Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
هؤلاء، فقد حفظ لنا المؤرخ المصري اسمه في عرض حديثه، وهو يمر به مروراً سريعاً. غير أني أتجه إلى ذكراه بقلب خاشع تملؤه دعوات الترحم، وتتردد فيه أسمى عواطف الاجلال والتبجيل.
ألا يستطيع مصري أن يقول عند قراءة سيرة حجاج إن في المصري أنفة وعزة؟ وإن له نخوة وسطوة؟ وإن بين جنبيه همة وقوة. . .؟
محمد فريد أبو حديد
стр. 2837
والبيئة أيضا. . .
أما لهذا الليل من آخر. . .؟
للدكتور محمد عوض محمد
من الموضوعات التي لابد أن تمر بنا جميعاً - الموازنة بين الوراثة والبيئة. هذا الموضوع بمثابة المطية الذلول التي لا يتحرج أضعف الناس وأصغرهم من أن يمتطيها. ثم يخيل إليه الوهم أنه أضحى فارساً من كبار الفرسان! ولقد طالما نشاهد صغار الناشئين وقد جلسوا على المنابر. ووقف هذا لينتصر للوراثة ويراها كل شيء. وذلك لينتصر للبيئة ويدعى لها كل شيء، وقد لا يكون للمتكلمين بعد إلمام صحيح بعنى الوراثة او البيئة.
ولا بأس بهذه الأشياء، ما دام يراد بها العبث البريء، وتمرين الطلاب على الحوار. ولكن كلام الاحداث فيما يجهلونه قد يغدو ويا للاسف - عادة تلازمهم مدى الحياة. وقل أن يوجد بين الموضوعات ما يتطلب الدقة في الفهم، والتأني في الحكم كموضوع الوراثة اوالبيئة.
فأما الوراثة فيراد بها ما يرثه الناس عن آبائهم وأجدادهم من الصفات التي اختصت بها سلالتهم التي ينتمون اليها. فتأثير الوراثة هو تأثير الجنس والسلالة والقائلون بالوراثة يزعمون ان هذا الشعب راق لانه من جنس راق، والآخر منحط لان جنسه منحط. وأما البيئة فهي ما ينشأ بينه الانسان من أرض وسماء، وهواء وماء، وجبال وأنهار، وصحارى وبحار وما اليها. ولهذه في نظر القائلين بالبيئة الاثر الاكبر في رفع قوم وخفض قوم، واعزاز شعب واذلال آخر.
ولقد حاولت في كلمة سابقة ان أضرب بعض أمثلة للضلال الذي يخبط فيه كثير من الناس حين يتكلمون عن الاجناس في غير تدبر ولا حذر. وهممت ان أكتب كلمة ثانية لأضرب أمثلة أخرى للضلال الذي يخبط فيه الناس حين يتكلمون عن تأثير البيئة ثم جاءت كلمة الاستاذ حسن جلال فحفزتني إلى المضي في هذا السبيل ان في شرائع كثيرة من الدول ما يضمن مجازاة من يمارس الطب إذا لم يكن من أهل الطب، ولكن ليس في الشرائع - وياللاسف - ما يكفل معاقبة من يمارس التاريخ وليست له دراية بالتاريخ، أو يمارس الجغرافيا وليس له كبير المام بالجغرافيا، وهكذا الحال في كثير من فروع العلم. فاستطاع ان يقتحم هذه الميادين من ليست لديه العدة اللازمة لها وهكذا رأينا اناساً يحكمون بين
стр. 2838
الاجناس ويرفعون جنساً على جنس، وسلالة فوق سلالة، دون ان يأخذوا العدة لمثل هذا الحكم بدراسة الشعوب والاجناس في كل مرة وفي كل زمن كذلك ما ينبغي لأحد أن يحكم في تأثير البيئة: في تأثير الهواء والماء والارض والسماء في أخلاق الناس وطباعهم، الا إذا درس كل بيئة على سطح الأرض، وقارن بين المتشابه وغير المتشابه، ووازن بين المتفق والمختلف، بحيث يستطيع أن يدرك ما إذا كانت البيئات المتشابهة قد أكتسبت أهلها خلالا متشابهة. وأن هذا التشابه سببه طبيعة الاقليم لا أي سبب آخر قد يكون خافياً.
ومع هذا فان الذين صناعتهم دراسة البيئات الطبيعية هم عادة أرهد الناس في اصدار تلك الأحكام القاسية الشاملة كأن يقال مثلاً: إن سكان هذه البلاد جبناء لأن أرضهم سهلة منبسطة! وسكان ذاك القطر بخلاء لأن بلادهم جبلية! وأهل هذا الاقليم بلهاء لأن هواءهم حار رطب؛ وأولئك كذابون حانثون لان مناخهم متقلب لا يستقر على حال.
ان هذه الآراء لها للأسف صورة خلابة تسترعي الذهن وتلفت النظر. وفي عالم سكانه لا يلذلهم اجهاد الفكر وانعام النظر فيما يلقى اليهم من المتكلم - كثيرا ما تسير تلك الأحكام وتشتهر بين الناس وترسخ في؟؟؟؟؟؟؟ وقد لا يكون في بعض هذه الأحكام ضرر كبير ولكن الخطب المؤلم ما ذكره الاستاذ حسن جلال من أن أناساً يقال لهم أنتم اذلة لأن هواء بلادكم يقضي بهذا، وقد كتب عليكم الذل سرمدا إلى يوم القيامة، فيصدقون ما يقال لهم ويؤمنون به. مع انه ليس في العالم أمة إلا ويصح أن يقال لها مثل هذا الكلام في وقت من الأوقات.
كتب أحد الجغرافيين الامريكان، واسمه إلسودث هنتنجتن يصف تأثير الهواء في الناس فقال: إن المناخ الذي يلائم حياة الأنسان أكثر من سواه، ويساعد على النشط والجد والرقي في سلم الحضارة هو مناخ بلاد اليابان (في الجزء الجنوبي منها). وبعض جهات الجزر البريطانية ثم تكون ملاءمة كل إقليم آخر للانسان بقدر ما بينه وبين هذه الجهات من المشابهة.
هذا ما ذكره ذلك الكاتب الجغرافي العصري، ومن المفيد أن نقارن هذا الحكم بما ذكره ابن خلدون في مقدمته عن الأقاليم السبعة وملاءمتها للأنسان. وقد ذهب هذا الكاتب الاجتماعي العربي إلى أن الأقليم الرابع هو أطيب الاقاليم جميعاً، وأكثرها ملاءمة للعمران، وسكانه
стр. 2839
أرقى حضارة من سكان سائر الأقاليم. أما ما يليه شمالاً وجنوباً فدونه منزلة، وما يلي ذلك اقل صلاحاً نظراً لشدة الحرارة أو لشدة البرودة. .
والاقليم الرابع الذي عناه ابن خلدون هو الواقع بين دائرتي العرض الثلاثين والاربعين. . . وفيه الاندلس وبلاد المغرب وايطاليا ومصر وسوريا والعراق وايران. وقد ذكر ابن خلدون صراحة أن الاقليم السادس قليل العمران. وهواؤه لا يبعث على الحضارة. مع ذلك ففي هذا الاقليم السادس بالذات يقع معظم بريطانيا العظمى علام يدل هذا كله؟
إنه يدل دلالة صريحة على أن كلا الكاتبين لم يبن حكمه على فهم صحيح لطبيعة الهواء وتأثيره في العمران. بل كل ما فعله أن نظر إلى العالم الذي يعيش فيه، والى الأفكار المختلفة التي نالت في عصره حظاً وافراً من الحضارة. وحكم بأن هواءها أحسن الأهوية، وأقليمها أطيب الأقاليم. رأى ابن خلدون أن العمران في عصره واقع في بلاد كلها في الاقليم الرابع، فحكم بأنه أكثر الاقاليم ملاءمة؛ ورأى هنتنجتون ان انكلتره واليابان في مقدمة دول العالم اليوم فحكم بأن هواء انكلترة خير هواء. ومتى أتيح للأقطار الاستوائية - أن تنهض قريباً أو بعيداً، فسيرى الناس ابن خلدون آخر ينادي بكل جرأة أن الأقطار الأستوائية، المغضوب عليها في الوقت الحاضر - هي أبدع وأزهى وأزهر الأقاليم ذات الحضارة والعمران.
ومن غريب أحكام ابن خلدون ما ذكره في حكمه على أهل السودان بأنهم موصوفون بالخفة وكثرة الطرب وحبهم للضحك بسبب حرارة الهواء، ولو بقى ابن خلدون إلى وقتنا هذا لأدهشه أن يعلم أن من أكثر الناس خفة وضحكاً الاسكيمو سكان الجهات القطبية! وشبيه بهذا ما ذكره المقريزي في حكمه على أهل مصر مما ذكره الاستاذ أحمد أمين: من أن البيئة المصرية قد أثرت تأثيراً سيئاً في كل ما بمصر من إنسان وحيوان. ومما ظنه حجة علينا أن الأسد لا يعيش في مصر. وهذا صحيح. ولو كان الأسد في مصر يوما من الأيام لكان العمران وحده كفيلا بابادته والقضاء عليه كله أبيد التمساح من نيل مصر. ولكن من يخبر المقريزي ﵀ بأن بلاد الانكليز ليس فيها أسد، وليس فيها من الوحوش الضارية سوى الانسان. وكذلك الحال في الجزء المتمدن من أمريكا وفي معظم أوربا؟
تلك العبارة البادية السخف هي من فصل طويل للمقريزي مملوء بالعبارات الكثيرة في ذم
стр. 2840
مصر وهوائها ومائها وأهلها وفي ذم اخلاقهم وأجسامهم وطبائعهم. . وكلها عبارات لا تزيد قوة على العبارة السالفة.
ولقد يجوز لكاتب أن ينقد أخلاق المصريين وأن يرميهم بصفات الضعف إن شاء، أو الجبن أو الانهماك في الشهوات. ولكن ليس لأحد ان يرجع شيئاً من هذا إلى طبيعة الأرض أو الماء أو الحراة. فيضل ويضل. وأولى بهؤلاء القضاة أن يبدأوا بدراسة لكل اقليم وطبيعة كل بلد من بلدان العالم إذن لعلموا أن كثيراً مما يتهم به أصل مصر - صدقاً أو كذباً - شائع فاش في أقاليم تختلف عن مصر كل الاختلاف، وهنالك أقاليم لا يقل هواؤها حرارة عن هواء مصر، وأرضها سهلة كارض مصر، تعيش فيها شعوب لا يشك أحد اليوم في رقيها وتفوقها.
ومن الأمثلة الشائعة في تأثير البيئة ما يقال من أن المناظر الطبيعية تخلق الشعراء وتوحي بالشعر والموسيقى. وقد زار أحد كتاب الامريكان بلدة ستراتفورد حيث ولد شكسبير، فصور له الخيال الجامح أن مثل هذه البيئة - والتي ليس لها في الواقع ما يميزها - هي الجديرة بأن توحي إلى رجل مثل شكسبير تلك الدرامات الخالدة، والقصائد الرائعة. . ولولا جهل هذا الأمريكاني لعلم أن شكسبير لم يقض في هذا الأقليم غير زمن الحداثة. ولم يكتب فيه شيئاً بل قضى معظم حياته في لندرة تلك البلدة المظلمة التي لا يمكن أن توحي من تلقاء نفسها بشيء جميل.
واذا سلمنا بأن المناظر الطبيعية الجميلة تثير الخيال وتبعث الشعر في النفوس، فاننا سنلاقي من غير شك صعوبة عظيمة في تعليل تلك الظاهرة الغريبة وهي قلة نبوغ الشعراء الفحول في سويسرة التي لا يضاهيها في أوروبا بلد في أنهارها الجارية، وجبالها الشامخة، ومناظرها الرائعة.
أليست الحقيقة اننا نتورط كثيراً، ونندفع في الاستدلال والاستنتاج، ونقضي بأحكام شاملة واسعة من غير حذر ولا تدبر، بل وأحياناً من غير فهم لما نريد الخوض فيه؟!
من الثقافة العربية القديمة
النار
стр. 2841
عقد الجاحظ فصولا ممتعة على النيران، في نهاية الكتاب الرابع وبدء الخامس من الحيوان، ذكر فيها نيران العرب والعجم، فحدث أخبارها وأبدى آثارها وأشعارها
وإنا نتكلم الآن عن النار ونشوئها، فنورد قول طائفتين تختصمان فيها جمعناه من شتات، واختصرناه بعد افاضة.
النار
النار اسم للحر والضياء، فاذا قالوا أحرقت أو سخنت فانما الاحراق أو التسخين هو للحر، دون الضياء.
والحر جوهر صعاد كالضياء، وإنما يختلفان في الصعود لاختلاف جوهرهما، والضياء أحث صعودا لا يعلى. ألم تر إلى النار إذا أطفأناها من أتوان وجدنا أرضه وهواءه وما يلابسه حاراً، ولم نجده مضيئاً.
مستقر النار ونشوؤها:
النار التي تقدح من عودين أو حجرين أين تستقر؟ أهي في العودين كامنة تبرز بالقدح فهي من عناصر العود أو الحجر؟ أم تتراءى أنها خرجت منهما، والحق أنها ليست فيهما، بل تحدث من غير العود والحجر عند قدحهما - كلا الرأيين له فرقة تميل اليه وتؤيده بكل وسعها واليك أقوالهما:
نظرية الكمون:
يرى فريق أن النار كامنة في الحطب والحجر وغيره لأنها أحد عناصره، ويمنعها من الظهور البرد المضاد للحر والمكافئ له. فان نحن قوينا النار الكامنة إما بنار أخرى خارجية أو بتوهين البرد المانع كحك العودين اللذين يضعف البرد فيهما - ظهرت النار الكامنة، وتغلبت على البرد ونفته.
فالنار التي نراها هي نار العود تسعرت بعد كمونها، وانتصرت على مكافئتها. واعلم أن (احراقك للثوب والحطب والقطن، إنما هو خروج نيرانه منه ليست أن ناراً جاءت من مكان فعملت في الحطب، ولكن النار الكامنة في الحطب لم تكن تقوى على نفي المانع ضدها عنها فلما اتصلت بنار أخرى واشتدت منها قويتا جميعاً على نفي ذلك المانع. فما
стр. 2842
زال تجزأ الحطب وتجفف وتهافت لمكان عملها فيه). (وإن من ينكر أن في الحجر ناراً كامنة، كمن ينكر الزيت في الزيتون، والدهن في السمسم، والدم في الانسان، ويقول بحدوث ذلك عند رؤية الانسان لها).
بل تتوسع هذه الفرقة في تطبيق نظريتها، فعندها أن حرارة الأيام ليست من الشمس، وإنما النيران الكامنة في العالم تظهر بتقوية الشمس لها وتغليبها على مانعها، بل تطفر من كمون الحرارة إلى كمون السم، فنتزعم أن في كل بدن سماً كامناً، له مانع يمنعه من ظهور أعراضه - وليس سم الأفعى الذي يتلف البدن - لأنه ليس يقتل متى مازج بدناً لا سم فيه؛ ولكن الذي يقتل السم الكامن في الأبدان، متى أعانه سم الأفعى وقواه على مانعه.
البراهين على كمون النار:
لو كانت العيدان كلها لا نار فيها، ما كان ظهورها في بعض العيدان أسرع منها في البعض الأخر؛ لكنها كانت كذلك - لأن مانعها أضعف في بعضها عن بعض، فيكون ظهور نيرانه أسرع، فالمرخ والعفار أفضل العيدان، كما أن الحجارة تختلف في الأسرار، وأكثرها ناراً حجر المرو - وقد تحتك عيدان الأشجار في الغياض فتلتهب النار - وقد تقدح النار من الساج إذا اختلط بعضه ببعض في السفينة عند تحريك الأمواج لها، ولذلك أعدوا الرجال يصبون عليه الماء صباً، ولم صار لبعض العيدان جمر باق، وبعضها له جمر سريع الانحلال، وبعضها لا جمر له؟ ولم صار البردي مع هشاشته ويبسه ورخاوته لا تعمل فيه النيران؟ فهل اختلفت تلك الا على قدر ما يكون فيها من النار وعلى قدر قوة الموانع وضعفها؟
ولا يسكت هذا الفريق دون أن يؤيد كلامه بآي الكتاب.
قال تعالى (أفرأيتم االنار التي تورون، أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون) تقول كيف قال (شجرتها) وليس في تلك الشجرة شيء وجوفها وجوف الطلق في ذلك سواء، وقدرة الله على أن يخلق النار عند مس الطلق كقدرته على أن يخلقها عند حك العود، وهل يريد سبحانه في هذا الموضع الا التعجيز من اجتماع الماء والنار؟ ويقول تعالى: (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فاذا أنتم منه توقدون) فهل تجد لذكر الخضرة الدالة على الرطوبة معنى، الا ذلك التعجيز؟
стр. 2843
نظرية الاستحالة
تنكر هذه الفرقة أن النار كامنة في العود، وكيف تكمن فيه وهي أعظم منه؟ ولا يجوز أن يكمن الكبير في الصغير، ولكن العود إذا احتك بالعود حمى العودان، وحمى من الهواء المحيط بهما الجزء الذي بينهما، ثم الذي يلي ذلك منهما، فاذا احتدم رق ثم جف ثم التهب، فانما النار هواء استحال.
والهواء في أصل جوهره جسم رقيق خوار، جيد القبول، سريع الأنقلاب، فالنار التي نراها اكثر من الحطف إنما هي ذلك الهواء المستحيل، وانطفاءها بطلان تلك الأعراض الحادثة للهواء. ينقلب الهواء إلى نار، لأن طبعه قريب منها، فالنار يابسة حارة، والهواء رطب حار، والماء رطب بارد. فالهواء وسط بين النار والماء يجمع بينهما، وقد ينقلب كل منها إلى ما يقاربه. فيجوز ان ينقلب الهواء ناراً، وينقلب الهواء ماء، ثم ينقلب الماء أرضاً، ولابد في الانقلاب من الترتيب والتدريج.
البراهين على انكار الكمون:
نرى براهين هذه الفئة سلبية، فهي تنكر الكمون باعتراضاتها على النظرية، وإن كانت لا تتقدم بحجج تؤيد الاستحالة، فترى المناظرة تنتقل إلى تأييد الكمون وإنكاره. تقول هذه في الانكار.
ان هذا الحر الذي رأيناه قد ظهر من الحطب، ولو كان كامناً فيه لكنا وجدناه بالمس كالجمر المتوقد، فان قلتم كان يمنعه برد مكافئ كامن مثله - فأين ذلك البرد؟
لا يخلو الحال من أمرين: إما بقى بعد الأحراق، وإما خرج عند الأحراق. فان كان باقياً في الرماد استلزم ان يكون الرماد أبرد من الثلج، وإن كان خرج مع الحر، وأخذ كل وجهته - فقد كان ينبغي له أن يخمد ويهلك مالاقاه، كما أحرق الحر وأذاب كل مالاقاه ولما وجدنا جميع أقام هذا الباب لم تتحقق، علمنا أن النار لم تكن كامنة في الحطب.
ونشعر بقيمة هذا الاعتراض، إذا لاحظنا قول الفريق الأول في أن النار تنفي المانع الذي هو البرد، ولم يقل تفنيه وتبطله - إذن فالبرد موجود عند الاحراق، يقع عليه أحد الفروض السابقة.
стр. 2844
بعد هذا أخذت كل فرقة تنتصر لنفسها بنقض قول خصيمتها وإنا نمسك عند هذا المقدار.
احمد احمد التاجي
стр. 2845
في محكمة التاريخ
الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي
هل غدر بأمته وخليفته؟
- ٢ -
مناقشة المصادر
المصادر كما رأيت قسمان: قسم يبرئ الرجل مما نسب اليه، وآخر لا أقول يتهمه بالغدر والمخامرة، بل يلصق الخيانة به لصقاً دون تحرز او تشكك، ويمثل القسم الأول ابن الطقطقي وحده، ويمثل القسم الثاني ابو الفدا وابن الوردي والكتبي ابن خلدون ودحلان، فهؤلاء متفقون في الجوهر مختلفون في الاعراض. والآن أحو ل شطر انتباهي نحو ابن الطقطقي لأنه أول من كتب عن الحادث، ولأنه المؤرخ الأوحد الذي يحاول ان يبرئ ساحة الوزير من تلك التهمة الشنعاء، فيقول بصراحة إن ابن العلقمي لم يخامر، ويؤيد مدعاة باستبقاء هلاكو للوزير وتسليمه الأمر اليه بعد فتح بغداد، الا ان ما نعلمه من كلام ابن خلدون يدحض حجة ابن الطقطقي من حيث يؤيدها، فابن خلدون يذكر كما يذكر ابن الطقطقي أن هلاكو استبقى الوزير في دست الوزارة الا انه يزيد على ابن الطقطقي فيقول (والرتبة ساقطة عندهم فلم يكن قصارى أمره الا الكلام في الداخل والخرج متصرفا من تحت آخر أقرب إلى هلاكو منه) ثم لابن الطقطقي حجة أخرى براءة الوزير هي انه يستبعد على هلاكو ان يبقى على الوزير فيما لو كان الوزير غدر باستاذه، وهذا في الحقيقة استنتاج ضعيف جداً، يرده ما يقع تحت ابصارنا اليوم من استعانة المستعمرين بطبقة خاصة من الناس يسمونهم عادة بالمعتدلين، لكنهم في الحقيقة الخونة الخارجون على مبادئ الأمم النزاعة إلى استقلالها واستغلال مواهب ابنائها وماذا يضير هلاكو ان هو استبقى ابن العلقمي؟ وهل بلغ هلاكو من سموا النفس، وحب الصادقين والمخلصين تلك المنزلة التي تخوله ان يقتل من يخرج على هذه المبادئ، حتى ولو كان الخروج في مصلحة هلاكو؟؟ فعدم قتل هلاكو لابن العلقمي لا يؤخذ حجة على سلامة نيته في دولة المستعصم، بل على العكس من ذلك يمكن اعتباره كدليل إعلى إدانة الرجل وممالأته لاعداء الخلافة المتبرين.
стр. 2846
ثم هناك أمر يسترعي الانتباه، وهذا الأمر هو تصدي ابن الطقطقي لنفي التهمة، وتصريحه بأن هنالك من يتهم الوزير بذلك. فهذا يؤيد المصادر الأخرى التي تقول بمخامرة الوزير، ذلك لأنها لم تختلق هذه التهمة اختلاقاً، فقد ذكرها من تقدمها لكن وجهته سلبية، وأعني به ابن الطقطقي، ولذا فانا أظن أنت عرض المؤرخ لنفي الاتهام له تفسيران إما أن يكون المؤرخ يعلم حقيقة أن هناك مخامرة، فعمد إلى نفيها اضلالاً لمن بعده، أو أن شائعات قوية راجت عن خيانة الوزير إن صدقا وإن كذبا، فتصدى صاحب الفخري لدحضها وتكذيبها لغاية في نفسه أو لغير غاية. وأنا أرجح أن تعرضه لهذا الموضوع كان سبباً في رواج تلك الشائعات. أما لأي الغايتين فلا أراني قادراً على تحديد ذلك، هذا من جهة، ومن جهة ثانية دعهنا نسلم بأمانة ابن الطقطقي وحرصه على الحقيقة وتباعده عن التشيع!!. . . الخ.
ها هنالك الا أن كل هذا ينقصه أمر مهم في النقد التاريخي، ذلك الأمر هو أن ابن الطقطقي ينقل لنا عن الوزير ما قاله أو حدثه به ابن أخت الوزير، وفي هذا كفاية لتقليل أهمية ما يرويه المؤرخ، ولا سيما في موضوع اتهامي له علاقته الشديدة بالشرف والشهامة، وهذان يهمان ابن الأخت بقدر ما يهمان خاله، فاي اعتبار بعد هذا يبقى لما يرويه ابن الطقطقي؟؟؟
أما ما يقوله ابن الوردي فهو في الحقيقة رد فعل لما يقوله ابن الطقطقي، فهذا يشتد في الدفاع عن الوزير، وذاك يشتد في اثبات الجريمة عليه، وقد ذهب الغلو بابن الوردي مذهباً شططا فخرج عن كياسة المؤرخ وحياده، وأنسته العاطفة الجامحة وظيفته والموقف الذي يجب أن يقفه كل مؤرخ، فنعت الرجل بالغوي ولعنه، وبخل عليه بالترحم الذي يستمطر عادة على العصاة والمجرمين، وقد ذكر أشياء لم يذكرها أحد ممن تقدمه ولا من تأخر عنه، فمع أنه ينقل عن ابي الفدا، فقد ذكر أموراً لم يذكرها أبو الفداء نفسه، وأهم هذه الأمور نص هذه الرسالة التي يزعم أن ابن العلقمي أرسلها إلى التتر وهي رسالة طويلة. وقد جئت على ذكرها فانا أشك في نص الرسالة وويلح على الشك حتى يميل بي إلى الجحود والانكار، وذلك لسببين: الأول انفراده بذكرها، والثاني أسلوب الرسالة والكفلة البادية في لهجتها ثم الجمع بين شعر من هنا وهناك لا رابطة بينه، ولا سيما الابيات التي تجعل الاتراك (ويريد بهم المغول وهذا يدل على تدقيق المؤرخ!) طلاب ثأر آل محمد، ثم أمره
стр. 2847
هلاكو أن يتأول أول النجم وإيصاءه هلاكو بالحرص الذي ليس له معنى فلا أدري ما عسى الوزير يريد بحضه هلاكو على تأول النجم والحرص، والذي يزيد في غرابة هذه الرسالة هو استنهاض ابن العلقمي لهلاكو بذكر ما أصاب العترة العلوية والعصابة الهاشمية، وماذا يفهم هلاكو من هذا؟ فهو لم يكن شيعياً ليتأثر بهذه اللهجة الشيعية، ولا نعلم حقاً هل أسلم هلاكو أم بقى على وثنيته، فقصة موته ودفنه تؤيد أنه لم يسلم، أو إذا كان أسلم فأن الاسلام لم ينفذ إلى قراره نفسه، ولم يتأثر به التأثير الذي يعطف على الشيعة ويثير فيه عاطفة دينية تحفزه لمهاجمة بغداد، ثم ان دحلان يصف التتر وصفا لا يطابق روح الرسالة التي يذكرها ابن الوردي، فيقول دحلان (وكان ذهاب الخلافة بدخول التتر بغداد وهم قوم كفار خرجوا من الصين وتغلبوا على ممالك الاسلام وكانوا يقتلون الرجال والنساء والصبيان، ويأكلون كل شيء حتى الكلاب والحشرات، ولا يعرفون نكاحاً ولا يحرمون شيئاً، وكان ابتداء خروجهم في أول القرن السابع، وظهر امرهم في سنة سبع عشرة وستمائة على الامصار والمدائن والقرى، إلى ان استولوا على بغداد وازالوا خلافة بني العباس، فهل ترى بعد هذا ان في كتاب ابن العلقمي المزعوم ما يلائم طبائع قوم كهؤلاء، وهل فيه ما يستثير حماسهم؟ اني لا أرى شيئاً من ذلك، فلو جاء في الكتاب ما يتفق مع عقيلة اولئك البرابرة كذ كرغنى المملكة، وسهولة اقتحامها والى ما هنالك من مغريات، لكان في ذلك ما يدفعنا إلى الترجيح بأن هذا النص الذي يورده ابن الوردي قد يكون النص الحقيقي لكتاب الوزير إلى هلاكو ان صح ان الوزير ارسل كتاباً، اما وفحواه ما عرفنا فانا استبعد جداً ان يكون هذا النص صحيحاً، ثم هنالك اختلاف بين المصادر بشأن شخصية الرسول وكيفية الارسال، فابن الوردي يقول بأن الوزير ارسل أخاه، وصاحب القوات يذكران الوزير (تحيل إلى ان اخذ رجلا وحلق رأسه حلقاً بليغاً وكتب ما اراد عليه و. . .)، أما ابن خلدون فيذكر وصية أوصاها الوزير لصديقه ابن الصلايا صاحب اربل، ليستحث التتر على المسير إلى بغداد، وهذامعقول جداً، وليس فيه ما يدعو إلى التشدد في عدم احتماله أو تصديقه، ولا سيما ونحن نعلم ان ابن العلقمي لم يكن راضياً عن الدولة التي استبد بأمورها الدوادار ذلك السني المتشدد في سنيته، والحق انني مستريح لما يذكره ابن خلدون لأنه منطقي يستسيغ الاعقل قبوله، ولأن الرجل لم يظهر أقل تحيز أو
стр. 2848
ميل وكذا أبو الفدا فقد ألفيته فيما كتبه شريفاً مترفعاً عن الهوى وليس هذا بالكثير على ذلك الملك المؤرخ. اما دحلان فيريد ان يقول لنا ان لمجيء التتر اسباباً كثيرة، من اعظمها رسالة الوزير لهلاكو ولكن ما يؤسف له انه لا يذكر سبباً واحداً من هذه الأسباب الكثيرة. أما أنا فلا أعتقد أن وصية الوزير ان ثبتت هي التي جاءت بالتتر وحدها، وإنما قد تكون عاملاً قوياً في تسهيل الاغارة على بغداد، وآسف أني لا أعرف الكافي عن تاريخ التتر ليتسنى لي تعداد بعض الاسباب التي حفزتهم لشن غارتهم الشعواء، واخيراً وبناء على ضعف حجة وكيل الدفاع ابن الطقطقي وتكانف بقية المصادر - على ادانة الوزير - أراني مضطراً اضطراراُ علمياً سليماً من الغاية، وبعيداً عن الهوى، ومبنياً على ما أوصلني اليه استقصائي أن أرجح غدر الوزير بدولته وخليفته متبعاً في ذلك ابن خلدون بأن ذلك وقع على يد ابن الصلايا الذي يظهر انه اتصل بالتتر فحسن لهم مهاجمة بغداد بشتى الطرق، وذلك بعد أن ضاق الوزير ذرعاً بالدوادار وولي العهد واشياعهما السنيين وبعد أن قاست الشيعة نكبات وويلات وفضائح في العرض وخسائر في المال أخرجت الوزير عن تعقله، وجعلته يتناسى كل شيء في سبيل الانتقام أولا وانقاذ الشيعيين ثانياً، فلم يجد امامه أوفق من الاستعانة بالمغول الذين لم تكن بغداد غريبة عن الاستعانة بهم، فقد سبق للخليفة العباسي أن استعان بجنكيز خان على شاه خوارزم، وقد أصاب بغداد من جراء استغاثة الوزير بهلاكو ما أصاب المشرق وبخارى يوم استعان الخليفة بجنكيز على الشاه.
فرحان شبيلات
الجامعة الامريكية (ببيروت)
стр. 2849
٣ - ابن قلاقس
٥٣٢ - ٥٦٧هـ (١١٣٨ - ١١٢٢م)
- ٦ -
لابن قلاقس ديوان شعر يحدثل جامعه أول ما يحدثك أن هذا الشعر
ليس كل شعر ابن قلاقس، لأنه حذف منه ما لا يليق بهذا الشاعر من
غث القول وسخيفُه، وهي فكرة خاطئة تضر بتاريخ، ولا تفيده؛ إذ من
الخير لنا أن نرى جميع مظاهر التفكير للشاعر، سواء أكانت جيدة أم
غير جيدة، غير أننا اليوم وقد ذهب ذلك الشعر الضعيف، ليس لنا إلا
أن نتحدث عن هذا الشعر الذي بين أيدينا، وأهم ما يميزه خصائص
ثلاث: أولها الغرابة في كثير من الأحيان، تلك الغرابة التي تستدعي
منك مزيد العناية والاهتمام، فأنت إذ تقرأ شعره لا تقرأه مارا عليه أو
مسرعاً في تلاوته، ولكنك تقرأ محترساً منتبهاً، موجهاً كل همك إلى
تفهم ما يريده، وفهم ما يقصده؛ ولست أدعى أن ذلك محمدة في الشعر،
أو فضيلة بها يمتاز، ولكنني أزعم أن الذي أوقع شاعرنا فيها هو
غرامه الذي لا حد لله بالمحسنات اللفظية والجمالي البديعي، مما
يدعوك إلى أن تقرأ القصيدة مرة ومرة حتى تفهمها، وتدرك سر
معناها، على أنه لم يكن في كل شعره كذلك، بل هو في كثير من
الأحيان يترقرق عذوبة، ويسيل لينا ولطفاً، واستمع اليه يقول:
كان الشباب الغض ليـ
_ لا فاستنار الشيب فجرا
ولئن تقلب بي الزما
стр. 2850
_ ن كما اشتهى: بطنا وظهرا
فيما قتلت صروفه
= وقتلته جلداً وخبراً
غاض الوفاء، وفاض ما
_ ء الغدر أنهاراً وغدراً
فانظر بعينك هل ترى
= عرفا، ولست تراه نكراً
خلق جرى من آدم
= في نسله، وهلم جرا
ومروعي بالبحر يحـ
_ سب أنني أرتاع بحرا
أو مادري أنيي بتسـ
_ هيل المصاعب منه أدري؟!
ثاني الخصائص التضمين والاقتباس، وهما إن دلا فانما يدلان على ثقافة واسعة، واطلاع على الشعر عظيم، وشاعرنا قد أخذ كثيراً من معاني السابقين وصاغها في شعره، فاذا أنت سمعت قوله:
والماء يكسب ما جرى
= طيباً ويخبث ما استقرا
وعاد إلى ذهك قول البديع: وهو الماء إذا طال مكثه، ظهر خبثه، وإذا سمعت قوله:
وبنقلة الدرر النفيـ
_ سة بدلت بالبحر نحرا
خطر ببالك قول صرد:
قلقل ركابك في الفلا
_ ودع الغواني للخدور
فمحالفو أوطانهم
стр. 2851
= أمثال سكان القبور
لولا التنقل ما ارتقت
= درر البحور إلى النحور
بل هو يتعدى ذلك أحياناً إلى المعارضة، وقد استطعنا أن نعرف أنه قد أخذ من ابن الرومي وابن المعتز والمتنبي وغيرهم، وكان أكثر من عارضهم البحتري فهو قد عارضه في قصيدته السينية بتلك القصيدة التي يهنئ فيها بمولود ويقول:
كوكب لاح بين بدر وشمس
= فسرى بالسرور في كل نفس
وتشبهه به جعله يقع أحياناً في سوء التخلص الذي كان البحتري يقع فيه كثيراً كما شابهه أيضاً في الفخر بشعره والمغالاة في التحدث عن قوته وجماله، ولسنا ننسى بعد أقوال البحتريي مفاخراً بشعره بعد إلقاء قصيدته، وها هو ذا ابن قلاقس يقول عن شعره:
أين أمثال ما أقول؟. وقولي
= بات يقتاد شارد الأمثال
وهو قد عارض كذلك بعض قصائد جاهلية وأموية واقتبس منها، مثل قصيدة: قربا مربط النعامة مني، وقصيدة: حننت إلىي ريا، وغيرهما.
ثالثة الخصائص ولوع بالمحسنات اللفظية والجمال البديعي، وبخاصة الجناس والتورية، شأنه في ذلك شأن الشعراء المصريين واستمع إليه يقول:
أمنا في فنائكم الليالي
= فلا طرق الفناء لكم فناء
ويقول:
وكيف لا يحب القلب الذي فعلت
= يد الصبابة فيه فوق ما يجب
وكثيراً ما تسمعه يقول: حجاباً وحجاباً، أو إجلاء وإجلابا، أو إرغادا وإرغابا، كما كان له كذلك ولع خاص بالاستعارة المكنية التي يثبت فيها للشبه خاصة ولازماً للشبه به فكثيراً ما تسمع منه ثغر المزن، ووجنات الورد، وجبين الخطب، ومعاطف الطرب، وغير ذلك.
стр. 2852
شعر شاعرنا جار على القوانين النحوية والصرفية لا يشذ عنها، ولا يخرج عليها، اللهم إذا استثنينا قطعة لهمزة الوصل أحياناً وأخذه بمذهب: وحملت زفرات الضحى، ذللك المذهب الذي يسكن عين جميع المؤنث السالم حينما تكون الفاء مفتوحة وهو لا يلجأ إلى ذلك إلا مضطراً مكرهاً، كما أنه لم يلجأ - وعلى الأقل في هذا الشعر الذي بين أيدينا - إلى أساليب العامة إلا في النادر الأٌل كقوله:
يبكى به الاقلام نفلا محرفا
= تموت معانيه عليه من الضحك
ويحسن بنا أن نقول: إن ابن قلاقس كان ينظر إلى الشعر نظرته إلى شيء يثير العاطفة، فالشعر ليس كاملاً مزخرفاً فحسب، ولكنه قول يثير في النفس عاطفة تدعو إما إلى الزهد في الدنيا أو الاقبال على لذتها وحسنها وجمالها.
أهم ما طرقه ابن قلاقس من الاغراض المدح، والغزل والوصف، والعتاب والرثاء والهجاء، وهي كلها من أنواع الشعر الغنائي الذي لا قصص فيه ولا تمثيل، ومدح شاعرنا أكثر هذه الأنواع وأوفرها قد أخذ بحظ من الجمال وحظ من الرقة، تقل فيه المغالاة والاغراق، وشاعرنا ينظر إلى شعر المدح نظرته إلى العقد الذي يربط محاسن الممدوح؛ وينظمها في قرن واحد، ولولا الشعر لظلت هذه المحاسن متفرقة غير مجتمعة، فهو يقول:
وما الشعر الا سلك منتثر العلا
= ينظم فيه درها المتبدد
ويقول:
إذا ما المجد لم يضبط بشعر
= فقد أضحى بمدرجة الضياع
غير أننا نتساءل: أكان شاعرنا يتكسب بشعره؟ وإذا كان فماذا كان نصيبه من ممدوحيه؟ أما أنه كان يتكسب بشعره فاننا نراه يقول
تأبى له الهمة أن
= أجعل شعري مكسبي
غير أننا بالرغم من ذلك البيت نكاد نوقن بأن شعره كان وسيلة من وسائل كسبه، يدلنا عليه
стр. 2853
أولا تلك الرحلات التي رحلها في الشرق والغرب، ولا بضاعة معه الا شعره، وثانيا تلك القصائد التي فيها يقاضي ممدوحيه بالعطايا والهبات ويبدي لهم فيها فقره وحاجته، بل إن بعض قصائده تدل على أن بعض ممدوحيه قد جعل له راتباً يتقاضاه.
(لها بقية)
أحمد أحمد بدوي
стр. 2854
من طرائف الشعر
عبرات منظومة
للأستاذ عبد العزيز البشري
أتى على الأستاذ البشري سبع وعشرون سنة لم يقل فيها بيت شعر، حتى فجعه الموت في صديقه الدكتور حلمي المنشاوي وهو في ريق شبابه ومشرق نبوغه، فرثاه بهذه القصيدة الباكية.
حلا الدمعُ بعدك والعيشُ مَرْ … فخطبك جلَّ عن المصطبر
وما خيرُ هذي الحياة وقد كنـ … ت ملء الفؤادِ ومِلء البصر
فان كان لابَّد من لُبثةٍ … فما هي إلا الدُّمَى والصور
وأما الهناء وأما النعيـ … مُ فذلك عفَّى عليه القدر
وهل كان يضح زَهرُ الربى … إذا لم يباكرْهُ فيها المطر؟
وما لذَّة السمع للسامعيـ … ن وما من حديثٍ ولا من سمر
ويا وَيحَ من أمعنوا في الفلا … ةِ إذا الليل جَنَّ وغاب القمر (
بنفسي هذا الفتى الأَرْيحـ … يُّ النجيب النجيد الأبيُّ الأبّر
جميل المحيَّا، نبيل الخلا … لِ، كريمُ الفعالِ، صدوقُ النظر
شديدُ الحياء، عظيمُ الوفاءِ … يرى الشرَّ شرَّ الهناتِ الكُبَر
أمين لغيب الصديق، نصيـ … حٌ رفيقُ المقالِ إذا ما حضر
له شيمةٌ كعبير الورود … ورُوحٌ كمثل نسيم السَحَر
جلا هذه النفس من صاغها … وطهرها من خبيث الوضر
وما كان يعلو الغبار السما … ء أو يسكن التُّربُ جوف الدُّرَر
أحلمي، رويدك ماذا جرى؟ … تحدّث، فدأبكِ صدقُ الخير
لقد كنت نعم الفتى المرتجى … فديتك والأمل المدّخر
صليبَ القناة، خضيب الحصاة … رحيبَ الأناةِ عزيزَ النَفر
فتىَّ العزيمة ما تنثنى … ولو ذا دون المهام الحجر؟؟؟؟؟؟؟؟؟
بعيد المطالب، رحبَ المنى … وَصولَ الجهاد، دؤوب السَّهر
стр. 2855
ترجِّى وترجىَ لجلىَّ الامور … فماذا دعاك لهذا السفَر؟
لكم صادَ فيك أبوك المنى … دراكا وصارعَ فيك الغيَر
وَضنِّ على الدهر أن يعتريك … بما يعتري العالمين الدَهر
ولو قد ترقرق ماءُ الحياة … لدَى المشتري مانى أوفَر
ولو كان يرضى الفدى مهجة … لشدّ على قلبه واعتصر
ولكن تغلب عزمُ الزمان … على عزمه والقضاءُ انتصر
أحافظُ، ذلك حكم الاله … وهل لامريٍ دونه من مفَرّ؟
فلم يبق إلا الرضى بِالقضا … أعانك من قد بلا واختبر
стр. 2856
خيالة!
للشاعر الدمشقي انور العطار
خَيَالة للغابِرِ الدَّفِينِ … في ظلُمَات الأبد الجَبِينِ
تَحْسِرُ عن فؤادها الطَّعِينِ … تفيض بالدموع والأنينِ
تَطْفَحُ بالآمالِ والحنِينِ … جَبَّارَةٌ في جسَدٍ وهُونِ
مَفجُوعةٌ بالأمل الثَّمينِ … ليس لها في الكون مِنْ مُعين
يَرْثِى لها في الحالكات الجُونِ … ما انْتَابَها من دهرها الخَؤوُن
قد امْتَطَتْ أجنحةَ الظُّنونِ … فاستترَتْ فيها عن العيُونِ
ثم توَارت في دُجَى المَنونِ … سادِرَةً في ظلها الأمين
هادئةً تَنْعَمُ بالسكونِ … وصورةٍ لشاعرِ الغصوُنِ
أمْعَنَ في النُّوَاحِ والرَّنِينِ … لم تَمْحُهَا آلهة الجفونِ
مِنْ ساحِ قلبٍ وَجِعٍ ضَمينِ … مفجَّعِ الأحلامِ كلَّ حِينِ
فهل لِتِرْبِ الشَّجْوِ مِن خدَيِن … يقْبَلُ منه صفَقةَ الغَبِينِ
وخافقاً يَمُوجُ بالشجون … ومقْلةً فيَّاضةَ الشُّؤُونِ
هَدَّيِةٌ مِنْ شاعر مَحزُونِ؟
стр. 2857
أعداء لا أضياف
للاستاذ فخري ابو السعود
أانا نقرِئُ القومَ السلاما … ويبغون العداوة والخصاما
ونكرمهم مجاملة وودا … ولم نر فيهُمُ الشيمَ الكراما
ونرعاهم بموطننا حُلولا … ولم يرعْوا لمواطننا ذماما
ونمنحهم قِرَى العربيِّ جوداً … قعوداً بين أظُهرِنا قيِاما
وقد أمسَتْ عُروبَتُنا لديهم … ونسبتنَا إلى الأَجواد ذاما
وندعوهم ضيوفاً في ذَرانا … لهم حقُّ النزيل إذا أقاما
وما للضيف حقُّ مِن مضيفٍ … إذا نبذ الحياَء والاحتشاما
ونزعمنا مُضيفيهمْ وهذىً … خديعةَ من تخادعَ أو تَعامى
هُمُ ساداتنا فيما ادْعَوْهُ … ولم نَكُ عِندَهم إلأ سَوَاما
أمهما تلقِ أوُربَّا بِرذْلٍ … إلى مصرٍ تطاوَل أو تَسامى؟
وندعوهم أُخوَّتَنا ونبغى … لِوُدِّ الشرق والغرب التئاما
وهم يَترفعون عُلا ونبْلاً … وقد شطروا الورى آراً وَساما
فمهلاً معشر الدُّخَلاء مهلا … إلامَ نسيخ كيدكمُ إلاما!
إلام نَرى الدخيلَ لمصر حرباً … وما تمسى له إلا سلاما؟
لكم منا غدٌ صعبٌ عصيبٌ … وإن نِلتم بِيوِمكُمُ المراما
فضوليُّون أنتم لا ضيوف … ثَقلْتم في منازلنا مُقاما
مَننتم أن مَنحتم شعبِ مصر … كِساءً أو شرابا أو طعاما
وما رُمتم بذلك غير مالٍ … حلالا نلتموهُ أو حراما
به أعليْتُمُ في مِصرَ دوراً … وأحرزتم بها الضيعَ الجِساما
ولم تَسعَوْا لها الا ابتدارا … إلى الفرَص السوانح واغتناما
زعمتم مالكم دمَ مِصر يحيا … به أبناؤها عاما فعاما
وما أموالكم إلا بلاءٌ … تسرَّبَ في دم الوادي سماما
وداء في مفاصله عياءٌ … مَشَى يبرى المفاصل والعظاما
стр. 2858
مُصابُ النيل أنتم لو علمتم … وأوَّلُ راشقٍ فيه السهاما
ولولا كم لما أمسى أسيراً … مَهيضاً في الحوادث مستضاما
بنى مصرٍ! بغى اللؤماءُ بغياً … علَامَ نطيق بغيَهم علاما؟
هُمُ الأعداءُ لا الأضياف فينا … فلا نَخدعْ بمكذوب الأسامى
أخو الافرنْج إن تكرِمْهُ يشمخْ … عليك وان تقوِّمْهُ استقاما
يخال الجودَ في الأجواد ضعفاً … وأنىَّ شَامَ بارقةً ترامَى
فلا تنسَوْا مقالا من حكيمٍ … وقدِمْا أحكم العربُ الكلاما
يحذرُ مَن أراد ندًى وبراً … عواقبَ بِرِّهِ القومَ اللئاما
تجافَوْا من تجافىَ عن هوانا … ولا ترَعْوا لمصغرنا مقاما
أشِلّوا عن تجارتنا يديْهِمْ … فقد ملكوا بها منا الزماما
وقدُّوا عن معاصمنا امتيازاً … يُكبِّلنا به القوم اهتضاما
حبَوْناهم به أمس اختياراً … فغلُّونا به اليوْمَ التزاما
ولم أرَ مثله ذلا وعاراً … وعَبناً للعدالة واختراما
كانا ما تشرعنا وعنا … هُمُ قبسوا القضاء والاحتكاما
جزَوْنا عن قديم الفضل شراً … وجازَونْا عن الوُدَّ انتقاما
أذاقونا المَذَلَة في حمانا … وإن نَصمِت أذاقونا الحِمَاما
خداع الحياة
حَطَّمْتُ قِيثاري وعِفْتُ الهوى … وضِقت ذرعاً بالأماني العذابْ!
واعْتَضْتُ عن شدوِى بلحن الأسى … والشَّجْوُ يطَغى في ظلال الشبابْ!
وما مَلٍ أشرق، ضاحي السَّنا … مْضرَ الأفياء، رحْبَ الجنَابْ
ألمَّ بالرُّوحِ، كطيف الكرَر … لاحَ لعينٍ، ثم ولى وغابْ
والهَفَتى! إنَّ حياةَ الورى … حُلْمٌ عميقٌ مستفيض الشعاب
ولُمْعَةُ الآماال خَدَّاعةٌ … كخُلَّبِ البرقِ، يَشيها الكِذاب
يخالها المحزونُ ماء الحيا … فانْ دنا لم يُلْفِ غيرَ السَّرابْ
لا تَعشَقِ الدنيا وإنْ زانها … فيْئٌ ظليلٌ، وغصونٌ رِطابْ
стр. 2859
لذَّاتها محفوفة بالأسى … وساحُها زاخرةٌ بالصِّعابْ
تغرِيكَ بالزُّخرُفِ، لكنها … تَسقيكَ سُمَّا في تمير الشَّراب
يا قلبُ قد أُصليِتَ حَرَّ الجوَي … وذقتَ في عيشك مُرَّ العّذاب
يا ليت شِعرِي هل تَلَذُّ الصِّبى … أم يَنتحيِك الموت نَضْرَ الاهِابْ؟
كمْ في الثرى من حدَثٍ رائعٍ … طوتْهُ كفُّ الدهر جمَّ الرِّغاب
وعاشقٍ، أحلامُهُ طَلْقةٌ … ثَوَى مَغيظَ القلبِ تحتَ التراب
كلَ مَشيدٍ من قصور المنى … مضطَّربُ الأُسِّ، وشيكُ الخرابْ
دمشق
حلمي اللحام
في مرقص مقنع. .
بنت السَّرِىِّ ذهبت … لمرقص مقّنع
تبحث فيه عن فتى … في مالها لم يطمع
حتى إذا ما ظفرت … بذي الحديث الممتع
ورقصا وشربا … نَخْب الزواج المزَمع
وظن أن نال المنى … (ذاك الغلام المدِّعى)
انتزع القناع عن … وجه كوجه الضفدع
فأدبرت مسرعة … فتاتنا في جزع
قائلة في حسرةٍ … يا ليته لم يرفع!
حسين شوقي
الى السيدة منيرة توفيق
أفصحت في شكاتها وأفاضت … عن جوى القلب في بديع النظيم
حرُةٌ عفَّة الازار تناجي … هاجر العش في بيان الحكيم
ايهذي الورقاء كفي عن الشجـ … ووعيشي بذكريات القديم
стр. 2860
وانظميها روائعاً تملأ الكو … ن ففي الشعر راحة المكلوم
واملأي الوكر بهجة واستعيضي … بجمال الآداب خير نديم
وابلغي النجم بالأماني فما لليأ … س من مطمح خلال النجوم
أيها الطائر الذي هجر الوكـ … ر ولم يعن بالفؤاد الرؤوم
أجزاء العفاف يا صاح هجر … وجزاء الوفى عيش المضيم
منحتك الفؤاد ملكا حلالا … وحبتك الوفاء فعل الكريم
اسئمت النعيم ام شمت برقا … خلبا من عواذل وخصوم
لا تصخ يا أخيَّ سمعاً لقوم … ينفثون الشقاق نفث السموم
يبذرون الشقاء في منبت السع … د ويسقونه بماء الحميم
إن في زوجك الجمالَ جمال النف … س يسمو على جمال الأديم
وأرى وجهها ولم أحظ باللق … يا خلال السطور جد وسيم
ولقد خصهَّا الاله برأي … يا أخا الرأي في الحياة قويم
حبذا العيش في جوار مصون … ذات قول مهذَّب مستقيم
عُدْ اليها أخيَّ زوجاً عطوفاً … رحم الله كل قلب رحيم
عُدْ إلى زوجك الأمينة والْثِمْ … جبهة النُّبل والوفاء العظيم
قد أهابت وقد هجرت حماها … بك للعود للهناء القديم
فاحْبِهَا الحبَّ والوفاء وعيشا … في حمى السعد في صفاء النعيم
أحمد يحيى وصفي
واليها أيضاً
رقَّتْ برِقّتكِ الشمائلَ … وجمعتِ أشتات الفضائل
أدب وعلم ضُمِّنا … حِكَمَ الأواخر والأوائل
ظرْفٌ ولطفٌ أنسيا … ني سِحْرَ هاروت وبابل
لكِ من كمالكِ غنْيةٌ … عن قاطع وُدِّا وواصل
أولستِ مخلصة؟ فما … لكِ تأسفين على المخاتل؟!
стр. 2861
لا تعجبي من ميله … فالدهر يا اختاه مائل
إن الألى شغلوه عن … ك لَبَيْن سافلة وسافل
لاطفتِهِ حتى استطا … ل فجرّبي معه التثاقل!
كل السعادة في الحيا … ة عقيلة في بيت عاقل
؟؟؟
محمد جاد الرب
стр. 2862
صور مختارة من الشعر الرمزي
للأستاذ خليل هنداوي
جيفة
للشاعر الفرنسي بودلير
أتذكرين ما رأينا في صباح ذلك النهار الجميل في منعطف سبيل!؟
جيفة مطروحة فوق الحصا … صعد الساقان منها في الهواء
كفتاة سعرتها شهوة … نضحت منها جراثيم البلاء
كانها مسترسلة للمجون في ذلك الرقاد!
ناضية ثيابها عن جوف طافح بريح الفساد!
تبسط الشمس عليها نورها … لاذعا تنضجها قبل المساء
نثرت اوصالها ترجعها … بعد تفكيك عُراها، للفضاء!
زهرة فتحها برد الندى … هكذا تنظرها عين السماء
وهي اذ تنشق ما تبعثه … تنشق السمَّ زعافا والوباء
وللذباب حول هذا الجوف النتن دويٌ وطنين! والديدان تزحف في مساربه كالكتائب السوداء فائرة، او كالموجة القائمة تتقلب على هذه المزق المتناثرة.
موجة نازلة صاعدة … زفرة بين هبوط وارتقاء
حيث يحيا الجسم تكراراً بها … مبدعا منه جسوما من هباء!
والاجواء كانت تردد موسيقاها الغريبة، كخرير الماء الراكد، وعويل الريح الكئيبة، أو كترجيع الحبوب ترتل في المذراة الحانا متناسقة عجيبة، والأشكال كلها قد عفت وامحت رسومها لا يستطيع الفنان ان يعيدها سيرتها الاولى الا إذا اكمل نسجها وتأليفها بالذكرى
كلبة ترمقنا نافخه … شقيت فينا شقاء الضعفاء
ترصد الفرصة كي تنهشها … وترى في لحمها البالي شفاء
وغداً! يا نجمتي! يا منيتي! … يمسح الموت على هذا البهاء
عندما تغدين في جوف الثرى … جيفة تنثرها أيدي الفناء
تحت أعشاب وأزهار نمت … تخذت من جسمك الغض غذاء
стр. 2863
حيث يمشي الدود في أحنائه … آكلا باللثم منها ما يشاء!
خاطبي الدود! وقولي للبلى … إنني أنقذت من حب عفاء
كنهىَ الساميِ الالهيِ الذي … ابداً يبقى قريناً للبقاء
стр. 2864
عالم النسيان
للشاعر بول فدر
(السكر الأكبر)
(هل أناا يا خوس أوياان؟
أسكر باالفضاء، وأطفئ لهيب روحي؟؟؟ الليالي
ألا فلتجر السماء في، ولأمتزج أنا فيها، فاتحاً فمي لعالم الذي ترتعش كواكبه.
لقد قضى (بيرون ولامرتين وهيغو وشيللى، وهم سكارى بالفضاء والسماوات الساطعة بالنجوم.
لا يزال - هنالك - الفضاء، يجري حراً طليقاً، حملني اليه
دون أن تعصف بي النشوة،
لا أزال ظمآناً. . .)
(بول فدر)
لا تلمني إن نسيت الموعدا … أنا في النسيان أحيا أبدا
لو سرى النسيان في أوراحهم … لرأوا مثلي حياة رغدا. . .
كل شيء - غير نفسي - ثابت … لم تزعزعه أعاصير الغيَر
أي خطب لشموس خلدت؟ … غير سخر من عذابات البشر
ما الذي يجديك إن قلت لنا؟ … إنها واقفة، أو سائره
فعذابي في وجودي واحد … وعلى الروح تدور الدائره
أيها الخافق! قد أضنيتني: … ما الذيي يجديك نوح أو أسى؟
ناح من قبلك حتى صَمتوا … وتولوا كسحابات المسا
عابر تمحو له آثارَه … كلما خطط أمواجُ القدر
أنت تبغي أن تبِّقى أثراً … فماضِ! لا يبقى على الرمل أثر
أيها العابر! ما ذنبك أن … جاءك الشك وما ذنبي أنا؟
إن يكن كل يقين خادعاً … فاتبعني تعلن الشك هنا. . .
стр. 2865
نبتغي الراحة في أفيائه … كيف نبغي راحة في قلق؟
ربة تصبغ أثواب الدجى … حيلة منها، بلون الشفق
عذلوا الذاهل عنإحساسه … لو دروا في أمره ما عذلوا
قل لهم! لو ذهلوا عن وعيهم … لاستطابوا عيشهم إذ ذهلوا
أسلموني لشعوري المبهمِ … أنا أحيا فيه بشعوري المبهم
أخبروا الليل بأن يغمرني … فهنائي في الظلام المظلم
في اعتزالي عالم أسكنه … وصلت أجزاءه أخيلتي
كم إله! ماله في يقظتي … أثر، سامرني في عزلتي؟
كلما أغمضتُ عيني انفتحت … لعيون النفس أكوان الأمل
كم رجاء كان يناى فدنا. . . … وحبيب كان يعصى فوصل. . .
كلما أطبقت جفني انبعثت … ذكرياتي مثل أشباح الدجحى
عانق الشك يقيني ضاحكا … والتقى اليأس صديقاً بالرجا
стр. 2866
الغابة المفجوعة
للشاعر بودلير
(رسائل)
(الطبيعة هي معبد يضم دعائهم حية يخرج منها في بعض الاحيان كلمات مبهمة، يمر فيه الانسان بغابات من الرموز تنظر اليه نظرات أنيسة.
الطيوب والألوان والألحان تتجاوب كالاحداء الطويلة التي تمتزج بعيداً في وحدة عميقة مظلمة واسعة كالليل وكالضياء)
أزهار الشقاء
(بودلير)
بدَّل النهر هواه … إذ تولاه الضجر
قال يا (سلمى) تعالَىْ … أنا لا أهوى الشجر
قد مشى الجهم لديه … مثلما يمشي القمر
ليس للنهر اختيار … في الذي شاء القدر
هجر الطير مروعا … عشه بين الغصون
صاحِ! هل تسمع في الغاب سوى همس الكون؟
وشكاوى طرحتها … الآن عشاق البشر
عطلت فيها نجاوى … كل طير وزهر
وشجيرات تعرّت … بعد ذيَّاك البهاء
فهي لا ترجو حياة … بعد موت الأصدقاء
لا عصافير تغنى … لا ازاهير تفوزح
كل ما يلقاك منها … جسد من غير روح
ايها المقسم عهد الحب … ب في هذا المقام
احترم حزن ذويه … وامض عنهم بسلام
بين أيدينا زهور … قد مشى فيها الذبول
стр. 2867
هل وقت عهد هواها؟ … هل أتمت ما تقول؟
كل شيء فيه ذكرى … حيثما هبت تروع
هي أولى من هوانا … لو عرفنا بالخشوع
قل لمن تعطيك خداً … تجتني منه القبل
أعلى زهر ذوي تغ … رس أزهار الأمل؟
لحظة تاس فتنسى … بعدها ارماسها
وإذا الغابة تحيى … في الهوى أعراسها
وتناست كل صرف … مثلما تنسى الطيور
دائرات الدهر تجري … وهي نشوى بالسرور
حزنت يوما ولكن … نسيت احزانها
هل بامكان الفتى ين … سى الاسى نسيانها؟
إنما الانسان لو تع … لم اشقى الكائناتْ
ليته كالغاب لا يح … فظ تلك الذكريات
ليس ما في الكون الا … صورة من مظهري
ذكرتني بوجودي … وروت عن معشري
في غروب الشمس لغز … لرجاء يلتوي
في ذيول الزهر رمزٌ … لغرام ينطوي
كل شيء - فيه - يحيا … كالضمير المنفصل
فيَّ - ما اعظم روحي - … كل شيء يتصل
دير الزور
خليل هنداوي
стр. 2868
العُلوم
مطالعات وأشتات:
ذكاء القردة
للدكتور احمد زكي
وكيل كلية العلوم
نبدـ بالتعريف - حضرتها قردة، مخلوقة من مخلوقات الله ولا تحقير لخلقه، ولدت في ليلة اسودّ أديمها بمقدار ما ابيضّ نجمها، وغاب نحسها وتراجع بؤسها، على حين حضر نعيمها وأقبلت بركتها، ليلة من تلك الليالي الاستوائية الجميلة في دَغَل من أدغال الكمرون الفرنسية على الشاطئ الغربي من القارة الأفريقية، وأصبح فتحت عينيها ترى وضح النهر لأول مرة، وأدبر النهار عن ليل ازدهرت نجومه فرفعت عينيها إلى
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
في السنة الثالثة. وكانت وهي طفلة تحتضن كل من تلققى من معارفها، أما الآن فهي ترغب عن ذلك كثيراً وتطلب الاستقلال وتود أنت تسير وحدها وتتفقد ما حولها بنفسها، وتختبر الأشياء بيدها وعينها، الا أن هواها لا يستقر طويلاً على شيء واحد. وقد استقام عوده واعتدل قَوامها وزادت خُطاها ثباتاً واتزاناً. وكان شعرها يطول إلى جانبي رأسها حتى ليهبط دون ذقنها، أما الآن فقد قصر قصراً كبيراً. وكان جلد يديها ورجليها ووجهها قائماً فأخذ يتبقع بالسواد، وكانت صورتها الشمسية تخرج بيضاء وهي تخرج اليوم سوداء.
ومهما كان التغير في جسمها كبيراً فان التغير في عقلها وادراكها اكبر، فهي تستطيع الآن ان تسلي أصدقاءها بما تصنع، وتحبسهم الساعة والساعتين وهم مغتبطون؛ وهي كذلفك مغتبطة، كأنها تحس أنها بذلك تقيم الدليل على ان معشر الشمبازي لهم من الفطرة والذكاء حظ لا يقصِّر كثيراً عن حظ الانسان منهما.
كانت في أفريقيا لا تعرف القيد، ولكن بارتحالها عن تلك الأراضي الواسعة الطلقة، وبنزولها في باحة المدنية كثيرة الحدود، كثيرة الفروض، كثيرة القيود أصبح لابد من القيد.
стр. 2869
فكان في أول الأمر من الكتان، ولكن التجربة دلت على قلة غَنائه لان ميمي كانت تطلق نفسها منه بالشد والعض، فابدل بسلسلة من الحديد من سلاسل الكلاب المعروفة وهذه لم تكن بأكثر كافية، فما لبثت ميمي أن فطنت إلى أن الشد الأقوى يفتح حلقاتها. فزاد سيدها الجديد سمكاً. فاتجه نظر صاحبتنا إلى الطوق، وكان تارة من حبل معقود وتارة من جلد مشدود، أما الحبل فقد عرفت بالمران كيف ترخي عُقدة ثمتتَبع ذلك بعضه حتى ينقطع، وأما الجلد فعرفت بالتجربة المتَدَهَة أن الريق يليّنه فكانت تبله وتشده وتمططه حتى يتسع فتخرج رأسها منه
وأفادها ذلك التفننَ في حل العُقَد حتى برعت في أساليبه. ربطوها إلى حبل طويل، وربطوا الحبل إلى سارية وعدقوه عندها عقَداً كثيرة، ثم أطاالوه بعد السارية إلى حيث لا يهتدي إلى طرفه الآخر. نظرتُ إلى العقدة الأولى في تأمل ولن تبلث أن هجمت عليها بأسنانها ويديها فأوسعتها سعة كبيرة ثم نفذت بجسمها منها رويداً رويداً. وأخذت تنظر إلى العقدة الثانية في تأمل جديد لم يطل كثيراً وفعلت بها كفعلتها الأولى، وهكذا حتى انحلت العقد جميعها عن السارية. ولما أعادوا عَقد الحبل حول السارية أعادت ميمي حله في نصف دقيقة وهي في غبطة من ذلك كبيرة وسرور بيِّن، والنظارة في مثل سرورها وغبطتها وحاولت مراراً ان تعقد عقدة في حبل بنفسها، ونجحت في ذلك مرات، الا أن طريقتها إلى ذلك كان يعوزها التهذيب فقد كان فيها التواء وتنكّب عن المقصد الأمَم والغرض القريب. فكانت في ذلك كالطفل الانساني يبلغ ما يريد ولكن في قليل من الرشاقة اللباقة
وميمي على صغرها قوية شديدة، فانثى الشمبانزي عند استكمال نمائها تَعدِل في القوة من الرجال الأشداء الثلاثة والاربعة. وصاحبتنا بلغت الثلث من نمائها الكامل، وفي اذرعها دقة، وفي طباعها رفق، قد يخاعانك في تقدير وقتها. جاء الشتاء فاحتبسوها في صندوق من الخشب المتين فأخذت تهز حيطانه في طلب الرياضة لبدنها، وأعجبها صوته على أرض البدروم فزادت في هزه بكل حولها، فكان لابد من تعزيز جوانبه، فلما لم ينفع ذلك علّقوا الصندوق من السقف بسلسلة فأخذت تؤرجحه حتى دنا من مصباح الكهرباء المعلق فأخذت به، فكان لابد من استدعاء الكهربائي لنقل موضعه. ونظرتْ فأبصرت عدّاد الغاز فزادت في التأرجح حتى بلغت الحائط وأمسكت بالخّزان فخلعته على متانته وثنت
стр. 2870
الأنبوب، وكان إلى جانبه نار موقدة فحالت العناية دون انثقابه. ولما أعجزتها حوائط الصندوق أخذت تدفع سقفه حتى انفتح ففرّت منه. وأرادت ربه الدار أن تتلَفن إلى زوجها ولكن ميمي كانت قد عمدت إلى التلفون فانتزعت أسلاكه، وجاءت إلى سيدتها تحتضنها اغتباطاً وشكراً على انفكاكها. وذهبت إلى المطبخ فوجدت الخادم تغسل الصحون فأرادت عونها وتنقلت بينها برفق غريب فلم ينكسر منها شيء. وكان التليفون أثناء ذلك قد أُصلح فجاء رب البيت أمين المتحف على عجل فخطب رضاء ميمي وأطعمها ألواناً مستطاتبة رضيت بعدها ان تنفاد وتتقيد بعد انطلاق وكان لرب الدار أطفال، وكانت لهم درَاجات من ذات العجلات الثلاث يركبونها في ساحة البيت، فكانت ميمي تركب مع أحدهم وتمسك الدرّاجة فتوجهها يمنة ويسرة. وأرادت أن تركب الدراجة وحدها ولكن قصرت رجلاها عن بلوغ مواطئ الأقدام منها، فاشترى لها رب الدار دراجة على قدّها وأجلسها عليها فأمسكت مقابضها بيديها وأمسكت كذلك مواطئها برجليها، وهما كاليدين يقبضان على الأشياء، ولكنها لم تدر في بادئ الأمر كيف تدفع الدراجة بضغط موطئ واحد دون الآخر في الآن الواحد، ولكنها بالمران اليسير عرفت ذلك. وكانت تنسى فترفع قدميها إلى المقبضين فكان لابد من ربطهما إلى الموطئين، ولكنها عافت ذلك فكانت تهوى باليد اليهما لتحل الرباط فيصيح بهارب الدار عاتبا فتقلع. وأراد أن يعوّدها الاستقامة في السير، فكان يحمل في يده خوخة أو عنبة أو طعاماً تراه مختارا ويقف به بعيداً ثم يلّوح لها به وهي على الدراجة، فكانت في بادئ الأمر تنزل عنها فيعتب عليها فتعود إلى الركوب، وكان همّها أن تصل إلى الفاكهة من أقرب طريق فاستقام سيرها وكذلك طال. وأراد أن يعلمها كيف تنعطف فكان يلّوح لها بالثمرة حتى إذا قاربته انزاح يميناً فتمر بدراجتها في استقامة إلى جانبه فلا تنال الثمرة فتصرخ وتدمدم لهذا الخداع، ولم تفطن إلى تحريك المقابض إلى اليمين. فأتى بابنه يحركهما لها فعرفت ذلك، وحرصت على القوت الشهي المغري فتعلمت كيف تيمل
وكانت أحياناً يفوتها أن تنعطف فتصل بدراجتها إلى مأزق كحائط أو ركن فتمد رجلها تدفع الحائط فتبعد عنها قليلاً، ثم تُسيّر الدراجة إلى الأمام وهي تنعطف حتى تصل إلى موضع أخلص من الحائط، فتدفعها مرة أخرى فتبعد عنها وهكذا حتى تخلص من المأزق تماماً وقد نفذ صبرها. ولكنها تعلمت أن تنزل عن الدراجة فتحملها إلى الخلاص، فكانت تفعل ذلك
стр. 2871
في سرعة الرقة كلما تأزّقت وهي غاضبة وكان يجتمع أطفال الجيران على دراجاته ويسيرون بها في الطريق صفاً يحملون الاعلام ويزأطون يوفرحون، فتتقدمهم ميمي على دراجتها تتعرّف لهم المسالك وهي مثلهم زائطفة فرحة مغتبطة حتى لتحسبها منهم لولا مظهرها
وكان أمين المتحف يصطحبها معه إلى مقر عمله في سيارته فكانت تتشبث باصطحاب دراجتها فلا تنزل عند باب المتحف حتى تخف اليها فتركبها داخل المتحف. وكان غرائبها انها كلما وصلت إلى طَبق الحديد الذي يغطى انابيب المجاري بأرض المتحف تترّجل حتما وتجرّ دراجتها عليه ثم تركبها بعد تخطيه مع انه في استواء الأرض لا يحسه الراكب وظهر منها هذا الشذوذ عينه لما سارت في الطابق الأعلى فانها كانت كلما صادفت في بلاط الارض صفاً اسود تخطته راجلة وكانت تأكل مع صاحبها في مطعم المتحف ظهراً فتسير اليه بالدراجة وتذهب إلى مكانها دون تلكع فيهيجها صوت الآكلين وقرع الصحون وشميم الاطبخة فتصرخ فيبتهج لصراخها أصدقاؤها الكثيرون من حولها. وتدور بعينيها تطلب حاملات الطعام فاذا بصرت بهن هزت جسمها سروراً وتلفظت بالرضاء، فاذا استقر الطعام أمامها رفعت شوكة أو ملعقة من ذات نفسها، وقد تخطئ فترفعها بيسارها فتنقلها إلى يمينها ولكن بعد امساكها بفمها. وهي تأكل البسائط، فتأكل الخبز والزبد واللبن والبطاطس والسبانخ والفول الأخضر والخس والطماطم والفواكه وشيئا من اللحم أحياناً، واختصاراً كل ما كان يأكله الناس. وهي تحب الحلوى كائنة ما كانت ساخنة أو مثلوجة وإذا انتهت من الطعام بسطت منديلها فمسحت به وجهها وتشرفت ميمي بدعوة من رئيس المتحف الأمريكي العام للتاريخ الطبيعي في وليمية رسمية كبرى، فذهبت في سيارة إلى بؤرة المدنية لأول مرة، فاخترقت الطرقات العظيمة على أضوائها الشديدة وزينات مسارحها الباهرة، في جو ملئ بنغم الاوتار ونفخ المزمار وأدخنة السجائر والسيجار وأبواق السيارات وضجيج الحجيج من أهل اللباس الأنيق والزِّيِّ الرشيق والذوق الرفيع. فأهاجت ميمي كل تلك المظاهر لاشك ولكنها صمّمت كأنما تفكر في موطنها الافريقي. وجاء أوان النزول من السيارة فخفَّت ميمي إلى درّاجتها وسارت بها عَبْر البهو إلى قاعة الطعام الكبرى فاتخذت مجلسها بين الضيوف، وجاءتها الصحفة بعد الصحفة. فأكلت بأدب من كل
стр. 2872
لون. وجاء دور الكلام فأصغت كأنه تستمع للخطباء فلم تنبس بكلمة ولم تطرف بعين الا عندما جاء المصورون يصورونها على ضوء المغنسيوم فانها اخذت تَطْرِف لكل صورة حتى استتموا عشراً. وانتصفت الليل فانفض الجمع وهم معجبون بميمي. وقال قائل منهم ما إلى هذا الحد يبلغ الأطفال من الأدب والكمال
احمد زكي
стр. 2873
البريد الأدبي
استقبال الكاتب الفرنسي جول رومان
في نادي القلم المصري
احتفل نادي القلم المصري في مأدبته إلى أقامها في مساء الاربعاء الماضي باستقبال الكاتب الفرنسي النابه جول رومان ضيف مصر والقى الدكتور طه حسين باسم نادي القلم هذه الكلمة تحية للكاتب الكبير
كلمة الدكتور طه حسين
سيداتي وسادتي:
سمعتم مني في المرة الماضية أني لا أحب الخطب في مثل هذه المجامع. وأني أوثر أن تكون مجامع حديث وسمر، وأن تكون مجامع نستريح فيها من عناء ما نتكلف أثناء النهار من الجد والبحث والقراءة والكتابة، وأوثر ان تكون هذه الاجتماعات كالساعات التي يظفر فيها الطلاب، بالراحة أثناء النهار، ولكني مضطر هذه الليلة إلى ان اتحدث اليكم قليلاً، وثقوا بأني لن اطيل. والذي يسرني ان اتحدث فيه اليكم، وواثق أنكم جميعاً تشاركوني فيه هو ان النادي - نادي القلم الذي أنشأناه - يظهر انه موفق، وان التوفيق قد كتب له منذ اجتماعاته الاولى فاذا ذكرتم اننا في اجتماعنا الماضي قد استقبلنا كاتباً من أكبر الكتاب الانكليز هو مستر هتشنسن وإذا لاحظتم اننا نستقبل الآن كاتباً من أكبر الكتاب الفرنسيين هو مسيو جول رومان عرفتم ووافقتموني على ان نادينا من حقه ان يتغبط بهذا البدء السعيد
واني لسعيد هذه الليلة بان أحيي ضيفنا تحية ملؤها الحب والاكبار. فالذين يقرأون كتبه لا يستطيعون إلا أن يتبينوا هذه العواطف القوية التي يثيرها في نفوسهم، وهي ليست الا عواطف محبة واكبار. فهو ليس من الكتاب الذين يبهرون الناس بحسن الفاظهم وروعة صياغتهم وإنما هو كاتب قبل كل شيء يصل إلى قلب القارئ. ويرفعه إلى ارقى ما يستطيع ان يرقى الانسان اليه من المثل الاعلى والكمال
والذين سمعوا منك محاضرتيه القيميتين في الليسيه والجمعية الجغرافية لا يستطيعون الا
стр. 2874
أن يقدموا اليه تحية خالصة هي تحية العقل للعقل، وتحية القلب للقلب، فلاول مرة نستطيع ان نسمع في مصر بين المحاضرين الذين يفدون اليها من الخارج ما يرفعنا من هذه الحياة اليومية إلى حيث يستطيع العقل ان يستريح، والذين سمعوه قد ذكروا أن المحاضرات ليست ميداناً للمسابقة في السماع، بل هي أيضاً مكان يستطيع ان يلتقي فيه المفكرون بالمفكرين وان يتحدث فيه الانسان إلى الانسان بما تعانية الانسانية من الآلام
وأذا كنا نستقبله ونحييه الآن فانما نستقبله ونحييه ككاتب من أكبر كتاب فرنسا الذين يمثلون العقل الفرنسي الحديث والادب الفرنسي الحديث، ثم اني لا أستقبله بهذه الصفة وحدها وإنما استقبله باعتباره كاتباً انسانياً فيه كل مميزات العقل الفرنسي، وكل مميزات الكتاب الفرنسيين واليونانيين القدماء، ثم هو لا يمثل ذلك كله، وإنما يمثل المثل الاعلى للانسانية كلها
فاذا حييته الآن فأنما احيي فيه العقل الفرنسي من جهة والمثل الاعلى للادب الانساني من جهة أخرى. . .
نهض مسيو جول رومان والقى الكلمة الآتية:
كلمة مسيو جول رومان
سيداتي وسادتي، واسمحوا لي أيضاً أن أقول زملائي وإخواني الاعزاء
إني لسعيد بأن امثل بينكم هذا المساء، وأقول لكم كيف تأثرت بما حيا بي به الكتاب المصريون من الرعاية والحفاوة، وأعرب عن شكري للكتاب المصريينالذين عنوا باستقبالي. وطبيعي أن يستحق هذا الشكر كتاب مصر - فالكتاب في كل بلد هم أهل الشكر. ثم إني لسعيد بان أكون الليلة في قلب نادي القلم المصري، ذلك النادي الفتي، بل أحدث مراكز القلم في العالم سنا، انني عضو قديم في نادي القلم، وقد اشتركت في تاسيس النادي الفرنسي، وكنت دائماً مندوب فرنسا في جميع مؤتمرات القلم الدولية؛ ولقد شهت أخيراً كل ما يهدد مجمع القلم من الصعاب وخيبة الأمل، حتى لقد خيل الينا أن مجمع القلم سيقضي نحبه. وكنا في العام الماضي في مؤتمر القلم الدولي بمدينة راجوزا نتخبط في معترك من الآراء والأفكار المضطربة. اجل، كاد مجمع القلم يذهب في راجوزا ضحية المثل الأعلى. ولم تكن الآراء المضاربة تضطرم حول مهنة القلم ذاتها، ولكنها كانت آراء
стр. 2875
إنسانية هامة رباه، إن هذا الموت لم يقع، ولكن حدث بتر ولعله بتر احتياطي؛ وسف يقوم المجمع من عثرته كرة أخرى، واني لانتهز هذه الفرصة لاقول لكم واذكركم بان العضوية في مجمع القلم تحتم بعض التعهدات نحو الانسانية عامة، أجل، لسنا كتاباً نتحدث عن مهنتنا فقط، ولسنا نريد الاجتماع للحديث والسمر فقط. بل نحن أيضاً رجال نخدم العقل والضمير ونعرف ما تفرضه علينا مهنتنا. وأبدع ما في مهنتنا أننا نقدم بعض الواجبات بعيداً عن مصالحنا الشخصية، ولما كنا خدام العقل فانا نتضافر على اداء الواجب ولا نعبأ بالأعتبارات السياسية ولا نخضع لحزب من الاحزاب، بل نحتفظ بالحق والواجب ولا نخضع لأي نظام سياسي لا يعترف بحق العقل والذهن، وكلما هدد المثل الأعلى وجب على أندية القلم في العاالم كله أن تثور على هذا الوعيد. إن سلطتنا ليست وهيمة؛ ولست أبالغ فأقول إننا نستطيع أن نقف البحر؛ ولكني أذكر لكم شيئاً مما حدث في راجوزا فقد تحدثنا عن سياسة الحكومة الالمانية في اضطهاد رجال الفكر، وتحدثنا من هذه المدينة الصغيرة بالتليفون مع المسئولين في المانيا عدة ساعات، واستطعنا أن نحمل الحكومة الالمانية على أن تخفف مسلكها نوعا ما وأن تمنع بعض الاعتداء على الفكر
سيداتي وسادتي: لست أعلم ما يخبئ المستقبل، فأنا نخاف كثيراً ونؤمل كثيراً، ولكي لست متفائلاً، فانا لم نخرج بعد من غمار الأزمة ونحن في غمر الصعاب، ولكني أعتقد وأكرر أن أعظم جريمة يرتكبها خدام العقل هي ان يعتقدوا في القدر الذي لا يخدم العقل، أجل إن أعظم جريمة نرتكبها هي أن ننحني أمام العاصفة فالخطر الذي نواجهه هو خطر انساني من علم الانسان، اراده ودبره الانسان، فنحن نستطيع ان نقاوم مقاومة انسانية، ويجب أن يعتمد علينا في كفاح هذه المصائب التي تهدد الانسانية وفينا نحن رجال الفكر والقلم تتمثل تلك القوة التي تحمي الانسانية من التدهو النهائي
واني لأرفع قدحي نخب مصر التي استقبلتني، ونخب فرنسا التي أمثلها كمندوب متواضع بل ونخب جول رومان
الاكاديمية الفرنسية والنساء
كانت وزارة المعارف الفرنسية قد رشحنت الكاتبة المعروفة مدام كوليت عضواً بالاكاديمية الفرنسية، ولكن بعض المغرضين لم ينضروا إلى هذا الترشيح بعين الارتياح، وحملوا على
следующие страницы →