← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

في سرعة الرقة كلما تأزّقت وهي غاضبة وكان يجتمع أطفال الجيران على دراجاته ويسيرون بها في الطريق صفاً يحملون الاعلام ويزأطون يوفرحون، فتتقدمهم ميمي على دراجتها تتعرّف لهم المسالك وهي مثلهم زائطفة فرحة مغتبطة حتى لتحسبها منهم لولا مظهرها وكان أمين المتحف يصطحبها معه إلى مقر عمله في سيارته فكانت تتشبث باصطحاب دراجتها فلا تنزل عند باب المتحف حتى تخف اليها فتركبها داخل المتحف. وكان غرائبها انها كلما وصلت إلى طَبق الحديد الذي يغطى انابيب المجاري بأرض المتحف تترّجل حتما وتجرّ دراجتها عليه ثم تركبها بعد تخطيه مع انه في استواء الأرض لا يحسه الراكب وظهر منها هذا الشذوذ عينه لما سارت في الطابق الأعلى فانها كانت كلما صادفت في بلاط الارض صفاً اسود تخطته راجلة وكانت تأكل مع صاحبها في مطعم المتحف ظهراً فتسير اليه بالدراجة وتذهب إلى مكانها دون تلكع فيهيجها صوت الآكلين وقرع الصحون وشميم الاطبخة فتصرخ فيبتهج لصراخها أصدقاؤها الكثيرون من حولها. وتدور بعينيها تطلب حاملات الطعام فاذا بصرت بهن هزت جسمها سروراً وتلفظت بالرضاء، فاذا استقر الطعام أمامها رفعت شوكة أو ملعقة من ذات نفسها، وقد تخطئ فترفعها بيسارها فتنقلها إلى يمينها ولكن بعد امساكها بفمها. وهي تأكل البسائط، فتأكل الخبز والزبد واللبن والبطاطس والسبانخ والفول الأخضر والخس والطماطم والفواكه وشيئا من اللحم أحياناً، واختصاراً كل ما كان يأكله الناس. وهي تحب الحلوى كائنة ما كانت ساخنة أو مثلوجة وإذا انتهت من الطعام بسطت منديلها فمسحت به وجهها وتشرفت ميمي بدعوة من رئيس المتحف الأمريكي العام للتاريخ الطبيعي في وليمية رسمية كبرى، فذهبت في سيارة إلى بؤرة المدنية لأول مرة، فاخترقت الطرقات العظيمة على أضوائها الشديدة وزينات مسارحها الباهرة، في جو ملئ بنغم الاوتار ونفخ المزمار وأدخنة السجائر والسيجار وأبواق السيارات وضجيج الحجيج من أهل اللباس الأنيق والزِّيِّ الرشيق والذوق الرفيع. فأهاجت ميمي كل تلك المظاهر لاشك ولكنها صمّمت كأنما تفكر في موطنها الافريقي. وجاء أوان النزول من السيارة فخفَّت ميمي إلى درّاجتها وسارت بها عَبْر البهو إلى قاعة الطعام الكبرى فاتخذت مجلسها بين الضيوف، وجاءتها الصحفة بعد الصحفة. فأكلت بأدب من كل

стр. 2872

لون. وجاء دور الكلام فأصغت كأنه تستمع للخطباء فلم تنبس بكلمة ولم تطرف بعين الا عندما جاء المصورون يصورونها على ضوء المغنسيوم فانها اخذت تَطْرِف لكل صورة حتى استتموا عشراً. وانتصفت الليل فانفض الجمع وهم معجبون بميمي. وقال قائل منهم ما إلى هذا الحد يبلغ الأطفال من الأدب والكمال احمد زكي

стр. 2873

البريد الأدبي استقبال الكاتب الفرنسي جول رومان في نادي القلم المصري احتفل نادي القلم المصري في مأدبته إلى أقامها في مساء الاربعاء الماضي باستقبال الكاتب الفرنسي النابه جول رومان ضيف مصر والقى الدكتور طه حسين باسم نادي القلم هذه الكلمة تحية للكاتب الكبير كلمة الدكتور طه حسين سيداتي وسادتي: سمعتم مني في المرة الماضية أني لا أحب الخطب في مثل هذه المجامع. وأني أوثر أن تكون مجامع حديث وسمر، وأن تكون مجامع نستريح فيها من عناء ما نتكلف أثناء النهار من الجد والبحث والقراءة والكتابة، وأوثر ان تكون هذه الاجتماعات كالساعات التي يظفر فيها الطلاب، بالراحة أثناء النهار، ولكني مضطر هذه الليلة إلى ان اتحدث اليكم قليلاً، وثقوا بأني لن اطيل. والذي يسرني ان اتحدث فيه اليكم، وواثق أنكم جميعاً تشاركوني فيه هو ان النادي - نادي القلم الذي أنشأناه - يظهر انه موفق، وان التوفيق قد كتب له منذ اجتماعاته الاولى فاذا ذكرتم اننا في اجتماعنا الماضي قد استقبلنا كاتباً من أكبر الكتاب الانكليز هو مستر هتشنسن وإذا لاحظتم اننا نستقبل الآن كاتباً من أكبر الكتاب الفرنسيين هو مسيو جول رومان عرفتم ووافقتموني على ان نادينا من حقه ان يتغبط بهذا البدء السعيد واني لسعيد هذه الليلة بان أحيي ضيفنا تحية ملؤها الحب والاكبار. فالذين يقرأون كتبه لا يستطيعون إلا أن يتبينوا هذه العواطف القوية التي يثيرها في نفوسهم، وهي ليست الا عواطف محبة واكبار. فهو ليس من الكتاب الذين يبهرون الناس بحسن الفاظهم وروعة صياغتهم وإنما هو كاتب قبل كل شيء يصل إلى قلب القارئ. ويرفعه إلى ارقى ما يستطيع ان يرقى الانسان اليه من المثل الاعلى والكمال والذين سمعوا منك محاضرتيه القيميتين في الليسيه والجمعية الجغرافية لا يستطيعون الا

стр. 2874

أن يقدموا اليه تحية خالصة هي تحية العقل للعقل، وتحية القلب للقلب، فلاول مرة نستطيع ان نسمع في مصر بين المحاضرين الذين يفدون اليها من الخارج ما يرفعنا من هذه الحياة اليومية إلى حيث يستطيع العقل ان يستريح، والذين سمعوه قد ذكروا أن المحاضرات ليست ميداناً للمسابقة في السماع، بل هي أيضاً مكان يستطيع ان يلتقي فيه المفكرون بالمفكرين وان يتحدث فيه الانسان إلى الانسان بما تعانية الانسانية من الآلام وأذا كنا نستقبله ونحييه الآن فانما نستقبله ونحييه ككاتب من أكبر كتاب فرنسا الذين يمثلون العقل الفرنسي الحديث والادب الفرنسي الحديث، ثم اني لا أستقبله بهذه الصفة وحدها وإنما استقبله باعتباره كاتباً انسانياً فيه كل مميزات العقل الفرنسي، وكل مميزات الكتاب الفرنسيين واليونانيين القدماء، ثم هو لا يمثل ذلك كله، وإنما يمثل المثل الاعلى للانسانية كلها فاذا حييته الآن فأنما احيي فيه العقل الفرنسي من جهة والمثل الاعلى للادب الانساني من جهة أخرى. . . نهض مسيو جول رومان والقى الكلمة الآتية: كلمة مسيو جول رومان سيداتي وسادتي، واسمحوا لي أيضاً أن أقول زملائي وإخواني الاعزاء إني لسعيد بأن امثل بينكم هذا المساء، وأقول لكم كيف تأثرت بما حيا بي به الكتاب المصريون من الرعاية والحفاوة، وأعرب عن شكري للكتاب المصريينالذين عنوا باستقبالي. وطبيعي أن يستحق هذا الشكر كتاب مصر - فالكتاب في كل بلد هم أهل الشكر. ثم إني لسعيد بان أكون الليلة في قلب نادي القلم المصري، ذلك النادي الفتي، بل أحدث مراكز القلم في العالم سنا، انني عضو قديم في نادي القلم، وقد اشتركت في تاسيس النادي الفرنسي، وكنت دائماً مندوب فرنسا في جميع مؤتمرات القلم الدولية؛ ولقد شهت أخيراً كل ما يهدد مجمع القلم من الصعاب وخيبة الأمل، حتى لقد خيل الينا أن مجمع القلم سيقضي نحبه. وكنا في العام الماضي في مؤتمر القلم الدولي بمدينة راجوزا نتخبط في معترك من الآراء والأفكار المضطربة. اجل، كاد مجمع القلم يذهب في راجوزا ضحية المثل الأعلى. ولم تكن الآراء المضاربة تضطرم حول مهنة القلم ذاتها، ولكنها كانت آراء

стр. 2875

إنسانية هامة رباه، إن هذا الموت لم يقع، ولكن حدث بتر ولعله بتر احتياطي؛ وسف يقوم المجمع من عثرته كرة أخرى، واني لانتهز هذه الفرصة لاقول لكم واذكركم بان العضوية في مجمع القلم تحتم بعض التعهدات نحو الانسانية عامة، أجل، لسنا كتاباً نتحدث عن مهنتنا فقط، ولسنا نريد الاجتماع للحديث والسمر فقط. بل نحن أيضاً رجال نخدم العقل والضمير ونعرف ما تفرضه علينا مهنتنا. وأبدع ما في مهنتنا أننا نقدم بعض الواجبات بعيداً عن مصالحنا الشخصية، ولما كنا خدام العقل فانا نتضافر على اداء الواجب ولا نعبأ بالأعتبارات السياسية ولا نخضع لحزب من الاحزاب، بل نحتفظ بالحق والواجب ولا نخضع لأي نظام سياسي لا يعترف بحق العقل والذهن، وكلما هدد المثل الأعلى وجب على أندية القلم في العاالم كله أن تثور على هذا الوعيد. إن سلطتنا ليست وهيمة؛ ولست أبالغ فأقول إننا نستطيع أن نقف البحر؛ ولكني أذكر لكم شيئاً مما حدث في راجوزا فقد تحدثنا عن سياسة الحكومة الالمانية في اضطهاد رجال الفكر، وتحدثنا من هذه المدينة الصغيرة بالتليفون مع المسئولين في المانيا عدة ساعات، واستطعنا أن نحمل الحكومة الالمانية على أن تخفف مسلكها نوعا ما وأن تمنع بعض الاعتداء على الفكر سيداتي وسادتي: لست أعلم ما يخبئ المستقبل، فأنا نخاف كثيراً ونؤمل كثيراً، ولكي لست متفائلاً، فانا لم نخرج بعد من غمار الأزمة ونحن في غمر الصعاب، ولكني أعتقد وأكرر أن أعظم جريمة يرتكبها خدام العقل هي ان يعتقدوا في القدر الذي لا يخدم العقل، أجل إن أعظم جريمة نرتكبها هي أن ننحني أمام العاصفة فالخطر الذي نواجهه هو خطر انساني من علم الانسان، اراده ودبره الانسان، فنحن نستطيع ان نقاوم مقاومة انسانية، ويجب أن يعتمد علينا في كفاح هذه المصائب التي تهدد الانسانية وفينا نحن رجال الفكر والقلم تتمثل تلك القوة التي تحمي الانسانية من التدهو النهائي واني لأرفع قدحي نخب مصر التي استقبلتني، ونخب فرنسا التي أمثلها كمندوب متواضع بل ونخب جول رومان الاكاديمية الفرنسية والنساء كانت وزارة المعارف الفرنسية قد رشحنت الكاتبة المعروفة مدام كوليت عضواً بالاكاديمية الفرنسية، ولكن بعض المغرضين لم ينضروا إلى هذا الترشيح بعين الارتياح، وحملوا على

стр. 2876

الفكرة حملات شعواء في الصحف والمجلات الادبية مستنكرين منح مقاعد الاكاديمية للنساء في الوقت الذي يضن بها فيه على نوابغ الكتاب والشعراء مثال: جيد وستراتي وجوليان بندو وغيرهم وقد انضم إلى هؤلاء الساخطين بعض الشيوخ من اعضاء الاكاديمية ممن لا يزالون يرون ان المرأة الفرنسية لم تصلح بعد للاشتراك في الهيئات النيابية او المجامع العلمية والأدبية الرسمية. ازاء هذا المعارضة القوية، عدلت وزارة المعارف عن رأيها وقررت اخيراً منح هذا المقعد لفرنسوا مورياك الناقد والكاتب المسرحي المشهور، والذي سبق ان أخرجت له في مصر رواية (المسحور) على مسرح الاوبرا الملكية في عام ١٩٢٤ ورواية (بلانشيت) على مسرح رمسيس. وقد فكرت بعض الاديبات الفرنسيات في تأسيس أكاديمية للآداب والفنون تكون خاصة بالنساء فقط، وسوف يفتح باب الاشتراك فيها لجميع الكاتبات والصحفيات من الجنس اللطيف بدون تمييز بين الجنسيات والاديان. انتحار روائية انجليزية اشتهرت دورثي ادوارد الروائية الانجليزية بأقاصيصها الصغيرة التي كانت تودعها نظرياتها الخاصة عن الحياة العصرية، ونالت من وراء ذلك شهرة أدبية واسعة، خاصة في الولايات المتحدة، وطبع بعض رواياتها أكثر من مائة طبعة وذلك وهي لم تتجاوز العقد الثالث من العمر. وقد وجدت جثتها في صباح ذات يوم ملقاة إلى جانب السكة الحديدبالقرب من كيارفلي بانجلترا، ويستدل من التحريات التي أجراها بوليس سكوتلانديارد على أن الكاتبة بعد أن زارت لندن، وحضرت بضع حفلات موسيقية استقلت القطار حيث عثر على جدثتها في صبيحة اليوم التالي ولا يعلم ان كانت قد تعمدت الانتحار أم سقطت اثناء اجتيارزها عربات القطار في الليل. وتقول مجلة (جون أوف لندن) أن روية دورثي الاخيرة (نفسية في مرقص) قد ترجمت إلى معظم اللغات الحية وبلغ ما بيع منها زهاء النصف مليون نسخة!

стр. 2877

الكاتب لنمسوى هرمان بير توقى أخيراً الكاتب النمسوي الكبير هرمان بير في الحادية والسبعين من عمره! ولد في لنز سنة ١٨٦٣، ودرس في فينا وبرلين. وكان (بار) منذ أربعين عاماً من زعماء الأدب الالماني الحديث؛ وكان بالأخص من مؤسسي الحركة الادبية التي عرفت في أواخر القرن الماضي باسم (النمسا الفتاة) وكان من زعمائها مع بار، ارثر شتزلر وفون هو فمانشتال. وظهر بير في مستهل حياته الادبية بالتأليف المسرحي واختص منه بناحية (الكوميديا)؛ ومثلت رواياته في أشهر مسارح فينا ولاقت في أوائل هذا القرن شهرة واسعة، ثم اشتغل بار بالنقد الادبي والصحافة. واشترك مدى أعوام في تحرير جريدة (دي تسايت) (الوقت) النمسوية ثم في جريدة (نويه فينر جورنال)؛ وكان يختص بكتابة النقد الادبي والتاريخ. وتزوج بير من الفنانة الشهيرة أنا ملدنبورج، وهي موسيقية ومغنية بارعة اشتهرت في حفلات سالزبورح برائع فنها ورخيم صوتها. ولما انتقلت أناملدنبورج إلى ميونيخ لتعمل في مسارحها تبعها زوجها وغادر موطنه، وأقام معه في ميونيخ وقضى فيها أعوامه الأخيرة حتى توفى ومن أشهر قطعة التمثيلية (الاتفاق) (١٩١١) وفيها يعالج فكرة اجتماعية هي تسامح الزوج المنبوذ نحو خيانة زوجته واعترافه بحبها الآخر كوسيلة لاستثارة عطفها واستعادة ودها و (الغبي والعاقل) (١٩١٢) وفيها يعالج فكرة الحكمة وهل هي اتباع الواجب أم اتباع الهوى. ومن أشهر رواياته (نماذج للحب) (١٩٢٩) حق المؤرخ في التصوير والتفسير هل يحق للمؤرخ أن يكون حراً في تصويره وتقديره للشخصيات المعاصرة التي يعرض لها؟ هذه مسألة طرحت أخيراً على القضاء الفرنسي لمناسبة ظهور كتاب جديد للمؤرخ الفرنسي الشهير (رايمون ريكولي) عن (الجنرال جوفر) القائد العام للجيش الفرنسي في أوائل الحرب الكبرى، وقد تناول المؤرخ حياة الجنرال جوفر والحوادث العسكرية التي خاضها وعلق عليها بآرائه وتقديراته. فرأى القائد لانرزاك ولد الجنرال جوفر ان في الصورة التي يقدمها مسيو ريكولي، وفي بعض آرائه وتعليقاته اخطاء ومآخذ تعتبر سباً

стр. 2878

لذكرى والده، ورفع أمام محكمة السين قضية مدنية يطالب فيها مسيو ريكولي بالتعويضات وقد أثارت هذه القضية اهتماماً كبيراً. وانتهت بعد مرافقات ومذكرات طويلة بانصاف التاريخ والمؤرخ. ومن رأى المحكمة أن مسيو ريكولي لم يتعد حقوق المؤرخ وانه لم ينشر وقائع مزيفة أو مشوهة، وانه في تقديره وتعليقه لم يتجاوز ما هو حق للمؤرخ في عرض التاريخ وكتابته. ولهذا رفضت قضية القائد لانرزاك.

стр. 2879

القصص قصة في رسالة سيدي الطبيب: إن المصادفات المشئومة والحظوظ السيئة، ساتقتك الي وعرفتك بي، ما كنت أظن أن أمراً تافهاً ستكون نتيجته وخيمة إلى هذا الحد! قبل أيام وقفت عجلة كبيرة مملوءة بالأثاث أمام الدار المواجهة لدارنا، فرغبت أن أعرف وأنا في نافذتي أولئك الذين سيكونون جيراننا في هذا الصيف، فرأيتك عاري الرأس تأمر وتنهي وتساعد الخدم كلما قضت الحاجة بذلك، ثم رفعت رأسك نحو نوافد غرفتي: وكانت - ياللأسف - نافذتي مفتوحة، فرأيتني - ويا ليتك لم ترني - أجل، رأيتني وأنا أبتسم، وكنت السبب في تلك الابتسامة، لأن انهماكك في تفريغ العجلة وأوامرك التي لا حد لها ولا نهاية كانت مضحكة جداً. فالذنب إذا ذنبك وتبعته عائد عليك. ثم رأيتني مرة ثانية وأنت ترسل ستائر نوافذ بيتك، في تلك الأثناء وجهت بصرك نحو نوافذنا وابتسمت لي فهذا ذنب ثان كان منك، كنت أظن أن هذه الأشياء تافهة في ذاتها وأنها لن تبقى راسخة في مخيلتك عالقة بذهنك، ولكني في ملاقاتي الثالثة علمت أنك أعطيت ذلك من الاهتمام شيئاً كثيراً. أظن أن ذلك كان بعد عشرة أيام، خرجت مع والدتي من البيت فرأيتك مقبلا من الشارع الذي أمامنا، ولكنك في هذه المرة لم تبتسم لي - وياليتك أبتسمت - ولو فعلت ذلك لما اكترثت بل كنت أعدك ككثير من الرجال الذي يبتسمون لكل انثى يصادفونها في طريق. انك لم تبتسم بل اصفر وجهك، وفي أقل من ثانية لم يبق فيه أثر للدم كأنه انسحب ليجتمع في قلبك فقط. ما هو سبب ذلك؟ ولماذا اصفر وجهك؟ كان يجب أن تلحظ أن حالة كهذه أمام الفتيات توجب لهن القلق وتسبب الاضطراب، وهذا الذنب الثالث أوجهه اليك أيضاً، بعد أن مررت قالت والدتي: (أليس هذا الرجل هو الطبيب الذي سكن أمامنا؟) ولا أدري لماذا كذبت عليها وقلت (لا أعرف) مع أني كنت أعرف جيداً أنك في هذا الصيف نزيل الدار التي امامنا. وكانت مقابلتي الرابعة لك في النزهة، وفي هذه المرة لم يبخل بالابتسام فقط بلبخلت بالنظر أيضاً، يالله ما أشد أصفرار وجهك إذ ذاك! كلما ذكرت حالتك تلك، شعرت بحس

стр. 2880

غريب، وألم لا أدري مصدره، فاني لم أفعل شيئاً يوجب اضطرابك ولا أرى على أدنى تبعة يمكن ان يتحملها وجداني. فقررت بعد ذلك أن أبالغ في الاحتياط، وأشتد في الحذر وبخاصة منك، لأن ابتسامة عن غير قصد ولا رأى أخذت موقعاً مهماً أرعبني، فقررت أنه يجب أن يقف الأمر عند هذا الحد. ولكنك لم تقف عند هذا الحد، ولم تلحظ أن الفتاة التي ابتسمت لك عن غير قصد، وابتسمت لها لم تكن إلا طفلة لا شابة، وانها تود الآن أن تصلح خطأها. كلما قرع جرس الباب، وكلما حدثت ضوضاء أمام الباب برز خيالك من وراء زجاج النوافذ، لقد طرأ عليك وعلى أحولك تبدل هائل خلال هذه الخمسة عشر يوماً، كنت ترى مطرقا حزينا عميق الافتكار، تمشي بطيئا جدا كأن المشي السريع سيقطع سلسلة أفكارك، تقف أمام داركم وتلمس زر الجرس الكهربائي وتلتفت نحو نوافذنا، وتنظر نظرة استرحام تدل على أن كل ذلك كان من تلك الطفلة البريئة صاحبة تلك الابتسامة. ثم مرضت، وأخذ القدر يمشي بك نحو الهاوية التي كنت أحترس منها، لما علمت أن والدتي تود أن ترسل اليك لتعودني مانعت وطلبت طبيباً غيك، ولكني غلبت على أمري، ولو رأيتني حينذاك لعلمت جيداً كيف كنت أخشاك. لما دخلت عليّ لفحصي كنت مضطرباً أصفر الوجه، وكل ما كنت أتمناه أن يجس نبضك جاس حينما أمسكت أنت يدي لتعد نبضي. . . كنت تسعى لأخفاء اضطرابك وتخلط كلامك بالنكت اللطيفة، وتظهر عدم الاكتراث، ولكن كان تكلفك ظاهراً وكان مثلك في ذلك كمثل المغني الذي يغني أنشودته على غير توقيعها. كنت في كل مرة تدخل علي عائداً أكثر اضطراباً وأشد يأساً وتألماً من المرة السابقة، وأرى ورد خديك قد صار بهاراً كأنني كلما تقدمت نحو الصحة تقدمت أنت نحو المرض، وأخيراً بعد أن انتهى المرض ومضى دور النقاهةقلت لي بلهجة مملوءة بالحزن العميق الشامل جميع انحاء فؤادك (انك لست بحاجة بعد اليوم إلى المعالجة) وكانت نغمة صوتك تحمل معنى (إنني أنا المحتاج إلى العلاج). إن تلك العلاقات التافهة البرئية التي بيننا كان يجب أن تقف عند هذا الحد، ولكننك أنت أبيت إلا أن تسير في هذا الطريق وأنت لا تعلم أتصل إلى نهايته أم لا؟ ان تبعة ما فعلته

стр. 2881

بعد رؤيتك لي وأنا مريضة عائدة عليك كما كانت عليك تبعة الذنوب التي كانت قبل المرض. لقد شاهدتك البارحة وأنت جالس على كرسي في غرفتك تراقب نافذتي وأنت مشغول عن كل ما حولك إلا عن نافذتي كأن عينيك لا تشاهدان إلا ما وراء زجاجها، فسمعت صوتاً ساعدني على فهمه سكون الليل وهدوءه، سمعت صوت زوجك تناديك قائلة (لماذا لم تدخل إلى الغرفة؟) فأجبتها بحدة جواباً ظهر لي منه انك تألمت لهذا السؤال الذي قطع تلك اللذة التي كنت تشعر بها وأنت منفرد عن بقية أفراد الأسرة، قلت لها (إذا كنت تريدين النوم فنامي، إني أود أن أبقى في الشرفة). لا أدري لماذا أكتب اليك كل هذا؟ وربما كان ذلك لتبرئة نفسي من تبعة ما كان، إني لا أدري كيف عزمت وقر رأيي على كتابة هذه الرسالة، ولست أدري ما الذي يمنعني من تمزيق تلك الورقة التي أحررها اليك؟ أنت ترى اني لم أجد جواباً لهذه الاسئلة، ولكني أرى اني تابعة لحسن خفي يسوقني لارسال هذا الكتاب اليك. تصور فتاة نشأت بين دلال الأم وعطف الأب، تقضي أكثر ليلها في مكتبة والدها تتلسى بقراءة الحكايات، وأكثر أيامها تمضي في السينما تبكي من الفواجع التي تصورها اللوحة الفضية، لا هم لها ولا غم، ولكنها تتألم الألم الناس وتحزن لحزنهم. ثم تذهب إلى مخزن الازياء فاذا عادت بما تحب قدمت إلى والدها أوراق الحساب ذات الارقام الضخمة. لم تفكر في حياتها كلها بشيء غير هذا، ولم يطرأ على حياتها طارئ الا ان شاباً ابتسمت له وهو يأمر وينهي خدمه وهم ينقلون الاثاث إلى المنزل الذي امام دارها، ثم ابتسم لها وهو يرسل سجف نوافذ المنزل، أليس الأمر حتى الآن طبيعياً؟ ولكن هذا الشاب لم يتلق هذا الابتسام كأمر طبيعي، بل ظل يراقب النافذة وهو مضطرب حائر، ثم بعد كل ذلك يرمى داخل مظلتها المغلقة وهو يمر من جانبها كتاباً من غير أن تشعر بذلك والدتها التي بجانبها، ان هذه الأشياء اخذت تخرج عن الحد الطبيعي، لذلك أصبحت الفتاة الشابة ترى أن الضحك ليس أمراً طبيعياً. ما أشأم تلك المصادفات التي القتك في طريقي، وما أضل الافكار التي أوحت اليك وضع الورقة في مظلتي؟ ما هو الشيء الذي خولك حق رمي ورقة إلى فتاة لم تر ولو في المنام من يؤذيها أو يلعب بشعورها؟

стр. 2882

كنت حتى اللحظة أشعر نحوك بشيء لا أدري ماذا أسميه؟ أشعر بشيء شبيه بالرحمة والعطف، ولكني منذ سمعت صوت الورقة وهي تقع في مظلتي نفرت منك نفوراً شديداً. لقد شعرت بحس قوي يدفعني إلى أن أفتح مظلتي وأرمي تلك الورقة في الأرض، ولكني لا أدري لماذا لم أنفذ هذا العزم؟ لقد تغلب علي حب الاطلاع، وأردت أن أعلم ما الذي كتبته لي في كتابك. هل قدرت عظم ذنبك وأنت ترمي ورقتك في مظلتي؟ هل قدرت حرج موقفي في تلك الدقيقة؟ وهل قدرت أنها جناية غير قابلة للغفران؟ إن ما يشع في عينيك من النجابة ومااا يقرأ فيهما من آثار العفة يشهد بانك كنت تحت تأثير غفلة خضعت لها عن غير ارادة منك. حينما بلغت البيت ذهبت توا إلى غرفتي وفتحت رسالتك فلم فيها ولا كلمة واحدة تثقل على سمع فتاة مثلي. فرأيي السابق فيك كان صحيحاً. لقد أثبت لي ذلك كتابك ذو الصحائف الأربع الذي لا يحتوي على معنى تفيده جملة مركبة من أربع كلمات، فما الغاية إذن من كتابته اليّ؟ هل أظهرت لك رغبتي في الاطلاع على أنك لست سعيداً في حياتك؟ وهل طلبت منك ان تكتب اليّ ذلك في صحائف أربع؟ قرأت كتاتبك المرة تلو المرة ولم أفهم له غاية. فقلت في نفسي: إنه يعلن لي حبهن ولكن زوجته؟. . . أولاده؟. . . في مساء أحد الأيام كان الأولاد يلعبون أمام الدار، فشاهدت ابنتك الصغيرة ذات الوجه الجميل والشعر الاشقر المحيط بوجهها احاطة الهالة بالقمر تصفق طرباً وتصيح: هاهوذا والدي قد جاء وتركض نحوك، فاذا أنت تقطب حاجبيك وتأمرها بالابتعاد عنك، وترفع عينيك نحو نافذتي، فعادت الصغيرة كئيبة حزينة، لا يقدر يراعى أن يصف لك نفوري منك وكرهي لك في تلك الدقيقة، اذن أنت في شغل بي حتى عن أولادك فأنت تنظر اليهم بقسوة وتعاملهم معاملة سيئة؟ إن حالتك هذه كافية لتشرح لي الآلام التي سببتها لتلك الاسرة التي أنت ربها. قلت في نفسي مادمت سبباً في نفوره من زوجته وأولاده فالواجب ان تقف هذه المسألة عند هذا الحد. أخذت كتابك حينذاك وقرأته في انعام مرة أخرى، فخطر ببالي ان ارسله إلى زوجتك، ولكني عدلت وانقلب ذلك النفور الذي كنت أشعر به منذ لحظة إلى رحمة من

стр. 2883

أعماق قلبي. وفي صباح اليوم الثاني بينما انا خارجة من البيت، ولم أكن اسدلت النقاب على وجهي شاهدتك تنزل مسرعاً من الدرج فالتقت العين بالعين، خانتك قواك عند ذلك، ولولا استنادك إلى الجدار لوقعت على الأرض لا محالة. فشعرت أن مهمتي تجاه هذه الحال شاقة جداً وانه يجب ان اشفق عليك وعلى زوجك وأولادك لا أن احقد عليك. أعترف لك انك بارع جداً في ارسال الرسائل، اني بعد أن قرأت رسالتك الأخيرة التي وجدتها بين زجاج نافذتي وبين القفص الخشبي، تلك الرسالة التي حتى الآن لم اكتشف كيفية وصولها اليّ ولم اعلم بأية وطريقة وضعت، شعرت بأن دافعاً اهم من السابق يدفعني للكتابة اليك، لا لأجلك بل لأجل تخليص زوجك من مصيبة محتملة الوقوع، ولمنع هذه الاضحوكة من ان تتحول إلى فاجعة كبرى. في كتابك هذا تبحث عني وتعلمني أن مصادفتك لي كانت سبباً في شقائك، وانك تحبني حباً بغير امل، واني كدرت حلو معيشتكم وأنك حتى الآن كنت سعيداً بحياتك مع زوجك وأولادك، وأن حبك لي حول نعيم حياتك في البيت إلى جحيم، وأنك ستكون ضحية هذه الصدفة، إلى آخر ما في كتابك من كلمات. . . . اني واثقة كل الثقة من أنك الآن خجل بكل ما تحويه هذه الكلمة من معنى لكتابتك هذه الجمل وهذه العبارات تصور أنك ستترك زوجك أرملة، وأولادك يتامى من أجل ابتسامة من فتاة غرة، وفي هذا منتهى الغرابة. . . . أيقنت الآن اني سأكون سبب فاجعة كبرى، فالواجب يقضي عليّ أن أقف امام تلك الكارثة، وهو الذي اضطرني أن التجئ إلى هذه الوسيلة وهي الكتابة اليك، انت تعلم يقيناً انها جرأة من فتاة مثلي، ولكن. . . ولكن الوجدان. . . . تبحث أيضاً في كتابك عن اشياء كثيرة كلها متقاربة وتقول ان حبك لي جعل بينك وبين زوجك واولادك فراغاً لا يسده شيء؛ وانك الآن بعيد عنهم بعد الارض عن السماء، وان كان جسمك قريباً منهم متصلاً بهم، وانك حاضر الجسم بينهم لكنك غائب القلب والعقل عنهم؛ وان كل ذلك سيكون سبباً لفرارك من هذه الحياة التي أصبحت في نظرك جحيما. أنا اعلم انك تبحث لي عن هذه الأشياء كلها، ولست أعلم لذلك سبباً، وإذا كان الأمر كما

стр. 2884

ذكرت في كتبابك، فالفرار الفرار مني. . . إن حياتك في هذين الشهرين الأخيرين تمر من أمامي كما تمر الصور على اللوحة الفضية امام الجمهور النظارة فامتع النظر بها فأرى ان الشقاء في حياتك سرى إلى حياتي ايضاً، وتلونت حياتي بلون حياتكم الأسود، لقد كنت سعيدة أنا أيضاً حتى قبل شهرين من الزمن، لقد كنت مرحة مرح الصبا والشباب، وليتك تعلم مقدار حزني وألمي وبؤسي، لأنني كنت سبباً في شقائكم اذن انا من حيث لا ادري ولا أشعر كدرت صفو حياتكم، وبدلت سرورها شقاء، وقلبت نعيمها إلى جحيم، وصفاءها إلى كدر وبهجتها إلى عبوس. آه ما اتعسك ايتها الزوجة؟ ليت شعري كم من الدموع ذرفت، ومن الزفرات صعدت بسببي؟. . . اسائل نفسي عن الاسباب التي اضطرتك إلى المجيء هنا، وساقتك إلى السكنى في هذا المصيف؛ فتقول لي ربما كان سبب ذلك ان هذه الزوجة مصابة بفقر دم، او أحد الأطفال مبتلى بمرض ثقيل، فاضطر ذلك الاسرة كلها إلى نزول هذا المكان طلباً للعافية وتخلصاً من الاسقام، فاذا كان الأمر كذلك فقد حضرتم هذا المكان في طلب الصحة والعافية ففقدتم معهما السعادة العائلية، نعم ويا للاسف ان قطرة من السم وقعت صدفة واتفاقاً في حياتكم السعيدة فسممتها وجعلتها جحيما. . . اتمتلك في بيتك مطرقاً حزيناً غريقاً في بحر الافكار تسألك زوجتك (ما بك أيها الرفيق؟ وبماذا تفكر؟) فلا تجيبها بل تبقى في حزنك واكتئابك، ثم تتبرم من كثرة الاسئلة وتؤلم زوجتك ببضع كلمات فيكسر قلبها وتبكي تلك الليلة في فراشها بكاء مراً، تبكي بصوت خافت خشية ان تسمعها، ولكنك تشعر بذلك وتشفق عليها، فتقبلها تنسيها كل ما بها من الم وهم وتذهلها عن كلما كان. ولكن بعد ذلك يعود اليك ضجرك وحزنك، فتعامل زوجك وأولادك بقسوة وخشونة ما كنت تعاملهم بهما من قبل. ويخطر ببالي أشياء اخرى يقشعر بدني لهولها وسوء أثرها في زوجك واولادك، إذا كان الامر كذلك فالفرار الفرار مني. . . أنتم أتيتم إلى هذا المصيف لتجدوا فيه الصحة والسعادة، ولكنكم لم تجدوا غير العلة والشقاء، فالفرار الفرار من هنا. . .

стр. 2885

لقد جمعتني المصادفة بزوجك، فليتك تعلم مقدار ما كان لها في قلبي من محبة، وفي نفسي من مكانة، كلما تمثل لي وجهها الشاحب ومحياها الجميل المرسومة عليه آثار الحزن العميق؛ تألمت لها وأشفقت عليها كأنها أختيي، فيالله من سوء ما جنيت عليها وهول ما سقت اليها من العذاب على غير علم مني بذلك ولا رغبة فيه ولا قصد اليه. أتمثلها واقفة أمامك مع أولادها تنظر اليك نظرة الاسترحام والاستعطاف والدموع ملء محاجرها، ولسان حالها يقول: (لماذا أدرت عنا وجهك وطويت دوننا كشحك؟ لماذا تغير قلبك علينا منذ شهرين؟). أكتب اليك ولا أدري كيف أرسل اليك هذه الرسالة، ولا أعلم ما الذي سيكون من أثرها في نفسك؟ يخيل إلى أنها ستصل اليك وزوجك نائمة في فراشها وحولها أطفالها يغطون في نومهم، فاذا وقعت في يدك جلست االى منضدتك ونشرت الكتاب عليها وجعلت رأسها بين كفيك ثم اخذت تقرؤها. . ولعلك لا تنتهي من قراءة الصفحة الأولى حتى تشعر بأن غشاء الغفلة الذي يغشى عينيك اخذ ينقشع عنهما، وتعلم يقيناً انك كنت تابعاً لحس غير ثابت الأساس، أجل! كنت تابعاً لذلك الحس محاطاً به مغلوباً له خاضعاً لسلطانه مشغولاً به عن كل ما يجب عليك، كانك كنت جاهلا حتى الآن ان من العيب على المرء ان يسير وراء عواطفه وان ينقاد لها فتسوقه إلى المهاوي. في تلك اللحظة تشعر انك لا تزال تحب زوجك واولادك فتتحرك الشفقة في قلبك وتترك العنان لدموعك فتجري. . أجل أترك لها العنان تنسيل فوق تلك الورقة التي كلفت أن تخبرك بانتهاء تلك الرؤيا المخيفة. . . آه. إني لا أجد ملجأ يلجأ اليه المرء لتطهير قلبه مثل دموعه، يخيل إلى أنك الآن تبكي، أليس كذلك؟ إبك ما ساعدتك الدموع وأسعفتك الجفون: وغداً، أجل! غداً ستأخذ أسرتك وتهرب مني. أجل خذها ثم الفرار الفرار. والآن أتمثلك وقد نهضت عن كرسيك مطمئن القلب؛ وقد اخذت الورقة بيدك وأحرقتها بنار الشمعة المضاءة أمامك، ثم مشيت على رؤوس أصابع رجليك، وخرجت من غرفتك نحو غرفة زوجك وأولادك، وأنت حذر كل الحذر أن توقظهم بوقع قدميك، ثم طبعت قبلة طويلة على جبين كل من زوجتك وإبنك وإبنتك.

стр. 2886

كن على ثقة ان في الدار التي أمامكم قلباً يتمنى لك السعادة من الصميم، ويطلب لتلك القبلة الدوام إلى ابد الابد، اجل! ان هناك قلباً يخفق طرباً لرجوع السعادة إلى عشكم. حلب فتاة الفرات

стр. 2887

العالم المسرحي والسينمائي حول أزمة المسرح بين مديري الفرق والممثلين تفيض منذ أسابيع انهار الصحف من يومية واسبوعية بالحديث عن المسرح المصري ومشكلته القائمة من سنوات لمحاولة انهاضهوبعثه من جديد، وخلقه خلقاً آخر يقيل من عثرته ويبعث فيه دم الحياة والقوة، ويرفعه من هذه الهوة العميقة، وقد رددت الصحف صدى الشكوى الحارة مما آلت اليه حالة المسرح خاصة في هذا الموسم اذ اغلقتاكثر دور المسراح أبوابها وفض مديرو الفرق فرقهم التمثيلية بعد عمل لم يدم الا اسابيع. وكان الموسم يمتد كل عام اشهراً طويلة وتشتد فيه المنافسة والتشط الحركة، وتمثل عشرات الروايات بين مترجمة او مؤلفة ويقبل الجمهور على الملاعب مرحباً بما يبذل بين يديه من جهد وما يرى من آثار فنيه لها اقيمة ولها خطرها كنا وكان الحال على ما ذكرنا حتى سنتين او ثلاث فخمدت هذه الجذوة، وفتر هذا النشاط، وانصرفت الجماهير بعضها الىصناديق الليل كما يسمونها في باريس، وبعضها إلى دور السينما، وطالعنا هذا الموسم بما طالعنا به من الكساد وسوء الحال وغلق دور التمثيل ابوابها ولما تكد تبتدئ العمل. ولم يفت لجنة تشجيع التمثيل في وزارة المعارف ان تتنبه إلى ما وصلت اليه حال المسرح فاسرعت بعقد جلساتها ونشطت للعمل نشاطاً ملحوظاً، وارسلت لمديري الفرق جميعاً تسألهم رأيهم فيما يعيد على المسرح حياته ونهضته. وكان أن اقتراح تاليف فرقة من جميع المشتغلين بالمسرح تمدها الوزارة بالاعانة وتشد ازرها ويتكاتف الجميع على العمل معاً في سبيل غاية واحدة الا وهي انتشال المسرح والنهوض به. قبل مديرو الفرق - أو أغلبهم على الأصح - هذا الاقتراح ورحبوا به، وألفت لجنة فرعية من أعضاء لجنة تشجيع التمثيل لتضع بالاتفاق مع مديري الفرق تفاصيل هذا المشروع للبدء في تنفيذه في الحال. وعقدت اجتماعات عدة لذلك، تبودل فيها كثير من الاقتراحات والآراء، وظن في وقت من الأوقات أن الأمور تسير سيرها الطبيعي، وأن المشروع أوشك

стр. 2888

على التمام. ولكن ظهر أخيراً أن مديري الفرق يعجزون اللجنة بطالباتهم، وأن قبولهم المشروع لم يكن الا تظاهراً منهم بالتمشي مع اللجنة في الاقترح الذي لقي عنده ترحيباً وتشجيعاً على أن يقفوا في منتصف الطريق ويعودوا إلى طلباتهم الاولى من أن توزع الاعانة عليهم كما جرت العادة كل سنة دون قيد أو شرط فشل مشروع اللجنة إذا أزاء هذا التشبث أو قل هذا التعنت من مديري الفرق الذين رفضوا التعاون معها، ووقفت اللجنة حيرى وإذا بفريق كبير من ممثلي المسرح المشهود لهم بالكفاءة والمقدرة يؤلفون من بينهم اتحاداً ويتقدمون للجنة يعلنون أنهم يرحبون بمشورعها، وإذا كان مديروا الفرق قد ابوا التعاون معها على استعداد للعمل ولا ينقصهم الا أن تعينهم اللجنة وتمدهم بالمال. كان هذا هو الموقف الطبيعي الذي لا يمكن أن يكون للممثلين غيره ومديرو الفرق قوم لديهم من المال ما يقوم بالأود ويسد الحاجة، ولأغلبهم من موارد العيش غير العلم في المسرح ما يجعلهم لا يحسون ضيقاً إن لم يكفل لهم كثيراً من الرفاهية والنعيم؛ ولكن الممثلين حالهم يختلف عن هذا كل الاختلاف فمهنتهم هي كل شيء لهم؛ ومنها موردهم الوحيد الذي يعيشون عليه وهم واسرهم ومن يلوذ بهم من الاهل والزوج والولد. لذلك كان من الطبيعي جداً وقد تخلف مديرو الفرق عن العمل أن يتقدم الممثلون؛ والاولون؛ والآخرون المجموع والكثرة، ورحبت اللجنة بهذا الأتحاد ووعدته بالمعونة وشد الأزور إذا توفرت فيه أشياء حددتها اللجنة كما طلبت من أفراده ضمن ما طلبت ان يتخذوا لهم مسرحاً خاصاً للعمل عليه. ويسرنا أن أفراد هذا الاتحاد حققوا كثيراً مما طلبته اللجنة وانهم مجدون في تحقيق الباقي مما لم تسعف به الظروف المؤاتية وضيق الوقت، واتصالهم باللجنة مستمر وقد يكتب لمشروعه النجاح والتوفق وهو ما نؤمله ونرجوه مخلصين. على أن الصحف طالعتنا هذا الأسبوع بنبأ اتحاد اجديد ألفه فريق آخر من الممثلين يقولون أن عددهم يبلغ المائة أو يزيد. وتقدم الاتحاد الجديد إلى اللجنة بما تقدم به اتحاد الذي يسبقه وما ندري ما سيكون موقف اللجنة حاله، ولكن ظروف تكوين هذا الاتحاد وجملة عارضة جاءت في نشرته الاولى وبعض ما أحاطه من ملابسات لا تخفى على الاعين المتنبهة

стр. 2889

الفاحصة، كل هذا يجعل الاتحاد الجديد مشكوكاً في جديته وفي الغرض الذي قام من أجله، فاذا قلنا أنه تألف للكيد للاتحاد الأول، وان يد مديري الفرق ليست غريبة عنه، لعلنا لا نكون مخطئين، ولعلنا لا نكون قد جاوزنا كثيراً حقيقة الامر والسر فيه. على أن هذا لا يهمنا في الواقع كثيراً وان كان يؤلمنا ان نرى زملاء بعضهم حرباً على بعض، ولو حسنت النيات وتصافت النفوس لانضم أفراد الأتحاد الثاني إلى زمالائهم الذين كانوا قبلهم اتحاداً، ولما كان ثمت معنى لهذه التفرقة التي لن يكون لها اثر من نفع ان لم تنبت الفشل وتبذر الشقاق والخصام. على أننا لم نكتب كلمتنا لنقف من الممثلين موقف الواعظ الناصح، فليتدبروا شأنهم على النحو الذي يحلو لهم، ولكن نريد أن نقول للجنة، لجنة تشجيع التمثيل، أن ليس في تنحيي مديري الفرق ما يجد من جهودها او يدفع بها إلى الفشل مادام أن الممثلين قد تقدموا للعمل مجدين مخلصين، وامامها السبيل واضحة إن أرادت أن تكون نواة صالحة للعمل المسرحي الحق، وفي وسعها أن تشرف على العمل وتشترط به من الشروط والقيود ما يحقق رغباته وينهض بمشروعها إلى الغاية التي تنشدها وننشدها جميعاً. وها هي فرصة سانحة تعرض لها فلعلها تنتهزها في حزم وعزم، ولعلها أخيراً لا تحجم عن العمل الجدي الصريح، وثمت بارقة من أمل لعل فيها الخير ولعل في ثناياها تحقيق أملنا الواسع في اقالة عثرة المسرح. محمد على حماد

стр. 2890

في الكتب أبو علي عامل الأرتست مجموعة اقاصيص مصرية تأليف الأستاذ محمود تيمور عرض ونقد وتحليل لا يمكن لآي نقادة أن يتكلم عن أقاصيص تميور، أو أن يتعرض لدراستها دون ان يفكر في الصفات الأساسية التي تقوم عليها، أو التي أمكسبتها هذا الطابع الخاص، وهي: الباسطة والصدق والانسجام. وبودي أن أتحدث أولاً عن (طابع الصدق) فهي اظهر المميزات التي يتسم بها أدب تيمور، وهي تكاد تكون سجية طبيعية عنده. يرجع طابع الصدق ففي أقاصيص محمود تيمور إلى أنه يعيش في عالم عواطفه فطرية، فهي تملي عليه هذه الصور البيسطة التي يرسمها بريشته الصغيرة من غير أن تحجب عنا ظلال الألوان: (فام زيان) هي المرأة التي تعمل أجيرة في البيوت وفي الغيطان، لا ترى على وجهها عبوسة اليأس ولا ثورة السخط، فهي راضية عن حياتها قانعة بالقرب من حفيدها الصغير (الغالي)، تنهك قواها نهاراً في الخبازة، وتسهر ليلاً أمام مصباحها تخيط له الجلابيب والطواقي، والصغير في حجرها، تهزه وتغني له أغنيات المستبقل بصوت كله نواح وشجون، معددة له صفاته حينما يصير رجلا، له شارب غزير مفتول كشوارب الحكام، وطربوش أحمر فاتح اللون كطربيش الامراء، وحذاء ذو صرير عال كأحذية الجنود. و (الشيخ جمعه)، هو الرجل العام الفيلسوف السعيد بايمانه، المنعم بخيلاته يروي لك في بساطة فطرية، قصة سيدنا سليمان وما جرى له مع النسر الهرم الذي عاش الف الف عام وحكاية السيد البودي الذي حارب الجيوش قبل ان يولد، وخرافة مدينة النحاس والسندباد وطير الرخ وغيرها. و (عم متولي)، وهو بائع الفول السوداني الذي ما يكاد ييؤوب من جولاته العديدة بين شوارع الحلمية وحارة نور الظلام، وتؤويه ليلا حجرته الضيقة القذرة حتى يخرج من صندوقه سيفاً دقديما، هو الأثر الباقي من ايام عزه الاولى، يضعه على ركبتيه ثم يسبح في تأملاته اللانهائية، حتى إذا ما مرت بخاطره ذكرى العهود

стр. 2891

الخولي، حين كان يحارب في صفوف (المهدي) في السودان، أخرج السيف من غمده فاذ بالسلاح قد علاه الصدأ وبعد ان يهزه في يده مراراً كأنما هو يحارب عدوا في الهواء، يصيح صيحات خافتات، منادياً الجيش ليتقدم إلى الأمام، ثم يصحو بعد برهة من خيلاته، فاذا الميدان حجرته المظلمة المقفرة ذات المصباح الزيتي الباهت النور، وإذا الجيش أوهام في أوهام وإذا جلبة المهزومين وصياح المنتصرين سكون في سكون! و (صابحة) هي تلك الريفية الساذجة التي تعلم في منزل حسن أغا حيث التقت هناك بخادمة عبد السميع فتعارفا وتحابا وأظهرا رغبتهما في الزواج، ولكن لما ذهب إلى اهلها ليخطبها لقي منهم كل صد واعراض لأنه فقير، فلما أتاها بعد شهور بالمهر سألته ففي ريبة من أين له هذا المال؟ حتى إذا ما أيقنت بانه اختلسه من أموال سيده احتقرته وأشاحت بوجهها عنه، وضحت بغرامها في سبيل الوفاء لمخدومها ولم ترض ان تتقبل مهرها نقوداً مسروقة، لأن الله لي يبارك في مثل هذا الزواج! أليست كل هذه الشخصيات تبدو أمامنا ساذجة في تصورتها وفي نواحي تفكيرها؟ كما انها تدلنا تماماً على البيئة الفطرية التي يشهدها تيمور ويخالطها لينقل صورها الينا، فهي كما يوقول عنها العلامة الانجليزي كرنكو: كالتصوير الفني، تصور حقيقة الحياة كلما هي وقد يرجع طابع الصدق أيضاً في أدب تيمور، إلى أنه تعود استعمال الالوان الطبيعية في لوحته. فلذا لتملح ان فنه خال من سيطرة الافكار الغريبة غير المألوفة، فهو لا ينقب مثلا عن الفساد الجنسي الذي أصبح الادب القصصي الحديث يعج به، ليقدمه إلى القارئ كما يثير ميوله فيفوز برضائه واعجابه! كلا! فان السجية الطبيعية التي اتصف بها، تكاد ترشدنا إلى أنه فنان بطبعه. لا آلة صماء. يصور أمامنا كل ما يجس به وما يراه حوله، ونحن حين نقرأ وصفه لأحدى شخصيات أقاصيصه، نراها ظاهرة في وضوح وجلاء، ونكاد نحس بان الحياة تدب في هذا الوصف دبيب الكهرباء، فهو كما يقول عنه الدكتور ويدمار، المستشرق السويسري: يتغلغل في أعماق نفس الموصوف: لكي يبرز عقيلته الحقيقة يدين محمود تميور بالمذهب الواقعي ولكنه كثيراً ما يحيد عنه ويخرج عن قواعده المرسومة، وحجته في هذا، هي ان الفنان يجب الا يقيد نفسه بمذهب واحد لا يخرج عن

стр. 2892

دائرته ففي ذلك تعجيز له، إذا انه يجب أن يكون مطلق الحرية في التعبير عن احساسه، وما المذاهب الا قوانين وحدود وضعت للدراسات الادبية، ولكنها لم توضع للكاتب، لانه فنان بطبعه، يكتب باحساسه ووجدانه وبصيرته، وهذه لا تعرف شيئاً اسمه المذاهب. وفي الواقع نجد ان المذهب الواقعي الاصيل، مذهب جامد جدا، وقد لطفه وغيره الكتاب الواقعيون بعد زولا، إذا انهم لم يستطيعوا ان يسيروا على مقتضاه، وقد رأينا زولا نفسه، بالرغم منه، يخرج عليه بدون أن يشعر، فزولا كاتب عبقري، كان يكتب مدفوعاً بوحي والهام، وقد عارض نفسه وكذبها كثيراً في مؤلفاته. ولذلك لا نصف فن تيمورد (بالواقعية)، وإنما تصفه (بالصراحة)، وأهم مميزات الصراحة، حصر الذهن في هذا الموضوع والتخلص من الشعور الرقيق المصطنع ومن الخيال المترامي الاطراف، فهو قبل أن يكتب ينظرا ولا إلى الاشياء نظرة ثاقبة، يحاول أن يصفها كما هي دون اسراف في العواطف أو تعمق في الخيال، أو التجاء إلى الغموض، وبدون أن يسمح لشخصيته أن تحول بينه وبين موضوعه، فأقاصيصه هي هي تلك البطيعة المصرية البسيطة، التي جلبت على الخير والقناعة والايمان بقضاء الله، وفنه عبارة عن مرآة تنعكس عليها الحياة المصرية كما هي، دون زخرفة أو تجميل، ولا عدسات تواجه هذه الحياة فتظهرها على غير حقيقتها. وقد ينظر بعض النقدة إلى أن العواطف الفطرية والبساطة الادبية التي تتسم بها أقاصيص تيمور، لا نتفق ولاجادة الفنية أو النزعة الانسانية التي هي إحدى دعامات الادب الحديث، على ان بساطه تيمور هي السرف في قوتها وتأثيرها، فهي تمشى مع الفن جبناً إلى جنب، وقد يكون هذا من الغرابة بمكان، فانك في (العودة) وهي أولى أقصوصات الكتاب، تلمح أثر هذه الروح. للكلام بقية محمد أميين حسونة

стр. 2893

العدد ٣٥ - بتاريخ: ٠٥ - ٠٣ - ١٩٣٤

стр. 2894

زمزم. . . كان المصري إذا ذكر بالأمس زمزم ذكر البيت الذي تتهافت على ضوئه أمانيه وأحلامه، والنبع الذي تسكن على برده (لواعجه) وآلامه. أما اليوم فبذكره فيجد في نفسه بجانب شعوره الديني اللطيف شعوراً آخر له كذلك لطفه وقداسته: ذلك هو شعوره الوطني بالمستقبل المشرق والكرامة العزيزة والحياة المستقبلية (لأن زمزم لم يعد في ذهنه مقصور الدلالة على البئر المقدسة، وإنما أصبح يدل أيضاً على الحجر الأساسي لمجده البحري، والمظهر الحقيقي لوجوده الدولي، والسفينة الأولى من أسطوله المدني الأول ( والأسطول المصري كلمة نسيتها مصر منذ أودت بأسطولها الدول الغوادر في أمواه (نافازين)، فشواطئ رمسيس وكليوبطرة، وزمزم. . . كان المصري إذا ذكر بالأمس زمزم ذكر البيت الذي تتهافت على ضوئه أمانيه وأحلامه، والنبع الذي تسكن على برده (لواعجه) وآلامه. أما اليوم فبذكره فيجد في نفسه بجانب شعوره الديني اللطيف شعوراً آخر له كذلك لطفه وقداسته: ذلك هو شعوره الوطني بالمستقبل المشرق والكرامة العزيزة والحياة المستقبلية (لأن زمزم لم يعد في ذهنه مقصور الدلالة على البئر المقدسة، وإنما أصبح يدل أيضاً على الحجر الأساسي لمجده البحري، والمظهر الحقيقي لوجوده الدولي، والسفينة الأولى من أسطوله المدني الأول ( والأسطول المصري كلمة نسيتها مصر منذ أودت بأسطولها الدول الغوادر في أمواه (نافازين)، فشواطئ رمسيس وكليوبطرة، ومواني المعز وصلاح الدين، ظلت بعد إبراهيم حمى مباحا للسفائن الأجنبية، ترسى عليها بالذل والقهر، أو بالغلاء والفقر، أو بالسم والرذيلة (ثم لا تجد بين حنايا المرفأ الرءوم باخرة مصرية واحدة تشعرها ذل الغربة، وتذكرها واجب الدِّخالة، فكانت مياهنا كما كانت أرضونا مرتعا غريض الكلأ تخور فيه السوائم الغريبة خُوار الكفر والبذاء، لا خوار الشكر والثناء، ونحن أصحاب البلد لا تجد في هذا الطغيان سيادة المالك، ولا عزة الوطني ولا سلطان الدولة ( فلما تكشفت جهودنا القومية المنتجة عن بنك مصر، صمد هذا الناشئ الجبار بحزم الكهول وعزم الشباب إلى الميادين المالية الأجنبية فاقتحم حصونها المنيعة، وسرى في هيكل هذا البلد العليل الواهن سريان البرء، يحرك كل عضو من أعضائه بشركة من شركاته: فصاول في حي المال بنوك الدول، وطاول في (ألماظة) مطار الإنجليز، ونازل في (المحلة) مناسج (لنكشير)، وزاحم في كل سوق نتائج كل شعب (ومشت أعراض السلامة من الصدر إلى الثغر، فقامت شركة مصر للملاحة تعيد سلطاننا على البحر، وتعلن استقلالنا إلى الخارج، فأنشأت (زمزم) وأخواتها الثلاث على أحكم ما يقول الإنشاء، وأضحك ما يمكن الابتداء، وأفخم ما يكون التأثيل وكان الأسبوع الماضي (مظاهرة كبرى) للاستقلال الأكبر (( نزل طلعت حرب وصحبه العاملون يغزون الماء، بعد ما غزوا الأرض والسماء، فخفقت الأعلام الخضر على سواري زمزم، وتهللت الجباه الغر على سواحل مصر، وشعرت المواني الثلاثة المحتلةأن في أحضانها اليوم وليدا من أهلها صريح النسب، تضطرم في

стр. 2895

أحنائه رجايا الشعب، وتسفر على وجه مخايل الأمل، وتبسم في طريقه مضاحك الفوز ( واختلفت الظنون الفواجر على خواطر السفن الغربية فتساءلت: إلا يكون هذا المشروع الجديد كألف مشروع قديم لمعت كلمع الشرار ثم خبت سراعا إلى الأبد؟ إلا تكون زمزم هذه التي تختال على الماء في صلف وكبرياء، نواة من النوى للعجُف لا يرسخ لها أصل، ولا يسمق لها فرع؟ أيستطيع الأسطول المدني المزعوم أن يجوب مسارب البحار وليس من ورائه أسطول حربي يرصد طريقه ويمنع جانبه؟ وكانت هذه الأسئلة المتشائمة تَرْفَضُّ صاغرة خجلى عن جوانب الباشا وهو على ظهر زمزم في عبوسه الرهيب وسكونه المهيب ونظرته النافذة، يحيل المتسائل المتشكك على الماضي المجيب والواقع المقنْع فيرى الفَلك الداوي الذي يديره برأيه، ويسيره بيده، شمسه بنك مصر، وتوابعها شركاته الميمونة. وهنالك الجواب الذي يُبكم الحاسد، ويفحم الشامت، ويقوم حجة بتراء على رشد النهضة الاقتصادية في مصر إن شركات بنك مصر هي وحدها الجانب الجدِّي في حياتنا الهازلة، تقوم على الحاجة الداعية، والكفاية الفنية. والإرادة القوية، والإدارة الحازمة، والغاية النزيهة، والإيمان الصادق، والخير العام. وهذه الأساس الثوابت أكثر مما يلزم لقيام العمل، فكيف يقع في البال أن يتحكك بها الفشل، أو ينال منها الكيد، أو تطير في جنباتها الشبُّهَ؟ إن أرجل الجنود الإنجليزية جعلت ثكناتنا أجنبية، ولكن رءوس الأموال الأوربية جعلت مصرنا غير مصرية، وإن أساطيل بنك مصر الآلية والهوائية والبحرية هي التي سترد مصر إلى أهلها من غير حرب ولا عنف ولا خصومة لقد كانت الوحدة الأولى من أسطول الشعب هي زمزم، وكانت الوجهة الأولى لزمزم هي جُدَّة، وكان أمس الأول موعد إبحارها من السويس بالحجيج الأول! فليت شعري أي نوع من الشعور يشيع في نفس المصري المسافر على زمزم حين يرى قطعة من أرض مصر تسير به على الماء حتى شاطئ جدة، يعلن المؤذن فوق منارتها كلمة الله، وينشر العَلَم فوق ساريتها مجد الوطن، ويجد المصري على ظهرها قومه ولغته ودينه وكرامته وراحته وأنسه!

стр. 2896

ذلك شعور لا يتصوره ولا يصوره إلا شاعر كتبت له السعادة أن يتذوقه!! فلعل في الحجيج من يسعفه الإلهام فينفح قومه وأود به بهذه النفحة السماوية، تمجيداً لأول نهضة مصرية زكت في الأرض، وأول باخرة مصرية جرت في البحر، وأول حِجة (مصرية) صعدت إلى السماء! احمد حسن الزيات

стр. 2897

غرائب الألقاب للأمير العالم مصطفى الشهابي عضو المجمع العلمي العربي بدمشق ما أشد غرور الإنسان في هذه الحياة!! وما اكثر تعلقه بالأوهام! ولكم حوى هذا الكون الأحمق في طياته من غرائب ومهازل! ولعل من أغربها أهكومة الألقاب الجوفاء في أيامنا هذه. فلقد اقتبسنا الميل إلى تلك الألقاب عن الفرس والترك في الأيام الخوالي، ثم لما ضعف سلطاننا اتخذناها ألهية نلهو بها عن الملك المضاع، حتى تأصل هذا الميل فينا واستشرى، وصرنا نسمع بأسماء وألقاب يضحك منها العاقل: كصمصام الدولة، وغضنفر الملة، وأسد الدين، وغير ذلك مما يذكرنا بصاحب البيت الأتي: (ألقاب مملكة. . .) ومن النكات المستملحة أن رجلا من الصق الناس بي وازهدهم في الألقاب، زار مصر أخيراً فحار الناس بماذا يلقبونه: فواحد زعم انه صاحب السمو، وثان قال انه صاحب السعادة، وثالث ادعى انه صاحب العزة. ولقد والله اخطأ الثلاثة واتاهوا عن محجة الصواب. فالرجل ليس بصاحب سمو، بل هو كسائر الناس صاحب انخفاض. . . لأن كل دقيقة تمر من العمر تدنيه وتدنينا من حفرة منخفضة، سنصير إليها عما قريب، وسنغيب فيها شئنا أم أبينا، وذلك بعد ان نحمل على الآلة الحدباء المعروفة التي قال فيها الشاعر: كل ابن أنثى وان طالت سلامته … يوما على آلة حدباء محمول وليس الرجل بصاحب سعادة، بل نحن كلنا أصحاب شقاء في هذه الحياة الفانية. وما هي السعادة يا صاح؟ وأين هي؟ لقد سلخت من العمر أربعين حجة وأنا أفتش عنها بلا طائل. تنورتها تارة بالكهرباء، وطورا بالسراج وفتيلته. . . وتحريتها بالعين وبالمجهر. وغشيت لأجلها كل المجتمعات، وتلمستها لدى كل الطبقات. وعدت في آخر طوافي وأنا أشقى من صاحبنا حنين، لأن هذا أضاع البعير لكنه فار بخفيه، وهما شيء لديه، أما أنا فلم أجد لدى أحد من السعادة ما يساوي خفاو أحداً لا خفين. وسأظل أفتش عن هذا الخيال الذي علقته الناس، مشبها في استقصائه صاحب البيت الآتي، وقصته يعرفها بعض الأدباء: من لي بهاتفة يوما وقد سالت … أين الطريق إلى حمام بنجاب

стр. 2898

أما الإدعاء بأن الرجل صاحب عزة، فهذه ثالثة الأثافي. فالعزة لله وحده. أما صاحب عَزة (بفتح العين) فهو شاعر غزل، اسمه كثير، وهو زير نساء، وصاف لمحاسن ربات الحجال. أحب عزة وعشقها وشبب بها، وقال فيها البيت المشهور: هنيئا مريئا غير داء مخامر … لعزة من أعراضنا ما استحلت والبيت المفجع الآتي: وما كنت أدري قبل عزة ما البكا … لا موجعات القلب حتى تولت وقد هلك كثير وهلكت عزة منذ قرون، فكيف يكون رجلنا صحبها. . . مع هذا فهو قد فاته الغزل، وعداه التشبيب، وتدلف إلى الكهولة، فلا هو من أصحاب عزة ولا عزمة من صواحبه. . . والخلاصة أن البلاد العربية، ولا سيما مصر والشام والعراق، أسرفت في النعوت والألقاب، خلافاً لما نراه في كثير من أنحاء أوربا. ورحم الله زماناً كان فيه ملك الخلفاء يمتد من الهند إلى بحر الظلمات، مع هذا كان عمالهم يخاطبونهم بمثل قولهم إلى فلان أمير المؤمنين من عامله على كذا) والحكومة إذا لم يكن الحاكم ففيها كمصعب في البيتين الآتيين: إنما مصعب شهاب من الله … تجلت عن وجهه الظلماء ملكه ملك قوة ليس فيه … جبروت ولا به كبرياء فهل من مشتر للألقاب كافة؟ (حتى التي فاتت القلقشندي في صبح الأعشى. . .) بحكمة يفيدنا إياها، أو بسر صغير من أسرار هذا الكون يرفع لنا الستار عن غوامضه؟

стр. 2899

عمر بن عبد العزيز يصلي للآنسة سهير القلماوي وليس هو عمر بن عبد العزيز الخلفية الأموي المشهور بعدله وتقواه، وإنما هو طفل مصري في الثانية من عمره، لا يقل عن الخليفة شهرة ولا منزلة في نفوس عارفيه. ولئن كان عمر الخليفة حقق للعرب المثل الأعلى للخلافة، فان عمر الطفل حقق لعارفيه المثل الأعلى للطفولة. فليست طفولته خفة وجمالا ومرحا وطهرا، وإنما هي إلى جانب هذا كله يشوبها القليل من الجد والتفكير، وغير القليل من التقوى والدين. ولعل أهم ما يربط عمر الطفل بعمر الخليفة، غير الاسم، مظهر التقوى والدين. ومظهر الدين غريب عند أطفالنا المصريين اليوم، فقلما نجد طفلا يعرف من أمر دينه ما يجب أن يعرفه أو يؤمن به. أضف إلى هذا أن سن عمر لا تسمح له بالكلام الواضح ولا بالفهم والأفهام، ولكنها، وهنا موضع الدهشة، سمحت له بفهم لروح الدين وتقدير لها عجيبين. ولعلك تدهش كل الدهش إذ ترى عمر يسحب أي غطاء فيفرشه على الأرض، ويجلس القرفصاء لينزع ما يسميه (ألْبِبِسْ) أو ما نسميه نحن (الشبشب) ثم يرفع يديه إلى أذنيه ويتمتم بكلمات لا تفهمها مهما حاولت، ولكنه يتمتمها في حرارة وحمية غريبتين، ويوالي بعدها حركات الصلاة المعروفة من سجود وركوع. والغريب أنه يقوم بصلاته في حمية وحماسة، قلما تجدهما عند أي طفل في أي حال من حالاته، وقد تضطره الحمية أحياناً في السجود إلى ضبط رأسه ضبطاً مؤلماً يصيح بعده (بخ) بصوت فخم عال ملؤه الجد والخشوع. و (بخ) هذه عنده هي (الله أكبر) عندنا. يكفي أن تقول له صل يا عمر، ليسحب أقرب غطاء وينزع في سرعة حذاءه، ويبدأ الصلاة كأشد ما يمكن أن يكون حمية وحماسة. هو لا يعرف للصلاة وقتا، وإنما يصلي كلما ذكر أو ذكر. ولعلك تظنه بعد كل هذا مازحا أو غير مقدر قدسية العمل الذي يقوم به. كلا. فكفى أن تفلت منك ضحكة مهما يكن مبعثها ليكون نصيبك (زغرة) متوعدة، ثم لينالك بعد فراغه من الصلاة كل ما يمكن أن ينزله بك من عقاب. حاول ما شئت أن تخرجه من صلاته فلن تظفر بشيء، وإن استعملت معه القوة واضطرت طفولته الضعيفة أن تخضع لها، فهناك يكون لك الويل والثبور، هناك الضرب واللكم وشد الشعر، وكثير جداً العض والمؤلم القاسي.

стр. 2900

مرض عمر يوما فخفتت أصوات البيت، وأصبح وجوه جواً حزيناً كئيباً، أصبح كل شيء باهتا صامتا. وانطرح عمر على ذراع جدته في استسلم هادئ حزين. وعيناه الزرقاوان تدمعان قليلاً من فرط الحمى، وخداه تلتهبان من حرها، والتف أهل البيت حوله وكلهم واجم حزين، يحس أن روحه معلقة تنتظر وترتقب، وتخاف كل الخوف من احتمال يبعده العقل ويقربه الحب والشفقة. وتناول عمر الدواء من يد جدته في ألم وحزن، ثم أغمض جفنيه واستسلملنوم بدأ مضطربا، ثم ما لبث أن هدأ قليلا قليلا. ونام عمر زهاء الساعة هادئا، وقام بعدها وقد خف عنه الألم، وأحس أن الداء فارقه تماما. فما كان منه إلا أن سحب غطاء منضدة الدواء غير مبال بما سقط أو تكسر، ثم فرشه وقام يصلي: يركع ويسجد ويصيح (بخ بخ) في حرارة وحماسة. لم ينس عمر أن يشكر الله في مرضه لأنه أنعم عليه بفترة هدأ فيها ألمه فاستراح. هذه صورة لك يا عمر من صور طفولتك، لست أعرف أين يضعها لك الزمان بين صورك الماضية وصورك المستقبلة. ولكن خالتك تشفق على هذه الصورة البريئة الحلوة الطاهرة من النسيان، فسجلتها لك لتذكرها أيام تحلو لك ذكريات الطفولة. ترى استقابلها بابتسامة كابتسامة الطفولة فرحة مرحة؟ أم بابتسامة أخرى ستعلمها لك الأيام؟

стр. 2901

صفحة من تاريخ أفغانستان المعاصر لمناسبة حوادثها الأخيرة للأستاذ محمد عبد الله عنان - ٢ - غادر أمان الله ميدان الحوادث في أفغانستان في ربيع سنة ١٩٢٩ كما قدمنا، وفر مع زوجه وأسرته مثقلا بما يدخر الأمراء الطغاة مثل هذا اليوم من مال مغتصب؛ ولكن الملك الجديد باشا السقا أو حبيب الله لم يستطع أن يبسط سلطانه على غير كابول وضواحيها، ولبثت أفغانستان تضطرم بالحرب الأهلية، وزعماء القبائل القوية ولا سيما الشنوارى وغلزة يتطلع كل منهم إلى الملك. عندئذ ظهر في ميدان الحوادث رجل لم يكن له في بدء الفتنة من الأمر شيء، وكان يقيم منذ حين بعيداً عن وطنه في معزل عن الحوادث. ذلك الرجل هو الجنرال نارد خان. وكان من قبل وزيراً للحربية وقائداً عاماً للجبيش في حكومة الملك أمان الله. ولكنه لما رأى اندفاع أمان الله في سياسته الطائشة، استقال من منصبه وعين سفيراً لأفغانستان في باريس، وأبعد بتلك الوسيلة عن طريق أمان الله. فلما نشبت الثورة وتفاقم خطر الحرب الأهلية لبى نادر خان داعي الوطن وعاد إلى أفغانستان ليحاول إخماد الفتنة وإنقاذ أفغانستان من عواقب ذلك النزاع الخطر، ولكنه ألفى الموقف مستحيلا؛ فاعتزم أن يخوض المعركة وأن يحاول سحق ذلك الزعيم المتغلب الذي أثار هذا الضرام، وجعل من أفغانستان مسرحاً لجريمة والفوضى؛ فحشد أنصاره وفاوض زعماء القبائل القوية. ومنالمعقول أيضاً أن تكون السياسة الإنجليزية قد أدت مهمتها التاريخية في هذا النزاع، وأمدت نادر خان بالمعاونة المطلوبة لأنها رأت فيه زعيماً مستنيرا متزناً، ولأنها تحرص دائماً أن يستتب الأمر في أفغانستان لأمير يؤثر التعاون مع بريطانيا العظمى. وعلى أي حال فقد استطاع نادر خان أن يشق طريقه، وأن يهزم قوات المتغلب والثوار في عدة معارك؛ ثم زحف أخيراً على كابول ودخلها في أكتوبر سنة ١٩٢٩، وقبض على حبيب الله وأمر به فأعدم رمياً بالرصاص؛ وقبض على زمام السلطة في كابول. بيد أنه لم يكن سيد الموقف بعد، لأن الثورة لبثت تضطرم في مختلف الأنحاء. وكان نادر خان كما قدمنا من معارضي سياسة التجديد الأوربي التي كان لها شأن في إضرام الثورة، فالعلن مرة

стр. 2902

أخرى أنه سيعمل على احترام أحكام الشريعة الإسلامية وتقاليد البلاد وحمايتها من كل انتهاك وعبث؛ وأخذت الثورة تهدأ شيئاً فشيئاً، ونادر خان يصرح أنه لا يبغي العرش وأنه يتركه للرجل الذي تختاره أفغانستان. على أنه لم يك ثمة شك في نتيجة هذا التطور، فقد انتهى نادر خان بارتقاء العرش بعد ذلك بأيام قلائل (١٥ أكتوبر) على يد جمعية وطنية من الزعماء نادت به ملكاً وأيدته معظم العناصر القوية في البلاد. وقد ولد السردار محمد نادر خان في سنة ١٨٨٣ من والدين ينتمي كلاهما إلى أصل ملكي. وظهر منذ فتوته بالبراعة، الحربية وتولى منذ سنة ١٩١٩ قيادة حرب الاستقلال الأفغاني في صف الملك أمان الله، ولبث مدى أعوام شخصية بارزة في حياة أفغانستان العامة؛ ولكنه أبى التعاون مع أمان الله مذ رأى تطرفه واندفاعه. وتولى نادر خان الحكم في غمار من الصعاب، ولكنه أبدى منتهى الاعتدال والكفاية والحزم؛ وألغى جميع الإجراءات المتطرفة التي اتخذها أمان الله؛ ورد أحكام الشريعة كما كانت، ونظم علائق أفغانستان مع الدول؛ وكان بريطانيا العظمى أول الدول التي اعترفت بحكومته؛ واهتم نادر خان بإصلاح الجيش وتقويته، ولبث يعمل في مثابرة وجلد حتى عادت السكينة إلى البلاد واستقر الأمر في نصابه نوعا. ولكن بعض القبائل القوية ولا سيما قبيلة الشنوارى لبثت محتفظة بموقفها من الاستقلال عن كل سلطة. ولم تمض أشهر قلائل حتى عادت لثورة والقلاقل العنيفة تهدد سلام البلاد وأمنها؛ فعاد نادر خان الكفاح؛ وكانت تعترضه صعاب فادحة مالية وغيرها. واستمر الثورة تخبو وتضطرم في أفغانستان مدة الأربعة أعوام التي حكمها نادر خان. بيد أنها كانت ثورات محلية؛ ولم تتخذ ذلك العنف الذي تتحول معه مصاير أفغانستان إلى وجهة جديدة؛ وكان نادر خان دائماً رجل الموقف؛ وبذل نادر خان جهوداً صادقة لإصلاح نظم الحكم والادارة، وجرى في الحكم على نظام الوزارة الحديث، وأنشأ مجلساً تمثيليا (برلمانا) يقوم بمهمة التشريع بإشرافه، ولزم جانب الاعتدال في سياسة الإصلاح، ورد المرأة الأفغانية إلى حجابها ومنزلها، ولم يحاول أن يغير بالعنف شيئا من تقاليد البلاد الدينية أو الاجتماعية؛ وسار بأفغانستان في طرق التقدم والتوطد رغم القلاقل التي كانت تعترض سبيله من آن لآخر، وعادت السياسة البريطانية فوثقت علائقها مع أفغانستان، وقامت السفارة البريطانية في كابول مرة أخرى، وطبقت المعاهدة المعقودة بين البلدين منذ

стр. 2903

سنة ١٩٢١. وبالجملة فقد بدأت أفغانستان على يد هذا الأمير القوي الحازم مرحلة من الاستقرار والتقدم وكان مقدار ان تطول وان تثمر خير النتائج لو لم يذهب نادر خان فجأة ضحية الاغتيال السياسي. لم يكن مقتل نادر شاه مفاجأة كما قدمنا، فقد رأينا أن عرش أفغانستان يقوم على بركان مضطرم من المنافسة الدموية، ورأينا كيف يذهب معظم الجالسين عليه ضحية الغدر والغيلة. ولم تتضح العوامل والظروف الحقيقية التي ذهب ضحيتها نادر شاه بعد وضوحاً كافياً يسبغ عليها للون التاريخ الحق. ولكنا نستطيع أن نتتبع هذه العوامل في معترك البغضاء السياسية والشخصية التي تتربص منذ بعيد بنادر شاه وأسرته، وإليك خلاصة ما يقال في اصل الجريمة وأسبابها كان غلام نبي بين زعماء أفغانستان المقربين إلى الملك أمان الله ومن اكبر معاونيه. وكان يشغل منصب سفير أفغانستان في باريس أيام حكم الملك أمان الله، ويشغل أخوه غلام صادق منصب سفير أفغانستان في برلين. وهو من أسرة (تشركي) القوية، فلما سقط أمان الله وتولى نادر خان، أقيل غلام نبي وعين مكانه في سفارة باريس السردار شاه والي خان أخو نادر شاه، ثم أقيل أخوه غلام صادق بعد ذلك من سفارة برلين وعين مكانه أخ للملك أيضا هو السردار محمد عزيز خان. ولبث غلام نبي حينا في أوربا ثم عاد إلى أفغانستان بشفاعة آخي الملك والي خان وبعد وعد ملكي بالأمان. واستخدمه نادر شاه في مهام عسكرية وسياسية في بعض الاقاليم، ولكن غلام نبي كان يضطرم بأطماع خفية، وكان يبث دعوة الثورة ضد نادر شاه خفية ويدعو لصديقه السابق أمان الله، ووقف نادر شاه على طرف من مساعيه فاستدعاه إلى كابول واستدرجه على مجلس عقده في قصره بضاحية (الارج) التي تضم القصور والقلاع الملكية، ولما ظهر نبي خان أمامه أبرز له بضع الوثائق التي تثبت خيانته، فحاول غلام نبي الجدل والمكابرة، ولكن نادر شاه كان قد أعد العدة للتخلص منه وفي الحال ظهر عدة جنود مدججين بالسلاح وانقضوا عليه وقتلوه خنقا أمام عيني الملك. وأخفى نبأ موته حتى عقد نادرشاه في اليوم التالي محكمة من الرؤساء اجتمعت سرا وقضت بإعدام غلام نبي جزاء خيانته، ثم نشر نبأ إعدامه بعد ذلك في الجريد الرسمية، وعلمت أسرة (تشركي)

стр. 2904

أسرة غلام نبي القوية - بمصرع زعيمها، وأقسمت بالانتقام وكان ذلك في الثامن من نوفمبر سنة ١٩٣٢، أي لعام بالضبط قبل مقتل نادر شاه. وعلى أثر ذلك قبض على كثيرين من أسرة غلام نبي وأتباعه. وكان ممن قبض عليهم بسبب الحادث عامل جنان من أتباع غلام نبي وولده، وهو طالب في السابعة عشرة من عمره يدعى عبد الخالق، فاعتقل الفتى أياماً ثم أطلق سراحه بشفاعة وزير المعارف لأنه طالب مجد متفوق في الألعاب الرياضية ولم تلحقه أية شبهة. وكان الفتى عبد الخالق هذا هو قاتل نادر شاه في المستقبل أقسمت أسرة (تشركي) بالانتقام وعملت له، وظهرت البوادر الأولى لانتقامها المبيت في يوليه سنة ١٩٣٣، في برلين حيث قتل السردار محمد عزيز خان أخو الملك نادر شاه وسفير أفغانستان في برلين، قتله طالب أفغاني من حزب (أفغان الفتاة) الذي يناصر سياسة الملك أمان الله، واتجهت الريب يومئذ إلى غلام صادق أخي غلام نبي الذي كان يشغل من قبل منصب سفير أفغانستان في برلين وعرضت أسرة غلام نبي في كابول بسبب هذا الحادث إلى مطاردات واضطهادات جديدة، وازداد الملك نادر شاه ريباً فيها وحذراً منها، وازدادت الأسرة ظمأ إلى الانتقام. وكان الفتى عبد الخالق أثناء ذلك متصلاً بأسرة غلام نبي التي يعمل لديها أبوه، وكانت الأسرة تبث إلى كل من يتصل بها روح البغض لنادر شاه والنقمة عليه. وهنا تروي قصة غرام وانتقام خلاصتها أن الفتى عبد الخالق هام بحب سيدة رائعة الحسن من سيدات أسرة غلام نبي، وأنها شجعته وبادلته الهوى، وأغدقت عليه كل عطفها وحنانها، وكانت أبواب القصر تفتح لعبد الخالق صباح ومساء، ويلتف حوله سيدات الأسرة جميعاً، ويبذرن في نفسه المتيمة الهائمة ضرام البغض والنقمة، وكانت صاحبته الحسناء تملك عليه كل حسه وتفكيره، وتصور له المستقبل بديعاً فياضاً بالآمال الكبيرة، وذا قتل نادر شاه وعاد أمان الله، فأن أسرة تشركي تعود إلى سابق مجدها ونفوذها، ويغدو عبد الخالق وأسرته من ذوي النفوذ والغنى. ولم تمض أشهر قلائل حتى نضج المشروع، ولم يبق على عبد الخالق إلا أن يتحين فرصة التنفيذ. وسنحت هذه الفرصة في اليوم الثامن من نوفمبر، وكان قد تقرر أن تقام في هذا

стр. 2905

اليوم مباراة في الكرة بين فريق المدرسة الفرنسية الأفغانية، وفريق المدرسة الألمانية الأفغانية التي ينتمي عبد الخالق إلى طلبتها ويعمل عضواً في فريقها الرياضي. كذلك تقرر أن يرأس الملك نادر شاه الحفلة ويتولى توزيع الجوائز على الفائزين، وأقيمت المباراة في إحدى ساحات الحدائق الملكية في (أرج) في عصر هذا اليوم. وقصد الملك نادر شاه مع ولده ظاهر شاه وعدة من الأكابر إلى الخيمة الملكية لمشاهدة المباراة، وفي أثناء سيره خرج من صف الطلبة المجاور له طالب يرتدي ثياب اللعب، واقترب منه بسرعة ورفع يده وأطلق ثلاث رصاصات متواليات، فوضع الملك يده على قلبه وسقط صريعاً على الأثر، وكان هذا الطالب هو عبد الخالق. ووقع الحادث بسرعة مدهشة، وذهب دوي الرصاص في الضجيج والهواء فلم يفطن له أحد. وساد الهرج وقبض على المعتدي وتمت المأساة. هكذا تروي العوامل والظروف التي دبر فيها مقتل المغفور له نادر شاه، وهكذا توصف الصورة التي تمت الجريمة وقد كان للحادث دوي عميق؛ وكان مدبرو الجريمة يؤملون على ما يظهر أن يحدث موت نادر شاه اضطرابا وقلاقل ينتهزها خصوم الملك القتيل لإضرام الثورة؛ وكانت بوادر الثورة تبدو في الجنوب منذ حين؛ ولكن السردار محمودوزير الحربية وأصغر أخوة الملك القتيل أبدى منتهى الحزم والسرعة في تلافي هذا الأثر، فلم تمض ساعة واحدة على مقتل نادر شاه حتى كان قد استدعى الوزراء والقادة والزعماء إلى القصر، ونادى في الحال بظاهر شاه ولد الملك نادر شاه الوحيد ملكا على أفغانستان مكان أبيه؛ وحياة الزعماء والقادة والضباط في الحال بلقب الجلالة. وقد أبدى السردار محمود في ذلك تضحية وحكمة سياسية بعيدة المدى، لأنه من حق اخوة الملك طبقا لقانون العرش الأفغاني أن يرثوا العرش؛ ولكن السردار محمود أدرك في الحال ما قد تثيره مسألة العرش بين أخوة الملك الثلاثة وبين المتطلعين إلى العرش من الاضطراب الخطر على سلام البلاد؛ وجاء رفع ظاهر شاه إلى العرش حاسماً لكل خلاف وجدل وفي الحال زج الفتى القاتل إلى قلعة القصر، ووجد معه على ما يقال صور الغادة الحسناء التي حرضته فقبض عليها، وقبض على كثيرين من أسرة غلام نبى رجالا ونساء وأطفالا، وقبض على كثيرين من زملاء عبد الخالق في المدرسة وعلى بعض المدرسين، بل وعلى وزير المعارف؛ وهبت على العاصمة الأفغانية ريح من الروع والرهبة؛ ومازالت أقبية

стр. 2906

السجن الملكي غاصة بالمقبوض عليهم ولا يعلم حتى اليوم من زهق منهم ومن باق على قيد الحياة وملك أفغانستان الجديد جلالة ظاهر شاه في العشرين من عمره وهو ولد نادر خان الوحيد، ولكن له أربع شقيقات هن بالتعاقب: الأميرة زهرة وهي في السابعة عشرة، والأميرة زينب وهي في الخامسة عشرة، والأميرة سلطانه وهي في الرابعة عشرة والأميرة بلقيس وهي في الثانية عشرة، وقد تلقى ظاهر شاه بعض تربيته في فرنسا، وأقام هنالك نحو ثمانية أعوام، وهو ذو آراء وتربية عصرية ويجيد اللغة الفرنسية فضلا عن الفارسية والأوربية (الهندية). وقد كان منذ حين، أثناء حياة والده يتولى بعض الوزارات والمهام الرسمية طبقا للتقاليد أمراء الأسرة الملكية؛ وهو بعد الملك غازي، ملك العراق أحدث ملوك الشرق والغرب سنا. وقد مضى إلى اليوم زهاء أربعة أشهر مذ تولي ظاهر شاه عرش أفغانستان دون أن نسمع بحدوث اضطرابات أو قلاقل جديدة، والظاهر أن حكومة الملك الجديدة تقبض على ناصية الموقف، وأن بوادر الثورة التي كانت على أهبة الانفجار قد أخمدت أو اختفت إلى حين وأن الشعب الأفغاني يؤيد القابضين اليوم على زمامه. وهكذا تتحطم آمال المتطلعين إلى العرش وفي مقدمتهم الملك السابق أمان الله مرة أخرى. ونحن نغتبط إذ نرى أفغانستان تجوز أزمتها الخطيرة بمثل هذه السرعة، ونرجو أن تظل هذه الشقيقة الشرقية النابهة متمتعة بالاستقرار والسكينة، بعيدة عن كيد السياسة الأجنبية ومطامعها؟ محمد عبد الله عنان

стр. 2907

من أحاديث القهوة: في الحب. . . . . . ولم تكن إلا سنة واحدة حتى تمزق ذلك الثوب. وبدت من ورائه امرأة كهذه المئات من النساء: نبصرهن كل يوم فلا نكاد نحس بهن ولا يهجن فينا شعوراً وكيف تبدلت؟ ألم يكن يهيم بها ويراها جميلة فتانة؟ بلى. ولكنه كان يراها جميلة لأنه يحبها. والمرء - كما يقول ده كارت - يرى من يحب جميلا، ولا يحب من يراه جميلا، وإذا هو أحب امرءاً أسبغ عليه من خياله ثوبا يراه به أجمل الناس - وذلك الحب المضطرم، الذي كان يخفق به قلبه في صدره. وبه تجري دماؤه في عروقه؟. . أليس عجيباً أنه قد مات؟ أليس لها هاتان العينان العميقتان كالبحر. الصافيان كأديم السماء. . أليس لها ذلك الجسم الأبيض الغض، أليس لها تلك الرشاقة الفاتنة، فكيف إذن يسلوها ويموت حبه إياها؟ - قد مات هذا الحب. لأنه لم يكن عذريا صافيا. وهي جميلة لا تزال، ولكنه شبع منها كما يشبع الإنسان من الطعام مهما لذ وطاب. ولو تنزه حبه عن مأرب الجسم، وعقد الصلة بين الأرواح لكتب له بالبقاء. وكان الأستاذ صالح عاكفا على نار جيلة لا يتكلم، فرفع رأسه وقال: - أي بقاء؟ أسمعت أن حبا كتب له البقاء، إن الحب يا صاحبي كالزهور العطرة ينعشك عطرها ويعجبك لونها ولكنها لا تعيش طويلا. ثم ما هو هذا الحب العذري الذي تتحدث عنه؟ انه لا يوجد إلا في مكانين: القاموس، وأدمغة أمثالك من الناس! وأقبل على نار جيلته يصلحها ويدعو لها بجذوة من نار. ولم يلق بالا لجواب فوزي، فجذبه من طوقه وصاح به: - إلا تسمع؟ أنت دائماً هكذا. . . تريد ان تتكلم ولا تتنازل للإصغاء. فاصلح ثيابه باسما وقال له: - ولماذا تريد أن أصغي إليك؟ - لأنك مخطئ. . . مخطئ. . . أريد أن أوضح لك الحقيقة.

стр. 2908

- أشكرك، لا أريد أن توضح لي شيئا بل ستسمع وأنفك راغم: إن من الحب حبا لا يفكر فيه الإنسان في شيء من اللذاذات الجسمية، بل ليس فيه مكان، فهو اتصال في الأرواح وتمازج، هو ان يفنى كل من المحبين في الآخر! - شيء جميل. من أين تعلمت هذا؟ أمن شعر المجنون، أم من قصص لامارتين؟ - من أي كان؟. . ماذا يهمك أنت؟ لماذا تتهكم دائماً؟ - ذلك لان لامارتين نفسه كان من أجرأ الناس على اللذة الجسمية وأشدهم تهالكا عليها، وما كتب قصصه بهذا الأسلوب الفاتن الممتع! إلا ليسخر منك ومن أمثالك - أنا عرفت هذا الحب بنفسي - وأنا أيضا قد عرفته، انه حب لا تجد فيه الرغبة الجنسية سبيلا إلى الظهور فتبقى مخبوءة في قرارة النفس، حتى إذا اتسع السبيل ظهرت على أتمها، ولو انه كان خاليا منها لأحب الرجل أخته الجميلة! - شيء فظيع. . . إن طبيعة الإنسان تأباه - نعم تأباه لان الطبيعة تفهم الحب على انه لون من ألوان الصلة الجنسية، بل هو المخدر الذي ابتدعته الحياة لتمام هذه (العملية) اللازمة لبقاء الجنس البشري. ثم. . . تصور فتاة جميلة تحبها حباً عذرياً. . هل تصورتها تماما - نعم. - وتصورت انك تحبها لنفسها لا لجسمها، ولا تطمع منها إلا بهذه الصلة الروحية؟ - نعم. - وانك ستقيم على هذا الحب؟ - نعم. . وماذا بعد؟ - تصورها الآن وقد أصابها مرض عضال، بدد محاسنها، وبتر أعضاءها. وجعلها قطعة من اللحم المنتن، هل تبقى على حبها؟ - نعم، إنني أشفق عليها وأحميها فضحك الأستاذ صالح وقال:

стр. 2909

- ها أنت قد اعترفت. . إن الشفقة شيء غير الحب. . أرأيت كيف اتضحت الحقيقة؟ وأراد فوزي وقف الجدال فقال: وصديقنا جميل. . . ماذا فعل بعد ذلك؟ قد أضعت علينا قصته. أعاد إلى زوجته الجاهلة القذرة التي تلقاه وعلى يديها أثر الصابون وفي ثيابها رائحة البطيخ؟. . كيف يطمئن إليها، ويأنس بها بعد أن عرف لويزا؟ فقال صالح: - إن يكون للويزا جمال الأصباغ والعطور - والثياب الشفافة - والأعضاء العارية - فان لهذه الجاهلة القذرة، جمال الإخلاص والأصباغ والعطور تهيج من نفوسنا مكان الشهوة، أما الإخلاص فيهيج منها مكان الروح - ما هي الروح وما هي الشهوة؟. . إني لم افهم! أتريد أن تقول إن هذه المرأة التي لا تعرف كيف تتحدث إلى صديقنا جميل. ولا تدري كيف تسايره في شارع أو تصحبه إلى سينما، ولا تدرك أفكاره ونفسه، توائم روحه ويراها جميلة أكثر من لويزا؟. . مستحيل! - قد تكون دونها جمالا ورشاقة، ولكنها امرأة شرقية تفنى في زوجها: تعيش من أجله. وتقف حياتها على راحته وتسهر عليه لينام، وتحرم على نفسها الطيبات لتوفر عليه ماله، وإذا رأته محتاجا نزعت حليها من نحرها وأخذت لقمتها من فيها لتسد حاجته، وإذا مرض فدته بنفسها. وإذا أصابه مكروه طارت نفسها عليه شعاعا، ثم هي الراضية أبداً، القانعة بالقسط الأقل من حبه أو من ماله، أحب هذه العاهرة وانتزع المال من فم زوجته ليصبه على قدميها. ونال زوجه بالأذى من أجلها، فما شكت ولا حملت له كرها ولا حقدا، ثم هي تفرغ عليه من الإجلال ما يجعله معصوما عن الزلل والخطأ، أفتقيسها بتلك؟ - هاها. . إنها لا تصلح خادما. فليضح بها من أجل لويزا. - إنها هي الزوجة يا سيدي - وإذا كانت هي الزوجة؟ إن الحب الذي عقدته الطبيعة بين قلبيهما أوثق وأقدس من الزواج الذي عقده إنسان! فألقى صالح أنبوبة النرجيلة من يده. وصاح به في شدة وغضب: - أنا لا أستطيع أن اسمعهذه الآراء التي تنسف حياتنا من أساسها، وإذا هي صحت في

стр. 2910

المجتمع الغربي، فما كانت لتصح عندنا، ومن الجنون أن نقيس عن الغرب كل ما يأتينا به، فنلبسه وهو ثوب فصل لغيرنا، فيجيء واسعا نضيع فيه، أو ضيقا يتمزق من دوننا. . إن الحب الذي تعقده يد الشهوة، ويعيش في جو مشبع بالرذيلة، ويولد في ليلة ليموت في أسبوع لا يمكن أن يكون أوثق ولا أقدس من الزواج الذي ينشئ إنساناً كاملاً من نصفي إنسان! وإذا جعلنا الحب أساس الحياة، لما عرف امرؤ اباه، ولما بقيت زوجة لزوجها؟ لأن القلوب تنقلب والمرأة التي تحبك اليوم قد تحب في غد غيرك، والقلب الذي يميل إليك قد يميل عنك، افنهدم الحياة يا سيدي من أجل خاطر هذه (المودة)،. . (مودة الحب)، ونقتل زوجاتنا الوطنيات الشريفات، أمهاتشعب المستقبل. من أجل خاطر هؤلاء (الارتستات) اللاتي يبعث بهن إلينا الغرب فيما يبعث به إلينا من سموم ومهلكات. . أليس خيرا لنا أن يقال انا رجعيون من أن نشهد بناتنا وأخواتنا عاريات على الشواطئ في الصيف، ونساءنا مهجورات باكيات في البيوت وفي الشتاء، وأبناءنا ناشئين بين الألم والرذيلة، والسفالة والشقاء؟ ألا إن الحب لذيذ ممتع، والمدنية ساحرة فاتنة، والتجديد ضروري واجب. . . ولكن يجب أولاً أن نحيا. . . . . وكان جميل قد وصل فانقطع هذا الحديث، وأخذوا في حديث آخر دمشق علي الطنطاوي ليسانسييه في الحقوق
следующие страницы →