفغانسان عدة، أولهم حبيب الله خان الذي قتل سنة ١٩١٩. ولو لم يبادر الملك السابق أمان الله بالفرار لكان نصيبه هذا المصير الدموي. بيد أن هذا العرش الخطر ما فتئ يغري زعماء القبائل والاسر الأفغانية؛ وتخشى أن تعود هذه المعركة الخالدة على العرش فتضطرم غير بعيد في أفغانسات، وان كان الامير الفتى ظاهر شاه ولد نادر شاه قد جلس على العرش غداة مقتل أبيه، واتخذت في الحال كل أهبة لاخماد كل نزعة للخروج والثورة. فقد كان نادر شاه يحكم أفغانستان مدة الأعوام الاربعة الماضية بقوة
стр. 2822
وذكاء، ولكنه لم يستطع رغم عزمه وحزمه أن يخمد كل عوامل الانتقاض والفوضى التي تضطرم بها أفغانستان منذ أواخر عهد الملك أمان الله؛ وقد نشبت في عهده غير ثورة أخمدت دائماً في سيل من الدماء، ومازال الملك السابق أمان الله يتربص فرص العودة إلى عرشه، وما زالت تؤازره في أفغانستان بقية من أنصاره، هذا إلى أن القبائل الافغانية القوية في الشرق والشمال الشرقي مازالت تعيش في نوع من الاستقلال الاقطاعي، وتتردد بين تايد العرش والخروج عليه حسبما تملي عليها مصالحها أو حسبما توجهها المؤثرات الاجنبية في كثير من الاحيان.
والحقيقة أن أفغانستان تجد نفسها منذ نحو قرن من مركز حربي وسياسي يكاد يحرمعليها الحياة الهادئة. فهي تقع بين الهند البريطانية من الشرق، وبين التركستان الروسية من الشمال، وتكون بذلك ملتقى الجذب بين سياستين استعماريتين قويتين تتنازعان السيادةوالنفوذ في أواسط آسيا، وتلتقيان دائماً في ذلك الاقليم الجبلي الوعر، الذي يحد نفوذهما ويفصل بين أراضيهما، اعني أفغانستان. والشعب الافغاني لا يتجاوز أربعة ملايين جلهم من القبائل الجبلية، ولكنه شعب قوي بخلاله الطبيعية ونزعته العسكرية يعتصم دائماً بهضابه الوعرة، ويحرص على استقاله أيما حرص. وإذا كان تجاذب السياستين البريطانية والروسية يعرض افغانستان بين آن وآخر إلى تيار النفوذ الأجنبي، فان أفغانستان من جهة أخرى تتخذ من هذا التجاذب أداة لتدعيم استقلالها، وتجعل منه دائماً وسيلة لاقامة التوازن بين السياستين المتنافستين. بيد أن السياسة البريطانية التي تقدر أهمية افغانستان في حماية حدود الهند الشمالية الغربية من الغزو الروسي، تحرص دائماً على أن تكون راجحة النفوذ والكلمة، ولا تترد في تأييد هذا التفوق في السهر على مصاير أفغانستان بالقوة القاهرة. وأفغانستان تعرف أنها لا تستطيع أن تتخلص من هذا النفوذ دون أن تعرض استقلالها للخطر؛ وقد أنست هذا الخطر في تاريخها الحديث غير مرة إذ غزتها الجيوش الانجليزية في سنة ١٨٣٨، ثم في سنة ١٨٧٨؛ وعرض استقلالها للضياع في المرتين. وما زالت السياسة البريطانية إلى يومنا تقوم بدورها التاريخي في السهر على توجه شئون أفغانستان وتطوراتها.
ونستطيع أن نرجع من مرحلة التاريخ الأفغاني المعاصر إلى أواخر القرن الماضي، أو إلى
стр. 2823
عهد الأمير عبد الرحمن خان الذي تولى العرش عقد تطورات الحرب الأفغانية الإنكليزية الثانية، سنة ١٨٨٤؛ فقد استطاع هذا الأمير القوي لأول مرة أن يحطم سلطة القبائل الاقطاعية، وان يخضعها لصولة العرش، واستطاع أن ينشئ لأفغانستان جيشاً نظامياً حسناً، وان ينظم الضرائب والموارد العامة؛ وتمتعت افغانستان في عهده بعد طويل من السكينة والاستقرار في ظل ادارة قومية صارمة. ثم توفى عبد الرحمن سنة ١٩٠١ وخلفه على العرش ولده حبيب الله خان. واستطاعت السياسة البريطانية في تلك الفترة ان توطد نفوذها في أفغانستان؛ وكان حبيب الله برغم حرصه على استقلال افغانستان الداخلي، يصانع السياسة البريطانية ويتقي اثارتها ما استطاع؛ وفي عهده بلغ النفوذ البريطاني ذروته في توجيه سياسة افغانستان الخارجية، ولا سيما في علائقها مع روسيا القيصرية، وتضاءل النفوذ الروسي إلى أعظم حد ولما نشبت الحرب الكبرى حافظ حبيب الله على صداقته مع بريطانيا العظمى، وقاوم كل مسعى بذلته المانيا لتحريض افغانستان على نقض هذه الصداقة، ثم تُوفي قتيلاً في أوائل سنة ١٩١٩، فخلفه اخوه نصر الله؛ ولكن ثورة نشبت بقيادة امان الله ثالث اولاد حبيب الله انتهت بعزله. وتبوأ أمان الله العرش في ربيع هذا العام وهنا كان تطور حاسم في تيار النفوذ الخارجي؛ وانتهزت روسيا السوفيتيه، هذه الفرصة لتسترد نفوذها الذاهب، فعاونت امان الله على انتزاع العرش من عمه، واستعملت كل وسيلة لمقاومة النفوذ الانكليزي والقضاء عليه؛ وذهب امان الله في خصومته للانكليز االى حد أنه دفع بجنده إلى اجتياز الحدود الهندية، ولكن الانكليز ردوها في الحال وعبروا الحدود الافغانية إلى (دكا) وأرغموا امان الله على عقد الصلح، ولكن بشرط أن تعترف انكلترا باستقلال افغانستان (اغسطس سنة ١٩١٩).
وكانت روسيا من وراء أمان الله تؤيده وتوجه خططه؛ وكانت انكلترا من جانبها تقدر هذا العامل الجديد في تطور حوادث افغانستان، وتتحاشى الاصطدام بروسيا السوفيتية، وتعمل لاتقاء دسائسها ما استطاعت، وأفغانستان من جانبها تجني ثمرة هذا النضال بين الدولتين الخصيمتين. بيد أن السياسة البريطانية لم تعدم وسيلة للاتفاق مع امان الله؛ ففي سنة ١٩٢١ عقدت في كابول معاهدة انكليزية افغانية جديدة، تعترف انكلترا فيها باستقلال افغانستان الخارجي والداخلي؛ وتعترف افغانستان فيها بالحدود الهندية الافغانية القائمة؛
стр. 2824
وتنص على تبادل التمثيل السياسي والقنصلي؛ وتخول لافغانستان الحق في ان تستورد من انكلترا ما يلزمها من الاسلحة والذخائر معفاة من الرسوم. وفي سنة ١٩٢٣ عقدت بين الدولتين معاهدة تجارية. ومع أن العلائق بين انكلترا وأفغانستان لبثت عاديةودية، فان النفوذ الانكليزي لم يعد إلى سابق تمكنه واستئناره، واستمر النفوذ الروسي متفوقاً في افغانستان مدى حين.
وقضت افغانستان فترة من الاستقرار والسكينة، توطدت فيها شئونها الداخلية وعلاقتها الخارجية. وفي سنة ١٩٢٧ قرر الملك امان الله أن يقوم مع زوجته الملكة ثريا برحلة رسمية في بعض الدول الاوربية؛ فغادرا أفغانستان في شتاء هذا العام، ومرا في طريقهما بمصَر، وانفقا فيها بضعة أسابيع، واستقبلا اينما حلا بمنتهى لاكرام والحفاوة؛ ثم سافرا إلى أوربا وزارا ايطاليا وفرنسا وانكلترا والمانيا، وتسابقت الدول في الاحتفاء بهما واغداق الهدايا عليهما، كما تسابقت في التقرب إلى امان الله ومحاولة الحصول منه على بعض المزايا السياسية والتجارية، ولكن امان الله لم يتورط في التعاقد واكتفى ببذل الوعود. ثم غادر المانيا إلى روسيا، واستقبله
؟؟؟؟ حلفاؤه البلاشفة أعظم استقبال، وعقدت اثناء مقامه بموسكو معاهدة افغانية روسية تجارية جديدة. وأبدى امان الله اثناء رحلته اهتماماً عظيماً بمظاهر الحضارة الغربية، ولم يخف اثناء تجواله نيته في الا قتباس منها لبلاده بأعظم قدر، والعمل على تجديد افغانستان ودفعها إلى طريق الحضارة الغربية باسرع ما يستطاع، ولم تخف زوجته الملكة ثريا نيتها في العمل على تعليم المرأة الافغانية وتحريرها، وكان لهما في ذلك تصريحات رنانة مازلنا نذكرها. واستمرت الصحف الاوربية مدى حين تفيض في رحلة الملك الشرقي وفي اخباره وأعاله وأقواله، وفي برنامجه الاصلاحي، وفي آحوال أفغانستان وشئونها وأهميتها الحربية والسياسية. بيد أنه لو حط مذ قصد أمان الله إلى موسكو فتور الصحافة الغربية في الحديث عنه، ولوحظ بنوع خاص أن الصحف البريطانية أخذت تحمل على سياسته، وتنتقد زيارته لموسكو وتورطه في محالفة البلاشقة. ولم يكن حديث الصحف البريطانية عبثاً، وإنما كان دلالة اتجاه جديد في السياسة البريطانية كما سنرى.
عاد امان الله إلى افغانستان بعد أن زار تركيا وفارس، وعقد مع كل منهما معاهدة صداقة،
стр. 2825
وتأثر ايما تأثر بما رأى في تركيا من مظاهر التجديد الاوربي. ولم يضع وقتا في تنفيذ برنامجه الاصلاحي: وكان برنامجاً شاملاً تناول نظم الحكم، كما تناول كل نواحي الحياة القومية. فاما في نظم الحكم فقد ألغي أمان مجلس الحكم القديم الذي يضم زعماء الدين ومشايخ القبائل بمجلس تمثيلي يؤلف بالانتخاب، وأدخل نظام الوزارة الحديث، والغي سلطات الاشراف وزعماء الدين، وفرض الضرائب العامة المنظمة والخدمة العسكرية الاجبارية على كل أفغاني. وكان أمان الله في الناحية الاجتماعية أشد جرأة واندفاعاً وقد خيل له أنه يستطيع بقوة التشرع العاجل أن يخلق من افغانستان العصور الوسطى، أمة جديدة تتمتع بمظاهر التمدن الحديث. وكانت زوجة الملكة ثريا، وهي امرأة سورية لاتفهم روح الشعب الذي رفعت إلى عرشه، تدفعه في ذلك الطريق بعنف فاصدر طائفة من القوانين الاجتماعيةالجديدة ترى إلى تحرير المرأة وسفورها، والغاء تعدد الزوجات، ورفع سن الزواج، والزام الافغانيين بلبس القبعة والثياب الاوربية على نحو ما فعل مصطفى كمال بالترك، وأرسل إلى أوربا بعوثاً من الشباب والفتيات ليعلموا في معاهدها. وكان الشعب الافغاني يشهد هذا الانقلاب في دهشة وروعة ولا يكاد يصدق أنه المقصود بهذه الاجراءات، وفي افغانستان أمة قديمة تغلب فيها البداوة، ولم تخرج بعد من غامر القرون الوسطى، وللتقاليد الدينية والاجتماية فيها ايما هيبة ورسوخ، فوقعت هذه السياسة الجريئة في الشعب الافغاني وقع الصاعقة، وثار سخطه لهذا الاجتراء على تقاليد القرون، وقابل زعماء الدين والقبائل تلك المحااولة لسحق سلطانهم القديم بمنتهي الانكار والمقاومة، ولم تمض أشهر قلائل حتى سرى ضرام الثورة إلى ذلك الشعب المضطرم المتأهب ابداً للثورة وتحطيم أية سلطة مطلقة تحاول ارغامه على ما لا يرضى.
نشبت الثورة بسرعة لأسباب وعوامل لم تتضح تماماً. ولا ريب أن تطرف الملك أمان الله في تطبيق برنامجه الاصلاحي كان عاملاً هاماً في نشوبها بين القبائل الاقطاعية القوية التي أدركت خطر السياسة الجديدة على نفوذها واستقلالها المحلى، ولكنه لم يكن كل شيء، فقد نشبت الثورة بادئ بدئ في الولايات الشرقية المجاورة للسند، ولا سيما منطقة جلال أباد، وهي منطقة يسود فيها النفوذ البريطاني، ثم امتدت بسرعة مدهشة برغم ما بذله أمان الله لحصرها واخمادها. وقد كانت السياسة البريطانية تأخذ دائماً على أمان الله تأثره بنفوذ
стр. 2826
السوفييت ومحالفته إياهم، وترى في زيارته لموسكو وتقوية صلاته بالسوفييت تحدياً لا تحمد عواقبه. وللسياسة البريطاينة دائماً أثرها في تطورات أفغانستان الحاسمة، والمرجح انها لم تكن بعيدة عن ذلك الانفجار الذي فوجئ به أمان الله وكان خطراً على عرشه وشخصه. وقد استطاع أمان الله أن يهزم الثوار بادئ بدء، واعتقد مدى لحظة أنه سيد الموقف، ولكن الحوادث تفاقمت بسرعة وامتدت الثورة إلى الجيش، وزحف الثوار على العاصمة الأفغانية، فبعث الملك بزوجه وأسرته إلى قندهار، وفر الأجانب من كابول على متن طيارات بريطانية أرسلت من الهند، وحاول أمان الله عبثاً أن يهدئ الثورة بالغاء القوانين الجديدة التي أصدرها، فلما رأى أنه فقد كل أمل في الاحتفاظ بعرشه وسلطانه، نزل عن العرش لأخيه الأكبر عناية الله، وفي صعب، ولم يجرؤ على مواجهة الحوادث، فغادر بدوره ذلك العرش الخطر وفر ناجياً بنفسه، ودخل الزعيم الثائر باشه السقا كابول ظافراً، وتربع على العرش باسم حبيب الله. (أوائل سنة ١٩٢٩) ولما رأى أمان الله تطور الحوادث على هذا النحو عاد فاسترد تنازله. وجمع فلوله وحاول السير إلى كابول، ووقعت بينه وبين خصومه معارك عديدة انتهت بهزيمته، فانسحب من الميدان أخيراً وفر مع زوجه وأسرته في مايو سنة ١٩٢٩ عن طريق الهند، ثم جاز إلى أوربا منفياً طريداً، واستقر برومه، يرقبت مجرى الحوادث في أفغانستان، ونسمع صوته كلما اضطرمت أفغانستان بحادث جديد. وكان آخر العهد بتصريحاته في أوائل نوفمبر الماضي، حينما قتل المرحوم نادر شاه، فقد صرح يومئذ لبعض الصحف الكبرى أنه لا يتأخر عن العودة إلى أفغانستان، وتبوئ العرش إذا دعاه الشعب الأفغاني، ولكن الشعب الأفغاني لم يقم بمثل هذه الدعوة، وقد تبوأ ظاهر شاه ولد الملك القتيل العرش غداة مقتل أبيه.
(لها بقية)
محمد عبد الله عنان
стр. 2827
من هم اخوان الصفا؟
للأستاذ أديب عباسي
أصل التسمية - نشأة الجميعة - طبقاتها - تأثيرها - رأي الناس فيها - رسائل الاخوان اجمالا
قد أظهر كولد زهير ان (أخا الصفا) تعني - حسب الاصطلاح العربي - يا أخا المروءة ويا أخا العرب، وهكذا لا تكون لعبارة (اخوان الصفا) أية دلالة أو نسبة إلى أخوية من الاخويات على نحو ما يفهم من الاخوية حسب الاصطلاح الحديث. على أن (دي فو) في كتابه ' يتساءل هل لهذا الاسم علاقة بكلمة فيلسوف كما ترد في اصطلاح الفيثاغوريين ويقول: ان كلمة (أخ) تقابل الشطر الأول من لفظ (الفلسفة) (فيلو) وكلمة (الصفا) تقابل معنى ومبنى الشطر الثاني منها (صوفي) وعليه يكون معنى الاسم محبي الحكمة.
هذا عرض موجز لرأيين مختلفين في أصل تسمية الاخوان هذا الاسم لمستشرقين غربيين. وثم رأي آخر لاخوان الصفا أنفسهم في أصل هذه التسمية لا نعتقد أن باحثاً من الباحثين فطن اليه أو تنبه له، فقد جاء في الجزء الرابع من رسائل الاخوان (ص ٣٧٣) ما يأتي: -
(وانما سمينا رسالتنا هذه رسالة السحر ليستدل اخواننا على الأسرار الخفية وليكونوا إذا بلغوا معالي العلوم ذوى غنى عن الحاجة إلى من سواهم في جميع ما يحتاجون اليه من أمر معيشة الدنيا. فاذا وصلوا إلى هذه المرتبة صح لنا أن نسميهم باخوان الصفا. واعلم يا أخي ان حقيقة هذا الاسم هي الخاصة الموجودة في المستحقين له بالحقيقة لا على طريق المجاز). ويقول أيضاً (ج: ٤ ص٣٧٣ - ٧٤): -
(واعلم يا أخي أنه لا سبيل إلى صفا النفس إلا بعد بلوغها إلى حد الطمأنينة في الدين والدنيا جميعاً. وهو أن يعرف الانسان بحسب قدرته توحيد الله ﷻ . . . وبعد ذلك ما يكون به صلاح معيشة الدنيا والغناء فيها عن الحاجة إلى من عدم هذه الصناعة. ومن لا يكون كذلك فليس هو من أهل الصفا. لانه لو كان من أهل الصفا لكان بصفائه عمن دونه الغناء).
لنا من جميع ما تقدم إن (إخوان الصفا) كما يعرفون أنفسهم - هم هؤلاء الذين حذقوا علوم
стр. 2828
الدين والدنيا معاً واستغنوا بها عن الحاجة إلى من سواهم
وأخيراً نود ان نشير إلى رأي أورده المستشرق كولو نلينو في كتابه (علم الفلك عند العرب في القرون الوسطى) يفسر فيه معنى هذه التسمية بالرجوع إلى عبارة وردت في اول باب (الحمامة المطوقة) من كليلة ودمنة. على اننا لدى رجوعنا إلى القطعة من الرسائل: ص ٥٣) لم يتبين لنا أن حادثة الحمامة المطوقة كما وردت في كتاب كليلة ودمنة هي أصل التسمية. وذلك أن أخوان الصفا كعادتهم في التمثيل لكل فكرة - قد أوردوا هذه القصة لبيان فائدة التعاون فحسب. بيد أنه قد يكون في غير الموقع الذي يشير اليه المؤلف من الرسائل ما يقوي هذا الرأي، ولكن المؤلف لا يشير الا إلى ما تقدم
هذا وقد قامت جميعة اخوان الصفا حوالي سنة ٣٧٣هـ. وكان مركزها العام مدينة البصرة وقد ذكر المؤرخون خمسة بالاسم من أعضاء هذه الجمعية وهم: ابو سليمان محمد بن مشعر البيستي ويعرف (بالمقدسي) وابو الحسن علي بن هارون الزنجاني وابو أحمد المهرجاني والعوفي وزيد بن رفاعة.
وكانت جماعة الأخوان تتالف من اربع طبقات: الطبقة الأولى وتتالف من الاحداث الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والثلاثين. ويفرض على افراد هذه الطبقة الطاعة التامة واسلاس القياد لرؤسائهم ومعلميهم. والطبقة الثانية تتراوح اعمار افرادها بين الثلاثين والاربعين. ويسمح لهؤلاء بالاطلاع على العلوم الدنيوية دون العلوم الدينية. ثم الطبقة الثالثة واعمار الداخليها تقع بين الاربعين والخمسين. وهؤلاء يسمح لهم بالاطلاع على شرائع العالم المقدسة، أما الطبقة الرابعة فأعضاؤها يكونون ممن اربت سنهم على الخمسين. ويسمح لهم في هذه الطبقة بالوقوف على سر الأشياء الصحيح والنفوذ إلى لباب المسائل كما يتسنى ذلك للملائكة. غير انه ليس لدينا ما يثبت ان اخوان الصفا راعوا هذه التقسمة مراعاة دقيقة، فلم يسمحوا لهذه الطبقات ان يتداخل بعضها ببعض
وقد اوجب القائمون بانشاء هذه الجمعية ان يكون لأخوان الصفا (حيث كانوا من البلاد مجلس خاص يجتمعون فيه في أوقات معلومة لا يداخلهم فيه غيرهم، يتذكرون فيه علومهم ويتحاورون اسرارهم، كذلك اوجبوا ان تكون مذاكراتهم - على قدر ما يستطيعون في علم النفس والحاس والمحسوس والنظر في الكتب الألهية والعلوم الرياضية وهي العدد
стр. 2829
والهندسة والتنجيم والتاليف (يقصد تأليف النسب الموسيقية)
وكانوا يحتاطون ما امكنهم الاحتياط في اختيار الأعضاء الجدد: فلم يكن يسمح لأحد بالدخول في هذه الجمعية الا إذا كان ناصع الصحيفة لا غبار على أخلاقة ولا ريبة في سلوكه، وكانت اجتماعاتهم تعقد سراً في بيت رئيسهم زيد بن رفاعة.
أما غاية أخوان الصفا فيلخصها ابو حيان التوحيدي بقوله: - (وكانت هذه العصابة قد تألفت بالعشرة، وتصافت بالصداقة، واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة، فوضعوا بينهم مذهباً زعموا انهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله. وزعموا انه متى انتظمت الفلسفة الاجتهادية اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال)
هذا هو ظاهر الغرض من تأليف هذه الجمعية والدعاية لها ولكننا نعتقد ان وراء هذا الغرض اغراضاً أخرى نحن مبينوها فيما بعد في فصل خاص
أما تأثير هذه الجمعية فقد اقتصر بوجه عام على العامة وأشباه العامة. والظاهر أن أخوان الصفا لم يكونوا يطمعون في أكثر من ذلك. وهم - لذلك - قد وضعوا رسائلهم بلغة بسيطة سهلة بعيدة عن الاعتياص والغموض اللذين يرافقان عادة الكتابات الفلسفية، ومما توسلوا به لتقريب مذهبهم إلى افهام الجمهور اكثارهم من ضرب الأمثال وسرد الحكايات. فكان ذلك كله مقروناً إلى بساطة التعبير وجلاء العبارة، داعياً إلى تهافت العامة على دراستها وان جاء ذلك بعد حين من تأليفها. أما الطبقات الراقية فلم تر في هذه الرسائل ما يروي الغلة أو يملأ الفراغ الذي كان تحسه النفوس إلى الفلسفة في جميع فروعها أنئذ، واليك ما يصفها به أحد المعاصرين وهو أبو سليمان المنطقي قال: -
(وحشوا هذه الرسائل بالكلمات الدينية والامثال الشرعية والحروف المحتملة والطرق المموهة. وهي مبثوثة من كل فن بلا أشباع ولا كفاية. وفيها خرافات وتلفيقات، فنصبوا ما أغنوا، وغنوا وما أطربوا، ونسجوا فهلهلوا، ومشطوا ففلفوا. وبالجملة فهي مقالات مشوقات غير مستقصاة ولا ظاهرة الأدلة والاحتجاج) (تاريخ مختصر الدول لأبي الفرج ص: ٣٠٩)
ورأى الغزالي في هذه الرسائل لا يخرج عن معنى ما تقدم فهو يقول: -
(. . . فلو فتحنا هذا الباب وتطرقنا إلى أن يهجر كل حق سبق اليه خاطر مبطل لزمنا أن
стр. 2830
نهجر كثيراً من الحق، ولزمنا أن نهجر كثيراً من آيات القرآن. . . لأن صاحب كتاب اخوان الصفا أوردها في كتابه مستشهداً بها ومستدرجاً قلوب الحمقى بواسطتها إلى باطله (المنقذ من الضلال ص ٢٧)
من هنا لا نرى ما يراه (لان بول) من أن هذه الرسائل كانت تمثل الفلسفة العربية حين ألفت أصدق تمثيل، فان كتاباً يكتب بلغة شبيهة بالعامية وللعامة، ويصفه أبو سليمان المنطقي والغزالي بما وصفاه، لا يمكن أن يكون ممثلا للفلسفة العربية في ذلك العصر ورسائل اخوان الصفا هذه تبلغ واحدة وخميسن رسالة عدا الرسالة الجامعة. والشك يحوم حول مؤلفيها. فمن قائل أنها من تأليف جعفر الصادق، ومن قائل أنها من كلام بعض متكلمي المعتزلة، ولكن السائد اليوم هو أن كتابات زيد بن رفاعة كانت نواة هذه الرسائل. والأربعة الذين يذكرون معه كانوا يساعدونه في التأليف وانضاج الرأي. وقد كان لتأليف الرسائل على هذا النحو من التعاون أثر كبير في اسلوبها واختلاف قيم اجزائها، فهي في مواطن قوية الفن غزيرة المادة، وفي مواطن اخرى مهلهلة الأسلوب سطحية المباحث. وهذا التباين الملحوظ في مراد هذه الرسائل يثبت لنا أن مؤلفيها كانوا على تفاوت في ثقافتهم.
على ان من هذه الرسائل ما انفرد بكتابته شخص واحد من هذه الجماعة دون غيره. ومن هذه الرسائل رسالة الحيوان. فاطراد الافكار وتسلسل المعاني، ووحدة السياق التي تلحظ في هذه الرسالة يجعلنا نميل إلى الاعتقاد بأنها لكاتب فذ منهم. وهذه الرسالة في رأينا - هي أقوى هذه الرسائل واعلاها نفساً وأسدها منطقاً، وقد عرضت هذا الرأي على الأب انسطاس الكرملي منذ سنوات فجاءني منه حينها ما يلي: -
(رسالة الحيوان هي - كما تقول - لكاتب واحد منهم اقواهم عبارة واصفاهم فكراً واحسنهم منطقاً. لكن الظاهر ان بعض الأخوان نظروا فيها واحكموا تنفسيقها، واظهروا فيها حذقهم) وحضرة الأب - على ما أفهمني - يدرس رسائل أخوان الصفا منذ سنة ١٩١٧
ولعل الغرض الخاص الذي ألفت من أجله هذه الرسالة كان انتقاد المجتمع اذ ذاك على لسان الحيوان كما فعل بعض أدباء الغرب في عصور التضييق على الحريات الفكرية. فأخوان الصفا في هذه الرسالة ينطقون الحيوان بما لا يستطيعون الجهر به من عبارات
стр. 2831
كلها تقريع للحكام ورجال الدين والقضاء في ذلك العصر (انظر ص ١٥٤ - ٥٥، ٢٣٣ - ٣٤)
أما المصادر التي استقى منها إخوان الصفا فهي عديدة ومتنوعة، وذلك انه لم يكن يمنعهم عن النقل من أي مذهب أو دين أو فلسفة مانع، كانوا يرون أن في كل مذهب أو دين أو فلسفة قسطاً من الحقيقة؛ وإذن ليس ثمة مانع من الانتفاع به أقصى ما يكمن الانتفاع. وعلى هذه المبدأ يبنى فلسفتهم الانتخابية. في هذه الرسائل من الافلاطونية الحديثة، وفيها من الفيثاغورثية، وفيها من مذهب وحدة الكون (البانثيزم) وفيها من أفلاطون وأرسطو، وفيها من الديانات الهندية والزردشتية واليهودية والمسيحية.
شرق الاردن
أديب عباسي
стр. 2832
حجاج الخضري
للاستاذ محمد فريد أبو حديد
قد تكلم المتكلمون في وصف أهل مصر فأكثروا في وصفهم من المبالغات، وذهبوا في التعميم مذاهب مختلفة، فمنهم من أغرق في المحدح حتى لم يترك فضيلة الا وصفهم بها، وهؤلاء قد غاب عنهم من وجه الحق مثل ما غاب عن الفريق الآخر الذي أغرق في الذم والتجريح. وقد تناول أفاضل كتاب الرسالة هذا المعنى فضربوا فيه بسهم.
ولعمري أنه لم يخطئ كاتب خطأ كتاب العربية قديماً إذا هم تناولوا قوماً بالوصف، فانهم إذا وقعت أنظارهم على جماعة أو عاشروا فئة من الناس وصفوها وصفاً يخيل إلى من يسمعه أو يقرؤه أنه وصف شامل لكل أهل البلد، أو أنه سمة ثابتة لكل الجنس، في حين أنهم إنما كانوا يصفونه من اتفق لهم الامتزاج به أو من ألفتهم الظروف في سبيلهم.
إن العالم الذي يحاول وصف الشعوب إنما يصل إلى حكمة على مميزات الشعب بعد أن يدقق في بحثه ويفحص من أفراد الجنس عدداً يستطيع بعد فحصه أن يقول بحق إنه قد عرف نسبة محترمة من أفراد ذلك الجنس، فاذا ما قال إنه رأى في ذلك الجنس صفة لازمة يشترك فيها الافراد جميعاً أو أغلبهم كان ذلك الحكم جديراً بالوثوق والتصديق. وشعب مصر إذا ذكره الذاكرون إنما يعني به شعب تلك الأرض الممتدة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، وليس من السهل على أحد أن يصف مثل ذلك الشعب بوصف شامل يعم أفراده جميعاً، أو يصدق على أغلبهم. فأمثال ابن خلدون والمقريزي ممن وصفوا أهل مصر إنما يصفون من رأوه من أهل الدولة أو من الأعيان أو من أهل العلم، وهؤلاء ان صدقت علهيم كلمة أو شملهم وصف لم يصح أن يكون وصفهم وصفاً لبعض الأمة فضلاً عن كلها. وذلك لان أغلب أهل هذه الطبقة في مصر لم يكن في تلك العصور من جرثومة البلاد وأبناء شعبها الصميمين، بل كانوا أخلاطاً من مشرق الأرض وغربها قد اجتمعوا فيها بين مجندين في جيشها أو غالبين على حكومتها أو مقربين في بلاط حكامها الاجانب، أو علماء يجمعهم الاسلام من كل الامصار والأقطار في صدره الرحب السمح.
ولقد أهمل مؤرخو مصر ذكر ابناء البلاد الصميمين اهمالا يكاد يكون ازدراء لهم واحتقاراً لشأنهم، إذ زعموا أن مهمة المؤرخ محصورة في حدود رجال الدولة وأهل الحكم ومن
стр. 2833
يلحق بهم أو يطيف بأبوابهم من رجال الدين والعلم. غير أنا نجد بين حين وحين اسماً من اسماء الدهماء والعامة يذكره المؤرخ عفوا، وهو امل في نظرنا على صفة أهل مصر من تلك الأعلام العالية والاسماء الضخمة التي ملأ قدماء المؤرخين كتبهم بوصفها، وبنوا عليها أحكامهم لان تلك الاسماء المشهورة لم تكن في أغلب الاحوال من أهل وان كانت من أهل مصر، فهي غير جديدة بأن نتخذها أساساً للحكم على أهل مصر. واني ذاكر هنا اسماً من هذه الاسماء المتواضعة لعلي أبين من وصفه ان شعب مصر الحقيقي كان فيه رجال، وان البطولة كانت تسري في عروق عامته الذين لم يحظوا بتخليد التاريخ.
كان من أهل مصر في اول القرن التاسع عشر رجلاً متواضع الصناعة اسمه حجاج. وقد كانت صناعته بيع الخضر فكان اسمه يذكر دائماً مع اسم صناعته، فكان الجبرتي ﵀ يذكره إذا ذكره بسام (حجاج الخضري)
وكان العصر الذي فيه حجاج عصراً فذاً في تاريخ مصر منذ عهد الفتح العربي الأول. فقد اعتاد اهل مصر منذ قرون طويلة ان يتركوا أمر السياسة والحكم والحرب لمن غلب على البلاد من الدول أو من الجماعات وتمادوا في ذلك الاعتياد حتى صارت عقيدتهم أن الحكم واجب على غيرهم، وان واجبهم الابتعاد عنه وعما يستلزمه من نضال ومغامرة. غير ان غزوة الفرنسيين هزت البلاد هزة عنيفة تصدعت لها العقائد الثابتة. فاذا بأهل مصر يرون الجنود الاجنبية تطرد جنود السلطان الذين اعتادوا الخضوع لحكمه وتشتت شمل المماليك الذين قضوا الاحقاب يتصرفون في أمور البلاد تصرفاً مطلقاً، فأصبحوا وجهاً لوجه أمام حالة جديدة لا تدعمها عقائدهم الاولى ولا عاداتهم الموروثة.
وبدأت روح أهل مصر تتنفس، وبدأت حواسهم تتنبه، فاذا بهم يثورون على الفرنسيين في شوارع القاهرة وأزقتها مرتين في مدى سنتين، وإذا هم يلقون اعداءهم المسلحين وهم لا يحملون الا الهراوي والحجارة، ويحتمون منهم وراء متاريسهم وخنادقهم يقيمونها في عرض الطرق وعند مداخل الميادين. وكان حجاج الخضري من زعماء تلك الثورة الشعبية وأبطالها، فيمز نفسه بقوة الجسم ورباطه الجأش وثبات الجنان، حتى صار أبناء البلد ينظرون اليه نظرهم إلى القائد المحبوب الموثوق به، يهرعون اليه عند الكوارث ويصرخون باسمه عند الهيعات. ثم خرج جيش الفرنسيين وعاد الحكم إلى السلطان
стр. 2834
وولاته، ولكن مصر شهدت عقب ذلك أشد تطاحن على الحكم والسلطة بين الزعماء والهيئات، حتى انتهى الامر بتطلع مؤسس الدولة العلوية المجيدة إلى الملك.
انتهت هذه الاثناء زعامة الشعب المصري المتنبه إلى الزعيم الجليل السيد عمر مكرم، وهو الصديق الحميم لمحمد علي باشا، وكان حجاج هذا من صفوة أعوان وأشجع جنوده، فعندما تخاذلت جنود الاتراك عن نصر محمد علي باشا في نضاله مع منافسية قام السيد عمر مع أهل مصر الصميمين بحصار القلعة حتى اضطروا القائد المنافس إلى التسليم، وكانوا لا يرجون من جهادهم ذاك مالاً ولا عطاء، بل كانوا يرابطون ويحاصرون ويحاربون من أجل الوطن وحده. وكان حجاج الخضري أظهر الزعماء الشعبيين في هذا الوطن. قال الجبرتي في يومياته:
(فأرسل (أي السيد عمر مكرم) إلى من بالنواحي والجهات وأيقظهم وحذرهم فاستعدوا وانتظروا وراقبوا النواحي، فنظروا إلى ناحية القرافة فرأوا الجمال التي تحمل الذخيرة الواصلة من علي باشا إلى القلعة، ومعها أنفار من الخدم والعسكر وعدتهم ستون جملاً، فخرج عليهم حجاج الخضري ومن معه من أهالي الرميلة فضربوهم وحاربوهم وأخذوا منهم تلك الجمال)
واستمر نضال حجاج على رأس هؤلاء الجنود المصرين الخلص حتى تم الامر بانتصارهم وتوليه محمد علي باشا على مصر، وجاء فرمان السلطان مقرأ بالأمر الواقع، وعند ذلك خرج موكب النصر المصري وعلى رأسه قواده المظفرون: وقال الجبرتي في وصف ذلك:
(اجتمع الناس، وطرائف العامة، وخررجوا من آخر الليل، وهم بالاسلحة والعدد والطبول إلى خارج باب النصر. . . وكثير من الفقهاء العاملين رؤوس العصب، واهالي بولاق ومصر القديمة والنواحي والجهات. . . وكبيرهم حجاج الخضري وبيده سيف مسلول وكذلك ابن شمعة شيخ الجزارين وخلافه، ومعهم طبول وزمور والمدافع. . . إلى ان وصلوا إلى الازبكية فنزلوا بيت محمد علي باشا، وحضر المشايخ والاعيان وقرأوا المرسوم). وبذلك تم انتصار الشعب، واخذ يتطلع إلى الحكم والسياسة. وما كان ذلك ليرضى الجنود الاتراك الذين تعودوا ان يكونوا سادة غير منازعين. فلما انتهى النضال الكبير بدأ التنافس والتنازع بين أهل مصر وبين الجنود. وكان حجاج ممثل ذلك التنازع
стр. 2835
والتنافس. قال الجبرتي في بعض يومياته بعد ذلك (وقع بين حجاج الخضري والعسكر مقاتلة جهة طيلون وقتل بينهم اشخاص) فرأى أهل الحكم أن يعودوا بذلك الشعب إلى هدوئه الأول، وسكينته القديمة، فبدأوا ينزعون منه السلاح بعد أن انقضت الحاجة إلى حمله. فغضب الناس لذلك حيناً، غير انهم أرغمو على الاذعان فأذعنوا. ولكن نفس حجاج الخضري لم تذعن بتلك السهولة بل قاوم وناضل وكابر. قال الجبرتي في وصف ذلك.
(وفيه بنى حجاج الخضري حائطاً وبوابة على الرميلة عند عرصات الغلة) ولكن ايستطيع فرد أن يقاوم دولة ولو كان من بناتها؟ لا، فان حجاجاً لم يستطع الا الهروب من القاهرة التي جال فيها تلك الجولات، ولجأ إلى جيش الالفي بك، وكان عند ذلك مرابطاً بجيشه يترقب الغرر، ويتحين الفرص، جاثماً طوراً عند إطفيح بالصعيد ومرة عند دمنهور بالبحيرة.
غير ان المقام لم يطلب لذلك البطل المصري في جيش الالفي بك وكيفل يطيب له المقام، وهو ابن البلد الصميم، يقيم بين جيش من المماليك يشمخون عليه بأنوفهم، وهو المعتز بكرامته الذي يرى نفسه مثيلاً وكفؤاً لهم؟ قال الجبرتي في وصف ذلك:
(وفيه أيضاً حضر حجاج الخضري الرميلاتي إلى مصر، وقد كان خرج من مصر بعد حادثة خورشيد باشا خوفاً من العسكر وذهب إلى بلدة بالمنوات. ثم ذهب عند الالفي، وأقام في معسكره إلى هذا الوقت، ثم ان الالفي طرده لنكتة حصلت منه، فرجع إلى بلده، وأرسل إلى السيد عمر مكرم فكتب له أماناً من الباشا، فحضر بذلك الأمان وقابل الباشا وخلع عليه ونادوا له في خطته بأنه على ما هو عليه من حرفته وصناعته ووجاهته بين اقرانه.)
غير أن نفسه لم تكن لترضى بعد ذلك بالبقاء في صفوف العامة الذين قضى عليهم أن يعودوا إلى انزوائهم واكتفائهم بالعيش العادي، فاختفى مرة أخرى من القاهرة، ولا ندري بعد ذلك له مقراً.
أقتله الجنود انتقاماً من كبريائه؟ أهرب إلى وطن غير مصر؟
لنسا ندري غير ما قاله الجبرتي (وفيه اختفى حجاج الخضري أيضاً بسبب ما داخله من الوهم والخوف من العسكر) اللهم ان في صفوف الابطال أفذاذاً لم يسمهم التاريخ ولمتعهم ذاكرة الأحفاد ليؤدوا اليهم ما يستحقون من الاجلال. . . ولئن كان حجاج الخضري أحد
стр. 2836
هؤلاء، فقد حفظ لنا المؤرخ المصري اسمه في عرض حديثه، وهو يمر به مروراً سريعاً. غير أني أتجه إلى ذكراه بقلب خاشع تملؤه دعوات الترحم، وتتردد فيه أسمى عواطف الاجلال والتبجيل.
ألا يستطيع مصري أن يقول عند قراءة سيرة حجاج إن في المصري أنفة وعزة؟ وإن له نخوة وسطوة؟ وإن بين جنبيه همة وقوة. . .؟
محمد فريد أبو حديد
стр. 2837
والبيئة أيضا. . .
أما لهذا الليل من آخر. . .؟
للدكتور محمد عوض محمد
من الموضوعات التي لابد أن تمر بنا جميعاً - الموازنة بين الوراثة والبيئة. هذا الموضوع بمثابة المطية الذلول التي لا يتحرج أضعف الناس وأصغرهم من أن يمتطيها. ثم يخيل إليه الوهم أنه أضحى فارساً من كبار الفرسان! ولقد طالما نشاهد صغار الناشئين وقد جلسوا على المنابر. ووقف هذا لينتصر للوراثة ويراها كل شيء. وذلك لينتصر للبيئة ويدعى لها كل شيء، وقد لا يكون للمتكلمين بعد إلمام صحيح بعنى الوراثة او البيئة.
ولا بأس بهذه الأشياء، ما دام يراد بها العبث البريء، وتمرين الطلاب على الحوار. ولكن كلام الاحداث فيما يجهلونه قد يغدو ويا للاسف - عادة تلازمهم مدى الحياة. وقل أن يوجد بين الموضوعات ما يتطلب الدقة في الفهم، والتأني في الحكم كموضوع الوراثة اوالبيئة.
فأما الوراثة فيراد بها ما يرثه الناس عن آبائهم وأجدادهم من الصفات التي اختصت بها سلالتهم التي ينتمون اليها. فتأثير الوراثة هو تأثير الجنس والسلالة والقائلون بالوراثة يزعمون ان هذا الشعب راق لانه من جنس راق، والآخر منحط لان جنسه منحط. وأما البيئة فهي ما ينشأ بينه الانسان من أرض وسماء، وهواء وماء، وجبال وأنهار، وصحارى وبحار وما اليها. ولهذه في نظر القائلين بالبيئة الاثر الاكبر في رفع قوم وخفض قوم، واعزاز شعب واذلال آخر.
ولقد حاولت في كلمة سابقة ان أضرب بعض أمثلة للضلال الذي يخبط فيه كثير من الناس حين يتكلمون عن الاجناس في غير تدبر ولا حذر. وهممت ان أكتب كلمة ثانية لأضرب أمثلة أخرى للضلال الذي يخبط فيه الناس حين يتكلمون عن تأثير البيئة ثم جاءت كلمة الاستاذ حسن جلال فحفزتني إلى المضي في هذا السبيل ان في شرائع كثيرة من الدول ما يضمن مجازاة من يمارس الطب إذا لم يكن من أهل الطب، ولكن ليس في الشرائع - وياللاسف - ما يكفل معاقبة من يمارس التاريخ وليست له دراية بالتاريخ، أو يمارس الجغرافيا وليس له كبير المام بالجغرافيا، وهكذا الحال في كثير من فروع العلم. فاستطاع ان يقتحم هذه الميادين من ليست لديه العدة اللازمة لها وهكذا رأينا اناساً يحكمون بين
стр. 2838
الاجناس ويرفعون جنساً على جنس، وسلالة فوق سلالة، دون ان يأخذوا العدة لمثل هذا الحكم بدراسة الشعوب والاجناس في كل مرة وفي كل زمن كذلك ما ينبغي لأحد أن يحكم في تأثير البيئة: في تأثير الهواء والماء والارض والسماء في أخلاق الناس وطباعهم، الا إذا درس كل بيئة على سطح الأرض، وقارن بين المتشابه وغير المتشابه، ووازن بين المتفق والمختلف، بحيث يستطيع أن يدرك ما إذا كانت البيئات المتشابهة قد أكتسبت أهلها خلالا متشابهة. وأن هذا التشابه سببه طبيعة الاقليم لا أي سبب آخر قد يكون خافياً.
ومع هذا فان الذين صناعتهم دراسة البيئات الطبيعية هم عادة أرهد الناس في اصدار تلك الأحكام القاسية الشاملة كأن يقال مثلاً: إن سكان هذه البلاد جبناء لأن أرضهم سهلة منبسطة! وسكان ذاك القطر بخلاء لأن بلادهم جبلية! وأهل هذا الاقليم بلهاء لأن هواءهم حار رطب؛ وأولئك كذابون حانثون لان مناخهم متقلب لا يستقر على حال.
ان هذه الآراء لها للأسف صورة خلابة تسترعي الذهن وتلفت النظر. وفي عالم سكانه لا يلذلهم اجهاد الفكر وانعام النظر فيما يلقى اليهم من المتكلم - كثيرا ما تسير تلك الأحكام وتشتهر بين الناس وترسخ في؟؟؟؟؟؟؟ وقد لا يكون في بعض هذه الأحكام ضرر كبير ولكن الخطب المؤلم ما ذكره الاستاذ حسن جلال من أن أناساً يقال لهم أنتم اذلة لأن هواء بلادكم يقضي بهذا، وقد كتب عليكم الذل سرمدا إلى يوم القيامة، فيصدقون ما يقال لهم ويؤمنون به. مع انه ليس في العالم أمة إلا ويصح أن يقال لها مثل هذا الكلام في وقت من الأوقات.
كتب أحد الجغرافيين الامريكان، واسمه إلسودث هنتنجتن يصف تأثير الهواء في الناس فقال: إن المناخ الذي يلائم حياة الأنسان أكثر من سواه، ويساعد على النشط والجد والرقي في سلم الحضارة هو مناخ بلاد اليابان (في الجزء الجنوبي منها). وبعض جهات الجزر البريطانية ثم تكون ملاءمة كل إقليم آخر للانسان بقدر ما بينه وبين هذه الجهات من المشابهة.
هذا ما ذكره ذلك الكاتب الجغرافي العصري، ومن المفيد أن نقارن هذا الحكم بما ذكره ابن خلدون في مقدمته عن الأقاليم السبعة وملاءمتها للأنسان. وقد ذهب هذا الكاتب الاجتماعي العربي إلى أن الأقليم الرابع هو أطيب الاقاليم جميعاً، وأكثرها ملاءمة للعمران، وسكانه
стр. 2839
أرقى حضارة من سكان سائر الأقاليم. أما ما يليه شمالاً وجنوباً فدونه منزلة، وما يلي ذلك اقل صلاحاً نظراً لشدة الحرارة أو لشدة البرودة. .
والاقليم الرابع الذي عناه ابن خلدون هو الواقع بين دائرتي العرض الثلاثين والاربعين. . . وفيه الاندلس وبلاد المغرب وايطاليا ومصر وسوريا والعراق وايران. وقد ذكر ابن خلدون صراحة أن الاقليم السادس قليل العمران. وهواؤه لا يبعث على الحضارة. مع ذلك ففي هذا الاقليم السادس بالذات يقع معظم بريطانيا العظمى علام يدل هذا كله؟
إنه يدل دلالة صريحة على أن كلا الكاتبين لم يبن حكمه على فهم صحيح لطبيعة الهواء وتأثيره في العمران. بل كل ما فعله أن نظر إلى العالم الذي يعيش فيه، والى الأفكار المختلفة التي نالت في عصره حظاً وافراً من الحضارة. وحكم بأن هواءها أحسن الأهوية، وأقليمها أطيب الأقاليم. رأى ابن خلدون أن العمران في عصره واقع في بلاد كلها في الاقليم الرابع، فحكم بأنه أكثر الاقاليم ملاءمة؛ ورأى هنتنجتون ان انكلتره واليابان في مقدمة دول العالم اليوم فحكم بأن هواء انكلترة خير هواء. ومتى أتيح للأقطار الاستوائية - أن تنهض قريباً أو بعيداً، فسيرى الناس ابن خلدون آخر ينادي بكل جرأة أن الأقطار الأستوائية، المغضوب عليها في الوقت الحاضر - هي أبدع وأزهى وأزهر الأقاليم ذات الحضارة والعمران.
ومن غريب أحكام ابن خلدون ما ذكره في حكمه على أهل السودان بأنهم موصوفون بالخفة وكثرة الطرب وحبهم للضحك بسبب حرارة الهواء، ولو بقى ابن خلدون إلى وقتنا هذا لأدهشه أن يعلم أن من أكثر الناس خفة وضحكاً الاسكيمو سكان الجهات القطبية! وشبيه بهذا ما ذكره المقريزي في حكمه على أهل مصر مما ذكره الاستاذ أحمد أمين: من أن البيئة المصرية قد أثرت تأثيراً سيئاً في كل ما بمصر من إنسان وحيوان. ومما ظنه حجة علينا أن الأسد لا يعيش في مصر. وهذا صحيح. ولو كان الأسد في مصر يوما من الأيام لكان العمران وحده كفيلا بابادته والقضاء عليه كله أبيد التمساح من نيل مصر. ولكن من يخبر المقريزي ﵀ بأن بلاد الانكليز ليس فيها أسد، وليس فيها من الوحوش الضارية سوى الانسان. وكذلك الحال في الجزء المتمدن من أمريكا وفي معظم أوربا؟
تلك العبارة البادية السخف هي من فصل طويل للمقريزي مملوء بالعبارات الكثيرة في ذم
стр. 2840
مصر وهوائها ومائها وأهلها وفي ذم اخلاقهم وأجسامهم وطبائعهم. . وكلها عبارات لا تزيد قوة على العبارة السالفة.
ولقد يجوز لكاتب أن ينقد أخلاق المصريين وأن يرميهم بصفات الضعف إن شاء، أو الجبن أو الانهماك في الشهوات. ولكن ليس لأحد ان يرجع شيئاً من هذا إلى طبيعة الأرض أو الماء أو الحراة. فيضل ويضل. وأولى بهؤلاء القضاة أن يبدأوا بدراسة لكل اقليم وطبيعة كل بلد من بلدان العالم إذن لعلموا أن كثيراً مما يتهم به أصل مصر - صدقاً أو كذباً - شائع فاش في أقاليم تختلف عن مصر كل الاختلاف، وهنالك أقاليم لا يقل هواؤها حرارة عن هواء مصر، وأرضها سهلة كارض مصر، تعيش فيها شعوب لا يشك أحد اليوم في رقيها وتفوقها.
ومن الأمثلة الشائعة في تأثير البيئة ما يقال من أن المناظر الطبيعية تخلق الشعراء وتوحي بالشعر والموسيقى. وقد زار أحد كتاب الامريكان بلدة ستراتفورد حيث ولد شكسبير، فصور له الخيال الجامح أن مثل هذه البيئة - والتي ليس لها في الواقع ما يميزها - هي الجديرة بأن توحي إلى رجل مثل شكسبير تلك الدرامات الخالدة، والقصائد الرائعة. . ولولا جهل هذا الأمريكاني لعلم أن شكسبير لم يقض في هذا الأقليم غير زمن الحداثة. ولم يكتب فيه شيئاً بل قضى معظم حياته في لندرة تلك البلدة المظلمة التي لا يمكن أن توحي من تلقاء نفسها بشيء جميل.
واذا سلمنا بأن المناظر الطبيعية الجميلة تثير الخيال وتبعث الشعر في النفوس، فاننا سنلاقي من غير شك صعوبة عظيمة في تعليل تلك الظاهرة الغريبة وهي قلة نبوغ الشعراء الفحول في سويسرة التي لا يضاهيها في أوروبا بلد في أنهارها الجارية، وجبالها الشامخة، ومناظرها الرائعة.
أليست الحقيقة اننا نتورط كثيراً، ونندفع في الاستدلال والاستنتاج، ونقضي بأحكام شاملة واسعة من غير حذر ولا تدبر، بل وأحياناً من غير فهم لما نريد الخوض فيه؟!
من الثقافة العربية القديمة
النار
следующие страницы →