Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
في القالب الفني، بل عليه إلى جانب هذا إلا يجعل أشخاصه جامدين، وان يعطيهم الحرية في أن يعبروا عن احساساتهم باللغة التي توافقهم وتتلاءم مع طباعهم، فالنفن هو كل شيء في القصة واليه يرجع عامل نجاحها أو سقوطها!
وإني أثبت بهذه المناسبة رأيا أبداه المستشرق الروسي كراتشقوفسكي عن فن محمود تيمور القصصي، إذ قال: ليست أقاصيصه إلا درساً بسيكولوجيا وتحايلاً لأحوال النفس وتطوراتها في الشخص الواحد مع بعض الدرس للأشخاص المجاورين له في البيئة، ومزية التركيز وقلة الحركة فيها يجعلها تؤثر في النفس أحياناً تأثير الدراما المسرحية المحزنة.
أما (حسن أبو علي) فقصة شاب مأفون مهرج، هوى التمثيل وتأليف الروايات المسرحية، فترك علمه والتحق بإحدى الغرف التمثيلية لاشباع نهمته الفنية، وهي نزعة كانت سائدة عند الكثيرين من شبابنا إثر ترددهم على دور التمثيل، أما الآن فليطمئن بال الأستاذ تيمور ولان السينما قضت على هذه النزعة في النفوس!
والقارئ يشعر بعد مطالعته لهذه القصة، بروح التهكم المر والسخرية اللاذعة التي لجأ المؤلف اليها، في تصوير هذه الشخصية المشعوذة التي انبعث حبها للتمثيل. ولم يكتف المؤلف بان يقسو على بطله يعذبه في الحياة من أجل الفن وفي سبيله، وأن ينسب إليه موت عمه ليتخذ من هذا وسيلة لإظهار مواهبه الفنية، وأن يدفعه إلى ارتقاء منبر المساجد ليعظ الناس في يوم الجمعة كأنما هو على خشبة المسرح، وأن يتسلط عليه فيدفعه أيضاً إلى أن يبدد الثروة الضئيلة التي تركها عمه، فيشيد بها مسرحا يهدمه المتفرجون على رأسه في ليلة الافتتاح! لم يكتف المؤلف بهذا كله بل نراه قد أجهز عليه بنفس القسوة وحكم عليه بالموت!
وبعد فقد فرض الأستاذ تيمور هذا اللون من الأقاصيص على القارئ وروى ظمأ المتعطشين إلى القصة في مصر والذين كانوا لا يقرأونها إلا باللغات الإفرنجية أو مترجمة إلى اللغة العربية فهل تراه وفق في عمله؟ لا شك في أنه وفق إلى حد بعيد، يدلنا على هذا ان أكثر أقاصيصه مترجم إلى اللغات الحية وأن الأستاذ شادة مدير دار الكتب المصرية السابق ألقى عنها محاضرة نفيسة في مؤتمر المستشرقين السابع عشر وأن مجموعة
стр. 2977
أقاصيص (أبو علي عامل أرتيست) هي المجموعة السابعة التي يقدمها الأستاذ تيمور إلى قراء العربية!
محمد أمين حسونة
стр. 2978
العدد ٣٦ - بتاريخ: ١٢ - ٠٣ - ١٩٣٤
стр. 2979
في ملعب الكرة
للدكتور محمد عوض محمد
. . . وفي ذلك اليوم ذهبت بصديقي إلى ملعب الكرة. . . لم أذهب به إلى دور العلم أو إلى حلقات الأدب، حيث ينصت إلى لجاج الفقهاء، وحوار الأدباء؛ فلقد طَعِمَ من هذا الغذاء الدسم الشهر كله: وشهد المعركة الطاحنة بين اللائحة والشرعة، وبين الأريكة والسرير؛ وبين الفنون الرفيعة والغليظة؛ وبين الفتوة والمروءة، وبين الكوفة والبصرة، وبين المستشرقين والمستغربين. . .
انتزعتك يا صديقي من بين هذا كله. فلعمري لقد آن لك أن تمسح عن جبينك المجهد المعنى عرق النحو والصرف والفقه، وأن تزيل عن عينيك ما علق بهما من قذى البحث العميق، عن اللفظ الدقيق والمعنى الأنيق: ذلك البحث الذي طالما ما أضناك وأذواك؛ ثم عدت منه صفر اليدين، أو رجعت بشيء زهيد لا يطفئ غلة، ولا يغني من جوع.
فتعال اليوم نتبوأ هذا المقعد العالي، ونشرف منه على هذا الميدان الفسيح، كما يشرف النسر من ذروة الطود. ولنرقب ما يجري بين أيدينا من الحوادث الجسام. . . أراك تبتسم ابتسامة الشكل أو الإنكار، كأنما تظن أن ما يجري هنا ليس إلا ضرباً من العبث واللهو؛ فلا وأبيك لن تبرح حتى تشهد في هذا المعلب من دروس الحكمة ومن عبر الحياة، ومن المعاني البديعة العميقة، ما لم تجده بعد في الكثير من أسفار أصحابك الخالدين. . .
وها هم أولاء اللاعبون قد أقبلوا، فدوى رعد الهتاف والتصفيق، أرأيت هذه الأجسام الفتية التي أفعمت صحة وقوة، والتي لا تكاد تستقر في مكان مما بها من نشاط ومرح ولكنها قد تثبت في موقفها حينا فكأنها الجبال الرواسي. ثم تنقض على الأثر كأنها صخور تهوي من قمة طور؛ أو تندفع طائرة كما تندفع السهام عن القِسِيِّ. وهي بعد هذا كله لا تشكو كلالا ولا ملالا، كأنما يتفجر نشاطها من ينبوع لا يغيض. . إن هذه السيقان التي تراها تحمل تلك الأجسام ما نمت هذا النمو ولا اكتسبت تلك القوى في يوم أو بعض يوم. . بل هي ثمار المران الطويل شهوراً وسنين. وليس من هؤلاء الفتيان من لم يأخذ نفسه بأنواع من الجد والدأب وبالحرمان من ضروب اللهو والعبث، كي يبلغ هذه المرتبة العالية من القوة ومن الرشاقة؛ ومن جمال الفتوة، والرجولة الصحيحة.
стр. 2980
حدثني بالله! ألا ترى في النظر إلى هذه الأجسام القوية الفتية متعة للنفس وللحس، بعد الذي شاهدته من تلك الأجساد المترهلة ومن تلك البطون الناتئة، والمبات المترامية على الصدور، والأقفاء المطوية في ثنايا عديدة، مديدة والسيقان الغلاظ التي لا تستطيع المضي ميلا أو بعض ميل. ألا أن عيوننا لتقذى برؤية هؤلاء الأسبوع كله. فلينعم طرفنا اليوم بمنظر الصحة الدافقة والقوة الباهرة. . بعد هذا فلتضف فصلا جديدا إلى كتاب الفتوة، فصلا تبنيه على المشاهدة والعيان إلا على الأخبار والأقوال. . .
إن الرياضة قد أدبت هؤلاء الفتيان فأحسنت تأديبهم. . . أنظر إليهم كيف تركوا ضيوفهم يسبقونهم إلى الملعب. وفي إثرهم ينزل أصحاب الدار على مهل، كأنما يمشون على استحياء. وهم على هذا كله خصوم، ستدور بينهم معركة لا هوادة فيها ولا لين. ولا محاباة فيها ولا مداراة: معركة سيبوء فيها الضعيف بالخزي والخسران، ويرقى النصر بالمنتصرين إلى أعلى مراتب السمو.
هذه المعركة هي بيت القصيد. وإن في صورها العديدة لما ينشرح له الصدور وتطمئن القلوب. . . فها هنا معركة تنشب بين فريقين قد تكافأ في العدة، وتماثلا في العدد. فلن يكون الفوز فيها إلا للجد والجلد، للبراعة والأقدام. . . ونحن في عالم طالما نشهد فيه تألب الأقوياء على الضعفاء، وطغيان جيوش الظلم على جنود الحق. . واستبداد الكثرة الغاشمة التي تزهى بعدتها وعديّدها، ويحلو لها أن تمعن في الجور وتسرف في العدوان. فما أسعدنا اليوم إذ نتناسى ذكر هؤلاء حينا، لكي تنعم أبصارنا بشهود معركة نظيفة بريئة بين أكفاء وأنداد. .
أجل، وانك لتهتز طربا إذ ترى هذه المعركة تدور رحاها بين يديك في وضح النهار. معركة ليس فيها خفاء ولا لبس. الميدان كله أمام أعينا - من أدناه إلى أقصاه - نتأمل كل ما يجري فيه ولا يخفى علينا من أمره شيء. . . فلننس الآن - ونحن ننظر إلى هذه الحرب الطاهرة - تلك المعارك الغريبة المريبة، التي تدبر في الخفاء وتنمو في الظلام. وتنصب فيها الحبائل، ويشتد فيها الكيد، ويتناسى فيها الشرف. وتحنث فيها الإيمان، وتخان فيها العهود. والتي لا يحلو فيها الطعن إلى على غرة، ولا يتحارب فيها إلا بأسلحة الجبن. . . هذه - ويا للأسف! - معارك قد امتلأت بها حياة الناس فلنستعن على نسيانها الساعة
стр. 2981
بهذه المعركة النبيلة، التي بين أيدينا، والتي تبدأ جهاراً، وتجري جهاراً، وتنتهي جهاراً. . . وعلى كل لاعب رقباء من هذه الآلاف المؤلفة، التي احتشدت اليوم لكي ترقب حركات كل لاعب وسكناته. والويل لمن يحيد عن الصواب لمحة العين، فيستثير من آلاف الأفواه صيحات الإنكار والاستهجان.
أجل وإن لهذه الحرب الضروس لقواعد وشروطا قد نصت عليها قوانين مقدسة الرعاية، ولن ترى في العالم كله قانونا ينفذ في شدة وصرامة، وفي قوة وحزم، كما ينفذ هذا القانون، الذي ليس في تنفيذه تسويف ولا (تأجيل). بل سرعان ما يلقى الآثم جزاء اثمه، قبل أن يتحول عن مكانه، وها هنا الحكم النزيه اليقظ الذي يحصي الصغيرة والكبيرة، ولا يعرف المحابات ولا المداراة. . فإذا كنت - يا صديقي -! قد أهمك وأحزنك إن رأيت العدل يصرع والقانون يداس بالنعال في مشارق الأرض ومغاربها، فلتسر الهموم عن نفسك برؤية هذا الحكم العدل، الذي لا تأخذه في الحق لومة لائم، والذي يرى القوي المدل بقوته ضعيفا عاجزاً، حتى يقتص منه ويرده إلى جادة الصواب.
والآن، ألست تراك شديد الإعجاب بما تراه الساعة في الفريقين من عزيمة وثبات ودأب لبلوغ الغاية، ومضي لما وطنوا النفس عليه. فلقد يخطئون الهدف المرة بعد المرة. من بعد ما أجهدوا قواهم سعيا وطلبا. ولكنهم يعودون بعد الإخفاق إلى السعي والعدو، لا تنيهم العقبات إلا ريثما يتأهبون لاجتيازها. ولا يرتدون لحظة إلا ليأخذوا العدة للتقدم. وكأنما لا يعرفون طعم اليأس، ولا يؤثر فيهم الإخفاق، فهم أبداً كموج البحر لا يتراجع إلا ليدفع، ولا يضعف إلا ليشتد.
وها قد انقضت الساعتان كأنهما لحظتان. ففي وسعك الآن أن ترجع إلى أسفارك وأخبارك، ونحوك وصرفك. وأحسبك الآن قد آمنت إن هذا الميدان البريء لا يخلو من الحكمة والموعظة الحسنة. اجل وانك لتحدثك نفسك الساعة بمثل الذي تحدثني به نفسي
ليت لعب الحياة كان جداً، … ويا ليت جدها كان لعبا!
стр. 2982
في الجو. . .
للدكتور طه حسين
أما في العصور القديمة حين كان الإنسان رشيدا حذرا يطلق خياله إلى أبعد مدى ممكن، لأن إطلاق الخيال لا يضر ولا يخيف ولا يرسل عقله وجسمه إلا في أناة وبمقدار، لأن إرسال العقل والجسم بغير حساب قد يؤدي إلى ما لا يحب، أما في تلك العصور فقد كان الناس يطيرون في الخيال. يطيرون مجازا لا حقيقة، وقد تتحدث أساطيرهم بأن منهم من حاول أن يطير حقا، فلما ارتفع في الجو دنا من الشمس فذابت أجنحته التي اتخذها من الشمع ولم يلبث هو أن هوى إلى الأرض فاندق عنقه، ولقي من الموت جزاء على هذه الجراءة التي سمت به إلى أرقى ما يجب أن يسمو إليه الناس. فقد خلق الناس ليمشوا على الأرض لا ليطيروا في الجو، فمن عدا منهم طوره أو تجاوز حده لقي هذا الجزاء الذي لقيه طائر الأساطير اليونانية حين أذابت أجنحته الشمس، أو ما لقيه طائر الأخبار العربية حين كان جسمه اثقل من خياله فلم يكد يسلم نفسه إلى الهواء حتى خانه الهواء وأسلمه إلى أمه الأرض فدقت عنقه أولاً. ثم حنت عليه بعد ذلك كما تحنو الأم الرؤوم على ابنها العزيز.
كان ذلك في العصر القديم حين كان خيال الإنسان اكبر من عقله. وأشد من اجتراء على الطبيعة وما يلبث فيها من المصاعب والعقاب وكان أسلافنا من أدباء العرب وشعرائهم محبين للأناة، يطيرون ولكن دون أن يفارقوا أماكنهم، تطير نفوسهم وقلوبهم شوقا إلى من يحبون، وتطير نفوسهم وقلوبهم فرقا ممن يكرهون، وقد تطير أجسامهم إلى ساحة الحرب وميادين القتال حين يأتيهم الصريخ ويبلغهم فزع المستغيث. ولكن أجسامهم كانت تطير دون أن تفارق أقدامهم الأرض، كانوا يسرعون في العدو فيحسبون إنهم يطيرون، ولعل منهم من كان يطير في الجو، ولكن على ظهر ناقة أو جمل. فكان يباعد بين قدميه وبين الأرض، ولكنه كان يتخذ بينه وبين الأرض سببا على كل حال. ومنهم من كان يسعده الحظ وتواتيه الثروة فيطير على ظهر فرس أو جواد، ويحسب مع ذلك أنه يطير حقاً، وربما عبث به الوهم ولعب به الخيال فظن حينا أنه يطير، وظن حينا آخر أنه يسبح في الماء، أما الآن فلست أدري أضعف الخيال أم لم يضعف، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو ان العقل والجسم أخذا يسابقان الخيال فيسبقاه في كثير من الأحيان، فلم يبق الطيران في
стр. 2983
الجو حلما ولا وهما ولا نبأ من أنباء الأساطير، وإنما أصبح أداة يسيرة من أدوات الانتقال. وكان منذ أعوام أداة مقصورة على أصحاب الجرأة من الفنيين، ثم تجاوزهم إلى أصحاب الجراءة والسعة من المترفين وفارغي البال، ثم تجاوزهم إلى أصحاب الثروة الذين يحبون السرعة ويستطيعون الانفاق، ثم أخذ منذ حين ينزل ويتدلى دون أن يفارق الجو، ولكنه ينزل ويتدلى على كل حال حتى بلغ أمثالك وأمثالي من أهل الطبقات الهينة اليسيرة المتواضعة التي يسمونها الطبقات الديمقراطية. وأصبح الطيران في هذه الأيام أداة من أدوات الانتقال قد يعجز العمال عن استخدامها، ولكن أهل الطبقات الوسطى لا يعجزون عن ذلك ولا يترددون فيه، والغريب انه بعد أن تقدم أو تأخر في أوربا وأمريكا إلى هذا الحد وصل إلى مصر واستقر فيها، ان صح إن الطيران يستطيع أن يستقر. وصل إلى مصر واصبح أداة للانتقال يستخدمها المصريون الذين عرفهم الزمان ببغض السرعة وحب الأناة والحرص على الثبات والاستقرار. أليس آباؤهم قد بنوا الأهرام. ومع ذلك فقد أخذ المصريون يطيرون، ولم يقتصر الطيران على الرجال في مصر، بل تجاوزهم إلى النساء فهن يطرن أيضا وهن يسابقن في الطيران، وهن يسبقن الطائرين، وقد كان مكتوبا عليهن أن يلزمن الدور ويعكفن من وراء الخدور. ولكن ماذا نصنع وقد ارتقى العقل حتى سابق الخيال، وارتقى الجسم حتى استطاع أن يطير ويبلغ آماداً وبيئات لم يكن يبلغها من قبل إلا الخيال والوهم. وأغرب من هذا وذاك إن الطيران قد هان ولان وسهل أمره وابتذلت قيمته حتى أصبح مباحا لقوم ما كان ينبغي أن يباح لهم لولا أن الفساد قد دب إلى كل شيء وتسلط على كل شيء وأصبح الناس ينظرون فلا يعرفون أين يعيشون، ولا كيف يعيشون.
وهؤلاء القوم الذين سخر لهم الطيران في آخر الزمان هم الأدباء. والأدباء المصريون، أرأيت إلى أديب عربي يطير؟ أين نحن من أيام طرفة بن العبد، وعلقمة بن عبدة، وزهير، وغيرهم من الشعراء الذين كانوا إذا حز بهم الأمر وألح عليهم الهم وعبث بهم شيطان الشعر يعمدون إلى نوقهم فيركبونها ثم يخرجون بها في الصحراء ليسلوا عن أنفسهم همها، وليتلقوا عن شياطينهم ما يريدون أن يوحوا إليهم من جد الكلام وهزله. ثم يعودون وقد فتنوا بهذه النوق وقالوا في وصفها ما لا نزال نتكلف في فهمه وتفسيره ضروب المشقة وألوان العناء.
стр. 2984
كذلك كان يفعل أسلافنا من شعراء الجاهلية والاسلام، أما الآن فصديقنا الأستاذ عبد العزيز البشري يطير لا بالخيال ولا بالعقل ولا على جناح الفلسفة، وإنما يطير حقا، يطير من هليوبوليس إلى الإسكندرية، ثم يتحدث عن طيارته كما كان يتحدث طرفة عن ناقته، أو كان يتحدث صاحب العرداة عن عرادته، أو كما يتحدث أبو نواس عن ناقته في تلك الأبيات التي يحسن الأستاذ عبد العزيز البشري خاصة إنشادها وتوقيعها، يتحدث عن هذه الطيارة حديثا أي حديث، حديثا ساحراً حقا، باهراً حقا، نشرته الأهرام في الصيف فأعجبت به حتى لم أنسه إلى الآن على كثرة ما قرأت منذ الصيف، حديثا لا تكاد تمضي فيه حتى تحس كأن الأستاذ يعرف طيارته كما كان طرفة يعرف ناقته، ومع ذلك فما أظن أن للأستاذ علما مفصلا بهذه الشياطين التي تطير بالناس في الجو منذ طغى العلم الحديث. ولكن للبيان سحراً ينطق صاحبه بالأعاجيب، وما دام الأدباء وقد أخذوا يطيرون، وما دام الطيران قد أصبح أداة، من أدوات الانتقال فلابد من أن تتغير لغة الناس بعض الشيء، ولابد من أن يلتمس المبالغون لأنفسهم ألفاظا أخرى يعبرون بها عن السرعة حين يريدون أن يصفوا السرعة، فقد كانوا يطيرون شوقا حين كان الطيران أمراً مستحيلا، أما الآن فيجب أن يجدوا للشوق أداة ينتقل بها غير الطيارة، وبيئة ينتقل فيها غير الجو.
وقد أخذ الأدباء الأوروبيون يسلكون الطريق الطبيعية إلى هذه الغاية، وأول ما كان ينبغي أن يفعلوه من ذلك إنما هو تسخير الطيارة للأدب بعد أن سخرت للعقل والجسم، ولعقول الأدباء وأجسامهم بنوع خاص، أخذوا يفهمونها ثم يصفونها ويعبرون عنها تعبيراً أدبيا بعد أن كان وصفها والتعبير عنها مقصورين على العلماء الذين يخترعون، والعمال الذين ينفذون، والصناع الذين يعالجون أجزاء الطيارة في كل ساعة من ساعات النهار. ثم لم يكتف الأدباء بالفهم والوصف والتصوير فيما يكتبون من المقالات، وما ينظمون من القصائد وما يذيعون من الأحاديث، ولكنهم تجاوزوا ذلك فاستغلوا الطيارة في فنون الأدب كلها. فما الذي يمنع أن تكون الطيارة موضوعا يلهم أصحاب القصص، ويلهم أصحاب التمثيل، وإذا كان من الحق أن الناس يأتلفون ويختلفون وتثور بينهم عواطف الحب والبغض فتؤثر في حياتهم أبلغ الأثر وأعمقه، وتلهم القصاص أن يصوروا من ذلك ما يريدون، فإذا بعضهم يصور من ذلك ما يقع في قطار، وبعضهم يصور من ذلك ما يقع في
стр. 2985
سيارة، وبعضهم يصور من ذلك ما يقع في عربة تجرها الخيل، أقول إذا كان من الحق أن كرسي البريد وعربة الخيل والسيارة والقطار والزورق والسفينة الشراعية والسفينة البخارية، كل ذلك قد الهم الأدباء في الشعر والنثر والقصص والتمثيل، فما الذي يمنع الطيارة أن تلهم الأدباء في هذه الفنون جميعا، ومن الذي يستطيع أن يزعم أن الطيارة أقل قدرة على الإلهام، وأقل حظا من الفصاحة وسحر البيان من هذه الأدوات التي ذكرناها آنفا. ومن الذي يستطيع أن يزعم أن الأدباء الذين سخروا للأدب كل هذه الأدوات يعجزون عن أن يسخروا للأدب هذه الأداة الجديدة التي تطير بأجسام الناس بعد أن طارت صورتها بما كان لهم من عقل أو خيال.
الطيارة قادرة على الإلهام، والأدباء قادرون على أن ينطقوها رغم أنفها سواء أكان لها أنف أم لم يكن. وتستطيع أن تنظر في الآداب الأوربية الحديثة فسترى أن الأدباء قد أغنوا فنون الأدب وأضافوا إلى ثروته الضخمة ثروة أخرى قيمة حين اتخذوا الطيارة أداة من أدوات القصص. وأنا زعيم بأنك بدأت القصة التي أنشأها الكاتب الفرنسي كيسل منذ أعوام وسماها اكيباج فلن تستطيع أن تدعها حتى تتمها، ولن تتردد في أن تعترف بأنها من خير ما انتج القصص الحديث. وليس لهذه القصة موضوع إلا اختصام جنديين من جنود الطيران في الجيش الفرنسي أثناء الحرب حول امرأة كانت زوج أحدهما فاحبها الآخر وهو لا يعرف زوجها. ثم جمع الطيران بين الزوجين فاحب كل منهما صاحبه حبا عميقا، ثم ظهر لهما أنهما يحبان امرأة واحدة. وصور أنت لنفسك كيف تنتهي القصة، ولكن يجب أن تعلم أن الطيارة هي الأداة التي بها تنتهي القصة والتي عليها تقوم القصة.
وإذا استطاعت الطيارة أن تدخل فن القصص، فما الذي يمنعها أن تدخل في فن التمثيل وأن تلهم الممثلين أو كتاب التمثيل آيات بينات وقد فعلت. وقد بلغت من الإجادة في ذلك أمداً بعيداً حقا، تستطيع أن تقرأ إن لم تستطيع أن تشهد هذه القصة التمثيلية الممتعة التي وضعها الكاتب الفرنسي المعروف فرنسيس دي كروا وسماها أو طيران العرس، فسترى اتقانا في الأداء، واتقانا في العرض، واتقانا في تصوير الصراع بين هذه العواطف الجديدة التي استحدثها الطيران في نفوس الناس لا عهد للأدب بمثله من قبل، وسترى من هذه القصة التمثيلية ومن تلك القصة الأخرى أن الطيران لم يكد يوجد لنفسه بيئة خاصة
стр. 2986
من الذين يحبونه ويتخذونه صناعة أو لهوا حتى أوجد لهذه البيئة أخلاقها الخاصة وعواطفها الخاصة ولغتها وأساليبها في الحسن والشعور ومذاهبها في التعبير والتصوير.
ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل تجاوزه إلى شيء عظيم الخطر حقا، لست أدري أنافع هو أم ضار، ولكن من الذي يستطيع أن يقيد العقل والخيال بما ينفع أو بما يضر. وإذا كان الرقي العلمي قد انتهى بالناس إلى حيث يتنافسون الآن في اختراع أدوات الموت والتدمير وما يمحو الحضارة محوا ويرد الإنسان إلى شر ما عرف من أطوار الوحشية، فما الذي يمنع الرقي العلمي من أن يدفع بالطيران إلى ما يفسد العلم إفسادا ويجعله أداة من أدوات الشعوذة والتضليل؟
لست ادري أعرفت إن كاتباً فرنسيا شابا هو الأديب ملرو قد مر بمصر منذ أسابيع، فقد طار هذا الشاب من مصر إلى غرض لم يرد أن يعينه، ولأمر لم يرد ان يدل عليه، ثم أصبحنا اليوم وإذا الصحف تنشر رسائل برقية تنبئ بأن هذا الكاتب الشاب قد طار إلى بلاد العرب وتغلغل في أحشائها، ولكن من فوق، لأن أحشاء البلاد العربية خطرة تهضم الذين يقتحمونها هضما. قالت الرسائل البرقية إن هذا الكاتب الشاب قد استكشف شيئا عجيبا وطار فوق أخطار جسام، استكشف مدينة سبأ التي تحدثت عنها التوراة وتحدث عنها القرآن وامتلأت بأنبائها كتب التاريخ والأساطير، وليس من شك في أننا سنقرأ تفصيلا واسعاً لهذا الاستكشاف، ولكن الشيء الذي لا اشك فيه هو أننا سنقرأ كتابا لهذا الأديب الشاب عن مدينة سبأ هذه. وسيكون هذا الكتاب من أقوم الكتب الأدبية، وسيكون على كل حال من أروجها أكثرها انتشارا، ولن يكون حظه من الرواج والانتشار أقل من حظ القصة التي وضعها الكاتب الفرنسي بييربنوا وسماها الأطلنطيد والتي فتحت لصاحبها أبواباً ثلاثة: باب الثروة وباب الشهرة وباب المجمع اللغوي. سمع بييربنوا بأحاديث القارة الموهومة اتلنتيس وسمع باستكشافات الجغرافيين للصحراء الكبرى، فزعم ان صاحبه قد ذهب يستكشف فانتهى إلى بقية من هذه القارة، ولقي هناك الملكة انتنيا من سلالة نبتون إله البحر. ثم وصف شخصها وقصرها وبيئتها وصفا رائعا عجيبا، وسمع الكاتب الشاب ملرو أحاديث سبأ وقصة بلقيس، وسمع أحاديث المستكشفين الذين يتجشمون الأهوال لاستكشاف البلاد العربية. ووجد الطيارة فطار مستكشفاً، والله يعلم هل عبر البحر إلى بلاد العرب،
стр. 2987
وهل وصل إلى طرف من أطراف الربع الخالي حقا. ولكن مما لا شك فيه أنه وجد مدينة سبأ، ومن يدري لعله رأى ملكتها، وتحدث إليها ولو بالإشارة من طيارته، ولعل الملكة أن تكون قد شغفت به، ولعله هو أن يكون قد فتن بما رأى من حسنها البارع. ولعله قد انصرف عنها بعد أن ألقى إليها بقلبه من أعلى الجو، فهو مضطر إلى أن يعود إليها ليلتمس قلبه هناك حيث ألقاه في ذلك القصر الممرد من قوارير، والذي يقوم في تلك المدينة العظيمة التي ترتفع أسوارها الشاهقة في طرف من أطراف الربع الخالي. وسيكون حظ هذه القصة المنتظرة كحظ تلك القصة التي فرضت بييربنوا على الأدب الفرنسي فرضا.
رأيت أن بييربنوا قد استغل الاستكشاف العلمي للصحراء فدل الناس على بقية القارة المفقودة، وأن ملرو قد استغل الاستكشاف الجغرافي والطيارة، وسيدل الناس على ما بقى من ملك السبئيين.
أما بعد فإنا نبحث منذ قرون عن مدينة ضائعة في الصحراء يقال أنها تنتقل من مكان إلى مكان يحسبها بعضهم من الذهب والفضة، ويحسبها بعضهم من النحاس والحديد. وهي إرم ذات العماد. ويقول بعضهم أنها ليست إلا هرما من هذه الأهرام التي تقوم في الجيزة، والتي تستكشف من حولها المقابر والتماثيل والأدوات المختلفة. ولدينا طيارون، ولدينا طيارات. فهل نستطيع أن ننتظر من أديب من أدبائنا وليكن صديقنا عبد العزيز البشري أن يطير مع بعض شبابنا البارعين في هذا الفن لعله ان يعثر - إن أمكن أن يعثر الناس في الجو - بهذه المدينة القديمة العظيمة إرم ذات العماد؟ وليس عليه بأس إن لم يجدها أن يخترعها اختراعا وأن يزعم لنا انه وجدها كما فعل بييربنوا وكما سيفعل ملرو. وليس ينبغي أن نخاف من صديقنا عوض وأصحابه الجغرافيين فان الكاتبين الفرنسيين لم يحفلا بأعلام الجغرافيا في السوربون.
طه حسين
стр. 2988
الإحسان
للأستاذ احمد أمين
لا أطيل على القارئ، فإني أريد بالإحسان التصدق على الفقراء، ومعونة الضعفاء والمرضى، ولست أرى لفظا أدل على المعنى من الإحسان، وإن لم يرضه المتشددون في الألفاظ.
ربما كانت فضيلة الإحسان من أكثر الفضائل تقلبا مع الزمان، وتغيرا في أفهام الناس، فكم بين ما كان يفهمه حاتم الطائي من نحر الجزور وانهابها الناس، وبين ما وضع من النظم الحديثة للإحسان من فروق ومباينات!
فنظام المعيشة من قديم ينتج غنيا مفرط الغنى، وفقيرا مفرط الفقر، كما ينتج:
أعمى وأعشى ثم ذا … بصر وزرقاء اليمامه
فذوو السعادة يَضْحكُو … ن وغيرهم يبكى ندامه
ولم يخلق للآن نظام يعدم هذه الفروق أو يقلها من غير أن يستتبع خطراً أعظم، وداء أعضل.
فاهتدى الناس لتلطيف هذه الفروق إلى المناداة بالكرم والفخر به، ولست أدري أكان أول من نادى به الأغنياء اتقاء لخطر الفقراء، أم الفقراء تعطيفاً لقلوب الأغنياء
وأتت الأديان تدعو إلى الأخُوَة، وخاصة بين أهل الدين الواحد، وتجعل من مستلزمات هذه الأخّوة عطف الغني على الفقير وإشراكه في جزء من ماله، واستتبع ذلك وجود الأديار في النصرانية والتكايا في الإسلام
وكما أنتجت النظم معونة للفقراء وسداً لحاجات المعوزين أنتجت عند بعض الناس تراخيا في العمل، وميلا إلى الكسل واتخاذ الاستجداء حرفة، والتكدي صناعة.
وكثرت جيوش الفقراء فلم تكف النزعات الدينية لسد حاجاتهم، فتدخلت الحكومات تحمل بعض العبء فبنت المستشفيات وأنشأت الملاجئ وما إلى ذلك.
وأتت المدنية الحديثة فأخذت تقوَّم الفضائل من جديد، واستخدمت العلم في هذا التقويم كما استخدمته في كل شيء وكان مما نظمته طرق الإحسان، بل جاء قوم من الفلاسفة متأثرين بمذهب النشوء والارتقاء. وبنظرية الانتخاب الطبيعي وعلى رأسهم (هربرت سبنسر)
стр. 2989
يطبقون هذا على الإحسان ويرون أنه رذيلة لا فضيلة، وأن العجزة ومن إليهم لا يستحقون هذه العناية، إنما العناية يجب أن تتجه إلى الأقوياء وإلى خير العناصر، ويجب أن ينتخب من المجتمع خيره وأقوه، فنوجه إليه العناية ونأخذ بيده، وبعد أجيال سيفنى الضعفاء ويبقى الأقوياء فيسعد مجتمعهم - نفعل في ذلك ما نفعل بالزهور والأشجار، نهمل الذابل والضعيف فيفنى، ونستولد القوي الجيد فيبقى إلى آخر ما قالوا. ومن حسن الحظ لم تلق نظريته هو وأمثاله نجاحا، فإنها نظرية تقضي على خير ما في الإنسان من عاطفة نبيلة نحو الناس، وكيف يقضى على العجزة والفقراء ونظام الحياة يخلق منهم كل يوم خلقاً جديداً وجيشاً كبيراً لو لم يُعْن به لاكتسح الأغنياء، ولثار ثورة لا يعلم مداها إلا الله.
إنما كتب النجاح لقوم آخرين من الأدباء والعلماء لم يحاولوا أن يمنعوا الإحسان، ولكن حاولوا أن ينظموه، لم يشكوا في قيمته، ولكنهم آمنوا بضرر فوضاه، واستعانوا بما وصل إليه العلم كما استعانوا بمنهاج البحث الجديد، فدرسوا الفقر وأسبابه وطرق الإحسان وما يتلاقى منه مع أسباب الفقر وما لا يتلاقى، ووفقوا في ذلك إلى حد كبير وان لم يصلوا إلى الغاية، وعلى ضوء هذه الدراسة سنت القوانين وأنشئت النظم، وظلت قوانين تنظم والنظم تعدل، حسب مقتضيات الأحوال إلى اليوم.
فمن أشهر القوانين القانون الإنجليزي للفقراء الذي وضع سنة ١٦٠١ ونقح سنة ١٨٣٤ والتزمت فيه الحكومة بمساعدة الفقراء والعاطلين
ومن أشهر النظم المعروفة نظام (همبرج) الذي وضع للفقراء والعاطلين، وهو يتلخص في تأسيس مكتب رئيسي في المدينة للنظر في شؤون الفقراء وتنظيم الإحسان وتقسيم المدينة إلى أقسام، وتعيين مشرف على الفقراء في كل قسم وظيفته إعانة العاطلين على وجود عمل لهم، ودراسة أسباب الفقر في الأسر ووصف العلاج لها، وإنشاء مدارس صناعية لأولاد الفقراء ومستشفيات لمرضاهم، ويقضي بمنع الإحسان يداً بيد إلى الفقراء، إنما يعطى الإحسان لهذه الجمعية، فهي أدرى بطرق إنفاقه - وكان من أثر هذا النظام قلة عدد الفقراء وتنظيم معيشتهم، وقد أدخلت عليه تعديلات قليلة ثم عمم في مدن كثيرة في أوربا.
ونشأت في أمريكا جمعيات على هذا النظام وسعت بعض أغراضها - من ذلك أنها رأت أن أكبر مساعدة ليس إعطاء المال للفقراء ولكن إيجاد العمل لهم، كما جعلت من أهمم
стр. 2990
أغراضها ترقية المعيشة الاجتماعية في منازل الفقراء والعناية بحالتهم الصحية، وبتعويدهم العادات الصالحة للعيش، ووجهت أكبر همها إلى العناية بأطفال الفقراء حتى لا ينشئوا كآبائهم، فكان لدى الجمعيات سجل للفقراء والعاطلين في كل حي، ومجمل عن سبب فقر كل أسرة وحالتها وما بذل من العناية لها، والاتجاه الذي اتجهوه في معالجتها، وبذلك أسس الإحسان على الأسس العلمية.
لعل أهم ما حدث من الانقلاب في تصور الإحسان أنه كان يفكي في عده فضيلة أن يخرج الإنسان عن شيء من ماله أو جهده ابتغاء ثواب الله، لا يبالي بعد ذلك أين وقع ماله: أعلى غني وقع أم على فقير، أكان فيه صلاح للفقير أم إفساد له؟ فيكفي أن يجود بقرش ليحسب له عند الله عشرة أو مائة، فجاءت الدعوة الحديثة تطلب أن ينظر في الإحسان إلى المحسن إليه لا إلى المحسن، فليس من العمل الصالح في شيء أن تعطي حسبما اتفق، بل يجب أن يكون عطاؤك لإصلاح الهيئة الاجتماعية التي أنت فيها، ولا يكون ثوابا عند الله إلا إذا نظر فيه هذا النظر، ولا يعد فضيلة حتى يكون القرش الذي يعطى يقصد فيه رفع مستوى الأمة، فإذا كان الإحسان يزيد حال الأمة سوءا عد رذيلة لا فضيلة، وعد من أتى به مجرما لا محسنا، وبعبارة أخرى أن هذا النظر الحديث يتطلب أن يشعر المحسن بالتبعة أو المسئولية، فمسئولية المحسن أن يعطي الفقراء وأن يتساءل عن إعطائه هل أفاد من أحسن اليه؟ وهل أفاد الأمة بعمله أو لم يفد؟
كان لهذا النظر نتائج لها قيمتها - منها تحريم الإحسان الفردي، وهو أن تكون علاقة المحسن بالفقير علاقة مباشرة، وإنما يجب أن توسط في ذلك الجمعيات والهيئات التي عرفت حالة الفقراء ودرست شؤونهم، واهتدت عن طريق دراستها إلى نوع ما يصلح لهم، فمن شاء الإحسان فعليه أن يتبرع لهذه الجمعيات وهي التي تتولى الإنفاق - ومنها تحريم التسول في الشوارع والطرق، لأن المتسول لم يثبت للجمعيات صحة دعواه وعلة فقره. إن كان وليس التسول حرفة مشروعة، ولكن إذا أثبت عدم صلاحيته للعمل وعجزه عن العيش وجب على الأمة إعانته، والجمعيات أقدر على تعرف هذا - وكان من مقتضى هذا النظر أيضا أن الهيئات التي وكل إليها هذا الأمر لا يصح أن تكتفي بإعطاء المال إلى الفقراء، بل يجب أن تعالج الأمر بشتى الوسائل حسب حالة كل فقير. فمن كان سبب فقره أن لا
стр. 2991
عمل له مع قدرته سعت له في إيجاد عمل، ومن كان سبب فقره مرضه عالجته، ومن كان سبب فقره إدمان مخدرات أو سوء عادات نظرت في وسائل إصلاحه، كذلك أهم عمل تعمله أن ترعى أبناء الفقراء حتى لا يكونوا فقراء المستقبل. فتنشئ لهم المدارس لا ليتعلموا فيها تعلما نظريا لا يسمن ولا يغني من جوع، ولكن تعلما صناعيا يبعث فيهم روح الاعتماد على النفس، ويفتح لهم السبل لتحصيل العيش - بهذا وأمثاله عولج الفقر في أوربا وأمريكا، فان كان بعد ذلك عاطلون لم يكن سبب عطلهم راجعا إليهم، وإنما يعود إلى نظام العمل والعمال وسوء الحالة العامة، وجب أن تضمن الحكومات لهم ما يقيم أودهم حتى يعودوا إلى عملهم.
ونحن إذا نظرنا - في ضوء هذه النظريات وكيف طبقت - إلى حالة الشرق وجدنا عجبا، وجدناه لا يزال على حالته الأولية، سواء في ذلك أغراض المحسنين أو تطبيق الإحسان.
لدى الشرق أموال كثيرة تبرع بها أهلها للخير، لدينا أموال الأوقاف الخيرية، ولدينا أموال النذور، ولدينا تبرعات المحسنين، إلى كثير من أمثال ذلك، ولكن أكثرها لا يقع موقعا حسنا عند الله وعند الأمة، وكأنه يصب في البحر صبا أو يدفن في الأرض دفنا، على أن المال الذي يدفن أو يلقى في البحر ليس له من الضرر أكثر من فقده، ولكن ضرر الإنفاق على غير مستحق يزيد الأمم بلاء والحال سوءا
وأهم ما استوجب هذه الحالة الأسيفة في نظري شيئان - أولهما - احترام إرادة الواقف والمتبرع. فالفقهاء يرون أن شرط الواقف كنص الشارع، والواقف لا يعلم تطور الأمة ولا مطالبها ولا حاجاتها التي تختلف باختلاف الزمان - قد كان كثير من الواقفين لا يفهمون فمن وجوه البر إلا الوقف على الحرمين والمساجد والتكايا والتصدق بالخبز على المقابر، فأصبح الناس اليوم يفهمون أن من وجوه البر كذلك إنشاء المستشفيات والمدارس والملاجئ، وسيفهمون قريبا أن من وجوه البر إعانة جمعيات التأليف وإعانة الفلاحين ليحصلوا على الماء النقي، وليستضيئوا بالنور الكهربائي، وسيجدّ غير ذلك من ضروب الخير، وسيرون أن الوقف على مسجد إذا كان المسجد قد وُقف عليه من قبل ما يكفيه ليس وجها من وجوه الخير، وسيرون ان أموال النذور تلقى في صناديق الأضرحة ليست تنفق على المعوزين والمحتاجين، فليس التبرع بها إحسانا.
стр. 2992
كان الواجب من عهد بعيد أن تحترم إرادة الواقف والمتبرع في رغبته في الخير فقط، ولكنا لا نحترمها في وجوه الخير التي يراها هو إذا رأينا أنها ضارة أو رأينا أن الأمة أحوج إلى الصرف في وجوه أخرى - رحم الله حسن باشا عاصم، فقد كان له موقف في ذلك من أبدع المواقف - تبرع محسن ببناء مدرسة، ووقف عليها الأوقاف التي تلزمها، وأتبعها للجمعية الخيرية الإسلامية، وكان حسن عاصم مديراً للمدارس ثم أراد الواقف أن يدخل ابنه في المدرسة، وكانت سنة تزيد على السن المقررة شهوراً، فأبى عليه ذلك وقال: انه تبرع بمدرسة فله الشكر، ووقف عليها أوقافا فله من الله الأجر، ولكنه يريد أن يبطل قوانيننا فليس له في ذلك حق.
قد يكون من المعقول أن نقبل إرادة الواقف في أوقافه الأهلية. أما الخيرية فيجب أن تخضع كل الخضوع لمصلحة الأمة. لا أظن الواقفين إذا بعثوا من قبورهم ورأوا تطورات الأمم إلا مؤيدينا في رأينا وراجعين عن رأيهم. والأمر الثاني وهو متصل بالأول، أن أموال الخير تصرف حسبما اتفق لا خضوعا لدراسة اجتماعية ولا تحريا لوجه الإنفاق ولا للمنفق عليهم، فكيراً ما يحرم البائس المحتاج ويعطى الغني المبذر، وكثرا ما يحرم العائل لا يجد قوته وعياله، ويعطى المدمن ينفقها في كيوفه
ان فوضى الإحسان في الشرق سبب من أسباب شقائه، ولو نظمت لكانت من أكبر العوامل في نهوضه وصلاحه
لا أمل في هذا الإصلاح حتى ينشط رجال الأمة وشبانها للخدمة العامة، وان يمتلئوا عقيدة بضرورة المساهمة في الإحسان بالمال وبالنشاط، وأن يطالبوا مطالبة حارة بتنظيم الإحسان حتى يؤدي غرضه على أكمل وجه مستطاع، إذن لرأينا البؤس في الأمة يتضاءل إلى حد كبير، ويحل محلة كثير من الرخاء، ولرأينا المال - الذي يضيع في الشرق سدى - وقد أصبح دعامة للإصلاح، وسببا من أكبر أسباب النهضة الحديثة.
احمد أمين
стр. 2993
حوادث النمسا
النمسا الجمهورية في خمسة عشر عاما
للأستاذ محمد عبد الله عنان
- ١ -
في الثاني عشر من فبراير المنصرم اضطرمت النمسا فجأة بضرام حرب أهلية خطيرة، واتجهت أنظار العالم إلى هذا الحدث الأوربي الجديد ترتقب آثاره في سير الشئون الدولية. وكانت المعركة عنيفة هائلة ولكن قصيرة المدى، لأنها لم تطل سوى ثلاثة أيام وكانت حاسمة النتائج والآثار سواء في الموقف الداخلي أو في سير السياسة الأوربية العامة.
ويرجع هذا الفصل السريع الحاسم إلى عزم الرجال الذين يشرفون اليوم على مصاير الجمهورية النمسوية، وعلى رأسهم الدكتور انجلبرت دولفوس المستشار (رئيس الحكومة) الفتي. وقد تولى الدكتور دولفوس الحكم منذ عامين (في أواخر مايو سنة ١٩٣٢) في ظروف صعبة تزداد كل يوم حرجاً؛ وفوجئ غير بعيد بخطر السياسة العنيفة التي اتخذتها الوطنية الاشتراكية الألمانية أو السياسة الهتلرية إزاء النمسا، ومحاولتها أن تقضي على استقلالها وأن تجعل منها ولاية ألمانية؛ وأنفق العام الماضي كله في قمع الاعتداءات المنظمة التي يدبرها الوطنيون الاشتراكيون (النازي) النمسويون بوحي ألمانيا وإرشادها؛ وأبدى حزماً وشجاعة نادرين في الدفاع عن استقلال النمسا، ومقاومة ضغط السياسة الهتلرية، واستطاع حتى اليوم أن يقضي على كل مشاريعها ومحاولاتها. بيد أن هذا الخطر ما يزال قائماً داهما.
وكان ثمة خطر آخر تواجهه حكومة الدكتور دولفوس وتخشى منه على النظم القائمة وعلى سلام البلاد ذلك هو قوة الديمقراطية الاشتراكية النمسوية وتغلغلها في مرافق البلاد. وكانت الديمقراطية الاشتراكية تؤيد الحكومة في نضالها ضد الخطر الهتلري، ولم يك ثمة خلاف في جبهة السياسة النمسوية من هذه الناحية؛ ولكن المعركة الخالدة بين الجبهة الاشتراكية والجبهة المحافظة كانت تجثم دائماً وراء هذا التفاهم المؤقت على مقاومة الخطر المشترك؛ وتلك هي المعركة التي انفجر بركانها في الثاني عشر من فبراير لأسباب وظروف ما تزال
стр. 2994
غامضة. وقد استطاعت الحكومة ومن ورائها القوى المحافظة أن تخرج من هذا الصراع ظافرة، وأن تقضي - مؤقتا عل الأقل - على الديمقراطية الاشتراكية النمسوية. ولكن ماذا سيكون بعد هذا الظفر وبعد اختفاء الديمقراطية الاشتراكية من ميدان كان لها فيه منذ قيام الجمهورية النمسوية أيما شان؟ لقد كانت الديمقراطية الاشتراكية سند حكومة الدكتور دولفوس في نضالها ضد الخطر الهتلري، فالآن وقد حطمت هذه القوة، فان مهمة الدكتور دولفوس تغدو أصعب وأشق. بيد أنه يصعب علينا أن نقول اليوم كلمة حاسمة في نتائج هذه المعركة. وسنحاول في هذا البحث أن نستعرض تاريخ الجمهورية النمسوية منذ قيامها، وأن نشرح العوامل والظروف الداخلية والخارجية التي تقلبت فيها، والقوى السياسية والاجتماعية التي تتجاذبها، والاتجاهات المختلفة التي تسيرها في ميدان السياسة الدولية.
قامت الجمهورية النمسوية في الثاني عشر من نوفمبر سنة ١٩١٨، على أنقاض البقية الباقية من إمبراطورية النمسا والمجر القديمة، وكانت إمبراطورية النمسا والمجر تسير قبل ذلك بعامين أو ثلاثة في سبيل الانحلال والتفكك. وكان الإمبراطور الشيخ فرانز يوسف الذي سهر على وحدتها ومصايرها نحو سبعين عاما قد توفى في نوفمبر سنة ١٩١٦، والحرب الكبرى في إبان اضطرامها والإمبراطورية القديمة تواجه أخطار الهزيمة والتفكك؛ فخلفه حفيد أخيه الأرشيدوق كارل؛ ولم تمض أشهر قلائل حتى أخذت بوادر الإعياء والهزيمة تبدو قوية على الجيش الإمبراطوري. وأخذت القوميات والأجناس القديمة التي تتألف منها الإمبراطورية أعني المجر والتشك والسلوفاك والبولونيين والصربيين والرومانيين، تتحرك في سبيل التحرر والاستقلال. وفي أكتوبر سنة ١٩١٨، أعلنت تشيكوسلوفاكيا نفسها بمؤازرة الحلفاء جمهورية مستقلة برئاسة الدكتور مازاريك؛ وفي نفس الوقت أعلن الصرب والكروات خلع الإمبراطور كارل، ونادوا بأنفسهم مملكة مستقلة هي مملكة الصرب والكروات والسلوفين، أو مملكة يوجوسلافيا وملكها بطرس الأول ملك صربيا. وقامت خلال ذلك ثورة في بودابست، وأعلنت المجر انفصالها عن الإمبراطورية وقيامها دولة حرة مستقلة. وبذلك انتهت إمبراطورية آل هبسبرج القديمة. وفي أوائل نوفمبر ثارت مدينة فينا بدورها وطالبت الجموع بإقامة الحكم الديمقراطي، فلم ير
стр. 2995
الإمبراطور كارل سوى التنازل عن عرشه والانسحاب؛ وأعلن قيام الجمهورية النمسوية في ١٢ نوفمبر؛ واجتمعت في الثالث عشر جمعية وطنية تولت مقاليد الحكم، وانتدبت حكومة مؤقتة على رأسها الدكتور رنر الزعيم الاشتراكي، ودخلت النمسا في طور جديد من تاريخها.
ويقرر الدستور النمسوي الجديد الذي بدئ بتنفيذه في نوفمبر سنة ١٩٢٠ أن النمسا جمهورية اتحادية تتكون من ثمان ولايات والعاصمة فينا. وهذه الولايات هي النمسا السفلى والنمسا العليا، وسالتسبورج، وستريا، وكارنتيا، والتيرول، وفورا لبرج وبور جنلند. ونظام الحكم نيابي ديمقراطي، قوامه جمعية وطنية هي (الناسيونال رات) وتؤلف بالانتخاب العام، وتتولى التشريع؛ ومجلس الاتحاد (البند سرات) وينتخب من أعضاء المجالس الاتحادية، وسلطاته استشارية فقط، وينص الدستور على إلغاء جميع الامتيازات والألقاب الخاصة وعلى ضمان الحرية الدينية، وعلى المساواة المطلقة في الحقوق والواجبات بين جميع السكان. وللجمهورية رئيس ينتخب لمدة أربعة أعوام ولا يجدد انتخابه أكثر من مرة. ويبلغ سكان النمسا نحو ستة ملايين ونصف
وقد حددت علائق الجمهورية الجديدة بدول الحلفاء، ومركزها الدولي بمعاهدة سان جرمان التي عقدت في سبتمبر سنة ١٩١٩. وكانت النمسا تريد يومئذ بعد أن فصلت عن باقي أجزاء الإمبراطورية القديمة أن تنضم إلى ألمانيا؛ ولكن الحلفاء عارضوا في ذلك أشد المعارضة. ونصت المعاهدة على اقتطاع جزء من التيرول النمسوي وضمه إلى إيطاليا، وعلى اقتطاع بوهيميا الألمانية وضمها إلى تشيكوسلوفاكيا ونصت على تنازل النمسا عن جميع حقوقها في مصر ومراكش والصين؛ وحددت عدد الجيش النمسوي بثلاثين ألفا ووضعت قيودا شديدة على التسليح الجوي؛ ونصت على حماية الأقليات، وعلى إلزام النمسا بنصيب من تعويضات الحرب.
بدأت النمسا حياتها الجديدة في غمار من الصعاب، وكانت النظم الاجتماعية والاقتصادية القديمة قد انهارت وساد الانحلال واليأس جميع الطبقات والأفراد، فكان على النمسا الجمهورية أن تخلق لنفسها حياة اجتماعية واقتصادية جديدة، وأن تبرز من أنقاض الماضي المجيد إلى ميدان الكفاح الشاق. وكانت الكتلة الديموقراطية الاشتراكية هي صاحبة الكلمة
стр. 2996
في توجيه مصاير النمسا الجديدة، فهي التي تولت الحكم على أثر انهيار الإمبراطورية وهي التي عقدت معاهدة الصلح، وكانت أغلبية في الجمعية الوطنية التي وضعت الدستور (سنة ١٩١٩) حيث بلغ عدد النواب الديموقراطيين الاشتراكيين ٧٠ والاشتراكيين المسيحيين ٦٤ والوطنيين الألمان وحزب الفلاحين، وغيرهما ٣٠؛ وقد كان هذان الحزبان القويان القديمان، أعني الديموقراطيين الاشتراكيين، والاشتراكيين المسيحيين، هما اللذان يتنازعان الحكم والسلطان في الجمهورية الجديدة، والحزب الأول يمثل طبقات العمال وأصحاب المهن والحرف وله مثل اشتراكية قوية. والحزب الثاني يمثل أصحاب الأملاك والأموال والفلاحين، ذوي المبادئ والآراء المحافظة، وتغلب عليه نزعة دينية قوية. وقد لبث تيار الديموقراطية الاشتراكية غالبا زهاء عامين، وتولى زعيمها الدكتور رنر رآسة أول حكومة جمهورية في سنة ١٩١٨، ولما أجريت الانتخابات العامة للمرة الثانية خرج الديموقراطيون الاشتراكيون بأغلبية جديدة حيث بلغت كراسيهم ثمانين مقابل ٦١ كرسيا للاشتراكيين المسيحيين وعاد الدكتور رنر فتولى رئاسة الحكم على قاعدة الائتلاف مع الاشتراكيين المسيحيين. وكان الائتلاف يومئذ ضرورة تمليها الظروف العصيبة التي تجتازها النمسا، وكان في كثير من الأحيان ضرورة دستورية أيضا، لأن الأغلبية الحاسمة لم تكن لأحد الحزبين وكان العمل التشريعي يتطلب التفاهم والمهادنة. وفقدت الديمقراطية أغلبيتها سنة ١٩٢٠، وتولى الاشتراكيون المسيحيون الحكم على يد زعيمهم المونسنيور أجناس سيبل، وهو حبر وعلامة في القانون الدولي، ولكن الديموقراطيين الاشتراكيين لبثوا أقلية قوية تناهض الأغلبية وتملي عليها إرادتها في كثير من الأحيان. وكان اكتساح الحزبين القويين للميدان الانتخابي على هذا النحو يحرم الطبقات الوسطى من أن تمثل تمثيلا قويا، ويجعل ميدان النفوذ والكفاح قاصرا على معسكرين يمثل كل منهما ناحية متطرفة من المثل والمبادئ، بيد أن الطبقة الوسطى كانت أكثر ميلا إلى ناحية الديموقراطية منها إلى الناحية الأخرى.
وأنفقت الجمهورية النمسوية أعوامها الأول في معالجة المشاكل التي خلقتها الحرب وفروض الصلح، وشغلت حينا بمسألة النقد وتدهوره. وكان المونسنيور سيبل رجل الموقف، فاستطاع بكثير من البراعة والجلد أن يعالج مشكلة النقد بالالتجاء إلى عصبة
стр. 2997
الأمم، واستقر النقد النمسوي منذ سنة ١٩٢٣، وأخذت النمسا تسير في طريق الانتعاش الاقتصادي، وعولجت عدة مشاكل اقتصادية واجتماعية مثل: مسألة الأجور وتنظيمها، ومسألة المساكن وحماية المستأجرين، ومسألة التأمينات والمعاشات، والتشريع العملي والاجتماعي. وبذل المونسنيور سيبل لتنظيم النمسا الجديدة جهودا تخلق بالإعجاب. وكان يعتمد في سياسته أثناء هذه الأعوام على جبهة موحدة من حزبه، أعني الاشتراكيين المسيحيين والأحزاب الصغيرة الأخرى، ولكن الديموقراطيين الاشتراكيين كان لهم دائما في سير الشئون نفوذ قوي، بل كان هو الغالب في معظم الأحيان، وكانت جهودهم خلال هذه الأعوام تتجه إلى تقوية حقوق الطبقات العاملة وتوطيدها، وإلى مقاومة أصحاب الأموال والصناعات الكبرى والكتلة المحافظة من الملاك ورجال الدين. وكانت أهم المسائل السياسية التي واجهتها الجمهورية خلال هذه الفترة مسألتان: الأولى، مسألة التيرول الجنوبية، والثانية مسألة الاتحاد مع ألمانيا (الانشلوس)، فأما الأولى فترجع إلى أن معاهدة سان جرمان قضيت بفصل قسم كبير من أراضي التيرول الجنوبية عن النمسا وضمها إلى إيطاليا، وفيها نحو مائتي ألف نمسوي. وعبثا حاولت النمسا أثناء مفاوضات الصلح أن تقنع الحلفاء بتعديل هذا النص والإبقاء على حدود النمسا الطبيعية. وقد ازدادت هذه المسألة أهمية وخطورة حينما اشتدت وطأة النظم الفاشستية على أهل التيرول وأخذ السنيور موسوليني في حرمانهم شيئا فشيئا من أخص حقوقهم القومية والجنسية، وفرض عليهم اللغة الإيطالية في المدارس والكنيسة ولم يدخر وسيلة لسلخهم عن الكتلة الجرمانية وإدماجهم في الكتلة الإيطالية. عندئذ حاولت النمسا أن ترفع صوتها بالاحتجاج على هذه السياسة، وقامت الصحف النمسوية والألمانية عامة بحملة شديدة على ما تنزله الفاشستية بأهل التيرول من ضروب الظلم والإرغام؛ ولوح الرجال المسئولون في النمسا وألمانيا بإمكان طرح المسألة على عصبة الأمم تطبيقا لما تنص عليه معاهدات الصلح المختلفة من حماية الأقليات القومية. ولكن السنيور موسوليني أنكر هذه التهم، وسخر من تدخل العصبة ونوه بما تسبغه الحكومة الإيطالية على رعاياها الجدد من ضروب الرعاية والمعاونة، وأكد أن التيرول الجنوبية ضرورية لسلامة إيطاليا، وأن إيطاليا لن تنزل عنها قيد ذرة. وانتقد الشعب النمسوي موقف المونسنيور سيبل في هذه المسألة ورماه بالتردد والضعف، ولكن
стр. 2998
سيبل لم ير سبيلا للعمل الإيجابي إزاء وعيد موسوليني: ولم تستطع النمسا أن تحمل إيطاليا على تغير شيء من سياستها وخططها في التيرول، ولبثت المسالة مثاراً لسوء التفاهم بين البلدين مدى حين، وما زالت على حالها لم يتخذ بشأنها أي إجراء لإنصاف أهل التيرول.
وأما المسألة الثانية وهي مسألة اتحاد النمسا مع ألمانيا فقد لبثت مدى أعوام ظاهرة بارزة في السياسة النمسوية. وهي أمنية قديمة لدعاة الجامعة الجرمانية ترجع إلى أواخر القرن الماضي، وكانت قبل الحرب من غايات السياسة الألمانية، ولكنها لم تتخذ في النمسا الإمبراطورية أية أهمية، ولم يكن لها سوى أنصار قلائل بين شبيبة هذا العصر، فلما انتهت الحرب بانهيار الإمبراطورية القديمة وتمزيقها، وفصلت النمسا عن باقي وحداتها وشعرت النمسابمخاطر ضعفها وعزلتها عن باقي الكتلة الجرمانية، ورأت في اتحادها مع ألمانيا شقيقتها الكبرى خير سبيل لضمان مستقبلها السياسي والاقتصادي وأعربت النمسا فعلا عن هذه الأمنية لدول الحلفاء على يد مندوبيها في مؤتمر الصلح تطبيقا لمبدأ الرئيس ولسون في حرية تقرير المصير، ولكن الحلفاء عارضوا في تلك الخطوة أشد المعارضة كما قدمنا، لأن اتحاد الأمتين الجرمانيتين على هذا النحو يقوي ساعد الكتلة الجرمانية في أواسط أوربا، ويجعلها اشد خطراً وأبعد نفوذاً، ولما بدأت النمسا الجمهورية حياتها الجديدة، وآنست كل ما يعترضها من الصعاب السياسية والاقتصادية المترتبة على فصلها وعزلتها وتمزيق معاملاتها وعلائقها القديمة، عادت فكرة الاتحاد مع ألمانيا تبدو لها كعلاج ناجع، وكان الفريق المتطرف من أنصار الفكرة يرى أن يكون هذا الاتحاد تاما من جميع الوجوه السياسية والاقتصادية أو بعبارة أخرى يكون نوعا من الاندماج العام، ويرى الفريق المعتدل أن يكون هذا الاتحاد اقتصاديا قبل كل شيء يقرن بتوحيد الخطط السياسية العامة، ولكن تبقى النمسا محتفظة بشخصيتها واستقلالها الداخلي. بيد أن الفكرة كانت تلقى على وجه العموم تأييداً كبيراً من الشعب النمسوي، وكان أنصار الجامعة الجرمانية في البلدين يروجون لها بالدعاية الواسعة، وكانت تقام من أجلها المظاهرات في العاصمة النمسوية من آن لآخر، وتشجعها الحكومات النمسوية المختلفة. وكانت الديموقراطية الاشتراكية مع ذلك تشك في قيمة هذا الاتحاد وتخشى منه على مستقبلها وحقوقها إذا ما انتهى بالقضاء على
стр. 2999
استقلال النمسا بيد أنها لم تعارضه بطريقة إيجابية، وكانت تؤيد جانبه الاقتصادي على الأقل، خصوصا وقد كانت الديموقراطية الاشتراكية الألمانية يومئذ صاحبة النفوذ والسلطان في ألمانيا. واتخذت أول خطوة عملية لتحقيق مشروع هذا الاتحاد في سنة ١٩٣١ حيث عقدت النمسا مع ألمانيا اتحاد اقتصاديا جمركيا، وكان المفهوم أنه أول مرحلة فقط، ولكن دول الحلفاء، ودول الاتفاق الصغير، احتجت كلها على هذا الاتحاد بمنتهى الشدة. وانتهى الأمر بسحبه وإلغائه، وأدركت النمسا مرة أخرى أنه لن يسمح لها بالاندماج في الجامعة الجرمانية الكبرى.
وكانت فكرة الاتحاد النمسوي الألماني ما تزال قوية في النمسا حينما تولى الوطنيون الاشتراكيون الحكم في ألمانيا في يناير سنة ١٩٣٣ وأخذوا يعملون لتحقيق برنامجهم، والمعروف أن العمل على تحقيق وحدة الشعوب الجرمانية في مقدمة المبادئ التي يحتويها برنامج الهرهتلر، وليس من ريب في أن ضم النمسا لألمانيا هو أهم عناصر هذا المشروع، وكان المفهوم أن ظفر الوطنية الاشتراكية بالحكم في ألمانيا يقرب أمد هذه الغاية، ولكن سرعان ما ظهرت الوطنية الاشتراكية الألمانية في ثوبها الحقيقي، مسرفة في العنف والطغيان وسرعان ما أخذت الحكومة الهتلرية تتدخل في شئون النمسا وتعاملها بخشونة وغلظة كأنها ولاية تابعة لألمانيا. وهنا أدرك الشعب النمسوي حقيقة لم يقدرها في البداية حق قدرها، وهو أن أنصار الجامعة الجرمانية لا يفهمون من الاتحاد إلا أنه قضاء على كيان النمسا كأمة مستقلة أو بعبارة أخرى ضم النمسا لألمانيا كولاية ألمانية. وشهد الشعب النمسوي في دهشة وسخط كيف تتجنى ألمانيا الوطنية الاشتراكية على النمسا، وكيف يحاول الدعاة الهتلريون أن يضرموا في النمسا نار الحرب الأهلية لكي تقضي على وجودها، وشهدت الديموقراطية النمسوية من جهة أخرى كيف قضى الهتلريون على الديموقراطية الألمانية في غمر من العنف المثير: عندئذ انهارت في الحال فكرة (الاتحاد) (الأنشلوس)، وظهرت للشعب النمسوي في روعة خطرها وخطئها، وقضت حكومة الدكتور دولفوس ومن ورائها سواد الشعب ترد عدوان ألمانيا الهتلرية، وتعمل لحماية الاستقلال النمسوي بكل ما وسعت من جهود.
للبحث بقية
стр. 3000
محمد عبد الله عنان
-
стр. 3001
حجر رشيد والقلم الهيرغليفي
للاستاذ عبد الفتاح الزيادي مدرس التاريخ والجغرافية بدار العلوم
تعإلى الله كان السحر فيهم … أليسوا للحجارة منطقينا
(شوقي)
إن هذا الحجر وثيقة تاريخية خطيرة أدت إلى فك رموز الكتابة الهيرغليفية (المقدسة) ففتحت ما غلق من تلك المدينة المصرية القديمة التي ترعرعت على ضفاف النيل ودنت قطوفها حتى عمت جهات البحر الأبيض الشرقية.
قد هذا الحجر من صخر البازلت، وهو نوع من الحجارة البلوتونية السوداء المعروفة بصلابتها، وهو يرى الآن قائما في الطرف الجنوبي من غرفة الآثار المصرية بالمتحف البريطاني. أطلق عليه المؤرخون هذا الاسم بعد العثور عليه في مكان قريب من مصب النيل الغربي بالقرب من موضع رشيد. وقد قرر بعض المؤرخين انه كان ملقى على الأرض وقت أن عثر عليه، وقرر آخرون انه وجد مبنيا داخل جدار قديم كان نابليون قد أمر ثلة من جنوده بهدمه ليعزز ذلك الحصن الذي عرف بعد ذلك باسم حصن (القديس جوليان)
أما الذي عثر عليه فهو الضابط (بوسار) من فرقة المهندسين الذين رافقوا نابليون في حملته على مصر في أغسطس سنة ١٧٩٩ ورقي عقب ذلك إلى رتبة جنرال (قائد)
لما لاحظ (بوسار) ما على وجه الحجر الأملس من الخطوط والنقوش الغريبة أيقن إنها لابد أن تكون خطوطا من قلم خاص، وسرعان ما كاشف رئيسه الجنرال (منو) بما لاحظه، فأمره هذا بنقل الحجر إلى منزله بالإسكندرية، فنفذ بوسار الأمر وظل الحجر زمنا في بيت (منو) لا يعلم أحد من أمره شيئا حتى ادعى (منو) ملكيته واعتبره جزءا من متاعه الخاص
ولما علم نابليون بما كان من أمر هذا الحجر أصدر أمره للجنرال (منو) بنقله إلى القاهرة فصدع منو بالأمر، ونقل الحجر إلى (المعهد الوطني) الذي أسسه نابليون في المدينة، وما ذاع خبر نقله حتى تهافت عليه جمهور العلماء المرافقين لنابلون فأثار دهشتهم، وأصبح منذ ذلك الحين موضع اهتمامهم واهتمام العاهل العظيم الذي رأى ضرورة فك طلاسم ما عليه من النقوش. أمر نابليون بأن تطبع من تلك الرسوم نسخ توزع على طوائف العلماء في
стр. 3002
أوربا، واستقدم لهذا الغرض اثنين من مهرة الطباعين في فرنسا، وهما مارسل وجالان. أما الطريقة التي اتبعاها في نقل النقوش فهي تتلخص في أنهما نشرا على وجه الحجر مداد خاصا. ووضعا أدراج الورق فوق الحجر ضاغطين عليه بمضغط من مطاط حتى انطبعت الرسوم واضحة، ثم وزعت النسخ المطبوعة على علماء العاديات الشرقية في أوربا تنفيذاً لأمر نابليون، وقد اختص (المعهد الوطني بباريس) بنسختين وضعتا موضع بحث وتنقيب قام به العلامة (دوتيل)
وصول الحجر إلى إنجلترا
بعد أن أحرز (السير رالف ابركرمبي) الإنجليزي النصر في مصر بهزيمته الجنود الفرنسية سنة ١٨٠١ أبرمت معاهدة بين الإنجليز والفرنسيين تنص المادة السادسة عشرة منها على أن يسلم الفرنسيون حجر رشيد مع آثار مصرية أخرى عظيمة الخطر كانت في حوزتهم إلى الجنرال هاتشنسون في أواخر أغسطس من هذه السنة عينها، وتنفيذا لهذه المعاهدة شرع هاتشنسون يتسلم الآثار المصرية بدون كبير معارضة ويرسلها إلى إنجلترا. ولما حان تسليم حجر رشيد إليه لاقى صعوبات جمة، إذ أن الفرنسيين كانوا قد أسرعوا عقب هزيمتهم إلى نقل هذا الحجر إلى الإسكندرية وأخفوه في منزل الجنرال منو مدة من الزمن بعيدا عن أعين الرقباء، فلم يقف هاتشنسون له على أثر، إلا أنه في سبتمبر سنة ١٨٠١ عادت إنجلترا إلى طلبه على يد الماجور جنرال تيرنر تنفيذاً لشروط المعاهدة المذكورة، ملحة في ضرورة تسليمه، فلم ير الفرنسيون بدا من التنازل عنه والأسف يملأ قلوبهم وأبحر به تيرنر على الباخرة (الأجبسين) ووصل بورتسموث في فبراير سنة ١٨٠٢. وفي ١١ مارس أودع الحجر إحدى غرف جمعية الآثار بلندرة، وبقي فيها بضعة شهور فحص في أثنائها جماعة من علماء المشرق، وعلماء الإغريق ما عليه من النقش، وفي يوليه أمر رئيس الجمعية بصنع أربعة نماذج من الجبس على مثاله لجامعات أكسفورد وكمبردج وأدلبره ودبلن وطبع نسخاً من هذه النقوش وأرسلاها إلى جامعات أوربا ومكتباتها الشهيرة ومجامعها العلمية. وفي أواخر هذه السنة نقل الحجر من غرفة جمعية الآثار إلى المتحف البريطاني حيث نصب وعرض للجمهور لمشاهدته بين بقية التحف الأخرى.
стр. 3003
وصف الحجر
إن حجر رشيد كما كشف قطعة غير منتظمة من صخر البازلت يبلغ طوله نحو ثلاثة أقدام وتسع بوصات، ولا يتجاوز عرضه قدمين وأربع بوصات. أما سمكه فلا يزيد على إحدى عشرة بوصة. وليس في الإمكان تحديد الجزء الناقص منه تماماً، إلا أنه من الهين أن نحكم أنه كان أطول مما هو الآن بنحو اثنتي عشرة بوصة، ويغلب على الظن أن الطرف العلوي منه كان مقوسا. وواجهة الجزء المقوس كانت محلاة بنقوش تحوي صورة القرص ذي الأجنحة لهوروس اله أدفو. وفي أسفل القرص ذي الأجنحة كنت ترى صورة الملك واقفا مع الملكة في حضرة جمع من الآلهة. وليس من الصعب أن نتصور أن هذا الحجر وهو منصوب في المعبد بجانب تمثال الملك الذي صنع تخليداً لذكراه كان من أبرز الآثار وآخذها بالألباب وأكثرها استرعاء للنظر.
أما النقوش على الحجر فقد كانت مرسومة بلغتين مختلفتين المصرية والإغريقية. وكان يعبر عن اللغة المصرية بنوعين من الكتابة: أولهما الهيرغليفي وهو القلم العتيق المستعمل منذ عهد الأسرات الأولى في تدوين كتاب الموتى والمراسيم المختلفة. وثانيهما الديموطيقي أي القلم العامي وهو المحرف عن القلم الهيراطيقي الذي كان مستعملا في نشر الأعمال الأدبية من تأليف وغيره.
وقد بطل استعمال الخط الهيرغليفي والديموطيقي عندما دخلت الديانة النصرانية في البلاد المصرية، وحلت محلهما حروف الهجاء القبطية المركبة من ألف باء اليونانية، ومن ستة حروف توافق بعض أصوات مصرية، وليس في اليونانية ما يعبر به عنها
أما الكتابة الإغريقية المنقوشة على صفحة الحجر فقد كانت عادية ومماثلة لما تحويه المخطوطات اليونانية القديمة. ويلاحظ أن القسم الهيرغليفي على الحجر مكون من أربعة عشر سطرا فقط على حين إن ما يقابله من الإغريقي مكون من ثمانية وعشرين سطر بينما يتألف الديموطيقي من اثنين وثلاثين سطرا
مجهودات العلماء في فك رموز حجر رشيد
أثارت النقوش التي على الحجر حركة عنيفة من الترجمة والبحث بين العلماء، وكان
стр. 3004
ستيفن وستن أول من وضع ترجمة القسم اليوناني ثم ألقى هذه الترجمة أمام جمعية العاديات بلندرة سنة ١٨١٢. وقام دوتي بنقل هذا الجزء إلى الفرنسية فإذا به شكر وتمجيد مرفوعان من كهنة الإسكندرية إلى بطليموس ابيفانس
وقام بدراسة الرموز الديموطيقية العالمان الشهيران سلفستردي ساسي وأكربلاد السويدي، ونجح هذا في توضيح ما يرادف بالديموطيقية أسماء الاسكندر والإسكندرية وبطليموس واسيس وأسماء الأعلام الأخرى، ورتب حروف هجاء مستعملة في القلم الديموطيقي مازال العلماء يعولون على معظمها، وأكثرها موافق للصحة والضبط. وقد وجه هذان العالمان اهتماما خاصا بالخانات الملوكية وأوضحا ما يقابل ذلك في الهيرغليفية
وفي سنة ١٨١٨ كتب الدكتور توماس ينج في دائرة المعارف البريطانية عن نتائج دراسته الشخصية في فك رموز الحجر، ونشر جريدة (قائمة) تحوي كثيراً من الحروف والمقاطع الهيرغليفية. ويعتبر الدكتور ينج بحق أول من أدرك فكرة القاعدة الصوتية في قراءة الهيرغليفية وطبق هذه القاعدة على حله بعض الرموز.
ظلت أبجدية ينج رهن التحول والتغير إلى أن ظهر العلامة شامبليون، وهو من أبرز العلماء في جمع طلاسم القلم الهيرغليفي اشتغل منذ نشأته بدراسة اللغات الشرقية، واستوعب بنوع خاص آداب اللغة القبطية من الكبت الدينية والأناشيد الكنسية التي نشرها أقباط مصر أتباع القديس سان مارك بالإسكندرية، وقد استطاع شامبليون بمعونة اللغة القبطية أن يدرك القيمة الصوتية لكثير من العلامات المقطعية.
وفي سنة ١٨٢٢ نشر جريدة (قائمة) بالحروف والمقاطع الهيرغليفية، وأصلح بهذا بعض الأخطاء التي وردت في جريدة ينج، وقد شفع هذه الجريدة ببيان قواعد النحو عند المصريين الأقدمين فكان شامبليون أول من أدرك أن الهيرغليفي يحوي علامات تدل على أفكار ومعان مستقلة بالفهم يمكن التلفظ بها. وقد ضمن أول نتيجة ظهرت من أعماله في رسالة بعث بها إلى المسيو داسيه السكرتير الدائم في جمعية النقوش والآداب، وطبعت هذه الرسالة وقابلها الناس أولا بشيء من الاستنكار، ولكنه أزال الشك عندما نشر كتابه خلاصة قواعد الكتابة الهيرغليفية موضحا في هذا الكتاب أن الصيغ النحوية في الهيرغليفية توافق المصطلح عليها في اللسان القبطي. بهذا المجهود الجبار أصبح من السهل ترجمة الخطوط
стр. 3005
وقراءتها فلا نكون مبالغين إذا قررنا أن شامبليون هو الذي وقف على كنه أسرار الهيرغليفية وفتح الباب على مصراعيه للباحثين بعده:
ماذا على حجر الرشيد؟
إن المسطر على حجر رشيد هو صورة من القرار الذي أصدره مجلس الكهنة المصريين المجتمعين في ممفيس للاحتفال بإحياء الذكرى الأولى لتتويج بطليموس ابيفانس ملك مصر في ربيع سنة ١٩٦ ق. م. والصورة الأصلية للقرار كانت بالقلم الديموطيقي. أما الهيرغليفي واليوناني فكلاهما مترجم عن هذا الأصل. وتاريخ القرار هو اليوم. الرابع من الشهر الإغريقي (أبريل) وهو الموافق لليوم الثامن عشر من الشهر القبطي أمشير، ويتألف هذا القرار من فقرتين تحوي الفقرة الأولى ألقاب بطليموس الخامس، وتنوه بما يتحلى به الملك من الورع والتقوى وخشية الآلهة وحبه لمصر والمصرين - أما الفقرة الثانية فهي تعداد للنعم التي اسبغها الملك على البلاد وما أسداه للدين من خدمات. ويمكن تلخيص هذه النعم فيما يأتي:
١ - هبات مالية وعطايا من قمح للمعابد والهياكل - ٢ - حبس أموال على المعابد والأعمال الدينية - ٣ - نقص الضرائب الحكومية إلى النصف - ٤ - التنازل عن بعض الديون التي للحكومة على الأهلين - ٥ - إطلاق سراح المسجونين الذين قضوا معظم المدة في السجون - ٦ - العفو عن العصاة والسماح لهم بالعودة للبلاد والإقامة فيها - ٧ - ضرورة إرسال سرية عسكرية برا وبحرا ضد أعداء البلاد - ٨ - محاصرة بلدة ليكوبوليس وفتحها - ٩ - تجديد هياكل العجل ابيس ومعابده والحيوانات المقدسة الأخرى ووقف أموال عليها.
واعترافاً بهذه المبرات التي أسداها الملك بطليموس الخامس قد قرر المجلس العام للقساوسة تخليد ذكرى الملك والإكثار من إقامة حفلات الذكرى، وتتلخص قراراته فيما يأتي:
١ - صنع تماثيل لبطليومس بوصفه (منقذ مصر) تنصب في المعابد ليقوم الكهنة والناس بعباداتها.
٢ - صنع صورة ذهبية لبطليموس تحفظ في صناديق ذهبية توضع جنباً لجنب مع توابيت الآلهة وتحمل في المواكب والاحتفالات معها. ٣ - أن تكون الأيام الخمسة الأولى
стр. 3006
من شهر توت أعياداً متصلة تقدم فيها القرابين ويلبس الناس فيها أكاليل الغار. ٤ - إضافة هذا اللقب الجديد إلى ألقاب الكهنة (كهنة الإله المحسن الوهاب بطليموس ابيفانس الذي ظهر على الأرض) ونقش هذه العبارة على خاتم كل كاهن وتسجل في كل وثيقة دينية. ٥ - للجنود أن يستعيروا من المعابد الصناديق التي تحوي صور بطليموس ويحملوها معهم إلى ميادين الحرب تبركا بها. ٦ - كتابة صورة من القرار على حجارة من بازلت بلغة الآلهة (الهيرغليفية) وبلغة الأدب (الديموطيقية)، وكذا باليوناينة ويكون من بينها حجر كبير يقام في الهيكل الأعظم جنباً لجنب من تمثال بطليموس (الإله المخلد في المعابد).
عبد الفتاح الزيادي
стр. 3007
رسالة الشعر
ليس الشعر صنعة يمكن كل إنسان احترافها، ولا أداة يستطيع كل
شخص امتلاكها، وإنما هو رسالة يلهمها الشاعر، فإذا هو قد تبدل من
نفسه نفسا أخرى، تنظر إلى العالم نظرة جديدة، تغير قيم الأشياء في
رأيه، وتعدل أقدارها، نظرته لا تقف عند القشور، ولا تنحجز عند
اللفائف، وإنما تنفذ إلى اللباب، وتتغلغل إلى صميم الجوهر، وما تزال
هذه النظرة ترقى بإحساسه وتسمو بقلبه، حتى ترفع له الحجب عن
الجمال الهاجع في الكون، وتكشف له الأستار عن سحره البديع وسره
العجيب، فيخر ساجدا أمام عرشه مفتونا بحسنه، مأخوذا بروعته، وما
هي إلا عشية أو ضحاها حتى يحس بشعور غامض غريب، وحال
نفسية شاذة، لا يزالان يتضخمان في نفسه، ويتبلجان في قلبه، حتى
ينحسرا عن رسالة شاقة ممتعة معاً، هي رسالة الجمال، فيترجح بين
سترها ونشرها، ويتردد بين إخفائها وإعلانها. بيد أن رسل الوحي لا
تمهله ولا تتركه، بل تتبعه وتقلقه، وما تزال به حتى يذعن إلى تلبيتها،
ويستجيب إلى دعوتها، فيتناول قيثارته السحرية، ويوقع للناس عليها
أفكاره الغنائية اللذيذة، ويرتل عليها أناشيده العذبة الجميلة، محاولا بكل
جهده أن يطلعهم على هذه المعاني الموسيقية التي هي لباب كل شيء
في هذا الكون، وصميم كل موجود في هذا العالم، وكل ما سواها إنما
هو قشور وأغلفة، فان جمال الطبيعة ونظام الكون إنما يتألفان من
شيء يشبه النغمات الموسيقية وما بينها من ائتلاف وانسجام، ووحدة
ووئام، بل هو النغمات الموسيقية نفسها وما تحمل من رنة وجمال، وما
стр. 3008
تغشى من حسن وجلال. ولقد اهتدى أحد فلاسفة اليونان القدماء
ببصيرته النافذة إلى معرفة هذا السر الموجود في كل كائن فقال: إن
للأفلاك موسيقى تنظم حركتها ودورانها، وتحفظ توازنها وبقاءها،
وأكبر ظني أن اليونان شعروا منذ القدم بهذا الحقيقة الجميلة، وربما
كان هذا الشعور هو السبب في نبوغهم في فن الشعر، وتفوقهم على
العالم فيه، فقد نظروا إلى الطبيعة نظرة جمة الضياء، غزيرة الشعاع،
فتبينوا باطنها وكشفوا داخلها، وعرفوا أن الموسيقى هي قلبها بل هي
جمالها وجلالها، فأخذوا يقتربون منها، يحاولون أن يعرفوا أسرارها
ويمثلوا نغماتها، فكانت هذه المثل العليا في فن الشعر التي لا يزال
شعراء العالم يحتذونها حتى الآن.
والمعاني الموسيقية التي يغنيها الشاعر لا ينقلها إلينا من الطبيعة نقلا وإنما يمزجها بقلبه، ويخلطها بدمه، ثم يقدمها إلينا فتؤثر فينا تأثيراً جميلا، لأنها تصدر عن القلب، وكل ما يصدر عن القلب يؤثر في القلب، ولكن جماعة من النقاد زعمت أن الشاعر لا يرينا شيئاً أكثر من الواقع الخارجي نفسه، وكل ما يملك تلقاءه إنما ينحصر في كشف حقائقه، وكأنهم أبوا إلا إن يفسروا كل شيء في الوجود تفسيراً ماديا فأنكروا الخيال وأنكروا المثال، وما عرفوا أن في الوجود شيئاً آخر ليس حقيقة مقيدة، ولا مادة محسوسة، وإنما هو نور يشع على وجه الطبيعة، فيشرق على قلوب الشعراء، ويختلط بما فيها من نعمة وبؤس، وشقاء وسعادة، وبكاء وفرح، ويمتزج بما يسري في روعهم من خطرات وأفكار وخوالج وآراء، فإذا هو نغم مزيج من الإنسان والطبيعية، وغناء خليط من قلبه وقلبها، بل من خياله وجمالها.
وقد يكون من الجحود أن نقول إن الشعر من الأعمال الموضوعية التي لا يتبين لصاحبها فيها أثر، والتي يقتصر فيها على إبداء الملحوظات وذكر التنبيهات، فان الشعر ذاتيا أكثر
стр. 3009
منه موضوعيا وداخليا أكثر منه خارجيا، وهو يعني بتقديم شخصية صاحبة قبل عنايته بتقديم الموضوع الذي يحاول الكلام فيه، وما التصويرات والأفكار الشعرية إلا الواقع كما نحلم به ونتخيله، لا كما نراه ونشهده، ولو كانت مهمة الشعر هي نقل ما في الطبيعة لكان تكراراً قليل القيمة، ولو كانت هي فكرته عن الجماللكان أقل قيمة وأدنى درجة، وإنما تتركز مهمته السامية في أنه الحلقة الربطة بين الطبيعة في أجمل مظاهرها وأسمى معانيها وبين روح الإنسان، وإذن فالشعر لا يبتغي نقل حقائق الأشياء ولا إظهار جانب الحق وتزيف الباطل منها، فان لذلك لساناً خاصاً يقوم به. ونحن لا ننكر أن الشاعر يحب الحقيقة فان الحقيقة في ذاتها محببة إلى كل نفس ولها سلطان على القلوب لا يمكن أحد أن يجحده، ولكنا نقول إننا لا نريد من الشاعر بيان الحقائق، وإنما نريد منه تحديثنا عن الجمال المستتر في الكون، وتمثيل الموسيقى التي تؤلف بين أجزائه ووحداته، وينبغي أن ننبه إلى أن الشاعر يعرف الحقيقة معرفة أخرى غير المعرفة التي يعرفها الرياضي والرجل العادي، وكأني بالشعر ينظر إلى الأشياء من جهة خاصة به، وينظر إليها العلم من جهة ثانية، والدين ينظر إليها من جهة ثالثة، وقد ينظر إليها الشعور العام من جهة رابعة، أما هؤلاء الذين ينطقون عجبا قائلين أي حق هذا بينما يقرأون شعر الشاعر إنما هم لا يعرفون كيف يستفيدون من الفن الاستفادة الصحيحة، ولا ينتفعون بها الانتفاع الواجب وهم يضيعون أوقاتهم من حيث لا يشعرون، وإلا لو كان الأمر كما يظنون لانقلب الشعر إلى صور من الحجج والبراهين
على أن الحقيقة الواحد ة قد تتبدل من حين لآخر أمام الشاعر الواحد، ويتبين هذا من أننا نلاحظ إن الشاعر المحب إذا كان مسروراً بش للطبيعة وبش للسماء، وتخيل كأن كل شيء يحدثه ويضاحكه فالريح تسر إليه باسم حبيبته، والنجوم ترنو إليهبعين الحنان والعطف، وكل شيء في الطبيعية يداعبه ويفاكهه، أما إذا كان مخزوناً فان هذه الحقائق والأخيلة تتغير في رأيه، وتختلف في نفسه فالريح تسخر من تأوهاته، والنجوم القاسية تنظر إليه من غير تقدير ولا عناية، وكل شيء حوله مغاضب له ساخط عليه
قد يقول قائل إن الشعر يقوي ويوضح الاحساسات ويوسع الخيال، ونحن نوافق على ذلك ونزيد أن الشعر قد يعمل على تنظيم ما يضطرب في عقول الآخرين، وانه قد يوقظ العقل
стр. 3010
ويوسعه بترقية الاحساسات وكثرة الأفكار التي يلقيها إليه، ولكننا ننكر أن هذه هي غايته السامية، فليست رسالة الشعر هي التثقيف كما قال هورس، فللتثقيف أداة خاصة به والشعر لا يزاحمه فيها، وما جاء من ذلك إنما آتى عن طريق غير مباشر في عرض الرسالة وأدائها، ولعل أعظم برهان على ذلك أننا لا نسمع لشعر الشاعر، ولا لغنائه لأنه أكثر تفكيراً، ولكن لأنه أكثر حساسية وأوفر شعوراً، والذين يفهمون الشعر على أنه فلسفة أو أخلاق أو يحاولون فهمه على هذا الأساس، إنما هم مخطئون في معرفة رسالته، فالشعر لم يرسل ليكون لسانا للفلسفة، ولا أداة للأخلاق، وأما هذه الأفكار التي قد نعثر بها عند بعض الشعراء فنظنها فلسفة أو أخلاقا، فهي ليست من هذا الطراز الذي نعهده عند الفلاسفة، ولا من المبادئ التي نعرفها عند الأخلاقيين، وفهمها على هذا النحو خطأ من أساسه، ونسيان لرسالة الشعر وغايته.
والشعر لا يخضع لقانون خاص كقوانين العلم، ولا أصول ثابتة كأصول الدين، وإنما يحتاج إلى قوة التأثير التي تربط بينه وبين قلوبنا وتصل بينه وبين أفكارنا، وذلك لأنه صلة بين صاحبه وبين قارئيه، وبمقدار تلك الصلة من القوة والضعف تكون منزلته العلو والإسفاف وقد نستطيع أن نقول إن التأثير هو كل شيء في الشعر، وهو سر خلوده، وسبب بقائه على وجه الدهر، وما الشاعر العظيم إلا الذي يشعر الأشياء التي تلمس قلوب الناس وتؤثر فيها تأثيراً عميقاً، ولقد كان قلب شاكسبير - كما يقول الإنجليز - كأنه مخلوق من قلب الإنسانية ذاتها، لأنه كان يتحدث فيلم بخطرات القلوب وخلجات النفوس، ولقد كان لسانه - كما يقولون أيضا - كأنه يحفظ كل الكلام الأنساني، لأنه كان يعبر فيحسن التعبير ويؤثر فيجيد التأثير
وإنه من الحق هنا أن نذكر أن معظم شعرائنا لا يتناولون بشعرهم ما يتصل بحياتنا اتصالاً مباشراً، ولا ما يؤثر فيها ولو تأثيراً بعيداً، كأنهم في شغل عنها أو في غفلة عن أمرها، ولهذا فشعرهم لا يقع منا إلا موقع الطنين الممقوت والضوضاء الكاذبة، فهو شعر لا يمتزج بالنفوس، بل لا يتصل أي اتصال بالقلوب، وما أشبهه بمدينة منهدمة لها سور لا يكاد يقوم فلا هي تجذب العيون، ولا هو يعطف القلوب، وأكبر ظني أن هذا الخطأ الفاحش في فهم رسالة الشعر جاء هؤلاء الناس من أنهم يعيشون معيشة فنية صرفة فهم لا يستمدون فنهم
стр. 3011
من الطبيعة التي ينظرون إليها، ولا يتخذون ألوانه من الحياة التي يحيون فيها، وإنما يجذبونه جذبا من دواوين أسلافهم، ويسلبونه سلبا من موضوعاتها وأساليبها، وكأنهم جهلوا أن الشعر هو نفس صورة الحياة معبرة في حقيقة الجمال الخالدة، وموسيقاه المؤثرة.
شوقي ضيف
стр. 3012
سياسة أمريكا النقدية
الرئيس روزفلت والدولار
يتتبع الرأي العالمي سياسة روزفلت الاقتصادية والنقدية بمنتهى الاهتمام. وما زالت مشكلة الدولار الأمريكي في مقدمة المسائل العالمية لما للدولار من عظيم الارتباط بسير النقد في كثير من الأمم ومن عظيم الأثر في سير التجارة الخارجية العالمية لأن أمريكا من اعظم الدول المصدرة في العالم. وفي مصر تعنينا مسألة الدولار بنوع خاص لما لها من أثر كبير في سير أسعار القطن. وقد قرأنا في هذا الموضوع مقالا للعلامة الاقتصادي الأمريكي الدكتور ايرفنج فيشر في مجلة الأمريكية فرأينا أن نلخصه لقراء الرسالة فيما يأتي:
قال الرئيس روزفلت في ٣ يوليو الماضي ما يأتي: (إن الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن الدولار الذي يكون له بعد جيل من عصرنا من قوة في الشراء وفي أداء الدين ما للدولار الذي نؤمل أن نحصل عليه في القريب العاجل)
ويتفق جميع علماء النقد الذين درسوا هذه المسألة مع العلامة مينارد كينس في إن الرئيس روزفلت (مصيب كل الإصابة) ومع ذلك فان أغلبية الشعب الأمريكي لم تقتنع فيما يظهر بهذه الحقيقة. بيد أنه من الخطر أن تترك المسائل الفنية لحكم الجمهور. ويعتمد الرئيس روزفلت في عمله على مؤازرة اثنين من أعظم خبراء النقد في العالم هما: الدكتور وارنز الأستاذ بجامعة كورنل، والدكتور هارفي روجرز الأستاذ بجامعة ييل
ونرى عند تحليل كلمات الرئيس روزفلت إن سياسته النقدية تقوم على غايتين: الأولى هي رفع مستوى الأثمان، والثانية هي الاستقرار أو تحديد مستوى الأثمان. وقد قال الرئيس روزفلت فيما يتعلق بالمسألة الأولى ما يأتي:
(إن الحكومة تنوي أن تعمل على رفع أثمان الحاجات إلى حد يمكن أولئك الذين اقترضوا مالا من أن يؤدوا ذلك المال بنفس نوع الدولار الذي اقترضوا به، ونحن لا نريد أن نمكنهم من الحصول على دولار يكون من الرخص بحيث يمكنهم من الأداء بأقل مما اقترضوا، ونريد بعبارة أخرى أن نصلح خطأ ارتكب لا أن نحدث خطأ جديدا في الناحية الأخرى)
وإذا كان التضخم النقدي أمرا لا يرغب فيه، فكذلك التمسك النقدي مما لا يستحب. ونستطيع أن نقول إن التدهور الاقتصادي الحاضر يرجع في معظمه إلى التمسك النقدي.
стр. 3013
وهو (تمسك) في الدين، والدين والتمسك يتفاعلان معا. وقد كان عبء الدين الذي تواجهه الأمة فادحا، فادى ذلك إلى تدهور البيع، ونقض الودائع في البنوك بسبب تصفية القروض، وكان هذا الانكماش في تداول النقد، والهبوط في البيع، سببا في هبوط مستوى الأثمان ورفع قيمة الدولار من حيث القوة الشرائية بما يبلغ ٨١ في المائة، وهذا يعني إن كل دين كانتقيمته ألف دولار، اصبح يعادل ١٨١٠ دولارات، وكان هذا اصعب واشق في الأداء
وقد كان هذا المجهود الذي بذل في أداء الدين سببا في نقص ودائع البنوك، ومن ثم في زيادة الديون، وكلما حاول الشعب الأمريكي أن يتخلص من دينه كلما شعر أن عبء الدين يزداد، وذلك لأن الدين يجب أن يقاس بقيمة السلع الحقيقية. وهذا هو لغز الركود التجاري. فنحن قد أدينا في الظاهر ٢٠ في المائة من ديوننا، ولكننا في الحقيقة زدنا هذه الديون ٤٠ في المائة بما بذلناه في سبيلها مدى أربعة أعوام من السلع الحقيقية
وللمسألة وجوه كثيرة يثيرها خصوم الرئيس روزفلت. أولها إن هذا التضخم النقدي هو تضخم غير محدود. والواقع ليس كذلك بل ليس في أمريكا رجل مسئول يقوم بالتضخم غير المحدود، وكل ما هنالك هو انه يراد أن يسير التضخم إلى الحد الذي يتدارك فيه أثر (التمسك).
ثم يقال انه حتى لو أريد ضبط هذا التضخم، فأنه سيفلت من كل ضبط، ويضربون لذلك مثل ألمانيا التي انتهت سياسة التضخم فيها بكارثة نقدية، وان مثل هذا التضخم يحدث بنوع خاص بواسطة الأوراق النقدية الحكومية. ولكنا قد جزنا في أمريكا هذه التجربة مرتين: الأولى سنة ١٨٦٥، والثانية أثناء الحرب. وقد استطعنا في كلتيهما أن نوقف سيل التضخم، بل وان نصل إلى نوع من (التمسك)
ويقال أيضا إن كل رفع الأثمان بالطريقة النقدية هو عمل مصطنع، نظراً لأن الأثمان يحددها قبل كل شيء قانون العرض والطلب. وهذا غير صحيح. فان أسعار القطن مثلا لا تتأثر فقط بعرض القطن وطلبه، ذلك أن طلب النقود وعرضها أيضاً عامل مهم، فإذا قايضت قطنا بفضة، وارتفع سعر القطن المقوم بالفضة، فلا يمكن أن ننسب هذا الارتفاع في الثمن لأسباب تتعلق بالقطن وحده. ذلك أن القطن في هذه الحالة يرتفع بالنسبة للفضة، وتنخفض الفضة بالنسبة للقطن، والعرض والطلب كلاهما مهم. وكذا سعر كل سلعة يتأثر
стр. 3014
بعرض النقود وطلبها. ولا يمكن في الواقع أن يقوم عرض القطن وطلبه بالنقود دون أن نرجع إلى قوة النقود في الشراء. وهذه القوة تمثل في كل ثمن وكل مساومة. بيد أن هذه الحقيقة تنسى دائماً. فإذا حدث هبوط عام في أسعار الحاجات كما هو حادث منذ أعوام، فان الناس لا يفهمون السر في ذلك إلا أنه يرجع إلى وفرة الإنتاج. ولكن هذا الهبوط يرجع في الواقع إلى قلة النقود أكثر مما يرجع إلى وفرة الإنتاج.
ويقولون أيضا إن مثل هذا الاستقرار في الأثمان لا قيمة له بل هو ضار. والوقائع تثبت غير ذلك، وفي رأيهم أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن إلا أن يكون بالنسبة للذهب، وأنه يجب علينا أن نعود إلى معيار الذهب بأسرع ما يستطاع، وهذا وهم. ذلك أننا إذا كنا على عيار الذهب، فأنا نعتبر أن معيار النقد يجب أن يكون هو الذهب وإننا سنعود إليه. ولكن إذا كانت دولة أخرى تتبع معيار الذهب فأنا نشكو من اضطراب القطع بين البلدين. وقد كان المستطاع حينما كانت ألمانيا وروسيا تجوز كل منهما عملية التضخم الكبرى. أن ينشأ بينهما معيار ثابت للقطع؛ ولكن ذلك لا يعني ثبات المارك أو الروبل، ولكن معناه انهما قد خفضا معاً، وكذلك لو قام بيننا وبين فرنسا مثلا معيار ثابت للقطع، وبقينا معاً على عيار الذهب، فليس معنى ذلك أن الدولار أو الفرنك ثابتان؛ ولكن معناه انهما قد ارتفعا معاً في الأعوام الأخيرة، وما نريده هو تثبت الفرنك والدولار، أو المارك والروبل، بالنسبة للسلع والأشياء الحقيقية وبالنسبة لقوة الشراء التي تعبر عنها النقود
لقد اتبعت أمريكا سياسة الذهب، ولكنها تركت معيار الذهب في الأثمان، فكان من نتيجة ذلك أن وقف هبوط التجارة الأمريكية وهبوط الأثمان.
وللرئيس روزفلت في ذلك سلطة هائلة، فهو إذا قرر أن يخفض الدولار إلى نصف قيمته الأصلية كما هو مخول له، فمعنى ذلك أن الأربعة بلايين دولار من الذهب التي تملكها أمريكا تصبح في الحال ثمانية بلايين إذا أوقفنا شراء الذهب من الخارج.
стр. 3015
٣ - التفاؤل والتشاؤم وهل لهما أسباب تاريخية
بعض غرائب الخرافات عند الغربيين والشرقيين
أيام الأسبوع
إن فكرة التشاؤم من بعض أيام الأسبوع سائدة عند الأمم الغربية، ويعتقدون بعدم التوفيق ونجاح الأعمال فيه، فيوم النحس عند الفرنسيين هو يوم الأربعاء، وعند الألمان يوم الاثنين، وعند الإنجليز يوم الثلاثاء، حتى أن عدد الذين يركبون القطار المترو الذي يسير تحت الأرض قليل جداً بالنسبة إلى عدد الركاب في الأيام الأخرى من الاسبوع، ويعتبر الأميركيون يوم الجمعة من أسوأ أيام الأسبوع. وبعضهم يعتقد أن أقبح الأيام يوم الأربعاء، وأغرب من هذا أن عالماً أمريكياً يدين بهذه الفكرة ويؤيدها. وأحسن الأيام عند الأميركيين هو يوم السبت فتجدهم يقيمون فيه حفلاتهم.
وكان المغفور له السلطان حسين كامل يتشاءم بيوم الاربعاء، ولا يحب أن يقرر فيه قراراً ما. ومما يروى عنه في هذا الصدد انه لما أراد أن يعين لنفسه طبيباً خاصاً سأل الأطباء الذين كانوا يتولون معالجته عن أسم الطبيب الذي يشيرون عليه باختياره، فذكروا له اسم الدكتور محمد شاهين باشا وكيل وزارة الداخلية للشؤون الصحية الآن فدعاه إلى مقابلته، وبعد ما حادثه مليا أبلغه أنه يرغب في تعينه طبيباً خاصاً له، ثم صرفه بعد ما طلب منه أن يعود إليه في اليوم التالي ليصدر قرار تعيينه.
ولم يؤجل ﵀ قرار التعيين إلى الغد إلا لأن المقابلة كانت يوم الأربعاء فلم يشأ أن يصدر القرار في ذلك اليوم، وخصوصا أن القرار كان لأمر متعلق بصحته.
وكان أهالي جزيرة مدغشقر حتى عهد قريب يقتلون الأطفال الذين يولدون في أيام الأسابيع المحسوبة شؤما. وكانوا يرمون جثثهم في البحر تيمنا.
ولم يبين أحد من الباحثين حتى الآن سبب التشاؤم من بعض أيام الأسبوع، وربما يرجع هذا التشاؤم إلى عقائد فاشية عند القدماء، ثم انقطعت الثقافة بينهم وبين أسلافهم فلا يمكنهم التفسير على وجه سديد.
كسر المرآة
следующие страницы →