Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
أطلَّ من حرم الرؤيا فعزاني
مهداة إلى روح الدكتور أديب مظهر
للشاعر اللبناني بدوي الجبل
منازل الخلد لا أرباع لبنان … وفتنة السحر لا آيات فنان
جنان لبنان حسبي منك وارفة … فيها النديان من روح وريحان
شب النبيون في أفيائها وحبت … فيها خيالات إنجيل وقرآن
يغفو بها الفجر في أحضان مورقة … مديدة الظل سكرى الآس والبان
سقته من خمرها قبل الكرى عللا … فبعض أحلامه أحلام سكران
ودغدغته فللاغصان هينمة … كأنها بث غيران لغيران
وما تنبه حتى راعه وهج … والشمس حلى ربى خضر وأفنان
صحبت فيك شبابي والهوى ومنى … لعس الشفاء وظلا غير ضحيان
فأسبغى نعمة النسيان تغمرني … عسى يخفف من بلواى نسياني
أمسيت لا الصغر المعسول أسعدني … ولا الجنون جنون الحب واتاني
ألح بي السقم حتى لا يفارقني … وراح ينسج قبل الشيب أكفاني
عفىَّ على نزوات النفس جامحة … إلا اهتزاز خليع الحسن نشوان
وصبوة للعيون النجل هانئة … من الشباب بظل العاطف الحاني
يثير بي كل حسن فتنة وهوى … فما أمر بماء غير صديان
ويا ربى الحسن في لبنان هل عريت … مخضلة الدوح من ظل وأغصان
ومن لباناتى السكرى مصرعة … من الوانى بين أفياء وأفنان
ويا ربى الحسن هل من نفحة جميلة … شذا النهود لصادى القلب حران
وهل صباك نموم العطر ناقلة … بعدي أحاديث أذيال وأردان
ويا ربى الحسن في لبنان هل ثملت … بعدي الرياحين من صهباء نيسان
ويا ربى الحسن في لبنان ما انبسطت … يمنى الهجير على أفياء لبنان
مدى ظلالك يينعم في غلائلها … صرعى الردى من أحبائي وإخواني
النائمين بظل الأرز ينشدهم … رواية الدهر في نعمى سليمان
стр. 2942
أما البلابل فلتؤنس قبورهم … من كل ثاكلة في الدوح مرنان
أعيذ بالحب والذكرى هوى نفر … بيض الوجوه من النعماء غران
قد صور الوحي ألوان النعيم على … مثال ما فيك من حسن وألوان
خيال ولدانه والحور منبعث … عن فيض سحرك في حور وولدان
وزاد فيها خلودا ما عنيت به … أشهى الأماني في حكم النهى الغاني
لا يعذب الوصل إلا أن يخامره … خوف المحبين من نأى وهجران
ولا هناء بنعمى لا تخاف لها … فقدا ولا تبتلى منها بحرمان
لو يعلمون هنات النفس ما خلعوا … قدس الخلود على نعمى وأحزان
فالنفس موحشة من رغبة وهوى … نعمى الجنان وبؤسى النار سيان
وأصبح الكون لغوا لا حياة به … من رغبة في مجاليه وغنيان
ما للخلود وما للحسن يزعمه … هيهات عرى من حسن وإتقان
يضفى الجمال علىالايام مقتدرا … من (التحول) ذو عز وسلطان
عنى له الكون مأخوذا بفتنته … من أنجم ومكانات وأزمان
وعاطفات وأرواح وأخيلة … تغزو الوجود وآراء وأديان
وربما فقهت من أمره عجبا … قبل الهداة عصا موسى بن عمران
كفرت بالروح بعد الريب آونة … وكان زلفى إلى نجواه كفرانى
ورحت أعبده بالحان مجتليا … آيات قدرته في خمرة الحان
وقرب القوم ما شاءوا لمذبحه … فما تقبل منهم غير قربانى
أعلنت حين أسروا أمرهم فرقا … يا بعد ما بين إسرار وإعلان
إن الخلود وما تروى مزاعمهم … عن السعادة في الفخري نقيضان
ان الفراديس في سر الخلود غدت … وكل أو إليها رازح وان
مل المقيمون فيها من هناءتهم … كما يمل السقام المدنف العانى
تمضي العصور عليهم وهي واحدة … أليوم كالأمس فيها ضاحك هاني
تزجى السآمة تفكيراً وعاطفة … إلى عقول وأهواء ووجدان
لا يرقبون جديدا في خلودهم … لرث من قدم العهد الجديدان
стр. 2943
ولا يحبون لكن تلك طائفة … من ماجنات خليعات ومجان
ولا يناجون في أحلامهم أملا … محببا بين إنكار وايقان
ولا يحسون لا حزنا ولا جذلا … فالقوم ما بين مشدوه وسهوان
يا شقوة النفس تخلو بعد أن عمرت … من حسرة ولبانات وأضغان
وضيعة القلب لا تأوي إليه منى … كالنحل تاخذ من روض وبستان
من كل من أبلت الأدهار جدته … فما يحركه إحماض رضوان
ينادم الحور لكن غير مغتبط … ويشرب الراح لكن غير ظمآن
لود في كل ما تجريه من عسل … ومن خمور ومن در وعقيان
هنيهة من شقاء يطمئن بها … إلى مناجاة آلام واشجان
إذا تذكر دنياه هفا ولعا … إلى حبيب وصهباء وندمان
وراح يبحث في المجهول عن أمل … وعن شفاء وعن أهل وخلان
لعل بين زوايا النفس قد تركت … ثمالة من حبابات وتحنان
أما الغواني فصخر لا يحركها … نجوى محب ولا تدليل ولهان
لا تعرف الحب إلا محض تلبية … لعابرين من الأبرار فتيان
ولا تجن إلى روح وعاطفة … فالحب في ملكوت الخلد جثماني
خبا لهيب المنى في روحها فغدت … وحسنها في حلاه حسن أوثان
حتى الخلود عليها فهي شاكية … إلى الأنوثة ذاك الخائن الجانيي
وللخلود على أهل الجحيم يد … تجزي على الدهر إحسانا بإحسان
الكافرون لطول العهد قد ألفوا … بقاعها نضج أرواح وأبدان
وقد تزف بها - والحفل محتشد … سجينة من ضحاياها للسجان
فأصبحت وهي من ماء ومن مدر … شيطانة تتصبى كل شيطان
وربما صحبوا فيها زبانية … بعد القلى - إلف أخدان لأخدان -
لا يأملون ولا تشكو جسومهم … من اللظى فهي نيران بنيران
مليحة الدل من غسان لا بليت … شمائل الصيد من أقيال غسان
أتأذنين بإنشاد فما جليت … إلا لحسنك أشعاري وأوزاني
стр. 2944
طوفت في هذه الدنيا على مهل … طواف أشعث ماضي العزم يقظان
تظلني مصر أحيانا وآونة … أعاقر الكأس في جنات بغدان
وقد صحبت شعوب الأرض من عرب … شم الأنوف إلى روم وكلدان
مفتشا عن (عزاء النفس) لالعبى … أدى إليه ولا حلمى وعرفانى
مسائلا عنه حتى قد عييت به … ارث الفلاسف من هند ويونان
فما رأيت له عينا ولا أثراً … ولا أفاد طوافي غير خذلانى
اذا ندبت جهودي وهي ضائعة … أطل من حرم الرؤيا فعزانى
ثم انثنيت وركبي جد متئد … من الونى ورفيقي جد حيران
والبيد أوسع من صدر الحليم مدى … وللسراب بها آلاف غدران
ظمأى حيارى خلف الركب طائفة … حمر اللواحظ من أسد وذئبان
فأيقن القوم بالجلى وقد صمتوا … لهيبة الموت وهو المقبل الدانى
حتى إذا اليأس لم تترك مرارته … إلا بقية صبر غير خزيان
لاحت خيامك بالصحراء مؤنقة … أبهى وأزين من عرش وايوان
فكبر الركب مرتاحا إلى أمل … عذب المجاجة حالى الوشى ريان
مبادراً للظلال الخضر قد كسبت … نثير ورد ونمام وسوسان
فما فتحت جفوني وهي دامية … من الرمال. أعان الله أجفاني
حتى لمحتك خلف السجف ضاحكة … إلى جوار وحجاب وغلمان
فقرت النفس لا شكوى ولا تعب … ولا لجاجة إيمان ونكران
وأبصرت بعد طول البحث غايتها … فأذعنت لهدأها أي إذعان
فقبلت شفة حمراء دامية … واهتز من نشوات اللثم نهدان
سر السعادة في الدنيا وإن خفيت … تجلوه منك على الأكوان عينان
آمنت بالحب ما شاءت عذوبته … آمنت بالحب. فهو الهادم الباني
بدوي الجبل
السائلة الحسناء
стр. 2945
قربت حسناء مني ودنت … وهي في ثوب من الأسمال بال
لمحتني عينها عن كثب … فأتت تطمع مني في النوال
سألتني درهما في ذلة … قلت صوني الحسن عن هذا السؤال
بسؤال الناس قد أرخصته … إن هذا الحسن - لو تدرين - غال
لم أكد أنطق حتى أطرقت … وجرى في خدها الدمع وسال
ثم قالت وهي ترنو في أسى … أيها اللائم أشفق في المقال
يعلم الله باني صنته … لم أفرط أبدا فيه بحال
صنته جهدي وما أرخصته … إنما قد أرخص الفقر الجمال
محمد برهام
стр. 2946
الحمد لله!
للسيدة منيرة توفيق
فتيات مصرَ تحيَّةً … أنتنَّ ربَّات العزائم
إني أديِنُ بعَطْفِكُ … نَّ، وشُكْرُكُنَّ عليَّ لازم
شكرِي إلى (خيريَّةٍ) … و (لِنَاهِدٍ) ذاتِ المكارِمْ
قد شَدَّتَا أزْرِي، فيا … لِيرَاعَتَيْنِ من الصَّوارم!
واهْتَاجَتَا فسمعتُ زَأ … رَ الأُسْدِ في سَجْع الحمائم
سِربُ الظِّبى شَهَرَ الُّظبي … في وجه جنديِّ الملاحم
وهناك حين رأى الوغَى … ألقَى السِّلاحَ ولم يقاوِمْ
فأتى إليَّ يمدُّ كَفْ … فَ مُصَافِحٍ سَمْحٍ مُسالِمْ
ومضَى يجدِّدُ عهدَنا ال … ماضى، وصَفْوُ العيش قائمْ
والحرُّ يَرجِع حين يَعْ … لمُ أنه في الحقِّ آثمْ
يا سيداتي الفضْلَيَا … تِ لَكُنَّ حقُّ الشكرِ دائمْ
قد عاد لي زوجي الكري … مُ، وجاَء يقرَعُ سِنَّ نادم
من بعد ما قَدَّرْتُ أنْ … نَ رُجُوعَهُ أضغاثُ حالم
هي عَضْبةٌ سِحْرِيَّةٌ … أدَّت إلى حُسنِ الخواتم
فعلَتْ به ما ليس تف … علهُ العزائم والتَّمائم
فليطمئنَّ اليومَ في … دار الخلود (أمينُ قاسم)
وليَهْنأ النيلُ العظي … مُ بما لديه من كرائم
أنتنَّ ذخْرُ النيلِ في … يوم العزائم للعظائم
والله يشكرُ سعْيَكنْ … نَ لِرَدِّ أنواع المظالم
اللقاء الصامت
أيقنت انك مثلي جد مولعة … يوم اللقاء فزال الخطب أو هانا
قد كنت أخشى بعادي يوم فرقتنا … لكن حمدت بعادي يوم لقيانا
شربت فيه كؤوس الهم مترعة … وذقت فيه من التسهيد ألوانا
стр. 2947
حتى إذا كان يوم العيد عاودني … بشرى كان لم يكن في البعد ما كانا
ونحن إن لم يخل العرف أعيننا … فحسبنا العين في تخفيف بلوانا
محمد مصطفى الطحلاوي
стр. 2948
في الأدب الفارسي
منطق الطير
القصة الصوفية الخالدة
للدكتور عبد الوهاب عزام
فريد الدين العطار، شاعر صوفي عظيم من شعراء القرن السادس الهجري، وهو أحد الثلاثة الذين انتهت إليهم الإمامة (بين شعراء الفرس المتصوفين) والآخران مجد الدين سنائى الغزنوي، ومولانا جلال الدين الرومي
وللعطار من المنظومات الصوفية زهاء أربعين، بعضها يحتوي على عشرة آلاف بيت. وهو أحد المؤلفين الذي حالت كثرة مؤلفاتهم دون معرفة آرائهم معرفة بينة.
وأعظم منظوماته وأسيرها وأدخلها في الشعر، منظومة سماها (منطق الطير) وتعرف أحيانا باسم (هفت وادي) أي سبعة الأودية. وهي زهاء ٤٦٠٠ بيت، قص فيها اجتماع الطير وتساؤلها عن ملكها وتعريف الهدهد اياها بهذا الملك ومكانه ووصفه الطريق إليهن ثم توليه قيادة الطير التي رضيت بالسفر الشاق إلى ديار العنقاء واجتيازه بها سبعة أودية، وما أصاب سفر الطير حين بلغ غايته: ويتخلل هذا قصص عديدة يفصل بها السياق، ويبين بها بعض مقاصده.
وأنا أجمل لقراء الرسالة هذه القصة على طولها في صفحات قليلة، وعسى أن أستطيع من بعد نقلها كلها إلى اللغة العربية:
يبدأ العطار كتابه بحمد الله وتمجيده والثناء عليه، بكلمات هي غاية ما بلغته فلسفة الصوفية، ثم يثني بفصل عنوانه (نعت سيد المرسلين وخاتم النبيين ويطيل فيه ما شاءت بلاغته وأيمانه، ثم يثلث بمدح الخلفاء الراشدين على نسقهم في الخلافة، وينعى على أهل العصبية الذين يفرقون بين صحابة الرسول ﷺ ، ويذكر ست قصص لتأييد رأيه
ثم يشرع في مقصوده بعد هذه المقدمة التي تستغرق ستمائة بيت ويعالج الموضوع في خمس وأربعين مقالا وخاتمة.
стр. 2949
يبدأ بوصف اجتماع الطير، ويذكر فيما يذكر منها الهدهد والببغاء، والدراج والبلبل والطاوس، والفاختة والقمري والبازي. ويصف شكل كل طائر وطباعه.
اجتمعت الطير فتشاكت ما هي فيه من الفرقة والفوضى، وفقد رئيس يجمع كلمتها ويهديها السبيل، على حين لا تخلو أمة من ملك فانبرى الهدهد يخطب فيذكر خبرته واعتزاله الناس، وجده في طلب الحق، وصحبته سليمان بن داود، وأنه طوف الأرض سهلها وحزنها، وخبر قاصيها ودانيها. ثم قال: عرفت أن لنا ملكا، ولكن عجزت عن المسير إليه وحدي، فان تعاونا استطعنا أن نبلغ مكانه. إن لنا ملكا اسمه سيمرغ وراء جبل اسمه جبل قاف، هو منا قريب ونحن بعيدون. هو في حرم جلاله لا يحيط البيان بوصفه، ودونه آلاف من الحجب - واستمر الهدهد يفيض في وصف السيمرغ، حتى راع السامعين بيانه. قال: وأول عهد الناس به أنه كان طائراً في ظلمات الليل فوق بلاد الصين فسقطت من جناحه ريشة، فقامت قيامة الامم، وأعجب الناس بما فيها من الألوان العجيبة والنقش، وتعلم كل منها فناً. ولا تزال هذه الريشة في الصين، ومن أجل هذا جاء في الأثر: (أطلبوا العلم ولو في الصين) ولو لم يظهر في هذا العالم نقش هذه الريشة ما كان في العالم أحد منكن أيتها الطير.
فلما سمعت الطير بيان الهدهد، هاجها الشوق إلى السيمرغ وأزمعت الرحلة إليه، ثم ذكرت ما في الطريق من أهوال فبدا لبعضهن أن يؤثر العافية، فادعى كل لنفسه عذرا:
قال البلبل: أنا أمام العاشقين؛ ملأت القلوب وجدا بأغاريدي، فكيف أستطيع مفارقة حبيبي الورد.
وقالت الببغاء: إن جمال هذا الريش أغرى بي الناس، فحبسوني في الاقفاص، فقاسيت الغم الطويل والألم الممض، حسبي ما قاسيت على أنى لا أستطيع أن أطير تحت جناح السيمرغ.
وقال الطاوس: كنت مع آدم في الجنة فطردت منها، وكل همي أن أعود إليها ولست بعد قادرا على مصاحبة السيمرغ
ويذكر البط طهارته وعيشه في الماء وزهده، ويعتذر بأنه لا يستطيع مفارقة الماء والعيش على اليبس. ويعتذر الحجل بأنه ألف الجبال فلا يستطيع أن يبرحها. وتعتذر الصعوة
стр. 2950
بضعفها، والبازي بأنه لا يود أن يترك مكانه من أيدي الملوك. وهلم جرا
يجادل الهدهد هذه الطيور ويرد عليها أعذارها، ويرشدها إلى الخير، ولا يألو في النصح لها. فتطيف الطيور بالهدهد تسأله: كيف يقطع هذا الطريق البعيد، وماذا يصلنا بهذا الملك العظيم، في أسئلة كثيرة، فيوبخهن على التواني في الطلب، والركون إلى الدعة، والوجل من لقاء الشدائد. ثم يقول مبينا نسبة الطير إلى السيموغ انه تجلى كالشمس من وراء الحجب، آلاف الظلال على الأرض وما الطير إلا هذه الظلال. ثم يقول: ان العشق إذا صدق استهان العاشق كل شيء في سبيله، واقتحم كل عقبة إلى حبيبه.
(وهنا يستطرد الشاعر إلى قصة الشيخ صنعان الذي أخرجه العشق عن طوره. وهي قصة عجيبة تستغرق أكثر من ٢٠٠ بيت ولا يتسع لها المجال هنا، ولا يحسن إجمالها)
هاجت الطير شوقا، وأجمعت على أنه لابد لها من أمير تطيعه على اليسر والعسر، واتفقت على أن يقرع بينها، فأصابت القرعة أجدرها بالإمارة وهو الهدهد.
فوضع التاج على رأسه وتقدم، واجتمعت إليه أسراب الطيور فأشرف بها على طريق موحشة مقفرة، فسأله سائل ما لهذى الطريق مقفرة؟ قال إن الناس تجنبوها إشفاقا وخوفا. وحكى أن أبا يزيد البسطامي خرج إلى البرية في ليلة مقمرة والناس نيام، فراقه جمال الليل وتهويده. وعجب كيف خلا هذا المقام من المشتاقين، فسمع مناديا يناديه، ان الملك لا يأذن لكل إنسان أن يسلك طريقه، وأن عزتنا أبعدت السائلين عن بابنا.
ثم تقدمت الطير (فرأت طريقا ولا غاية، والما ولا دواء، هنالك تهب ريح الاستغناء، فينحنى لها ظهر السماء، هنالك صحراء لا يعبأ فيها بطاووس الفلك، فكيف بطير هذا الدنيا)
فلما هال الطير ما رأت، حفت من حول الهدهد فقالت؛ إنك طوفت في الآفاق وعرفت كل شيء، فارق المنبر لنسألك عما حاك في صدورنا، فلابد أن نطهر قلوبنا من الريبة. صعد الهدهد وشدا بعض الطير بالحان هاجت الطير وأذهلتها. ثم تواترت الأسئلة فكان أول سؤال أن قال طائر: أخبرني أيها الإمام كيف فضلتنا جميعا. وكيف كان هذا التفاوت بيننا وبينك؟ قال الهدهد: منحتني هذه الدولة نظرة من المليك. إنها دولة لا تنال بالطاعة، فكم أطاع إبليس. لا أقول إن الطاعة لا تجب، فعليك الطاعة. لا تفتر عنها ساعة ولكن لا
стр. 2951
تقدمها ثمنا. امض عمرك في الطاعات حتى تصيبك من سليمان نظرة. ثم سئل الهدهد عشرين سؤالا أجاب عنها مفصلا مسها ضاربا الأمثال. وكان السؤال التاسع عشر: ما الهدية اللائقة بتلك الحضرة التي نؤمها: وكان جواب الهدهد: لا تحمل شيئا فهنالك كل شيء، وليس خيرا لك من الطاعة والعشق.
والسؤال العشرون يفتح القسم الثاني من الكتاب، وهو الذي يصف الأودية السبعة التي تعترض السائرين إلى حضرة السيمرغ: سأل سائل، كم فرسخا مسافة هذه الطريق. قال الهدهد: أمامنا سبعة أودية لا تعرف مسافاتها، لأن أحداً لم يرجع منها فيخبر عنها. أمامنا أودية الطلب، والعشق، والمعرفة، والاستغناء، والتوحيد، والحيرة، والفقر والغناء.
البقية في العدد الآتي
عبد الوهاب عزام
стр. 2952
العُلوم
في البحوث الروحية
للأستاذ عبد الغني علي حسين
خريج جامعة برمتجهام
- ٣ -
أمامي الآن ذلك الكتاب الصغير (كيف ثبت لي خلود النفس البشرية) لذلك العالم الكبير (سر ألفرلدج). كتاب خليق بأن يفتح لرجال العلم ميدان بحث جديد لا يمكن التكهن بمدى اتساعه، فهو يلفت النظر بشدة إلى حقيقة كبرى، تتراءى من وراء ظواهر غامضة، لم يلتفت إليها العلم حتى الآن لما يحف بها من دجل يبدو معه البحث فيها عاراً ومنقصة.
لقد كمن الرجل في ظل العلم بشتى الصور في كل العصور. وقديماً بينما كان آباء الكيمياء الحديثة - جابر بن حيان الصوفي، وأبو بكر الرازي ومن أخذ عنهما من الفرنج - يستنبطون المركبات الجديدة، ويستقطرون الزيوت والحوامض، كان أخوهم الدجال، يزور عباد المال موهماً إياهم باسم الكيميا إن في مقدوره قلب رصاصهم ذهبا، ثم يذهب عنهم وقد استلب ما كان لديهم من ذهب وترك رصاصهم كما هو، فينتبهون بعد فوات الوقت إلى أن الذي يعرف سر صنع الذهب من الرصاص لا يكون بحاجة لعرض خدماته على الناس.
ولكن إذا اجتمع العلم والدجل في ميدان، فهل للعلم أن يهرب؟ كلا. بل عليه أن يغزو.
سلخ لدج في بحوثه تلك زهاء الأربعين عاما، وكون فيها رأياً نهائياً لم يتحول عنه قيد أنملةَ منذ كونه، ولم يفرط في إذاعته وبسطه بمختلف التواليف في صراحة تامة، ومع شيء من التضحية أيضا، فقد تعرض اسمه الضخم للتجريح، وعقله الكبير للاتهام.
قلب معي صفحات تاريخ العلم الحديث. هل ترى نظرية ضخمة جاءت وليدة ساعة أو يوم؟ من المعلوم المشهور أن دارون قضى عشرين عاما تختمر نظريته في ذهنه، وهو يقدم على البوح بها ثم يحجم، ولما أذاعها أخيراً قوبلت بوجوه مستطيلة، وأفواه فاغرة، ولم تتخذ سبيلها إلى عقول الناس بعد إذاعتها إلا ببطء شديد، ولا يزال لها إلى اليوم أعداء
стр. 2953
متحمسون.
أغلب الظن أننا اليوم أمام نظرية علمية جديدة من هذا الوزن الثقيل، سيتفسر بها الكثير مما يحير اللب اليوم، وحيره في كل العصور، بل ربما أفضت إلى تفسير كل شيء على أساس جديد. نظرية روحية سيقال إن بطلها ألفر لدج. والحقيقة أن النظرية الضخمة لا يتفرد بتشييدها عادة عقل واحد مهما تجبر، وهذه النظرية قد ساهم فيها آخرون لن تكون جهودهم منسية، نخص بالذكر منهم (كروكس) و (ولاس) من علماء الجيل السابق، والعالم الفرنسي المعاصر (شارل ريشيه).
ولكن إذا كانت هناك حقيقة ظواهر من هذا النوع، ينتفي عنها الدجل، وتشعر بأقل أمل في الوصول إلى كشف خطير كالذي يجاهر به لدج، فلماذا نرى جمهور رجال العلم يغمضون عنها عيونهم، ويضعون أصابعهم في آذانهم كلما صاح فيهم لدج وأهاب بهم؟ هل يعقل أن يوجد ميدان بحث كهذا، جليل النفع، خطير الغاية ثم لا يلجه من العلماء إلا الشاذ النادر، وترفض الاعتراف به المجامع العلمية، وتظل قاعات البحث في الجامعات خالية من كل أثر له؟ لقد عهدنا رجال العلم ككلاب الصيد، تشتم ريح الفريسة من بعيد، فلماذا نرى منهم البرود والجمود في هذا الموضوع؟
هي حال غريبة حقا. ولكن يظهر أن صيحات لدج قد بدأ صداها يدوي في الآفاق العلمية. فقد جاء في عدد ٢٣ ديسمبر سنة ١٩٣٣ من مجلة نايتشر الإنجليزية (مجلة علمية يعرفها كل مشتغل بالعلوم تمثل الرأي العام العلمي أصدق تمثيل) مقال من قلم التحرير الذي يرأسه (سر رتشارد غريغوري) بعنوان (العلم والبحوث الروحية) نقتطف منه ما يلي: -
(إن الظواهر غير العادية، التي تشاهد في حالة النوم المغنطيسي وفي حالات الذهول والكتابة الأوتوماتيكية ونحوها، قد أصبحت الآن جديرة بالتفات الباحثين من حملة الدرجات الجامعية. . . . إن الحاجة إلى البحث الصريح الجريء في تلك الظواهر لتزداد يوما عن يوم. . . . من الواضح الجلي أن تبعة عدم الوصول إلى تعليل لتلك الظواهر تقع على عاتق الهيئات العلمية الرسمية. . . . تلك الظواهر الغامضة الخارقة للعادة قد أصبحت من مواد البحث الجدي في كثير من المراكز العلمية بأوربا وأمريكا، وقد حان الوقت على ما نظن لأن تعد العدة لمثل هذا البحث في بريطانيا. . . . لا يتسربن إلى الذهن أن أي جامعة
стр. 2954
تعترف بهذا الموضوع الواسع الغامض، ستجد في الخطوة التي خطتها مساسا بكرامتها، بل العكس، ستكون إرادتها الحرة في خدمة العلم وتقدمه سبباً في ازدياد قدرها كمركز للتقدم المستنير.)
نغمة جديدة، واتجاه فيه الخير حتما، سواء أأفضى إلى النتيجة المتوقعة أم إلى غيرها، لأن نتائج البحث العلمي الصحيح لها دائما قيمتها. والآن نورد مثالا من المشهدات التي تعرض كثيرا للعلماء القليلين المشتغلين اليوم بهذه البحوث.
في سنة ١٩٠٣ تلقى السر ألفر لدج من صديقه الأستاذ شارل ريشيه رسالة فحواها أنه في الليلة التي قتلت فيها ملكة الصرب وأخواها في بلغراد كان الأستاذ ريشيه مجتمعا بوسيط وبعض الأصدقاء في جلسة روحية بباريس، وكانت حروف الهجاء تملى عليهم بطرقات على المائدة. فبعد ورود عدد من الرسائل العادية بدا من القوة المتسلطة على المائدة اهتمام وإلحاح، وأمليت الحروف الآتية بطرقات أعلى من المعتاد عندئذ توقع ريشيه أن تكون الرسالة باللاتينية، واستمر الإملاء وجاءت الحروف الآتية ولم يجد ريشيه في الرسالة أي معنى، ولكنه استمر في التدوين آليا، وكانت الحروف الباقية ولم يكن يفهم من هذه الرسالة سوى أنها تشير إلى عائلة ما. ثم لاحظ ريشيه بعد ذلك أنه يمكن تقطيعها إلى كلمات هكذا (بانكا الموت كامن للعائلة.)
هذه الرسالة وردت في يوم الأربعاء ١٠ يونية سنة ١٩٠٣ الساعة ١٠ والدقيقة ٣٠ مساء. وبعد يومين كانت الصحف الفرنسية غاصة بخبر مقتل الملك إسكندر وزوجته الملكة (دراجا) وأخويها في بلغراد. ومن بين ما ذكرته الصحف ان والد الملكة توفى من عهد غير بعيد وكان اسمه (بانسا) وقد دهش الأستاذ ريشيه عندما رأى هذا الاسم في الصحف. ولاحظ اتفاقه مع الكلمة الأولى غير المفهمومة في الرسالة والخطأ الوحيد هو إملاء بدلا من
وبالبحث علم ريشيه ان القتل حدث بعد منتصف الليل بقليل، فهو في وقت ورود الرسالة لم يكن قد وقع بعد. ثم علم ريشيه ان الساعة ١٠ والدقيقة ٣٠ في باريس توافق منتصف الليل في بلغراد. وهو الوقت الذي غادر فيه القتلة فندق (لا كورون دي سريا) لارتكاب الجريمة المروعة. إذن فكلمة تناسب الظروف تماما، إذ تشعر بقط يتحفز للوثوب على
стр. 2955
فأر. ولم تكن لتناسب الظرف لو أن الرسالة وردت بعد حدوث القتل، أو وردت قبله بزمن طويل
وفي يوم الخميس ١١ يونية الساعة ٢ مساء ورد الخبر إلى باريس ولم يطللع ريشيه على تفاصيله إلا يوم الجمعة.
تلك هي الرسالة وظروفها. والطريقة التي أخذت بها تعد أبسط تجربة روحية. وهي أن تجلس عدد من الأصدقاء أو الأقارب حول منضدة: ويكون بينهم وسيط، ثم يضعوا أيديهم على المنضدة بخفة، فتسمع على المنضدة طرقات لا شأن لأي واحد من الحاضرين بأحداثها. عندئذ تتلى الحروف الأبجدية فتسمع طرقة عند النطق بكل حرف ما عدا الحرف المراد إملاؤه، فيدون، وبعد الانتهاء تقسم الحروف إلى كلمات.
كيف نعلل حدوث هذا الطرق على المائدة؟ أقرب تعليل له هو أن الوسيط يحدثه بطريقة شعوذية لا يتبينها الحاضرون. ولكن لو سلمنا بأن الوسيط هو الذي يحدثه عمد، كيف نعلل ورود رسالة كهذه التي ذكرناها؟ كيف علم الوسيط بوجود المؤامرة لاغتيال الأسرة المقتولة وحلول وقت التنفيذ؟ إن سر هذه المؤامرة كان بطبيعة الحال مصونا أشد صيانة، ولولا ذلك لحبطت، فبعيد أن يكون الوسيط على علم بها وهو في باريس.
يعلل لدج هذه الظاهرة بأن واحداً ممن ماتوا وكانوا يشاركونه هو وريشية بحوثهما قد انتهز هذه الفرصة ليضع أمام ريشيه دليلا على الاتصال الروحي.
أما ريشيه فمع اعتقاده بانتفاء الشعوذة من هذه المشاهدة ومثلها بالنسبة لما يتخذه من التحوطات، لا يذهب في تفسيرها فذهب لدج بل يعزوها إلى انتقال الفكرة من عقول القتلة في هذه الحالة إلى عقل الوسيط بطريق التلباثي، ثم طرق المائدة بقوة مستمدة من العقل الباطن للوسيط.
ريشيه يرى وجوب البحث الجدي في تلك الظواهر، وجمع المشاهدات ووصفها بدقة علمية، ولكنه لا يرى التعجيل بنسبتها إلى مصدر روحي ولدج يرى أن مشاهداته الخاصة قد تركته على تمام اليقين من وجود المصدر الروحي. أما الذي لا خلاف بينهما عليه، فهو أن هناك ظواهر نفسية وآلية شاذة غريبة تتطلب جيوشا من الباحثين.
عبد المغني علي حسين خريج جامعة برمنجهام
стр. 2956
بين الضحك والبكاء
للدكتور احمد زكي
يسر الإنسان لأمر، لمنظر واقع حاضر يُمتْعُه، أو لذكرى طيبة ماضية يسترجعها، أو لفكرة يؤلفّها خياله لا تتصل إلى الكائن الراهن بسبب، فلا يلبث أن ينتقل هذا السرور الذي بروحه إلى جسده، والوجه أكثر أجزاء الجسد تخصصّاً في إظهار الآثار الروحية، والكشف عن انفعالات النفس الخبيثة، وهو يفعل ذلك بقبض العضل وبسطه، وتقصيره وتمديده، وبالتأليف في كل هذا بين مجموعات منه متخالفة. فقد تنبسط الأسارير، وقد تفتر الشفاه، وقد تنفتح انفتاحاً ويصحبها انطلاق الهواء من الرئة واندفاعه إليها بسرعة تزيد على سرعة الزفير والشهيق كثيراً فتحدث القهقهة. وقد ينقلب سرور النفس إلى ثورة تعم الجسد كله.
وقد حاول كتاب تفسير الضحك. قال أحدهم إنك تنظر لرجل تزل قدمه في الطريق فينقسم إلى أجزاء ثلاثة أو أربعة فتضحك لأنك تقرن نفسك به دون قصد، فتحس بالتفوق والعلو، فيسرك (المجد الذاتي الباغت). وردّ (شوبنهور) أسباب الضحك إلى تناقض بين أجزاء الصورة أو تعارض غير مألوف بين معاني الفكرة الواحدة، على أن يكون إدراك ذلك سريعا. وقال (برجسن): إن سبب الضحك أن تتعطل في المضحوك منه الإرادة اليقظة الموجهِّة القاصدة، فيأتيأفعالا لا هيمنة للعقل عليها، ومثل ذلك الزَّلَق وما يحدث من الغافل الذاهل، ومن السكران الذي فقد السيطرة على أعضائه. كل هذه لا شك أسباب تكون للضحك، ولكن لا شك أيضاً أن هناك أسباباً عديدة أخرى ليس من السهل الميسور تحديدها أو تعريفها.
وبقدر ما تتعد أسباب الضحك تتعدد أنواعه، فالضحكة قد تضيق وقد تستعرض، وقد تسرف في الضيق كما تسرف في الاتساع، وقد تتخذ أوضاعا عدَّة بين هذا وذاك، وهي في جميعها ضحكة بسيطة خالصة نشأت عن سرور بسيط خالص. ولكن قد تكون الضحكة عن ألم شديد وحزن عميق يحدث في النفس توتّرا لابد من إرخائه، وتأزّما لابد من تفريجه، وتركزاً في طاقة البدن لابد من تخفيفه، وضغطاً حاراً تحسه في القلب أو بين الأضلاع لابد من انطلاقه، فان كان معتدل الكم انطلق من مخارجه المعتادة، ومن الشؤون في
стр. 2957
العيون، وان ضاقت عنه تلك المخارج أو عزَّت طلب سبلا غير معتادة فكان حزناً ضاحكاً، فالضحكات كالدمعات إن اختلفت أصولها فقد اتحدت مراميها
وكما يضحك الباكي فكذلك يبكي الضاحك، فالضحك والبكاء صنوان. كلاهما فيض الكأس عند الامتلاء، كلاهما فضل الطاقة الفسلجية الخبيثة كالتي يفيض بها جسم المحموم عندما تنكسر حمّاه عن قطرات تبكيها مسامّ الجسد العديدة. فان أنت سررت وضاق صدرك بالسرور فلا تكتمه بل أضحك وازأط، وان أمكنك فابك، يسترح جسمك وينتعش ويستفق. وان أنت اهتممت أو حزنت أو داخلك الوجد المضني فابك وأفض وافتح شئونك وُسْعَها، وان أمكنك فاضحك وازأط كذلك، وأنا ضمين لك بالعزاء وبالشفاء
والضحكة قد تمتزج بها عواطف أخرى لا تمت بسبب إلى السرور أو إلى الحزن، فقد تكون ضحكة هازئة، أو ضحكة مرة حاقدة، أو ضحكة غَزِلة
والإنسان في عالم الحيوان أكبر ضحاك، وربما كان هو الضاحك الوحيد، ويقول بعض العلماء الخبثاء إنه أكبر مضحوك منه كذلك ومن الضحك ضحك مَكنْىَ آليّ تثيره الدغدغة وان شئت (فالزغزغة) ولا أظنها كلمة تضيق بها صدور العرب وان ضاقت عنها المعاجم. وهذا الضحك الآليّ لا يعوزه السرور الذي يصطحب الضحك التلقائي ولذا يعود الطفل إلى طلب الدغدغة وقد كان أباها. وذلك لما وجد فيها من الغبطة.
وكذلك الحيوان يتدغدغ فيحس في الدغدغة سرورا وغبطة. ولكنه لا يضحك ولا تجري دموعه منها. فمن الثعابين أنواع إذا مسحتَ أظهرها بأناملك في لطف ورفق سرها ذلك فاستكانت، وان سكتَّ عادت في خشوع تطلب المزيد.
وفي جزيرة سيلان يمسكون التماسيح بالحيلة، وحيلتهم في ذلك الدغدغة. يلوّحون للتمساح بالطعم في الماء، حتى إذا استدرجوه إلى المياه الضحلة، أتاه المروّض فتمتم بعض التعاويذ، حتى إذا اقترب منه دق رأسه بعصا دقا خفيفا متتابعا، حتى إذا تلهَّى تجرأ الصيّاد فركب كتفيه وأخذ يمسح بالأصابع جلده الأسفل اللين، بينما اليد الأخرى تشده بالحبال وفي الملايا يستخدمون نفس الحيلة في أسر نوع من السمك ويسمونه (السمك الأحمق) وهو سمك كبير يعيش على بعد من سطح البحر يتراوح بين العشرة الأقدام والعشرين، وهو يرقد ساكنا فإذا تحقق السّماك من وجوده غاص من قاربه إليه في سكون، وأسرع فوضع
стр. 2958
يده تحته وأخذ يدغدغه دون زعانفه، فلا يلبث أن يدخل السمك في شبه سكرة من السرور العميق فينقاد طوعا إلى سطح الماء حيث القارب وهو يحتضن الكف التي تدغدغه. ثم يسير به القارب برجاله إلى المياه الضحلة من الشاطئ. فإذا حانت الساعة انهالوا عليه بكل سكين جارح، ومقصل حاد فقتلوه. وكم قتلةجاءت من بعد سرور، وكم لذة خلفت حسرات.
احمد زكي
стр. 2959
القصص
قصة مصرية
الخبز الرخيص
. . . وفتح الفتى عينيه - وكان يغمضهما كأنه يحلم - وألقى نظرة أخرى على ورقة من ورق الرسائل الأزرق منشورة أمامه.
ولم يكن يدري كم من الوقت مر عليه وهو - على حالته هذه - أمام مكتبه، والقلم في يده، وعيناه مغمضتان، ورأسه يحس انه يوازن كرة الأرض ويدور دورانها.
واعتمد بجبينه على راحة يده اليسرى، وأرسلها نظرة تائهة إلى الفضاء الذي يمتد أمام نافذته، وأخذ يستعيد ذكريات ساعات قريبة:
تذكر انه كان جالسا يقطع ساعة من ساعات الفراغ والوحدة المملة بالقراءة والتفكير، فسمع الجرس يدق خمس دقات - تتصل ثلاثتها الأولى وتقفوها دقتان منفصلتان - فأسرع إلى الباب يفتحه، وقد افترت شفتاه عن ابتسامة للوجه الذي سيطالعه، إذ كانت هذه الدقات سراً بينه وبين فتاته اصطلحا عليها، رفقا بأعصابه التي لم تكن تتحمل، حين يكون في انتظارها، أن يدق الجرس ثم لا تكون هي الطارقة.
دق الجرس دقاته الخمس، ولكنه حين فتح الباب تقدمت إليه فتاة أخرى - لا عهد له بها - تبتسم ابتسامة ناقصة، فحار في تعليل هذا ولم يكد يبدأ التفكير حتى تقدمت إليه صاحبته - وكانت تختفي وراء مصراع الباب المقف - وهي تقول ضاحكة: (أقدم لم صديقتي فتحية) فمد لها يده يحييها، ونظر لفتاته عاتبا وهو يقول: (يا شقية! متى تدعين هذا العبث؟)
وجلسوا ثلاثتهم وجعل الفتى يضحك ويتحدث كما هي عادته مع صديقته وصاحبتها، إلا انه كان يخيم على مجلسهم شيء من الفتور لم يكن يدري له سببا. وكان يبدو على وجه الفتاتين كثير من التردد والانتظار، ففترت رغبته في الحديث وودلو يعلم ماذا تكون النهاية
وكانت كلمات تحار على شفتي فتاته أمضها كتمانها، فقامت وخطت خطوتين إلى النافذة، وأطلت منها وعادت إلى حيث كان جالسا وعلى محياها دلائل العزم والتصميم وقالت:
- حقي! (وهذا اسم الفتى) هات ورقة وقلما!
- ماذا تصنعين بهما
стр. 2960
- لا تسألني!
وألقت نظرة إلى صديقتها وقدم لها هو ورقة من ورق الرسائل الأزرق وقلما فقالت:
- اجلس هنا.
وأشارت إلى المكتب فجلس وهو لا يدري ماذا يراد به. فقالت:
- أكتب ما أملي عليك (وأخذت تملي)
٢. ٥ متر كريب ستان أسود، ٥ أمتار كريب جورجيت أسود. حذاء أسود رقم ٣٧ (أنيسيال) حرف (ل) وقالت كأنما تحدث نفسها:
- يكفي حرف واحد باسمي أنا (وكان اسمها ليلى!)
والتفتت إلى صديقتها قائلة: ماذا غير هذا؟
وقبل أن تجيبها قالت وكأنما تحدث نفسها مرة أخرى. . . كفى!
فرفع إليها (حقي) عينين حائرتين يسائلها ماذا تعني فقالت:
- سوف آتي يوم الثلاثاء القادم فأجدك اشتريت هذه الأشياء. إني اترك الاختيار لذوقك - ثم قالت:
- سوف ترى كيف أبدو في هذه الملابس.
فحاول أن يبتسم، ولكن شفتيه لم تنفرجا، وحاول أن يعلل مسلكها فلم يهتد إلى تعليل. ترى ما الذي دعاها لان تطلب منه هذا، وقد كانت ترفض أن يهدي إليها شيئا مخافة أن يسألها ذووها عن مصدره؟ ثم هذه الطريقة التي طلبت بها ما طلبت. إنها لم تعجبه بل ومالنا لا نقول إنها ساءته وأمضته أيما مضض.
وحاول أن يستبقيها حين همت بالرحيل ولكن الأعذار تسابقت إلى شفتيها. . . وساءل نفسه - وهو يسير معها إلى الباب يودعها وصديقتها - بماذا تراها تعلل مسلكها إن سألها عنه؟ ولم يجد جوابا، وانتهى إلى أنها وضعت نفسها في مأزق سوف لا تدري كيف تخرج منه.
ووقف في أعلى الدرج يتابعها بنظراته وهي تهبط، وطافت برأسه حكاية الغزال والثعلب فهم ان يصيح بها. لم لم تفكري في الطلوع قبل ورود الماء؟ ولكن ارتد عن هذا وعاد إلى مكتبه يفكر
стр. 2961
وهذا هو بعد فترة - لم يكن يدري مداها - قضاها شبه حالم في تأمل لم يخرج منه بطائل، ثم إنه حين فتح عينيه وعاد بعض الشيء إلى حالته الطبيعية تبين أنه كتب في غير وعي على الورقة الزرقاء - التي لا تزال منشورة أمامه - باللغات التي يعرفها (أبدا. . . ابدأ. هذا لن يكون. .!) ذلك بأنه كان قد انتهى إلى ما يشبه التصميم على إلا يلبي طلب الفتاة، وعلى أن يقطع علاقته بها وان لم يكن يدري سبب هذا على التحقيق.
وجاء المساء فتوفر الفتى صدر ليلته على التفكير في فتاته وكأنما زايلته نفسه وقفزت إلى كتفه، وصارت تسائله وتحاوره وتضحك منه ساخرة. قالت له نفسه:
- تريد أن تهجرها؟ أتراك تعني ما تقول؟ أتراك تستطيع أن تنسى؟ فمط شفتيه وهز رأسه وأقفل عينيه وهو يقول:
- النسيان؟ لقد جربته في الماضي ونجحت التجربة فمالي لا أحاول مرة أخرى؟
- أية مغالطة! انك لم تنس أبدا. لقد كنت تخدعني وتتناسى. ومع ذلك حاول هذه المرة أن تنسى: العينين الباسمتين دائما، العميقتين اللتين لم تكن تمل أن تحدق فيهما، والشفتين اللتين كانتا نفتران عن بسمات تسير على ضوئها أياما. . والقبلات التي كنت تقول إنها تعوض كل مفقود وتأسو كل جرح، وتعزى عن كل مصاب!
- كفى! كفى! دعينا من هذا!
- هي! لقد كنت ظننتك نسيت! وفي الحق مالنا ولهذا! أنت تريد أن تهجرها فهل بحثت عن سبب أطمئن إليه)
- كأنك لا تعرفينني! إن اقتل قلبي، ولا أجرح كبريائي.
- كبرياؤك؟ ماذا مسها؟
- لم أكن أظن أن فتاتي - كمن سبقنها - تريد أن تتقاضاني ثمن العاطفة كأن حناني لم يكن ثمنا كافيا!
- أي سبب؟! إنك لتتجنى عليها. لعلك تفيء إلى الحق فتعترف أنها نزوة تلك التي أصابتك.
- وما يهمني؟ أليست النزوة مع عطلها عن الأسباب سببا في حد ذاتها؟ وللنزوات أحيانا أسباب نتجاهلها. قل لي ألم تكن تحب صاحبتك؟
стр. 2962
- لست أدري. وإنما كل الذي أدريه أني كنت أكون سعيداً بجانبها، وان نظراتها كانت تسحرني، وأن بسماتها كانت تضيء ظلمات وجداني.
- ولم لم تصل حياتك بحياتها؟ ألم يكن هذا يكفي؟
- كان ينقصني أن أعلم اليقين أنها تريدني إرادة قوية جارفة تطغى في نفسها على كل ما عداها.
- إنها تريدك. وإلا فما الذي دعاها أن تبقى على علاقتها معك؟
- هيه، كثيرات يبعن أنفسهن أو يعرضنها سلعة يتقاضين في مقابلها خبزاً. ويا ما أرخصه من ثمن!
أنت تشك إذن؟
- وأريد أن يمحى الشك بأن أراها تهزأ بكل شيء وتستبيح كل شيء في سبيل ان تبقى على أنا
- أية أنانية! وماذا يغريها بهذا؟
- وماذا يضيرها؟
- ماذا يضيرها؟ إنها فتاة. ومن حقها أن تشك وأن تظن انك تريد أن تلهو بها وأن تلعب.
- إذن أنفض يدي منها!
- وتبقى هكذا فارغ القلب دائما؟
- ذلك أجدى من أن املأه عاطفة قد تكون مسمومة فتقتله. . . وقلب فارغ خير من لا قلب!
وعاد إلى نفسه أو عادت إليه، فخفف كثيرا من ثورته على فتاته وعزم على أن يجيبها إلى ما طلبت، وان يتخلى عنها في رفق، وأن تكون هكذا نهايته معها
ومرت سنتان. . .
وذات ليلة بينما كان يقفل نافذته لينام، راعه السكون المخيم على الطريق، وما هي إلا لحظة حتى خرقت حجب الصمت دقات ساعة في منزل قريب. . . تن. تن، حتى أكملت إحدى عشرة دقة وهو في مكانه ذاهل واجم. وان صوت الجرس في الظلام والسكون ليدخل على النفس شيئا كثيرا من الرهبة والكآبة، وهكذا أنسته هذه الدقات برنينها المكتوم
стр. 2963
نفسه لحظة أو بضع لحظات فوقف في مكانه يفكر على هذا النحو
هذه الساعة ألقت بحلقات من سلسلة الزمن إلى ظلام الماضي وعمقه، وهذا هو مبعث الكابة التي تدخلها على النفس دقاتها في السكون والظلام.
أهكذا تمر الساعات والأيام؟ هذا عام ثان يكاد ينتهي ولما تعد فتاتي، ترى ماذا صنع الله بها؟ اني لأتمثلها الآن وهي تهبط الدرج لآخر مرة في خطوات غير متزنة. إنها لم ترفع عينيها. أترى لم تكن تفكر في (الطلوع) مرة أخرى؟ أم ان القدر الأعمى لم يكن انبأها، وإنما سارت واضعة ذراعها تحت ذراعه إلى حيث لم تكن تدري؟
من كان يدري؟. . حين ألقت بها المصادفة في طريقي، شعرت إني وجدت فيها الإجابة على نداء نفسي الذي كانت تهتف به منذ فجر الشباب. لقد وجدت فيها ريا أطفأ ذلك اليهام إلى المجهول الذي كان يجعل العالم أمامي كوادي التيه أسير فيه على غير هدى.
وغابت عني فعدت إلى عالمي القديم صفر اليدين إلا من ميت الآمال!
ومرت سنون ثلاث. . وذات يوم كان (حقي) يسير في شارع فؤاد فلمح اسم صديقه إبراهيم. . . المحامي، على لوحته النحاسية - بين لوحات أخرى تحمل أسماء كثيرين اغلبهم أطباء - معلقة على باب العمارة، وفجأة خطر له أن يزور هذا الصديق في مكتبه.
ولم يكد يتخطى الباب الكبير حتى وجد فتاته. . . ليلى! نعم هي كما كانت دائما. . . وجدها واقفة تتسلى بقراءة البطاقات الموضوعة على صناديق البرد في مدخل العمارة، وكأنما كانت تنتظر أحداً.
والتقت نظراتهما، وحار فيما هو فاعل، ولكنه لم يدر إلا وقد تقدم إليها وهو يقول:
ليلى -! لم لم تأت يوم الثلاثاء الماضي؟ كنت مريضة؟ هذا هو عذرك الدائم.
وكان يوم الثلاثاء الذي يعنيه قد مرت عليه سنون خمسة! ولكنه حين أخذ يدها بين يديه يشد عليها نسى أنه لم يرها طوال هذه المدة وهكذا شعرت هي الأخرى، وكأنما هذه السنين قضياها كأهل الكهف نياما!
وأغمضت عينيها وكأنما أرادت أن تكر بالذاكرة إلى هذا الماضي البعيد وقالت وهي تبتسم:
- كلا لم أكن مريضة ولكن حدث أن أمي خرجت معي ولم يكن في إمكاني أن أستصحبها في زياراتي لك. قال:
стр. 2964
- حاجاتك لا تزال في درج مكتبي. كنت انتظر دائما دقات الجرس الخمس، فأذهب لأقابلك بها على الباب.
لقد اشتريتها إذن! لم أكن أحسب أنك تعتقد أني كنت جادة فيما طلبت. . . هي صديقتي التي أغرتني. . . تجربة لعاطفتك نحوي. ولكني أخطأت في السماع اليها، وخفت ان أنا عدت إليك أن تعتقد اني إنما أعود لأسألك ما طلبت
ودارت الدنيا أمام عينيه، وقال لنفسه (ما أكثر ما يخطئ الإنسان التقدير!)
وفجأة رآها تتركه - وقد عراه ارتباك ظاهر - وتنظر إلى الباب حيث وقفت عربة، نزل منها شاب ناداها باسمها فهزت رأسها تجيبه، ودارت بنظرها إلى يمين المدخل منادية يا حقي!
وأصابته رجفة إذ سمعها تلفظ اسمه، ولكنها كانت تنادي طفلا - في نحو الرابعة من عمره - لم يكن القي بباله إليه. وأجابها الطفل متسائل - ماما؟
فمدت يدها إلى الطفل ورفعت نظرها إلى الفتى كأنما تسأله أن كان قد فهم شيئاً.
وركبت الفتاة والشاب والطفل العربة، وانطلقت بهم ووقف (حقي) يتبعها بنظره ويصغي لوقع أقدام جيادها على الأرض، ويسمعه دون كل ما عداه من ضجة الطريق الصاخبة، حتى لم يبق منه غير صدى يرن في الأذن رنينا.
وحينئذ أحس كأنما بدأت الأرض تميد. . .
مصطفى حمدي القوني
стр. 2965
الى خراسان
للأستاذ الرحالة محمد ثابت
من رحلة قام بها الأستاذ سنة ١٩٣٣ إلى تركية والعراق وأفغانستان
إلى بحر الخزر
قمت من طهران شمالا صوب بحر الخزر، مسافة ستين فرسخاً أو نحو أربعمائة كيلومتر، كانت المناظر في النصف الأول منها مألوفة:
ربى تتوسطها هوى من ارض مهملة، وما كدنا نوغل في النصف الأخير حتى زادت عقد الجبال في صخرها الاغبر المنحل وغالبه من الجير الذي اسود بمضى السنين، وكثرت الالتواءات الأرضية وزادت طياتها وأخذ الطريق يعلو ويهبط ويلتوي على نفسه مرات متعاقبة في وعورة لم نعهدها من قبل. بعد ذلك بدأت صفحة الجبال المعقدة تتغير معالمها إذ كساها الشجر القصير في تفرق أعقبه تلاصق عاجل، وما نشعر إلا ونحن نوغل في غبابة كثيفة ذكرتني بمناطق الغابات الافريقية، وكنا بجانب وادي نهر يسمونه (النهر الأبيض) يتلوى ليات متعاقبة وسط تلك الجبال اللا نهائية، وكان ماؤه آسنا إذ يفيض بالماء إبان الشتاء حين تكثر الثلوج التي تكسو تلك الجبال - جبال البرز - ولقد ظلت المناظر رائعة ساحرة خلاف ما عهدناه في ربى إيران المنفرة التي عريت عن النبت، ونضبت مياه مسايلها، وكانت بعض الوهاد وما يزينها من قرى صغيرة أشبه ببلاد اسكندناوه وسويسرة، علىأن الشجر مختلف إذ لم أر للصنوبر من أثر حتى في أعالي الذرى، وكله من أشجار المناطق الحارة تكثر حوله الطفيليات والأعشاب المتسلقة التي تسد الغابة سداً ولذلك يطلق عليها القوم كلمة (جنجل) الإنجليزية، وكلما قاربنا بلدة (الرشت) بعدت الجبال وانفسح السهل وغص بالقرى والمزارع التي شهرت من أجلها البلدة وبخاصة في الأرز والطباق، وهذه الناحية أشهر بلاد فارس الزراعية. أخيراً دخلنا الرشت التي كانت عاصمة بلاد الديلم قديما، وهي اليوم عاصمة مقاطعة (جيلان) الفارسية فبدت مدينة عامرة أخف روحا من طهران نفسها، وقد حاكت المدن الأوربية، ويظهر أنها تأثرت طويلا بالروس يوم كان لهم النفوذ في هذه المنطقة، لذلك كانت جموعهم كثيرة، نساء ورجال واللغة الروسية يعرفها الجميع إلى جانب لغتهم الفارسية. وغالب البيوت من طابق واحد تظهر وكأنها أقيمت كلها
стр. 2966
من جديد، وهي ذوات سقوف متحدرة يكسوها الآجر الأحمر خلاف ما شاهدنا في سائر جهات فارس، ذلك لان مطر المنقطة غزير يفوق مقداره المتر، ويعزى إلى رياح شمالية غربية سائدة تهب من بحر الخزر على تلك المرتفعات فتدفعها مطرا وتسكو ذراها ثلجا، وتزيدها في الشتاء أعاصير البحر الأبيض التي تندفع من بحر قزوين إلى بحار الهند الدافئة خفيفة الضغط ويظل المطر زهاء ثمانية شهور ولم تخل السماء من الغيوم وكان الجو أميل إلى الرطوبة حتى في هذا الفصل الجاف، لذلك قل بها التراب الذي كان ينغصنا في بلاد فارس كلها، وكان جوها لطيفا محتملا عن جو طهران، إلا إذا انكشفت الشمس فعندئذ يصبح الحر شديدا. على أن الجهة تعرف بكثرة الأوبئة والحميات بسبب الحرارة والرطوبة معا، وقد زادها حرا أنها على منخفضات بحر الخزر التي تنخفض عن مستوى البحر بنحو خمسة وعشرين مترا لذلك يجري القول على لسانهم: ماذا أذنب فلان حتى يولى حاكما على الرشتت. على أن حظي كان موفقا إذ كانت أيامي هناك أجمل أيام قضيتها في إيران كلها. وفي المدينة مجموعة من متنزهات منسقة تقوم به المقاهي، وفيها تسمع الموسيقى الشجية وقد اختلطت الأنغام الفارسية بالروسية، وكلاهما مما تستريح له آذاننا.
أقلتنا السيارة إلى بهلوي على شاطئ بحر الخزر - ولا يسمونه هناك بحر قزوين أبداً - فكان الطريق يمتد أربعين كيلومترا وهو يتولى وسط الإحراج المغلقة يؤمها النمر والحيوان المفترس ومن أعجب ما رأيت فيها الكروم البرية التي كانت تنمو في كل أرجائها ومنها نقلت كروم أوربا. اخذ الشجر ينضمر ويندر كلما قاربنا البحر ثم انعدم، وأضحت السهول تكسى ببساط من خضرة إلى البحر، وكانت بيوت القوم أخصاصا من الأعواد والخشب يكسوه القش الثقيل في شكل مخروطي أو متحدر السقوف، كأنها مساكن الغابات الاستوائية على ضاف فكتوريا نيانزا. والقوم يستأصلون الاحراج في مسافات يزرعونها من الأرز والطباق والقطن والكتان، والعمل يقع كله على السيدات اللاتي كن يظهرن في ملاءات بيضاء ناصعة وقد استرعى جمالهن نظري، فهو مخالف للسحن الفارسية البحتة ويظهر أن اختلاط الروس بالفرس هناك اكسب أولئك جمالا عالج كبر الأنف الفارسي، وأشرب اللون الفارسي الأبيض بعض الحمرة الروسية الجذابة، والناس في تلك الناحية يمونون أنفسهم بكل شيء من عمل أيديهم حتى الملابس ينسجونها من القطن والكتان والحرير - وهم
стр. 2967
يربون دود القز بكثرة
دخلنا بهلوي فكانت بيوت الفقراء اخصاصا، على نمط تلك التي في الغابات، يحفها سور من غاب، وعلى البحر أقيمت الميناء بروافعها وبواخرها وزوارقها، وتلك الناحية يسمونها (غازيان) وإذا ركبت البحر أقبلت على شبه جزيرة تبدو عليها المباني الفاخرة والشطآن المنسقة، وهذه هي بهلوي أو أنزيلى القديمة، ركبت البحر إليها في ربع ساعة، وإذا بها آية في التنسيق والنظافة، بيوت فخمة، وطرق مرصوفة، ومتنزهات عدة، وقد مدت على شواطئ البحر الحدائق والمقاهي، فكنت وأني في إحدى مدن الرفييرا تماما. وفي الحق أن تلك الناحية من فارس فريدة، تختلف عن سائر جهات فارس في كل شيء: في طبيعة الأرض، وفي الجو، وفي النبت، وحتى في أهلها فهم أكثر نشاطا وجمالا. أما الناحية الخلقية فهي هنا أكثر فساداً، ولا شك إن للإباحية الروسية أثراً كبيرا في هذا
ولقد حققت حلما طالما جال بخاطري هو أن أركب بحرر الخزر - بحر طبرستان قديما - وأطوف بسواحله ذات الطبيعة المختلفة من غابات كثيفة تغص بها سواحله الجنوبية، إلى غابات جبلية في غربة، إلى كلأ وعشب صحراوي في شرقه، إلى أرض ملحة مهملة في شماله. لكن الشبح الروسي لم يتح لي التجوال كاملا فلبثت اليوم كله أجول في مياهه الفارسية، وقد كان ماؤه هادئا، على أنه إبان العواصف يعلو موجه ويضطرب، وقد تذوقنا ماؤه فإذا به نارد الملح على خلاف ما عهدت، فخلنا أن ذلك راجع إلى قرب المصاب العذبة. لكن القوم يعرفونه أميل إلى العذوبة في كل أرجائه وأيدوا رأيهم بكثرة أسماكه نوعا وعدداً. ولذلك كانت مصائده هامة للدولتين الفارسية والروسية، حتى أضحى السمك الغذاء الرئيسي، فهو والأرز عماد الطعام، وقد كان لهما أثر حسن في أجسام الأهلين، فهي ممتلئة ولم أعثر على القامات الطويلة والأجساد السمينة إلى في تلك الناحية من فارس كلها
اصحبنا يوم الجمعة والجو جميل، والسماء تنتثر بالغيوم بعد أن أمضينا ليلتنا في نزل (سافوى) في الرشت، وهو يطل على ميدان البلدية، تمتد منه الطرق المستحدثة، تزينه المتنزهات، والمنظر من شرفه النزل رائع: السماء تنقشها السحب، والخضرة تمتد إلى الآفاق، والمباني حولنا أنيقة، وجماهير الناس في أنظف ثيابهم - لأن يوم الجمعة يوم الراحة القومية. يروحون ويغدون في كثرة تسترعي النظر ولا يخلو الجمع من طائفتين
стр. 2968
الغانيات في ازرهن السوداء المهفهفة والمتسولين الذين يمسكون بتلابيبك ويصيحون في نغمة البائس المستميت، واكّفهم مبسوطة وكثير منهم من يظهر في هندام نظيف ووجه مشرق، يدل على أنهم على شيء من اليسار، لكن التسول أضحى في القوم عادة متأصلة ذميمة. وكثير من مباني الرشت وبهلوي بالخشب لكثرة الغابات حولهما، لذلك ترى في كل برجاً عالياً يظل فيه الرقيب صباح مساء لينذر بالحريق إذا ما بدا دخانه أو لهيبه في أية ناحية من البلدة.
قمنا مودعين تلك المنطقة البديعة التي تصلح للراحة في الربيع والخريف. وأخذت سيارتنا تشق الخضرة التي زادت كثافتها تدريجا، وبعد ثلاثين كيلومتراً بدت جبال البرز، أعني أن السهول تمتد إلى بحر الخزر سبعين كيلومترا؛ وكانت الأشجار الكثيفة تغطى الجبال إلى أعلى ذراها، والربى تبدو مدرجة الواحدة وراء الأخرى، وسحاب السماء يكاد يلامسها وإن لم يبد للثلج فوقها من أثر. وكانت طيات الوديان بمائها الشحيح تختفى وراء النجاد تارة ثم لا تلبث أن تتكشف في مباغتة تقر لها العين. وكان المنظر العام ونحن وافدون من الرشت أروع منه لمن يدخل البلدة قادماً من طهران. وظل جلال الغابات حولنا زهاء خمسة وعشرين كيلومتراً، ثم ندر الشجر وانعدم فجأة، وأضحت عقد الجبال قاحلة منفرة مسافة ذرعها سبعون كيلومترا، كان الطريق فوقها طيات قاسية رهيبة، خصوصا في ضوء القمر الشاحب، وفي سكون الليل الرهيبة.
стр. 2969
العالم المسرحي والسينمائي
بين مسرحي الدرام والكوميدى في مصر
لناقد (الرسالة) الفني
لعل من أعجب ما يلاحظه المتصل بالمسرح المصري في العشر
سنوات الأخيرة اتصالا وثيقا أن المسرح الهزلي - الكوميدي - كان
أكثر توفيقا ونجحا فمن المسرح الجدي - الدرام - وأقوى على مغالبة
الأزمات والعقبات التي عرضت في السنون الأخيرة وأودت بالفرق
التمثيلية إلى الدرك الذي وصلت إليه.
وأغرب من هذا وأبعث على العجب أمن مسرح الدرام بدأ غنياً فافتقر، بينما أن مسرح الكوميدي بدأ فقيراً ثم اغتنى. وما نعني هنا هذا العرض الزائل وهذه الدريهمات التي تأتي بها الظروف أحيانا، وتذهب بها الظروف أحيانا أخرى، وإنما نعني في حديثنا عن الفقر والغنى الناحية المعنوية والفنية لكل منهما.
فمنذ عشر سنوات أو قبل ذلك بقليل، كانت فرقتا الأستاذ جورج والأستاذ عبد الرحمن رشدي تنهضان بعبء العمل المسرحي على أكفأ ما يكون، وتغذيان جمهورهما بأنفس الروايات المترجمة أو المؤلفة على السواء، وكانت الفرقتان تضمان مجموعة من خيرة ممثلي وممثلات المسرح في مصر، وكان الإقبال على حفلاتهما ليس بالقليل وحلت الفرقتان لأسباب عارضة لسنا بصدد تفصيلها هنا وتألفت على أنقاضهما فرقة رمسيس التي اجتمع لها من أسباب القوة والبروز ومقدمات النجاح والنصر ما لم يجتمع لفرقة قبلها، فالمال جم وفير، وثمت مسرح خاص أنيق، ونخبة من أحسن الممثلين والممثلات، ومجموعة منتقاة من أجود الروايات، وقبل كل هذا الرغبة القوية في العمل الفني الحق، والإرادة التي لا ينقصها الحزم، ونشطت الصحافة إذ أحست هذه الجهود الجبارة تبذل في سبيل الفن فأفردت صحفنا اليومية الحديث عن مسرح والتمثيل أبوابا خاصة بل صحائف كاملة، وكان ذلك حدثا جديداً في عالم الصحافة، وتفرغ كثير من الأدباء للكتابة عن التمثيل ونظمت لأول مرة في تاريخ المسرح حركة النقد تنظيما واسع النطاق، وقصارى القول أن
стр. 2970
مسرح الدرام في ذلك الوقت كان غنيا بل طائل الثراء بالجهود التي تضافرت لإنعاشه وبعثه وخدمته الخدمة الحقة التي تعلي من شأنه وترفعه إلى المنزلة التي هو جدير بها، ولم يكن ينقصه إقبال الجمهور الذي تدفق وحيا القائمين بهذه النهضة المباركة تحية طيبة مباركة.
كان ذلك منذ عشر سنوات، أي في مستهل افتتاح مسرح رمسيس الذي يؤرخ ظهوره عهدا جديدا في تاريخ المسرح في مصر، ما في ذلك شك، ولا من الاعتراف به بد. ولكن انظر اليوم أين نحن وأين مسرح الدرام، واين تلك النهضة التي بدأت قوية وسطعت كالشهاب اللامع. ثم إذا بجذوتها تنطفئ على الأيام رويداً رويدا، وتنحدر من قمتها الباذخة سنة بعد أخرى حتى إذا هي اليوم في أسفل الوادي، بل في هوة سحيقة وا أسفاه، وفي حال تدمع لها العين ويدمى لها الفؤاد.
ها هي فرقتنا الجدية تغلق دورها وتعلن فشلها، ويتفرق أفرادها يطوقون الأبواب كبائس في يوم عيد يرى الناس في زينتهم ونعيمهم وهو مملق مسكين، كده الضنى وأجهدته الحياة، وأسلمته صروف الأيام إلى المسغبة والعوز، ويخفض جناح الذل من الحاجة ويستعدى على مطالب العيش وقوت الأهل إحسان المحسنين وبر الكرام العاطفين
كان مسرح الدرام كما رأيت، وحاله اليوم كما ترى، كان غنيا وافر الغنى، فأصبح فقيرا شديد الفقر، كان رفيع العماد شامخ الذرى فإذا هو اليوم أنقاض وخرائب وموحشة.
لكن مسرح الكوميدي حاله غير هذه الحال، ولشد ما يختلف في نشأته وكيانه وتطوره عن مسرح الدرام! فبينما كان هذا قوياً زاخرا بفرقة العاملة وبمن تضم من أفراد مشهود لهم بالمقدرة والكفاءة، كان الآخر لا يزال في مستلهل حياته ومطلع فتوته يلجأ إلى دور صغيرة ضيقة من التجاوز في التعبير أن نسميها مسارح، وكان لا يضم إلا قلائل جمعتهم وحدة الغاية والميول فتكاتفوا على العمل سويا في النوع الذي وجدوا من أنفسهم ميلا إليه ومن استعداهم كفاء له. وأخرجت بعض روايات جورج فيدو المؤلف الفرنسي النابه الذكر فلقيت نجاجا كبيرا وبدأ مسرح الكوميدي ينتعش قليلا قليلا ولكنه لم يحرز التوفيق كله إلا في فرقة مسرح الاجبسيانه - رنتانيا اليوم - حيث بدأت الروايات الاستعراضية الكبرى والتي كانت تمثل كل منها الأسابيع والأشهر المتوالية بنجاح عظيم يفوق الحد والجمهور تكتظ
стр. 2971
بأفراده كل يوم مقاعد الملعب حتى ليس ثمت موضعا لقدم.
على أن مسرح الكوميدي طحنته الأزمة وحدت من جهوده غير أنه قاومها طويلا وثبت للعاصفة المجتاحة. والفرقة الوحيدة التي استمرت إلى اليوم على العمل هي فرقة للكوميدى، كما أننا نجد فرقة ثانية للكوميدى تؤلفه في هذا الموسم وتلقى نجاحا كبيرا في الوقت الذي تغلق فيه فرق الدرام أبوابها وتنصرف عنها الجماهير. وبينما نسمع صرخات مديري الفرق الدرام يستغيثون بلجنة تشجع التمثيل ويطلبون منها المدة والمعونة، نجد مدير فرق الكوميدي يعتمدون على محض جهودهم وعملهم، فان مدتهم اللجنة ببعض المال فلا بأس، وان طوت عنهم معونتها فلا بأس أيضا، وهم مستمرون على بذل ما في وسعهم لاكتساب رضى الجمهور وضمان إقباله وتشجعه.
أليس هذا الموقف جديراً بالتأمل والدرس؟ قل في تعليله ما تشاء وقل في أسبابه ونتائجه ما تقول، ولكن تبقى بعد ذلك الحقيقة الواقعة المنسوبة لا غناء في تجاهلها ولا نفع يرجى في التغاضي عنها وعما في طياتهم من معان هي خليقة بكثير من العناية والفحص. فإذا أبيت إلا أن أدلي بدلوي في الدلاء وإلا أن اذكر لك مرجع هذا في رأيي فلعلي لا أكون قد جاوزت الحق والواقع إذا قلت أن مسرح الدرام لم يعمل على التقرب من الجمهور ولا على أن يدوم له الطعام الذي يسيغه ذوقه، بينما عمل مسرح الكوميدي على هذا فنجح من حيث أخفق الأول
غلبت على مسرح الدرام الروايات الإفرنجية المترجمة وهي بشخصياتها وجوها، وعادات أبطالها وأخلاقهم، وبيئتهم وتصرفاتهم وكل ما يتصل بهم بعيدة عن ذوق الجمهور المصري، وقد تكون بعيدة أيضاً عن فهمه وإدراكه، غريبة عنه بكل ما فيها ومن فيها، ولكل شعب ذوقه الخاص ولذلك كان لكل أمة مسرحها الخاص، والمسرح في كل بلد يمثل الوسط الذي يعيش ويترعرع فيه، ولا تكاد تقحم المسرح الفرنسي في إنجلترا، ولا المسرح الإنجليزي في فرنسا، ولست كل الروايات الصالحة للعرض هنا، تصلح للعرض هناك، وقد تجد نماذج تنال النجاح والتوفيق في البلدين ولكنها الاستثناء الذي يثبت القاعدة ولا ينفيها. لهذا فشل مسرح الدرام لان الرواية المترجمة غلبت عليه.
والحال على النقيض في مسرح الكوميدي حيث لا تجد إلا الرواية المصرية، ولا
стр. 2972
الشخصيات المصرية الصميمة التي تعرفها وتحبها وتعيش معها في جوليس بالغريب عليك وفي بيئة أنت بها جد عليم. وقد افلح مسرح الكوميدي في خلق نماذج من الشخصيات المصرية قد تبدو عليها مسحة التجسيم والتهويل، أو فهي نماذج (كاريكاتورية) ولكنها مصرية قبل كل شيء، ثم هذه هي صنعة الفن الكوميدي أولا وآخراً، وعرف مسرح الكوميدي إجادة من بعض الممثلين لم يبلغها اندادهم في مسرح الدرام، لأن الأول عرف التخصيص، واعني أن من بين ممثليه أفراد تخصصوا في إخراج شخصيات معينة فأجادوها وبحكم المران والاستمرار، وتوغلوا في صميمها فأخرجوا منها الطريف المبتكر. وهذه (المصرية) التي غلبت على مسرح الكوميدي كانت العامل الأول في نجاحه.
على أن شعب هذا الوادي، شعب سهل لين، محب بفطرته للمرح يعب فيه بنهم وقابلية، ولعل في هذا أيضاً بعض السبب في إخفاق مسرح الدرام ونجاح مسرح الكوميدي ومن الخير أن نعرف للمسرحين ما أديا من رسالة الفن وأن نذكر لكليهما ما كان له من إحسان أو أساءة، فالمسرح المصري يقف اليوم بمجموعة مفترق الطرق فأما إلى الصدر وأما إلى القبر، ومن أوجب الواجبات في هذه الفترة الدقيقة من حياة المسرح أن نذكر للمحسن إحسانه وأن نعدد للمسيء نقصه وعيوبه، فيمضي الأول في طريقه مجداً عاملا، ويصلح الثاني من نفسه أن أراد إلا يتخلف عن زميله أو يدرك غباره.
محمد علي حماد
стр. 2973
الحركة المسرحية والسينمائية في الخارج
باريس
مثلت أخيراً على مسرح (جمناز) رواية جديد لهنري برنشتين المؤلف المسرحي المعروف باسم (الرسول) وقد أدار المؤلف موضوعه حول فكرة غريبة، وكأنه يرد أن يقول أن:
زوجة ابتعدت سنة عن زوجها الذي تعبده يمكن أن تسلم نفسها لشاب جاء من عند الزوج كرسول يحمل لها حبه وغرامه، وهي إذ تسلم نفسها للرسول يخال لها أنها إنما تستسلم للزوج نفسه. وهذا غريب والفكرة كما ترى يحوطها الغموض والإبهام. ولعل برنشتين يريد أن يضع في علم النفس قاعدة جديدة.
واليك تلخيص موجز للقصة: سافر مسيو نقولا - الزوج - إلى أفريقيا ليبني لنفسه مستقبلا جديدا في ميدان العمل وليحصل على ثروة وفيرة يسعد بها زوجته الشابة التي يعبدها. ولم يكن له حديث في غربته إلا عن زوجته ماري وعن حبه لها ويجلس الساعات الطوال مع زميله جلبرت يتحدث عنها حديثاً مسهبا وانتهى الأمر بان أحب جلبرت هذه المرأة. . والأذن تعشق قبل العين أحياناً. .
ويذكرنا هذا الموقف بشبيه له في رواية ألمانية معروفة تدعى (كارل وأنا). ويحدث أن يصاب جلبرت بما يقعده ويضطره إلى العودة إلى وطنه، وفي باريس يلتقي بماري الزوجة الأمينة على شرف زوجها والتي رفضت بأباء ما أظهره لها كثير من الرجال من الحب والهوى. ولكن ماري هذه سرعان ما تصبح عشيقة جلبرت، لا لأنه يحبها ويتطلبها، ولكن لأنها تحس فيه حرارة حب زوجها لها وحنينه إليها. يرجع الزوج فجأة وعلى غرة من العاشقين ويكتشف ما بينهما من صلات فيكون بينه وبين زوجه مشهد رائع ويعلنها بالانفصال النهائي. ثم يزمع السفر والعودة إلى أفريقيا وإذ يهم بالرحيل تقدم ماري، ويعلم الزوج أن جلبرت انتحر لأنه أدرك أن المرأة لم تحبه أبداً وإنما تحب فيه زوجها الغائب ويقبل الزوج هذا التفسير الغريب
هوليود
تتجه أنظار شركات السينما في هوليود نحو الروايات الأدبية الكبيرة التي دبجتها يراعة كبار الكتاب العالميين. وقد ذكرنا قبلا ان بين برنامج السنة القادمة روايات من أقلام
стр. 2974
برناردشو وإميل لدويج وولز وغيرهم. ونذكر اليوم ان جان هارلو الممثلة الشقراء الفاتنة أغرمت بدور بورشيا في رواية (تاجر البندقية) لشاكسبير وتنوي إخراجه على الشاشة، وميرنا لوي تحب أن تظهر في رواية أبسن المعروفة (ببيت الدمية) وجون باريمور يستعد لإخراج (هاملت) ومن المعروف أنه مثله على المسرح ونال فيه نجاحا كبيراً، وشارلي شابلن أيضاً من هواة هذا الدور وقد فكر في تمثيله في وقت من الأوقات كما فكر في تمثيل دور (نابليون).
وستمثل كي فرانسيس دور مدام دي بارى المرأة الشهيرة في تاريخ فرنسا. وتظهر جلوريا سوانسون في دور جوزفين أمام أدوارد روبنسين في رواية (نابليون) التي اقتبست عن الكتاب الذي وضعه أميل لدويج عن إمبراطور فرنسا العظيم
لندن
أقامت جريدة (ايرا) الإنجليزية المسرحية مسابقة لتتعرف رأي قرائها في أحسن رواية ظهرت في إنجلترا في العشر سنوات الأخيرة، وفازت بالأولوية رواية (سان جون) لبرناردشو وقد نالت ١٦ درجة، وتلتها رواية (نهاية الرحلة) للكاتب المسرحي شريف ونالت ٨ درجات، وهناك بعض الروايات الشهيرة جاءت في الرتبة الخامسة والسادسة ومنها (طريق للحياة) لنويل كوارد. ونذكر بهذه المناسبة أنها مثلت أخيرا سبعة أسابيع على أحد مسارح نيويورك بلغت أرباح مؤلفها في خلالها ٢٠. ٠٠٠ جنيه.
٢ أبو علي عامل أرتست
تأليف الأستاذ محمود تيمور
عرض ونقد وتحليل
ولتيمور موهبة فائقة في وصف آلام الناس ونزعاتهم في الحياة، دون ان يترك في نفس القارئ شعوراً بالكآبة أو الانقباض، وقليلون من الكتاب من لهم مثل هذه القدرة، فهم إذا تعرضوا لوصف الآلام أسرفوا في عواطفهم وشعروا بالكآبة والضجر وحملوا القارئ على أن يفقد حيوتيه، أما الوصف في أقاصيصه فقد يكون أقرب إلى فلسفة الجمال منه إلى استدرار عواطف الرحمة والإشفاق
стр. 2975
على ان هناك صفتين أخريين نلمحهما دائماً في أدب تيمور: أولاهما تغلب عاطفة الخير في أقاصيص على عاطفة الشر، وقد يعود هذه إلى أنه يرى الحياة من جانب واحد هو الخير، وبنظرة ثابتة هي الاطمئنان، وهو من هذه الناحية يشبه دكنز، عندما أراد أن يرسم لنا صورة مكويرومسترمل، جعلهما ينجحان في استراليا، مع أن شخصيتهما لا تدع أمامنا مجالا للشك في أنهما خرجا ليلاقيا الخيبة
وقد تدفعه عاطفة الخير إلى ان يحجب نور الحقيقة عن نظر القارئ، وعندما يريد ان يصارحه بهذه الحقيقة، تراه يشير إليها من طريق خفي وبدون ان يعلق عليها بقلمه، كما في أقصوصه (جحيم امرأة)، فأنه بدلا من ان يصارحنا بحقيقة الخواجة نعوم وموقفه من خيانة زوجته، نراه يلجأ إلى التستر والتلميح، خاصة عندما ناوله عبد السميع مبلغ الثلاثين جنيها بحجة أنها ثمن لأسهم شركة يريد أن يؤسسها، مع أن فطنة القارئ تكاد ترشده إلى ان هذا المبلغ لم يك إلا ثمناً لثلاثين ليلة قضاها العاشق المضطهد في أحضان الزوجة العابثة!
والصفة الثانية التي يريد أن نتحدث عنها، هي تلمذته على أدب المرحوم محمد تيمور أخيه وتأثره الشديد بفنه، وهذه الصفة البارزة تدفعنا إلى أن نقارن بين أدب الأخوين فالفرق بينهما واضح جداً
كان فن المرحوم محمد تيمور يقوم على ميزات ثلاث: اللغة والمحاورة وبناء هيكل الرواية، وكان يؤمن بان الفن هو مرآة الطبيعة فيجب ان ننقل إليه الطبيعة كما هي من غير تجميل، ومن اجل هذا وكان ينتصر للعامية ويرى انه يمكن ان نعبر بها عن كل ما يراد التعبير عنه، ولذا جاءت لغة الحوار في رواياته طبيعية لا أثر للصناعة أو التكلف فيها، وكانت نظرته للحياة اكثر إدراكاً فكان يستوضح مظاهرها ويدور في أعطافها ليستمد فنه من جميع نواحيها، انه ليخيل إلينا ونحن نطالع إحدى رواياته انه قد تقمص بطلها
أما محمود تيمور، فبالرغم من طابع الصدق الذي يتسم به أدبه وجذوة الحياة التي تشتعل في جوانب أقاصيصه، فأنا نكاد نشعر كنقدة - بأنه يبخس المتكلم حقه ولا يعطيه الحرية التامة في أن يعبر عن أفكاره وميوله باللغة التي توافق مزاجه وتلائم بيئته، والقصصي العبقري، هو الذييحس بالحوادث تجري حوله، فلا يكتفي بأن ينقل إليها صورها ويصبها
стр. 2976
في القالب الفني، بل عليه إلى جانب هذا إلا يجعل أشخاصه جامدين، وان يعطيهم الحرية في أن يعبروا عن احساساتهم باللغة التي توافقهم وتتلاءم مع طباعهم، فالنفن هو كل شيء في القصة واليه يرجع عامل نجاحها أو سقوطها!
وإني أثبت بهذه المناسبة رأيا أبداه المستشرق الروسي كراتشقوفسكي عن فن محمود تيمور القصصي، إذ قال: ليست أقاصيصه إلا درساً بسيكولوجيا وتحايلاً لأحوال النفس وتطوراتها في الشخص الواحد مع بعض الدرس للأشخاص المجاورين له في البيئة، ومزية التركيز وقلة الحركة فيها يجعلها تؤثر في النفس أحياناً تأثير الدراما المسرحية المحزنة.
أما (حسن أبو علي) فقصة شاب مأفون مهرج، هوى التمثيل وتأليف الروايات المسرحية، فترك علمه والتحق بإحدى الغرف التمثيلية لاشباع نهمته الفنية، وهي نزعة كانت سائدة عند الكثيرين من شبابنا إثر ترددهم على دور التمثيل، أما الآن فليطمئن بال الأستاذ تيمور ولان السينما قضت على هذه النزعة في النفوس!
والقارئ يشعر بعد مطالعته لهذه القصة، بروح التهكم المر والسخرية اللاذعة التي لجأ المؤلف اليها، في تصوير هذه الشخصية المشعوذة التي انبعث حبها للتمثيل. ولم يكتف المؤلف بان يقسو على بطله يعذبه في الحياة من أجل الفن وفي سبيله، وأن ينسب إليه موت عمه ليتخذ من هذا وسيلة لإظهار مواهبه الفنية، وأن يدفعه إلى ارتقاء منبر المساجد ليعظ الناس في يوم الجمعة كأنما هو على خشبة المسرح، وأن يتسلط عليه فيدفعه أيضاً إلى أن يبدد الثروة الضئيلة التي تركها عمه، فيشيد بها مسرحا يهدمه المتفرجون على رأسه في ليلة الافتتاح! لم يكتف المؤلف بهذا كله بل نراه قد أجهز عليه بنفس القسوة وحكم عليه بالموت!
وبعد فقد فرض الأستاذ تيمور هذا اللون من الأقاصيص على القارئ وروى ظمأ المتعطشين إلى القصة في مصر والذين كانوا لا يقرأونها إلا باللغات الإفرنجية أو مترجمة إلى اللغة العربية فهل تراه وفق في عمله؟ لا شك في أنه وفق إلى حد بعيد، يدلنا على هذا ان أكثر أقاصيصه مترجم إلى اللغات الحية وأن الأستاذ شادة مدير دار الكتب المصرية السابق ألقى عنها محاضرة نفيسة في مؤتمر المستشرقين السابع عشر وأن مجموعة
стр. 2977
أقاصيص (أبو علي عامل أرتيست) هي المجموعة السابعة التي يقدمها الأستاذ تيمور إلى قراء العربية!
محمد أمين حسونة
стр. 2978
العدد ٣٦ - بتاريخ: ١٢ - ٠٣ - ١٩٣٤
стр. 2979
في ملعب الكرة
للدكتور محمد عوض محمد
. . . وفي ذلك اليوم ذهبت بصديقي إلى ملعب الكرة. . . لم أذهب به إلى دور العلم أو إلى حلقات الأدب، حيث ينصت إلى لجاج الفقهاء، وحوار الأدباء؛ فلقد طَعِمَ من هذا الغذاء الدسم الشهر كله: وشهد المعركة الطاحنة بين اللائحة والشرعة، وبين الأريكة والسرير؛ وبين الفنون الرفيعة والغليظة؛ وبين الفتوة والمروءة، وبين الكوفة والبصرة، وبين المستشرقين والمستغربين. . .
انتزعتك يا صديقي من بين هذا كله. فلعمري لقد آن لك أن تمسح عن جبينك المجهد المعنى عرق النحو والصرف والفقه، وأن تزيل عن عينيك ما علق بهما من قذى البحث العميق، عن اللفظ الدقيق والمعنى الأنيق: ذلك البحث الذي طالما ما أضناك وأذواك؛ ثم عدت منه صفر اليدين، أو رجعت بشيء زهيد لا يطفئ غلة، ولا يغني من جوع.
فتعال اليوم نتبوأ هذا المقعد العالي، ونشرف منه على هذا الميدان الفسيح، كما يشرف النسر من ذروة الطود. ولنرقب ما يجري بين أيدينا من الحوادث الجسام. . . أراك تبتسم ابتسامة الشكل أو الإنكار، كأنما تظن أن ما يجري هنا ليس إلا ضرباً من العبث واللهو؛ فلا وأبيك لن تبرح حتى تشهد في هذا المعلب من دروس الحكمة ومن عبر الحياة، ومن المعاني البديعة العميقة، ما لم تجده بعد في الكثير من أسفار أصحابك الخالدين. . .
وها هم أولاء اللاعبون قد أقبلوا، فدوى رعد الهتاف والتصفيق، أرأيت هذه الأجسام الفتية التي أفعمت صحة وقوة، والتي لا تكاد تستقر في مكان مما بها من نشاط ومرح ولكنها قد تثبت في موقفها حينا فكأنها الجبال الرواسي. ثم تنقض على الأثر كأنها صخور تهوي من قمة طور؛ أو تندفع طائرة كما تندفع السهام عن القِسِيِّ. وهي بعد هذا كله لا تشكو كلالا ولا ملالا، كأنما يتفجر نشاطها من ينبوع لا يغيض. . إن هذه السيقان التي تراها تحمل تلك الأجسام ما نمت هذا النمو ولا اكتسبت تلك القوى في يوم أو بعض يوم. . بل هي ثمار المران الطويل شهوراً وسنين. وليس من هؤلاء الفتيان من لم يأخذ نفسه بأنواع من الجد والدأب وبالحرمان من ضروب اللهو والعبث، كي يبلغ هذه المرتبة العالية من القوة ومن الرشاقة؛ ومن جمال الفتوة، والرجولة الصحيحة.
стр. 2980
حدثني بالله! ألا ترى في النظر إلى هذه الأجسام القوية الفتية متعة للنفس وللحس، بعد الذي شاهدته من تلك الأجساد المترهلة ومن تلك البطون الناتئة، والمبات المترامية على الصدور، والأقفاء المطوية في ثنايا عديدة، مديدة والسيقان الغلاظ التي لا تستطيع المضي ميلا أو بعض ميل. ألا أن عيوننا لتقذى برؤية هؤلاء الأسبوع كله. فلينعم طرفنا اليوم بمنظر الصحة الدافقة والقوة الباهرة. . بعد هذا فلتضف فصلا جديدا إلى كتاب الفتوة، فصلا تبنيه على المشاهدة والعيان إلا على الأخبار والأقوال. . .
إن الرياضة قد أدبت هؤلاء الفتيان فأحسنت تأديبهم. . . أنظر إليهم كيف تركوا ضيوفهم يسبقونهم إلى الملعب. وفي إثرهم ينزل أصحاب الدار على مهل، كأنما يمشون على استحياء. وهم على هذا كله خصوم، ستدور بينهم معركة لا هوادة فيها ولا لين. ولا محاباة فيها ولا مداراة: معركة سيبوء فيها الضعيف بالخزي والخسران، ويرقى النصر بالمنتصرين إلى أعلى مراتب السمو.
هذه المعركة هي بيت القصيد. وإن في صورها العديدة لما ينشرح له الصدور وتطمئن القلوب. . . فها هنا معركة تنشب بين فريقين قد تكافأ في العدة، وتماثلا في العدد. فلن يكون الفوز فيها إلا للجد والجلد، للبراعة والأقدام. . . ونحن في عالم طالما نشهد فيه تألب الأقوياء على الضعفاء، وطغيان جيوش الظلم على جنود الحق. . واستبداد الكثرة الغاشمة التي تزهى بعدتها وعديّدها، ويحلو لها أن تمعن في الجور وتسرف في العدوان. فما أسعدنا اليوم إذ نتناسى ذكر هؤلاء حينا، لكي تنعم أبصارنا بشهود معركة نظيفة بريئة بين أكفاء وأنداد. .
أجل، وانك لتهتز طربا إذ ترى هذه المعركة تدور رحاها بين يديك في وضح النهار. معركة ليس فيها خفاء ولا لبس. الميدان كله أمام أعينا - من أدناه إلى أقصاه - نتأمل كل ما يجري فيه ولا يخفى علينا من أمره شيء. . . فلننس الآن - ونحن ننظر إلى هذه الحرب الطاهرة - تلك المعارك الغريبة المريبة، التي تدبر في الخفاء وتنمو في الظلام. وتنصب فيها الحبائل، ويشتد فيها الكيد، ويتناسى فيها الشرف. وتحنث فيها الإيمان، وتخان فيها العهود. والتي لا يحلو فيها الطعن إلى على غرة، ولا يتحارب فيها إلا بأسلحة الجبن. . . هذه - ويا للأسف! - معارك قد امتلأت بها حياة الناس فلنستعن على نسيانها الساعة
следующие страницы →