← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

يسير منذ يوم برفقة شاب حول البركة، لقد تكلم بحماس جعلني أوقن بأنه على صواب خصوصاً وقد كان أصلع الرأس يضع على عينيه منظارين أزرقين. ولكن أرجوك أن تستمر في قصتك. قال العصفور وهو يقفز حيناً على إحدى ساقيه وحيناً على الأخرى: وكان الطحان عندما ينتهي الشتاء وتبدأ أزهار الربيع تتفتح عن أكمامها الباهتة الصفراء يقول لزوجته بأنه ذاهب ليرى هانس الصغير صاحت زوجته - ماذا! ما أطيب قلبك! انك دائم التفكير في الآخرين. هل أذكرك أن تأخذ السلة معك لتملأها بالأزهار. وهكذا ربط الطحان شراع الطاحونة وهبط التل وبيده السلة الطحان - صباح الخير، هانس الصغير. قال هانس وهو متكئ على معوله ضاحكاً مل شدقيه: صباح الخير الطحان - كيف أمضيت أيام الشتاء؟ هانس - بخير انه لكرم منك أن تسأل عني، كانت أياماً شديدة، ولكن ها قد أتى الربيع وأنا سعيد حقاً وأزهاري أخذت تتفتح. الطحان - طالما تحدثنا عنك أيام الشتاء وتساءلنا كيف يكون حالك؟ هانس - هذا لطف منك، لقد كدت أظن وبعض الظن إثم انك نسيتني! الطحان - هانس إني معجب بك. الصداقة لا تنسى أبداً وهذا هو سرها العجيب. . كم تبدو زهورك جميلة!! هانس - حقا إنها لها منظراً بديعاً ومن حسن حظي أن لدي كثيراً منها، سأحملها إلى السوق وأبيعها إلى ابنة شيخ القرية وأبتاع بثمنها عربة يد. الطحان - تبتاع عربة يد! ما أحسبك تعني أنك قد بعت عربتك، انه يكون إذن تصرفاً منك خاطئاً. . هانس - هذا هو الواقع الذي أكرهت عليه. انك تعلم أن الشتاء كان على جد صعب، وإني لا أملك ما ابتاع به خبزاً، فاضطررت بادئ الأمر أن أبيع أزرار بذلتي يوم الأحد، ثم بعت سلسلتي الفضية فغليوني الكبير، وأخيراً بعت عربتي ولكنني مصمم أن أعود فأشتري هذه

стр. 3047

الأشياء كلها. الطحان - هانس. سأقدم لك عربتي. صحيح إنها بحاجة إلى إصلاح، وقد ذهب أحد جانبيها وفي دولابها عطل بسيط. ولكن ساقدمها لك على رغم ذلك، فأنا أعلم أن هذا كرم عظيم مني، وان كثيرين من الناس سيظنون بي الغباوة لتفريطي في العربة، ولكني لست كباقي الناس، أنا أرى في مثل هذا الكرم روح الصداقة. هانس الصغير - حسناً حقاً انه لكرم منك وطفح وجهه الضحوك المستدير سروراً. . إنني أصلحها بسهولة لان عندي لوح من خشب. الطحان - لوح من خشب أنا بحاجة إليه لان في سقف مخزن لحاصلات ثقباً كبيراً. انه لمن حسن الحظ انك نوهت لي بهذا اللوح الخشبي، عجيب حقاً، كيف ان العمل الصالح يلد دائماً عملا صالحاً لقد أعطيتك عربتي، والآن فانك تقدم إلي لوحك. نعم إن العربة أثمن بكثير من لوح الخشب ولكن الصداقة الحق لا تهتم بمثل ذلك، أرجو أن تحضره حالا. هانس - بالتأكيد. وجرى إلى السقيفة وأخرج اللوح. قال الطحان وهو ينظر إلى اللوح - انه ليس كبيرا جداً، إني لأخشى أن لا يبقى منه شيء لتصلح به العربة بعد أن أسقف مخزني ولكن ذلك ليس خطأي، والآن وقد قدمت لك عربتي الصغيرة، فأني متأكد بأنك ستقدم لي زهوراً مقابل ذلك. هذه هي السلة وإني أذكرك أن تملأها جيداً قال هانس الصغير متألما - أملأها جيداً. .! (لان السلة كانت كبيرة جداً، وقد أردك انه أن ملأها فسوف لا يبقى لديه ما يأخذه إلى السوق، بينما هو يرغب أن يعيد أزراره الفضية) أجاب الطحان - ما كنت أظن بعد أن أعطيتك العربة انه كثير على أن أسألك قليلا من الزهور. قد أكون مخطئاً ولكني اعتقد إن الصداقة، الصداقة الحق يجب أن تبتعد عن كل أنانية صاح هانس الصغير - يا صديقي العزيز، يا أخلص صديق. لك الأمر على كل ما في حديقتي من أزهار، أني لأرغب في أفكارك السديدة أكثر من أزراري الفضية، وجرى فقطف كل زهوره الجميلة وملأ بها سلة الطحان. الطحان - وداعاً هانس الصغير وصعد التل ولوح الخشب على كتفه والسلة الكبيرة في

стр. 3048

يده. هانس - مع السلامة. في اليوم الثاني كان هانس ينصب العليق حينما سمع صوت الطحان يناديه من الطريق فقفز عن السلم، وجرى إلى الحديقة وتطلع من أعلى الحائط لرأى الطحان وعلى ظهره سلة كبيرة ملآنة بالزهور الطحان - عزيزي هانس الصغير هل تحمل لي هذه السلة إلى السوق؟ هانس - إنني كثير الشغل اليوم. على أن أنصب كل العليق واسقي كل الزهور واحزم كل الكلأ. الطحان - حسناً. أظن انه ليس من حسن الصداقة أن ترفض طلبي صاح هانس - آه لا تقل ذلك إنني لا أحب أن أعادي العالم أجمع، ثم جرى فأحضر قبعته وسار ينوء بالسلة الكبيرة لقد كان يوماً لافحاً، وكان الطريق يعج بالغبار، وقبل أن يصل هانس إلى الكيلومتر السادس كان قد بلغ به التعب مبلغاً عظيماً وكان عليه أن يستريح، ولكنه استمر يسير بشاعة إلى أن وصل السوق بعد ان انتظر قليلا استطاع أن يبيع الأزهار بسعر جيد، حينئذ عاد إلى البيت حالا دون إبطاء لانه خاف إن هو تأخر قليلا أن يلقى اللصوص في الطريق. قال هانس الصغير لنفسه وهو ذاهب للفراش (حقا لقد كان يوماً مزعجاً متعباً، وعلى كل فأنا مسرور لأني لم أرفض طلب الطحان وهو أخلص صديق إلي، وعدا ذلك فهو سيعطيني عربته) وفي صباح اليوم الثاني نزل الطحان مبكراً ليأخذ زهوره، ولكن هانس الصغير كان لا يزال في فراشه من أثر تعبه. الطحان - قبل كل شيء انك كسول جداً والكسل خطيئة عظيمة، وأنا لا أحب أن يكون أحد أصدقائي كسولا بليداً. لا ينبغي أن تتأثر من صراحتي، تأكد إني ما كنت لأرميك بهذه الكلمات الجارحة لو لم اكن صديقك، كل شخص يستطيع أن يقول كلاماً ليناً ويذكر أموراً مبهجة ويصانع ويخادع ولكن الصديق الصدوق يقول دائماً أقوالا لا تسر ولا يهمه أن هو

стр. 3049

آلم صديقه. قال هانس وهو يفرك عينيه ويرفع عنه اللحاف - أنا متأسف جداً لقد بلغ من تعبي إن زعمت إني أستطيع البقاء في الفراش ولو قليلاً، والإصغاء إلى غناء الطيور. هل تعلم إني حين أصغي إلى الطيور اشتغل بنشاط عظيم؟ قال الطحان وهو يربت على ظهر هانس الصغير - أنا مسرور من ذلك، لأني أريدك أن تأتي إلى الطاحونة حالما ترتدي ثيابك وتصلح لي سقف مخزن الحاصلات. مسكين هانس الصغير! لقد كان في نيته أن يذهب ويشتغل في حديقته لأن أزهاره لم تسق منذ يومين، وهو في نفس الوقت لا يحب أن يرفض طلب الطحان صديقه الصدوق، قال هانس بصوت المتهيب الخجل - هل تظن إني أكون مذنباً إذا اعتذرت لك بقولي: أني مشغول أجاب الطحان - ما أظن إني طلبت منك أمراً خطيراً ثم اذكر إني سأعطيك عربتي وطبعاً إذا رفضت فأنا سأذهب بنفسي وأصلح السقف. صاح هانس - آه ليس من الضروري. . وقفز من الفراش وارتدى ثيابه وصعد إلى مخزن الحاصلات حيث اشتغل هناك طيلة النهار حتى إذا غربت الشمس جاء إليه الطحان ليرى مالذي صنع. صاح الطحان بصوت رقيق هل رتقت خرق السقف يا هانس الصغير؟ أجاب هانس - تماماً ونزل عن السلم الطحان - آه لا يوجد عمل ألذ من العمل الذي يقوم به المرء للغير. قال هانس وهو يمسح جبينها - بالتأكيد، إنها لفائدة عظمى أن أسمعك تتكلم، فائدة عظمى، ولكني أخشى أن لا يقدر لي أن أحمل مثل هذه الأفكار التي تحملها الطحان - إنها ستأتيك ولكن بعد عذاب أعظم. عندك الآن تطبيقات في الصداقة وبعد أيام ستعرف نظرياتها أيضاً هانس - سأعرف حقيقة نظريات الصداقة؟ الطحان - أنا لا أشك في ذلك، ولكن الأحسن الآن وقد أصلحت السقف أن تذهب إلى البيت وتستريح لأني أريدك منك غداً أن تسوق غنمي إلى الجبل. مسكين هانس لقد خشي أن يجيب بشيء، وفي صباح اليوم التالي أحضر الطحان غنمه إلى الكوخ فسار بها هانس

стр. 3050

إلى الجبل وقد كلفه أخذها والعودة بها يوماً كاملاً، وحين عاد كان منهوك القوى فنام على مقعد ولم يستيقظ حتى ساعة متأخرة. قال - سأتمتع بيوم مبهج في حديقتي وذهب في الحال ليشتغل لكن لم يستطيع أبداً أن يرعى زهوره لأن صديقه الطحان كان يأتيه دائماً ويرسله في مهمات طويلة أو يحضره ليساعده في المطحنة. ومع الأيام كان هانس الصغير يزداد حزناً على زهوره، ولكنه كان يعزى نفسه بأن الطحان صديقه الصدوق. وهكذا كان هانس يشتغل للطحان، وكان الطحان يذكر له كل الأقوال الجميلة عن الصداقة فكان ينقلها إلى دفتره ويراجعها في المساء شأن التلميذ المجتهد وقد حدث في مساء أحد الأيام وقد كان هانس الصغير جالساً إلى جانب الموقد أن سمع صيحة شديدة عند الباب، وكان ليلة مزعجة الريح تصفر فيها وتزمجر حول البيت، فظن هانس أن الصوت صوت العاصفة ولكن حين أعقب الصرخة الأولى ثانية فثالثة قال هانس لنفسه! انه مسافر مسكين، وجرى نحو الباب فإذا بالطحان يحمل فانوساً بإحدى يديه وعصا ضخمة بالأخرى صاح الطحان - عزيزي هانس الصغير، إنني في قلق عظيم لقد، سقط ولدى الصغير من أعلى السلم وأنا ذاهب إلى الطبيب، ولكنه يسكن في مكان بعيد جداً. ولقد فتقت لي هذه الليلة الرديئة فكرة حسنة وهي أن تذهب أنت بدلا عني. انك تعلم أني أريد أن أعطيك عربتي، ولذلك فأرى من العدل أن تقوم لي بخدمة مقابل ذلك. صاح هانس الصغير - بالتأكيد. إن قدومك إلى كرم منك وسأنطلق حالا. ولكن يجب أن تعيرني مصباحك لأن الليلة مظلمة وأخاف أن أقع في الوادي. أجب الطحان - إنني آسف جداً. انه مصباحي الجديد وخسارتي تكون عظيمة إن حدث له أي حادث. صاح هانس الصغير - حسناً، لا بأس سأذهب بدونه وتناول معطفه الكبير وطاقيته القرمزية الدافئة، ولف لثاماً حول عنقه ثم سار. . يا لها من ليلة مرعبة. . لقد بلغ من حلكة الليل أن هانس لم يكن يرى إلا بشق النفس،

стр. 3051

وبلغ من قوة الريح أنه ما كان يقف إلا بكل صعوبة، وعلى كل فقد كان شجاعاً، وبعد مسير ثلاث ساعات وصل منزل الطبيب. فطرق الباب. صاح الطبيب وهو يطل من نافذة غرفة النوم - من أنت؟ - أنا هانس الصغير يا دكتور. - ماذا تريد يا هانس الصغير؟ - لقد سقط ابن الطحان من أعلى السلم ويرجوك أن تأتي حالا. قال الدكتور - حسناً وأعد جواده وفانوسه ونزل إلى الطابق السفلي وسار في اتجاه منزل الطحان. وهانس الصغير قد دلف وراءه ولكن العاصفة أخذت تزداد قسوة وشدة، وأخذ المطر يتدفق كالسيل ولم يستطع هانس الصغير أن يرى أين يسير أو كيف يتبع الجواد، وأخيراً ضل الطريق وهام في المستنقع الممتلئ بالحفر العميقة، وهنالك غرق هانس الصغير المسكين. وفي اليوم الثاني وجد بعض الرعاة جثته طافية في بركة كبيرة من الماء فجاءوا بها إلى الكوخ. خرج كل الناس في جنازة هانس الصغير لانه كان مشهوراً لدى الجميع وكان الطحان أول المؤبنين. قال الطحان - وحيث إني كنت أصدق أصدقائه فمن الحق أن أتقدم الجميع، وهكذا سار إلى صدر الحفل في معطف طويل أسود وكان بين الفينة والفينة يمسح عينيه بمنديل كبير قال حداد حين انتهت حفلة الدفن والجميع في الفندق يشربون النبيذ المعتق ويأكلون الكعك المحلى - بالتأكيد أن موت هانس الصغير خسارة عظيمة للجميع. أجاب الطحان - خسارة عظيمة لي بوجه التخصيص، لماذا؟ لأني كنت أريد أن أتفضل عليه بعربتي. والآن فأني لا ادري ما الذي افعله بها، أنها دائماً في وجهي في البيت وهي في حالة من العطل لا تساوي معها شيئاً إذا عرضت للبيع، سوف أحتاط بعد اليوم فلا أتبرع بشيء، بالتأكيد إن المرء يضره أن يكون كريماً. قال فأر الماء بعد تردد طويل - حسنا. قال العصفور - حسناً. تلك نهاية القصة

стр. 3052

سأل فأر الماء - ولكن ماذا حدث للطحان؟ أجاب العصفور - حقاً لست أعلم ولا يهمني أن أعلم فار الماء - إذن فأنت بطبيعتك بعيد عن الإحساس. العصفور - أخشى أن لا تكون أدركت مغزى القصة. صاح فأر الماء - لم!. ماذا؟. . العصفور - لم تدرك المغزى. فأر الماء - هل تريد أن تقول إن القصة لها مغزى العصفور - بالتأكيد. قال فأر الماء بلهجة الساخط - حسناً حقاً. . أظن أنه كان يجب أن تخبرني بذلك من قبل. . بالتأكيد كنت لا أصغي إليك وضرب الماء بذنبه، ورجع إلى جحره. سألت البطة التي جاءت على أثر ذلك مجدفة - كيف رأيت فأر الماء، أن له ملاحظات بديعة. أجاب العصفور - أني لأخشى أن أكون قد أزعجته، فقد قصصت عليه قصة ذات مغزى. شرق الأردن بشير الشريقي المحامي

стр. 3053

الأدب والفن في حياة ملك بلجيكا الراحل هذا الملك البطل قد أصبح بعد حياته حيا بين أبطال الأساطير وزاده مصرعه الفاجع عظمة على عظمته. وهو ملقى مضرجاً بدمه الغالي على أطراف الصخور المسنونة ولم يكن ألبرت الأول ملكاً عظيماً فحسب، بل كان أيضاً رجلاً عظيما. وله قبل الحرب صورة تمثله والشاعر الأديب فرهيرن في وسط الأسرة المالكة في جو ديمقراطي، والأنجال إلى المائدة، والجميع يسمرون تحت المصباح وقيثارته الملكية ترسل أنغامها بعد العشاء. ولم يكن هناك أثر للمراسم وأوضاعها التقليدية في علاقة صاحب التاج بالعلماء والكتاب وأهل الفن من أبناء البلاد. فقد كان يعلم حق العلم أن الفكر كالبطولة فله النصيب الأوفر في توثيق وحدة البلاد وجعلها موضع احترام العاملين وإعجابهم. ولقد استنهض الهمم لتوفير عتاد من مال الأمة مرصود على البحث العلمي، كما أنه فكر في تأسيس مجمع للغة والأدب، ومنح الأديب الروائي ماترلنك رتبة الكونت، ورفع لفيفا من الرسامين والمثالين ومهندسي العمارة إلى رتبة البارونات. وظلت الآداب والفنون مدى ربع القرن الذي حكمه عزيزة الجانب، تزداد مكانتها رفعة، وتستمتع بحرية لا عهد بها من قبل. فالحق أنه أول ملك على بلجيكا بدت منه الشواهد الجمة على عناية حقيقة بالجانب الأدبي في بلاده. فأن والده العظيم ليوبولد الثاني مع مناداته بأن الأدب هو زهرة المدنية الرفيعة، لم يؤثر عنه قط متابعة جهد الأدباء وتشجيعهم، وهم أولاء الذين شقوا الطريق للشباب البلجيكي ولهم الفضل الكبير على كتابها المشاهير أمثال فرهيرن وماترلنك ولئن كان الملك البرت قد تخرج على الأخص في العلوم، وانصرفت ميوله في الغالب الأعم إلى الرياضيات وتقدم الصناعات ودراسة المسائل الاجتماعية والاستعمارية، فانه لم يخل قط من الاهتمام بالفن وإن كان تذوقه للتصوير لم يكن بالغا، ورأيه في الموسيقى أقرب إلى القائل إنها (ضوضاء كبيرة النفقة). وأما الأدب فكان اكثر متعة به. وهو على كل حال من مدمني القراءة والاطلاع، وثقافته واسعة، وشوقه إلى المعرفة متنبه على الدوام. ولا نقول أنه كان يطرق آفاق التأليف الأدبية مستكشفا، وإنما كان يحب الوقوف على ما يشغل الناس من المؤلفات ويهتم بمن يأتي بين المؤلفين بالجديد. وهو من أول المشتركين في مجلة (مركير دفرانس) الأدبية لأول إنشائها وجنوحها وقتئذ في الأدب إلى

стр. 3054

مذهب الرمزيين. كما أنه من أشد القراء عناية بتتبع آثار بول فاليري القلمية، وقد حضر في بروكسل تمثيل بعض روايات بول كلوديل سفير فرنسا في بلاده، ولم يكن حضوره مجرد مجاملة للسفير بل تكريما أيضاً للأديب. وكثيراً ما أعرب الملك عن إعجابه بالأدب الفرنسي. وكانت إحدى المناسبات السانحة عندما جاء مسيو بول كلوديل إلى قصر (ليكن)، وهو على مسيرة عشرين كليومترا من بروكسل، لتقديم أوراق اعتماده فاستقبله الملك في حجرة المكتب الفسيحة الجنبات العالية السمك، حيث كان يحب الجلوس محفوفا بكتبه التي لا تقل في عددها عن ثلاثين ألف مجلد، وأدواته وأجهزته العلمية. وحياه الملك بالفرنسية بلهجة فلمنكية لها رنة ثقيلة حلوة قائلاً (هذا سفير الفكر الفرنسي). ولحظ السفير الأديب أحد مؤلفاته على مكتب الملك كذلك كان الأدب الإنجليزي محبباً اليه، وقد نوه بذلك ذات مرة في خطب ألقاه بعد الحرب في قاعة بلدية لندن في أثناء حفلة أقامتها له جمعية الأدب الملكية. ولا شك في أن هذا الملك الجندي، المعدود بين أكبر هواة الرياضة وتسلق قمم الألب، كان يؤثر الزيارة لأحد المصانع أو المعامل أو النزول في أحد المناجم، على زيارة معرض للتصوير، وأن استماعه إلى العمال في عملهم أحب إلى نفسه من أحاديث أبناء الفن المنمقة في ردهات المعارض يوم الافتتاح. غير أنه كان يستفسر من هؤلاء وهؤلاء، ويهتم بكل شيء شوقاً منه إلى المعرفة وقياماً بالواجب، ولما أن أقيمت سراي الفنون الجميلة في العاصمة تجاه القصر الملكي أو بعبارة أدق، أقرب ما يكون إلى مواجهته - أصبح الملك من أخلص المترددين عليها. ولقد يزور المعرض في الصباح الباكر زيارة الجيران وهو يلبس قبعة من اللبد عريضة الحافة، وفي رقبته ربطة معقودة على نحو ما يفعل الفنانون. ويطوف به الأستاذ الفنان (إنسور) وهو في مثل رداء مولاه، يشرح له الألواح والصور أكثر من ساعتين. والملك مطيع له، مصغ إليه. والجمهور لا يكاد يتنحى بعيداً عنهما، يتبعهما ويتابعهما بعيون ملؤها الإجلال والمحبة. وفي كل لحظة يقف الملك مقترباً من كل لوحة يدقق فيها نظره القصير ويسائل مرشده الشيخ مبتسما. كذلك كان من آونة لأخرى ينزل إلى قاعة الموسيقى مزدانة بالأزهار والتحف الفنية ليستمع إلى الموسيقى ولا سيما موسيقى فاجنر، فقد كانت عند أثيرة. ولقد قال ذات مرة

стр. 3055

بمناسبة هذا الموسيقار الألماني (إن الموسيقى لأقوى من كل تدابير السياسة في تأليف الشعوب). وأكثر من هذا وذاك كانت رعاية الملك والملكة وأمارت عطفهما القلبي على الأدباء خاصة. ولم يعزب بعد عن الأذهان أنه في زيارته الأخيرة لفرنسا منذ شهور. رأس حفلة العشاء التي تقيمها (مجلة العالمين) وقد سره من الحفلة أن استطاع مطارحة الأدب مع طائفة من الكتاب واستدلوا من حديثه على واسع إلمامه بالأدب الفرنسي الحديث وقد كانت آخر إمضاءات ملك بلجيكيا يوم السبت قبل ذهابه إلى النزهة المشئومة، هو إمضاؤه الذي مهر به أمره الكريم بمنح رتبة ضابط من طبقة التاج للمؤرخ الفرنسي (شاتيل) لنشره كتاباً عن جهود بلجيكا في فرنسا أثناء الحرب. ولقد قدم لهذا الكتاب مقدمته المسيو دومرج الذي هو اليوم رئيس الوزارة الفرنسية. ثم إن هناك فوق ما تقدم سمات اعمق في الإنسانية وأرفع نذكر منها إن الملك كان في عصر أحد الأيام في قصر (ليكن) مع ماترلنك مؤلف قصة العصفور الأزرق الخالدة فبادره ببساطه وعلى غير انتظار (يا مسيو ماترلنك. أتريد تقبيل أولادي؟) وكانت صلته بالشاعر البلجيكي (فرهيرن) صلة حميمة. فلما أن قضى الشاعر نحبه ذهب أحد أصدقائه النواب إلى الملك يلتمس منه أن يرأس الاحتفال بنقل رفاته إلى الضريح الفخم الذي أعدوه. فقبل الملك في الحال عن طيبة خاطر. ولما أراد النائب شكره اعترض قائلا (ليس لك أن تشكرني. فان مجد فرهيرن في غير حاجة إلينا. بل نحن امرأتي وأنا - اللذان نتشرف بالاشتراك في هذا الاحتفال) فكيف لا تكون هذه نفس فنان أديب شاء صاحبها أو لم يشأ وهذا المتسلق وحده إلى القمم، المغرم بدوار الارتفاع المشغوف بالطبيعة؛ من يكون إن لم يكن شاعراً حالما؟ عبد الرحمن صدقي

стр. 3056

المؤتمر الدولي الثاني عشر لنادي القلم العالمي يقام في صيف هذا العام بين السابع عشر والثاني والعشرين من شهر يونيه القادم في مدينتي أدبنورج وجلاكسو (اسكتلنده) المؤتمر الدولي الثاني عشر لنادي القلم، وتمثل فيه جميع مراكز القلم في أنحاء العالم. وقد أرسلت الدعوة إليه إلى مختلف المراكز، وسيمثل كل مركز عضوان بصفة رسمية، وأعضاء غير رسميين يشهدون الأعمال والجلسات إذا شاءوا. وينزل المندوبون الرسميون ضيوفا على نادي القلم الاسكتلندي الذي يتولى تنظيم المؤتمر والدعوة إليه؛ ويقام لهم استقبال غير رسمي في أدنبورج في ١٧ يونيه؛ ويشتمل البرنامج فضلا عن الأعمال والمداولات الخاصة بشؤون الكتاب والمؤلفين، على تنظيم استقبالات ورحلات مختلفة في أدنبورج وجلاسكو وبعض مشاهد اسكتلنده التاريخية. وقد دعي نادي القلم المصري، أسوة بمراكز القلم الأخرى، إلى شهود المؤتمر واختيار مندوبيه الرسميين وغير الرسميين.

стр. 3057

العدد ٣٧ - بتاريخ: ١٩ - ٠٣ - ١٩٣٤

стр. 3058

(شهرنا الخالد. . .! شهرنا الخالد في تقويم الدهر مارِس! فيه كما يقولون ألغيت الحماية، وأعلن الاستقلال، وصدر الدستور! وفيه كما نقول استيقظ أبو الهول، وشبت ثورة النهضة. وتنافس في الجهاد النساء والرجال، وتعانق على الوداد الصليب والهلال، وتسابق إلى الخلود الشيوخ والأطفال. وسالت أنفس الشباب ضحايا على مذبح الحرية!! وفيه كما تقول الطبيعة تتجدد الحياة، وتهتز الأرض، ويورق الشجر السليب، ويمرع الوادي الجديب، وينشد الربيع الباكر أناشيد الجمال والحب والأمل!! ولكن خمسة عشر عاماً طوالا أتت على مارسنا الأول فجعلت ما قالوه كلمات ميتة، وما نقوله ذكريات خافتة، وما تقوله الطبيعة حديثاً مُعادا! فالحكومة تدفع الحكومة، والذكرى تتبع الذكرى، والربيع يعقب الربيع، ونحن لا نزال في الموقف الأول، يتدفق علينا الزمن، وتُغَّبر في وجوهنا الشعوب، كأنما خرجنا عن مدارج القافلة، أو رمى بنا التيار في حواشي الوجود! من الذي نضح القبس بالماء، وشغل المسامع عن نداء الشهداء، وحول وجه النهضة إلى الوراء، واعترض مجرى الحياة المصرية طول هذه الحقبة؟ ستقول خدعة السياسة، وشهوة الحكم، وفتنة المال، ونكسة المرض، ولكنك لو عبرت عن ذلك كله بانحلال الخلق لكان اجمع لأسباب الأمر، وأبلغ في إجمال الحقيقة، فان التكالب على سلطان الحياة وزهرة الدنيا يصدر في الغالب عن حمية ورجولة، ولكن ما نحن في اليوم من تحكيم الهوى، وتغليب الأثرة، وهوان الغرض، وفساد الضمير، وفجور الخصومة، لا يوائم فطرة الله، ولا يلائم طبيعة التقدم على ان السفينة التي يصارعها الموج فتضطرب، ويعصف بها النوء فتجور، سيظل لها (مارس) منارا في مرفأ السلام يرسل الهدى للجائر، ويلقى السكينة في المضطرب. سنذكر دائماً مارس من عام ١٩١٩ حين عصفت في الرؤوس نخوة العزة، ونَزَت في القلوب ثورة الحفيظة، وأعلنت مصر مرة أخرى بعد (عرابي) أن لها مثلا تتبعه، وماضياً تعيده، ومستقبلاً تعدُّه، وأمراً في أرضها تدبره، وحكماً في سياستها تصدره. ويومئذ كان للربيع معنى الربيع! هبت رياح آذار فألوت بحطام الشتاء والخريف، وسرت في البلاد

стр. 3059

نسائم الروح الخالق والسر البديع، وجرت على الثرى المقدس دماء الضحايا الأُوَل فتفَّطر بالنبات البهيج، وبدت على الوجود المصري مظاهر الشباب من الرونق والصفاء والجدة والقوة، وتمردت على الطغيان المسلح نفوس شيَّعها الإيمان بالحق، وحطمت أسلاك البرق ودمرت طرق الحديد لتقطع ما بينها وبين جنود الذل، وأجبرت الغاصب الغاضب على أن يحترم رأيها في الشيخوخة الاسيرة، وعزمها في الشبيبة الثائرة، واتسع نطاق الأفق للقلوب التي حصروها بالكبْت، وانكشف رقيع السماء للأبصار التي عقدوها بالأرض، وفتح التاريخ للشعب المجيد، كتاب العهد الجديد، وكادت تتوالى صفحاته لولا أننا من الحلفاء وكالحلفاء، ربحنا الحرب وخسرنا الصلح! يعود مارس فيعود العقل العازب، وينتبه الضمير الغافل، ويستطيع كل امرئ أن ينظر إلى الوراء فيرى ماذا ترك، والى الأمام فيرى ماذا قدَّم، ثم يجيب أطياف الشهداء وهي تطوف ساهمة الوجوه أمام الأزهر، وحول ابن طولون، وخلال المقبرة الموحشة، تسائل كل عابر: ماذا صنع الأحياء بعهود الموتى، وكيف حال المعيدين على لحوم الضحايا؟ يعود مارس فيودع في أوائله الشتاء، ويستقبل في أواخره الربيع، ونحن وان تلكأ بنا الحظ البليد خمسة عشر عاما لابد موفون على ربيع النهضة! وان في هبَّة الشباب من غفوته المريبة، ومعالجته الأمور من جهاتها المنتجة، واضطرام الشعور القومي في ذكرى مارس، وإطباق الرأي العام على وخامة الحال، لبشيراً بتوافي النفوس على الخير، وتواطئها على الجد، وتعاونها على الإصلاح ليس في منطق الأشياء ولا من سنة الوجود، أن يجتمع لمصر ما لم يجتمع لغيرها من أسباب الطموح ووسائل الصعود، ثم تظل في ساقة الركب الأممي تمشى ظَلعاء إلى أمدها المرسوم وغايتها المرجوة، إنما هي عوائق تقيمها الذئاب ليُفردوا بها الحَمل الغافل عن القطيع! وان في هذه الذكريات العزيزة الطيبة حافزاً للهمم الوانية، وموقظا للضمائر الغافية، ومهُيباً بشوارد الأنفس إلى سواء السبيل. احمد حسن الزيات (محاضرة الآنسة مي للدكتور طه حسين

стр. 3060

لا اعرف شيئاً يحتاج إلى أن يقام عليه الدليل، والى أن يتكلف أصحاب المنطق والنظر له الحجج والبراهين، كالبديهيات التي يخيل إلى الناس أنها أوضح من أن تحتاج إلى دليل، وأبين من أن تحتاج إلى دليل، وأبين من أن تحتاج إلى أن تكد في إثباتها العقول، وقد زعموا لنا أن بعض أصحاب الرياضة يشك في أوليات الرياضة، ومن يدري لعل شكهم هذا ينتهي إلى أن هذه الأوليات بعيدة كل البعد عن أن تكون من الأوليات!. كنت أفكر في هذا كله أمس، حين كنت أذهب إلى الجامعة الامريكية، لأسمع للمحاضرة التي كانت الآنسة الجليلة (مي) تريد أن تلقيها، لأن موضوع هذه المحاضرة كان يدعو إلى مثل هذا التفكير، فقد زعموا لنا أن الآنسة كانت تريد أن تظهر فضل المرأة على الحضارة الإنسانية، وأعترف بأني لم اشك في يوم من الأيام ولا في لحظة من اللحظات بأن للمرأة على الحضارة الإنسانية فضلا لا يجحد، كما أن للرجل على الحضارة الإنسانية فضلا لا يتاح الشك فيه إلا لأمثال هؤلاء الرياضيين الذين لا يجزمون بأن الأربعة إذا قسمت على اثنين كانت نتيجة القسمة أثنين، وكنت اسأل نفسي عما تريد الآنسة (مي) أن تقول لتبين لنا فضل المرأة على الحضارة الإنسانية، فذلك شيء لا يحتاج إلى أن يقول فيه قائل، أو إلى أن يثبته مثبت، ولكن ما رأيك في أني سمعت المحاضرة، وانصرفت إلى داري وأنا أشك شكا عظيما في أن للمرأة فضلا على الحضارة الإنسانية؟ وأسأل نفسي عما أرادت الآنسة (مي) إليه بمحاضرتها القيمة الممتعة، أرادت أن تقنعنا بان للمرأة فضلا على الحضارة؟ أم أرادت أن تشككنا في ذلك؟ وتبسط عليه سلطان الريب في نفوسنا، ومن يدري لعل أديبا من الأدباء البارعين أن يفكر ذات يوم في أن يثبت فضل الرجل على الحضارة فينتهي في نفسي إلى ما انتهت إليه الآنسة (مي) أمس من إثارة الشك والريب. وإذن أنا مقتنع بان الحضارة الإنسانية قد أنشأت نفسها وليس للرجل عليها فضل، ولا للمرأة عليها فضل، وإنما هي صاحبة الفضل عليهما جميعاً لأنها أنشأتهما إنشاء، ومتعتهما بما ينعمان به من لذات الحياة وآلامها، فهما ينعمان بالآلام كما ينعمان باللذات، وآية ذلك أن الآلام تلهمهما روائع الشعر والنثر والفن، وتحيي في نفوسهما من الفضائل، وجميل الخلال ما يملؤها متاعاً ولذة وشعوراً بالكرامة، وأملا في المستقبل وحباً للحياة، فالرجل والمرأة إذن ينعمان بالآلام كما ينعمان باللذة، ولعل أديباً من الأدباء الذين لهم حظ الآنسة (مي) من

стр. 3061

البراعة وانهم لقليلين يستطيع أن يقنعني كما أقنعتني الآنسة أمس بان ليس للرجل على الحضارة فضل، كما أنه ليس للمرأة على الحضارة فضل، وإنما الفضل للحضارة عليهما جميعاً. أنبأتنا الآنسة أمس بان المرأة وحدها هي التي أنشأت الحضارة إنشاء وأعانتها على التطور والرقي، وابتكرت ما يزينها من العلوم والفنون والآداب، فأما أن المرأة أنشأت الحضارة إنشاء فشئ فيما يظهر لا سبيل إلى الشك فيه، لان كتب الدين كلها تنبئنا به، فلولا أن حواء أغواها الشيطان فأكلت من الشجرة، وعضت تلك التفاحة لما طرد آدم وزوجه من الجنة، ولولا انهما طردا من الجنة لما هبطا إلى الأرض، ولولا أنهما هبطا إلى الأرض لما عملا فيها، ولولا أنهما عملا فيها لما كانت الحضارة، وإذن فالحضارة أثر من آثار حواء، لأن حواء هي التي أكلت من الشجرة، وهي التي جرت على نفسها وعلى زوجها هذه العقوبة، وإذن فنحن الرجال ننعم بالحضارة راغمين، ننعم بها لأن خطيئة أمنا حواء قد أكرهتنا عليها إكراها، ولكن حواء لم تأكل من الشجرة لأنها اشتهت ما كانت تحمل الشجرة من التفاح، وإنما أكلت من الشجرة لان الشيطان هو الذي دلها على الشجرة، وزين لها التفاحة، وحببها إلى قلبها ودفعها إلى أن تأكلها دفعاً، والغريب أن حواء لم تأكل من الشجرة وحدها، وإنما أكل معها زوجها، وأكبر الظن انهما اقتسما التفاحة نصفين، فذهب كل منها بأحد شطريها، فالحضارة إذن ليست أثراً من آثار حواء وحدها، وإنما هي أثر من آثار حواء وآدم أيضاً، وإذن فلنا نصف الحضارة وللنساء نصفها، ولكن النساء لا يكرهن الظلم ولا يأبين التجنى، وأعظم من هذا أن أبانا آدم وأمنا حواء إنما دفعهما الشيطان إلى هذه التفاحة، فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، ثم طردا منها طرداً، فليست الحضارة إذن من آثارهما.، إنما هي اثر من علم الشيطان، والشيطان رجيم، فلترجم معه الحضارة وليت شعري أمما تتمدح به المرأة، أنها قد أنشأت الحضارة على هذا النحو، وأقامت بناءها الشاهق على الخطيئة، وبدأتها هذا الابتداء السيء الذي هو إعراض عن أمر الله، وإقبال على أمر الشيطان، أليس من حقنا نحن الرجال أن نلوم المرأة، ونغرق في لومها لأنها لم تستطع أن تقاوم الشيطان ولأنها دفعتنا إلى هذه الحضارة الآثمة دفعاً؟ ومن يدري لو أن أمنا حواء لم تقترف هذا الإثم، ولم تتورط في هذه الخطيئة، ولم تفتتن بحديث الشيطان،

стр. 3062

ولم تتهالك على طعم التفاحة وريحها ولونها أيضاً، من يدري لعلها لو لم تفعل شيئاً من ذلك لنشأنا نشأة أخرى ولعل هذه النشأة الأخرى أن تقيم لنا حضارة اطهر من حضارتنا هذه وأنقى وأشد امتناعاً على الآثام وبعدا عن السيئات، بل ليس من شك في أن أمنا حواء لو أطاعت أمر الله، وعصت أمر الشيطان لعصمتنا من الشر، وبرأتنا من النكر، وحمتنا من كل ما نتعرض له من ألوان الغي والبغي والضلال والفساد، فلم تحسن أمنا إلينا إذن بإنشاء الحضارة، ومتى كانت إطاعة الشيطان إحسانا؟ ولكننا نحن الرجال نحب العدل ونكلف بالرحمة. ونكره الطغيان، ولا نريد أن تستقل المرأة بوزر هذه الحضارة، وتحتمل وحدها آثامها واثقالها، فنحن نشاركها في هذه الآثام والأثقال، لأننا نعترف بان أمنا لم تأكل التفاحة وحدها، ولو قد أكلتها وحدها لطردت من الجنة وحدها، ولو قد هبطت إلى الأرض وحدها لما استطاعت أن تعمل ولا أن تجد، ولا أن تنشئ حضارة ولا أن تعيش، فهي محتاجة إلى الرجل لتحسن، وهي محتاجة إلى الرجل لتسيء، لم تعش في الجنة وحدها قبل الخطيئة، ولم تهبط إلى الأرض وحدها بعد الخطيئة، وإنما عاشت في الجنة مع الرجل، وهبطت إلى الأرض مع الرجل، أطاعت أمر الله مع الرجل، وأطاعت الشيطان مع الرجل، وأكلت التفاحة فهوت مع الرجل، ونحن الرجال اكرم مما تظن الآنسة مي، واحب للرحمة واحرص على العدل. فنحن لا نحمل أمنا حواء شيئاً من الأثم، وانما نحمل هذا الإثم كله أبانا آدم، ولا بأس عليه من ذلك فقد تلقى من ربه كلمات بعد ذلك فتاب عليه، ذلك أن حواء لم تخلق من الطين مباشرة كما خلق آدم، وإنما خلقت من آدم، فآدم هو الذي سبقها إلى الوجود، وهو الذي سبقها إلى الحياة، وإذا كانت قد خلفت منه، فقد اخفت عنه هذا الضعف الذي حبب إليها التفاحة، ودفعها إلى الخطيئة، ثم إلى إنشاء الحضارة، فما في طبيعتها من الضعف مستمد من الرجل، وما في طبيعتها من القوة مستمد من الرجل، وإذن فليست هي التي تحتمل وزر التفاحة، وما نشأ عنه من الآثار، وإنما يحتمله آدم، ثم يحتمله بعده أبناؤه من الرجال، أرأيت يا آنسة أننا اكرم مما تظنين، واحرص على العدل مما تظنين؟ ليست الحضارة خيرا، وإنما هي شر لأنها من عمل الشيطان، فنحن نرفع عن النساء أثقالها، ونحمل عن النساء أوزارها، وأي شيء

стр. 3063

نستطيع أن نبخل به لحماية النساء من كل شر، ووقايتهن من كل وزر، كلا، للمرأة على الحضارة فضل عظيم، وهو أنها لم تنشئها وإنما أحتملتها، ولم تقترف إثمها وإنما خففت هذا الإثم وهونت علينا احتمال أثقاله، وأعانتنا على ما تكلفنا الحضارة في كل يوم من البأساء والضراء، أليس هذا خير من إيثار السبق، وهذه الرغبة في التفوق التي تظهرها المرأة في هذه الأيام، وأغرب من هذا أن الآنسة مي تحدثت إلينا أمس بأننا مدينون للمرأة وللمرأة وحدها باعتدال القامة، واستقامة القدود، والمشي على رجلين بعد أن كنا نمشي على أربع! ومع أنني لا اعرف كيف استطاعت المرأة أن تقوم قاماتنا وتعدل قدودنا وتقيمنا على رجلين بعد أن كنا نمشي على أرجلنا وأيدينا، مع أني لم اعرف هذا، ولن أستطيع أن اعرفه فيما يظهر لأني لم أفهم نظريات التطور، وأنا يائس من فهمها بحمد الله، فإني قد غمرتني الحيرة أمس حين سمعت هذا الكلام، فهل كنا نمشي على أربع بعد أن هبطنا إلى الأرض؟ أم هل كنا نمشي على أربع قبل أن نخرج من الجنة؟ فان تكن الأولى فلم مسخ آباؤنا، وقد كان أبونا آدم وأمنا حواء يمشيان على رجلين لهما قامة معتدلة وقد مستقيم، وان تكن الثانية فلم يكن إذن أبوانا على صورتنا هذه التي نعرفها، إنما كانا يمشيان على أربع، لم يكن رأساهما إلى السماء، إنما كان رأساهما إلى الارض، فنحن خير منهما حالا، وأجمل منهما شكلا من غير نزاع، ومصدر هذه الحيرة فيما يظهر هو أن الآنسة (مي) أرادت أن تجمع بين العلم والدين، وما أصعب الجمع بينهما في كثير من الأحيان! فالدين فيما يظهر لا يرضى لنا أن نكون من نسل القردة، والعلم أو بعض العلم على أقل تقدير لا يكره أن نكون من نسل القردة أو غير القردة من الحيوان، والآنسة (مي) تريد أن نكون من نسل القردة وان نكون من نسل آدم وحواء، وليت شعري كيف كان شكل آدم وحواء في رأي الذين يريدون أن يجمعوا بين الدين وبين مذهب أصحاب التطور؟ أما أنا فقد قلت وما زلت أقول، أني لم أفهم نظرية التطور وليس يعنيني أن أفهمها لأني أوثر أن أكون من سلالة رجل خلق معتدل القامة مستقيم القد يمشي على رجلين، أوثر ذلك على أن أكون من سلالة القرد أو غيره من الحيوان الذي يمشي على أربع، وينظر إلى الأرض لا إلى السماء، ولعل أجمل ما كان في المحاضرة آخرها، ` وهو هذه الأسطورة المصرية الجميلة التي تحدثنا بأننا مدينون لحياة لامرأة هي ايزيس التي بكت فجرى من دموعها النيل، هذا عندي أجمل

стр. 3064

ما كان في المحاضرة وأظرفه، ولكنه من الأسف الشديد ككل شيء جميل، وككل شيء ظريف، لا يثبت للنقد والتحليل في هذه الحياة الدنيا، فمن يدري من تكون ايزيس، وأين كانت وكيف كانت، ومن يدري لعل النيل لم يجرر من دموع هذه الإلهة الرحيمة في رأي الأساطير، وإنما هو ينبع من تحت العرش كما يقول بعض الصالحين، والشر كل الشر ما يقوله العلماء، وويل للناس من العلماء! فهم يزعمون أن النيل ينبع من تلك البحيرات التي مهما تعظم ويرتفع شأنها عند العلماء والشعراء فهي بحيرات حقيرة لا تعدل دمعة من دموع ايزيس، ولا تعدل قطرة من هذا الماء السلسبيل الذي يجري تحت العرش احسن الله جزاء الآنسة مي، فقد أمتعتنا أمس، أمتعتنا إلى غير حد، فكاهة حلوة، وحديث عذب، وصوت حلو. ولكني أخشى أن تغضب الآنسة، وويل لي منها إن غضبت، ومن يدري لعلها قد غضبت منذ قرأت السطر الأول من هذا الكلام، وإذن فأنا أشهد قراء الرسالة جميعاً على أني معتذر إليها أصدق الاعتذار وأخلصه، ضارع إليها أن تغفر لي هذه الهفوة، هفوة التحدث عن محاضرتها القيمة على هذا النحو، ولكني لست وحدي ملوماً في ذلك، فهي التي ألهمتني هذا الحديث، وقد زعمت لنا أمس أن نابليون كان يقول في كل شيء (فتش عن المرأة) فإذا لم يكن بد من أن يلام أحد على هذا الحديث فالآنسة (مي) هي الملومة، ولكني أحتمل عنها هذا اللوم كما احتمل أبونا آدم عن أمنا حواء إثم التفاحة، واعتذر إليها من هذا الحديث وهي بطبيعتها أرحم وأدنى إلى الحنان من أن تأبى قبول المعذرة. طه حسين

стр. 3065

المادة لا تنعدم للأستاذ احمد أمين هكذا يقول علماء الكيمياء ويشرحون قولهم، ويبرهنون عليه. ويرون أن المادة تتغير وتتحول وتعود إلى عناصرها الأولى ولكن لا تنعدم، والعالم كله كساقية جحا، تغرف من البحر وتصب في البحر، فقد يحترق هذا المكتب الذي أمامي لا قدر الله، ولكنه سوف لا ينعدم، بل يتحلل إلى عوامله الأولية. وسيتغذى منها النبات ويتكون منها خشب جديد، قد يكون مكتب المستقبل. قال الكميائيون ذلك، وقصروا قولهم على المادة لأنها مادة عملهم وموضع تجاربهم. ولو عرض لهذا فيلسوف واسع النظر غير محدود البحث لقال (لا شيء ينعدم) إن الأعمال من خير وشر لا تنعدم، بل تنمو وتتحول، وتؤثر وتتأثر، ولكن على كل حال لا تنعدم، إن كذبة واحدة تكذبها على أولادك في بيتك، ومن غير أن تعيرها اهتماماً لا تنعدم، فسوف تبيض وتفرخ وتنتج كثيراً من أمثالها، وسوف يكذب أولادك وستخرج الكذبة من حجرتك إلى سائر بيتك، وستخرج من بيتك إلى المدرسة، وستخرج من المدرسة إلى مصالح الناس ومعاملتهم فكيف تنعدم قد يدق العمل ويصغر حتى لا تراه أعيننا. ولا تسمعه آذاننا، ولا تشعر به نفوسنا، ولكنه موجود، يعمل عمله في هذا الوجود، ويفعل وينفعل، ويتسع نطاقه، ويعمل في دوائر مختلفة قد لا تخطر بالبال، وما أظنك تجهل أن حصاة ترميها في البحر الأبيض المتوسط لابد أن يتأثر بها المحيط الأطلنطي، وان لم تر ذلك عيوننا. والدليل على ذلك بديهي، فلو كبرت هذه الحصاة ملايين المرات، أفلا تؤمن بهذا الأثر؟ إذن فآمن بأن هذه من تلك وعلى نسبتها ومقدار حجمها، وجزء من ألف من الشعرة له ظل حقيقي وان لم تره عيوننا، ولولا ذلك لما كان لألف ألف شعرة ظل، ولما كان لثوبك الذي تلبسه ظل وعملك الخير مهما صغر له أثره في أمتك مهما صغر، أعلنته أو أسررته، نجحت فيه أو فشلت، علم الناس أنك مصدره أو لم يعلموا، وهل مقياس رقى الأمة وانحطاطها إلا عبارة عن عملية حسابية مركبة من جمع وطرح؟ جمع لما صدر منها من حسنات، وطرح لما صدر من سيئات - لتكن هذه العملية أشد ما تكون من صعوبة، ولتحتج إلى ما شئت من

стр. 3066

آلاف دقيقة للجمع والطرح، فان رسم الحل لهذه المسألة في منتهى البداهة وليس الأمر قاصراً على الأعمال، فإذا قلنا (الأعمال لا تنعدم) فهو تكرير لقول الطبيعيين (المادة لا تنعدم) وهل الأعمال إلا نوع من المادة؟ بل الأفكار والآراء من هذا القبيل، فالفكرة لا تنعدم، والرأي لا ينعدم، فإذا دعوت إلى فكرة أو جهرت برأي، فقد أخرجت إلى الوجود خلقاً جديداً ينطبق عليه القانون العام، قد ينجح الرأي وتعتنقه الأمة، بل ويعتنقه العالم وتظهر آثاره في أعمال الناس وحياتهم ونظامهم، فتسلم معي بأنه لم ينعدم ولكنه قد يفشل، وقد يستعمل الناس في اضطهاده وحربه كل أنواع الأسلحة المشروعة وغير المشروعة، والرفيعة والوضيعة، حتى يختفي ولا يظهر في الوجود، فتظن إذ ذاك انه انعدم، وهو ظن غير موفق، فقد يخفى ليعود إن كان صالحاً، ولكن كان قبل أوانه فيستتر وينكمش، ويبقى حياً يتغذى في الخفاء وتنميه الأحداث، حتى إذا تم نموه وتهيأ الناس له برز إلى العيون ثانية أو ثالثة وهو أشد على مقاومة الحرب، وأقوى على مصارعة الباطل، حتى يكتب له النجاح - وحتى إذا كان الرأي فاسداً سيئاً لا يصلح لحال ولا لمستقبل فليس مما ينعدم، إنما هو يتحول ويتحور كلوح خشب لا يصلح بحالته أن يكون شباكاً فينجر، أو لوح زجاج ليس بالحجم الذي تريده فيصغر، أو حديدة لا يناسب شكلها وحجمها فتوضع في قالب جديد بعد أن تصهر، وهكذا في الرأي يغير ويعدل، ويطعم بآراء أخرى حتى يخرج خلقاً آخر، ولكنه في كل ذلك لا ينعدم وفرق كبير بين أن تقول: فشل الرأي وفشل المشروع، وأن تقول انعدم الرأي وانعدم المشروع. فالفاشل موجود والمعدوم معدوم. وشتان بين الموجود والمعدوم. فالرأي الفاشل أو المشروع الفاشل شيء حي قد تلقى درسا من الفشل ليصبح بعد رأياً قويماً ومشروعاً ناجحاً، وهذا لا ينطبق على المعدوم بل أذهب إلى ابعد من ذلك، وأرى أن العارض يمر على النفس، أو الخاطر يخطر بالذهن، لا يضيع ولا يذهب سدى ولا ينعدم، وإنما هو دخان قد يكون بعدُ سديما، ثم قد يكون السديم كوكبا يلمع أو نجما يتألق، وقد يكون على العكس من ذلك صاعقة تحرق، أو وميضاً خلباً يبرق، وعلى الحالين فسيكون مولوداً جديداً، شقياً أو سعيداً، أليس كثيراً مما يعترينا من حزن يسبب الكسل والخمول والملل، أو فرح يدعو إلى العمل، سببه طائف مجهول طاف

стр. 3067

بالنفس، وخطرة متنكرة خطرت لها، فغيرت حالها وكيّفتها تكييفا خاصاً في هذا الوجود؟ أو ليس كثير من الآراء التي أسبغت على هذا العالم نعماً، وكثير من المشروعات التي عم الناس خيرها أو شرها بدأت خطرة ثم كانت فكرة، ثم أصبحت بعدُ عملاً أو خيراً، أليس مما يكوّن الإنسان خطراته، فهو خيّر أو شرير بخطراته، وهو بائس أو منعدم بخطراته، ولو كشف عنا الحجاب لقرأنا في صفحات الإنسان خطا عميقا خطته في نفس الإنسان خطراته وآراؤه، وهو أدل على الإنسان من مظاهره الكاذبة، ومناظره الخارجية الخادعة، (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه، ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) كل هذه الخطرات قد تتحول وتتغير ولكن لا تنعدم وعلى الجملة فان قال علماء الكيمياء إن المادة لا تنعدم فكل ما في الوجود يقرر أن (لا شيء ينعدم). إن كان هذا حقاً فويل للخيّر يقعده عن الخير انه لم ير بعينه آثار عمله، وويل للخيّر صرفه عن خيره نكران الجميل وجحد المعروف، وويل للمجد عدل به عن جده أن لم يسبح الناس باسمه، ويشيدوا بذكره، ومرحى لمن كان مبدؤه (الخير للخير، ولا شيء ينعدم).

стр. 3068

بعد حوادث النمسا النمسا الجمهورية في خمسة عشر عاما للأستاذ محمد عبد الله عنان - ٢ - أنشأت الديموقراطية الاشتراكية الجمهورية النمساوية الجديدة، وتولت زعامتها وقيادتها أثناء عقد معاهدة الصلح (معاهدة سان جرمان) وتسوية المشاكل الأولى التي خلفتها الحرب، ولكنها لم تتمتع طويلاً بالأغلبية البرلمانية وسلطان الحكم، ففي سنة ١٩٢٠ خرج الاشتراكيون المسيحيون بأغلبية في الانتخابات، واختتم الدكتور رنر زعيم الديموقراطية وزارته الثانية، وألف الاشتراكيون المسيحيون أول وزارة لهم برآسة الدكتور (مير) ومن ذلك الحين تتعاقب الوزارات الاشتراكية المسيحية في حكم النمسا، أحياناً مستقلة دون ائتلاف، أحيانا مؤتلفة مع الديموقراطيين الاشتراكيين أو الأحزاب الصغيرة الأخرى (مثل الألمان الوطنيين والزراع) وفي العام التالي اشتدت دعوة الانضمام إلى ألمانيا (الانشلوس) في بعض نواحي التيرول، واشتدت الأزمة المالية، فاستقالت وزارة (مير) وألف الدكتور شوبر وزارته الأولى في يونيه سنة ١٩٢١ٌ ولكن الوزارة الجديدة لم تستطع أن تغالب الأزمة المالية، وارتفعت الأثمان واشتد الغلاء ووقعت كارثة النقد، فاستقالت وزارة شوبر، وألف المونسنيور سيبل وزارته الأولى (مايو سنة ١٩٢٢)، وأبدى في معالجة الموقف كثيراً ` من الشجاعة والبراعة، واستطاع أن يحمل عصبة الأمم على الاهتمام بمتاعب النمسا، وأن يجعل من المسألة النمساوية مسألة أوربية، واستطاع بالأخص أن يعالج مسألة التضخم، وان يعيد الاستقرار إلى النقد، فهدأت النفوس وانتعشت الآمال نوعا، وبذل المونسنيور سيبل جهوداً تخلق بالإعجاب في سبيل توطيد شئون الجمهورية الجديدة، وتذليل مشاكلها الداخلية والخارجية، ولكنه اضطر إلى الاستقالة على اثر محاولة الاعتداء على حياته في نوفمبر سنة ١٩٢٤ وألف الدكتور رامك بالاتفاق مع الديموقراطيين الاشتراكيين وزارة ائتلافية، استمرت في سياسة الإصلاح المالي، ثم استقالت في أواخر سنة ١٩٢٦ حين اشتدت الأزمة المالية كرة أخرى، وألف المونسنيور سيبل وزارته الثانية

стр. 3069

(في نوفمبر). وخرج الديموقراطيون الاشتراكيون على الائتلاف ونظموا معارضة قوية. وفي أثناء الانتخابات العامة التي وقعت في أبريل سنة ١٩٢٧، بث زعماء الديموقراطية الاشتراكية وعلى رأسهم الدكتور أوتو باور، والهر كارل سايتز حاكم فينا ضد الحكومة وحزبها وأنصارها دعوة شديدة في العاصمة والاقاليم، ونضم اعتصاب عام شديد الوطأة ولكن الحكومة ثبتت أمام العاصفة، وأخفقت هذه المحاولة الأولى وفي منتصف يوليه سنة ١٩٢٧ وقع صدام دموي خطير بين الكتلة المسيحية الاشتراكية (الحكومة)، والديموقراطية الاشتراكية. وتفصيل ذلك أن بعض الفلاحين المنتمين إلى (جماعة هتلر) أطلقوا النار على جماعة من الديمقراطيين الاشتراكيين في قرية شاتندورف، أثناء اجتماع انتخابي عقدوه، فقتلوا رجلاً وطفلين، فقبض على الجناة متلبسين بجريمتهم وأحيلوا على المحاكمة، وثار الاشتراكيون لذلك الاعتداء، ولكن المحكمة قضت ببراءة المتهمين فاضطرم الاشتراكيون لذلك غضباً وسخطاً، ورموا الحكومة بالتأثير في القضاء، ونددوا بتحيز القضاء (البورجوازي)، وهرعت ألوف مؤلفة من العمال إلى قلب مدينة فينا لتتظاهر احتجاجا على الحكم. وكان ذلك في ضحى يوم ١٥ يولية، وأبدى بوليس فينا يومئذ - وعلى رأسه مديره الهر شوبر رئيس الوزارة السابق - في معاملة المتظاهرين صرامة. ووقعت أول مصادمة بين المتظاهرين والبوليس أمام دار البلدية (الرات هوس) وعندئذ تحول من المتظاهرين إلى وزارة الحقانية وأضرموا النار في جنباتها، ولما اشتد ضغط الجموع، أطلق البوليس النار على المتظاهرين، فقتل منهم نحو ستين بينهم عدد من النساء والاحداث، وكان يوماَ عصيباَ ساد فيه الروع والحزن مدينة فينا. ومما يجدر ذكره أن المتظاهرين، لم يكونوا مسلحين يومئذ، واعتذر البوليس عن تصرفه بان المتظاهرين بدءوا بإطلاق النار، ولكن البوليس لم يقتل منه سوى رجل أو اثنين؛ ولم تعرف الحقيقة قط، وأدركت الديموقراطية الاشتراكية من ذلك اليوم أنها تواجه جبهة لا يستهان بقوتها، وأنها تخوض معركة الحياة والموت مع القوى الخصيمة لها. والواقع أن حوادث ١٥ يولية كانت ذات نتائج حاسمة في سير السياسة الداخلية النمساوية. فقد رأت الديموقراطية الاشتراكية أنها أضعف الحزبين، وأخذت تعمل لتقوية نفسها وتسليح أنصارها، ورأت الكتلة المحافظة، كتلة الملاك وأصحاب الأموال التي تؤيد حزب الحكومة

стр. 3070

- المسيحيين الاشتراكيين - أن تنشئ لها قوة خاصة تستعين بها على مقاومة الديموقراطيين الاشتراكيين؛ وهكذا أنشئت جماعة (الهايمفر) - الشهيرة - ومعناها (الدفاع الوطني) - في خريف سنة ١٩٢٧، لتكون قوة دفاعية للمحافظين والملاك. وتولى تنظيمها وزعامتها سيد من أبناء الأسر النبيلة القديمة هو البرنس أرنست فون شتار همبرج، وقامت جماعة الهايمفر مشبعة بروح الفاشستية الإيطالية، ولكنها أعلنت أنها مخلصة للنظام الجمهوري، وأنها تعمل فقط لحماية النمساويين من خطر الطغيان الاشتراكي أو الماركسي (نسبة إلى ماركس)، ونظم الاشتراكيون من جانبهم قوتهم العسكرية المعروفة (بالشوتسبند) أو رابطة الدفاع الجمهوري وهي القوة التي أنشأوها وسلحوها منذ حين ليعتمدوا عليها في مقاومة خصومهم وفي حماية أنفسهم ومصالحهم، وتولى تنظيمها وقيادتها قائد قديم هو الجنرال كرنر، وأصبحت النمسا تموج بهذين المعسكرين المسلحين الخصيمين، ولم يمض بعيد حتى اشتبك الهايمفر مع خصومهم في ضاحية (فينر نويشتات) وهي مركز المعسكر الاشتراكي (في أكتوبر) واضطرت الحكومة أن ترسل قوة كبيرة من الجيش لحسم النزاع والمحافظة على النظام، واحتج الاشتراكيون بقوة على قيام (الهايمفر) واتهموا أصحاب الأموال باستخدامهم لإرغام الاشتراكيين والطبقات العاملة على التنازل عن حقوقهم، وبدا خطر الحرب الأهلية داهما، وحاول زعماء الفريقين التفاهم والمهادنة، واقترح البعض نزع سلاح الفريقين، ولكن هذه الجهود السلمية ذهبت عبثا. ولبث المونسينور سيبل في منصة الحكم حتى صيف سنة ١٩٢٩ وكانت مسألة الاتحاد مع ألمانيا (الانشلوس) من أهم المسائل السياسية التي شغلت الأحزاب والرأي العام يومئذ، وكانت الديموقراطية الاشتراكية، كما قدمنا تعارض في هذا الاتحاد أشد المعارضة، وكان المونسنيور سيبل ينكره ويأباه في خطبه الرسمية، ولكنه لم يفعل شيئاً ضده من الوجهة الرسمية، ولم يقبل أن تدخل النمسا في حلف سياسي أو اقتصادي مع أية دولة من الدول الوسطى التي تعارض ألمانيا. وفى شهر أبريل استقال المونسنيور سيبل فجأة، واستطالت الأزمة الوزارية نحو شهر، ثم قامت وزارة الهر شتيروفتز أخيراً بتعضيد المونسنيور وحزبه المسيحي الاشتراكي، ولكنها لم تلبث سوى أشهر قلائل، تقدمت خلالها جماعة (الهايمفر) تقدماً كبيراً وزاد أنصارها بكثرة، ولا سيما في التيرول والنمسا السفلى،

стр. 3071

واضحت قوة كبيرة يخشى بأسها، وأخذ المونسنيور سيبل وحزبه في تأييدها واضطرت وزارة شتيروفتز تحت ضغط الهايمفر أن تجري عدة إصلاحات دستورية، ولما زاد ضغط الهايمفر وصخبهم ووعيدهم استقالت وزارة شتيروفتز (سبتمبر): واتفقت الآراء على ترشيح الهر جان شوبر مدير بوليس فينا ورئيس الوزارة السابق؛ فألف وزارته الثانية، على قاعدة الائتلاف والتفاهم مع الديموقراطيين الاشتراكيين. وكان الديموقراطيون يضطرمون نحوه سخطاً منذ حوادث يوليه. ولكنهم اضطروا إلى مهادنته والتعاون معه نظراً لتفاقم خطر (الهايمفر) واشتداد بأس المحافظين. ولم يكن الهر شوبر من خصوم الهايمفر، وكان يرى بالعكس أن يصانعهم ليكسبهم ويأمن جانبهم وليوجه حركتهم إلى ما يدعم غاياته السياسية، وأعلنت الوزارة الجديدة أنها لن تدخر وسعا في تأييد النظام والأمن وقمع كل محاولة للعبث بهما. فاستقرت الأمور نوعاً وعادت الثقة والطمأنينة، وأثبتت الحكومة أنها تملك ناصية الموقف غير مرة كلما حدث احتشاد أو تظاهر من جانب الهايمفر أو خصومهم الاشتراكيين، وأبدى الهر شوبر بالأخص براعة في تسيير السياسة الخارجية وفي توطيد الثقة الدولية بالنمسا وحمل عصبة الأمم على معاونتها. وفي نوفمبر سنة ١٩٣٠ وقعت الانتخابات العامة وخرج الديموقراطيون الاشتراكيون بأغلبية نسبية تفوق الأغلبية التي فاز بها المسيحيون الاشتراكيون، ولكنها لم تكن كافية لأن يعود الديموقراطيون إلى الحكم، واستقالت وزارة شوبر، وقامت وزارة ائتلاف برياسة الدكتور أندر يؤازرها المسيحيون والهايمفر وكتلة شوبر المستقلة، وتولى هر شوبر وكالة الوزارة ووزارة الخارجية وكان هو الروح المسير لهذه الوزارة، وخصوصاً في الشئون الخارجية، وفي مارس من العام التالي عقدت النمسا مع ألمانيا مشروع اتحاد جمركي نمساوي ألماني، فاحتجت عليه دول الحلفاء بشدة، وكذلك دول الاتفاق الصغير، واعتبرته مقدمة لتنفيذ مشروع الاتحاد النمساوي الألماني (الانشلوس)، وطالبت بإلغائه لأنه يخالف معاهدات الصلح وتعهدات النمسا إزاء عصبة الامم، فاضطرت النمسا أن تنزل عند إرادة الحلفاء في ذلك، وأن تحيل الاتفاق الجمركي إلى محكمة العدل الدولية الدائمة لتقضي بعد ذلك ببطلانه. ووقعت خلال ذلك كارثة (كريديت انشتالت) وهو أعظم بنوك النمسا وظهر عجز جسيم في موارده وكاد ينهار بناؤه فساد الذعر المالي وكادت النمسا تنحدر إلى هاوية

стр. 3072

الخراب المالي، وتصدع بناء الوزارة لأنها لم تقو على معالجة الازمة، ووضعت الدول ذات الشأن شروطاً شديدة لإعانة النمسا وإقراضها، ومنها الإشراف على مالية النمسا على يد لجنة دولية، فاستقالت الوزارة في يونيه، وبعد مفاوضات معقدة خلفتها وزارة ائتلاف أيضاً على رأسها الدكتور بوريش، وعاد هر شوبر فتولى وكالة الرئاسة والخارجية وعنيت الوزارة الجديدة بمسألة الإنقاذ المالي وتوطيد الميزانية، واستطاعت بعد جهود عديدة أن تصلح الموقف نوعاً، وأن تدبر مسألة القروض المالية مع الدول ذات الشأن، وعالجت أيضاً مسألة المرتبات وإعانة العاطلين. ووقعت في ١٣ سبتمبر محاولة عنيفة قامت بها عصابات الهايمفر في ولاية ستيريا دبرها الدكتور فريمر. واستولى الهايمفر خلالها على عدة مبان ومدارس حكومية، فجردت حكومة فينا في الحال على الثوار قوة كافية وانهارت المحاولة في الحال وفر مدبرها الدكتور فريمر، وكانت هذه أول محاولة من جانب الهايمفر للتطلع إلى السلطة، ولكنها كانت محاولة ضئيلة، ولم يبد من الشعب عندئذ أنه متحمس في تأييد الهايمفر. واستمرت وزارة بوريش في كرسي الحكم حتى مايو سنة ١٩٣٢ ثم استقالت. وهنا قامت وزارة على رأسها رجل لم يعرف من قبل كثيراً في ميدان السياسة هو الدكتور انجلبرت دولفوس، وهو من رجال الاقتصاد، وكان قد تولى وزارة الاقتصاد في الوزارة السابقة، ولكنه لم يعرف من قبل ذلك بأي نشاط سياسي. وهو من رجال الحزب المسيحي الاشتراكي، قوى الإيمان والنزعة الدينية، ولم يكن يوم توليه الرآسة قد جاوز الأربعين بعد، وكان المقدر أن هذه الوزارة الجديدة ستكون وزارة إدارية على الاغلب، وانها لن تعمر طويلاً. ولكن الدكتور دولفوس لا يزال يشرف على مصاير النمسا منذ عامين، ولا يزال يواجه الصعاب والأزمات المختلفة بجلد وشجاعة تخلقان بالإعجاب. ولم تلق النمسا الجمهورية من الأزمات العصيبة الداخلية والخارجية مثل ما لقيت في العامين الأخيرين، ولكنها استطاعت حتى اليوم أن تجوز هذه الصعاب، وأن تحافظ على كيانها السياسي والاقتصادي. وبدأ الدكتور دولفوس بالعمل في سبيل الإنهاض الاقتصادي، وانتهى في ذلك بعقد بروتركول لوزان على يد عصبة الأمم لمعاونة النمسا المالية والاقتصادية. ولكن هذه الخطوة أثارت معارضة شديدة من جانب الديمقراطيين وباقي الأحزاب المعارضة، ولم

стр. 3073

تستطع الحكومة أن تحصل على الأغلبية البرلمانية اللازمة إلا بصعوبة؛ وطالب الديمقراطيون بإجراء انتخابات جديدة؛ فعارض الدكتور دولفوس في ذلك متذرعاً بحاجة البلاد إلى السكينة والعمل الهادئ، وسعى إلى الاتفاق مع جماعة الهايمفر ليكسب عونهم في البرلمان على أن يضم واحد منهم إلى الوزارة وكان الهياج الحزبي يشتد في كل يوم، إذ قويت دعوة أنصار الجامعة الألمانية (الهتلريين)، ووقعت بينهم وبين الديمقراطيين مناوشات دموية، فاستدعى الدكتور دولفروس زعيم الهايمفر في فينا الماجور فاي وهو جندي قديم ذو مواهب ممتازة واسند إليه وزارة الأمن العام، فعمل على ضبط النظام بعزم وقوة، ولما افتتحت الدورة البرلمانية في أكتوبر ظهرت شدة المعارضة، وانضم الهتلريون إلى الديمقراطيين في معارضة الوزارة متهمين إياها بالخضوع للسياسة الفرنسية، وتحرج الموقف البرلماني شيئاً فشيئاً حتى عدا مستحيلاً؛ وعمد الدكتور دولفوس من جانبه إلى العمل المستقل؛ وأخيراً استقال رئيس البرلمان وأعضاء مكتبه، فشل بذلك العمل البرلماني، وألقى المستشار نفسه طليقاً من إشراف المعارضة، واتخذ لنفسه سلطة شبه دكتاتورية. (للبحث بقية) محمد عبد الله عنان

стр. 3074

تحديد الزمن عند قدماء المصريين للأستاذ عبد الحميد محمود سماحة مفتش مرصد حلوان لا شك في أن الكثير من الظواهر الفلكية كان من أهم العوامل الرئيسية في تكوين العقل البشري منذ أقدم العصور، ثم في بناء المدنيات المتعاقبة في التاريخ. فظهور الشمس في ناحية ما من السماء، وارتفاعها عند الظهر نحو السمت، ثم انحدارها في الناحية المقابلة غرباً، واختفاؤها بعد ذلك كل يوم دون انقطاع، وما تجليه أثناء النهار من النور والدفء، وما يسببه اختفاؤها في أثناء الليل من الظلام والبرد؛ ثم ظهور القمر في ليال معدودة مبدداً حلكة الظلام؛ وشروق النجوم الثابتة من حيث تشرق الشمس، ومغيبها من حيث تغيب؛ وتلكم الكواكب السيارة التي تتحرك وسط النجوم الثابتة؛ وهذه المذنبات التي كانت تفاجئ الناس بظهورها ثم تفاجئهم ثانية باختفائها؛ وما كان يروعهم من كسوف الشمس وخسوف القمر؛ كل أولئك أو بعضه لا شك قد أيقظ انتباه (الإنسان الأول) كما تدل عليه آثار العصر الحجري وتاريخ أقدم المدنيات يدل على مقدار ما كان لهذه الظواهر الفلكية المتعددة من الأثر في بناء هذه المدنيات نفسها؛ فعلى ضفاف النيل - حيث أشرقت على العالم أولى المدنيات - نجد في آثار أجدادنا ما يؤيد هذا الزعم ولكي نستطيع ان نحكم بالدقة على مبلغ ما وصلوا إليه في هذه الناحية دون تورط في المديح أو مبالغة، لا نرى مندوحة من أن نذكر القارئ بالعقائد الرئيسية الثلاث عندهم، وهي التي صبغت بها مدنيتهم في جميع مظاهرها: فالأولى - الشمس وهي الإله المعبود (رع) والثانية - النجوم - منازل المباركين والثالثة - النيل - النهر المقدس - الذي لم يزل يفيض على جوانبه الخير والبركات ولما كان أهل مصر منذ القدم يعيشون على فلاحة الأرض، كان لزاما عليهم معرفة الوقت الذي يفيض فيه النهر المقدس ليربطوا تبعاً لذلك أزمنة الحرث والبذر والري والحصاد. ومن المصادفات الموفقة أنهم لاحظوا أن فيضان النيل يأتيهم عندما يرون الكوكب الألمع

стр. 3075

سوثيس (الشعري اليمانية) يشرق لأول مرة قبيل شروق الشمس؛ ومن ثم اتخذوا الفترة الواقعة بين فيضانين متتاليين يحددها تحديداً فلكياً رؤية هذا الكوكب مرتين متتاليتين قبيل شروق الشمس وحدة للزمن. ويقول الأستاذ برستيد أن أول سنة حددت في التاريخ على هذا الأساس الفلكي - بل إطلاقا - هي سنة ٤٢٤١ قبل الميلاد. غير انهم قاسوا هذه الفترة بخمسة وستين وثلاثمائة يوم. ذلك لأنهم فيما اتفق عليه اكثر المؤرخين كانوا رجالا عمليين اكثر منهم نظريين، فلم يأبهوا بأكثر من ذلك لدراسة حركة الشمس لاستنباط وحدة للزمن أدق من هذه التي كفتهم حاجتهم في تحديد أعيادهم الدينية ومواسمهم الزراعية؛ ولو أنهم فعلوا لوصلوا من غير شك إلى نتائج لا نستطيع ان نتكهن بمدى تأثيرها في المدنية، ولكننا نعتقد عند ذلك بإمكان تأسيس مدينة نظرية في مصر قبل اليونان حيث نشأت الفلسفة النظرية ومبادئ العلوم الحديثة. دعت الحاجة بعد ذلك فيما اقتضته مرافق الحياة عندهم وما وصلوا إليه من درجة في المدنية أن يقسموا اليوم نفسه إلى اقسام، فاستخدموا الساعات الشمسية والمائية. وتدل آثارهم على أنهم استعملوا منها أنواعاً متعددة نقتصر هنا على وصف أهمها: فالصورة (٢) هي ساعة شمسية يرجع عهدها إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وتتكون من قضيبين متعامدين ب ب توضع بحيث يكون مواجهاً قبل المشرق قبل الظهر وقبل المغرب بعده وظل على ب ب يبين الوقت أثناء النهار. ولقد قسموا الفترة بين شروق الشمس حين يكون الظل أطول ما يمكن والظهر حين لا ظل إلى ست ساعات ومثلها بعد الظهر. والصورة (٣) هي نوع آخر من الساعات الشمسية استخدمت لتعين الوقت في القرن الثاني عشر قبل الميلاد. وهي لا تختلف كثيراً عن المزاول الشمسية المستعملة إلى وقتنا هذا. وقد اكتشفت ببلدة جيزار في جنوب فلسطين. والصورة (٤) هي إحدى أنواع الساعات المائية وجدت في معبد الكرنك، ويرجع تاريخها إلى عهد امنحت الثالث (١٤٠٠ قبل الميلاد) وهي مصنوعة من المرمر ومزينة من الخارج برسوم الكوكبات والكواكب السيارة مع إلاهي الشمس والقمر، وصورة الملك بين آلهة الشهور الاثني عشر. وهذا النوع من الساعات عبارة عن إناء مملوء ماء ينصرف من

стр. 3076

ماسورة صغيرة في القاع. وقد جعل شكل الإناء بحيث يحدث تصرف كميات متساوية من الماء في أزمنة متساوية انخفاضات متساوية في سطح الماء وفي أنواع أخرى من الساعات المائية كان يصب الماء من مصدر خارجي، وفي هذه الحالة يبين الوقت ارتفاع سطح الماء في الإناء وربما كان أهم الاكتشافات العلمية في هذا الصدد تلك الآلة الزوالية الصغيرة التي ابتاعها الأستاذ برستيد من أحد تجار العاديات بلندن سنة ١٩٢٣ لسببين: الأول - إن الصانع الحقيقي لها هو الملك العظيم توت عنخ أمون نفسه كما تدل عليه الجملة الهيروغليفية المنقوشة على جانبيها (صنعتها بيدي) الثاني - لأنها أقدم آلة فلكية عرفت في التاريخ، فقد دلت أبحاث الأستاذ جورج هيل على أن تاريخ استعمالها يرجع إلى حوالي سنة ٣٠٠٠ قبل الميلاد وقد كانت تسمى هذه الآلة عندهم (مرخت) ومعناها آلة القياس، ولا يتسع المقام هنا لوصف طريقة استعمالها، ونكتفي بالإشارة إلى أنها تشبه - من هذه الناحية - الآلة الرئيسية في المراصد الحديثة المعروفة بالمنظار الزوالي. وبواسطتها يمكن تحديد الوقت برصد عبور النجوم على مظمار معلق من إحدى نهايتها. ولا يفوتنا أيضاً أن نذكر أن آلة أخرى من هذا النوع أقدم من هذه التي ابتاعها برستيد توجد في ` متحف العاديات ببرلين ويقول الأستاذ بورخات إن تاريخ استعمالها يرجع إلى عهد امنحتب الثالث فليت شعري هل ترانا جديرين بهذا التراث العظيم. . . .؟؟!! عبد الحميد محمود سماحه

стр. 3077

من صور الحياة في دمشق الشيخ عيد السفرجلاني للأستاذ على الطنطاوي . . . رفع الشيخ صوته مرة ثانية يأمر التلاميذ بالانصراف ولكنه لم يسمع لهم ركزا، فنظر فإذا المقاعد كلها خالية، وإذا آخر تلميذ قد بلغ الباب الخارجي، ثم قفز فرحاً مسروراً، وغاب في منعطف الطريق، وعم المدرسة السكون. . . تنفس الشيخ الصعداء، وألقى عصاه جانباً، ثم تمدد على كرسيه المستطيل، يستريح من العناء الذي حمله في نهاره، وكأن هذا السكون العميق، وهذه الصفرة التي تبعثها في الغرفة أشعة الشمس المحتضرة قد ملأ نفسه كآبة ورهبة، فاغمض عينيه، وأسلم نفسه لخيالاتها: أحس كأن هذه السجف التي أسدلها دون الماضي، ترتفع سجافاً سجافاً، وان هذا الماضي البعيد الذي لفه في ثوب النسيان، وألقى به في هوة العدم، قد استفاق في نفسه مرة واحدة، ثم عاد يكرر عليه كما يكر (شريط السينما)، ولكنها سينما حياة طويلة، مرت عليه كأنما هي يوم واحد أو بعض يوم، سبعون عاماً مرت به في لمحة عين، فلم يأخذ بصره فيها إلا العمل المستمر في تعليم صبيان دمشق، سبعون عاماً لم يسترح في خلالها إلا أيام الجمع، ثم يعاود عمله منذ الصباح السبت، هادئاً راضياً نشيطاً. . . عادت به الذكرى إلى ذلك اليوم الذي بدأ فيه حياته التعليمية، وكان غض الشباب، يقطع مرحلة (العشرين)، وكان يوماً بعيداً طوى فكره الوصول إليه ثلاثة أرباع القرن، وأدار الفلك راجعاً سبعين دورة. . . يا لقدرة الفكر البشري! كيف يدير الفلك كما تدير الإصبع عقرب الساعة تقديماً وتأخيراً؟ كانت المدرسة التي استأجرها غرفة واحدة، في (المناخلية) قبالة الباب الحديدي الذي بقى مع قطعة من السور، تراثاً لدمشق المفتحة الأبواب لكل طامع، من دمشق المنيعة المتحصنة بسورها وقلوب أبنائها من كل طامح، وفي هذا الباب نفحة من نفحات الغساسنة (العرب الخلص) يحسها من يجوزه، كما يحسن من يدخل من الباب الشرقي روح خالد بن الوليد، بطل عصره، واينبال العرب، وكما يحس من يمر من باب الجابية روح أبى عبيدة بن الجراح، ولم يكن هذا الباب معروفاً بباب المناخلية كما يدعي اليوم، بل كان يدعى بالباب

стр. 3078

المسدود، وقد كان قبل أن يسد الباب الرسمي الملوك الغساسنة، وكان يقابل قصر البريص، حيث كان الغساسنة الكرام الحسب الشم الأنوف: يسقون من ورد البريص عليهم … بردى يصفق بالرحيق السلسل ذكر كيف لبث نهاره كله منفرداً لم يجئ إليه تلميذ واحد، وكيف أسرع المساء بالعودة إلى داره. قبل أن يقفل العسس أبواب دمشق، وبواباتها التي كانت تغلق منذ العشاء، أيام كان الناس جادين مستقيمين لا يعرفون ملاهي الغرب ورذائله، ولا يعرفون أحياء الليل في الفاحشة، وقتل النهار في الكسل. وكيف كان قوى الأمل، جم النشاط، لا يخالط اليأس قلبه، فلم ينثن عن عزمه. وغداً في اليوم الثاني إلى مدرسته التي أنشأها في البلد الذي لا يعرف القراءة إلا اثنان في الألف من سكانه. . . فجاءه خمسة تلاميذ، وشرع يعمل لم يكن الشيخ يحمل شهادة، ولم يكن في دمشق كلها من يحمل شهادة البكالوريا أو الكفاءة، ولكنه قد أتقن العلوم الإسلامية والعربية، وثابر سنين طويلة على (الطلب) حتى ألم بالثقافة العامة المعروفة في زمانه إلماماً حسناً. وانصرف للتعليم ابتغاء لمثوبة الله، وأجابه للرغبة القوية الجامحة. فلما جاءه هؤلاء التلاميذ، رأى فيهم تحقيقاً لحلمه فأكب على تعليمهم وتهذيبهم - أحسن الله لأولئك التلاميذ! لقد كانوا أشرافاً عاملين، ثيابهم كاملة. وحركاتهم وأفعالهم فياضة بالرجولة، وحياتهم مقصورة على البيت والمدرسة، لا تعرف الرذيلة الغربية طريقاً إلى نفوسهم، ولم يكن الغرب قد غزانا بأزيائه وملاهيه وأبنائه، وأبنائنا الذين علمهم العلم والعقوق. وأعطاهم السلاح ولقنهم كيف يقتلون به (التقاليد) الشرقية الشريفة، فكانوا بمنجى من هذا كله. لقد هاجت الشيخ ذكرى أولئك التلاميذ الذين أصبحوا اليوم شيوخاً ومات منهم من مات، وقارن بينهم وبين تلاميذ اليوم المتأنثين المتخنثين الذين يتقنون التجمل ويغوصون في الملاهي القذرة إلى أعناقهم فاسترجع وهم بالبكاء. وازدحمت في ذاكرته الصور المؤلمة، فرأى كيف كان يتلقى الفوج من تلاميذه أطفالاً، فيعلمهم ويربيهم، ويجعل منهم شبانا عاملين، ثم يودعهم بعد أن يوليهم من نفسه أسمى ما يولى والد ولده، فيغادرون المدرسة، ليدخلوا الحياة، ويرتقون من مقاعد النظارة إلى خشبة المسرح، ويحسبون أن هذه الشهادة

стр. 3079

غاية العلم، وهي فاتحته، وانهم إذا نشروها، طويت لهم المراتب إلى الصدر وقدم لهم من كل شيء ما يشتهون، لا يدرون أن للحياة فناً غير فن الكتب، وفى العلم آفاقاً لا تحيط بها المدرسة. . . وكيف كان يلبث الأيام الطويلة يستوحش بالمدرسة والمنزل، ويحس بالفراغ في قلبه بعد أن اقتطع منه كل فوج قطعة ويتألم ويجفوه النوم. فلا يعلم إلا الله بألمه. ثم يستعين بالله ويستأنف العمل مع تلاميذه الجدد. ويحاول أن يجد فيهم بدلاً مما فقد، حتى إذا أنضجت الثمرة خرجت من يده. وكان حظه من هؤلاء حظه ممن سبقهم: ينسونه مذ يتخطون بأقدامهم عتبة الباب، وينصرفون عنه إذا لمحوه في طريق، مصعرين خدودهم، شامخين بأنوفهم - وهم التجار الأغنياء، أو الموظفون الكبار، أو الوجهاء الكرام - على هذا الشيخ المسكين (معلم الكتاب) - أحد عشر ألف تلميذ. . . أحد عشر ألف. . . علمتهم وأفنيت فيهم حياتي، فضاع تعبي فيهم أدراج الرياح. . . يا الله! وفتح عينيه فوقع بصره على مرآة كانت إلى جانبه فنظر فيها وأطال النظر كأنما قد انتبه الآن إلى لحيته البيضاء الناصعة، والى سنيه التسعين فاسترجع مرة ثانية. . . وسأل الله حسن الخاتمة - سقياً لتلك الأيام الهنيئة. حين لم يكن في دمشق إلا هذه المدرسة. ومدرسة الشيخ الصوفي، أما الآن فالمدارس تعد بالمئات، ولكن الناس لا يميلون إلا إلى المدارس الأجنبية، إنهم يضنون على مدرسة كهذه المدرسة تقدم أبناءهم لفحص الرسمي العام، وتحفظ لهم دينهم ووطنيتهم بعشرين قرشاً في الشهر، ثم ينفقون مائتين وثلاثمائة في المدارس الفرنسية أو الإيطالية أو الإنجليزية، ليعود اليهم أبناؤهم فرنسيين أو طلياناً أو إنكليز. . . آه، الحمد لله على كل حال الحمد لله. . . إننا نجد ثمن الخبز. وانتبه فإذا الباب يقرع قرعاً متواصلا - ادخل، تفضل. . . ممن هذا الكتاب؟ - من وزارة المعارف قرأ الشيخ الكتاب أولا وثانياً، وقرأه مرة ثالثة، فغشيت وجهه سحابة أليمة من الغم، ثم قام إلى مكتبته صامتاً، فأخرج من قراراتها دفتراً كبيراً مسح الغبار عنه، وأخذ يقلبه يفتش عن هذا الاسم، بين أحد عشر ألف اسم حواها هذا الدفتر، فلما وجده تناثرت الدمع من عينه.

стр. 3080

وارتمى على كرسيه محطماً. - أهذه خاتمة المطاف؟. إه. . الحمد لله على كل حال. . الحمد لله لك يا رب. . انه تلميذي علمته ومنحته قسطاً من قلبي، وعلمت أباه من قبله، وعلمت أبنه من بعده، ولكن لا بأس، إن أمور المعارف بيده. ومن حقه ان يفعل ما شاء، وعاد فقرأ الخطاب للمرة الرابعة: (. . . ولأنكم لا تحملون شهادة تخولكم حق إدارة مدرسة ابتدائية لا نرى بداً من أن. . .) كنت منذ عامين محرراً في الجريدة الوطنية الكبرى (الأيام) فجاني يوماً ناع، فنعى إلى الشيخعيد السفرجلاني. واخبرني أن هذا منصرفه من دفنه، فبلغ بي الألم مبلغه، وجعلت مقالي في ذلك اليوم عن الشيخ. ولما قدمته لرئيس التحرير. قال لي أحد الرجال الكبار في دمشق، وكان في غرفة الرئيس ما نصه بالحرف: بلا مسخرة، شيخ كتاب مات! قلت: ولكنك يا سيدي تلميذه - وإذا كنت تلميذه؟. . شيخ كتاب! وبعد يا مولاي الشيخ: لا تأس على أن ذهبت في غير ما ضجة ولا صخب، وأن قد سكنت قبراً في (الدحداح) لا يمتاز من مئات القبور التي حوله ولا تحيط به النصب والنقوش، وان الناس لم يأبهوا لك كثيراً، ولم يقيموا لك الحفلات، ويلقوا على قبرك الخطب. . . فأنت أشرف وأجل من كل هؤلاء الصاخبين الضاجين، ومجدك الصامت الذي بنيته في سبعين سنة لبثت فيها مناراً للعلم - وهادياً ومرشداً. أسمى من مجد هؤلاء الذي ينبى على خطبة جوفاء، أو ليلة في السجن ظلماء، أو مقالة في صحيفة رعناء. وان كنت شيخ الكتاب، فذلك فخر لك، وحسبك فخراً أن الذين سرقوا مجدك ومجد أمثالك - هم - كما هي سنة الحياة - أشد تلاميذك حماقة وجهلاً، وأقلهم استقامة وشرفاً، وانهم ما قفزوا إلى هذه المراتب، إلا ليجحدوا فضلك وفضل أمثالك، ويسخروا منك ومن أمثالك، هي سنة الحياة، يعمل أناس ليجني الثمرة آخرون يا مولاي الشيخ: نم مستريحاً في ظلال الخلد، فأنت أبو النهضة العلمية في دمشق، أنت صفحة من تاريخها الحديث، أنت معلم كل من قرأ في دمشق كتاباً أو خط بقلم

стр. 3081

عليك رحمة الله وبركاته. علي الطنطاوي

стр. 3082

الابتكار في الأدب يرى بعض أدباء الغرب أن للمصور المجيد، والشاعر المبدع والموسيقى الماهر موهبة عجيبة تعرف بالعبقرية، تعمل مستقلة عن الزمان والمكان، وأن كل ما يحتاجه الفنان الموهوب إنما هو الإلهام مع قليل من الإقدام، فألق به كما يقولون في جوف المحيط أو في وسط الصحراء ودعه يتجه نحو الفن فسيعاون الإلهام عبقريته على إنتاج الجيد وإبراز المعجز من الفن والأدب. ولكن الحقيقة أقسى من وهمهم هذا، فالواقع أنه ليس هناك فنان يعمل مستقلاً عن الزمان والمكان. ولو أخذنا طائفة من الكتب الأدبية الرائعة في أي عصر من العصور، وقرأناها مع إلمام تام بالكتب التي سبقتها مباشرة لحكمنا مضطرين بأنه لا يوجد كاتب - مهما علا قدره - يتهيأ له وجود مستقل عن حدود زمانه ومكانه الضيقين، إذ الكتاب ما هم إلا أجسام مختلفة تسكنها روح واحدة هي روح العصر الذي يعيشون فيه كما يقول البحاثة الإنجليزي بتركونل وكذلك الحال في الموسيقى والتصوير. وحقاً إن الكاتب الكبير قد يطبع العصر الذي يعيش فيه بطابعه الشخصي وينحو بجمهرة المتأدبين نحواً لم يعهد قبله، وحينئذ يلقبه معاصروه بالمجدد أو الثائر، ولكنه على ذلك يساير التيار الزمني ويتأثر ببيئته إلى حد كبير. وقد اعتاد مؤرخو الأدب الإنكليزي تقسيمه إلى عصور حسب الشخصيات البارزة في كل عصر ملاحظين هذه الحقيقة المقدمة. فهناك عصر شوسر، وعصر شكسبير، وعصر ميلنون، وعصر دريدن، وعصر بوب، وعصر جونسون، وعصر وردزورث، وعصر تينسون. وكلها شخصيات متفوقة تزعمت الأدب في عصورها وسلكت به مسالك مختلفة. ولكنا نراهم كثيراً ما يتأخرون بالعصر عن صاحبه ويدخلون فيه بعض مشاهير الأقربين ممن سبقوه ملاحظين تأثره بهم وتأثيرهم فيه، وتمثيل الجميع لأزمنة متشابهة. وكأنهم بهذا يقررون أن الابتكار الأدبي بمعناه الصحيح لا يتيسر لأي أديب. وبعد هذا، له العظمة الأدبية تساوي الجدة الأدبية؟ الإجابة عن هذا الاستيضاح تدعو إلى التفكير وإنعام النظر. . . فقد اعتاد جل نقاد العربية أنهم إذا أرادوا بحث أثر أدبي أخذوا ينظرون إلى ما فيه من الأفكار والأخيلة: الجديدة هي فيذكر صاحبها بالفضل؟ أم سبقه بها غيره فيرمى بأنه دعى؟ وليس من فضل - عندهم -

стр. 3083

للكاتب الذي يتعرض لما يتعرض له غيره ولو في إيراد مغاير ومن ناحية مباينة. وقديماً عدوا سرقات المتنبي. وفي العام الماضي ثاروا على الأستاذ المازني لأن فكرته في رواية له وافقت بعض الشيء فكرة رواية لمؤلف غربي. والحق انهم مخطئون في هذا أو مسرفون، وأنه إن لم يكن بد من الحكم حسب الجدة، فعليهم أن ينظروا إلى أسلوب الأداء نفساً أهو جديد أم مستعار. فان كان جديد ألا يحرم صاحبه من فخر الإبداع الأدبي بل يجب أن يعترفوا له بالتفوق على صاحب الفكرة نفسا إذا صاغها صياغة أدق من صياغة سابقة وأكمل، لأنه حينئذ يكون قد أتى بما عجز عنه الأول. ولعل هذا الذي كان بعض المتقدمين يعنيه بقوله: إن المعاني معلومة للجميع وإنما المعول على النظم. هذا هو المقياس المستقيم وبه قدر المنصفون من النقاد الإنجليز حينما حكموا بأفضلية وصف العنكبوتة لبوب على وصفها لدريدن، وإن كان الأول مديناً بالفكرة التي قام عليها الوصف للثاني. ومن الأمثلة القوية التي يصح الاستشهاد بها في هذا الموضوع شكسبير أعظم الشعراء السكسونيين، والذي لكتابته المنزلة التالية لمنزلة الكتاب المقدس في الأدب الإنجليزي. ولست أستشهد برواياته التاريخية يوليوس قيصر، وانطونيو وكيلوباتره، وكور يولينوس التي استعار أصولها بل بعض أخيلتها مما كتبه المؤرخ الشهير فلوطرخ وإنما أورد رواية أخرى لا تمت للتاريخ بنسب، وتعد من رواياته القيمة التي ألفها في عهد نضوجه الأدبي وهي رواية الليلة الثانية عشرة فقد أخذ حوادثها كلها عن رواية إيطالية، ومع ذلك لم يقل أحد إن شكسبيير لم يكن مبدعاً في هذه الرواية أو أنها ليست من مفاخرة الأدبية. ومن المفيد أن نذكر خلاصة كل من الروايتين حتى يتبين القارئ مدى الاستعارة. فملخص الرواية الإيطالية وقد ألفت سنة ألف وخمسمائة وسبع وثلاثين أي قبل تأليف رواية شكسبير بنحو سبعين سنة واسمها جلينجاناتي ' , هو ما يأتي: فابرييتو وليليا. أخ وأخت فرقت بينهما ثورة روما في سنة ١٥٢٧ دفت المقادير بليليا إلى مودينا مقر فلامينيو الذي كان بينه وبينها علاقة غرام سابقة فتنكرت في زي شاب ودخلت في خدمته فوجدت أنه نسى حبها وتعلق بسيدة من أشراف مدينته تدعى إيزابلا. ليليا كشاب جذاب كانت تحمل رسائل الغرام من سيدها فلامينيو إلى إيزابلا. إيزابلا لم تتأثر بتوسلات فلامينيو ولكنها

стр. 3084

أحبت ليليا - وهي رجل في اعتقادها - حباً عميقاً. فابرييتو يصل إلى مودينا ولأمر ما يلقى إيزابلا فتتم بين الاثنين مراسيم الزواج وهو في اعتقادها ليليا شقيقته. تظهر الحقيقة بعد هذا فينتقل حب إيزابلا في سهولة من ليليا إلى شقيقها ويتزوج فلامينيو من حبيبته الأولى ليليا. وخلاصة رواية شكسبير ما يأتي: الدوق أورسينو يقيم بايليريا، وقد وقع من وقت طويل في حبال غرام نبيلة من نبلاء مدينته تدعى أوليفيا. أوليفيا لا تبادله الحب بل تنتهز فرصة موت شقيقها، وتعلن أنها سوف لا تسمح لأي خطيب بالاقتراب منها وأنها ستمكث في حداد على أخيها سبع سنين. وهنا نرى فيولا توأم شاب من نبلاء ميسالين يدعى سيبستيان، ظن أنه توفى أثناء عاصفة هبت على سفينة كان هو واخته من بين راكبيها، ونجت فيولا بفضل ربانها على الشاطئ المقابل لايليريا، ولما علمت فيولا بأمر أورسينو وكانت تحبه لما تسمعه عنه، فكرت في العمل عنده كأمين، وتنكرت في زي أخيها وقدمها إلى قصر الدوق أحد رجال حاشيته. اطمأن الدوق إليها وأطلعها على حبه أوليفيا واستخدمها في استعطافها، وعندما تراها أوليفيا لأول مرة تفتن بها وتطلب إليها أن تزورها ثانية بحجة أخبارها بسبب رفض طلب اورسينو، وفي المقابلة الثانية تصدم أوليفيا ببرود فيولا التي أظهرت لها أوله غرامها به. فيولا وهي غير قادرة على كشف سرها لأوليفيا تتركها معلنة أنها سوف لا ترجوها في أمر سيدها ثانية. وبعد وقت قصير يأتي سيباستيان الذي يشبه أخته مشابهة تامة حتى أنه لا يميز بينهما إذا ما تشابه لباسهما فتدفعه الحوادث إلى منزل أوليفيا ويتم بينهما عقد الزواج ثم يكشف السر فلا ترى أوليفيا بأساً من استمرار العقد ويتزوج أورسينو فيولا التي كانت تحبه حباً جماً نعم قد استعار شكسبير حوادث روايته من تلك الرواية السابقة على النحو الذي رأينا، ولكنه صاغها صياغة أخرى وخلقها خلقاً جديداً فأفاض عليها من قريحته الخصبة وخياله الواسع أفكاراً وصوراً كسبتها بهاء وجلالا حرمتهما الرواية الإيطالية - فهي على استعارة حوادثها جديدة قوية لأنها في أسلوب جديد وهو أسلوب شكسبير القوي الذي امتاز به من غيره. فليس للنقاد أن يطلبوا من الأديب أن يكون أول عابر للسبل التي يسلكها، أو أصيلا في الموضوعات التي يطرقها، أو مبداعاً للحوادث التي يدور حولها، وإلا كان طلبهم من

стр. 3085

ناحية أخرى أن يمعن في الاطلاع على الآداب الماضية، وتفهمها عديم الغناء القليل النفع، ومن غير المعقول أن يكون الأدب الحديث غير قائم على الآداب الماضية؛ كما انه من غير المعقول أن تكون المدنية الحديثة غير قائمة على المدنيات السابقة. اللهم إذا كان أدباً متأخراً لا يمثل العصر الذي قيل فيه. والذي يؤاخذ به من يريد الاشتغال بالأدب أشد المؤاخذة هو ألا يكون مبتكراً في أسلوبه، أو بعبارة أخرى أن يكون أسلوبه مرقعاً من أساليب أدباء آخرين يحتذيهم وينحو منحاهم، ويا ليته يبلغهم. . . هذا لا سواه هو الادعاء الأدبي. فلا فرق بين الأديب المحسوب على الأدب بالنسبة إلى مأثور القول، إلا أن الأوليخضعه لطبيعته ويتصرف فيه حسب مزاجه الخاص. أما الثاني فيضعف أمامه أو تضعف طبيعته - ضعفه أمام المعبود المقدس فلا يستطيع أن يتناوله بتبديل أو تحوير وعمل الأديب الحق يشبه تماماً عمل النحلة التي تحيل بطبيعتها الحلوة ما تمتصه من مختلف الأزهار إلى عسل مصفى لا تتبين فيه الأصول التي أخذ منها. السيد محمد نوفل
следующие страницы →