← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

السجن الملكي غاصة بالمقبوض عليهم ولا يعلم حتى اليوم من زهق منهم ومن باق على قيد الحياة وملك أفغانستان الجديد جلالة ظاهر شاه في العشرين من عمره وهو ولد نادر خان الوحيد، ولكن له أربع شقيقات هن بالتعاقب: الأميرة زهرة وهي في السابعة عشرة، والأميرة زينب وهي في الخامسة عشرة، والأميرة سلطانه وهي في الرابعة عشرة والأميرة بلقيس وهي في الثانية عشرة، وقد تلقى ظاهر شاه بعض تربيته في فرنسا، وأقام هنالك نحو ثمانية أعوام، وهو ذو آراء وتربية عصرية ويجيد اللغة الفرنسية فضلا عن الفارسية والأوربية (الهندية). وقد كان منذ حين، أثناء حياة والده يتولى بعض الوزارات والمهام الرسمية طبقا للتقاليد أمراء الأسرة الملكية؛ وهو بعد الملك غازي، ملك العراق أحدث ملوك الشرق والغرب سنا. وقد مضى إلى اليوم زهاء أربعة أشهر مذ تولي ظاهر شاه عرش أفغانستان دون أن نسمع بحدوث اضطرابات أو قلاقل جديدة، والظاهر أن حكومة الملك الجديدة تقبض على ناصية الموقف، وأن بوادر الثورة التي كانت على أهبة الانفجار قد أخمدت أو اختفت إلى حين وأن الشعب الأفغاني يؤيد القابضين اليوم على زمامه. وهكذا تتحطم آمال المتطلعين إلى العرش وفي مقدمتهم الملك السابق أمان الله مرة أخرى. ونحن نغتبط إذ نرى أفغانستان تجوز أزمتها الخطيرة بمثل هذه السرعة، ونرجو أن تظل هذه الشقيقة الشرقية النابهة متمتعة بالاستقرار والسكينة، بعيدة عن كيد السياسة الأجنبية ومطامعها؟ محمد عبد الله عنان

стр. 2907

من أحاديث القهوة: في الحب. . . . . . ولم تكن إلا سنة واحدة حتى تمزق ذلك الثوب. وبدت من ورائه امرأة كهذه المئات من النساء: نبصرهن كل يوم فلا نكاد نحس بهن ولا يهجن فينا شعوراً وكيف تبدلت؟ ألم يكن يهيم بها ويراها جميلة فتانة؟ بلى. ولكنه كان يراها جميلة لأنه يحبها. والمرء - كما يقول ده كارت - يرى من يحب جميلا، ولا يحب من يراه جميلا، وإذا هو أحب امرءاً أسبغ عليه من خياله ثوبا يراه به أجمل الناس - وذلك الحب المضطرم، الذي كان يخفق به قلبه في صدره. وبه تجري دماؤه في عروقه؟. . أليس عجيباً أنه قد مات؟ أليس لها هاتان العينان العميقتان كالبحر. الصافيان كأديم السماء. . أليس لها ذلك الجسم الأبيض الغض، أليس لها تلك الرشاقة الفاتنة، فكيف إذن يسلوها ويموت حبه إياها؟ - قد مات هذا الحب. لأنه لم يكن عذريا صافيا. وهي جميلة لا تزال، ولكنه شبع منها كما يشبع الإنسان من الطعام مهما لذ وطاب. ولو تنزه حبه عن مأرب الجسم، وعقد الصلة بين الأرواح لكتب له بالبقاء. وكان الأستاذ صالح عاكفا على نار جيلة لا يتكلم، فرفع رأسه وقال: - أي بقاء؟ أسمعت أن حبا كتب له البقاء، إن الحب يا صاحبي كالزهور العطرة ينعشك عطرها ويعجبك لونها ولكنها لا تعيش طويلا. ثم ما هو هذا الحب العذري الذي تتحدث عنه؟ انه لا يوجد إلا في مكانين: القاموس، وأدمغة أمثالك من الناس! وأقبل على نار جيلته يصلحها ويدعو لها بجذوة من نار. ولم يلق بالا لجواب فوزي، فجذبه من طوقه وصاح به: - إلا تسمع؟ أنت دائماً هكذا. . . تريد ان تتكلم ولا تتنازل للإصغاء. فاصلح ثيابه باسما وقال له: - ولماذا تريد أن أصغي إليك؟ - لأنك مخطئ. . . مخطئ. . . أريد أن أوضح لك الحقيقة.

стр. 2908

- أشكرك، لا أريد أن توضح لي شيئا بل ستسمع وأنفك راغم: إن من الحب حبا لا يفكر فيه الإنسان في شيء من اللذاذات الجسمية، بل ليس فيه مكان، فهو اتصال في الأرواح وتمازج، هو ان يفنى كل من المحبين في الآخر! - شيء جميل. من أين تعلمت هذا؟ أمن شعر المجنون، أم من قصص لامارتين؟ - من أي كان؟. . ماذا يهمك أنت؟ لماذا تتهكم دائماً؟ - ذلك لان لامارتين نفسه كان من أجرأ الناس على اللذة الجسمية وأشدهم تهالكا عليها، وما كتب قصصه بهذا الأسلوب الفاتن الممتع! إلا ليسخر منك ومن أمثالك - أنا عرفت هذا الحب بنفسي - وأنا أيضا قد عرفته، انه حب لا تجد فيه الرغبة الجنسية سبيلا إلى الظهور فتبقى مخبوءة في قرارة النفس، حتى إذا اتسع السبيل ظهرت على أتمها، ولو انه كان خاليا منها لأحب الرجل أخته الجميلة! - شيء فظيع. . . إن طبيعة الإنسان تأباه - نعم تأباه لان الطبيعة تفهم الحب على انه لون من ألوان الصلة الجنسية، بل هو المخدر الذي ابتدعته الحياة لتمام هذه (العملية) اللازمة لبقاء الجنس البشري. ثم. . . تصور فتاة جميلة تحبها حباً عذرياً. . هل تصورتها تماما - نعم. - وتصورت انك تحبها لنفسها لا لجسمها، ولا تطمع منها إلا بهذه الصلة الروحية؟ - نعم. - وانك ستقيم على هذا الحب؟ - نعم. . وماذا بعد؟ - تصورها الآن وقد أصابها مرض عضال، بدد محاسنها، وبتر أعضاءها. وجعلها قطعة من اللحم المنتن، هل تبقى على حبها؟ - نعم، إنني أشفق عليها وأحميها فضحك الأستاذ صالح وقال:

стр. 2909

- ها أنت قد اعترفت. . إن الشفقة شيء غير الحب. . أرأيت كيف اتضحت الحقيقة؟ وأراد فوزي وقف الجدال فقال: وصديقنا جميل. . . ماذا فعل بعد ذلك؟ قد أضعت علينا قصته. أعاد إلى زوجته الجاهلة القذرة التي تلقاه وعلى يديها أثر الصابون وفي ثيابها رائحة البطيخ؟. . كيف يطمئن إليها، ويأنس بها بعد أن عرف لويزا؟ فقال صالح: - إن يكون للويزا جمال الأصباغ والعطور - والثياب الشفافة - والأعضاء العارية - فان لهذه الجاهلة القذرة، جمال الإخلاص والأصباغ والعطور تهيج من نفوسنا مكان الشهوة، أما الإخلاص فيهيج منها مكان الروح - ما هي الروح وما هي الشهوة؟. . إني لم افهم! أتريد أن تقول إن هذه المرأة التي لا تعرف كيف تتحدث إلى صديقنا جميل. ولا تدري كيف تسايره في شارع أو تصحبه إلى سينما، ولا تدرك أفكاره ونفسه، توائم روحه ويراها جميلة أكثر من لويزا؟. . مستحيل! - قد تكون دونها جمالا ورشاقة، ولكنها امرأة شرقية تفنى في زوجها: تعيش من أجله. وتقف حياتها على راحته وتسهر عليه لينام، وتحرم على نفسها الطيبات لتوفر عليه ماله، وإذا رأته محتاجا نزعت حليها من نحرها وأخذت لقمتها من فيها لتسد حاجته، وإذا مرض فدته بنفسها. وإذا أصابه مكروه طارت نفسها عليه شعاعا، ثم هي الراضية أبداً، القانعة بالقسط الأقل من حبه أو من ماله، أحب هذه العاهرة وانتزع المال من فم زوجته ليصبه على قدميها. ونال زوجه بالأذى من أجلها، فما شكت ولا حملت له كرها ولا حقدا، ثم هي تفرغ عليه من الإجلال ما يجعله معصوما عن الزلل والخطأ، أفتقيسها بتلك؟ - هاها. . إنها لا تصلح خادما. فليضح بها من أجل لويزا. - إنها هي الزوجة يا سيدي - وإذا كانت هي الزوجة؟ إن الحب الذي عقدته الطبيعة بين قلبيهما أوثق وأقدس من الزواج الذي عقده إنسان! فألقى صالح أنبوبة النرجيلة من يده. وصاح به في شدة وغضب: - أنا لا أستطيع أن اسمعهذه الآراء التي تنسف حياتنا من أساسها، وإذا هي صحت في

стр. 2910

المجتمع الغربي، فما كانت لتصح عندنا، ومن الجنون أن نقيس عن الغرب كل ما يأتينا به، فنلبسه وهو ثوب فصل لغيرنا، فيجيء واسعا نضيع فيه، أو ضيقا يتمزق من دوننا. . إن الحب الذي تعقده يد الشهوة، ويعيش في جو مشبع بالرذيلة، ويولد في ليلة ليموت في أسبوع لا يمكن أن يكون أوثق ولا أقدس من الزواج الذي ينشئ إنساناً كاملاً من نصفي إنسان! وإذا جعلنا الحب أساس الحياة، لما عرف امرؤ اباه، ولما بقيت زوجة لزوجها؟ لأن القلوب تنقلب والمرأة التي تحبك اليوم قد تحب في غد غيرك، والقلب الذي يميل إليك قد يميل عنك، افنهدم الحياة يا سيدي من أجل خاطر هذه (المودة)،. . (مودة الحب)، ونقتل زوجاتنا الوطنيات الشريفات، أمهاتشعب المستقبل. من أجل خاطر هؤلاء (الارتستات) اللاتي يبعث بهن إلينا الغرب فيما يبعث به إلينا من سموم ومهلكات. . أليس خيرا لنا أن يقال انا رجعيون من أن نشهد بناتنا وأخواتنا عاريات على الشواطئ في الصيف، ونساءنا مهجورات باكيات في البيوت وفي الشتاء، وأبناءنا ناشئين بين الألم والرذيلة، والسفالة والشقاء؟ ألا إن الحب لذيذ ممتع، والمدنية ساحرة فاتنة، والتجديد ضروري واجب. . . ولكن يجب أولاً أن نحيا. . . . . وكان جميل قد وصل فانقطع هذا الحديث، وأخذوا في حديث آخر دمشق علي الطنطاوي ليسانسييه في الحقوق

стр. 2911

محجر الطور مقدمة تستعد وزارة الداخلية في مثل هذه الأيام من كل سنة أي في موسم الحج لاستقبال الحجاج مصريين وأجانب عند عودتهم من البلاد المقدسة في الحجاز بعد تأدية فريضة الحج فتوفد موظفين مؤقتين يبلغ عددهم كثرة وقلة تبعاً لعدد الحجاج ولمدة العمل في محجر الطور، وتستغني عنهم عند الانتهاء من الغرض الذي من أجله توفدهم إليه، وتنتدب كذلك موظفين ملكيين وعسكريين للغرض نفسه يعودون إلى مقر وظائفهم عند نهاية الموسم. الموظفون يحيا المحجر وينتعش مدة الموسم وبعد ذلك يكاد يكون ساكنا لقلة الحركة فيه ويحييه الموظفون ثم الحجاج فيصبح مملوءاً بالسكان عامراً بالحركة والتجارة. ويرأس الموظفين جميعاً مدير المحجر وهو موظف كبير بوزارة الداخلية ينتقل إليه في موسم الحج، وكان إلى سنة ١٩٣١ سعادة الأمير الاي محمد بك المسيري، والموظفون أما تابعون للإدارة نفسها وإما تابعون لمصلحة الصحة، ويدير هؤلاء طبيب كبير هو طبيب أول المحجر. والموظفون أما منتدبون كموظفي وزارة الداخلية ولأطباء وكضباط الجيش والبوليس وجنودهم، وإما معينون تعيينا مؤقتا يستغني عن خدمتهم بعد انتهاء الحج، والمفروض في جميع الموظفين انهم لراحة الحجاج وخدمتهم والسهر على سلامتهم وصحتهم باخرة الحجاج تمكنت من فحص البواخر التي كانت تنقل الحجاج عامي ١٩٢٩ و ١٩٣١ وخرجت بنتيجة ثابتة هي أن معظم هذه البواخر لا يعتني أصحابها براحة الحجاج بالدرجة الثالثة بل انهم يعاملون فهيا معاملة خالية من روح العدل، فهم مكدسون في عنابرها تكديسا، وقل ان يدخلها ضوء الشمس فتنبعث منها راحة كريهة تكاد لا تحتمل يلاقون صعوبة كبيرة في الحصول على الماء العذب ولا يوجد في الباخرة كلها - وقد تحمل في بعض الأحيان الفي حاج - سوى طبيب واحد يهمل أغلب الأوقات الغرض الذي من أجله انتدبوه له وإني

стр. 2912

كمصري مسلم أود أن يتلافى هذا النقص في بواخرنا الوطنية الجديدة الاجرآت الأولية إذا وصلت باخرة تحمل حجاجها إلى ميناء الطور يكون كل شيء معداً لاستقبالها ويقابل المدير ومساعدوه وكبير الأطباء ومساعدوه الباخرة وتفحص عموميا، حتى إذا لم يكن هناك ما يشتبه فيه من الأمراض المعدية سمح للحجاج بالنزول فينزلون ومعهم متاعهم، وتبقى الباخرة أن لم تكن عائدة إلى جدة ثلاثة أيام يقوم عمال الصحة خلالها بغسلها وتعقيمها، أما إذا وجد مريض أو أكثر فان رجال الإسعاف يحملونهم بعد أن يودعوا متاعهم وما لهم بيت المال إلى المستشفى، وغالبا يشفون إلا إذا كتب عليهم أن يتوفوا في هذا المكان. المباخر هي ثلاث مباخر، والمبخرة هي الصلة بني الاسكلة ونفس المحجر ولا يسمح لحاج ما أن تطأ قدمه أرض المحجر قبل أن يبخر وتعقم الأدوات التي معه والتي يرى رجال الصحة ضرورة تبخيرها، اللهم إلا في أحوال نادرة جداً يسمح فيها لبعض الحجاج من الطبقة الأولى إلا تجري له عملية التبخير ويأخذ الطبيب مسئولية ذلك على عاتقه والحمامات التي يغتسل بها الحجاج في المباخر قسمان: أحدهما للرجال والآخر للنساء بطبيعة الحال، ويعطى لكل حاج رقماً يحمل مثله الكيس الذي به أدوات الحاج المراد تعقيمها حتى لا تختلط أدوات هذا بأدوات ذاك. ويبدى المحجر اهتماماً خاصاً نحو ماء زمزم الذي يجلبه معه الحاج تبركا به له ولأهله الذين لم يسعدهم الحظ بالزيارة ويحمله في صفائح مقفلة أو في زجاجات أو أوان جلدية، وفي كثير من الأحيان يخبئه الحاج خوفاً من أن يعثر عليه رجال المحجر لأنهم يببدونه في الحال إن كان في زجاجات أو في جلد لتعذر تعقيمه عندئذ ويعقمون الصفائح وكنت أدهش كثيراً عند ما أرى الحجاج المصريين يتمسكون بحيازة هذا الماء، وكنت أفهمهم انه كان سبب عدوى الكوليرا في مصر عاما ما، وقد زادت دهشتي عندما وجدت الحجاج الأجانب أشد تمسكا به يكادون يبذلون كل ما معهم من قوة في سبيل حيازته حتى لقد رأيت رجلا يبكي بكاء الثكلى عندما كسرت له زجاجات قذرة كان يحمل فيها هذا الماء،

стр. 2913

وكم كان فرحه شديداً عندما أحضرت إليه زجاجات بدلها بها ماء من الصنبور على أنه ماء زمزم الحزاء الحزاء مكان يقضي فيه الحجاج أيام الحجر الصحي، وهي ثلاثة أيام في العادة، إلا إذا اشتبه في نظافة الحج، فان الأيام تزيد زيادة يقررها مجلس الإدارة. والحزاء يسع عدداً كبيراً، وهو مقسم إلى عنابر فسيحة ينزل كل عنبر في الغالب حجاج قرى متقاربة أو مراكز متجاورة، وبالحزاء غرفتان أو أكثر لحجاج الدرجة الأولى، يؤجر السرير فيها مدة الحجر بجنيه واحد، ويشرف على كل حزاء موظف من الداخلية وآخر من الصحة، الأول يراقب الحجاج ويراقف التاجر الذي يبيعهم الأشياء ويطعمهم، فيمنعه من الغش ومن بخس الميزان، ثم هو يسمع شكايتهم ويعمل على إرضائهم. والموظف الثاني يراقف نظافة الحزاء ويأخذ عينات من براز كل حاج لفحصها بالمعمل، ويصرف الأدوية ويبلغ عن المريض. ولكل حزاء بوابة يحرسها جندي شاكى السلاح لا يسمح لأحد بالدخول إليه أو الخروج منه إلا للموظفين الذين يقومون بأعمال تستوجب دخوله أو الخروج منه، على أن يكون بيدهم تصريح خاص بذلك. وبالجملة فيجمع الحزاء كل أنواع الراحة التي يتطلبها الحاج حتى لينتقل إليه كل يوم في ساعة خاصة عاملا البريد والبرق لتوزيع الرسائل وإرسالها. والحزاءات عشرة من خلفها عشرة أخرى هي بمثابة حزاءات احتياطية أقل تنظيماً من الأولى ينزل بها الحجاج إذا كثر عددهم فامتلأت بهم دون أن تسعهم جميعاً. بيت المال والمستشفى بيت المال اسم يطلق على مكتب أعد لحفظ أمتعة وأموال من توفى من الحجاج في الأحوال النادرة ومن يدخل منهم المستشفى بسبب المرض، فإذا كان المتاع لمتوفى قيد في سجل خاص وأعطى رقماً ليرد إلى ورثته بمعرفة القانون، ويحفظ متاع المرضى إلى أن يشفوا ويخرجوا فيعاد إليهم. وتقع المستشفيات في طرف المحجر بعيدة عن الحركة والضوضاء، ولا يسمح إلا لسيارات

стр. 2914

الإسعاف التي تحمل المرضى باجتياز خط المستشفيات حتى لا يقلق المرضى، ويبدي المحجر عناية بالغة بزائري المستشفيات يستحق عليها الشكر والجزيل، وهي أما عادية للمرضى العاديين، وأما خاصة بالأمراض المعدية الخطيرة وهذه لا يسمح بدخولها لغير المرضى إلا للطبيب الخاص ولمساعديه وهي بعيدة عن المستشفيات الأخرى تكاد تكون منقطعة عن كل ما عداها. وفي حيز المستشفيات يقع المعمل وهو معد بأحدث أنواع الفحص الميكروسكوبي والبكتريولوجي وبأفران الزرع وعمل الأمصال وغير ذلك مما يحتاج إليه الحال كثيراً في هذا المكان، وفي الحقيقة إن في هذا المعمل وفي هذه المستشفيات لرحمة كبيرة للحجاج وطمأنينة وسلام لمصر والعالم الإسلامي لأنها تفحص الحجاج وتطمئن على سلامتهم وتعزل المصابين منهم إذا وجدوا وتكافح أمراضهم وتعمل على عدم نشر العدوى، ويدل على ذلك الاهتمام ان المعمل يفحص عينات برازية لكل حاج متى استقر في حزائه وقد تتكرر عملية الفحص مرتين أو أكثر للتأكد من نظافة الحج، ولا يقتصر غرض المستشفى على الحجاج - ولو أنه أنشئ من أجلهم. - ولكنه يتعداه أيضاً إلى من يمرض من الموظفين والجند والخدم. توفير أسباب الراحة الحاج وإن اشتد شوقه إلى أهله وبلده وعمله وكان يحلم بالطبل والزمر اللذين ينتظرانه في محطته أو في حيه، ويتخيل الوفود التي تأتي إليه متبركة به ويتصور أحباءه وهم يتقبلون منه هداياه من مسبحة وعقال وخاتم وملفعة وغير ذلك من صنع الحجاز ويود لو تحمله طائرة إلى مقره بعد المتاعب التي تحملها في الصحراوات والبحر والانتقال والسفر - يكون على رغم هذا كله مبتهجا في أيام الحجر الصحي، لان أسباب الراحة متوفرة له فهو مطمئن على نفسه من الوجهة الصحية، لان المحجر كفلها له، ومتاعه وماله في مأمن حريز، ومأكله وشرابه نظيفان يعتني رجال الإدارة والصحة بهما عناية فائقة. . متاعه يحمل إليه من غير أجر، ولو كان فقيرا لا يملك معه مالا فان ببيت المال يتكلف بإطعامه حتى يعود إلى وطنه، وكم من شكاوى تافهة يبلغها الحاج إلى المدير - وكان في السنتين اللتين كنت بالمحجر فيهما صاحب العزة المسيري بك - فكان يهتم عزته بها اهتماماً كبيراً

стр. 2915

إرضاء للحاج وإراحة له وفي المحجر آلة للإضاءة بالكهرباء وأخرى لتكرير المياه وعمل الثلج، وبه (مطعم) يديره متعهد يوقع على اتفاق بينه وبين المسئولين على تحديد الأثمان وجودة الأصناف وعدم استعمال الغش. المحجر محجر الطور لابد أن يكون من أشهر محاجر العالم، وموقعه صحي لأنه في وسط مساحة هائلة من الفضاء يهب عليه هواء الصحراء الجاف ونسيم البحر العليل، وله بوابتان رئيسيتان: إحداهما تصله ببلدة الطور والأخرى بتلال طور سيناء. وغير ما ذكرت من أقسام المحجر أعدت فيه أبنية مريحة لسكنى الموظفين، ويصرف أمين المخزن لكل موظف الأدوات التي يحتاج إليها مدة العمل على أن تكون عارة يردها عند نهاية المأمورية. وقد أعد لعمل المحجر زورقان بخاريان، وزوارق أخرى عادية وأكثر من سيارتين للركوب وعربات (اللوري) للنقل وسيارات الإسعاف. وينتدب في كل موسم فصيلة من جنود الجيش على رأسهم ضابط عظيم برتبة البكباشي يحرسون المحجر بالمناوبة ويسهلون كثيراً من أعماله، هذا عدا ضابطين من البوليس يقومان بتحرير المحاضر وتحقيق الشكاوى. ويقوم متعهد خاص بتوريد عدد من الخدم يكون هو مسؤولا عن سلوكهم لحمل أمتعة الحجاج ولنظافة أقسام المحجر ولخدمة الموظفين: والأطباء يكفون العمل وهم بنسبة طبيب واحد لكل حزائين غير أطباء المستشفيات وغير طبيبة للسيدات. والموظفون ينقسمون من حيث العمل أقساماً: فمنهم من يفرز أجوزة السفر وهي (الباسبورتات) ويوزعها على أصحابها بعد التوقيع اللازم عليها، ومنهم من يراقب أمتعة الحجاج حتى لا تختلط أو تفقد، ومنهم من يتولى خدمتهم مدة الحج في الحزاء وغير ذلك من الأعمال الكثيرة اللازمة. عيون موسى

стр. 2916

إذا خلا المحجر من الحجاج - وقد يخلو منهم مرة أو مرتين خلال الموسم - تفتح بواباته ويتصل من به ببلدة الطور حتى يحين ميعاد إغلاقه مرة أخرى عند ورود حجاج. والطريق إلى عيون موسى طويل تتخلله كثبان رميلة ونباتات صحراوية تنتهي ببستان عظيم من أشجار النخيل والكروم يحيط به سور باللبن. وعيون موسى يحيط بها جدران وسقف يقولون ان الخديو إسماعيل أمر بإقامتها، وتصب العين ماءها الفاتر الشفاف الكبريتي في حوض مساحته متران ونصف متر مربعة، وهي كدير الطور من الأماكن التي يزورها بعض من السائحين والمسافرين. عبد الرحمن فهمي ليسانسييه في الآداب

стр. 2917

فلسفة الكون عند إخوان الصفا للأستاذ أديب عباسي خلق الكون - خلق الإنسان - غاية الوجود - معنى البعث - العقاب الذاتي في رأي الإخوان أن الكون وما فيه من أجرام وأفلاك سماوية وأحياء وكائنات أرضية مشتق جميعاً ومنبثق من الله، ولكنه انبثاق متسلسل غير مباشر، وأول ما انبثق منه هو العقل الكلي أو القوة الإلهية المؤيدة للنفس الكلية، ثم النفس الكلية السارية في جميع الأجرام السماوية والأحياء الأرضية. وهذه النفس الكلية هي بطبيعة الأمر أحط من العقل الكلي، لأنها منبعثة منه، ولأن وجودها متوقف عليه. (ولهذه النفس الكلية قوتان ساريتان في جميع الأجسام: إحدى قوتيها علاَّمة، الأخرى فعَّالة. فهي بقوتها الفعالة تتم الأجسام وتكملها بما تنقش فيها من الصور والأشكال، وبالقوة العلامة تكمل ذاتها (أي النفس الكلية) بما يظهر من فضائلها من حد القوة الكامنة إلى حد الفعل). ويرى إخوان الصفا أن ظهور الإنسان نتيجة لرغبة النفس الكلية في الحصول على المعرفة التامة التي هي من صفات العقل الكلي. ولهذا فان هذه النفس الكلية تنزل إلى الأرض وتنتشر على سطحها بهيئة أنفس جزئية. إلا أن هذه الأنفس لا يمكنها أن ترقى إلى مستوى العقل بدون معونته وإرشاده. ومن أجل هذا ينزل العقل إلى الأرض، فيساعد النفوس إذ يحل فيها ويظهر بهيئة العقول الإنسانية. بيد أنه لما كانت النفوس دائمة التغير كثيرة التحول وكان العقل ثابتاً لا يعتريه النقص أو يعتوره التغير أصبح العقل يحل في هذه الأنفس الجزئية حلولا متعاقبا. وهو عند هذا الحد من الحلول يدعى العقل الناطق. وهي الذي يرسل الأنبياء ويبعث الرسل ليؤدوا رسائله إلى العالم أما النفس الكلية فهي إذ تحل في الأجسام بشكل أنفس جزئية تأخذ على عاتقها تفسير ما عمى على الناس فهمه وغاب عنهم علمه من رسائل هؤلاء الأنبياء والرسل. فإذا أحسنت هذه الأنفس الجزئية الاسترشاد بنور العقل وأفسح لها البقاء زمناً كافياً تنال فيه حظا وافياً من فنون الحكمة والتهذيب تضحي أهلا للاتحاد بالنفس الكلية. وإذا حمُ القضاء انطلقت هذه الأنفس من أجسادها (التي هي بمنزلة الرحم للجنين) وعند ذلك ترتقى إلى

стр. 2918

الملأ الأعلى لتتحد بالنفس الكلية. هذا هو معنى المعاد في نظر إخوان الصفا: وهو الاتحاد بالنفس الكلية ثم بالله في اليوم الأخير، ومن هنا أصبح مثل الحياة الأعلى للإخوان (التشبه بالإله بحسب طاقة الإنسانية) على أن نظر إخوان الصفا إلى الحياة هذا النظر - نظر من لا يرى فيها إلا أنها سبيل أو جسر يمر عليه الناس إلى الحياة الأخرى - لم يحملهم على احتقارها أو التقليل من شانها والزراية عليها (لان الحياة الدنيوية سبب للموت. والإنسان ما لم يدخل في هذا العالم لا يمكنه أن يموت، فإذا وجد الإنسان تكون حياته سبباً لموته، وموته سبباً لحياته الباقية أبد الآبدين) بل هم يرون أنه كلما مد في أجل المرء ازداد حكمة ومعرفة، وبالتالي دنوا من الله. ومن هنا لم يتشدد إخوان الصفا ولم يغالوا في الأنحاء على الجسم الإنساني والانتقاص من أسباب متعته مغايرين في هذا لفيفا كبيراً من المذاهب الشرقية التي جعلت دأبها حرمان الجسم الإنساني من كل لذة جمسانية أو متعتة حسية. والصورة التي خلفها لنا إخوان الصفا عن جهنم هي صورة هينة لا تبعث الرعب في النفوس ولا ترعد لها الفرائص، فجهنم الإخوان هي هذا العذاب النفسي الذي يسلط على النفوس لدن يحال بينها وبين ما تهوى وتحب. وذلك أن أنفس الأشرار (إذا فارقت أجسادها بقيت مسلوبة آلات الحس الخمس التي كانت تتناول بها الملاذ الجسمانية وصارت بعد ذلك ممنوعة عنها بعد ما اعتادتها بطول التدريب وعند ذلك يكون مثلها مثل من سملت عيناه وصمت أذناه وسد منخراه وأخرس لسانه وشلت يداه واشتد شوقه إلى لذاته، وهكذا يكون حكم نفوس الكفار إذا فارقت أجسادها وسلبت منها آلات الحس وحيل بينها وبين شهواتها. . وتكون هائمة في الجو دون فلك القمر (المسافة بين فلك القمر ومركز الأرض هي عندهم منطقة جهنم) وتطرح بها أمواج الطبيعة في بحر الهيولى إلى كل فج عميق وهي مشتعلة فيها بنيران شهواتها، وتكون معذبة بذاتها من وزر سيآتها وسوء عاداتها. هذا مجمل رأي الإخوان في مسائل الخلق وغاية الوجود والثواب والعقاب وهو رأي نحوا فيها منحى بعض المذاهب الفلسفية القديمة كالأفلاطونية الحديثة ومذهب وحدة الوجود وما إليها مما تأثر به فلاسفة الإسلام وظهر واضحا جليا في كثير مما كتبوا ودونوا. شرق الأردن

стр. 2919

أديب عباسي

стр. 2920

استدراك في خاتمة حياة حجاج الخضري تساءلت في خاتمة مقالي السالف عن (حجاج الخضري) عما آل إليه أمر هذا البطل المصري أقتل انتقاماً من كبريائه، ام هاجر إلى بلد غير مصر؟ وقد تفضل العلامة المفضل الاستاذ شفيق غربال فأرسل إليَّ ما جاء في تاريخ الجبرتي خاصا بخاتمة حياة ذلك الرجل في حوادث رمضان سنة ١٢٣٢ من الهجرة. فقال الجبرتي: (في ليلة الخميس ١٧ منه (أي رمضان) طلب المحتسب حجاج الخضري الشهير بنواحي الرميلة فأخذه إلى الجمالية وشنقه على السبيل المجاور لحارة المبيضة، وذلك في سادس ساعة من الليل وقت السحور وتركوه معلقا لمثلها من الليلة، ثم أذن بدفنه فأخذه أهله ودفنوه. وحجاج هو الذي تقدم ذكره غير مرة (وهنا ذكر بعض حوادثه) ثم حضر إلى مصر بأمان ولم يزل على حالته في هدوء وسكون ولم يؤخذ في ذلك بجرم فعله يوجب شنقه بل قتل مظلوما لحقد سابق وزجرا لغيره) وقد بادرت بإرسال هذا التحقيق شاكراً للأستاذ غربال بحثه وفضله معيداً ترحمى على ذلك البطل المصري الشهيد؟ محمد فريد أبو حديد

стр. 2921

حوار الفلاسفة للأستاذ زكي نجيب محمود ومن أحق من الفلاسفة بالبعث العاجل والنشور السريع؟ وهل تظن أن تلك القبور الضيقة المقفرة تستطيع أن تضم في جوفها هذى العوالم الفسيحة العامرة حينا طويلا من الدهر؟ أفتظن أن تلك الأجداث الشرهة التي لا تنفك فاغرة الأفواه تلتهم الفريسة تلو الفريسة بقادرة على سحق هذي العقول الجبارة، وأثارتها نقعا تسفيه الريح مع الهباء؟ أم كنت تحسب أنهم بشر كالذي عهدت من بشر؟ كلا! فاولئك الفلاسفة جبابرة عتاة، لا تكاد تتلقاهم يد الموت حتى تسلهم إلى حياة الخلود والبقاء، وعندئذ يلتئم الصدع الذي ضربه الدهر بينهم، فتأتلف منهم القلوب وتمتزج النفوس، كأنما دفعهم الله إلى الوجود كتلة واحدة منذ الأزل، فنثرتها يد الدنيا وفرقت أجزاءها على تعاقب الدهور، ثم عادت اليوم سيرتها الأولى، وحدة متحابة مآخية. ولست بهذا الحديث أفترى منكراً من القول: إنما أقص عليك حديثاً تحدر من الشفاه واهتزت به الآذان فأسوقه إليك كما وقع: هناك في الملأ الأعلى، انعقدت طائفة من الفلاسفة بالأمس القريب، ولم يكد جمعهم يستوي فوق الأرائك، حتى نهض من الحضور أقدمهم عهدا بدار الخلود - سقراط - وأخذ يشير بيمناه إلى الجلوس واحداً فواحدا، في تؤدة هادئة رزينة، فيعرفهم بأسمائهم التي أطلقت عليهم في دار الفناء، ولم يكن ذلك تعريفاً لهم بمجهول فهم عصبة واحدة منذ الأزل، ولكن خشية أن تكون شواغل الأرض قد محت سالف الذكرى: هذا سبينوزا صاحب وحدة الوجود، وهذا ليبنتز الذي كان للناس بشيرا بما في الكون من خير، وهذا فولتير عظيم الساخرين، وهذا روسو نصير الطبيعة. وهذا شوبنهور صاحب إرادة الحياة. وذلك نيتشه صاحب أرادة القوة. . . فتباسم الفلاسفة، وأجالوا الأنظار لكي تتعرف الوجوه. أما ليبنز، فقد ثبت بصره في فولتير، وأخذ يحدق به في شيء من القلق، ما لبثا أن التقت منهما النظرات، فأرسلها فولتير ضحكة رقيقة وقال: - فولتير - أراك يا عزيزي قلقا نابيا، لا بطمئن بك المكان ولا تطمئن إليه؟ ليبنتز - كلا! بل أنا موفق مجدود، إذ ضمني وإياك مجلس واحد، فما زلت أتمنى ذلك

стр. 2922

وأرجوه، مذ جاءني نبأك، وعلمت عنك تلك الطعنات الدامية التي صوبتها نحو رأيي في العالم وخيره فولتير - أوه! لقد أنسيت كل شيء. . وكأنما أذكر الآن حلما مبهما يجول في حنايا الرأس. . . ها هوذا ينجلي ويتضح. . . لقد ذكرت! فأنت الذي زعمت يوما أن تلك الحياة الفانية مفعمة بالخير مترعة بالآلاء والنعم، وأنه لم يكن في الإمكان أبدع مما كان!. . هذا كثير - لعمر الحق - أن يقال في عالم سداه الشر ولحمته البؤس والشقاء! ليبنتز - أليس الله، وهو رب الكون وخالقه، حكيما عميق الحكمة، خيرا واسع الخير؟ وصور لنفسك هذه الحكمة المطلقة فقد تآزرت مع ذلك الخير الأسمى في خلق العالم ثم حدثني كيف يكون. أليس من المحقق أن يجيء العوالم؟ هذا حق لا ريب فيه، لأن الله تعالى يصدر عن منطق مستقيم يتفق مع كماله ولابد لذلك المنطق الكامل إن ينتج عالما أدنى ما يكون إلى الكمال لأنه إذا خلق عالما دون المستطاع، كان في عمله ما يمكن تهذيبه واصلاحه، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فولتير - أما أن في العالم شرا فحقيقة فوق الجدل، وإذن فاختر لنفسك واحدا من اثنين لا ثالث لهما. إما أن يكون الله قادراً على ان يرفع عن العالم السوء والشر ولكنه لا يريد، وإما انه يريد ولا يستطيع، وكلا الفرضين شر من أخيه! لك أن تقول عن العالم ما تشاء؛ أم أنا فقد كنت في تلك الحياة الدنيا شقيا بائسا، قرحت كبدي الكوارث، وكلم فؤادي العنا والألم، ومع ذلك فقد كان لزاما عليَّ ان أحيا!! وأحسب أنني لم انفرد بذلك العبء الثقيل، فلست أشك في أن الأحياء جميعاً قد عانت من الشر ما عانيت. . تذكر يا عزيزي ليبنتز ذلك العقاب الكاسر، وهو ينقض على فريسته الوديعة المطمئنة، فينهشها بمنقاره المرهف العاتي، وعبثا ترتعش منها الفرائص وترتجف الأعضاء، وعبثا تصيح، فصيحات الغوث ذاهبة في الفضاء والعقاب ماض لا يحول نابا ولا ينزع مخلبا، وعندئذ هبط على العقاب نسر جارح مزق منه الأشلاء ونثر الدماء، وأخذ يلتهم طعامه هنيئا ولولا أن صائدا من الأنس قد كمن له في الغاب، وما هي إلا لحظة حتى أرسل إليه قوسا كانت تحمل حتفه سهمها، فلما ان جاء ذلك الإنسان الظافر إلى حومة الوغى، ودارت رحى الحرب، داهمه الردى، فانقلب صريعاً يسبح في لجة من الدماء البشرية فيرطم جسدا هنا وشلوا هناك!!

стр. 2923

وتدور عجلة الدهر فإذا الإنسان الشامخ بأنفه قد بات طعاما تتخطفه العقبان والنسور!! تلك هي أسطورة الحياة يا عزيزي. حلقات متلاحقات من عذاب مر أليم، تنتهي بالحياة إلى الموت والفناء. . مأساة ترتعد من هولها الفرائص، وتطير منها النفوس شعاعاً، أفتزعم بعد هذا أن شقاء الفرد سبيل إلى سعادة المجموع وتصيح بصوتك المرتعش المتهدج ان ليس في الأماكن أبدع مما كان؟ لعمري انك لفي ضلال بعيد، إلا أن الكون بأسره لينهض الآن لسانا ناطقا بإنكار ما تقول، بل لكأني ألمح قلبك الذي تحمله بين جنبيك، ينبض في ثورة وجموح ليرد ما يفيض به رأسك من خداع. أليس من سخرية الدهر وعبث القدر ان تكون الحياة لغزا مغلقا من دون البشر، وأن يكون الإنسان وهو صاحب الدار دخلا لا يعلم من أمرها شيئا، فلا يدري أني جاءت به الحياة، ولا أين يذهب به الموت؟ بارعاك الله! لله ما أمرك حياة تلك التي كتب علينا أن نحياها حينا من الدهر، وعجيب الأمر أن ترى من الأقوام الغافلين من تنطلق ألسنتهم بحديث السعادة والخير؟!. عفواً أصدقائي، فإنما تحدثكم الآن ما أثخنته الحياة في نفسي من جراح دامية لم تزل عندي عميقة الأثر قوية الذكرى. سبينوزا - أي عزيزي فولتير! هون على نفسك الامر، فليس الفرد إلا جزءاً من كل عظيم، وانك لتبتغي شططا إذا أردت أن يصغي الوجود بأسره إلى صالح الأفراد، وهي متنازعة متنافرة. ان في ذلك لشراً وفوضى. فلست أرى في الكون إلا قانونا خالداً وصوراً فانية، وحسبه دقة وكمالا أن يسير ذلك القانون في استقامة لا التواء فيها ولا شذوذ، أما هذه الصور المادية الزائلة التي تروح وتغدو، فلا يضير الكون في كثير أو قليل أن تشعر بألم أو سعادة! وهل تستطيع أن تحدثني عن الشر والخير ما هما؟ انهما لفظان قد اصطلح عليهما البشر، وليس لهما في عالم الحقيقة وجود. . . خذ قلماً وقرطاسا، وارسم طائفة من المثلثات المختلفة نوعا وحجما ثم امح منها ما تريد، وارسم سواها أو لا ترسم شيئاً، والبث هكذا ساعة من زمانك، غير في أوضاعها وبدل في أشكالها ليكون لك في النهاية زخرف جميل. . . هب تلك المثلثات كائنات شاعره يتعاورها السرور والألم، وأنك علمت أن واحداً منها غاضب لأنه جاء من الزخرف في مكان

стр. 2924

منحرف، وان ثانياً بائس مسكين لأنه لا يتمتع بأضلاعه الثلاثةتامة كاملة، وثالثاً يعاني مرارا الألم لان الممحاة قد أتت عليه فأزالته من الوجود. . . فماذا أنت قائل إزاء تلك الأهواء المتنازعة؟ انك لن تفهم لها معنى، لأنك تنظر بمنظار اخر أعم وأشمل. نيتشه - أؤيد سبينوزا فيما يقول، ولست أفهم هذا التفريق بين الخير والشر، فكلاهما خير للبشر، ولو لم يكن الشر خيراً لما صمد في معترك التنازع على البقاء، بل محى من الوجود منذ أمد بعيد. فولتير (يضحك) - هل أتاكم حديث الواقعة التي نزلت بلشبونة، إذ زلزلت الأرض زلزالها فأردت ثلاثين ألفا من رجالها؟ ويأبى القدر إلا أن يمعن في السخرية، فيجمع عدة من هذه الألوف بين جدران بيت من بيوت الله، فينقض على البؤساء ذلك البناء المقدس وهم يؤدون الصلاة!! ثم يعلن القساوسة في جرأة وقحة بأن الكارثة إنما جاءت جزاء وفاقا لما قدمت أيديهم من ذنبوب!!! روسو - وهل تريد ان تلقى التبعة على غير الإنسان؟ فلو هجر المنازل وطلق المدن إلى حيث الطبيعة الطلقة الطاهرة، لما تهدمت فوق رؤوسهم جدران ولا ركمت سقوف! فولتير - هل جاءك يا عزيزي روسو نبأ الفتى كانديد؟ ذلك الصبي الألماني الذي لبث يأخذ العلم عن أستاذ فيلسوف؟ لقد أبى الدهر عليهما حياة هادئة، فأرسل عليهما المصاب في اثر المصاب حتى اضطر إلى الرحيل إلى لشبونة، وكأنما أراد الدهر إلا يغمض عنهما جفنا، فكانت تلك المأساة المروعة التي حصدت الأحياء حصداً بالألوف؛ ولكن الفتى وأستاذه قد أفلتا من يد الموت، والتقيا في فزع ورعب، وبيناهما في سمر الحديث، يرويان ما صادفا من هول، إذا بامرأة عجوز تجيء إليهما من أقصى المدينة، فنقص عليهما ما لاقته من هول تشيب له ناصية الطفل الرضيع، (ولقد حدثتني النفس مائة مرة بان ألقى عبء الحياة عن كاهلي، ولكن على الرغم من ذلك قد أحببت الحياة!!. . .) تبت يدا الإنسان، إنه لفي ضلال مبين، أترون كيف ينوء تحت أثقال الحياة، ثم يقبل راضيا أن يظل ذلك العبء فوق كاهله، مع انه يستطيع أن يلثقه إلى الأرض بعزمة واحدة؟! ولأعد بكم إلى حديث الفتى كانديدن فقد أرهقته محاكم التفتيش، ففر هاربا إلى

стр. 2925

بارجواي بأفريقيا، ولم يكد يجوس خلال أرضها حتى أبصر - ويا لهول ما أبصر! - أبصر رجلا يضم أعواد القصب مرغما، وهو يئن من فداحة الألم، كان يعمل مبتور الساق والذراع، ولابد أن يعمل في جد وإلا فضربات السياط - سياط الشركة الأوربية التي تستغله وتستذله - مسلطة فوق ظهره، ولا يدثره غير أسمال قذرة بالية. . . وهكذا كان كانديد، كلما قلب صفحة من كتاب الدهر ألفاها مترعة بالعناء والأذى، وما أحسب الجدران والسقوف قد اقترفت من ذلك العدوان شيئا. ليبنتز - ومن ذا الذي يود أن يعيش في علم لا ألم فيه ولا عناء؟ أليست المرارة القليلة ألذ مذاقاً وأشهى طعاما من السكر الحلو؟ وهل الشر إلا سبيل للخير؟ فلعلك لو علمت مبعث الشر لخففت من هذه الغلواء، فقد خلق الإنسان مغلولا بطائفة من أصفاد المادة، ولكنه فطر على أن يجاهد في تحطيمها ما استطاع ليصل إلى مرتبة الكمال، ومبعث الشر جميعا هو ذلك الجهاد العنيف الشاق الذي يبذله الإنسان في هذه السبيل، وإذن فليس الشر مقصوداً لذاته، وإنما هو سلم للصعود إلى الكمال. شوبنهور - لست أرى إلا أن الإنسانية مدفوعة أمام إرادة الحياة دفع الخراف، ولقد زودتها بجعبة من الرغبات تلهب ظهرها وتستحثها على السعي كلما أبطأ بها المسير، وفي تلك الرغبات سم الإنسان الزعاف، لأنه كلما حقق واحدة قامت في سبيله عشرات، والحياة لا تمنحنا أمنية إلا كما يلقى الجواد بإحسانه إلى السائل المحروم، فهو يضر كثيرا ولا ينفع قتيلا، لأنه يطيل في أجل بؤسه يوما آخر. . سر أنى شئت تجد بين الأحياء تنازعا وتنافرا، حرب ضروس وقتال طاحن، وفيم الحرب والقتال؟ لكي يقيموا حياة كلها تعب وشقاء أمدا قصيرا من الدهر. فلو أننا أدركنا رجحان العناء على الجزاء، لعلمنا كم نبذل الثمن باهظا لقاء أنفاس معدودات! الحياة هي الشقاء والشقاء هو الحياة، وجدير بك - أي عزيزي ليبنتز - أن تنقح من عبارتك بحيث تكون: (ليس في الإمكان أسوأ مما كان) لقد كان خيرا لنا ألف مرة إلا تكون! ومن ذا يحدثني عن مهزلة الحياة: فيم بقاؤها وما غرضها؟ ولشد ما يدهشني على الرغم من ذلك أن أرى الكائنات بأسرها تتشبث بالحياة، وتبذل في حراستها كل ما تستطيع، كأنما هي ذخر ذو غناء! إلا من يحدث الناس عني أن يكتموا الأنفاس دفعة واحدة لكي يردوا للحياة كيدا بكيد؟

стр. 2926

تقدمت من سقراط في بصر خافض وأدب خاشع، وسألته أن أطلع قراء الرسالة على حديثهم ذلك، فخشي أن ينسب القراء إلى كاتبه بعضه أو كله، فطمأنته بأن القراء في مصر على كثير من الذكاء زكي نجيب محمود

стр. 2927

فرعون حزين! للأديب حسين شوقي كنا نظن أن الآلهة ينعمون بالسعادة الكاملة، ولكننا مخطئون لأن فرعون حزين برغم أصله السماوي. . أجل فرعون حزين، لهذا خرج إلى السطح الكبير يستنشق نسيم الليل العليل ويلقي نظرة على السماء التي أخذت تتلألأ أمامه، وقد بدت نجومها تشاهد الملك العظيم الذي ملأ صيته أنحاء العالم ببأسه وجبروته. . ثم أخذت النجوم تتساءل: لماذا كان فرعون حزيناً؟ لماذا؟ أليس قادراً على كل شيء، ألم يشد لنفسه بالأمس رمسا فخما متينا يضمن له الحياة الثانية التي سيكون فيها كذلك عاهلا كبيرا لقرابته الوثيقة بالآلهة آمون وهوروس وشركائهما؟ لماذا إذن كان الملك حزيناً؟ قالت إحداهن متفلسفة: لأنه لم يعرف الحب؛ فتساءلت أخرى: وهل الحب على هذا القدر من الخطر؟ فأجابت الأولى: أجل! هو سر الوجود لذلك العالم الأزلي وتعزية أهله. . ولكنها لم تتم كلامها لأن نجما آخر قاطعها قائلا: وما صورة الحب! وما مادته قالت: ليست له صورة، وما هو بمادة. . لحسن حظ البشر، لأنه لو كان مادة لاكتنزه الناس كالذهب من زمان بعيد في خزائن بنك فرنسا أو بنك الاحتياطي الأمريكي. . أجل! فرعون كان حزيناً لأنه لم يعرف الحب! لقد صدقت تلك النجمة في زعمها، لأن علاقته بمن حوله من الناس لم تكن إلا علاقة رسمية، بل كانت علاقة السيد بالخادم، أستغفر الله! بل علاقة الإله بالعبد! ما زوجه الملكة فهو يجلها ويقدرها ولكن لا يحبها لأن اقترانه بها فرض عليه فرضاً منذ الحادثة للدم الإلهي الذي يجري في عروقها. هي أيضاً. . كم يود فرعون أن يجب! ولكن يحب من؟ انه يستعرض في مخيلته نساء القصر. . أجل! لقد وجد ضالته! سيحب تلك الجارية الآشورية الحسناء التي أرسلها إليه ملك أشور في جوار أخر - على سبيل الهدية تملقا لفرعون وطمعاً في كسب صداقته. . هي فتاة حسناء يذكر أنها لفتت أنظاره مرة وهو يجتاز إحدى ساحات القصر. . ولم يكد فرعون يدعوها حتى كانت الجارية بين يديه ساجدة ترتعد خوفا أمام العاهل الأكبر! ثم طلب منها فرعون أن تنهض من الأرض ففعلت وهي لا تعرف إن كانت في حلم أو في يقظة. . ثم تشجعت

стр. 2928

ورفعت نظرها إلى ذلك الوجه العلوي الذي قلما وقعت عليه عين البشر انه وجه جميل ناعم (غير ما كانت تظنه). خلعت عليه سيماء النبل الموروث قرون طويلة من العز والسلطان. . ثم اقترب منها فرعون فوضع يده على شعرها الفاحم الجميل وحاول ان يبتسم، ولكن تقاطيع وجهه التي فقدت مرونتها من زمان طويل، منذ الطفولة خانته إذ كان وجهه قناعا أكثر منه وجهاً! ثم حاول أن يقول لها كلمات عذبة رقيقة مغرية. . مما نسميه نحن معشر البشر غزلا، ولكنه لم يستطع، فقد عى لسانه! فما كان من فرعون أمام ذلك إلا إن أومأ إلى الجارية في بأس وقنوط لتنصرف موليا عنها وجهه. . وا أسفاه! ان فرعون لا يستطيع ان يحب، فالحب للبشر. . أما هو فهو اله عابس قلبه من الصوان الأصم في محكمة التاريخ

стр. 2929

قضية ابن العلقمي الوزير للسيد مصطفى جواد ذكر بعض أصحاب مؤيد الدين محمد بن أحمد بن العلقمي الأسدي الوزير أنه سمعه يوما ينشد من شعره: كيف يرجى الصلاح من أمر قوم … ضيعوا الحزم فيه أي ضياع؟ فمطاع الكلام غير سديد … وسديد المقال غير مطاع وقال شمس الدين محمد بن عبد الله الكوفي الواعظ في دولة المستعصم بالله: يا عصبة الإسلام نوحوا واندبوا … أسفاً على ما حل بالمستعصم دست الوزارة كان قبل زمانه … لابن الفرات فصار لابن العلقمي وفي سنة (٦٥٥) هـ (رحل السلطان هولاكو قان) من همذان نحو العراق، فلما اتصل ذلك بالخليفة المستعصم شاور وزيره مؤيد الدين ابن العلقمي في ما ينبغي فعله فأشار عليه ببذل الأموال وحملها إليه مع التحف الكثيرة والأشياء الغريبة والاعلاق النفيسة، فلما شرع في ذلك ثناه الدويدار الصغير وغيره، وقالوا له (ان غرض الوزير تدبير حاله مع السلطان هولاكو) فوافقهم واقتصر على انفاذ شيء يسير مع شرف الدين عبد الله بن الجحوزي فلما وصل إليه أنكر ذلك وأرسل إلى الخليفة يطلب إما الدويدار وإما سليمان شاه الايواني، وإما فلك الدين محمد بن الدويدار الكبير الدين الطبرسي فلم يفعل، وأرسل شرف الدين بن الجوزي أيضاً يعتذر عن ذلك، فسار السلطان حينئذ نحو بغداد) قال عبد الرزاق بن الفوطي بعد سقوط بغداد في أيدي التتر (ثم دخل الخليفة المستعصم بغداد يوم الأحد رابع صفر ومعه جماعة من أمراء المغول وخواجه نصير الدين الطوسي وأخرج إليهم من الأموال والجواهر والحلي والزركش والثياب وأواني الذهب والفضة والاعلاق النفيسة جملة عظيمة، ثم عاد مع الجماعة إلى ظاهر سور بغداد بقية ذلك اليوم، فأمر السلطان هولاكو بقتله فقتل يوم الأربعاء رابع عشر صفر ولم يهرق دمه بل جعل في غرارة ورفس حتى مات ودفن وعفى أثر قبره وسبب هذه القتلة أن بعض الناس المسموعي الكلمة الاقلاء العلم قال لهولاكو: لو أصاب الأرض قطرة من دم الخليفة لانقلبت الدنيا بأهلها، فجارى هولاكو هذه العقيدة وان لم يوقن

стр. 2930

بها لوضوح بطلانها ووضع المغول السيف في أهل بغداد يوم الاثنين خامس صفر سنة ٦٥٦، وما زالوا في قتل ونهب وأسر وتعذيب الناس بأنواع العذاب، واستخراج الأموال منهم بأليم العقاب مدة أربعين يوماً، فقتلوا الرجال والنساء والصبيان والأطفال، فلم يبق من أهل بغداد ومن التجأ إليهم من أهل السواد إلا القليل، ماعدا النصارى فانهم عين لهم شحان حرسوا بيوتهم والتجأ إليهم خلق كثير من المسلمين فسلموا عندم، وكذلك دار الوزير مؤيد الدين بن العلقمي فانه سلم بها خلق كثير، ودار صاحب الديوان (ابن الدامغاني) ودار حاجب باب النوبى (ابن الدوامى) وما عدا هذه الأماكن فانه لم يسلم فيه أحد إلا من كان في القنى والآبار، وأحرق معظم بغداد وجامع الخليفة المعروف اليوم بجامع سوق الغزل وما يجاوره، واستولى الخراب على بغداد، وكانت القتلى في االدروب والأسواق كالتلول، ووقعت الأمطار عليهم ووطئتهم الخيول، فاستحالت صورهم وصاروا عبرة لمن يرى، ثم نودي بالأمان فخرج من تخلف وقد تغيرت ألوانهموذهلت عقولهم لما شاهدوا من الأهوال التي لا يعبر عنها بلسان وهم كالموتى إذا خرجوا من القبور يوم النشور، من الجوع والخوف والبرد، وضرورة الاستنباط توجب الرجوع فنقول: قال عبد الرزاق بن الفوطى (فلما كان اليوم الرابع عشر من المحرم خرج الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي إلى خدمة السلطان هولاكو في جماعة من مماليكه وأتباعه وكانوا ينهون الناس عن الرمي بالنشاب ويقولون: (سوف يقع الصلح إن شاء الله فلا تحاربوا) هذا وعساكر المغول يبالغون في الرمي. وعاد الوزير إلى بغداد يوم الأحد سابع عشر المحرم وقال للخليفة: (وقد تقدم السلطان هولاكو أن تخرج إليه، فأخرج ولده الأوسط أبا الفضل عبد الرحمن في الحال فلم يقتنع به، فخرج هو والوزير ثامن عشر المحرم ومعه جمع كثير فلما صاروا ظاهر السور منعوا أصحابه من الوصول معه وأفردوا له خيمة وأسكن بها) وأمر هولاكو بإجاعة المستعصم، فلما اشتد عليه الجوع أمر أن يقدموا له جملة من الجواهر والحلي والأعلاق النفيسة في أواني الذهب والفضة التي أخذها من دار خلافته) فاستغرب الأمر وقال: قد علمتم أن هذا ليس مما يؤكل ولا يغني من جوع) فأرسل إليه هولاكو (لم لم تجند به الجنود ولم تدفع به عن نفسك فلات ساعة مندم) ولسرد أخبار الجنود نقول: قال

стр. 2931

عبد الرزاق في حوادث سنة ٦٤٠ ما صورته: (في شعبان حضر جماعة من المماليك الظاهرية والمستنصرية عند شرف الدين إقبال الشرابي للسلام عليه - على عادتهم - وطلبوا الزيادة في معايشهم وبالغوا في القول وألحوا في الطلب، فحرد عليهم وقال: (ما نزيدكم بمجرد قولكم بل نزيد منكم من نريد إذا أظهر خدمة يستحق بها ذلك) فنفروا وخرجوا على فورهم إلى ظاهر السور وتحالفوا على الاتفاق والتعاضد. . .) وقال في حوادث سنة ٦٤٩ (وفيها فارق كثير من الجند بغداد لانقطاع أرزاقهم ولحقوا ببلاد الشام) وقال في حوادث سنة ٦٥٥ ما نصه (وكان الخليفة قد أهمل حال الجند ومنعهم أرزاقهم وأسقط أكثرهم من دساتير ديوان العرض فآلت أحوالهم إلى سؤال الناس وبذلك وجوههم في الطلب بالأسواق والجوامع ونظم الشعراء في ذلك الأشعار، فمما قاله المجد النشابي: يا سائلي ولمحض الحق يرتاد … أصخ فعندي نشدان وإرشاد واسمع فعندي روايات تحققها … دراية وأحاديث واسناد فهم ذكى وقلب حازق يقظ … وخاطر لنفوذ النقد نقاد عن فتية فتكوا بالدين وانتهكوا … حماه حملا برأي فيه إفساد وكان خواجه نصير الدين محمد الفيلسوف الطوسي قد بعث - وهو في قوهستان - بقصيدة إلى المستعصم بالله يمدحه فيها ويطلب إليه الزلفى من دار خلافته، فاطلع عليها مؤيد الدين محمد بن العلقمي وأبقاها عنده وكتب إلى شمس الدين محتشم قوهستان من بلاد إيران يحذره ارتحال نصير الدين من بلاده مع احتياجه إليه في النجامة والتدبير، وإنما فعل ابن العلقمي ذلك خوفاً من ان يعرف المستعصم فضل نصير الدين الطوسي وعلمه فيستوزره مع كونهما شيعيين من فرقة واحدة، فوشى به هذا المحتشم إلى أمام الباطنية الإسماعيلية و (علاء الدين محمد بن الحسن الإسماعيلي) فاعتقله هذا في قلعة (ألموت) ولما فتح هولاكو هذه القلعة خرج نصير الدين وحضر بين يدي هولاكو فعظم موقعه في نفسه وأنعم عليه واستوزره وصار لأسرته شأن عظيم، وكان المنتظر من نصير الدين حين قدم بغداد مع هلاكو ان يبطش بابن العلقمي لإساءته إليه تحريضه عليه، ولكنه كان متعصبا للشيعة مغالياً في حبهم، حتى أنه أنقذ ابن العلقمي من الموت بأن رغب إلى هولاكو في العفو عنه،

стр. 2932

ومن الحق أن ابن العلقمي لم يخن ولم يهن في خدمة المستعصم، فلما فتحت بغداد ورأى زوال الدولة العباسية ووزارتها من المحققات؛ سعى في تنجية نفسه من الموت وداره من التحريق ودار كتبه المحتوية على عشرة آلاف مجلد من النهب، فاستشفع بنصير الدين الطوسي إلى هولاكو وأوصل إليه كتاباً فيه (ملحمة) من ملاحم الشيعة تثبت صلاح أعماله ووجاهة فتحه لبغداد، فقد قال قطب الدين الحنفي (إن مجد الدين بن طاوس وسديد الدين يوسف بن المطهر الحلي أرسلا كتاباً إلى هولاكو على يد ابن العلقمي يروونه عن علي بن أبي طالب - رض - صورته (إذا جاءت العصابة التي لا خلاق لها لتخربن يا أم الظلمة ومسكن الجبابرة وأم البلايا، ويل لك يا بغداد وللدور العامرة التي لها أجنحة كالطواويس، تنماثين كما ينماث الملح في الماء. ويأتي بنو (قنطورا) مقدمهم جهوري الصوت لهم وجوه كالمجان المطارقة وخراطيم كخراطيم الفيلة لم يصل إلى بلدة إلا افتحها ولا إلى راية إلا نكسها، فلما وصل الكتاب إلى هولاكو أمر أن يترجم له، فلما قرأه أمر لهم بسهم الأمان وسلموا بذلك من القتل والنهب) قال عبد الرزاق بن االفوطي بعد وقعة بغداد (وأما أهل الحلة والكوفة فانهم انتزحوا إلى البطائح بأولادهم وبما قدروا عليه من أموالهم وحضر أكابرهم من العلويين والفقهاء مع مجد الدين بن طاوس العلوي إلى حضرة السلطان هولاكو وسألوه حقن دمائهم فأجاب سؤالهم وعين لهم شحنة، فعادوا إلى بلادهم وأرسلوا إلى من في البطائح يعرفونهم ذلك، فحضورا بأهلهم وأموالهم وجمعوا مالا عظيما وحملوه إلى السلطان هلاكو فتصدق عليهم بنفوسهم، وكان أهل الكوفة والحلة والسيب يجلبون إلى بغداد الأطعمة فانتفع الناس بذلك، وكانوا يبتاعون بأثمانها الكتب النفيسة وصفر المطعم وعيره من الأثاث بأوهى قيمة فاستغنى بهذا الوجه خلق كثير منهم ولو كان ابن العلقمي قد خان المستعصم ومالأ هولاكو عليه لخشى هولاكو غدره وخاف خيانته ولم يوله الوزارة الإقليمية فانه لما رحل عن بغداد عائداً إلى بلاده فوض أمرها إلى الأمير (علي بهادر) وجعله شحنة بها والى الوزير مؤيد الدين بن العلقمي وصاحب الديوان فخر الدين بن الدامغاني ونجم الدين أحمد بن عمران الباجسري ونجم الدين عبد الغني بن الدرنوس وشرف الدين العلوي المعروف بالطويل فتوفى ابن العلقمي بعد فتح بغداد بثلاثة

стр. 2933

أشهر وذلك في مسهل جمادى الآخرة، فأمر هولاكو أن يكون أبنه عز الدين أبو الفضل وزيراً بعده ولقائل أن يقول: إن الخيانة أنالته الوزارة الإقليمية فنقول له: قد قيل هذا، وزعم أن هولاكو قتله لخيانته، وقال له (إنا لا نأمنك وقد خنت خليفتك) ولقد كان هولاكو حذراً من الخونة مسارعاً إلى سفك الدماء، فهو إن لم يكن حرياً أن يقتله - على ظن خيانته فأنه يطرحه ويستذله فلا يوليه من ملكه شيئاً، وأن مؤرخا يبتدع قتل هولاكو لابن العلقمي لسهل عليه أن يخونه ويفجره ويسند إليه ما يشاء، ولكن الحق غير ذلك ولى هولاكو تاج الدين بن الدرامى صدارة الأعمال الفراتية فتوفى في شهر ربيع الأول فجعل ابنه مجد الدين حسيناً عوضه وأقر أقضى القضاة نظام الدين عبد المنعم البندنيجى على رتبته وجعل لفخر الدين الدامغاني وزارة الإقليمية وجعل نجم الدين أحمد بن عمر ان المذكور ملكاً علىالأعمال الشرقية وهي الخالص وطريق خرسان والبدنيجين وأشركه مع ابن العلقمي وابن الدامغاني في الحكم فهل كل هؤلاء خونة غدرة؟ وقد يرد هذا القول بأن هولاكو لم يقتل هؤلاء الخونة لأن هوى الشعب فيهم، وضلعه معهم، فنقول: إنه قتل جماعة صبراً وهم من عظماء الشعب فيهم محيي الدين بن الجوزي الحنبلي أستاذ دار الخليفة وأبناه شرف الدين عبد الله وجمال الدين بن عبد الرحمن مؤلف مناقب بغداد وشيخ الشيوخ صدر الدين علي بن بالنيار وشرف الدين عبد الله بن أخيه وبهاء الدين داود بن المختار والنقيب شمس الدين علي بن مختار وشرف الدين محمد بن طاوس العلوي وتقي الدين عبد الرحمن بن الطبال وأكثر أمراء الترك ومن اغرب سخرية المؤرخين أنهم أشكركوا في الخيانة تاج الدين أبا المعالي محمد بن الصلايا العلوي ناظر إربل، ولقد قال ابن الفوطي يذكر المتوفين من الأعيان بعد وقعة بغداد (وتوفى تاج الدين أبو المعالي محمد بن الصلايا العلوي ناظر إربل، قتل بحبل سياه كوه وكان قد قصد حضرة السلطان هولاكو بعد وقعة بغداد ليقر رحاله فأمر بقتله، وكان كريما جواداً فاضلا متدينا يبالغ في عقوبة من يفسد أو يشرب الخمر وليس عند المؤرخين دليل على خيانة ذلك الرجل العلوي الصالح واتهام ابن العلقمي - وان ورد في تاريخ ابن خلدون وفوات الوفيات وتاريخ أبي الفداء وغيرها - فان مصدره واحد هو سوء الظن به

стр. 2934

والحقد عليه، حتى أن ابن الفوطي لما كتب الحوادث الجامعة قال (ذكر من توفى من الأعيان بعد الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي في جمادي الآخرة ببغداد وعمره ثلاث وستون سنة، كان عالماً فاضلا أديبا يحب العلماء ويسدي إليهم المعروف، وتوفى علم الدين أحمد أخوه بعده) ووجد في الحاشية تعليق على هذا القول صورته (إلا أن خيانته لمخدومه تدل على سوء أصله) فان كانت مؤلفات ابن الفوطي بقيت على التسويد - كما ذكر العماد الحنبلي في شذور الذهب - فيظهر لنا ان المؤلف قد أثرت في نفسه إشاعة تهمة ابن العلقمي فاستدركها على نفسه مع عدم اقتناعه بصحتها في أول التأليف وبقي هذا الاستدراك مشيراً إلى ضعف الاتهام وصعوبة أمره على الإفهام. ولم تكن حملة هولاكو على بغداد إلا حملة صليبية شرقية، فقد ذكر ابن العبري أن المسيحية انتشرت بين المغول في القرن السابع للهجرة، وأن جنكيز خان قد أوحى إليه بمحاربة الدول المسلمة، وأن امرأة هولاكو مسيحية، ويتضح ذلك من كتاب هولاكو إلى الملك الناصر ونصه كما في مختصر الدول: (يعلم الملك الناصر أننا نزلنا بغداد في سنة ست وخمسين وستمائة وفتحناها بسيف الله وأحضرنا مالكها وسألناه مسألتين فلم يجب لسؤالنا، فلذلك استوجب منا العذاب - كما قال في قرآنكم -: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وصان المال، فآل الدهر به إلى ما آل، واستبدل بالنقوش النفيسة، نقوشاً معدنية خسيسة، وكان ذلك ظاهر قوله تعالى: (ووجدوا ما عملوا حاضراً)، إننا قد بلغنا بقوة الله الإرادة، ونحن بمعونة الله في الزيادة، ولا شك أنا نحن جند الله في أرضه خلقنا وسلطنا على من حل عليهم غضبه، فليكن لكم في ما مضى معتبر، وبما ذكرناه وقلناه مزدجر. . فان أنتم أطعتم أمرنا وقبلتم شرطنا كان لكم مالنا وعليكم ما علينا. . . فالله عليكم يا ظالمون، هيئوا للبلايا جلباباً، وللرزايا أتراباً، فقد أعذر من أنذر، وأنصف من حذر، لأنكم أكلتم الحرام وحنثتم بالأيمان، وأظهرتم البدع واستحسنتم الفسق فأبشروا بالذل والهوان فاليوم تجدون ما كنتم تعملون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، لقد ثبت عندكم أننا كفرة، وثبت عندنا أنكم فجرة، وسلطنا عليكم من بيده مقاليد الأمور مقدرة، والأحكام مدبرة. . . فسارعوا إلينا برد الجواب بتة، قبل أن يأتيكم العذاب بغتة، وأنتم تعلمون)

стр. 2935

ونقلنا في ما سبق من المقالة أن النصارى ببغداد سلموا من القتل والنهب والسلب وكل الأذى، وعين لهم أمراء من المغول يحرسون بيوتهم، وقال ابن الفوطي (وتقدم للجاثليق بسكنى دار علاء الدين الطبرسي الدويدار الكبير التي على شاطئ دجلة فسكنها ودق الناقوس على أعلاها واستولى على دار الفلك التي كانت رباطاً للنساء تجاه هذه الدار المذكورة، وعلى الرباط البشيري المجاور لها وهدم الكتابة التي كانت على البابين وكتب عوضها بالسرياني) وقال في أخبار من عين في المراتب بعد الوقعة الهولاكية ببغداد (وعز الدين بن أبي الحديد كاتب السلة فلم تطل أيامه وتوفى، فرتب عوضه ابن الجمل النصراني) وعرض بهذه الغزوة الصليبية شمس الدين الكوفي إذ قال يرثي بني العباس: ربع الهداية أضحى بعد بعدهم … معطلا ودم الإسلام منسفك ومما زاد شراسة هولاكو على المستعصم أن أحد أبناء عمه من السلاطين وهو بركة خان، كان قبل وقعة بغداد قد أسلم وراسل الخليفة المستعصم وصادقه، فاشتدت العداوة بينه وبين هولاكو من جهة السياسة والملك، ومن جهة الإسلام والوثنية وحماية النصرانية، وكان بركة خان مستوياً على شمال ارمينية وشمال جبال القبق (قفقاسية)، فلما سمع بنكاية هولاكو جد في محاربته وشرد بجنوده في وقعات عدة، كانت عاقبة أخرهن ان مات هولاكو كمداً وأسفاً لانكسار جيوشه، وانتفع مماليك مصر بهذه العداوة. القاهرة مصطفى جواد

стр. 2936

٤ - ابن قلاقس ٥٣٢ - ٥٦٧هـ (١١٣٨ - ١١٢٢م) (تتمة) أما ما صادفه من ممدوحيه فهو السعة والرخاء والعطاء الجم، وان كنا لا نشك في انه قد أصابه الاخفاق أحياناً كثيرة مما دعاه إلى ان يقول: فان ألمت بك الزرايا … أو قرعت بابك الخطوب فجانب الناس وادع من لا … تكشف إلا به الكروب من يسأل الناس يحرموه … وسائل الله لا يخيب ولا نشك كذلك في أن الوشاة كثيراً ما كانوا يسعون بالإفساد بينه وبين الممدوحين، وكثيراً ما كان هو يتنصل من دعاويهم وأقاويلهم، ويحسن بها أن نورد قطعة صغيرة من نماذج شعره في المدح، قال: وهنيئا له أبا القاسم الند … ب نهانى، فما أقول الهناتا هو بحر وما يكدره الحا … سد إن بات فيه يلقى القذاتا ساقني فضله فأسكنني الدو … ر وأسكنته أنا الابياتا واقتسمنا، فكان عارض غيث … عشت في ظله وكنت النباتا كرم ينجز العداة وسلطا … ن على رسمه يبذ العداتا أما غزل شاعرنا فهو أقل شعره جودة وجمالاً: ذلك أنه قد تعمد فيه الإكثار من المحسنات اللفظية، مما دعا إلى غرابة الشعر واحتياجه إلى فهم وتثبت وروية، والغزل إن لم يكن معناه سريعاً إلى القلب يسبق لفظه إلى الفهم يصبح ثقيلاً على النفس ليس له حظ من جمال الشعر، فضلا عن أن المعاني التي كان يجيء بها معان صغيرة لا تحتاج إلى كل هذا التكلف، ويعد من أجمل ما قاله في الغزل قوله: سددوها من القدود رماحا … وانتضوها من الجفون صفاحا يالها حالة من السلم حالت … فاستحالت ولا كفاح كفاحا صح إذ أذرت العيون دماء … أنهم أثخنوا القلوب جراحا عجبا للجفون، وهي مراض … كيف تستأثر العيون الصحاحا

стр. 2937

آه من موقف يود به المغ … رم لو مات قبله، فاستراحا وجناح النوى تضم ظباء … لم تخف في دم الأسود جناحا وهي تدلك على قصر باع شاعرنا في فن الغزل، وقد يكون ذلك راجعاً إلى أن عاطفته التي ينبعث منها الغزل كانت قفراء مجدبة، إذ هو ليس إلا رجل عمل وأسفار. أما الوصف فهو كثير في شعره، وهو يصف لك ما رآه وشاهد في مصر وفي غيرها من تلك البلاد التي رحل اليها، ولقد كان للنيل ولمنارة الإسكندرية حظ في وصفه، وهناك منظر من طبيعة مصر قد رسمه شعرا يوم قال: أنظر إلى الشمس فوق النيل غاربة … واعجب لما بعدها من حمرة الشفق غابت وأبدت شعاعاً منه يخلفها … كأنما احترقت بالماء في الغرق وفي الحق انه منظر يثير في النفس حب الجمال وحب الطبيعة. ذلك المنظر هو منظر غروب الشمس حيث تختفيي وراء الأفق تاركة وراءها حمرة الشفق بازغاً بعدها الهلال. كما كان لوصف أسفاره، ووصف ماركبه في تلك الأسفار حظ أي حظ في شعره، فوصف لنا الفرس، ووصف لنا السفينة، ووصف لنا ما كان يلاقيه في سفره، ولعل من أجمل ما قاله في الوصف تلك القصيدة التي يصف لنا فيها سفرة من أسفاره، ويحدثنا عن البحر وهدوئه ثم عصفه وارعاده، ثم يعطف على السفينة فيصفها، ثم على إخوانه فيتشوق إليهم، قال: لو لم يحرم على الأيام انجادي … ما واصلت بين اتهامي وانجادي طوراً أطير مع الحيتان في لجج … وتارة في الفيافي بين آساد والناس كثر ولكن لا يقدر لي … إلا مصاحبة الملاح والحادي أقلعت والبحر قد لانت شكائمه … جداً، وأقلع عن موج وإزباد فعاد لا عاد ذا ربح مدمرة … كأنها أخت تلك الريح في عاد ونحن في منزل يسرى بساكنه … فاسمع حديث مقيم داره غادي لا يستقر لنا جنب بمضجعه … كأن حالاتنا حالات عباد فكم يصعر خد غير منصعر … وكم يخر جبين غير سجاد. . . الخ أما حين يحدثنا عن الطبيعة ويصفها فهو يشعرك أنه تلميذ لابن المعتز لكثرة تشبيهاته

стр. 2938

وتضمين معانيه. وان شئت أن تتأكد من ذلك فاقرأ قوله: سرت وجبين الجو بالطل يرشح … وثوب الغوادي بالبروق موشح وفي طي أبراد النسيم خميلة … بأعطافها نور الربا يفتح تضاحك في مسرى العواصف عارضاً … مدامعة في وجنة الروض تسفح وتروي به كف الصبازند بارق … شرارته في فحمة الليل تقدح تفرس منها البدر في متن أشقر … يلاعب عطفيه النسيم فيرمح باقي أغراض الشعر التي طرقها قليلة، ولكنه في هجائه قصير موجع بالرغم من ندرة الهجاء في شعره، ورثاؤه قليل كذلك، وهو لا ينسى فيه المحسنات اللفظية والجمال البديعي، أما عتابه فقليل كذلك، وهو يشتد ويوجع فيه ثم يلين ويرق، بعد أن يكون قد أوجع، واسمعه يعاتب. أقبل بوجهك إني عنك منصرف … فما أقول لسؤالي؟ وما أصف؟ خدعت فيَّ وغرتك الضراعة بي … ومال تيهاً بك الإعجاب والصلف وكان من سيئاتي أنني أبداً … إليك في سائر الحالات أختلف إلى أن قال: أنت الكريم وقد قال الألى مثلا … إن الكرام إذا ما استعطفوا عطفوا متى أقول: صباح لاح شارقة … فضم رحلك وارحل أيها السدف تلك أهم أغراض الشعر التي طرقها ابن قلاقس لم يعمر شاعرنا طويلا كما ذكرت، بل مات وهو في سن الخامسة والثلاثين، ويخيل إلى أن الهرم أصابه سريعاً حتى صح له أن يقول وهو في سن الثلاثين: مدت إلى الأربعو … ن يداً وقد قهقرت عشرا فكنت تراه في سن الثلاثين كأنه قد أوفى على الأربعين، ولعل الشيب قد لحقه سريعاً، فمضى يذم الشيب ويتحسر على فقد الشباب شأن كل شاب يريد أن يتمتع بالحياة فيلحقه الشيب، ويغير على لمته. أحمد أحمد بدوي المدرس المنتدب بثانوية نابلس

стр. 2939

من طرائف الشعر الضمير قطعة اخرى من روائع الأستاذ أحمد الزين // لا تسلني عن صاحبي ونصيري … لم أجد في الدهر غيرَ ضميري صاحبٌ أمرُه لديَّ مطاعٌ … يا له من مصاحب وأمير هو صوت السماء في عالمَ الأر … ض ورُوحٌ من اللَّطيف الخبير وشعاعٌ تذوب تحت سناه … خدعُ العيش من رياءٍ وزور هو سرُّ يحار في كنهْه اللبْ … بُ وتَعيا به قوَى التفكير مبلغُ العلم أنه رُوحُ خير … باطنُ الشخص ظاهرُ التأثير كلُّ حيٍّ عليه منه رقيبٌ … حَلَّ من قلبِه مكانَ الشعور حلَّ حيث الأهواءُ تنزو إلى الاث … م وتهفو إلى مَهاوِي الشُّرور جامحاتٍ أعيت على الدين كبحاً … رغمَ إنذارِها بسوء المصير ثم صاح الضميرُ فيها نذيراً … فأصاخت إلى صياح النذير هو رُوحٌ من الملائك يسمو … بسليل الثرى لعالَمِ نور قد تولّت بالأنبياء عصورٌ … وهو باقٍ على توالي العصور حافظاً في الزمان ما خلَّفوه … قائماً في الصدور بالتذكير حاملا من شرائع الخير كتُبْا … قدِّسَتْ من صحائفٍ وسطور ليس يعفو عن الهناة وإن ها … نت ملِحٌّ في اللّوم والتعذير هو إن شئت كان جنّةَ خلدٍ … وإذا شئتَ كان نار السعير عاجِلُ الشرِّ وهو يأمر بالخي … ر قديرٌ لم يعَفُ عفوَ القدير فَتحَصَّنْ ما شئت منه فلا ين … جيك حِصنٌ من شره المستطير هو مِثلُ القضاء يغشاك لا تُع … يه لو كنتَ في خوافي النسور وتضرَّعْ بما تشاء فلن تجْ … ديَ نفعاً ضراعة المستجير لا تحاولْ خداعه بالمعاذي … ر فليس المِسيءُ بالمعذور لا تجادل في حُكمِه فهو حتم … لا يُردّ الذي قضى من أمور

стр. 2940

لا يدارِي ولا يداجي صديقاً … ناقدٌ للأمور نقدَ بصير مُرهَف الحِسِّ ليس يُعييه غيبٌ … يَسمع الهمسَ في حنايا الصدور يبذلُ النصحَ لا يمنْ بما يُس … دي ولا يبتغي ثناَء شَكور لم يَدَعنى إلى هوى النفس في الأم … ر ولم يَستعِن برأي مُشير ليس لي دونه من الرأي إلا … ما يراه الهوى بعين الغرور كم حَملتُ الآلام فيه وسخَط الن … اس حتى فقدتُ وُدَّ عشيري ليس يزكو غَرسُ المودَّة في النا … س بغير النفاق والتغرير لم يَدَعْ لي صدقُ المقال صديقاً … فلأعِشْ قانعاً بوُدِّ ضميري

стр. 2941

أطلَّ من حرم الرؤيا فعزاني مهداة إلى روح الدكتور أديب مظهر للشاعر اللبناني بدوي الجبل منازل الخلد لا أرباع لبنان … وفتنة السحر لا آيات فنان جنان لبنان حسبي منك وارفة … فيها النديان من روح وريحان شب النبيون في أفيائها وحبت … فيها خيالات إنجيل وقرآن يغفو بها الفجر في أحضان مورقة … مديدة الظل سكرى الآس والبان سقته من خمرها قبل الكرى عللا … فبعض أحلامه أحلام سكران ودغدغته فللاغصان هينمة … كأنها بث غيران لغيران وما تنبه حتى راعه وهج … والشمس حلى ربى خضر وأفنان صحبت فيك شبابي والهوى ومنى … لعس الشفاء وظلا غير ضحيان فأسبغى نعمة النسيان تغمرني … عسى يخفف من بلواى نسياني أمسيت لا الصغر المعسول أسعدني … ولا الجنون جنون الحب واتاني ألح بي السقم حتى لا يفارقني … وراح ينسج قبل الشيب أكفاني عفىَّ على نزوات النفس جامحة … إلا اهتزاز خليع الحسن نشوان وصبوة للعيون النجل هانئة … من الشباب بظل العاطف الحاني يثير بي كل حسن فتنة وهوى … فما أمر بماء غير صديان ويا ربى الحسن في لبنان هل عريت … مخضلة الدوح من ظل وأغصان ومن لباناتى السكرى مصرعة … من الوانى بين أفياء وأفنان ويا ربى الحسن هل من نفحة جميلة … شذا النهود لصادى القلب حران وهل صباك نموم العطر ناقلة … بعدي أحاديث أذيال وأردان ويا ربى الحسن في لبنان هل ثملت … بعدي الرياحين من صهباء نيسان ويا ربى الحسن في لبنان ما انبسطت … يمنى الهجير على أفياء لبنان مدى ظلالك يينعم في غلائلها … صرعى الردى من أحبائي وإخواني النائمين بظل الأرز ينشدهم … رواية الدهر في نعمى سليمان

стр. 2942

أما البلابل فلتؤنس قبورهم … من كل ثاكلة في الدوح مرنان أعيذ بالحب والذكرى هوى نفر … بيض الوجوه من النعماء غران قد صور الوحي ألوان النعيم على … مثال ما فيك من حسن وألوان خيال ولدانه والحور منبعث … عن فيض سحرك في حور وولدان وزاد فيها خلودا ما عنيت به … أشهى الأماني في حكم النهى الغاني لا يعذب الوصل إلا أن يخامره … خوف المحبين من نأى وهجران ولا هناء بنعمى لا تخاف لها … فقدا ولا تبتلى منها بحرمان لو يعلمون هنات النفس ما خلعوا … قدس الخلود على نعمى وأحزان فالنفس موحشة من رغبة وهوى … نعمى الجنان وبؤسى النار سيان وأصبح الكون لغوا لا حياة به … من رغبة في مجاليه وغنيان ما للخلود وما للحسن يزعمه … هيهات عرى من حسن وإتقان يضفى الجمال علىالايام مقتدرا … من (التحول) ذو عز وسلطان عنى له الكون مأخوذا بفتنته … من أنجم ومكانات وأزمان وعاطفات وأرواح وأخيلة … تغزو الوجود وآراء وأديان وربما فقهت من أمره عجبا … قبل الهداة عصا موسى بن عمران كفرت بالروح بعد الريب آونة … وكان زلفى إلى نجواه كفرانى ورحت أعبده بالحان مجتليا … آيات قدرته في خمرة الحان وقرب القوم ما شاءوا لمذبحه … فما تقبل منهم غير قربانى أعلنت حين أسروا أمرهم فرقا … يا بعد ما بين إسرار وإعلان إن الخلود وما تروى مزاعمهم … عن السعادة في الفخري نقيضان ان الفراديس في سر الخلود غدت … وكل أو إليها رازح وان مل المقيمون فيها من هناءتهم … كما يمل السقام المدنف العانى تمضي العصور عليهم وهي واحدة … أليوم كالأمس فيها ضاحك هاني تزجى السآمة تفكيراً وعاطفة … إلى عقول وأهواء ووجدان لا يرقبون جديدا في خلودهم … لرث من قدم العهد الجديدان

стр. 2943

ولا يحبون لكن تلك طائفة … من ماجنات خليعات ومجان ولا يناجون في أحلامهم أملا … محببا بين إنكار وايقان ولا يحسون لا حزنا ولا جذلا … فالقوم ما بين مشدوه وسهوان يا شقوة النفس تخلو بعد أن عمرت … من حسرة ولبانات وأضغان وضيعة القلب لا تأوي إليه منى … كالنحل تاخذ من روض وبستان من كل من أبلت الأدهار جدته … فما يحركه إحماض رضوان ينادم الحور لكن غير مغتبط … ويشرب الراح لكن غير ظمآن لود في كل ما تجريه من عسل … ومن خمور ومن در وعقيان هنيهة من شقاء يطمئن بها … إلى مناجاة آلام واشجان إذا تذكر دنياه هفا ولعا … إلى حبيب وصهباء وندمان وراح يبحث في المجهول عن أمل … وعن شفاء وعن أهل وخلان لعل بين زوايا النفس قد تركت … ثمالة من حبابات وتحنان أما الغواني فصخر لا يحركها … نجوى محب ولا تدليل ولهان لا تعرف الحب إلا محض تلبية … لعابرين من الأبرار فتيان ولا تجن إلى روح وعاطفة … فالحب في ملكوت الخلد جثماني خبا لهيب المنى في روحها فغدت … وحسنها في حلاه حسن أوثان حتى الخلود عليها فهي شاكية … إلى الأنوثة ذاك الخائن الجانيي وللخلود على أهل الجحيم يد … تجزي على الدهر إحسانا بإحسان الكافرون لطول العهد قد ألفوا … بقاعها نضج أرواح وأبدان وقد تزف بها - والحفل محتشد … سجينة من ضحاياها للسجان فأصبحت وهي من ماء ومن مدر … شيطانة تتصبى كل شيطان وربما صحبوا فيها زبانية … بعد القلى - إلف أخدان لأخدان - لا يأملون ولا تشكو جسومهم … من اللظى فهي نيران بنيران مليحة الدل من غسان لا بليت … شمائل الصيد من أقيال غسان أتأذنين بإنشاد فما جليت … إلا لحسنك أشعاري وأوزاني

стр. 2944

طوفت في هذه الدنيا على مهل … طواف أشعث ماضي العزم يقظان تظلني مصر أحيانا وآونة … أعاقر الكأس في جنات بغدان وقد صحبت شعوب الأرض من عرب … شم الأنوف إلى روم وكلدان مفتشا عن (عزاء النفس) لالعبى … أدى إليه ولا حلمى وعرفانى مسائلا عنه حتى قد عييت به … ارث الفلاسف من هند ويونان فما رأيت له عينا ولا أثراً … ولا أفاد طوافي غير خذلانى اذا ندبت جهودي وهي ضائعة … أطل من حرم الرؤيا فعزانى ثم انثنيت وركبي جد متئد … من الونى ورفيقي جد حيران والبيد أوسع من صدر الحليم مدى … وللسراب بها آلاف غدران ظمأى حيارى خلف الركب طائفة … حمر اللواحظ من أسد وذئبان فأيقن القوم بالجلى وقد صمتوا … لهيبة الموت وهو المقبل الدانى حتى إذا اليأس لم تترك مرارته … إلا بقية صبر غير خزيان لاحت خيامك بالصحراء مؤنقة … أبهى وأزين من عرش وايوان فكبر الركب مرتاحا إلى أمل … عذب المجاجة حالى الوشى ريان مبادراً للظلال الخضر قد كسبت … نثير ورد ونمام وسوسان فما فتحت جفوني وهي دامية … من الرمال. أعان الله أجفاني حتى لمحتك خلف السجف ضاحكة … إلى جوار وحجاب وغلمان فقرت النفس لا شكوى ولا تعب … ولا لجاجة إيمان ونكران وأبصرت بعد طول البحث غايتها … فأذعنت لهدأها أي إذعان فقبلت شفة حمراء دامية … واهتز من نشوات اللثم نهدان سر السعادة في الدنيا وإن خفيت … تجلوه منك على الأكوان عينان آمنت بالحب ما شاءت عذوبته … آمنت بالحب. فهو الهادم الباني بدوي الجبل السائلة الحسناء

стр. 2945

قربت حسناء مني ودنت … وهي في ثوب من الأسمال بال لمحتني عينها عن كثب … فأتت تطمع مني في النوال سألتني درهما في ذلة … قلت صوني الحسن عن هذا السؤال بسؤال الناس قد أرخصته … إن هذا الحسن - لو تدرين - غال لم أكد أنطق حتى أطرقت … وجرى في خدها الدمع وسال ثم قالت وهي ترنو في أسى … أيها اللائم أشفق في المقال يعلم الله باني صنته … لم أفرط أبدا فيه بحال صنته جهدي وما أرخصته … إنما قد أرخص الفقر الجمال محمد برهام
следующие страницы →