Полный текст (65 431 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وسلامتها ريب المنون، وكتلك التي ألقاها شيشرون في مجالس الأعيان دفاعا عن شؤون الجمهورية الرومانية، وقد نفق هذا النوع في مصر الحديثة على لسان الزعيمين الكبيرين مصطفى باشا كامل وسعد باشا زغلول، وهذا الفن وليد الحرية السياسية والحياة الديمقراطية والأنظمة الدستورية. فإذا منيت الشعوب بالاستعباد أو طغيان الاستبداد تلاشى وانقرض، كما تلاشى في اليونان حينما وقعوا في العبودية، وانقرض عند الرومان حين فدحهم طغيان القياصرة، وهناك الشعر السياسي أيضا كالشعر الذي كانت تصطنعه الأحزاب والفرق في صدر الدولة الإسلامية. ومن ذا الذي ينسى فيضان بحور الشعر وطغيانها في بغداد ودمشق حين أعلن الدستور العثماني؟ لقد كان الظلام ضاربا على العيون، والجهل غالبا على الافئدة، والجمود مستوليا على العواطف، وقوى العرب المنتجة معطلة، وأياديهم العاملة مغللة، فكان إعلان الدستور بسمة الأمل في قطوب اليأس، وومضة المنارة في بحر مكفهر الجو بالضباب مضطرب الموج بالعواصف، فاهتزت النفوس وانطلقت الألسن وصدحت البلابل تنعى الليل وتبشر العيون بالصباح.
كذلك من هذه العوامل اختلاط الأجناس المختلفة العقليات والعادات والاعتقادات بالمصاهر والمجاورة في أمة واحدة، وأثر هذا العامل أظهر ما يكون في دولة العباسيين في بغداد ودولة الأمويين في قرطبة، فان حضارتيهما نتيجة اختلاط شعوب مختلفة لكل شعب منها خصائص ومزايا أكملت نقص الآخر وساعدته على العمل والإنتاج ففي البلدين اتصلت المدنية السامية بالمدنية الآرية فالتقى التصور العميق بالتصوير القوي، والعقلية العلمية بالوجدان الشعري، وكان من أثر هذا اللقاح في الفكر والعقل ما يعلل لنا وفرة المعاني الجديدة في شعر بشار وأبي نواس وأبي العتاهية وابن الرومي. ولولا هذا اللقاح المخصب العجيب لظل الأدب العربي ظامئ الجذوع دقيق الفروع ذابل الأوراق واحد المذاق قليل الثمر.
ومنها التقليد والاحتذاء، والتقليد فطري في الإنسان لا يستطيع بدونه أن يتكلم ولا أن يتعلم ولا يملك لنفسه اكتساب عادة ولا تربية خلق، ولولا الاحتذاء لما كانت فنون الآداب، لأن الشعر والنثر إنما يصاغان على قواعد وأساليب خاصة. وما مراعاة هذه القواعد والأساليب إلا اقتداء الأديب بمن سبقه سواءً أكان إقتداؤه مقصودا منه أم غريزيا فيه.
стр. 317
على أن التقليد الذي نقصد إليه هنا هو تقليد أمة لأخرى لشدة ارتباطها بها، أو لاعتقادها السمو في آدابها، وقد أشرت منذ هنيهة إلى مثال من ذلك وهو ظهور القصص التاريخية في إنجلترا وانتقالها إلى الأمم الأخرى بالاحتذاء، ولقد كان للتقليد في الآداب القديمة شأن نابه وأثر ظاهر. فالشعر اللاتيني في عصر أغسطس عاف أساليبه الفطرية وأوزانه القديمة، واغترف من بحور الشعر اليوناني فحاكاه في أوزانه وأنواعه ومعانيه، والأدب الفرنسي قبل (رنسار) و (ماليرب) كان حائراً بين اللاتينية والإغريقية، والتمثيل إنما نشأ بديا في كنائس رومية وباريس أثناء القرون الوسيطة لتمثيل صلب المسيح وآلام الشهداء الذين أوذوا وقتلوا في سبيل المسيحية على نحو ما يفعل الفرس من تمثيل ما أصاب أهل البيت من الخطوب والاضطهاد والمحن، ثم انتشر التمثيل بالتقليد في سائر الأمم. ولما حييت الآداب اليونانية واللاتينية واطلع أدباء الغرب على ما صنف فيهما من الروايات التمثيلية تهافتوا على تقليدها واقتباسها فدخل فن التمثيل من جراء ذلك في طور جديد. ولو شاء الله لأدبنا الكمال من نقصه لألهم المترجمين في عصر المأمون أن ينقلوا روائع الأدبين الإغريقي واللاتيني من الشعر والقصص والروايات والخطب والملاحم كما نقلوا العلم والحكمة، إذن لقلدهم أدباء العرب في ذلك ولسدوا في الأدب العربي خللا ما بريء منه حتى اليوم. إنما استفادالأدب العربي من التقليد في فن الحكايات والأمثال حين ترجم ابن المقفع وبعض الكتاب شيئا من القصص الفارسي ككليلة ودمنة وهزار افسانه ودارا والصنم الذهب، فكان ما ترجموه حديا للعرب ونموذجا لهم في وضع ما وضعوه منها.
أما الأدب الفارسي والأدب التركي فهما صنيعة التقليد ونفحة من نفحات الأدب العربي، فان الفرس حينما استولى الإسلام على أفئدتهم ولغته على ألسنتهم ظلوا زهاء قرنين يقرضون الشعر بالعربية دون الفارسية. فلما هبوا في القرن الثالث يستردون مجد أجدادهم، ويطاردون العربية ونفوذها من بلادهم، ويوحون إلى شعرائهم من أمثال الدقيقي والفردوسي أن يجددوا مفاخر الأسلاف بتأليف المنظومات القصصية والأناشيد القومية لم يجدوا ذلك ميسورا إلا باحتذاء الشعر العربي واقتباس أوزانه وبديعه وكذلك فعلوا في النثر فقد أخذوا يوشونه منذ أوائل القرن الخامس برشيق الألفاظ وغريب المجاز وزخرف البديع اقتداء بما نشر في أقاليم العجم الشمالية الشرقية من الكتب التاريخية العربية التي كتبت
стр. 318
بالسجع المونق ككتاب اليميني الذي ألفه أبو نصر العتبي للسلطان محمود الغزنوي.
وأما الأتراك العثمانيون فانهم حين أخذوا يدونون أشعارهم في أوائل القرن الثامن اقتبسوا من الفرس بعض الأوزان العربية مدداً لأوزانهم القديمة، ولكنهم ابتداءً من القرن التاسع أغفلوا أوزانهم واصطنعوا العروض الفارسي فجروا علىمناهجه وفنونه. وظل الأدب التركي صورة من الأدب الفارسي يترسم خطاه ويردد صداه حتى منتصف القرن الماضي حين هب الوزير ضيا باشا المتوفى سنة ١٢٩٥ للهجرة يقوض دعائم الشعر القديم وينعى على الشعراء ما هم فيه من جمود وقصور ورق، فانضوى إليه رهط من الشعراء المجددين ككمال يكن وأكرم بك وناجي أفندي فأنقذوا أدبهم من سخف التقليد، وقووه بالابتكار والتجديد، هذا مثل من التقليد العاجز الذليل الأعمى. أما التقليد البصير القوي المستقل فهو الذي يهذب أدبنا اليوم ويتمم نقصه، فالأقصوصة والقصة والرواية، والأسلوب المهذب والفن التمثيلي، كل أولئك قد أخذ بفضل تقليد الفرنج ينبت في حقوله، ويضيف فصولا خالدة على فصوله.
هذه هي أقوى العوامل التي تؤثر في الآداب على اختلاف لغاتها، وهي تعمل أما مجتمعة وأما منفردة، والواجب على مؤرخ الآداب أن يحلل ما تركب من أفعالها المتنوعة كما يحلل العالم بالميكانيكا القوة الناتجة ثم يردها إلى القوى البسيطة الفاعلة. وهيهات أن يقف الأديب على هذه العوامل ما لم يكن المؤرخ في عونه، ولا يتسنى للمؤرخ أدراك كنهها الا بالاستقصاء البالغ والبحث الشديد في أحوال الشعب الذي يدرسه ويؤرخه. وكل تعليل لأطوار الأدب وظواهره قبل دراسة هذه العوامل ضرب من التخرص لا يطمئن عليه القلب.
стр. 319
البيروني
(إنه أكبر عقلية عرفها التاريخ في كل عصوره). . سخاو
تمهيد:
قرأت في العدد الأول من الرسالة في مقالة (حلقة مفقودة للأستاذ أحمد أمين) ما يلي:
(وبالأمس كنت أتحدث إلى طائفة من المتعلمين عن البيروني العالم الإسلامي الرياضي المتوفى سنة ٤٤٠هـ وما كشف من نظريات رياضية وفلكية، وأن المستشرق الألماني (سخاو) يقرر انه أكبر عقلية عرفها التاريخ في كل عصوره وانه يدعو إلى تأليف جمعية لتمجيده وإحياء ذكره تسمى جمعية البيروني. فحدثني أكثرهم أنه لم يسمع بهذا الاسم ولم يصادفه في جميع قراءاته، وهو يعرف عن ديكارت وبيكون وهيوم وجون ستوارت مل كثيراً ولكنه لا يعرف شيئا عن فلاسفة الإسلام).
عند قراءة هذه القطعة تبادر إلى ذهني أمران: أولاً روح الإنصاف عند بعض علماء الفرنج، ثانياً جهل المتعلمين منا بفلاسفة الإسلام والعرب وفحول علمائهم. . . أما الأمر الأول فليس بغريب على رجل سيطرت عليه روح العلم الصحيحة التي لا تعرف غير توخي الحقيقة أن يجاهر بما يعتقد حتى ولو كان ما يجاهر به مما لا يسر أبناء وطنه، على حين أننا نجد بعض علماء الغرب قد أغار على الكتب العربية وادعى ما فيها لنفسه، وبعضهم لم يذكر المصادر العربية التي اعتمد عليها أو نقل عنها، وقد أتينا بأمثلة على ذلك وعلى أن العرب سبقوا الفرنج إلى اكتشاف بعض النظريات والأبحاث الرياضية في مقالات نشرناها في مجلة المقتطف الغراء.
وأما الأمر الثاني فقد يكون لدى هؤلاء المتعلمين مبرر ولا سيما أن تاريخ بعض رجالنا السالفين قد أحيط بسحب كثيفة من الإبهام، وفقد البعض الآخر منه، وكان لكسلنا وخمولنا الأثر الأكبر في إهمال نوابغ العرب وتبيان مآثرهم في مختلف فروع المعرفة، ولكن مما لا شك فيه أن هذا التبرير حجة علينا ومن واجبنا بل من دعائم نهضتنا القومية أن نتولى أمر الكشف عن حقيقة رجالنا ومآثرهم بأنفسنا، وبذلك (وعلى الأقل) نضع حدا لادعاءات بعض المتعصبين وبعض المتفرنجين منا الذين يزعمون أن العرب لم يكونوا مخترعين مستنبطين، وانهم لم يكونوا الا نقلة عن غيرهم. وقد عنيت بوضع كتاب يبحث في أثر
стр. 320
العرب على العلوم الرياضية وما أخذه الغربيون من هذه العلوم، وتأثير ذلك في تقدمها. والمقالة التالية مجمل من ترجمة نابغة من نوابغ العلماء المسلمين قال عنه سخاو: (انه اكبر عقلية عرفها التاريخ في كل عصوره).
مولده ومنشؤه
هو محمد بن أحمد أبو الريحان البيروني الخوارزمي أحد مشاهير رياضيي القرن الرابع للهجرة ومن الذين جابوا الأقطار ابتغاء البحث والتنقيب. ولد أبو الريحان في خوارزم عام ٣٦٢هـ - ٨٧٣م ويقال أنه اضطر أن يغادر مدينة خوارزم على أثر حادث عظيم إلى محل في شمالها اسمه (كوركانج) وبعد مدة تركه وذهب إلى مقاطعة جرجان حيث التحق بشمس المعاني قابوس أحد أحفاد بني زياد وملوك وشمكير، ثم عاد إلى كوركانج وتمكن بدهائه أن يصبح ذا مقام عظيم لدى بني مأمون ملوك خوارزم. وبعد أن استولى سبكتكين على جميع خوارزم ترك أبو الريحان كوركانج وذهب إلى الهند فبقي مدة طويلة (ويقال انه سافر فيها أربعين سنة) يجوب البلدان ويقوم بأبحاث علمية كان لها تأثير في تقدم بعض العلوم. وقد استفاد البيروني من فتوح الغزنوبين في الهند وتمكن من القيام بأعمال جليلة؛ فانه استطاع أن يجمع معلومات صحيحة عن الهند، ويلم شتات كثير من علومها ومعارفها القديمة. وأخيرا رجع إلى غزنة ومنها إلى خوارزم ولم يعرف بالضبط تاريخ وفاته. وإنما الراجح أنه توفي سنة ٤٤٠ هجرية - ١٠٤٨ ميلادية.
تنقلاته العلمية ومآثره:
كان البيروني رياضيا وفلكيا وطبيباً ومؤرخا وجغرافيا. وهو أبرز شخصية بين علماء عصره الذين بفضلهم كان للعرب عصر ذهبي تقدمت فيه العلوم تقدمها المعروف. قرأ فلسفة الهند وله فيها وفي الرياضيات والفلك مؤلفات كثيرة، وهو من أوسع علماء الإسلام اطلاعا على آداب الهند وعلومها ويقال انه ضرب بسهم وافر في الجغرافيا حتى أن أبا الفداء كان يعتمد أحياناً في أبحاثه الجغرافية على كتب أبي الريحان. قال سيديو: إن أبا الريحان (اكتسب معلوماته المدرسية البغدادية ثم نزل بين الهنود حين أحضره الغزنوي فأخذ يستفيد منهم الروايات الهندية المحفوظة لديهم قديمة أو حديثة، ويفيدهم استكشاف أبناء
стр. 321
وطنه ويبثها لهم في كل جهة مر بها، وألف لهم ملخصات من كتب هندية وعربية، وكان مشيرا وصديقا للغزنوي استعد حين أحضره بديوانه لإصلاح الغلطات الباقية في حساب بلاد الروم والسند وما وراء النهر. وعمل قانوناً جغرافياً كان أساسا لأكثر القسموغرافيات المشرقية؛ نفذ كلامه مدة في البلاد المشرقية ولذا استند إلى قوله سائر المشرقيين في الفلكيات، واستمد منه أبو الفداء الجغرافيا في جداول الأطوال والعروض وكذا أبو الحسن المراكشي. . .) ويعترف
(سمث) في الجزء الأول من كتابه تاريخ الرياضيات أن البيروني كان ألمع علماء زمانه في الرياضيات، وان الغربيين مدينون لكتبه في معلوماتهم عن الهند وعلومها الرياضية، والبيروني ذو مواهب جديرة بالاعتبار، فقد كان يحسن السريانية والسنسكريتية والفارسية والعبرية عدا العربية، وفي أثناء إقامته بالهند كان يعلم الفلسفة اليونانية ويتعلم هو بدوره الهندية، ويقال انه كان بينه وبين ابن سينا مكاتبات في أبحاث مختلفة ورد أكثرها في كتب ابن سينا. وكان يكتب كتبه مختصرة منقحة بأسلوب مقنع وبراهين مادية. لكنه لم يتعد أن يوضح القوانين الحسابية بأمثلة ما، قال اليبروني عن الترقيم في الهند: إن صور الحروف وأرقام الحساب تختلف باختلاف المحلات، وان العرب أخذوا أحسن ما عندهم (أي عند الهنود) والقطعة التي قالها في ذلك هي لدينا ولا مجال لذكرها الآن. وهو من الذين بحثوا في تقسيم الزاوية إلى ثلاثة أقسام متساوية، وكان ملما بعلم المثلثات وكتبه فيه تدل على أنه عرف قانون تناسب الجيوب. ويقال انه وبعض معاصريه عملوا الجداول الرياضية (للجيب والظل) وقد اعتمدوا في ذلك على جداول أبي الوفاء البوزجاني.
وعمل اليبروني تجربة لحساب الوزن النوعي، واستعمل في ذلك وعاء مصبه متجه إلى أسفل، ومن وزن الجسم بالهواء والماء تمكن من معرفة مقدار الماء المزاح، ومن هذا الأخير ووزن الجسم بالهواء حسب الوزن النوعي، واستطاع أن يجد الوزن النوعي لثمانية عشر عنصراً ومركباً بعضها من الأحجار الكريمة، وله أيضا كتاب في خواص عدد كبير من العناصر والجواهر وفوائدها التجارية والطبية، وهو وابن سينا من الذين شاركوا ابن الهيثم في رأيه القائل بأن شعاع النور يأتي من الجسم المرئي إلى العين.
مؤلفاته
стр. 322
من اشهر مؤلفات البيروني التي وصلت إلى أيدي العلماء كتاب (الآثار الباقية عن القرون الخالية) وهذا الكتاب يبحث فيما هو الشهر واليوم والسنة عند مختلف الأمم القديمة من آشوريين ويونانيين إلى وقت البيروني، وكذلك في التقاويم وما أصاب ذلك من التعديل والتغيير وفيه جداول تفصيلية للأشهر الفارسية والعبرية والرومية والهندية والتركية تبين كيفية استخراج التواريخ بعضها من بعض، وتجد فيه أيضا جداول لملوك آشور وبابل والكلدان والقبط واليونان قبل النصرانية وبعدها، ولملوك الفرس قبل الإسلام على اختلاف طبقاتهم. ولم يقتصر الكتاب على ذلك بل بحث في المتنبئين وأممهم من أهل الأوثان وأهل البدع في الإسلام، وغير ذلك من الموضوعات التي يتعلق بالأقباط وأعيادهم، وأعياد النصارى على اختلاف طوائفهم. . .
يقول كشف الظنون عن هذا الكتاب: (إنه كتاب مفيد، ألفه لشمس المعالي قابوس وبين فيه التواريخ التي تستعملها الأمم. . .) ومنه أيضا يستدل على أن البيروني أول من استنبط تسطيح الكرة. وقد فصل ذلك في كتابه المذكور الذي يدل أيضا على أن له استنباطات جليلة في الفلك والرياضيات، وقد ترجم (سخاو) الآثار الباقية المذكورة إلى الإنكليزية، وطبع عام ١٨٧٩م في لندن، وله كتاب تاريخ الهند، وقد ترجمه أيضا سخاو إلى الإنكليزية وطبع الأصل في لندن سنة ١٨٨٧م والترجمة فيها سنة ١٨٨٨م، وفيه تناول البيروني لغة أهل الهند وعاداتهم وعلومهم.
واعتمد عليه (سمث) وغيره من المؤلفين عند بحثهم في رياضيات الهند والعرب، وله كتاب تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة وقد ترجم إلى الإنكليزية عام ١٨٨٧م، وكتاب مقاليد علم الهيئة ما يحدث في بسيط الكرة. وفي هذا الكتاب بحث في (شكل الظل) اعترف فيه بان (الفضل في استنباط الشكل الظلي لأبي الوفاء بلا تنازع من غيره)، وقد كنا نشرنا هذا في مقالنا عن البوزجاني في مجلة المقتطف. وجاء أبو الريحاني في بعض كتبه على ذكر قسم من الكتب القيمة التي دخلت في زمن العباسيين والتي كان لها اثر كبير في تقدم علوم الفلك والرياضيات، فقد أتى ذكر على المقالتين اللتين حملهما أحد الهنود إلى بغداد في منتصف القرن الثاني للهجرة، فالمقالة الأولى في الرياضيات والثانية في الفلك، وبواسطة الأولى دخلت الأرقام الهندية إلى العربية واتخذت أساسا للعدد،
стр. 323
والثانية اسمها (سدها نتا) التي عرفت فيما بعد باسم كتاب (السند هند) ترجمها إبراهيم الفزاري وكان نقلها بداءة عصر جديد في دراسة هذا العلم عند العرب. مما مر نستنتج أن البيروني كتب في تاريخ الرياضيات عند الهنود والعرب. ولولاه لكان هذا الموضوع اكثر غموضا مما هو عليه الآن، كما إن أكثر الكتب الحديثة التي تبحث فيه (في الرياضيات عند الهنود والعرب) تعتمد في الأغلب على كتبه كما يتضح لمن يتصفح كتب تاريخ العلوم الرياضية. وله مؤلفات أخرى يربى عددها على المائة والعشرين، منها: كتاب القانون المسعودي في الهيئة والنجوم، وقد ألفه لمسعود بن محمود الغزنوي، وكتاب استيعاب الوجوه الممكنة في صنعة الإسطرلاب، وكتاب استخراج الأوتار في الدائرة بخواص الخط المنحني فيها، وهو مسائل هندسية أدخل فيها طريقته التي ابتكرها في حل بعض الأعمال، وكتاب العمل بالإسطرلاب، ومقالة التحليل والتقطيع للتعديل، وكتاب جمع الطرق السائرة في معرفة أوتار الدائرة وكتاب جلاء الأذهان في زيج البتاني، وكتاب التطبيق إلى تحقيق حركة الشمس، وكتاب في تحقيق منازل القمر. وتمهيد المستقر لتحقيق معنى الممر، وكتاب ترجمة ما في براهم سدهانه من طرق الحساب، وكتاب كيفية رسوم الهند في تعلم الحساب، وكتاب استشهاد باختلاف الأرصاد، وقد ألفه البيروني لأن أهل الرصد عجزوا عن ضبط أجزاء الدائرة العظمى بأجزاء الدائرة الصغرى، وكتاب الصيدلة في الطب (استقصى فيه معرفة ماهيات الأدوية ومعرفة أسمائها واختلاف آراء المتقدمين فيها وما تكلم كل واحد من الأطباء وغيرهم فيه، وقد رتبه على حروف المعجم)، وكتاب الإرشاد في أحكام النجوم، وكتاب في إفراد المقال في أمر الظلام، وكتاب تكميل زيج حبش بالعلل وتهذيب أعماله من الزلل، وكتاب الجماهر في معرفة الجواهر، ومقالة في نقل ضواحي الشكل القطاع إلى ما يغني عنه، وكتاب تكميل صناعة التسطيح، وله كتاب التفهيم لأوائل صناعة التنجيم، وهذا الكتاب لم يطبع بعد ولابد ان تكون بعض نسخ خطية منه موجودة في المكاتب الأوربية والمصرية، وهو لدينا في نسخة خطية نسخت منذ تسعين سنة عن نسخة قديمة، وهو يبحث في الهندسة والحساب والعدد ثم هيئة العالم ثم أحكام النجوم وذلك (لأن الإنسان لا يستحق سمة التنجيم الا باستيفاء هذه الفنون الأربعة)، وقد ألفه على طريقة السؤال والجواب ولغته سهلة سلسلة، ونترك التفصيل عنه الآن لكتابنا الذي نؤلفه.
стр. 324
نابلس. فلسطين. قدري حافظ طوقان
стр. 325
من طرائف الشعر
الشاعر والسلطان الجائر
للأستاذ إيليا أبو ماضي
أمر السلطان بالشاعر يوما فاتاه
في كساء حائل الصبغة واه جانباه
وحذاء أوشكت تفلت منه أخمصاه
قال: صف جاهي، ففي وصفك لي للشعر جاه.
ان لي القصر الذي لا تبلغ الطير ذراه
ولي الروض الذي يعبق بالمسك ثراه
ولي الجيش الذي ترشح بالموت ظباه
ولي الغابات، والشم الرواسي، والمياه
ولي الناس، وبؤس الناس مني والرفاه
إن هذا الكون ملكي. . أنا في الكون اله!!
ضحك الشاعر مما سمعته أذناه
وتمنى أن يداجي فعصته شفتاه
قال: أني لا أرى الأمر كما أنت تراه
إن ملكي قد طوى ملكك عني ومحاه
القصر، ينبئ عن مهارة شاعر … لبق، ويخبر بعده عنكا
هو للآلي يدرون كنه جماله … فإذا مضوا فكأنه دكا
ستزول أنت ولا يزول جلاله … كالفلك تبقى إن خلت فلكا
أنا من حواه بعينه وبلبه … ولئن حواك وحزته صكا!
والروض؟ إن الروض صنعة شاعر … سمح طروب رائق جزل
وشى حواشيه وزين أرضه … بروائع الألوان والظل
لفراشة تحيا له، ولنحلة … تحيا به، ولشاعر مثلي
ولبلبل غرد يساجل بلبلا … غردا، وللنسمات والطل
стр. 326
ولديمة تذري عليه دموعها … كيما تقيه غوائل المحل
فإذا مضى زمن الربيع أضعته … وأقام في قلبي وفي عقلي
والجيش معقود لواؤك فوقه … ما دمت تكسوه وتطعمه
للخبز طاعته وحسن ولائه … هو (لاته الكبرى) (وبرهمه)
فإذا يجوع بظل عرشك ليلة … فهو الذي بيديه يحطمه
لك منه أسيفه ولكن في غد … لسواك أسيفه وأسهمه
أتراه سار إلى الوغى متهللا … لولا الذي الشعراء تنظمه؟
وإذا ترنم هل بغير قصيدة … من شاعر مثلى ترنمه؟
والبحر. . قد ظفرت يداك بدره … وحصاه. . لكن هل ملكت هديره؟
أمرجت أنت مياهه؟
أصبغت أنت رماله؟
أجبلت أنت صخوره؟
هو للدجى يلقى عليه خشوعه … والصبح يسكب وهو يضحك نوره
هو للرياح تهزه وتثيره … والشهب تسمع في الظلام زئيره
للطير هائمة به مفتونة … لا للذين يروعون طيوره
للشاعر المفتون يخلق لاهيا … من موجه حوراً، ويعشق حوره
ولمن يشاهد فيه رمز كيانه … ولمن يجيد لغيره تصويره
يا من يصيد الدر من أعماقه … أخذت يداك من الجليل حقيره
لا تدعيه. . فليس يملك، أنه … كالروض جهدك أن تشم عبيره
ومررت بالجبل الأشم - فما زوى … عني محاسنه، ولست أميرا
ومررت أنت فما رأيت صخوره … ضحكت ولا رقصت لديك حبورا
ولقد نقلت لنملة ما تدعي … فتعجبت مما حكيت كثيرا
قالت: صديقك ما يكون؟ أقشعماً؟ … أم أرقم؟ أم ضيغماً هيصورا؟
أيحوك مثل العنكبوت بيوته؟ … حوكا؟ ويبني كالنشور وكورا؟
هل يملأ الأغوار تبرا كالضحى؟ … ويرد كالغيث الموات نضيرا
стр. 327
أيلف كالليل الأباطح، والربى … والمنزل المعمور والمهجورا؟
فأجبتها: كلا، فقالت: سمه … في غير خوف (كائنا مغرورا)
فاحتدم السلطان أي احتدام … ولاح حب البطش في مقلتيه
وصاح بالجلاد: هات الحسام … فأسرع الجلاد يسعى إليه
فقال دحرج رأس هذا الغلام … فرأسه عبء على منكبيه
قد طبع السيف لحز الرقاب … وهذه رقبة ثرثار
اقتله. . واطرح جسمه للكلاب … ولتذهب الروح إلى النار!
سمعا وطوعا سيدي - وانتضى … غضبا يموج الموت من شفرتيه
ولم يكن إلا كبرق أضا … حتى أطار الرأس عن منكبيه
فسقط الشاعر معروضا … يخدش الأرض بكلتا يديه
كأنما يبحث عن رأسه … فأستضحك السلطان من سجدته
ثم استوى يهمس في نفسه … (ذو جنة) أمسى بلا جنته
أجل! هكذا هلك الشاعر … كما يهلك الآثم المذنب
فما غص في روضة طائر … ولم يتطفئ في السما كوكب
ولا جزع الشجر الناصر … ولا اكتأب الجدول المطرب
وكوفئ عن قتله القاتل … بمال جزيل وخد أسيل
فقال له خلفه السافل … ألا ليت لي كل يوم قتيل!
في ليلة طامسة إلا نجم … تسلل الموت إلى القصر
بين حراب الجند والأسهم … والأسيف الهندية الحمر
إلى سرير الملك الأعظم … إلى أمير البر والبحر!!
ففارق الدنيا ولما تزل … فيها خمور وأغاريد
فلم يمد حزنا عليه الجبل … ولا ذوى في الروض أملود
في حومة الموت وظل البلى … قد التقى السلطان والشاعر
هذا بلا مجد، وهذا بلا … ذل، فلا باغ ولا ثائر
عانقت الأسمال تلك الحلي … واصطحب المقهور والقاهر
стр. 328
لا يجزع الشاعر أن يقتلا … ليس وراء القبر سيف ورمح
ولا يبالي ذاك أن يعذلا … سيان عند الميت ذم ومدح
وتوالت الأجيال تطرد … جيل يغيب وآخر يفد
أخنت على القصر المنيف فلا … جدران قائمة ولا العمد
ومشت على الجيش الكثيف فلا … خيل مسومة ولا زرد
ذهبت بمن صلحوا ومن فسدوا … ومضت بمن تعسوا ومن سعدوا
وبمن أذاب الحب مهجته … وبمن تأكل قلبه الحسد
وطوت ملوكا ما لهم عدد … فكأنهم في الأرض ما وجدوا
والشاعر المقتول باقية … أقواله، فكأنها الأبد
الشيخ يلمس في جوانبها … صور الهوى، والحكمة الولد
стр. 329
البحر
للدكتور محمد عوض محمد
أيها الزاخر ذو الصدر الرحيب! … كم طوى صدرك من سر رهيب!
قد شهدت الكون والكون فتى … وسترعاه إلى وقت المشيب
كم قرون عصفت وانقرضت … وخطوب قد مضت إثر خطوب
ومحياك رزين، ناظر … بابتسام تارة أو بقطوب!
ساخراً مما يلاقيه الورى … من نعيم زائل أو من كروب
هازئاً مما أثاروا بينهم: … من جدال أو خصام أو حروب
ثائراً حينا، وحيناً هادئاً … باعثا رعبا، وأمناً للقلوب!
مهلكا حينا، وحيناً منقذاً … كعدو ناقم أو كحبيب
باسماً طوراً وطورا عابساً … في كلا الحالين ذو شأن عجيب
لابساً للدهر ثوباً أزرقا … يسحر الأعين ذا حسن مهيب
حلة تزهر بها الدنيا كما … تخطر الحسناء في الثوب القشيب
زرقة الفيروز تحكيها وإن … كبرت عن أن تضاهي بضريب
عانقتك الشمس من جو السما … وهي تجري من شروق لغروب
هل رأى العالم في غير كما … كيف يحلو مزج ماء بلهيب
قلبك الهادئ لا تزعجه … زعزع نكباء جدت في الهبوب
لم تحرك منك إلا ظاهرا … دفعته لشمال أو جنوب
تحته قلب عميق ساكن … هازئ من حادث الدهر العصيب
ليت شعري ما الذي تضمر في … قلبك الهائل من أمر غريب!
عالم آياته قد أتعبت … فكرة الحاسب أو عقل الأريب
стр. 330
لقاء
للأستاذ محمود الخفيف
هزها الشوق والخيال فغنت … وحباها الغرام لحنا جميلا
أسرعت في مسيرها وتأنت … ثم مالت لتستريح قليلا
أنظر الزهر كيف يرنو إليها … والمح العشب كيف يبدو نضيرا
وارقب الغصن كيف يحنو عليها … واسمع الطير كيف تشدو سرورا
فتن الكون كله بفتاة … بث فيها الجمال سحراً حلالا
مذ تبدت على بساط نبات … كست الكون بهجة وجلالا
هي كالزهر رونقا وبهاء … وهي كالطير خفة ودلالا
هي كالماء رقة وصفاء … صاغها الله للجمال مثالا
هي كالصبح روعة وابتساما … وهي كالفجر ريبة وحياء
وهي كالشمس حدة واحتداما … وهي كالبدر رقة وسناء
أطلقت في الخلاء صوتاً رخيما … مثل سجع الحمام عند البكور
هادئا ناعما شجيا رخيما … دق في الوصف عن أدق الشعور
ذكرت حبها وقالت كلاما … من رقيق العتاب سامي البيان
لم ترد بالعتاب إلا سلاما … وحديث العتاب جم المعاني
ضحكت برهة ولكن عراها … أثر هذا السرور شيء عجاب
عبست فجأة وخارت … وسعت الهم نحوها والعذاب
أنظر الدمع كيف يجري سخينا … أغرق الخد يأبى انقطاعا
واسمع اللحن كيف صار أنينا … يملأ القلب رأفة والتياعا
هتفت باسمي وهي تحسب أني … لا أراها ولم أزل في بعادي
ويح قلبي! أيهرب القلب مني؟ … ويح نفسي! أشعلة في فؤادي؟
أبصرتني فكفكفت مقلتيها … وعراها وقد رأتني اضطراب
وعراني وقد هرعت إليها … نشوة ثم رجفة واكتئاب
قد دهاني عند اللقاء إختبال … وعصاني فلم يترجم لساني
стр. 331
حين لم يبق للسان مجال … ترجم الدمع عن أدق المعاني
أمهلتني هنيهة ثم قالت … ويح نفسي لقد سمعت عتابي
واطمأنت لحيرتي ثم مالت … تطل البعد وهي ترجو اقترابي
قلت مهلا ترفقي بفؤاد … شفه الوجد والحنين إليك
جئت أسعى إليك بعد بعاد … ووضعت الفؤاد بين يديك
لست أرضى الخلود عنك بديلا … فحياتي رهينة بهواك
لا ولا المجد أرتضيه خليلا … غاية المجد أن أنال رضاك
لك نفسي إذا أردت فداء … أنت روحي وأنت غاية نفسي
لا أدرى في الوجود عنك عزاء … أنت عيني وأنت سمعي وحسي
أطرقت عفة وأغضبت حياء … إذ رأتني محدقا في اشتياق
وأرتني تمنعا وإباء … وإباء الدلال حلو المذاق
لست أنسى جمال ذاك المحيا … بين زهو الصبا وطهر العفاف
وحديثا وعاه قلبي شهياً … أين من وصفه بليغ القوافي؟
لست أنسى طلاقة وبهاء … وانتشاء وغفلة وابتساما
لست أنسى تعففاً وحياء … وانتباها وفطنة واحتشاما
لست أنسى تلهفا وافتتانا … وهي تصغي إلى حديث اغترابي
لست أنسى ترفقا وحنانا … ما أحيلاه بعد طول الغياب!
إن هذا اللقاء يملأ قلبي … كل حين مسرة وهناء
فأراها على البعاد وحسي … ذاك حتى يجود دهري عزاء
стр. 332
ثم ماذا؟
ثم ماذا يا دهر؟ هل من جديد … أجتني منه لوعتي وعنائي؟
هات ما قدر القضاء علينا … ولتفض كأس عيشنا بالشقاء
// لست أخشى القضاء إن قصد العد … ل. ولكن أخاف ظلم القضاء
ورضينا بالظلم. . لو أن دهري … ينتهي ظلمه بهذا الرضاء
سخريات هذي الحياة وسر … لم يزل غامضا على الأذكياء
أي معنى للزهر يولد في الرو … ض صباحا وينتهي في المساء؟
أي معنى للحسن أصبح فيه … كل صب نضواً من البرحاء
ثم يخبو ضياه حتى كأن لم … يك بالأمس بالوضئ الرواء
وترى دمعة الحنين إليه … حول الدهر سيرها للرثاء!
غدرات الأيام تأتي سراعا … وسراعا تمضي ليالي الهناء
رب ليل ظللت أرشف فيه … كل ما شئت من معاني الصفاء
ورأيت الغرام أيقظ مني … شعر نفس أشفت على الإغفاء
فخلقت البديع من كل معنى … وجلوت الجمال للشعراء
هكذا بت، لا فؤادي شاك … من هواه، ولا حبيبي ناء
فأتى الصبح بالخطوب التوالي … من عذاب وفرقة وجفاء
فتساءلت: كيف جرع قلبي … غصة البين بعد حلو اللقاء؟
أين قلبي؟ فقدته في غرامي … أين عيني؟ أذبتها في بكائي. .
ورجائي أضاعه لي دهري … في شبابي، يا رحمتا للرجاء!
لسواء علي عشت سعيدا … أم قضيت الحياة في بأساء
فالزهور التي ذوت ظامئات … كالزهور التي ذوت في الماء
والطيور التي تغرد في الأي … ك سرورا مصيرها للبكاء. .
عشت في عالم تهيج شجوني … كلما قيل: عالم الأحياء
علموني كيف الغباء لأحيا … هانئا بينهم حياة الرخاء
وامنحوني بعض الرياء لعلي … أرتوي غيلة ببعض الرياء!
مصطفى كامل الشناوي
стр. 333
في الأدب الشرقي
الأدب العربي والأدب الفارسي
للأستاذ عبد الوهاب عزام. أستاذ الأدب الفارسي بكلية الآداب
٣
وكان من آثار هذا الاختلاط والتنافس ظهور الشعوبية من فرس وغيرهم، وهم الذين قاموا يردون على العرب دعواهم في فضلهم على الأمم. ولم يقتصر الشعوبية أن يسووا أنفسهم بالعرب، بل تمادى الجدل بهم إلى تفضيل غير العرب عليهم، كان من الشعوبية غير الفرس، وكان من الفرس أنصار للعرب، ولكن النزاع كان في معظمه نزاعا بين العرب والفرس خاصة. وقد تناضل الفريقان عن كثب، وأرسلوا الكلام إلى غاياته في غير تحرج.
فعلان الشعوبي الفارسي وهو نساخ في بيت الحكمة أيام الرشيد والمأمون، كتب كتاب الميدان الذي (هتك فيه العرب وأظهر مثالبها) كما يقول ابن النديم، وسهل بن هارون صاحب خزانة الحكمة في عهد المأمون كان شديد العصبية على العرب، وقد كتب رسالة في البخل وكأنه أراد بها الزراية بالجود الذي كان عمدة مفاخر العرب، وسعيد بن حميد بن البختكان لم يتحرج، وهو على مقربة من الخلفاء، أن يكتب كتابا يسميه فضل العجم على العرب، وأشباه هؤلاء كثيرون، وقد استمر النزاع في الكتب عصوراً طويلة، وليس يسعنا أن نستقصيه الآن.
بعد هذا كله نسأل السؤال الذي يفهم جوابه استنتاجا مما تقدم: ما أثر الفرس في الآداب العربية؟
مهما تحدث الناس عن النزاع بين العرب والفرس، فان هذا النزاع لا يشرح لنا كل شيء، كان المتنازعون إما من الرؤساء ومن التف حولهم، وإما من الطامعين في الزعامة والمناصب. فأما العلماء أكثرهم فكانوا كدأبهم في كل زمان يعملون ولا تسمع أصواتهم، وهم الذين تعاونوا على إغناء اللغة العربية بالكتب في شتى الفنون. فقد تقدم الفرس النجباء لحمل الأمانة العلمية منذ العهد الأموي، وثابروا فإذا هم المتقدمون في كل فن: في التفسير، والحديث، والفقه، حتى علوم العربية من نحو وصرف وعروض، والآداب العربية شعرها ونثرها، قديمها وحديثها، وما عنوا بالكلام عن الفرس والعرب. وكانوا يتحرجون أن
стр. 334
يخوضوا في هذا، وكان حسبهم أن ينصروا الدين وعلومه، ولو كان لابد لهم أن يتجاوزا إلى أخذ الفريقين لآثروا نصرة العرب تدينا وتقوى. وحسبنا أن نذكر هنا أمثال الحسن البصري، والبخاري، ومسلم، والأمام أبي حنيفة، ومحمد بن جرير الطبري، وابن قتيبة، وابن فارس. على أن المتعصبين أنفسهم قد اتخذوا العربية لغتهم، فلم يكن لهم بد من إمدادها بمعارفهم طوعا أو كرها. والحق أن كراهيتهم للعرب لم تكن كراهة للغة العربية. وأصدق شاهد على هذا أبو عبيدة اللغوي: كان شعوبيا متعصبا على العرب، وأصله يهودي فارسي، وأنت تعلم ما أجدت مؤلفاته على اللغة العربية، وما بذل من جهد لحفظها ورواية آدابها، ومن هذه الآداب كتابه في مثالب العرب.
للفرس يد أخرى على الآداب العربية، هي ترجمتم ذخائر لغتهم إلى اللغة العربية ترجمة حاذق قد اتخذ العربية من لغته بديلا. ولعل عصبيتهم حفزتهم إلى هذا ليحفظوا آثارهم من الضياع وتقوم لهم الحجة بما يترجمون على فضل آبائهم، وعظم حضارتهم، وقد بدأت هذه الترجمة - فيما يظن - أيام الخليفة هشام بن عبد الملك: ترجم جبلة بن سالم كاتب هشام سير ملوك الفرس، ثم جاء زعيم المترجمين ابن المقفع، وعبد الحميد بن أبان، وآل نوبخت. وقد عد صاحب الفهرس أربعة عشر مترجما غير ابن المقفع وأسرة نوبخت.
والكتب التي ترجمت من الفارسية أقسام ثلاثة:
١. كتب في الحكمة: وهذه ليست ذات خطر، فإنما هي فلسفة اليونان جاءت من طريق الفرس، وكان العرب يأخذونها من مصادر خير من الفارسية.
٢. كتب في التاريخ والقصص: مثل كتاب (خداي نامه) أو سير الملوك، وكتاب التاج في سيرة أنوشروان اللذين ترجمهما ابن المقفع، وسيرة أردشير، وسيرة أنوشروان، اللتين ترجمهما أبان اللاحقي. وبعضها مأخوذ عن السجلات الرسمية الفارسية. وهذه الكتب لها أثرها في كتب التاريخ العربي. وهي أصل لكل ما في الكتب العربية من تاريخ الفرس وأساطيرهم، فأخبار الساسانيين في الطبري مثلا مأخوذة منها. يثبت هذا مقارنة الكتب العربية بعضها ببعض وبالكتب الفارسية كالشاهنامه. فهذه الكتب على اختلاف مصادرها المباشرة تتفق في سرد التاريخ اتفاقا يؤدي إلى الاعتقاد بأنها أخذت من أصل واحد.
٣. كتب المواعظ والآداب والسياسة وما يتصل بها: مثل عهد (أردشير بابكان) إلى ابنه
стр. 335
سابور. وعهد أنوشروان إلى ابنه هرمز، وجواب هرمز إياه، ورسالة كسرى إلى زعماء الرعية، وكتاب (زادان فرخ) في تأديب ولده، وآيين نامه الذي ترجمه ابن المقفع، وقد أمدت هذه الكتب اللغة العربية بثروة من الحكم الأخلاقية والأقوال المأثورة تتجلى في مثل كتب ابن المقفع: كليلة ودمنة، والأدب الكبير، والأدب الصغير، واليتيمة، وهي أصل لكتب الأخلاق العربية التي ألفت من بعد، ومن هذا النوع الكتب التي عرفت باسم المحاسن، أو المحاسن والمساويء، مثل: المحاسن لعمر بن الفرخان الطبري (في عصر المأمون). والمحاسن المنسوب لابن قتيبة. والمحاسن والمساوئ للبيهقي، والمحاسن والأضداد للجاحظ، فهذه الكتب لها نظائر في الفهلوية ألفت حتى في العصر الإسلامي. وهي معروفة باسم شايد نشايد، أو (شايسة نشايسة).
كتب التاريخ وكتب المواعظ لها أثر كبير على الأدب العربي بالمعنى الأخص. أعني الكلام البليغ نظمه ونثره، فهذه الأساليب المسهبة السهلة التي تقدم بها عبد الحميد وتلاه فيها ابن المقفع وغيره تأثرت بالأساليب الفارسية كما كانت موضوعاتها فارسية. وقد ذكر أبو هلال العسكري في الصناعتين وهو يحتج على أن البلاغة ترجع إلى المعاني: ذكر أن الذين عرفوا لغات غير العربية نقلوا بلاغتها إلى العربية في كتابتهم، وضرب مثلا بعبد الحميد الكاتب إذ أجدت على العربية بلاغته الفارسية، وأمر آخر يرجع إلى الشعر: هو الشعر المزدوج الذي نظم به أبان بن عبد الحميد كتاب كليلة ودمنة وغيره، فقد نظم شعراء الفرس فيما بعد كل ما نظموا من قصص في هذا النوع من النظم وسموه المثنوي. فلعل هذا النوع من أثر الفرس على اللغة العربية أيضا على قلة معرفتنا بحال الشعر عند الفرس قبل الإسلام.
стр. 336
طرف من شعر السلاطين
هذه طرف من شعر سلاطين آل عثمان، وقد نبع منهم شعراء كثيرون، ولبعضهم دواوين متداولة. وأعظمهم أثراً في الشعر بايزيد الثاني، ومحمد الفاتح، وسليم الأول، وسليمان القانوني، وسليم الثاني، (وكل واحد من هؤلاء أب لمن بعده) ثم مراد الثالث، ومراد الرابع، ولكل من هؤلاء السلاطين الشعراء اسم عرف به في الشعر فالفاتح (عوني) وسليمان القانوني (محيي) وهلم جرا.
وقد يشوق القارئ أن يسمع إلى السلاطين يتحدثون عن سرائرهم ليرى أن الدولة والسلطان لا يرفعانهم عن مستوى الآلام والآمال.
ومن يظن أن السعادة ملك وغنى وصيت وجاه وجبروت فليسأل سليمان القانوني، وإرادته قضاء محتوم، وقوله في العالم قانون، ليسمع أن السعادة ليست ملك (سليمان)، وأن العروش لا تسمو على الأشجان.
السلطان محمد الفاتح (عوني)
أيها الساقي هات المدامة! ّفسيذهب البستان من اليد،
سيأتي الخريف، وتذهب الحديقة والربيع من اليد
أيها الحبيب! أوف بالعهد، ولا يغرنك الجمال والنضرة
ياملكي، قد جعلتني أسيراً في سلسلة طرتك
ويا رب لا تحررني من هذه العبودية
جور الحبيب، وطعان العدو، وحرقة الفراق، وضعف القلب
لهذه الألوان من الآلام خلقتني يا رب!
قد اجتمع على إحراقي وهدمي
حرقة القلب، ونار الآهات، ودمع العين
السلطان بايزيد الثاني (عدني)
يبدى لنا الفلك حينا حبا ووفاء
ويتقلب حينا فيبدل بالنعمة ألف نقمة!
ما عهدت من قبل تلك الآلام التي احتملت في سبيل العشق
стр. 337
وكذلك ترى هذه البدور العاشق ما لم يره
هاأنذا أتحامل في طريق العشق غريبا!
والجميلات يتغامزن بي
لا تحسبن هذا الفلك الغدار يمكن للسرور
فانه يضمر جوراً ويبدي صفاء
قد سير طبيبي آلامي بنظرة واعدة
كأنه لقمان تذهب يده بالسقام
إن ضللت طريق العشق فسل (عدني)
فهو يهدي إلى السبيل كل من أضل طريقه يهدي!
السلطان سليمان القانوني (محيي)
إن الذي يؤثر الفقر لا يريد عرشاً ولا إيوانا
ولا يبغي لنفسه إلا من زاد الأحزان
ولن يتبوأ عرش القناعة ملكا حرا
لا يريد أن يكون سلطانا على سبعة الأقاليم كلها
إنما أهل العشق من يقيم في دار الحبيب
يجن ولكن لا يريد الصحاري ولا الجبال
يا محبي: من يشرب قدحا من يد حبيبه
لا يرد حتى ماء الحيوان من يد الخضر
لا شيء أعظم من الدولة في هذا العالم
ولكن الدولة في هذه الدنيا لا تزن نفساً واحدا من العافية
ما هذا الذي يسمى سلطنة إلا ضوضاء الخليقة
وما في هذه الدنيا سعادة ولا جد كالوحدة
دع هذا العيش واللهو فإلى الفناء المصير
وإذا أردت الصديق الباقي فلا شيء كالطاعة
إن يكن عمرك عدد الرمال
стр. 338
فلن يبلغ ساعة واحدة في زجاجة هذا الفلك
إن ترد الحضور يا محبي فأفرغ قلبك
فليس للوحدة مقام كزاوية العزلة
стр. 339
في الأدب الغربي
معنى الشعر
للشاعر الإنكليزي درنكووتر
(المستر جون درنكووتر نزيل مصر الآن من أقطاب الشعر الإنكليزي الحاضر وله عدة مجموعات شعرية وقطع مسرحية شهيرة، ولد سنة١٨٨٢ وبدأ حياته العملية كاتبا في إحدى وكالات التأمين. وهو الآن أستاذ الأدب الإنكليزي بجامعة برمنجهام. وأشهر مؤلفاته (إبرهام لنكولن). وهي قطعة مسرحية رائعة. ومنها مجموعة شعرية عنوانها (رجال وساعات) وهي أولى مجموعاته و (العصيان) وغيرها. وقد دعت الجامعة المصرية المستر درنكووتر ليلقي خمس محاضرات عن الشعر الإنكليزي. فألقى الأولى منها يوم الخميس ١٧ فبراير في الجمعية الجغرافية الملكية، وموضوعها
(معنى الشعر) وهذه خلاصتها):
قال مستر درنكووتر:
تقوم اليوم كثير من الصعاب الخطيرة والمسائل الهامة التي تزعج معظم دول العالم. وهذه المسائل تشغل عقول المفكرين جميعا. ولكن أحدا لم يوفق إلى حلها، بيد أنهم على يقين من أمر واحد: هو أن هذا الحل لا يحقق ما لم تتناول مسائلنا بروح متبادل من التفاهم وحسن النية، وهذا هو الجوهر، فالناس لا يود بعضهم لبعض سوى الخير، ولكن ذلك لا يتم إلا بالاحتكاك الشخصي: فإذا ما اقتنعنا بوجوب التعامل بتعقل، خفت متاعبنا.
ورمز هذا الروح المشبع بالتفاهم وحسن النية: هو الشعر، فالشعر يعني بالأشياء الكونية الخالدة الخالقة، والشعر يبغض الظلم، وتبديد النشاط البشري، وخيبة الأمل، وقد خلق للاحتشام، والتسامح، والاحترام المتبادل.
فمما يشجع إذن أن يعمل شيء في تلك الأيام العصيبة لتقوية التفاهم بين الشعوب. وهذا بلد (يعني مصر) قد دعا شاعراً من بلد آخر ليأتي ثم يتحدث عن شعر بلاده، وهي بلاد ذات لغة وتقاليد، وذات أغراض سطحية أخرى، فهذا في نظري أمر وافر الحكمة؛ وإني لفخور بأن أنتهز هذه الفرصة التي قد يعدها كثير من الساسة خارجة عن نطاق عملهم، ولكني أراها عملا حرا كريما من أعمال السياسة.
стр. 340
ثم قال مستر درنكووتر: إنه سيحاول أن يبين في محاضراته أمرين: الأول أن يلفت النظر إلى جمال الشعر الإنكليزي في ذاته، والثاني أن يبين أن الخلافات السطحية بين الشعر الإنكليزي والشعر المصري (العربي) ليست في الواقع أكثر من سطحية، وإنه عندما نتأمل الحقائق التي يعنى بها الشعر، نجد الحياة البشرية تضطرم في نفس الشاعر، سواء أكانت بين الفلاحين المصريين أم بين الفلاحين الإنكليز، أو بين طلبة جامعة إكسفورد وكامبردج أم بين طلبة جامعة القاهرة، أو شاعر أيرلندي مثل يتس أو شاعر عربي مثل شوقي. ثم قال أنه قرأ (مجنون ليلى) التي ترجمها مستر أربري، فدهش إذ رأى مبلغ ما هنالك من تشابه بينها وبين ما يكتبه شاعر كمستر يتس.
ولكن يجب أن أقول أني لم أدهش، لأننا نعرف أن هذه هي طريقة الشعر، فالشعر لا يعرف الحواجز التي تقيمها بين الشعوب مصالح التجارة أو السياسة، بل تقيمها العادة والإقليم، والشعر يذهب إلى أعماق الحياة ويرى أن أعماق الحياة لا تختلف بالنسبة لمختلف الشعوب، وأنها واحدة في العالم بأسره.
فإذا كنت أحدثكم فأرجو ألا تعتبروني سائحاً من بلد أجنبي، ولكن صديقا يتحدث باسم الشعر عن أشياء يجب الا يظن متأملاها أن أحدهما غريب عن الآخر: واسمحوا لي أن أكون جريئا، فأستميح عفوكم في بيت لشاعركم شوقي.
ولست أعتقد، بعد الذي غمرني به المصريون من العطف، أنني رجل متعثر ضال.
ثم قال مستر درنكووتر: ما هو الشعر؟ يمكن أن نقول: أنه (الفن) فالفن في كل خواصه الجوهرية كالشعر سواء بسواء. والشعراء لا يخلقهم الشعر، ولكن الشعراء هم الذين يمدون العالم بعلم النظريات الشعرية، وإذن فالشعر هو فهم تام للتجارب، وإبراز هذا الفهم في صيغ الألفاظ. وعقولنا جميعا مهما اختلفنا في الجنس واللون والمركز والآراء والأطماع نستقبل جميعا في كل وقت أسفارا ضخمة من التجارب، والمسألة هي كيف نفهم هذه التجارب، والعقل القوي دائما سيد تجاربه؛ وهنا يتدخل الشاعر، فالشاعر لا يختلف في النوع عن أقرانه، ولكنه يحتاج إلى فهم أعمق لهذه التجارب، وهذا الإجهاد، وهذه الرغبة، وهذه الضرورة هي المجد، وهي المأساة في حياة الشاعر. هي المجد إذا استطاع أن يرضي هذه الضرورة؛ وهي المأساة لأن معظم هذه التجارب لا يمكن أن يحقق ويفهم.
стр. 341
والشاعر يعتبر أحياناً محسناً عاما؛ وهذا صحيح إلى حد ما؛ ولكن الشاعر لم يكن قط باختياره محسناً خلقياً، فالشاعر حين يكتب لا يفكر في فعل الخير؛ فهو يتفهم تجاربه فقط. وإذا اعتقد الشاعر نفسه محسنا عاما، فانه يتعثر في عمله. ذلك لأنه يفكر عندئذ فيما قد يراه الناس في عمله، ويكتب تحت هذا الأثر، بدلا من أن يقول الحقيقة.
ثم قال: أن الشعر في كل أمة يتأثر إلى حد ما بالأقاليم والمناظر وما إليها، وأن مناظر الخريف الإنكليزية وتناثر أوراق الشجر، والسماء الشهباء، وفصل الكآبة، قد أثرت في عقول ألوف وألوف من الإنكليز، ولكن رجلا واحدا لاحظها وفهمها؛ ثم أخرج منها أصدق صورة، وصاغ قطعة من أبدع ما في الشعر الإنكليزي؛ وكان هذا الرجل شكسبير. وكذا البلبل وأغاريده، فقد نفذت إلى ذهن فتى يقيم في ضاحية لندن فاخرج عنها قصيدته الخالدة (نشيد إلى البلبل) وكان هذا الشاعر كيتس.
(والفن كله هو التعبير عن التجارب؛ ولكن الشعر لا يعبر عنها إلا باللفظ. وذلك لأن الألفاظ تستعمل للتعبير عن كثير من الأشياء العادية. ولذا وجب أن يستعمل الشاعر الألفاظ بطريقة تجعلها حية دائما. والشعر أعظم من الشعراء، فهؤلاء يموتون، ولكن شعرهم يبقى دائما حياً صبوحاً)
стр. 342
كلمات في البحث العلمي
ترجمة الأستاذ احمد أمين
قال فرنسيس بيكون:
(لم أجد نفسي صالحة لشيء صلاحيتها لدرس الحقيقة، ذلك أني منحت عقلا له من النشاط والمرونة ما يمكنه من إدراك وجوه الشبه بين الاشياء، وله من الثبات ما يعينه على تعرف وجوه الخلاف، ولأني منحت رغبة في البحث، وصبرا على الشك، وغراما بالتفكير، وبطأ في الجزم، واستعدادا للنقد، وعناية بالترتيب، ولأني ليس لي ولع بالجديد، ولا إعجاب بالقديم، وأكره كل أنواع الخداع، لذلك أرى أن لي طبيعة تألف الحقيقة، ولها بها اتصال).
وقال هكسلي:
(إذا تكلمت عن الأغراض التي كانت نصب عيني من يوم أن بدأت حياتي العلمية فتلك باختصار هي أن أستزيد من المعلومات الطبيعية، وأن أطبق طرق البحث العلمي على كل قضايا الحياة جهد الطاقة وقد نما الاعتقاد عندي بأنه لا يخفف آلام النوع الإنساني إلا الإخلاص في الفكر، والإخلاص في العمل، ومواجهة العالم كما هو بعزم ثابت بعد أن تمزق عنه ثوب الرياء الذي خلعه عليه المراءون).
وقال فارادي:
(يجب على الفيلسوف أن يصغي لكل رأي، ولكن لا يكون مصدر الحكم الا نفسه، لا يخدع بالظواهر ولا يميل إلى فرض فروض خاصة، ليس تابعا لمذهب معين، وليس له في اعتقاده أستاذ، لا يحترم الأشخاص ولكن يحترم الحقائق. غرضه الأسمى الوصول إلى الحق، فان هو أضاف إلى ذلك الجد في السعي كان خليقا أن يخترق حجب الظواهر، ويصل إلى حقائق العالم).
وقال السير ميكائيل فوستر في خطبة له في المجمع البريطاني سنة ١٨٩٩:
(أن الصفات التي تلزم الباحث في العلم ثلاث:
١. يجب أن تكون طبيعته متموجة تموج ما يبحث عنه، فالباحث وراء الحق يجب أن يكون مخلصا للحق، والباحث في أحوال الطبيعة الصادقة يجب أن يكون صادقا.
٢. يجب أن يكون يقظ العقل، فأن الطبيعة إنما تفهم بالإشارة أو تهمس في الأذن بأوليات
стр. 343
أسرارها، فعلى الباحث أن يكون مستعدا لفهم إشاراتها مهما دقت، ولسماع أصواتها مهما خفيت.
٣. الشجاعة، وأعني بها التحمل والصبر)
وقال نيكون:
(أن الحق يظهر من الخطأ بأسرع مما يظهر من الخلط والغموض، فإذا بدأنا نحدد الخطأ بدأ الخطأ يختفي كالذي يحكي عن الجني إذا بدا يتجسد سنحت الفرصة للقبض عليه.
وصور (دارون) اشتباك العالم تصويرا دقيقا محكما وسمى ذلك (نسيج الحياة) فقال إن العالم كله سلسلة متصلة مشتبكة وأوضح ذلك بأن للقطط علاقة بمحصول البرسيم، وليس يقع طائر الا وقد يحدث من وقوعه أعمال واسعة النطاق. فالقطعة الصغيرة من الطين قد تعلق برجل الطائر ويرمي بها إلى الأرض فتتصل بها بذرة (تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة) وهناك دورة لا تنقطع للمادة، والقوة فقد تؤثر (١) في (ي) ولو لم تعلم (ي) بـ (١) فهناك علاقة بين تقليل الأشجار ووباء الحشرات، وبين الطيور وانتثار البذور، وبين ضوء الشمس وصيد أنواع من السمك، وهذه الأمثلة قد تظهر بادئ بدء كأنها ألغاز، ولكن إذا بينت الارتباطات المتسلسلة وضحت وضوح الشمس).
وقال آخر: (غرض العلماء أن يروا العالم شفافا وأن يجعلوه (سينما) عقليا، صوره المعروضة أسباب متعاقبة تمر أمام أعيننا بدون انقطاع)
وقال كارل بيرش:
(يجب على العالم أول كل شيء أن يزيل العوامل الشخصية من أحكامه، وأن يقدم على ما يقول برهانا تقبله عقول الناس كما يقبله عقله، وأن يعني بتقسيم الحقائق وملاحظة تسلسلها وارتباط بعضها ببعض)
стр. 344
القرية المهجورة
للشاعر أوليفر جولد سمث
أتى عليك زمان كله رغد … يفيض فوق رباك الخير مطردا
وكان عهدك والفلاح مغتبط … يأتي له الرزق من غلاته رغدا
لكن تنكرت الأيام وامتلكت … هذي البلاد قساة أغلظوا الكبدا
فعطلت من ليالي الأنس أربعها … والأهل قد هجروها، لا أرى أحدا
(أوبرن) يا لمحة السحر التي اختلست … لقد طواك زمان كله عِبرُ
لكم رجعت إليك اليوم مكتئبا … والنفس ولهانة والقلب منفطر
أرتاد فيك مكانا كان يؤنسه … ظليل كوخك أو نسرينك العطر
فتملأ الذهن أفكار تراوحني … بذكريات عهود كلها صور
لما رمت بي النوى في دار غربتها … وذقت فيها نصيب الحزن والتعب
ركبتها ولقلبي الصب أمنية … في أن يكون إلى (أوبرن) منقلبي
وكنت أحرص في جهدي الطويل على … قنديل عمري حرص المشفق الحدب
ألكي أقضي في قومي بقيته … أروي لهم كل ما لاقيت من عجب
دعوهم حول نيراني لأطرفهم … بعد العشي بأخباري وأهوالي
كأنني أرنب في الدوِّ أفزعها … صيد فعدت لوكري بعد إجفال
قد كنت أحلم في آفاق دسكرتي … وكان عودي إليها جل آمالي
فذاك أحسن شيء سحر بهجتها … وذاك خير معادا تربها الغالي
يا عزلة الريف يا مكنون روعته … يا إلف شيخوخة الإنسان في الكبر
آها على طيب أحلام رزئت بها … وسدتها فيك بين الماء والشجر
ما كان أصفى نعيم المرء لو ختمت … مشيبه راحة في دوحك الخضر
يجفو الحياة وما تحويه من خدع … غرارة ونعيم غير ذي أثر
ما كان أعذب ذاك الصوت سيرسله … وحي المساء ليفني في أصائلك
قد كنت أمشي وئيد الخطو منتشيا … أصغي له وهو يعلو من منازلك
والليل أرخى على الراعي ستائره … فخب يحدو الرواعي في خمائلك
стр. 345
وقد تهادى الإوز الغر في شغف … على مياهك. . يلهو في جداولك
يا لهف نفسي عليك اليوم قد سكنت … عن سكب ألحانها هذي الأغاريد!
لم يبق في الغاب من صوت يجاوبه … صدى السكون ولا للريح ترديد
ولم تعد فيك تحيي الأنس ثانية … في الليل فتيانك الطيب الصناديد
لم يبق غير عجوز جد عانية … أو ثاكل هَّدها هَمٌ وتسهيد
قد أكرهتها حياة لا تبدلها … من مأكل خشن أو مشرب رنق
فقوست ظهرها فوق الضفاف على … هشائم العشب تجنيها أو الورق
وثم ترجع في ضعف يغالبها … لكوخها توقد النيران في الغسق
ظلت لتبقى على الوادي مؤرخة … له وتطوي بقايا العمر في قلق
هناك في أجمة كانت تشارفها … أشجار مهتزة الأزهار فيحاء!
قد أوحشتها غصون لا تشذبها … عناية فتدلت جد لفاء!
هناك من بين أغصان محطمة … تغشى المكان. . وبين الظل والماء
يقوم مرتبع القسيس في خفر … مستحيياً يتوارى تحت أفياء!
قد كان شيخاً وقور الذات متقيا … يخشى الإله ويقضي الليل أوابا!
يعده القوم من أهل اليسار وإن … لم يحو غير التقى ذخرا وأسلابا!
وكان في الناس محبوبا ومحترما … يلقي الغريب ويلقي الأهل أحبابا
لم يقرب المدن من إثم يطوف بها … بل كان يطوي القرى للوعظ جوابا!
ما زال سائله المسكين يقصده … وضيفه الشيخ يرعاه بلا برم!
ولم يزل يجلس الجندي مصطليا … في داره موقد النيران من أمم!
يروي له كل ما لاقى وتلذعه … نار الجراح فيشكو شدة الألم
والشيخ جانبهم دوما يقاسمهم … آلامهم بحنان غير متهم
يظل كالطائر الشادي يرف على … صغاره فوق أغصان الخميلات
يحتال كيما يطيروا. . ثم يحملهم … إلى جناب خصيب في السماوات!
قد راح يزجر من يبطئ ويسعفه … إذا تخلف عن طير الجماعات!
يهديهم نحو كون لا يطوف به … غير السعادة في علوي جنات!
стр. 346
م. ع. الهمشري
стр. 347
العلوم
سبيل الإنسان والطبيعة.
للدكتور احمد زكي. أستاذ الكيمياء بكلية العلوم.
الطبيعة تسير في كل ظواهرها وحوادثها على قوانين مرسومة منذ الأزل، وستسير فيما يظهر على تلك القوانين الموضوعة إلى الأبد.
وقد كان الإنسان القديم يعجب بهذه الظواهر، وتأخذه الرهبة، ويلبسه الإجلال والإكبار عند اعتبار تلك الحوادث، ولكن لم يحفزه شيء إلى تفهمها، ولم تجش في نفسه رغبة إلى تعرف أسبابها، لأنها كانت تستأذن على عقله فُرادي وأشتاتا ثم تُركَم فيه على غير نظام كما يركم المتاع عند تاجر الأمتعة القديمة، فالحذاء البالي إلى جانب المرآة الصقيلة، والكتاب القيم بجوار قدر الطعام. وكان عقله صبياً، والعقل قد يصبو في الشيخ، والعقل قد يشيخ في الصبي، وعقل الصبي في القرن العشرين قد يزيد على عقل الشيخ في قرون الحياة الأولى، وعقلي وعقلك اليوم ليسا من خلق هذا الجيل، بل هما تراث لأجيال جاء دوري ودورك في احتوائه، وقد أورِّثه أعقابي من بعدي وتورثه أعقابك من بعدك وفيه نقص، وقد أورثه وتورثه وفيه زيادة، ولكن لا شك أن ما يورثه جيل جيلا من ذلك يزيد بمر الأجيال بزيادة التجارب وتسلسل الثقافات وتتابع المدنيات.
ولما تفتح الذهن الإنساني أخذ يدرك بين ظواهر الكون العديدة أشباها برغم تراكمها، وبدأ يبصر بين الأشياء منها وجوها للخلاف برغم خفائها وتعسرها، وأخذ يرتب ما دخل عقله شتيتا فيقرب بين المتعارفات، ويباعد بين المتناكرات، وأصبح ما يدخل عقله يقصد من فوره إلى مكانه من ذلك النظام وما يستأذن على رأسه يُؤذن له ولكن من باب دخل فيه من قبله أجناسه، وبهذا العقل المنظم، وبما فيه من وحدات متآلفة متخالفة مترابطة، أخذنا نحن بني الإنسان نتفهم الطبيعة، فاستكشفنا أن لها قوانين، وأن لها مُثُلا تنسج عليها في كل ما تصنع، ونماذج تحتذيها في كل ما تأتيه.
وقد يتراءى لنا نحن بني العدم والفناء أن الطبيعة تشذ عن مثلها أحياناً، وتخرج عن مألوفها أطوارا، وما في الطبيعة من شذوذ، ولا هي تخرج عن مألوف، وإنما هو سوء فهم منا لمألوفها، وقصور منا عن إدراك نواميسها، وما ذلك القانون الذي شذت عنه، ولا
стр. 348
الناموس الذي خرجت عليه، إلا من خلقنا نحن، فنحن الألى أوجدناه، ونحن الذين فرضناه وفرضنا اطراده. فلما لم نجده مطرداً سمينا ذلك شذوذاً، ولما لم نجد القاعدة التي ابتدعناها متبعة أسمينا نواقضها استثناء.
على أننا أثناء ذلك لم نفقد حبنا للنفع، ولم تنقض فينا الرغبة في الفائدة، فكنا لا نكشف سراً ناقصاً من أسرار الطبيعة الا ونتساءل كيف ننتفع به في بيوتنا، وكنا لا نزيح الستار عن عجيبة من عجائب الكون لم نفهمها كل الفهم حتى نتساءل كيف نستفيد منها في مدننا وأسفارنا، وما ضرنا ونحن بنو المادة أن تكون قوانين الطبيعة ناقصة ما دمنا نستهدي بها إلى البخار يحملنا من بلد إلى بلد؟ وما ضرنا ونحن بنو النفع أن تكون لنواميس الطبيعة استثناءات ما دمنا نصنع بعونها الطوائر من المعدن والخشب، ونبني المواخر تشق البحر ولا تعبأ بما فيه من أمواج وأنواء؟ ونجحنا في هذا السبيل نجاحا زاد أقدامنا فيه ثباتاً. فبدل أن كانت الغاية مقصورة على فهم الكون ودرس طبائعه، وقبل أن نفهم الكون وندرس طبائعه فنشتفي من ذلك، تطلعنا إلى محاكاة الطبيعة، إلى إنتاج ما تنتج، إلى خلق ما تخلق، إلى التحريك بمثل ما تحرِّك، والتسكين بمثل ما تسكن، وعمدنا إلى مناهضتها كذلك، إلى إماتة ما تحيي، وإلى إحياء ما تميت، إلى تحريك ما تسكْن وتسكين ما تحرّك، وإلى توجيهها إلى ما أرادت وإلى ما لم ترد. هذه غاية ابن آدم: يريد أن يخلق وهو مخلوق، ويحل الوثاق عن قوى للطبيعة هو بها موثوق، ويسيطر على عالم قليل ما هو فيه، وكان الناس يرون في ذلك افتئاتا من المخلوق على الخالق، فأصبحوا يرون فيه تمجيدا من المخلوق للخالق، وكانوا يرون فيه زندقة ومروقا وعصياناً، فأصبحوا يرون فيه إيمانا وتخشعا وتعبدا، وتبينوا أن سر الإنسان من سر الله، وأن ما يأتيه الإنسان إنما يصدر عن فطرة وفطنة هي لله ومن الله.
حاول الإنسان أن يقلد الطبيعة في أمور عدة، فبلغ غايته في البعض، وفات الغاية في البعض، وخاب في كثير من الأمور.
رأى النبات يخرج ألوانا تشبه ما في الطيف من ألوان ويخرج ألوانا على ما في الطيف من ألوان، ولكن النبات بطيء في عمله، والإنسان خُلق من عَجَل، والنبات لا يجود من ألوانه إلا بالنزر اليسير، والإنسان يريد منها الوافر الكثير، والنبات يجود منها بعدد على
стр. 349
كثرته قليل، والإنسان يريد منها عددا كآماله لا حد لها ولا حصر. فأخذ يبحث ويدأب ويصمد ويصابر الجيل بعد الجيل حتى أتى من الأصباغ بما تحسده الطبيعة عليه، أو لعل الأوفق أن نقول بما تغتبط الطبيعة به، فالإنسان بعضها. أتى من الأصباغ بما يطابق أصباغ النبات أحياناً ويشابهها أحياناً، وأتى منها بما يفوقها زهواً وإشراقاً، وأتى منها بعدد يكاد يجل عن الحصر وخلط بينها فأتى بكل لون وقعت عليه أعين الأحياء وهم أيقاظ صاحون، وكل لون وقعت عليه أعينهم وهم نيام يحلمون، أتى بألوان تزري بألوان الربيع في إبانه، وتستحقر ما يتنزل به وحي الشاعر عند صفاء قريحته وفي سمو خياله.
ورأى الإنسان الطائر يطير فأراد أن يقلده في طيرانه، رآه طليقا من قيود الأرض مالكا أعنة الهواء يسرح في أبعاد ثلاثة من طول وعرض وارتفاع، فأراد أن يكسر قيده ويستعير للهواء أعنة ويزيد على بعدي هذا السطح الأرضي بعداً ثالثا، وبعد خيبة تتلوها خيبة، وبعد نفس تتبعها إلى خالقها أنفس، وُلدت الطائرات، ولم تولد كالإنسان في ساعة ولا يوم ولا عام، وإنما يوم ميلادها كان حقبة من الزمان، فلم تكن بنتاج ذهن، ولكن نتاج أذهان، وأصبح إنسان هذا العصر يطير في الجو كيف شاء وحيث شاء، وحصد بنو اليوم حصادا حصدت في سبيله رقاب بني الأمس.
ومن أحدث الأمثلة في تقليد الإنسان للطبيعة ما جاءت به الأنباء منذ قريب بما يحق لنا أن نسميه ثورة قصد العلم إليها في الإضاءة والضياء. كنا في الأزمنة الأولى نقنع في حلك الليل بالضوء القليل يخرج علينا من حريق الخشب مع فحمه ودخانه، وحمدنا القدر لما هدانا إلى الزيوت والشموع نشعلها على هوانا ونطفئها على هوانا، وزدنا للقدر حمدا لما تهيأت لنا مدخنة من زجاج وضعناها على المصباح فوقتنا سخامه، وجاء المصباح الكهربائي فوجمنا له حيناً نحسبه من عمل السحرة أو صنع الشياطين، ولما اطمأننا إليه زدناه على السنين شدة وزدناه جمالا، وكنا نحسب أن هذا غاية المنى ومنتهى الأمل، ولكن الإنسان بعد أن وجم لهذا المخلوق الجديد مستغربا معجبا، وبعد أن رباه ونماه فخورا زاهيا، وجد أخيرا أنه لم يبلغ به هواه. ونظر إلى الشمس في بياض ضيائها وبارح سناها فابتسمت له أو ابتسمت منه، فوجد فيها الغاية التي ليس من بعدها غاية. وتبين فيها آية الطبيعة الكبرى والمثل الذي تضاءل بجواره الأمثال. فرجع يقسم ألا يفتر له عزم حتى
стр. 350
يأتي بمثل هذا السنا والضياء.
وجاءت البشائر في الأشهر القريبة الماضية بأنه نجح في هذا أو كاد. وأنه استعاض عن المصباح الكهربائي الأثري، أو الذي سيصبح عن قريب أثريا، بمصباح جديد لا فتيل فيه. وإنما ملئت زجاجته بمزيج من غازين بنسب خاصة تمر فيه الكهرباء فيخرج منه ضياء يشبه ضياء الشمس في أمرين: في نصوع بياضه وفي انتظام توزعه. وهو فوق ذلك لا يتكلف من الكهرباء ألا خمس ما كان يتكلف المصباح القديم، أو الذي نرجو أن نسميه في القريب العاجل قديماً. وهم يعدوننا أنه لا يمضي شهر حتى تضاء أميال من الطرق بجوار لندن بهذا الضياء الجديد. وهم يعدوننا أنه لن تمضي سنوات حتى يستعاض بمصابيح الشوارع وما يحملها من عمد طويلة بأنابيب متواصلة من هذا الضياء تمد على الأرض على جانب الطرقات. فلا يكون ثمة حاجة إلى إنارة العربات والسيارات في الليل أو في النهار الذي صنعه الإنسان.
стр. 351
القصص
أديب
للدكتور طه حسين
- ١ -
زعموا أن من أظهر خصائص الأديب حرصه على أن يصل بين نفسه وبين الناس، فهو لا يحس شيئا إلا أذاعه، ولا يشعر بشيء إلا أعلنه. وهو إذا انظر في كتاب أو خرج للتروض أو تحدث إلى الناس فأثار شيء من هذا في نفسه خاطرا من الخواطر، أو بعث في قلبه عاطفة من العواطف، أو حث عقله على الروية والتفكير لم يسترح ولم يطمئن حتى يقيد هذا الرأي أو تلك العاطفة أو ذلك الخاطر في دفتر من الدفاتر أو على قطعة من القرطاس. ذلك لأنه مريض بهذه العلة التي يسمونها الأدب، فهو لا يحس لنفسه وإنما يحس للناس. وهو لا يشعر لنفسه وإنما يشعر للناس، وهو لا يفكر لنفسه وإنما يفكر للناس، وهو بعبارة واضحة لا يعيش لنفسه وإنما يعيش للناس. وهو حين يأتي من الأمر هذا كله يخادع نفسه أشد الخداع ويضللها أقبح التضليل. فيزعم أنه مؤثر لا يريد أن يستمتع وحده بنعمة الإحساس والشعور والتفكير، وإنما يريد أن يشرك الناس في هذا الخير الذي تنتجه طبيعته الدقيقة الخصبة الغنية، فإذا كان متواضعا معتدل الرأي في نفسه فهو شقي تعس محزون يجب أن يعلن إلى الناس ما يجد من شقاء وتعس وحزن. لعلهم يرثون له أو يرأفون به أو يشفقون عليه، وربما لم ير في نفسه إيثارا ولم يحسس أنه شقي، وإنما آثر نفسه بالخير وأحبها قليلا أو كثيرا فهو يسجل ما يحس وما يشعر وما يفكر ليحفظه من الضياع، وليستطيع العودة إليه من حين إلى حين كلما خطر له أن يستعرض حياته الماضية. وكثيرا ما تعرض له الفرض التي تحمله على أن يستعرض حياته الماضية، والذاكرة قصيرة ضعيفة. فلم لا يسجل خواطره وعواطفه وآراءه التي يتكون منها تاريخه الفردي الخاص ليعود إليه كلما دعاه إلى ذلك جد الحياة أو هزلها، وما أكثر ما يدعو جد الحياة وهزلها إلى أن يستعرض الإنسان حياته الماضية وما اختلف عليه فيها من الأحداث.
يخدع الأديب نفسه هذه الضروب من الخداع. ويعللها بهذه الألوان من التعللات، وحقيقة الأمر أنه يكتب لأنه أديب لا يستطيع أن يعيش إلا إذا كتب، يكتب لأنه محتاج إلى الكتابة
стр. 352
كما يأكل ويشرب ويدخن لأنه محتاج إلى الطعام والشراب والتدخين. وهو حين يكتب قلما يفكر فيما يحسن أن يكتب، وما ينبغي ألا يعرفه القرطاس أو يجري به القلم، كما أنه حين يأكل ويشرب ويدخن قلما يفكر فيما يلائم صحته وطبيعته ومزاجه من ألوان الطعام والشراب وأصناف التبغ؛ إنما هي حاجة تضطره إلى الحركة فيتحرك، وتدفعه إلى العمل فيعمل. فأما عواقب هذه الحركة ونتائج هذا العمل فأشياء قد يتاح الوقت للتفكير فيها في يوم من الأيام حين تصبح أمرا مقضيا لا ينصرف عنه، ولا سبيل إلى التخلص منه.
إذا كان هذا كله صحيحاً، وأكبر الظن أنه صحيح، فيجب أن يكون صاحبي الذي أريد أن أتحدث إليك عنه أديبا، فلست أعرف من الناس الذين لقيتهم وتحدثت إليهم رجلا أضنته علة الأدب واستأثرت بقلبه ولبه ونفسه كصاحبي هذا، كان لا يحس شيئا ولا يشعر شيئاً ولا يقرأ شيئاً ولا يرى شيئاً ولا يسمع شيئاً إلا فكر في الصورة الكلامية، أو بعبارة أدق في الصورة الأدبية التي يظهر فيها ما أحس وما شعر وما قرأ وما رأى وما سمع. وكان يجد مشقة شديدة في إخفاء تفكيره هذا على الناس، فكثيرا ما كان يقول لأصحابه إذا رأى شيئا أسخطه أو أرضاه: ما أخلق هذا الشيء أن ينشئ صورة أدبية ممتعة للسخط أو الرضى، وكان يقضي نهاره في السعي والعمل والحديث حتى إذا انقضى النهار وتقدم الليل وفرغ من أهله ومن الناس وخلا إلى نفسه أسرع إلى قلمه وقرطاسه وأخذ يكتب ويكتب ويكتب حتى يبلغ منه الإعياء. وتضطرب يده على القرطاس بما لا يعلم ولا يفهم، وتختلط الحروف أما عينيه الزائغتين، ويأخذه دوار، فإذا القلم قد سقط من يده، وإذا هو مضطر إلى أن يأوي إلى مضجعه ليستريح، ولم يكن نومه بأهدأ من يقظته، فقد كان يكتب نائماً كما كان يكتب يقظاً، وما كانت أحلامه في الليل إلا فصولا ومقالات، وخطبا ومحاضرات، ينمق هذه ويدبج تلك كما كان يفعل حين كانت تجتمع له قواه العاملة كلها، وكثيرا ما كان يحدث أصدقاءه بأطراف غريبة قيمة من هذه الفصول والمقالات التي كانت تمليها عليه أحلامه فيجدون فيها لذة ومتاعا، وكثيرا ما كان يقرأ عليهم فصولا من النثر ومقطوعات من الشعر أملتها عليه يقظته وسجلتها يده حين كان يخلو إلى نفسه بعد أن يكون قد ملأ عينيه وأذنيه وحسه وشعوره وقلبه وعقله بما يحيط به من الأشياء، وبما يمسه من الناس ومن الحياة، وكان أصدقاؤه إذا سمعوا منه هواجس الأحلام أو خواطر اليقظة ألحوا عليه أن
стр. 353
يذيع ذلك وينشره، فيبتسم ثم يهزأ ثم يمتنع عليهم ويلح في الامتناع، لأنه كان يؤمن بأن ما يكتبه لم يصل بعد إلى أن يكون خليقا بأن يقدم إلى المطبعة، فهو كان يخاف المطبعة ويكبرها ويحيطها بشيء من التقديس غريب، وكان يتحدث بأن ما يقدم إلى المطبعة من الآثار المكتوبة أشبه شيء بما كان يقدمه الوثنيون القدماء إلى آلهتهم من الضحية والقربان، وبما يتقدم به الآن المؤمنون المترفون إلى إلههم من الصلاة والدعاء. فمن الحق أن تصطفى الضحية وأن يتخير القربان، وأن تكون الصلاة قطعة من النفس، وأن يكون الدعاء صورة للقلب، والعقل جميعا، وكان صاحبنا يرى أن ليس فيما كتب ضحية تصطفى، ولا قربان يختار، وانه لم يوفق بعد إلى أن يودع القرطاس قطعة من نفسه، أو يسطر عليه صورة قلبه وعقله، فما زالت الآماد بينه وبين المطبعة بعيدة، وما زالت الأستار والسجف دونه مسدلة، فليكتب إذا لنفسه لا للمطبعة، فإذا ضاق بنفسه وبما تملي فليظهر أصدقاءه على شيء منه ليرضي هذه الحاجة القوية التي نحسها جميعا إلى أن نشرك الناس فيما نجد من حس أو شعور، والحق أن صاحبي لم يكن يقدم على هذا الا كارهاً مضطرا حين لا يجد بداً من الاقدام، أو حين يسأله أصدقاؤه عما أحدث بعدهم، وكان حياؤه يمنعه من إظهار عقله وقلبه، كما يمنعه من عرض جسمه عاريا على الناس، ولكن أصدقاءه لم يكونوا في حاجة إلى أن يروا شخصه عاريا، وكانت حاجتهم شديدة إلى أن يروا نفسه كما هي، لأنها كانت جميلة خلابة تروعهم حينا وتثير في نفوسهم الحب والمودة دائما.
كان قبيح الشكل نابي الصورة تقتحمه العين ولا تكاد تثبت فيه، وكان إلى القصر أقرب إلى الطول، وكان على قصره عريضاً ضخم الأطراف مرتكبها، كأنما سوى على عجل فزادت بعض أطرافه حيث كان يجب أن تنقص، ونقصت حيث كان يحسن أن تزيد، وكان وجهه جهما غليظاً يخيل إلى من رآه أن في خديه ورما فاحشا، وكان له على ذلك أنف دقيق مسرف في الدقة، منبطح غال في الانبطاح، قد اتصل بجبهة دقيقة ضيقة لا يكاد يبين عنها شعره الغزير الجعد القاصم، لم تكن قد تقدمت به السن بل لم يكن جاوز الثلاثين، ولكن علامات الكبر كانت بادية على وجهه وقده لا يخدع عنها أحد، كان على قصره مقوس الظهر إذا قام، منحنياً إذا جلس، ولعل إدمانه على الكتابة والقراءة وإسرافه في الانحناء
стр. 354
على الكتابة أو القرطاس هما اللذان شوها قده هذا التشويه، وقلما كان وجهه يستقيم أمامه، إنما كان منحرف العنق دائما إلى اليمين أو إلى الشمال؛ وقلما كانت عيناه الصغيرتان تستقران بين جفونه الضيقة، إنما كانتا مضطربتين دائما لا تكادان تستقران على شيء حتى تدعاه مصعدتين في السماء، أو تنحرفا عنه إلى ما يليه من إحدى نواحيه. ولم يكن صوته عذبا ولا مقبولًا، وإنما كان غليظاً فجاً، ولكنه مع ذلك لم يكن يخلو من نبرات حلوة تجري عليه إذا قرأ شيئا فيه تأثر وانفعال، وكان له ضحك غليظ مخيف يسمع من بعيد، بل كان كل ما يصدر عن صوته غليظاً مخيفاً، يسمع من بعيد، ولم يكن للنجوى معه سبيل، وكثيرا ما ضايقه ذلك حين كان في باريس، وكثيرا ما حمل ذلك الناس عامة وأصدقاءه خاصة على أن يضيقوا به ويجتنبوه إذا لقوه في قهوة أو ناد أو ملعب من ملاعب التمثيل. وهو على رغم هذا كله كان أحب الناس ألي وأكرمهم علي وآثرهم عندي وأحسنهم مسلكا إلى نفسي ومنزلا من قلبي، كان يزورني فانصرف إليه عن كل شيء، وأقضي معه الساعات، فإذا تركني خيل ألي أني لم أقض معه الا اللحظات القصار. وكنت إذا أعياني الدرس واحتجت إلى الرياضة أو الراحة، آثرت زيارته والتحدث إليه والاستماع له على كل ما كانت تقدم إلى القاهرة أو باريس من أنواع الرياضة والراحة.
- ٢ -
فقد عرفته في القاهرة قبل أن يذهب إلى باريس ثم أدركته إلى باريس بعد أن سبقني إليها، عرفته مصادفة وكرهته كرها شديدا حين لقيته لأول مرة؛ كنا في الجامعة المصرية القديمة في الأسبوع الأول لافتتاحها وكنت أختلف إلى ما كان يلقى فيها من المحاضرات حريصاً عليها مشغوفاً بها معتزماً أن لا أضيع حرفاً مما يقول المحاضرون. وكان مجلسي لهذا دائماً قريبا من الأستاذ، فأني لمصغ ذات ليلة إلى الأستاذ وإذا بصوت من ورائي ينطلق بالحديث هادئا ولكنه، على هدوئه يغمر أذني جميعا، ويكاد يخفي علي صوت الأستاذ، فأجد في التخلص منه فلا أفلح، وأضيق بهذا الصوت ويضيق به صاحباي اللذان يكتنفانني، فنلتفت إلى صاحب الصوت نطلب إليه الصمت فلا يسكت الا ريثما يستأنف الحديث، ونراجعه مرة أخرى فلا يحفل بنا، فنشكوه إلى الأستاذ فيضطره الأستاذ إلى الصمت، حتى إذا انتهت المحاضرة وخرجنا من غرفة الدرس رأيناه قد وقف لنا ينتظرنا، فيعرض لنا في غلظة،
стр. 355
فإذا زعمنا له أن من حقنا أن نسمع الأستاذ، وأن ليس له أن يصرفنا عنه قهقه قهقهة مخيفة، وقال في صوت ما نشك أن الأستاذ قد سمعه: (وماذا تريدون أن تسمعوا؟ ولكنكم معذورون، جئتم من الأزهر فكل شيء عندكم قيم، وكل شيء عندكم جديد).
واجتهدنا بعد ذلك في أن نجتنب مكانه من غرفة المحاضرات، وأن نختار لأنفسنا مجلساً بعيداً منه أقصى غاية البعد. تركناه ولكنه لم يتركنا، وكأنما عمائمنا كانت تغريه بنا وتحرضه علينا، فلم نكن نخرج من محاضرة حتى يعرض لنا ويأخذ بجبتي أو قفطاني وهو يسألني (أأعجبتك المحاضرة؟) فان قلت (نعم) قال: وماذا أعجبك منها؟ وهل فهمتها على وجهها؟ وكان يقول لي: هون عليك من هذا الحرص على المحاضرات، ولا تتهالك عليها هذا التهالك، فهي أقل غناء مما تظن وخير لك أن تقرأ من أن تسمع، فلما ألح علي في ذلك سألته وإذا كنت ترى هذا الرأي فما اختلافك إلى الجامعة؟ وما استماعك للمحاضرات وما تهويشك علينا بصوتك العالي وحديثك الذي لا ينقطع؟ فضحك وقال: الجامعة شيء جديد أحب أن أراه، وقد سئمت القهوة، ولو لم يكن في الجامعة الا أنت وأصحابك هؤلاء الذين تتفتح عقولهم للعلم الحديث فيتلقون ما يسمعون في كلف ونهم مصدرهما الجهل العميق، لكان هذا كافيا لأن اختلف إلى الجامعة واستمع للمحاضرات. ثم سألني ذات يوم: أين تقيم؟ أجبته: أقيم في حي كذا. قال: ومع من تقيم؟ قلت: مع جماعة من الأهل والأصدقاء كلهم يطلب العلم في الأزهر أو في المدارس المدنية، قال: إن منزلك بعيد وليست بيئتك بالتي تحب، فأنا لا أحب مجالس الطلبة، وأنا مع ذلك حريص على أن أجلس معك وأتحدث إليك فأطيل الحديث، بل أنا حريص على أن أقرأ معك بعض الكتب، فلابد إذا من أن نلتقي، ومن أن نلتقي في نظام واطراد فليكن ذلك عندي، ولك علي أن أردك إلى أهلك وأصدقائك قبل أن يتقدم الليل، ودون أن تجد في ذلك مشقة أو تحتمل فيه عناء. وكان يقول هذا بصوته الغليظ العريض في لهجة الحازم الواثق بأن أمره سيطاع، وقد هممت أن أرد عليه معتذراً، وما كان أكثر المعاذير! فلم أكن أستطيع أن أسهر ولا أتعرف إلى أحد دون إذن من أخي، وكان علي أن أغدو مع الفجر إلى درس الأصول، ولم يكن بد من أن أستعد لهذا الدرس وغيره من دروس الأزهر، وأن أعوض هذا الوقت الذي أضيعه كل مساء في الجامعة على كره من أخي في القاهرة وأسرتي في الريف. هممت أن
следующие страницы →