Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
من الطبيعة التي ينظرون إليها، ولا يتخذون ألوانه من الحياة التي يحيون فيها، وإنما يجذبونه جذبا من دواوين أسلافهم، ويسلبونه سلبا من موضوعاتها وأساليبها، وكأنهم جهلوا أن الشعر هو نفس صورة الحياة معبرة في حقيقة الجمال الخالدة، وموسيقاه المؤثرة.
شوقي ضيف
стр. 3012
سياسة أمريكا النقدية
الرئيس روزفلت والدولار
يتتبع الرأي العالمي سياسة روزفلت الاقتصادية والنقدية بمنتهى الاهتمام. وما زالت مشكلة الدولار الأمريكي في مقدمة المسائل العالمية لما للدولار من عظيم الارتباط بسير النقد في كثير من الأمم ومن عظيم الأثر في سير التجارة الخارجية العالمية لأن أمريكا من اعظم الدول المصدرة في العالم. وفي مصر تعنينا مسألة الدولار بنوع خاص لما لها من أثر كبير في سير أسعار القطن. وقد قرأنا في هذا الموضوع مقالا للعلامة الاقتصادي الأمريكي الدكتور ايرفنج فيشر في مجلة الأمريكية فرأينا أن نلخصه لقراء الرسالة فيما يأتي:
قال الرئيس روزفلت في ٣ يوليو الماضي ما يأتي: (إن الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن الدولار الذي يكون له بعد جيل من عصرنا من قوة في الشراء وفي أداء الدين ما للدولار الذي نؤمل أن نحصل عليه في القريب العاجل)
ويتفق جميع علماء النقد الذين درسوا هذه المسألة مع العلامة مينارد كينس في إن الرئيس روزفلت (مصيب كل الإصابة) ومع ذلك فان أغلبية الشعب الأمريكي لم تقتنع فيما يظهر بهذه الحقيقة. بيد أنه من الخطر أن تترك المسائل الفنية لحكم الجمهور. ويعتمد الرئيس روزفلت في عمله على مؤازرة اثنين من أعظم خبراء النقد في العالم هما: الدكتور وارنز الأستاذ بجامعة كورنل، والدكتور هارفي روجرز الأستاذ بجامعة ييل
ونرى عند تحليل كلمات الرئيس روزفلت إن سياسته النقدية تقوم على غايتين: الأولى هي رفع مستوى الأثمان، والثانية هي الاستقرار أو تحديد مستوى الأثمان. وقد قال الرئيس روزفلت فيما يتعلق بالمسألة الأولى ما يأتي:
(إن الحكومة تنوي أن تعمل على رفع أثمان الحاجات إلى حد يمكن أولئك الذين اقترضوا مالا من أن يؤدوا ذلك المال بنفس نوع الدولار الذي اقترضوا به، ونحن لا نريد أن نمكنهم من الحصول على دولار يكون من الرخص بحيث يمكنهم من الأداء بأقل مما اقترضوا، ونريد بعبارة أخرى أن نصلح خطأ ارتكب لا أن نحدث خطأ جديدا في الناحية الأخرى)
وإذا كان التضخم النقدي أمرا لا يرغب فيه، فكذلك التمسك النقدي مما لا يستحب. ونستطيع أن نقول إن التدهور الاقتصادي الحاضر يرجع في معظمه إلى التمسك النقدي.
стр. 3013
وهو (تمسك) في الدين، والدين والتمسك يتفاعلان معا. وقد كان عبء الدين الذي تواجهه الأمة فادحا، فادى ذلك إلى تدهور البيع، ونقض الودائع في البنوك بسبب تصفية القروض، وكان هذا الانكماش في تداول النقد، والهبوط في البيع، سببا في هبوط مستوى الأثمان ورفع قيمة الدولار من حيث القوة الشرائية بما يبلغ ٨١ في المائة، وهذا يعني إن كل دين كانتقيمته ألف دولار، اصبح يعادل ١٨١٠ دولارات، وكان هذا اصعب واشق في الأداء
وقد كان هذا المجهود الذي بذل في أداء الدين سببا في نقص ودائع البنوك، ومن ثم في زيادة الديون، وكلما حاول الشعب الأمريكي أن يتخلص من دينه كلما شعر أن عبء الدين يزداد، وذلك لأن الدين يجب أن يقاس بقيمة السلع الحقيقية. وهذا هو لغز الركود التجاري. فنحن قد أدينا في الظاهر ٢٠ في المائة من ديوننا، ولكننا في الحقيقة زدنا هذه الديون ٤٠ في المائة بما بذلناه في سبيلها مدى أربعة أعوام من السلع الحقيقية
وللمسألة وجوه كثيرة يثيرها خصوم الرئيس روزفلت. أولها إن هذا التضخم النقدي هو تضخم غير محدود. والواقع ليس كذلك بل ليس في أمريكا رجل مسئول يقوم بالتضخم غير المحدود، وكل ما هنالك هو انه يراد أن يسير التضخم إلى الحد الذي يتدارك فيه أثر (التمسك).
ثم يقال انه حتى لو أريد ضبط هذا التضخم، فأنه سيفلت من كل ضبط، ويضربون لذلك مثل ألمانيا التي انتهت سياسة التضخم فيها بكارثة نقدية، وان مثل هذا التضخم يحدث بنوع خاص بواسطة الأوراق النقدية الحكومية. ولكنا قد جزنا في أمريكا هذه التجربة مرتين: الأولى سنة ١٨٦٥، والثانية أثناء الحرب. وقد استطعنا في كلتيهما أن نوقف سيل التضخم، بل وان نصل إلى نوع من (التمسك)
ويقال أيضا إن كل رفع الأثمان بالطريقة النقدية هو عمل مصطنع، نظراً لأن الأثمان يحددها قبل كل شيء قانون العرض والطلب. وهذا غير صحيح. فان أسعار القطن مثلا لا تتأثر فقط بعرض القطن وطلبه، ذلك أن طلب النقود وعرضها أيضاً عامل مهم، فإذا قايضت قطنا بفضة، وارتفع سعر القطن المقوم بالفضة، فلا يمكن أن ننسب هذا الارتفاع في الثمن لأسباب تتعلق بالقطن وحده. ذلك أن القطن في هذه الحالة يرتفع بالنسبة للفضة، وتنخفض الفضة بالنسبة للقطن، والعرض والطلب كلاهما مهم. وكذا سعر كل سلعة يتأثر
стр. 3014
بعرض النقود وطلبها. ولا يمكن في الواقع أن يقوم عرض القطن وطلبه بالنقود دون أن نرجع إلى قوة النقود في الشراء. وهذه القوة تمثل في كل ثمن وكل مساومة. بيد أن هذه الحقيقة تنسى دائماً. فإذا حدث هبوط عام في أسعار الحاجات كما هو حادث منذ أعوام، فان الناس لا يفهمون السر في ذلك إلا أنه يرجع إلى وفرة الإنتاج. ولكن هذا الهبوط يرجع في الواقع إلى قلة النقود أكثر مما يرجع إلى وفرة الإنتاج.
ويقولون أيضا إن مثل هذا الاستقرار في الأثمان لا قيمة له بل هو ضار. والوقائع تثبت غير ذلك، وفي رأيهم أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن إلا أن يكون بالنسبة للذهب، وأنه يجب علينا أن نعود إلى معيار الذهب بأسرع ما يستطاع، وهذا وهم. ذلك أننا إذا كنا على عيار الذهب، فأنا نعتبر أن معيار النقد يجب أن يكون هو الذهب وإننا سنعود إليه. ولكن إذا كانت دولة أخرى تتبع معيار الذهب فأنا نشكو من اضطراب القطع بين البلدين. وقد كان المستطاع حينما كانت ألمانيا وروسيا تجوز كل منهما عملية التضخم الكبرى. أن ينشأ بينهما معيار ثابت للقطع؛ ولكن ذلك لا يعني ثبات المارك أو الروبل، ولكن معناه انهما قد خفضا معاً، وكذلك لو قام بيننا وبين فرنسا مثلا معيار ثابت للقطع، وبقينا معاً على عيار الذهب، فليس معنى ذلك أن الدولار أو الفرنك ثابتان؛ ولكن معناه انهما قد ارتفعا معاً في الأعوام الأخيرة، وما نريده هو تثبت الفرنك والدولار، أو المارك والروبل، بالنسبة للسلع والأشياء الحقيقية وبالنسبة لقوة الشراء التي تعبر عنها النقود
لقد اتبعت أمريكا سياسة الذهب، ولكنها تركت معيار الذهب في الأثمان، فكان من نتيجة ذلك أن وقف هبوط التجارة الأمريكية وهبوط الأثمان.
وللرئيس روزفلت في ذلك سلطة هائلة، فهو إذا قرر أن يخفض الدولار إلى نصف قيمته الأصلية كما هو مخول له، فمعنى ذلك أن الأربعة بلايين دولار من الذهب التي تملكها أمريكا تصبح في الحال ثمانية بلايين إذا أوقفنا شراء الذهب من الخارج.
стр. 3015
٣ - التفاؤل والتشاؤم وهل لهما أسباب تاريخية
بعض غرائب الخرافات عند الغربيين والشرقيين
أيام الأسبوع
إن فكرة التشاؤم من بعض أيام الأسبوع سائدة عند الأمم الغربية، ويعتقدون بعدم التوفيق ونجاح الأعمال فيه، فيوم النحس عند الفرنسيين هو يوم الأربعاء، وعند الألمان يوم الاثنين، وعند الإنجليز يوم الثلاثاء، حتى أن عدد الذين يركبون القطار المترو الذي يسير تحت الأرض قليل جداً بالنسبة إلى عدد الركاب في الأيام الأخرى من الاسبوع، ويعتبر الأميركيون يوم الجمعة من أسوأ أيام الأسبوع. وبعضهم يعتقد أن أقبح الأيام يوم الأربعاء، وأغرب من هذا أن عالماً أمريكياً يدين بهذه الفكرة ويؤيدها. وأحسن الأيام عند الأميركيين هو يوم السبت فتجدهم يقيمون فيه حفلاتهم.
وكان المغفور له السلطان حسين كامل يتشاءم بيوم الاربعاء، ولا يحب أن يقرر فيه قراراً ما. ومما يروى عنه في هذا الصدد انه لما أراد أن يعين لنفسه طبيباً خاصاً سأل الأطباء الذين كانوا يتولون معالجته عن أسم الطبيب الذي يشيرون عليه باختياره، فذكروا له اسم الدكتور محمد شاهين باشا وكيل وزارة الداخلية للشؤون الصحية الآن فدعاه إلى مقابلته، وبعد ما حادثه مليا أبلغه أنه يرغب في تعينه طبيباً خاصاً له، ثم صرفه بعد ما طلب منه أن يعود إليه في اليوم التالي ليصدر قرار تعيينه.
ولم يؤجل ﵀ قرار التعيين إلى الغد إلا لأن المقابلة كانت يوم الأربعاء فلم يشأ أن يصدر القرار في ذلك اليوم، وخصوصا أن القرار كان لأمر متعلق بصحته.
وكان أهالي جزيرة مدغشقر حتى عهد قريب يقتلون الأطفال الذين يولدون في أيام الأسابيع المحسوبة شؤما. وكانوا يرمون جثثهم في البحر تيمنا.
ولم يبين أحد من الباحثين حتى الآن سبب التشاؤم من بعض أيام الأسبوع، وربما يرجع هذا التشاؤم إلى عقائد فاشية عند القدماء، ثم انقطعت الثقافة بينهم وبين أسلافهم فلا يمكنهم التفسير على وجه سديد.
كسر المرآة
стр. 3016
من الخرافات السائدة بين الناس عامة والنساء خاصة التشاؤم من كسر المرآة. والأصل في ذلك أن الإنسان القديم كان يحسب أن ظله جزء منه، وإن إيذاء الظل هو إيذاء له لأنه بمثابة الروح منه. وكلمة ظل عند بعض الأمم في آسيا تعني الروح. وكان الإنسان قبل اختراع المرآة ينظر صورة ظله على أسطح مياه الأنهار والبحيرات وغيرها، وذلك لأن الزجاج لم يكن قد عرف بعد. وما زلنا نرى في (المندل) بعض آثار هذه الخرافات القديمة. فأن هناك اعتقاداً بأن من ينظر في كوب به ماء ثم تتلى عليه الرقي يرى أشياء خفية لا يراها غيره. واكثر ما يكون الخطر من المرآة في الوقت الذي يكون أحد في المنزل في النزع الأخير أو قد توفى من وقت قريب لأن الموت عندئذ يرفرف بجناحيه على المنزل، فليست رؤية الظل (الروح) مما تؤمن عاقبته. ولذلك كثيرا ما يقلب الناس مراياهم في ذلك الوقت العصيب. والأصل كما قلنا هو خوف الناس من تعرض أرواحهم أي ظلالهم للأذى أو الموت كما يتوهم المتوحشون القدماء إن الظل هو الروح
السلم
مما يتشاءم منه الغربيون المشي تحت أو وراء السلم، وقد ذكرت مجلة إنجليزية محادثة بين سيدة وصديقتها عن خرافة السلم:
السيدة - أنا لا امشي تحت سلم مطلقا لاعتقادي أن ذلك شديد الخطر.
صديقتها - أنت بلهاء فأني أضع أطراف أصابعي الصغيرة معاً واثني الثلاث الأخر في راحة اليد وابسط الإبهامين ثم أقول (ماجنوم بونوم) وامشي رابطة الجأش تحت السلم فإذا فعلت مثلي مررت من دون أن يلحق بك أذى.
وقد ألقت المس (واليس) إحدى مدرسات لندن محاضرة يوم ١٩ يناير سنة ١٩٢٨ عن منشأ الخرافات السائدة بين الشعب الإنجليزي فقالت: إن خرافة السلم يرجع تاريخها إلى أزمنة العقاب بلا محاكمة قانونية فكان المحكوم عليهم يشنقون بتعليقهم على سلم إذا لم تكن شجرة في مكان التنفيذ، وكان كل شخص يتفق وجوده وراء السلم مستهدفاً لخطر الاتهام بالاشتراك مع المشنوق في جرمه.
إبراهيم تادرس بشاى
стр. 3017
تعد ذنوبي. . .
يصدق الشطر الأول من بيت أبي العلاء المشهور على الشرق في موقفه اليوم من الغرب. سواء أصدق الشطر الثاني أم لم يصدق، ولا يسع الشرقي في بلاد الغرب إلا أن يتمثل به ما بين آن وآخر. فالشرق كما قال الاستعماري كلبنج ما زال شرقاً والغرب غرباً وكلاهما جاهل بالآخر، والغرب أجهل بصاحبه. الشرق مخدوع في الغرب يحسبه أرقى مما هو عليه، والغرب مزدر للشرق يظنه أحط مما هو في الواقع.
صورة الشرق في ذهن الإنجليزي وإن يكن متعلما صورة خيالية. تحوي أمراء مترفين عائثين ورعايا كادحين مخشوشنين. صحارى وغابات تجيش بغوائل الوحش والإنسان. ورجلا أبيض ينشر الخير والبركات ويبدل الشرور منافع محتسبا لا يبغي غير وجه المدنية ورضى الانسانية. فان جاء أحد أبناء تلك البلاد يفهم ذلك الواهم أن تلك الصورة القصصية التي ربما انطبقت على بعض نواحي الهند في غابر الأيام لا تنطبق على الشرق اليوم. وأن الشرقيين ليسوا موغلين في الجمود والتشبث بالقديم كل ذلك الإيغال، وإنما هم فضلا عن عراقة حضارتهم يسعون جهدهم - وقد ظهرت مدنية أوربا على غيرها من المدنيات - أن يأخذوا بأسبابها ويسايروا عصرها، إذا أراد الشرقي أن يشرح ذلك للإنجليزي الذي لم يبرح بلاده انصرف عنه معرضا. لأنه يراه يفسد عليه صورته المحبوبة التي يألفها ولا يريد فراقها
ومهما أطنب الإنجليزي في روعة الشرق وثروته ولآلائه وفتنته. ومهما ود لو تتاح له مشاهدة كل ذلك فانه يعود - إذا ما تأمل الصورة الموصوفة - إلى نفسه مغتبطا ويحمد الله من صميم قلبه على أن خلقه إنجليزيا مسيحياً لا عربياً مسلماً ولا هندياً بوذياً، وقدر له أن يقضي حياته في ربوع المدنية لا بين أكناف الهمجية
فلا عجب أن ينظر الإنجليزي إلى نزلاء وطنه - ولا أقول ضيوفه - من الشرقيين نظره إلى أطفال كبار جاءوا ليتلقوا في بلاده طرق الحياة وسبل المدنية، ويتوهم أنهم حين وطئوا أرضه طرحوا عاداتهم وتقاليدهم وأزياءهم المتأخرة جانبا، واستبدلوا بها الطرق الإنجليزية الراقية، وبدءوا حياة جديدة، ولا عجب ان يضمر لهم كثيرا من الازدراء وغير قليل من الكراهية.
قابلت في بعض جولاتي في إنجلترا إنجليزيا يعمل في السودان كان يقضي عطلته في
стр. 3018
بلاده. فسألني في غضون الحديث. كيف ترى إقامتك في إنجلترا؟ قلت: أين هي من إقامة الأوربي في مصر؟ قال: ماذا تعني؟ إن الإنجليز يحبون المصريين ويرحبون بهم في منازلهم، قلت: لا أرى دليلاً على ذلك. وليست تخدعني المجاملة الظاهرة عما تكن النفوس من ترفع تارة وكراهية أخرى. قال: كيف؟ هل لقيت سوى حسن المعاملة حيثما ذهبت؟ قلت هبني لم ألق سواها فما ذاك إلا لأني رجل مهذب أحترم نفسي وأرعى حق غيري، فمن له بمخاشنتي وهذا محملي؟ فمضى في مكابرته الإنجليزية التي تعمى عن الحقائق من أجل أغراضها عماية عجيبة
ومضى زمن، وكنت أحادث طالبة إنجليزية بيني وبينها صداقة وثيقة فقالت: كم زوجا لك في مصر؟ قالتها بلجهة بن الجد والمزاح وقدماً قال شاعرهم شكسبير: كم من حقيقة أودعت نكتة، وأذكرني الخوض في هذا الشأن حديث ذلك الإنجليزي، فأردت ان أستوثق منها صراحة عن حقيقة رأي الإنجليز في الأجانب وشعورهم نحوهم، قالت أتروم الحق! قلت الذي لا غبار عليه والذي لن يغضبني مهما قسا
قالت: فأما إذا تروم الحق، فالإنجليز لا يحبون الأجانب عامة لأنهم يعدون أنفسهم سادة العالم، ولا يقيمون كبير اعتبار لما جاء من خارج جزيرتهم، ثم هم أشد نفوراً من الشرقيين الملوني البشرة لأنهم شديدو البعد والاختلاف عنهم، ولأنهم في الغالب غير مسيحيين، ومن لم يكن مسيحيا فهو في نظرهم لا يؤتمن، ثم إن المعروف بينهم عن الشرقيين أنهم شهوانيون، وأنت تعلم ما يقال عن مسائل الحريم وتعدد الزوجات، وأخيراً لأن من يفد إلى هذه البلاد من طلابهم هم عادة صفوة شباب بلادهم، وهم لذلك يفوقون أقرانهم الانجليز، ولذا ينقم عليهم طلاب الذكور خاصة
وكنت وعدت مخاطبتي ألا أغضب، فلم أشأ أن أفند لها هذه الأوهام، ولا سيما وقد عزتها إلى غيرها في لهجة من هي براء منها، فلم أقل لها إن القول بسيادة الإنجليز للعالم فيه ادعاء وتغرير، فتلك السيادة إن صحت لا يتمتع بها وبما تجره من منافع مادية سوى طبقة محدودة من الإنجليز، بينما سواد الشعب لا يمتاز كثيراً من سواد الشعوب الأخرى من نواحي التعلم والثراء والخضوع لتحكم الطبقة العليا، وإن المسيحية ليست أسمى ولا أطهر من الإسلام والبوذية دين الملايين من الشرقيين، وإن الإنجليز وإن رموا غيرهم بالشهوانية
стр. 3019
يقارفون مثل ما يقارف غيرهم لأنهم آدميون مثلهم، لم تكن لذكر هذا وذاك جدوى فلم أذكره وإنما شكرت الطالبة على بيانها الواضح المفيد المليء بالعبر
وذكرت هذا كله حين قرأت كلمة الدكتور عوض التي سماها (جريمة) فقلت: صدق الدكتور الفاضل، ولكنه ذكر جريمة واحدة، ولنا غير جريمة سمرة البشرة جرائم أخرى عديدة. وذنوبنا تعد عند قوم كثيرة.
فخريي أبو السعود
стр. 3020
ابن سينا
(انه من أشهر مشاهير العلماء العالميين)
(سارطون)
مقدمة:
ما أقل الذين يعرفون أن ابن سينا اشتغل في الرياضيات والفلك، وأن له فضلا كبيراً في علم الطبيعة وقد يكون لهم بعض العذر إذا علمنا أنه كان فيلسوفاً وطبيباً، وان شهرته في هاتين الناحيتين ومؤلفاته الكثيرة فيهما جعلت الناس لا ترى عبقريته في النواحي الاخرى، وسيقتصر بحثنا في هذا المقال على مآثر ابن سينا في الرياضيات وعلم الطبيعة، وقد نأتي عرضا على بعض آثاره في الفروع الأخرى من المعرفة. وهو أبو علي الحسن بن عبد الله بن سينا ويلقب بالشيخ الرئيس، ويعرف عند الإفرنج باسم ويقول عنه بعض فلاسفة الغرب انه أرسطو الإسلام وابقراطه، وهو أيضاً من العلماء العالميين المشهود لهم بطول الباع في كثير من العلوم والفنون. ولد في خرميشن من ضياع بخارى سنة ٣٧١هـ - ٩٨٠م وتوفي في همدان سنة ٤٢٨هـ - ١٠٣٧م. اشتغل ابن سينا في الرياضيات والفلك وعلم الطبيعة وكان له بها ولع خاص، وكذلك في الفلسفة والموسيقى والطب والمنطق، وله في هذه كلها مؤلفات قيمة يعد بعضها من موسوعات العلوم وتشهد له بعبقريته ونبوغه، وقد نقلت هذه المؤلفات إلى اللاتينية وكان لها تأثير عظيم في نهضة أوربا الحديثة.
منشؤه
كان والد الشيخ الرئيس من بلخ، انتقل إلى بخارى في أيام نوح بن منصور سلطان بخارى، واشتغل والياً في إحدى قراها خرميشن، وبعد حين رجع إلى بخارى حيث تولى تهذيب ولده، فاحضر معلما ليدرسه القرآن الكريم والأدب وعلم النحو، وصادف ان جاء إلى بخارى عبد الله الناتلي، ونزل في دار الشيخ الرئيس فاستفاد منه كثيراً، ثم اخذ ابن سينا يقرأ الكتب بنفسه ويطالع الشروح فقرأ كتب هندسة اقليدس، وكتب المجسطي والطبيعيات والمنطق وما وراء الطبيعة، فخرج من ذلك واقفاً على دقائق علم الهندسة بارعاً في الهيئة محكما علم المنطق، مبرزاً في علم الطبيعة وعلوم ما وراء الطبيعة، ولم
стр. 3021
يكتف بذلك، بل عكف على دراسة الطب وقراءة الكتب المصنفة فيه، ويقول عن (نفسه) في هذا (ثم رغبت في علم الطب وصرت اقرأ الكتب المصنفة فيه، وعلم الطب ليس من العلوم الصعبة، فلا جرم أنني برزت فيه في اقل مدة، حتى بدأ فضلاء الطب يقرأون على علم الطب؛ وتعهدت المرضى فانفتح علي من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف) واشتهر كثيرا في هذا العلم وطار اسمه في الآفاق حتى دعاه الأمراء لتطبيبهم، ووفق في مداواة الأمير نوح والأمير شمس الدولة، والأمير علاء الدولة ونجح في معالجتهم فسروا منه كثيراً وأنعموا عليه وفتحوا له خزائنهم ودور كتبهم، وفي هذه وجد مجالا كبيراً لتتم دراساته وللتعمق في مختلف فروع المعرفة، ويقال إن ابن سينا لم يكن منقطعاً انقطاعاً تاماً للعلم والتأليف، بل كان في كثير من الأحايين يعين والده في أعمال الدولة
وبعد وفاة والده (وكان إذ ذاك في الثانية والعشرين من عمره) ترك بخارى ورحل إلى جرجان حيث كان يقطن فيها رجل اسمه ابو محمد الشيرازي اشتهر بميله وشغفه بالعلم، فتعرف إليه ابن سينا وقويت بينهما وشائج الصداقة حتى اشترى الشيرازي للشيخ داراً في جواره وأنزله فيها، وفيها ألف الشيخ الرئيس كثيراً من مؤلفاته القيمة: ككتاب القانون الذي هو من أهم المؤلفات الطبية ومن المؤلفات النادرة التي تشمل على أساس علوم الطب، وقد بقى كتاب القانون منهلا عاماً يستقى منه الراغبون في الطب قروناً عديدة. ولم تطل إقامة الشيخ كثيراً في جرجان (لاسباب سياسية) بل اضطر إلى تغير موطنه مراراً، فاتى همذان حيث استوزره الأمير شمس الدولة، ولكن الظروف حالت دون بقائه كثيراً في الوزارة فان الجند طلبوا قتله، ولم يرض بذلك الأمير وأنقذه منهم بعد عناء، وبعد وفاة الأمير شمس الدولة وانتقال الملك إلى ابنه كاتب ابن سينا سرا علاء الدولة أمير أصفهان (لأعراض شمس الدولة عنه) يطلب الانضمام إلى جانبه، واكتشفت هذه المكاتبة وعوقب من أجل ذلك بالسجن، ولكن بعد عدة أشهر قضاها فيه فر إلى اصبهان حيث رحب به الأمير علاء الدولة، وبقى في معيته إلى أن وافته منيته في همذان، وكان قد رجع اليها مع علاء الدولة في احدى غزواته لها.
آثاره
قسم ابن سيناء العلوم في كتاب الشفاء إلى ثلاثة أقسام:
стр. 3022
العلوم التي ليس لها علاقة بالمادة أو علوم ما وراء الطبيعة، والعلوم التي لها علاقة بالمادة وهي الطبيعيات
والعلوم الوسط وهي التي لها علاقة تارة بعلوم ما وراء الطبيعة وطوراً بالمادة وهي الرياضيات، وفي بعض المواضع نراه قد جعل الرياضيات نوعاً من الفلسفة ونسب إليها بعض أشياء تبحث في غير المادة، وقد اتبع الطريقة اليونانية في بحوثه عن العدد، وقد كان فكر ابن سيناء يمثل المثل الأعلى للفلسفة في القرون الوسطى وله فيها آراء ونظريات لا تزال تدرس في جامعات أوروبا. وهو وإن اعتمد كثيراً على فلسفة أرسطو واستقى كثيراً منها، قد أضاف إليها كثيراً وأخرجها بنطاق أوسع ونظام أتم. وهو من الذين قالوا بإنكار تحول المعادن بعضها إلى بعض مخالفاً بذلك آراء أكثر علماء زمانه، وفي رأيه أن المعادن لا تختلف باختلاف الأصباغ بل تتغير في صورتها فقط، وكل معدن يبقى حافظاً لصفاته الأصلية وقد قال في ذلك (نسلم بإمكان صبغ النحاس بصبغ الفضة، والفضة بصبغ الذهب إلا أن هذه الأمور المحسوسة يشبه ألا تكون هي الفصول (أي الخواص) التي تصير بها هذه الأجساد أنواعا، بل هي أعراض ولوازم والفصول مجهولة: وإذا كان الشيء مجهولاً فكيف يمكن أن يقصد تصد إيجاد أو إخفاء)
واستنبط ابن سينا آلة تشبه آلة الورنية أل وهي آلة تستعمل لقياس طول أصغر من اصغر أقسام المسطرة المقسمة ولقياس الاطوال بدقة كبيرة، ودرس دراسة عميقة بحوث الحركة والإيصال والقوة والفراغ، واللانهاية والحرارة والضوء، وقال بأن سرعة النور محدودة، وعمل عدة تجارب في إيجاد الوزن النوعي لمعادن كثيرة وقال بان شعاع النور يأتي من الجسم المرء إلى العين وفي كتابه الشفاء بحث في الموسيقى وقد أجاد فيه لدرجة كبيرة، وقد فاقت أبحاثه فيها أبحاث الفارابي وشرح طريقة إسقاط التسعات وتوسع فيها، ألف في المعادن ومؤلفه كان النبع الذي استقى منه علماء طبقات الارض في القرن الثالث عشر للميلاد. ويقال ان ابن سينا خرج مرة في صحبة علاء الدولة وقد ذكر له الخلل الحاصل في التقاويم المعمولة بحسب الأرصاد القديمة، فأمر الأمير الشيخ بالاشتغال بالرصد وطلق له من الأموال ما يحتاج إليه وهذا (طبعاً) ساعده على التعمق في علم الهيئة، وفي كشف بعض حقائق هذا الكون وفي إتقان الرصد (ووضع في حال الرصد
стр. 3023
آلات ما سبق إليها)
مؤلفاته وانتقالها إلى الغرب
على رغم المتاعب التي انتابته والمشاغل الكثيرة التي كانت تشغله وبرغم تعدد انتقاله من محل إلى آخر، تمكن من وضع مؤلفات قيمة عديدة يربو عددها على المائة، وهذه هي التي جعلت سارطون وغيره من علماء الإفرنج يضعونه في مصاف العلماء العالميين ومن كبار حكماء الشرق. ومن أهم مؤلفاته:
كتاب الشفاء وهو في ثمانية عشر مجلداً، وتوجد منه نسخة كاملة في أكسفورد، ويحتوي على فصول في المنطق والطبيعيات وما وراء الطبيعة، ترجم بعضها حنا الأسباني وكنديسالينس إلى اللاتينية، وقد اختصر ابن سينا هذا الكتاب في كتاب سماه (النجدة) ترجمه إلى اللاتينية كآرام باسم
وله أيضاً كتاب القانون في الطب وهو من أشهر مؤلفاته ويتكون من أكثر من مليون كلمة ترجمه جيرارد اوف كريمونا إلى اللاتينية، وبقيت ترجمته هذه المعتمد عليها والمستعملة في الجامعات والكليات حتى منتصف القرن السابع عشر للميلاد، وكتاب المختصر للمجسطي، وكتاب المجموع، وكتاب الحاصل والمحصول ويتكون من عشرين مجلداً، وكتاب الارصاد الكلية، وكتاب النجاة وهو ثلاثة مجلدات، وكتاب القولنج، وكتاب لسان العرب، ورسالة الآلة الرصدية، وهذه الآلة صنعها في أصبهان عند رصده لعلاء الدولة، ورسالة غرض قاطيفورياس، وكتاب الأجرام السماوية، وكتاب الإشارة إلى علم المنطق، وكتاب أقسام الحكمة وكتاب النهاية واللانهاية، وكتاب في أبعاد الجسم غير ذاتيه له، وكتاب مختصر أقليدس، وكتاب الأرثماطيقي والموسيقى. وقد أورد في كل من مؤلفاته في الرياضيات زيادات رأى ان الحاجة اليها داعية. ففي اقليدس أورد شبهاً وفي الارثماطيقي أورد خواص حسنة في الموسيقى أورد مسائل غفل عنها الأولون، وكتاب المجسطي وقد أورد فيه عشرة أشكال من اختلاف النظر، وأورد في آخره أشياء لم يسبق إليها وله رسائل أخرى في الحساب، وله أيضاً فيه وفي الهندسة ابتكارات كثيرة، وكتاب مختصر في ان الزاوية التي من المحيط والمماس لا كمية لها، وكتاب المدخل إلى صناعة الموسيقى وكتاب كيفية الرصد ومطابقته مع العلم الطبيعي وكتاب الحدود، وله خطبة في أنه لا يجوز أن
стр. 3024
يكون شيء واحد جوهراً وعرضاً ومقالة في خواص خط الاستواء، ومقالة في هيئة الارض من السماء وكونها في الوسط، وكتاب تدبير الجند والمماليك والعساكر وأرزاقهم وخراج الممالك وفوق ذلك له شعر رقيق وأشهر قصائده قصيدة نظمها في النفس يقول عنها ابن أبى أصيبعة إنها من أجل قصائد ابن سينا وأشرفها، وقد ترجمها فانديك إلى الإنجليزية
نابلس
حافظ قرى طوقان
стр. 3025
من طرائف الشَعر
عد إلينا
قطعة من البحر المديد
يا غريباً راح يطوي القفارا … أين تمضى؟ هل كرِهت الديارا؟
أختياراً تقطع الأرض سيراً، … أم طريقٌ سرتَ فيها اضطرارا؟
ولأَمرٍ في النهُّى مستقرٍّ … بِتَّ تغشى الأرض داراً فدارا؟
أم لسِر غامض لست تدري … كنهه أبعدَ عنك القرارا؟
أم لخطب داهمٍ قد تمادى … بك حتى رحت تبغي الفرارا؟
إن تكن تبغي مراماً عزيزاً … فلماذا أُصْلِىَ القلب نارا؟
ولماذا بعدَ نأي وهجرٍ … لا تَنى للغائبين ادِّكارا؟
ودموعٍ مذرفات حنينا … حائراتٍ في جفون حيارى!
عد إلينا آمناً مطمئنا … تلقِ خِلاً ذا وفاءٍ وجارا!
يا غريباً راح يطوي القفارا … عد إلينا وادن منا مزارا!
م. ع. م
وادي الأحلام
للشاعر الدمشقي أنور العطار
(يا آلهة الشعر! تأملي ضحيتك)
(الفونس دو لامارتين)
يا وادَي الأحلام فيك التقت بيضُ الأماني بأغاني المُهودْ
ليت فؤادي بلَّ منك الصدى … وليت أيامَك يوماً تعودْ
يا مُقلَةَ الدهر أطيلي الكَرى … وباركي الحُلْمَ لقلبي العميدْ
ومهِّدي للروح رحبَ المَدى … فقد يضيقُ اليومَ عنها الأبيدْ
أُلحُلْم يُشْجيِني تَذكارُهُ … إنْ زارني في غير يومِ سعيدْ
стр. 3026
يا مُقلةَ الدهرِ توارَىْ وما … ألهاكِ عَمْن تاه في ذا الوُجودْ
لا تفجعي بالله تِرْبَ المنى … فَمُبتَغى الأمِلِ سُؤْلٌ زهيدْ
توردُهُ الأطماعُ سبْلَ الردى … فيُرمِضُ القلبَ العذاب الوكيد
يرضى من المغنم لو آب من … آمالهِ وهو الحريب الشريدْ
لا يملك الأحلامَ من يأسه … وماله عن ظلها من محيدْ
إنْ تستفيقي من دياجي الكَرى … يَنهدُّ في نَعماهُ قصري المشيدْ
ففيه أحلامي في مهدها … تَنعَمُ في الدنيا بعيشٍ رغيدْ
تَغمسُ في قلبي أفواههَا … وتَسلب العين شعاع الخلودْ
غذاؤها من كبِدي ماؤها … ولهوهُا من مَدْمَعي بالعقودْ
تزين بالأزهارِ تاجَ الصبا … كموْجة الأطفال في يومِ عيدْ
ترى إذا ما نهِلتْ في غدٍ … هل توِدعُ المبثوثَ عقداً فريدْ
أم تنثُرُ الأشعارَ في روضها … فتخطفُ الأطيار منها القصيدْ
تَصوغُهُ والزهرَ أغرودةً … فتانةً يصبيك منها النشيدْ
تُحِسُّ منها خطراتِ المُنى … تَرُودُ بالرُّوح المطافَ البعيدْ
تُعيدُ للقلب كُنوزَ الهوى … وكَنْزُها ليس له من مُعيدْ
وإنْ أضاعتْهُ فما ذنبُها؟ … الطفلُ يُؤذيه المتاعُ النضيدْ
أهَبْتُ بالأحلام أنْ مهِّدِى … لِيَ الاماني، والنعيمَ العتيدْ
والحُبَّ، والشِّعْرَ وعهدَ الصِّبا … والعيش نَضراً، والخيالَ الوليدْ
لا أرتضِي بالنَّزْرِ منها ولا … أطمعُ إلاَّ في الشُّعاع المديدْ
فأمعنَتْ في ضحكها واغْتَدَتْ … تَسْخَرُ من آمال غِرٍّ عنيدْ
فخِلتُ أنَّ الضحكَ منها رِضىً … وضِحكةُ الهازئِ نارُ الوعيدْ
لقيتُها في سكَرَات الرُّؤَى … تَنْشُدُ أيامي وتبكي الوُعُودْ
تجُود للدهرِ بأحلامها … وهْوَ بما تطلبُهُ لا يِجودْ
تبوحُ بالأسرار في سَهْوِها … وسِرُّنا قد وثَّقَتْهُ العُهُودْ
درَيْتُ في عُزْلتها ما مَشَى … في خافقٍ واهٍ وفكرٍ كَدُودْ
стр. 3027
ورُحْتُ أبكي أملا لامعاً … أنأتْهُ عنِّي عاثراتُ الجدُودْ
يا طيفَها جدَّدْتَ عُمْرَ الأسى … ونِلْتَ من قلبي المنالَ الشديد
نضَّرْتَ يا غامضُ تَذْكارَها … وحِصنْكَ الممنوعُ جَهْمُ الوصيِد
أيَّتها الذكرى أثَرْتِ الجوى … فهل لما تذْكِينَهُ من مزيد؟
علَامَ زرْتِ اليومَ خِلَّ الشجا … إيناسكِ الطَّائف يضنيِ الوحيد
أبليْتُ في ذكراكِ نضْرَ الصِّبا … وعهدُكِ الآيِبُ غضُّ جديد
مَلَّ صراعَ العيشِ نَدْمانُه … وضجَّ من قفر الحياة الجليدْ
يخبط في يهماَء مستْعديا … على معَنِّيه العزيزَ الحميدْ
يَصرُخُ إن مَرَّ بصحرائها … ماذا نلاقي في ظلامِ اللحودْ
خذ بي أيَا غيبُ إلى مأمنٍ … يزيح عن روحي عبء القيودْ
فنادت الأقدار في جرْيها … لما يَحِنْ أن يستريح الطريدْ
نجوز دنيانا سِراعا ولا … نستطيع أن نمشي مشياً وئيدْ
فهل ترى نقعد في ساحها … أم ليس للرائد يوماً قعودْ
السير يضنينا وما نأتلى … نَشقُّ في الأطواد سُبْل الصعودْ
تمضي بنا الأيام في فسحةٍ … راعبةٍ ليس لها من حدود
حتى إذا ما العمرُ أمضى بنا … مطافهُ ثم طوانا الهمُودْ
عدنا إلى كون بعيد المدى … يطيبُ للمتعَبِ فيه الرقودْ
هناءة الأيامِ ممزوجةٌ … بالصاب والعمر خيالُ الهجودْ
أفراحُنا يمشي عليها الأسى … ولهوُنا يغتالُ منا الجهودْ
نضيعُ في غيهب هذا الرَّدى … ولا يردُّ النوْحُ منا الفقيدْ
لا تحسدنْ بالله عِقدَ الهوى … كم في وصال الحبِّ عاشت صدودْ
ولا يهولنّكَ شكُّ الورى … رُبَّ يقينٍ فائضِ من جحودْ
قال شبابي لِنَؤوِم الصبا: … كيف تمتعْتَ بنضر السعودْ
فقال: في الغفلة عن عالمٍ … ما فاز بالمأمول منه الرشيدْ
هاتِ أغانيَّ وعَدْ بالمنى … وانهبْ خطى العمر فكلُّ يبيدْ
стр. 3028
وانس الورى وانشر على ما مضى … من نعمة النسيان ضافي البرودْ
стр. 3029
بائعة الزهر
جاء ظبي يبيع زهرا جنيا … زاد حسنا بروعة التنضيد
قال هلا اشتريت مني زهرا … ضم أبهى شقائق وورود
قلت أبغي شراء أجمل زهر … وسأسخو له بكل نقودي
قال لي فاشتر الشقائق تحكي … أكؤس الخمر أو خدود الغيد
قلت لا، قال فاشْرِ ورداً زهيا … هو بين الأزهار بيت القصيد
قلت لا، قال فاشر - إن كنت تشري … زنبقا يزدهي ببيض البرود
قلت لا، قال لي أذن فاشر فلا … قد حبوه لون الصباح الجديد
قلت لا، قال فاشتر النرجس الحا … وي لتبر في فضة كالجليد
قلت لا، قال فاشر أساً فلم أقـ … بل فأغضي طرفاً ومال بجيد
قال دعني لم يبق عنديَ زهر … قلت باق لديك زهر الخدود
قال زهر الخدود: كم ذا يساوي؟! … لست ادري: فقلت كل وجودي
قال ما تستفيد من زهر خد … نلته في وجودك المفقود؟!
قلت في البيع أستفيد هياما … هو عندي يفوق كل مفيد
أن أسمى اللذات ما تنتهي بي … لفناء ما فوقه من مزيد
لذة السكر تبلغ الأوج لما … فيه يغدو الرشيد غير رشيد
أن أقصى حدود سيرىَ أني … أتخطى في السير كل الحدود
دمشق
احمد الصافي النجفي
стр. 3030
في الأدب الفارسي
٢ - منطق الطير
القصة الصوفية الخالدة
للدكتور عبد الوهاب عزام
والشاعر في وصف هذه الأودية يذهب مع الشعر المذاهبَ البعيدة، فيملؤها جميعاً بالأهوال والدموع. ولست أدري أكان الهدهد حازماً حين وصف الأودية هذا الوصف المروع. وهذا أجمال وصفها:
١ - في وادي الطلب، يعترض السالك عقاب كثيرة: ويلقى من النص والتعب ما يضنيه، ولابد له أن يفرغ من كل ما يربطه بهذا العالم، ويطهر قلبه من علائق هذه الأرض. فإذا تم الطهر أصاب القلب شعاع من النور الإلهي فيتضاعف طلبه ألف مرة، وإذاً يذهب قدما لا تثنيه الأخطار والأهوال
٢ - وأما وادي العشق: فهو النار يمضي فيه العشاق كاللهب مضطرما ثائراً ولا يفكر في العواقب، لا يعرف الكفر والدين، ولا الشك واليقين، الخير والشر سواء عنده، كلا بل لا خير ولا شر إذا اضطرم العشق. هناك القلب خفاق يحترق ويذوب ليرجع إلى مكانه كالسمكة أخرجت من البحر إلى الصحراء. هنا لكم العشق نار والعقل دخان، فأما جاء العشق فر العقل مسرعا.
٣ - ثم وادي المعرفة: الذي لا أول له ولا آخر. هنالك تتشعب السبل، وكل يسلك الطريق الذي يستطيعه، وكيف ترجو أن يسير الفيل والعنكبوت معاً في هذا الطريق الوعر. إنما سير كل سالك على قدر كماله، وقربة بمقدار حاله. هنا لكم المعرفة متفاوتة، فهذا يجد المحراب، وذاك يجد الصنم، إذا أضاءت شمس المعرفة من ذلك الفلك العالي أبصر كل بمقداره. وكل ما يرى فهو وجه الحبيب؛ وكل ذرة محله. آلاف الأسرار تتألق كالشمس من وراء الحجب هناك الظمأ الدائم إلى الكمال. . الخ
٤ - وادي الاستغناء
مى جهد أزبى صرصرى … ميزند برهم بيكدم كشورى
стр. 3031
هفت دريايك شمر آنجابود … هفت أختريييك شرر آنجابود
تعصف من الاستغناء ريح صرصر تدمر في كل خفقة إقليما، وهنالك سبعة الأبحر غدير، وسبعة الكواكب شرر، والجنات السبع جيفة، وسبع النيران قطعة من برد. يقول العطار: (يا عجباً! إن النملة هناك تربو قوتها على مائة فيل، وإن غراباً لا يشبع بمائة قافلة.
لو سقطت آلاف الأرواح في هذا البحر ما كانت إلا قطرة واحدة في بحر لا ساحل له. ولو هوت الأفلاك والأنجم ما كانت إلا كورقة سقطت من شجرة. . الخ
(يريد شاعرنا أن يشرح ما يدركه السالك في هذه المرحلة من استغناء الله عن العالم وصغر هذه العوالم كلها وضآلتها في جانب الحقيقة الكبرى. ويبين أن الأشياء هناك لا تقاس بمقاييسنا)
٥ - وادي التوحيد
هناك كل عدد يصير واحداً في واحد فيتم الاتحاد، ولكن هذا الواحد ليس كالواحد الذي يذكر في العدد، هو وراء العد والحد (كلام يذكرنا بكلام فيثاغورس في نشأة العالم من الواحد). هنالك لا أزل ولا أبد. وان يضع الأزل والأبد فلا شيء بينهما فكل الأشياء كانت وستكون عدما.
(ومعنى هذا الكلام - فيما أظن - أن الله هو الحقيقة التي لا يحدها الزمن، وكل ما عداها، مما يقاس بالماضي أو الحاضر عدم، فلا شيء قائم إلا هذه الحقيقة).
٦ - وادي الحيرة
هناك يلاقي السالك أضدادا ونقائض تلوح له كلما اختلفت على نفسه الأحوال والادراكات. وهو بين هذا وذاك يفقد نفسه. لا يستطيع أن يهب قلبه لهذا الجلال ولا أن يمنعه. ولا يقدر على أن يسير وحده أو يتبع غيره. فهو نفور من الخلق ومن نفسه، لا مسلم ولا كافر، لأن دين الحيرة لايحد، ولا يعرف الحب ولا البغض، ولا التقوى ولا الفسوق، لا هو خير ولا شرير، ولا موقن ولا مرتاب، ولا هو عزيز ولا ذليل. لا هو كل شيء ولا هو شيء، ولا هو كل ولا جزء من كل.
يقول العطار: (فان يسال السالك هل أنت موجود أم لا؟ أأنت في العالم أم خارجه؟ أظاهر أنت أم خفي؟ أفأن أم باق، أم لست فانيا ولا باقيا، أم أنت فان وباق في وقت واحد؟ فلن
стр. 3032
يكون جوابه: إلا (لا أدري شيئاً ولا أدري أنني لا ادري. أنا عاشق ولكن من؟ لا أدري)
ويضرب العطار مثلاً بنت ملك أحبت خادماً واستحيت أن تظهر حبها للخادم. فأوحت إلى جواريها فيسقينه حتى سكر، ثم أتين به اليها، فلما صحا بعض الصحو فتح عينيه فرأى جمالا باهراً في مكان يسحر الألباب، وشم رائحة ذكية، وسمع موسيقى مطربة. فأحب الخادم الفتاة، فلما غلبه النوم حمله الخدم إلى مكانه، فلما استيقظ ذكر ما رأى ولكن كيف ومتى وأين؟ قال له الناس إنه حلم، ولكنه لم يستطيع أن يقول أكان هذا حلما أم يقظة، ولا أن يعرف أكان سكران أم صاحيا:
(فهذا المثل يوضح مقصد الشاعر فالسالك في هذه المرحلة تلوح له أشياء من عالم الغيب ثم تختفي عنه حين يرجع سيرته الأولى من هذه الحياة)
٧ - وادي الفقر والغناء
وهو آخر الأودية: هو وادي الدهشة والصمم والبكم أو الغشية، هنالك آلاف آلاف الظلال تحمي في الشمس. إذا ماج البحر الكلى فكيف يبقى النفس على صفحة الماء. وكل من فقد نفسه في هذا البحر فهو في فناء وسلام أبدا.
يضرب الشاعر أمثالا ليبين الكلام عن هذا الوادي كدأبه في الفصول كلها، ومما ضرب هنا مثل الفراش الذي اجتمع ليلة واتفق على طلب الشمعة، فقالوا لابد أن يذهب بعضنا ليراها ويصفها لنا قبل الذهاب؛ ذهبت فراشة إلى قصر فرأت نور الشمعة منبعثاً منه فرجعت تصف الشمعة لأخواتها، قالت فراشة عارفة: ما لهذه علم بالشمعة قط. فانبعثت فراشة أخرى قاصدة مكان الشمعة فاقتربت ثم اقتربت حتى لم تطق حرها فانثنت إلى صاحباتها تصف ما عرفت من أسرار الشمعة، فقال الخبير: أيها الأخ ما هذا إلا كلام كالذي سمعنا من قبل. ذهبت ثالثة سكرى من الشوق راقصة مرفوفة، فألقت بنفسها في نار الشمعة فأخذتها النار من كل جهة فاحمرت كالنار. فلما رجعت رآها في لون النار وضوئها فقال هذه عرفت الشمعة إنما يدرك المحبوب بالفناء فيه: الخبير العارف
كل هذا يقوله الهدهد على منبره والطير مصيخات إليه. فلما سمعت الطير مقاله أخذها الغم ووجمت وعرفت إن لا طاقة لها بهذا ومات بعضها في مكانه، ثم بدأن الطيران فلقين في الطريق ما لا قبل بوصفه، وانتهى قليل منها إلى الغابة، وهلك أكثرها في الطريق! فمنها
стр. 3033
غارق في البحر، ومنها ضال في الفيافي، ومنها هالك عطشا على قني الجبال، وبعضها هلك في وهج الشمس، وبعضها سقط إعياء وبعضها شغلته عجائب الطريق فوقف. وبعضها وجد ما يلهو به فركن إلى الدعة وآثر الراحة. وبعضها أصابته مصائب أخرى.
لم يبلغ الغاية من تلك الآلاف المؤلفة إلا ثلاثون طائراً (سي مرغ) بلغت وبها من النصب والإعياء والآلام ما بها. فماذا وجدن؟ وجدن حضرة لا يدركها الوصف ولا ينالها العقل. وأين برق الاستغناء يومض فيحرق مئات العوالم في لمحة. وأين آلاف الشموس وآلاف الكواكب حائرة كالذرات. فقالا بعضهن لبعض: وا أسفا على ما تحملنا من مشاق السفر. إن مائة فلك هنا كذرة من التراب. فما وجودنا أو عدمنا نحن في هذه الحضرة؟ بقين في حسرة ينقص الحزن منهن حتى خرج عليهم حاجب العزة. قال: أيتها الحائرات المضنيات من أين جئتن ولماذا؟ ما اسمكن، ماذا سمعتن، ومن أخبركن أن قبضة من العظام مثلكن تستطيع أن تعمل شيئا، قالت الطير: جئنا هنا ليكون السيمرغ ملكنا. وقد طال الطريق وكنا آلافا فما بقى إلا ثلاثون. جئنا من أرض بعيدة راجين أن يؤذن لنا في هذه الحضرة، لعل الملك يرضى عملنا فتنالنا نظرة من رحمته
قال الحاجب: أيها الحيارى ما أنتن ما وجودكن وعدمكن عند الملك المطلق الباقي؟ إن مئات آلاف من العوالم لا تزن شعرة أمام باب هذا الملك، هلم فارجعن أيتها المسكينات.
قالت الطير: إن هوانا على هذا الباب عز، وسنبقى هنا نحترق كالفراش علىالنار، أذن لنا بالدخول أم لم يؤذن، ولن نيأس من رحمة الملك. فخرج عليهن حاجب الرحمة وفتح الباب لهن وتقدم يرفع الحجب مئات من الحجب كل لمحة، فانبعث النور في الأرجاء ويبدأ عالم التجلي. فدخلت الطير وأجلست على أرائك القرب
ماذا أصاب الطير من بعد؟ أعطى كل طائر ورقة ليقرأهافقرأ كل ما قدم من عمل حتى غشى عليه حياء وخجلا. ثم محيت الأعمال وأنسيت فلم تذكر الطير شيئاً. ثم أضاءت شمس القرب محرقة كل روح وحينئذ راين السيمرغ. وما اعجب ما رأين. كن إذا نظرن إلى السيمرغ يرَين (سي مرغ) وإذا نظرنا إلى أنفسهن (سي مرغ=ثلاثين طائرا) رأينا السيمرغ، وإذا نظرن إلى أنفسهن والسيمرغ معاً رأين سيمرغا واحدا. فبلغت بهن الحيرة مبلغها. فسألن فقيل لهن: إن هذه الحضرة مرآة فمن جاء هنا لا يرى فيها إلا نفسه. فقد
стр. 3034
جئتن ثلاثين طائراً (سي مرغ) فرأيتن في المرآة سيمرغ، ولو جاء أربعون أو خمسون لانكشف الستر كيف تدركنا الأبصار. كيف تنال الثريا عين. النملة. ليس الأمر كما علمتن ورأيتن، ولا كما قلتن وسمعتن. ولكنكن خرجتن من أنفسكن فهاهنا مكانكن. فامحين فيه وضاع الظل في الشمس (بلغت الطير مقام الفناء وهو عند الصوفية أن يتجرد الإنسان من نفسه، ويخضع صفاته للصفات الإلهية ويرجع كما يقولون قطرة في البحر تموج بموجه. ويقول أبو سعيد في تعريف الفناء: إنه فناء الشعور بالبشرية - ولأجل توضيح لغة العطار الشعرية أنقل الجملة الآتية من كشف المحجوب:
(الفناء درجة من الكمال ينالها الأولياء الذين تحرروا من آلام المجاهدة، وخرجوا من سجن المقامات والأحوال، وانتهى طلبهم إلى الكشف، فرأوا كل ما يرى وسمعوا كل ما يسمع، وعرفوا كل أسرار القلب، ولكنهم أدركوا نقص كشفهم هذا فأعرضوا عن كل شيء، وفنوا فيما رغبوا إليه وفي هذه الرغبة فقدوا كل رغباتهم)
وراء هذه الحال حال أخرى يسميها العطار وغيره من الصوفية (البقاء في الفناء) ويقول عنها كتابنا هذه العبارة العجيبة. وهو يعترف أنها حال لا تشرح إلا بالتمثيل)
فلما مضى مائة آلاف من القرون، القرون التي لا زمان لها. أرجعت الطيور الفانية إلى نفسها فلما رجعت إلى نفسها رجعت إلى البقاء بعد الفناء
(وتأويل هذا بكلام الصوفية الآخرين: أن الإنسان يفنى عن نفسه - عن إرادته ورغباته وشهواته الخاصة فيبقى في الله، يريد من اجل الله، ويرغب في الله ويفعل كل شيء غير غافل عن الله طرفة عين هذه خلاصة ما في الكتاب - كما فهمته - والكتاب في حاجة إلى بحث مفصل، ولعله يتاح من بعد.
ثم يختم العطار (منطق الطير) بقوله:
قد عطرت يا عطار آفاق العالم، وهجت العشاق في كل مكان، تارة تنفث العشق المطلق، وتارة تغنى أغاني الحب لمن عشق، ففي شعرك كنز العاشقين وزينة لا تفنى للوالهين. فقد ختم عليك (منطق الطير) كما يحيط بالشمس ضوؤها.
عبد الوهاب عزام
стр. 3035
العُلوم
عمل التطور
للسر ارثر طمسن
ترجمة بشير الياس اللوس
الغربلة والانتقاء
تنشأ خلال عملية التطور العظيمة تنوعات جديدة لا يخلد منها إلا القليل، لان التناحر على البقاء يعمل على انتقاء أصلح التنوعات الجديدة. ويظهر أن هذه هي الطريقة الأساسية في التطور العضوي. وأهم ما يجب أن نبحث عنه الآن هو: هل التغيرات الطارئة على حياة الفرد كنتيجة مباشرة لمميزات خاصة في البيئة أو الغذاء أو العادات يمكن أن تنتقل بدرجة ما إلى الأحقاب التالية؟ إذ لو لم تكن قابلة للانتقال والتسلسل ولو بدرجة ضئيلة على الأقل إذن لما كان لها آية أهمية من الوجهة السلالية. فالوراثة إذن هي إحدى صفات التطور. إنها (منخل) آخر. ويمكننا أن نقول عندئذ إن عملية التطور العضوي ما هي إلا عملية انتخاب وتثبيت الصالح وإهمال الطالح.
أصل النشآت الجديدة
من أعقد مشاكل علم الحياة معرفة كيفية نشوء التنوعات الجديدة. ففي القرن السابع عشر ظهرت في إحدى حدائق مدينة هيدلبرج نبتة جديدة ذات أوراق غريبة مبتورة الشكل سميت ودعيت تنوع - الـ من النوع - الـ ومن خصائص هذه النبتة أنها أصلية - وظلت كذلك منذ ذلك العهد. هذا مثال من التنوعات الجديدة التي دامت. ولكن المهم هو كيفية نشوء هذه النبتة.
وحدث في زمن شارل الأول ملك إنكلترا إن رجلا فرنسياً يدعى (جيان نوكاري كان مصابا بعاهة (العمى الليلي)، - أي عدم القدرة على الرؤية في الضياء الضعيف. وترجع أسباب هذه العاهة إلى نقص في شبكية العين - وقد حفظ سجل عائلة هذا الرجل إلى الآن ودرس بإمعان فعُرف إن في كل جيل وراثي كان بعض الأفراد من عائلته مصابين بتلك العاهة. وعندما يتزوج أحد أفراد نسله المبرئين من المرض بامرأة من عائلة أخرى أو
стр. 3036
بالعكس كانت العاهة تنقطع لأن جميع أفراد النسل يسلمون منها. ولكن عندما يتزوج فرد مصاب من عائلته بفرد سليم من عائلة أخرى كان يستمر هذا المرض في عدد معين من النسل الجديد. أن ميزة العمى الليلي هذه توضح لنا ما يسمى بالوراثة المندلية ولكننا قد نتساءل أولا كيف ابتدأ (العمى الليلي).
لماذا يختلف أفراد العائلة عن بعضهم؟ كيف نستطيع تعليل بعض الحوادث العرضية كالقطط العديمة الأذناب والعجول العديمة القرون والعصافير البيضاء والصبير العديم الشوك والبرتقال العديم البذور. الخ. كيف تنشأ كل هذه الشواذ؟
الوراثة
تتمثل الميزات الوراثية في البويضة والحيوان المنوي بطريقة لا نفهمها فمن الجرثومة الأولى تظهر الميزات التي تختص بها الكائنات وتميزها عن بعضها؛ وفيها العناصر التي تكون الوراثة الطبيعية للنوع. ولكن هذه العناصر قد تتحول نحو جهة معينة أثناء النمو. والواقع إننا نعلم في بعض الحالات وخاصة في الحيوانات الدنيا كالأسماك بين الفقريات - إن نمو بعض الخصائص يتوقف على انتقالات المخلوق الحي وبيئاته. وبكلام آخر أن العناصر أو العوامل الوراثية هي بذور حية يجب الاعتناء بزرعها. فما الجسم النامي إلا بذرة الأولين، والآن نعلم انه عند نضوج الحجيرات الجرثومية (التناسلية) وتلقيح البويضة من قبل الحيوان المنوي (وهذه هي بداية حياة الفرد) توجد فرص عديدة واحتمالات شتى لاختلاط الميزات الوراثية. ومن المؤكد إن التبادلات والتوافقات & التي تنشأ بهذه الطريقة تخلق التنوعات الكثيرة خلال النمو.
الكاليدوسكوب الحي
إذا أمعنا النظر في أشكال الحيوانات وصورها لا نقع على اثنين يتشابهان تشابهاً تاماً، وهذا يذكرنا بالكاليدوسكوب الذي يعطينا مختلف الصور والأشكال بتحريك القطع الزجاجية الملونة فيه، وربما كانت الجرثومة كالايدوسكوبا حياً فقد تتأثر أحياناً بعوامل الغذاء والمحيط وعادات الوالدين وقد يؤثر عليها تغيير المناخ، أو قد تتغير من نفسها محدثة ترتيبات جديدة لعناصرها. ولما كانت الجرثومة حية فهي جسم عضوي مضمر أو بعبارة
стр. 3037
أخرى (هي مخلوق حي كامن في حجيرة واحدة) وقد أشرنا فيما سبق إلى تعدد الفرص في امتزاج العناصر الوراثية عند نضوج حجيرات التناسل وتلقيحها.
التغايرات والنشآت الجديدة &
كثيراً ما يكون الطفل شديد الشبه بأحد والديه في بعض الأوجه على الأقل. وقد يرث بعض الخصائص عن أبيه والبعض الآخر عن أمه وهذا ما دعا دارون إلى اعتبار تلك التغايرات كمواد أولية للتطور. وقد عثر على مجموعات من الأحافير تظهر التغير من شكل إلى آخر وتوحي لنا بفكرة (التقدم بعلاوات تدريجية) أو التقدم (بالاختزالات) وهناك احتمال حدوث تغير خاص في جهة معينة الأمر الذي يجعل هذه التطورات كالفصول المتابعة في النمو الفردي
بيد أن هناك نوعا آخر من التغير اكثر تعقيداً وهو (النشوء الفجائي) كالشعر المجعد والشعر الآنقري والنبوغ الموسيقي والرياضي والصفصاف الباكي والديك الطويل الذنب والفيل الأبيض. وقد قارن السر فرنسيس غالتون التغايرات الصغيرة بذبذبات جسم كثير الأوجه مرتكز على أحد سطوحه والنشوء الفجائي بانقلاب الجسم كله على سطح جديد. ومن أبرز خصائص النشوءات الفجائية أنها تتوارث وتظهر بوضوح في النسل المولود من أبوين فيهما نفس تلك الخصائص. فإذا تزوج النابغ بنابغة كان النسل حاوياً لنوابغ عديدين، ولكن في حالات كثير يجب أن يلاحظ إن النشوء الفجائي يظهر غالباً بشكل نقص في التركيب - أي عدم وجود ميزة معينة في النباتات، أو قرون في الأبقار، أو أذناب في القطط. ويقال عنه في مثل هذه الحالات انه نشوء فجائي سلبي بينما قد تظهر الميزة الشاذة بشكل إيجابي أي بإضافة ميزة جديدة لم تكن موجودة في الوالدين ولا في أسلافهما.
الانتخابات الطبيعي
إن أساس نظرية التطور الداروينية هو: (انتقاء الأصلح من النشوءات الجديدة بعد التجربة والاختبار). وقد أجرى العالم الطبيعي الإيطالي (سسنولا تجارب على الجراد المصلي أو فرس النبي وهي حشرة غريبة توجد على ضربين أخضر وأسمر كل منهما ملائم للمحيط الذي يعيش فيه. ربط (سسنولا) الضرب الأسمر بخيط حريري على نبتة ذابلة
стр. 3038
فتخلصت الحشرة من أعدائها، وكذلك ربط الضرب الأخضر على نبتة خضراء فسلمت من الأعداء أيضاً. ولكن عندما ربط الحشرات السمراء على نبتة خضراء والخضراء على نبتة ذابلة، سرعان ما اجتاحتها الطيور عن آخرها. فلو أصبحت إيطاليا مثلا بقعة جرداء إذن لانقرض الجراد الأخضر فيها عن آخره، ولبقى الجراد الأسمر فقط، والعكس بالعكس. هذا مثال لما نسميه بالانتخاب الطبيعي أو ما نعبر عنه بغربلة الطبيعة
الانتخاب الصناعي
رأى دارون أن يستعمل تعبير (الانتخاب الطبيعي) تمييزا له عن الانتخاب الصناعي الذي يقوم به الإنسان فإذا أعجب المربي بضرب جديد أزوجه بآخر يشابهه على قدر المستطاع، ويبادر إلى النسل فيغربله منتزعاً الضروب التي لا يريدها ومحافظاً على الضروب التي يريدها. وهكذا نستطيع أن نميز عمليتين مزدوجتين في الانتخاب الصناعي وهما: (١) تزاوج الأفراد المتشابهة المرغوب فيها (٢) إقصاء الأفراد غير المرغوب فيهم
ولكن ترى من يقوم مقام المربي المنتخب في حقل الطبيعة، للإجابة على هذا السؤال يمكننا أن نستعين بالفكرة التي أدخلها (دارون) و (ولس) في نظرية التطور وهي فكرة الانتخاب الطبيعي التي تعني غربلة الطبيعة للنشآت الجديدة خلال التناحر على البقاء.
التناحر على البقاء
لقد استعمل دارون هذا التعبير بمعنى واسعي ومجازي فشمل اتكال البعض على الآخر، وعلى الأخص نزوع الفرد إلى الحياة وتكثير ذريته. فلكي نفهم فكرة دارون يجب أن نشاركه في نظريته الواسعة لأنه عنى بالتناحر على البقاء أكثر من نضال مستميت في سبيل الغذاء.
تميل المخلوقات الحية إلى التكاثر، ولكثير منها نزعة شديدة للحياة لا تقف مطامعها عند حد فهي عاصية متمردة تستنكر التغيرات المقيدة لحريتها في البيئة التي تعيش فيها. وفي وسط هذه الميول والنزعات يجري التناحر على البقاء - أو التصادم بين العضويات الحية وحواجز بيئاتها. على أن ذلك النزاع المستمر قد يؤدي إلى فناء البعض، ولكنه قد يؤدي أيضاً إلى التعاون بين أفراد البعض الأخر، وقد يكون لأجل التوطن والحصول على الغذاء
стр. 3039
ولكنه قد يؤول أيضاً إلى التنعم والترف، وقد يكون لأجل التمتع الفردي أو لتكوين رابطة عائلية يقوي الحب أواصرها، وقد يؤدي إلى استعمال الأسنان والمخالب ويؤول إلى النفع العام، وأخيراً يسقط في ساحة ذلك النضال المستميت ضعاف المخلوقات ومهازيلها فيثبت القوي ويفنى الضعيف والطبيعة خالدة فوق الجميع.
الانتخاب الجنسي
لكي نهيئ مرجا صالحاً يجب أن نقتلع منه الدغل ونبقى العشب الأخضر فقط. كذلك تنتقي الطبيعة الصالح وتقضي على الطالح. على أننا نحتاج إلى نوع من السماد يغذى العشب ويقويه دون أن يفيد الدغل الضار وهكذا يتغلب العشب على تلك الأدغال. إن هذا يشبه ما نسميه في الطبيعة بالانتخاب الجنسي لأن كثيرا من المخلوقات لا تنجح في الحياة لقوتها ومهارتها بل لكثرتها غالبا - وقد تكون القوة والمهارة مرافقتين للكثرة أيضاً.
لقد علق دارون أهمية كبرى على الانتخاب الجنسي، أي ذلك التناسل الذي يصحبه تفضيل الأنثى للذكر الذي يروق في عينيها أكثر من غيره: إما لجماله أو لرشاقته أو لقوته، أو لجمال صوته أو لغير ذلك من الصفات المستملحة. وكان رأي دارون أن شغف الأنثى بتلك الصفات حملها على محاولة استهواء الذكر بما اكتسبته أثناء التطور من جمال قد ورقة صوت، تلك الميزات التي يهتم بها الذكر هياما عظيما.
стр. 3040
مطالعات وأشتات
للدكتور احمد زكي
لبن الحمام
سمعنا بلبن الإنسان وتذوقناه كلنا، وسمعنا بلبن الأبقار والجاموس وشربناه لا شك جميعا، وبلبن الماعز ولبن الجمال، ولا ريب أن منا عدداً غير قليل أسعدته المصادفات بتذوقهما واستمرائهما، حتى لبن الحمير يدخل في دائرة ما عَرَفنا أو سَمِعنا في الحياة، ومن الناس من يحدثك عن فوائده وأسراره بأحاديث حارّة لا تتشكك بعدها في صفاته وآثاره. وغير هذه الحيوانات عدد كثير تهيئ اللبن لصغارها طعاماً سائغاً تستحضره من غذائها إذ يجري في دمها فتستخلصه منه مجموعةٌ من الغدد أُسميت بالثُّدِيّ. أما لبن الحمام، وهو طائر يبيض، فلم يسمع به الكثير، ولكنه مع ذلك حقيقة، فهو إفراز كاللبن تفرزه الحمامة قبيل أفراخ بيضها، وتستمر في إفرازه أياماً عبد إفراخه، وتطعم به صغارها وهن ضعاف عراة، وهذا اللبن ثخين يضرب لونه إلى البياض، ويحتوي الدهنَ الذي تحتويه الألبان، وكذلك يحتوي زلالها، فيبلغ مقدار دهنه ما بين ٢٥ إلى ٢٩ في المائة، ويبلغ زلاله ما بين ١٣ إلى ١٤. ٥ في المائة وهذان يبلغان في لبن البقر نحواً من ٣. ٧ في المائة و ٣. ٥ في المائة على التوالي.
فلبن الحمام إن خالف ألبان الأبقار فهو يشبه لبن الأرنب في مقدار دهنه وزلاله، غير أنه لبن يعوزه سكر الألبان وكل سكر غيره.
والحمام لا يحضر لبنه في ثديه، فليس له ثدي، وإنما يفرزه في حويصلته
ومن الغريب أن الذكر يفرز اللبن كما تفرزه الأنثى، وهذه ظاهرة لا ينفرد بها الحمام، فقد عُرفت من الحيوانات الثدييّة أنواع تتعادل ثدي إناثها وذكروها حجماً، ويشتركان كليهما في تغذية الوليد الرضيع. حتى الوَطواط يُظن إن ذكره يساعد أنثاه في الإرضاع أحيانا.
والرجل ذو ثديين هما فيك وفيّ منضمران، ولكن قد عُرف من البشر رجال تضخمت ثدِيّها حتى كانت كالنساء وقطر اللبن منها وسال. والفسلجيون لا يعدون هذه الظاهرة فلتات من الطبيعة وإنما هي لديهم شارة إلى أن الحيوانات في أبان نشوئها كان يشترك جنساها بالسوية في تغذية الرضيع وإنجاده كما اشتركا في إيجاده. ثم تلا هذا أن تخصصت الأنثى
стр. 3041
بذلك في الأكثرية العظمى من المملكة الحيوانية. وقد حدث في بعض الأسماك أن قام الذكر بذلك بالحضانة وأُعفيت الأنثى.
شرارة هائلة
من المعروف المألوف الآن أن الذرَّة الواحدة من ذرات الأجسام تحتوي على نواة يدور حولها عدد يزيد وينقص من وحدات كهربائية تسمى بالكهارب، هي نفس الوحدات التي يتركب منها تيار الكهرباء. ومن المعلوم كذلك أن الأبحاث في ذرات العناصر من بعض وسائلها إصابة الذرَّة بمقذوفات من تلك الكهارب يحّضرها الباحث من الكهرباء نفسها ويسلطها على الذرّة المبحوثة فيتطاير عنها من كهاربها ما يتطاير ثمَ يمتحن ما ينتج عن ذلك من إشعاع.
وقوة تلك القذائف تتوقف على الضغط الذي يدفعها في طريقها، ويسمى هذا الضغط في لغة الكهربائيين (بالفلتجة) ويقاس (بالفلت). وضغط الكهرباء في أكثر منازل القاهرة يبلغ مائة (فلت) أو يزيد قليلا. وهو ضغط كاف لحاجات البيت، ولكنه غير كاف لتمزيق الذرَّة.
وقد كان وصل العلم من عهد قريب إلى توليد كهرباء استاتيكية ضغطها ٨٠٠٠٠٠ فلت، ولكن جاءت الأخبار من المعهد الصناعي بماساشوست بأمريكا بان الدكتور (فان دي جراف) وهو أحد الفيزيائيين فيه قد توصل إلى تدبير جهاز يتولد به تيار متواصل من الكهرباء ضغطه ١٠٠٠٠٠٠٠ فلت. ويتركب المولِّد من قطبين كبيرين متماثلين هما في الواقع كرتان عظيمتان لّماعتان من الألمنيوم قطرهما ١٥ قدما تحملهما اسطوانتان جوفاوان عازلتان قطرهما ٦ أقدام وارتفاعهما ٢٥ قدما. ويحمل الاسطوانتين عربتان ثقيلتان تسيران منفصلتين على قضيبين حديديين تبلغ مسافة ما بينهما ١٤ قدمان وبذلك يمكن التقريب بين القطبين والتبعيد بينهما. وهما يسكنان الآن بيتا وسيعا كانت تسكنه المناطيد. ويُشغِّل الجهاز بادارة أحزمةُ مغلقَة عديدة من الورق تصعد وتهبط في دورانها داخل الاسطوانة على حذاء طولها، تتصل عند قاع الاسطوانة بالمحركات التي تديرها، وتتصل من أعلى ببكرات مثبَّتة في وسط الكرة، فإذا بلغت أجزاء الحزام الدوَّار بَكرَتَه وهو متكهرب مسّ عندها فرشة فأعطاها حمولته من الكهرباء فأوصلتها إلى الكرة المعدنية وهي على ضغط ٢٠٠٠ فلت. ولكن لا تلبث أن تأتي الأحزمة بحمولات غيرها فِعلَ الساقية المصرية فتزيد شحنة
стр. 3042
الكرة زيادة كبرى. وذلك بَينما الكرة الأخرى في القطب الآخر جادَّة في جمع شحنة مثل هذه في الكبر ولكنها تخالفها في النوع، فان كانت إحداهما سالبة كانت الأخرى موجبة. فإذا بلغ اختزان الكهرباء في كل منهما ضغط قدره ٥٠٠٠٠٠٠ فلت أخذ القطبان في التفريغ الكهربائي تحت ضغط ١٠٠٠٠٠٠٠ فلت ولما كان التفريغ تحت هذا الضغط الهائل لا يُؤمن جانبه على المشتغلين بالجهاز من البحّاث فقد أنزلوهم منه آمن منزِل: ذلك جوفه في الكرة المعدنية نفسها، وسيكون بها نور وآلات وأجهزة، أي ستكون معملا فيه كل ما يطلبه الرجال للعمل، وستشحن أجسامهم بالكهرباء والجهاز دائر إلى أقصى القطبين، ولكنهم معزولون عن الأرض فلن يصيبهم أذى.
قماش جديد:
ويصنعونه من القطن والكتان. وخلط القطن بالكتان في النسيج أمر معروف، فهم يجمعون خيوط هذا إلى خيوط ذلك، أو يُسدون بهذا ويلحمون بذلك. ولكن الطريقة الجديدة تتضمن إحالة القطن إلى مادة كالفالوذج، وإحالة الكتان إلى مادة فالوذجية مثلها، ثم خلط الاثنين بنسب تتفاوت لأغراض تتفارق، ثم ضغط المخلوط في ثقوب رفيعة يخرج منها وقد جف خيوطاً بين القطن والكتان تغزل ثم تنسج منها الأثواب. وسنرى في القريب بشائر هذا الأثواب تباع في الأسواق بأثمان يقولون عنها إنها أغلى من القطن بقليل ولكنها أرخص من الكتان بكثير.
стр. 3043
القصص
الصديق الصدوق
للأديب الإنجليزي المعروف أوسكار وايلد
في صباح أحد الأيام أطل من جحره فأر ماء عجوز، ذو عينين لامعتين كالخرز، وشارب خشن أسمر، ذنب كأنه قطعة طويلة من المطاط الأسود، وكان يسبح حوله في الغدير أفراخ من البط ومعهم أمهم البيضاء الناصعة ذات السيقان الحمراء تعلمهم كيف يقفون في الماء على رؤوسهم، وتقول لهم من حين إلى حين (لا يمكن أن تعيشوا في جمعية راقية وانتم غير قادرين أن تقفوا في الماء على رؤوسكم.) ثم تريهم كيف يكون ذلك؛ ولكن الأفراخ لم يصغوا إليها، لقد كانوا صغاراً لا يدركون فائدة الحياة في الجمعية.
صاح فأر الماء العجوز - ما أعقهم من أولاد، أنهم ليستحقون الموت غرقا.
أجابت البطة - ليس الأمر كذلك، إن لكل امرئ بداية. . وإن الآباء ليصبرون طويلا.
فأر الماء - آه. . أنا لا أعلم شيئاً عن عواطف الآباء، إنني لست رجل أسرة، فلم لم أتزوج ولم أفكر قط في الزواج. الحب جميل إجمالا، ولكن الصداقة أسمى بكثير. في الحق أني لا أعرف ما هو أشراف ولا أندر من الصديق الصدوق.
سأل الطائر الصغير الملقب بالتفيفحة، وكان جالساً على شجرة الصفصاف وقد سمع المحادثة (ولكن بالله عليك قل لي ما رأيك فيما يجب أن يكون عليه الصديق الصدوق؟)
البطة - نعم هذا ما أردت أن أعرفه - وسبحت إلى نهاية الغدير ووقفت على رأسها.
صاح فأر الماء - ما أسخفه من سؤال! إني أريد من صديقي الصدوق أن يضر نفسه لينفعني.
قال العصفور الصغير وهو يطير فوق عسلوج ذهبي ويصفق بجناحيه الرقيقين (وماذا تفعل أنت مقابل ذلك؟)
أجاب فأر الماء - لا أفهم ما تعني.
العصفور - دعني أقص عليك حكاية في هذا الموضوع.
فأر الماء - وهل يدور حولي محور هذه القصة - إذا كان كذلك فأنا أصغي إليك لأني جد مولع بالقصص الخيالية.
стр. 3044
العصفور - إنها تناسبك، وطار هابطا وحط على الشاطئ وأخذ يقص حكاية الصديق الصدوق.
الطائر الصغير - كان يعيش في أحد الأزمنة شاب نبيل يدعى (هانس)
فأر الماء - هل كان مشهوراً.؟
الطائر - كلا ما أظن أنه كان مشهوراً، اللهم إلا بقلبه الرحيم ووجهه الضحوك البشوش المستدير، لقد عاش في كوخه الحقير وحيدا وكان يشتغل كل يوم في حديقته التي لم يكن في القرية حديقة تدانيها في الجمال، فيها كان ينمو الزهر المنثور والورد الأحمر والورد الأبيض والأصفر والزعفران الليلكي والذهبي والبنفسج الأرجواني والريحان والياسمين وهكذا كنت تجد دائماً في الحديقة ما يقر العين وينعش الفؤاد.
وكان (لهانس) الصغير أصدقاء كثيرون، ولكن (هيو) الطحان الضخم الغني كان أكثر هؤلاء الأصدقاء وفاء وتضحية وقد بلغ من وفائه (لهانس الصغير) أنه لم يكن يمر بحديقته دون أن يعطف على الحائط ويقطف باقة أزهار كبيرة أو يجمع حزمة من الحشيش النظيف، وإذا كان الفصل فصل الأثمار ملأ جيوبه بالبرقوق والكرز.
وكان الطحان يقول: يجب أن ترتفع الكلفة من بين الأصدقاء الأوفياء، فيؤمن هانس الشاب على أقواله ويبتسم ويأخذه العجب كلما فكر أن له صديقا يحمل مثل هذه الأفكار النبيلة.
وكان الجيران أحياناً يتساءلون مستغربين: كيف أن الطحان الغني لا يعطي هانس شيئاً مقابل ما يأخذه منه في حين أن لديه مئات من أكياس الدقيق مخزونة في مطحنته وعنده ست بقرات حلوب، وقطيع كبير من الغنم المكسو بالصوف، ولكن (هانس) لم يزعج نفسه بمثل هذه الافكار، ولم يكن ليسره شيء بقدر ما كان يسره أن يصغي إلى الأقوال الغريبة التي كان يذكرها له الطحان عن تضحيات الصديق الصدوق.
وكان هانس الصغير يشتغل في حديقته ويعيش جد سعيد خلال أيام الربيع والصيف والخريف، ولكن حين يأتي الشتاء وليس لديه ما يبيعه من أثمار وأزهار كان المسكين يتألم كثيراً من البرد والجوع، وكثيراً ما كان يذهب إلى فراشه دون أن يتناول شيئاً من الطعام اللهم إلا قليلاً من التين الجاف أو شيئاً من الجوز اليابس، وفي الشتاء أيضاً كان دائم الوحدة لان الطحان لم يكن يأتي ليراه في ذلك الفصل أبداً.
стр. 3045
- ليس من الخير أن أذهب وأرى (هانس الصغير) (والثلج لا يزال على الأبواب) هذا ما كان يقوله الطحان لزوجه حين يكون الناس في اضطراب، علينا أن ندعهم فلا نزعجهم بزياراتنا هذا رأيي في الصداقة، واكبر ظني إني على صواب، لذلك فأنا سأنتظر قدوم الربيع وعندئذ أذهب لزيارته، وسيكون عندئذ قادراً على أن يقدم لي سلة كبيرة من أزهار الربيع!
أجابت الزوجة وهي ترتمي على المقعد الكبير إلى جانب النار - في الحق أنك كثير الاهتمام بغيرك، إنه ليسرني أن أسمعك تتكلم عن الصداقة دائماً. . إنني على يقين أن رجل الدين نفسه لا يتكلم بمثل كلامك الممتلئ علماً وحكمة.
قال أصغر أولاد الطحان - ولكن لا نطلب (لهانس الصغير) أن يصعد إلينا - إذا كان هانس الصغير في ضيق فأنا سأقدم له نصف ما عندي من ثريد، وأريه أرنبي الصغير.
صاح الطحان - يالك من ولد غبي. حقاً إني لا أعلم ما فائدة إرسالك للمدرسة، يظهر انك لا تتعلم شيئاً؛ لماذا؟ إذا أتى هانس الصغير إلى هنا ورأى نارنا الموقدة وطعامنا اللذيذ ودننا الكبير الطافح بالنبيذ الأحمر عندها يأخذه الحسد، والحسد هو أفظع خلة يمكن أن تشوه طبيعة الإنسان، أنا خير أصدقائه وسوف أظل أرعاه بعنايتي وأحول دون دخوله في أية تجربة، وبالإضافة إلى ذلك فان هانس إذا جاء إلى هنا فقد يطلب مني أن أقرضه قليلا من الدقيق، وهذا ما لا أستطيعه، الدقيق شيء والصداقة شيء آخر ولن يجتمعا. لماذا! لأن الكلمتين تختلفان في التهجية ولكل منهما معنى خاص. كل إنسان يوافقني على ذلك (. .
قالت الزوجة وهي تملأ كأسها بالجعة الدافئة: إن ما تقوله هو عين الصواب. .
أجاب الطحان - يحسن بعض الناس التمثيل، ولكن قل من يجيد منهم الكلام، وهذا يعني إن الكلام أصعب من التمثيل وهو كذلك أجمل بكثير. ثم نظر بجفاء إلى ولده الصغير الذي جلس إلى المائدة منكمشاً مطرقاً برأسه، خجلا من نفسه.
سأل فأر الماء العجوز - أهذا ختام القصة؟
أجاب العصفور - طبعاً لا. هذا أولها. . .
فأر الماء - أنت إذن من الرواة القدماء، إن الرواية البارعة في هذه الأيام يبدأ روايته من نهايتها ثم يسير بالسامعين إلى بدايتها، تلك هي الطريقة الحديثة، لقد سمعتها من فم ناقد كان
стр. 3046
يسير منذ يوم برفقة شاب حول البركة، لقد تكلم بحماس جعلني أوقن بأنه على صواب خصوصاً وقد كان أصلع الرأس يضع على عينيه منظارين أزرقين. ولكن أرجوك أن تستمر في قصتك.
قال العصفور وهو يقفز حيناً على إحدى ساقيه وحيناً على الأخرى: وكان الطحان عندما ينتهي الشتاء وتبدأ أزهار الربيع تتفتح عن أكمامها الباهتة الصفراء يقول لزوجته بأنه ذاهب ليرى هانس الصغير
صاحت زوجته - ماذا! ما أطيب قلبك! انك دائم التفكير في الآخرين. هل أذكرك أن تأخذ السلة معك لتملأها بالأزهار.
وهكذا ربط الطحان شراع الطاحونة وهبط التل وبيده السلة
الطحان - صباح الخير، هانس الصغير.
قال هانس وهو متكئ على معوله ضاحكاً مل شدقيه: صباح الخير
الطحان - كيف أمضيت أيام الشتاء؟
هانس - بخير انه لكرم منك أن تسأل عني، كانت أياماً شديدة، ولكن ها قد أتى الربيع وأنا سعيد حقاً وأزهاري أخذت تتفتح.
الطحان - طالما تحدثنا عنك أيام الشتاء وتساءلنا كيف يكون حالك؟
هانس - هذا لطف منك، لقد كدت أظن وبعض الظن إثم انك نسيتني!
الطحان - هانس إني معجب بك. الصداقة لا تنسى أبداً وهذا هو سرها العجيب. . كم تبدو زهورك جميلة!!
هانس - حقا إنها لها منظراً بديعاً ومن حسن حظي أن لدي كثيراً منها، سأحملها إلى السوق وأبيعها إلى ابنة شيخ القرية وأبتاع بثمنها عربة يد.
الطحان - تبتاع عربة يد! ما أحسبك تعني أنك قد بعت عربتك، انه يكون إذن تصرفاً منك خاطئاً. .
هانس - هذا هو الواقع الذي أكرهت عليه. انك تعلم أن الشتاء كان على جد صعب، وإني لا أملك ما ابتاع به خبزاً، فاضطررت بادئ الأمر أن أبيع أزرار بذلتي يوم الأحد، ثم بعت سلسلتي الفضية فغليوني الكبير، وأخيراً بعت عربتي ولكنني مصمم أن أعود فأشتري هذه
стр. 3047
الأشياء كلها.
الطحان - هانس. سأقدم لك عربتي. صحيح إنها بحاجة إلى إصلاح، وقد ذهب أحد جانبيها وفي دولابها عطل بسيط. ولكن ساقدمها لك على رغم ذلك، فأنا أعلم أن هذا كرم عظيم مني، وان كثيرين من الناس سيظنون بي الغباوة لتفريطي في العربة، ولكني لست كباقي الناس، أنا أرى في مثل هذا الكرم روح الصداقة.
هانس الصغير - حسناً حقاً انه لكرم منك وطفح وجهه الضحوك المستدير سروراً. . إنني أصلحها بسهولة لان عندي لوح من خشب.
الطحان - لوح من خشب أنا بحاجة إليه لان في سقف مخزن لحاصلات ثقباً كبيراً. انه لمن حسن الحظ انك نوهت لي بهذا اللوح الخشبي، عجيب حقاً، كيف ان العمل الصالح يلد دائماً عملا صالحاً لقد أعطيتك عربتي، والآن فانك تقدم إلي لوحك. نعم إن العربة أثمن بكثير من لوح الخشب ولكن الصداقة الحق لا تهتم بمثل ذلك، أرجو أن تحضره حالا.
هانس - بالتأكيد. وجرى إلى السقيفة وأخرج اللوح.
قال الطحان وهو ينظر إلى اللوح - انه ليس كبيرا جداً، إني لأخشى أن لا يبقى منه شيء لتصلح به العربة بعد أن أسقف مخزني ولكن ذلك ليس خطأي، والآن وقد قدمت لك عربتي الصغيرة، فأني متأكد بأنك ستقدم لي زهوراً مقابل ذلك. هذه هي السلة وإني أذكرك أن تملأها جيداً
قال هانس الصغير متألما - أملأها جيداً. .! (لان السلة كانت كبيرة جداً، وقد أردك انه أن ملأها فسوف لا يبقى لديه ما يأخذه إلى السوق، بينما هو يرغب أن يعيد أزراره الفضية)
أجاب الطحان - ما كنت أظن بعد أن أعطيتك العربة انه كثير على أن أسألك قليلا من الزهور. قد أكون مخطئاً ولكني اعتقد إن الصداقة، الصداقة الحق يجب أن تبتعد عن كل أنانية
صاح هانس الصغير - يا صديقي العزيز، يا أخلص صديق. لك الأمر على كل ما في حديقتي من أزهار، أني لأرغب في أفكارك السديدة أكثر من أزراري الفضية، وجرى فقطف كل زهوره الجميلة وملأ بها سلة الطحان.
الطحان - وداعاً هانس الصغير وصعد التل ولوح الخشب على كتفه والسلة الكبيرة في
стр. 3048
يده.
هانس - مع السلامة.
في اليوم الثاني كان هانس ينصب العليق حينما سمع صوت الطحان يناديه من الطريق فقفز عن السلم، وجرى إلى الحديقة وتطلع من أعلى الحائط لرأى الطحان وعلى ظهره سلة كبيرة ملآنة بالزهور
الطحان - عزيزي هانس الصغير هل تحمل لي هذه السلة إلى السوق؟
هانس - إنني كثير الشغل اليوم. على أن أنصب كل العليق واسقي كل الزهور واحزم كل الكلأ.
الطحان - حسناً. أظن انه ليس من حسن الصداقة أن ترفض طلبي
صاح هانس - آه لا تقل ذلك إنني لا أحب أن أعادي العالم أجمع، ثم جرى فأحضر قبعته وسار ينوء بالسلة الكبيرة
لقد كان يوماً لافحاً، وكان الطريق يعج بالغبار، وقبل أن يصل هانس إلى الكيلومتر السادس كان قد بلغ به التعب مبلغاً عظيماً وكان عليه أن يستريح، ولكنه استمر يسير بشاعة إلى أن وصل السوق بعد ان انتظر قليلا استطاع أن يبيع الأزهار بسعر جيد، حينئذ عاد إلى البيت حالا دون إبطاء لانه خاف إن هو تأخر قليلا أن يلقى اللصوص في الطريق.
قال هانس الصغير لنفسه وهو ذاهب للفراش (حقا لقد كان يوماً مزعجاً متعباً، وعلى كل فأنا مسرور لأني لم أرفض طلب الطحان وهو أخلص صديق إلي، وعدا ذلك فهو سيعطيني عربته)
وفي صباح اليوم الثاني نزل الطحان مبكراً ليأخذ زهوره، ولكن هانس الصغير كان لا يزال في فراشه من أثر تعبه.
الطحان - قبل كل شيء انك كسول جداً والكسل خطيئة عظيمة، وأنا لا أحب أن يكون أحد أصدقائي كسولا بليداً. لا ينبغي أن تتأثر من صراحتي، تأكد إني ما كنت لأرميك بهذه الكلمات الجارحة لو لم اكن صديقك، كل شخص يستطيع أن يقول كلاماً ليناً ويذكر أموراً مبهجة ويصانع ويخادع ولكن الصديق الصدوق يقول دائماً أقوالا لا تسر ولا يهمه أن هو
стр. 3049
آلم صديقه.
قال هانس وهو يفرك عينيه ويرفع عنه اللحاف - أنا متأسف جداً لقد بلغ من تعبي إن زعمت إني أستطيع البقاء في الفراش ولو قليلاً، والإصغاء إلى غناء الطيور. هل تعلم إني حين أصغي إلى الطيور اشتغل بنشاط عظيم؟
قال الطحان وهو يربت على ظهر هانس الصغير - أنا مسرور من ذلك، لأني أريدك أن تأتي إلى الطاحونة حالما ترتدي ثيابك وتصلح لي سقف مخزن الحاصلات. مسكين هانس الصغير! لقد كان في نيته أن يذهب ويشتغل في حديقته لأن أزهاره لم تسق منذ يومين، وهو في نفس الوقت لا يحب أن يرفض طلب الطحان صديقه الصدوق، قال هانس بصوت المتهيب الخجل - هل تظن إني أكون مذنباً إذا اعتذرت لك بقولي: أني مشغول
أجاب الطحان - ما أظن إني طلبت منك أمراً خطيراً ثم اذكر إني سأعطيك عربتي وطبعاً إذا رفضت فأنا سأذهب بنفسي وأصلح السقف.
صاح هانس - آه ليس من الضروري. . وقفز من الفراش وارتدى ثيابه وصعد إلى مخزن الحاصلات حيث اشتغل هناك طيلة النهار حتى إذا غربت الشمس جاء إليه الطحان ليرى مالذي صنع.
صاح الطحان بصوت رقيق هل رتقت خرق السقف يا هانس الصغير؟
أجاب هانس - تماماً ونزل عن السلم
الطحان - آه لا يوجد عمل ألذ من العمل الذي يقوم به المرء للغير.
قال هانس وهو يمسح جبينها - بالتأكيد، إنها لفائدة عظمى أن أسمعك تتكلم، فائدة عظمى، ولكني أخشى أن لا يقدر لي أن أحمل مثل هذه الأفكار التي تحملها
الطحان - إنها ستأتيك ولكن بعد عذاب أعظم. عندك الآن تطبيقات في الصداقة وبعد أيام ستعرف نظرياتها أيضاً
هانس - سأعرف حقيقة نظريات الصداقة؟
الطحان - أنا لا أشك في ذلك، ولكن الأحسن الآن وقد أصلحت السقف أن تذهب إلى البيت وتستريح لأني أريدك منك غداً أن تسوق غنمي إلى الجبل. مسكين هانس لقد خشي أن يجيب بشيء، وفي صباح اليوم التالي أحضر الطحان غنمه إلى الكوخ فسار بها هانس
стр. 3050
إلى الجبل وقد كلفه أخذها والعودة بها يوماً كاملاً، وحين عاد كان منهوك القوى فنام على مقعد ولم يستيقظ حتى ساعة متأخرة.
قال - سأتمتع بيوم مبهج في حديقتي وذهب في الحال ليشتغل لكن لم يستطيع أبداً أن يرعى زهوره لأن صديقه الطحان كان يأتيه دائماً ويرسله في مهمات طويلة أو يحضره ليساعده في المطحنة.
ومع الأيام كان هانس الصغير يزداد حزناً على زهوره، ولكنه كان يعزى نفسه بأن الطحان صديقه الصدوق.
وهكذا كان هانس يشتغل للطحان، وكان الطحان يذكر له كل الأقوال الجميلة عن الصداقة فكان ينقلها إلى دفتره ويراجعها في المساء شأن التلميذ المجتهد
وقد حدث في مساء أحد الأيام وقد كان هانس الصغير جالساً إلى جانب الموقد أن سمع صيحة شديدة عند الباب، وكان ليلة مزعجة الريح تصفر فيها وتزمجر حول البيت، فظن هانس أن الصوت صوت العاصفة ولكن حين أعقب الصرخة الأولى ثانية فثالثة قال هانس لنفسه! انه مسافر مسكين، وجرى نحو الباب فإذا بالطحان يحمل فانوساً بإحدى يديه وعصا ضخمة بالأخرى
صاح الطحان - عزيزي هانس الصغير، إنني في قلق عظيم لقد، سقط ولدى الصغير من أعلى السلم وأنا ذاهب إلى الطبيب، ولكنه يسكن في مكان بعيد جداً. ولقد فتقت لي هذه الليلة الرديئة فكرة حسنة وهي أن تذهب أنت بدلا عني. انك تعلم أني أريد أن أعطيك عربتي، ولذلك فأرى من العدل أن تقوم لي بخدمة مقابل ذلك.
صاح هانس الصغير - بالتأكيد. إن قدومك إلى كرم منك وسأنطلق حالا. ولكن يجب أن تعيرني مصباحك لأن الليلة مظلمة وأخاف أن أقع في الوادي.
أجب الطحان - إنني آسف جداً. انه مصباحي الجديد وخسارتي تكون عظيمة إن حدث له أي حادث.
صاح هانس الصغير - حسناً، لا بأس سأذهب بدونه وتناول معطفه الكبير وطاقيته القرمزية الدافئة، ولف لثاماً حول عنقه ثم سار. .
يا لها من ليلة مرعبة. . لقد بلغ من حلكة الليل أن هانس لم يكن يرى إلا بشق النفس،
следующие страницы →