Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
عليك رحمة الله وبركاته.
علي الطنطاوي
стр. 3082
الابتكار في الأدب
يرى بعض أدباء الغرب أن للمصور المجيد، والشاعر المبدع والموسيقى الماهر موهبة عجيبة تعرف بالعبقرية، تعمل مستقلة عن الزمان والمكان، وأن كل ما يحتاجه الفنان الموهوب إنما هو الإلهام مع قليل من الإقدام، فألق به كما يقولون في جوف المحيط أو في وسط الصحراء ودعه يتجه نحو الفن فسيعاون الإلهام عبقريته على إنتاج الجيد وإبراز المعجز من الفن والأدب.
ولكن الحقيقة أقسى من وهمهم هذا، فالواقع أنه ليس هناك فنان يعمل مستقلاً عن الزمان والمكان. ولو أخذنا طائفة من الكتب الأدبية الرائعة في أي عصر من العصور، وقرأناها مع إلمام تام بالكتب التي سبقتها مباشرة لحكمنا مضطرين بأنه لا يوجد كاتب - مهما علا قدره - يتهيأ له وجود مستقل عن حدود زمانه ومكانه الضيقين، إذ الكتاب ما هم إلا أجسام مختلفة تسكنها روح واحدة هي روح العصر الذي يعيشون فيه كما يقول البحاثة الإنجليزي بتركونل وكذلك الحال في الموسيقى والتصوير.
وحقاً إن الكاتب الكبير قد يطبع العصر الذي يعيش فيه بطابعه الشخصي وينحو بجمهرة المتأدبين نحواً لم يعهد قبله، وحينئذ يلقبه معاصروه بالمجدد أو الثائر، ولكنه على ذلك يساير التيار الزمني ويتأثر ببيئته إلى حد كبير. وقد اعتاد مؤرخو الأدب الإنكليزي تقسيمه إلى عصور حسب الشخصيات البارزة في كل عصر ملاحظين هذه الحقيقة المقدمة. فهناك عصر شوسر، وعصر شكسبير، وعصر ميلنون، وعصر دريدن، وعصر بوب، وعصر جونسون، وعصر وردزورث، وعصر تينسون. وكلها شخصيات متفوقة تزعمت الأدب في عصورها وسلكت به مسالك مختلفة. ولكنا نراهم كثيراً ما يتأخرون بالعصر عن صاحبه ويدخلون فيه بعض مشاهير الأقربين ممن سبقوه ملاحظين تأثره بهم وتأثيرهم فيه، وتمثيل الجميع لأزمنة متشابهة. وكأنهم بهذا يقررون أن الابتكار الأدبي بمعناه الصحيح لا يتيسر لأي أديب.
وبعد هذا، له العظمة الأدبية تساوي الجدة الأدبية؟
الإجابة عن هذا الاستيضاح تدعو إلى التفكير وإنعام النظر. . . فقد اعتاد جل نقاد العربية أنهم إذا أرادوا بحث أثر أدبي أخذوا ينظرون إلى ما فيه من الأفكار والأخيلة: الجديدة هي فيذكر صاحبها بالفضل؟ أم سبقه بها غيره فيرمى بأنه دعى؟ وليس من فضل - عندهم -
стр. 3083
للكاتب الذي يتعرض لما يتعرض له غيره ولو في إيراد مغاير ومن ناحية مباينة. وقديماً عدوا سرقات المتنبي. وفي العام الماضي ثاروا على الأستاذ المازني لأن فكرته في رواية له وافقت بعض الشيء فكرة رواية لمؤلف غربي.
والحق انهم مخطئون في هذا أو مسرفون، وأنه إن لم يكن بد من الحكم حسب الجدة، فعليهم أن ينظروا إلى أسلوب الأداء نفساً أهو جديد أم مستعار. فان كان جديد ألا يحرم صاحبه من فخر الإبداع الأدبي بل يجب أن يعترفوا له بالتفوق على صاحب الفكرة نفسا إذا صاغها صياغة أدق من صياغة سابقة وأكمل، لأنه حينئذ يكون قد أتى بما عجز عنه الأول. ولعل هذا الذي كان بعض المتقدمين يعنيه بقوله: إن المعاني معلومة للجميع وإنما المعول على النظم. هذا هو المقياس المستقيم وبه قدر المنصفون من النقاد الإنجليز حينما حكموا بأفضلية وصف العنكبوتة لبوب على وصفها لدريدن، وإن كان الأول مديناً بالفكرة التي قام عليها الوصف للثاني.
ومن الأمثلة القوية التي يصح الاستشهاد بها في هذا الموضوع شكسبير أعظم الشعراء السكسونيين، والذي لكتابته المنزلة التالية لمنزلة الكتاب المقدس في الأدب الإنجليزي. ولست أستشهد برواياته التاريخية يوليوس قيصر، وانطونيو وكيلوباتره، وكور يولينوس التي استعار أصولها بل بعض أخيلتها مما كتبه المؤرخ الشهير فلوطرخ وإنما أورد رواية أخرى لا تمت للتاريخ بنسب، وتعد من رواياته القيمة التي ألفها في عهد نضوجه الأدبي وهي رواية الليلة الثانية عشرة فقد أخذ حوادثها كلها عن رواية إيطالية، ومع ذلك لم يقل أحد إن شكسبيير لم يكن مبدعاً في هذه الرواية أو أنها ليست من مفاخرة الأدبية.
ومن المفيد أن نذكر خلاصة كل من الروايتين حتى يتبين القارئ مدى الاستعارة. فملخص الرواية الإيطالية وقد ألفت سنة ألف وخمسمائة وسبع وثلاثين أي قبل تأليف رواية شكسبير بنحو سبعين سنة واسمها جلينجاناتي ' , هو ما يأتي: فابرييتو وليليا. أخ وأخت فرقت بينهما ثورة روما في سنة ١٥٢٧ دفت المقادير بليليا إلى مودينا مقر فلامينيو الذي كان بينه وبينها علاقة غرام سابقة فتنكرت في زي شاب ودخلت في خدمته فوجدت أنه نسى حبها وتعلق بسيدة من أشراف مدينته تدعى إيزابلا. ليليا كشاب جذاب كانت تحمل رسائل الغرام من سيدها فلامينيو إلى إيزابلا. إيزابلا لم تتأثر بتوسلات فلامينيو ولكنها
стр. 3084
أحبت ليليا - وهي رجل في اعتقادها - حباً عميقاً. فابرييتو يصل إلى مودينا ولأمر ما يلقى إيزابلا فتتم بين الاثنين مراسيم الزواج وهو في اعتقادها ليليا شقيقته. تظهر الحقيقة بعد هذا فينتقل حب إيزابلا في سهولة من ليليا إلى شقيقها ويتزوج فلامينيو من حبيبته الأولى ليليا.
وخلاصة رواية شكسبير ما يأتي: الدوق أورسينو يقيم بايليريا، وقد وقع من وقت طويل في حبال غرام نبيلة من نبلاء مدينته تدعى أوليفيا. أوليفيا لا تبادله الحب بل تنتهز فرصة موت شقيقها، وتعلن أنها سوف لا تسمح لأي خطيب بالاقتراب منها وأنها ستمكث في حداد على أخيها سبع سنين. وهنا نرى فيولا توأم شاب من نبلاء ميسالين يدعى سيبستيان، ظن أنه توفى أثناء عاصفة هبت على سفينة كان هو واخته من بين راكبيها، ونجت فيولا بفضل ربانها على الشاطئ المقابل لايليريا، ولما علمت فيولا بأمر أورسينو وكانت تحبه لما تسمعه عنه، فكرت في العمل عنده كأمين، وتنكرت في زي أخيها وقدمها إلى قصر الدوق أحد رجال حاشيته. اطمأن الدوق إليها وأطلعها على حبه أوليفيا واستخدمها في استعطافها، وعندما تراها أوليفيا لأول مرة تفتن بها وتطلب إليها أن تزورها ثانية بحجة أخبارها بسبب رفض طلب اورسينو، وفي المقابلة الثانية تصدم أوليفيا ببرود فيولا التي أظهرت لها أوله غرامها به. فيولا وهي غير قادرة على كشف سرها لأوليفيا تتركها معلنة أنها سوف لا ترجوها في أمر سيدها ثانية. وبعد وقت قصير يأتي سيباستيان الذي يشبه أخته مشابهة تامة حتى أنه لا يميز بينهما إذا ما تشابه لباسهما فتدفعه الحوادث إلى منزل أوليفيا ويتم بينهما عقد الزواج ثم يكشف السر فلا ترى أوليفيا بأساً من استمرار العقد ويتزوج أورسينو فيولا التي كانت تحبه حباً جماً
نعم قد استعار شكسبير حوادث روايته من تلك الرواية السابقة على النحو الذي رأينا، ولكنه صاغها صياغة أخرى وخلقها خلقاً جديداً فأفاض عليها من قريحته الخصبة وخياله الواسع أفكاراً وصوراً كسبتها بهاء وجلالا حرمتهما الرواية الإيطالية - فهي على استعارة حوادثها جديدة قوية لأنها في أسلوب جديد وهو أسلوب شكسبير القوي الذي امتاز به من غيره. فليس للنقاد أن يطلبوا من الأديب أن يكون أول عابر للسبل التي يسلكها، أو أصيلا في الموضوعات التي يطرقها، أو مبداعاً للحوادث التي يدور حولها، وإلا كان طلبهم من
стр. 3085
ناحية أخرى أن يمعن في الاطلاع على الآداب الماضية، وتفهمها عديم الغناء القليل النفع، ومن غير المعقول أن يكون الأدب الحديث غير قائم على الآداب الماضية؛ كما انه من غير المعقول أن تكون المدنية الحديثة غير قائمة على المدنيات السابقة. اللهم إذا كان أدباً متأخراً لا يمثل العصر الذي قيل فيه.
والذي يؤاخذ به من يريد الاشتغال بالأدب أشد المؤاخذة هو ألا يكون مبتكراً في أسلوبه، أو بعبارة أخرى أن يكون أسلوبه مرقعاً من أساليب أدباء آخرين يحتذيهم وينحو منحاهم، ويا ليته يبلغهم. . . هذا لا سواه هو الادعاء الأدبي. فلا فرق بين الأديب المحسوب على الأدب بالنسبة إلى مأثور القول، إلا أن الأوليخضعه لطبيعته ويتصرف فيه حسب مزاجه الخاص. أما الثاني فيضعف أمامه أو تضعف طبيعته - ضعفه أمام المعبود المقدس فلا يستطيع أن يتناوله بتبديل أو تحوير
وعمل الأديب الحق يشبه تماماً عمل النحلة التي تحيل بطبيعتها الحلوة ما تمتصه من مختلف الأزهار إلى عسل مصفى لا تتبين فيه الأصول التي أخذ منها.
السيد محمد نوفل
стр. 3086
حنين المهد إلى الطفولة
للآنسة أسماء فهمي
درجة شرف في الآداب
يكاد يكون الحنين إلى (المنزل الأول)، غريزة من الغرائز الإنسانية، تزداد قوة ورسوخاً كلما توغل المرء في عبور مرحلة الحياة. . . ولعل أعذب ذكريات الشيخ الفاني المثقل بتجارب الحياة أياماً قضاها على شاطئ اليم يلهو مع الصغار ويجمع الأصداف ويلقى الشباك للأسماك أو يصنع دوراً وقباباً من الطين والرمال، ثم يهدمها ليعيد بناءها. . بل إن الفتى اليافع ليتضاءل أمام عينيه ما يستمتع به من قوة ومرح وصفاء عندما تستعرض مخيلته صور عهد الطفولة المليء بالسذاجة والحركة المتواصلة والمرح البريء. . . وقد ينشأ المرء وضيعاً في كوخ حقير ثم يرتقى سلم العلياء ويسكن القصور ذات الحدائق الغناء ومع ذلك تتوق نفسه للحج إلى مهد الطفولة وتستحيل في نظره خشونته نعومة وقبحه حسناً وجدبه رخاء. . .
وهذا الحنين هو أساس الوطنية ونواة إعزاز القومية لا تخلو منه إلا القلوب الصماء المجردة من العطف والوفاء فلا بدع إذن أن يحط الركاب الشاعر الفياض العاطفة إذا مر بأطلال الديار ليذرف دمعة أو ليستعيد ذكرى أو ليرسل نجوى قبل أن يستأنف المسير ويخب الخطى به عشرا. . .
ولعل أشد الحنين هو حنين ذلك الذي ينتزع انتزاعاً من بين أحضان مهد طفولته ويقصى عنه قوة واقتداراً، ثم يشغل هذا المهد العزيز الوثير أعداؤه المغتصبون بينما هو لا يجرؤ أن يحاول منه اقترابا، إذ تحول بينهما الاستحكامات والحصون فلا يجد من وسائل الاتصال غير الذكرى والخيال. . . ولكن الذكرى التي لا أمل يصحبها ويجلوها تصبح كرياح القيظ اللافحة تحرك الأشجان كما تثير الرياح الرمال. . . والحنين يبعث الذكرى التي هي رمز الوفاء. . . .
إذن فبأجنحة الذكرى أحلق فوق مهد الطفولة المقدس - فوق ربوع السودان. . تلك الربوع التي كانت ميداناً لبطولة الأجداد والآباء، منذ عهد الفراعنة قبل أن تصبح مهداً لبراءة الطفولة ومرحها الفياض
стр. 3087
هنالك في إحدى بقاع السودان عند ملتقى النيل الأبيض بالأزرق قضت فتاة سني الطفولة التي مهدت لها الطبيعة هناك كل وسائل اللهو والنعيم، فحبتها ببساط لا نهاية له من الرمال الذهبية تنطلق فيه انطلاق الظبي في الفلوات. . كما زودتها بأشجار باسقة من دوم ونخيل وساسبان كانت رؤوسها حصناً منيعاً للطفلة التي كانت تهرع لتسلقها بمهارة القردة وخفة النسانيس إذا أصابها ذعراً أو لحقها وعيد! ولطالما وجدت الطفولة في أمطار السودان الغزيرة وسيوله المندفعة التي تكتسح الدور والأشجار والناس ما يثير اللذة والخوف معاً. . ومن ثوران الزوابع والعواصف التي كانتتنافس السيول في الجبروت وكثرة الأسلاب، كانت تستمد الطفولة الطليقة نوعاً من التسلية الممزوجة بالدهشة، وتنصت باهتمام إلى دوي العواصف وقصف الرعود التي تعلمت كيف تأنسن بها بعد أن تغلق الأبواب والنوافذ دونها! والحر على شدته وقسوته لا يضير الطفولة، لأنها بالنهار تلهو برؤية الطيور الفاتنة التي تنطلق أمامها مداعبة ومحاورة، فتطلق على ذات الريش الأخضر منها (عصافير الجنة) والأحمر (عصافير النار) وان كانت لا ترعى حرمة الأولى ولا تخشى حرارة الثانية! بل تجد في اللحاق بها دون جدوى. . على أنها سرعان ما تشعر بالجهد فتتجه دون ندم إلى مداعبة الغزلان الوديعة الجاثمة في الظل أو معاكسة الببغاء الثرثارة أو القردة والنسانيس المتمردة. . التي قلما تخلو منها حديقة من حدائق منازل السودان. . . وفي الأصيل عندما يهب عليل النسيم وتنخفض جذوة الحرارة ويسمع نعير السواقي يمتزج بأغاني السودانيين الرقيقة على ضفاف النيل، وتمتطى صهوة مهر أو حمار وتندفع بين الأدغال بمحازاة النهر العظيم بينما تتناثر عليها سلاسل ذهبية من أشعة الشمس المائلة للغروب. فتطل عليها من بين غصون الشجر مودعة وتكر راجعة إلى حيث تجتذبها أصوات الرفاق اللاعبين فوق بساط الرمل الوثير. . وسرعان ما تنبثق النجوم في القبة الزرقاء. . ويتهادى القمر حتى يستوي على عرشه المتلألئ في صدر السماء. . بينما تتعالى تهاليل الأطفال البيض منهم والسود سواء. . لأن الطفولة تسمو فوق فوارق الألوان والأديان والأجناس. .
وهكذا كان يسود التفاهم والوئام بين الطفولة والطير والعجماوات والأشجار والعواصف والأمطار والناس - في حين كانت رتع آمنة في ذلك الفضاء غير المحدود الذي حبب إليها
стр. 3088
الحرية المطلقة طبعها على الصراحة وجعلها تهيم بالجمال في شتى نواحيه. . .
ولكن ما هي إلا عشية أو ضحاها حتى زلزلت الأرض زلزالها وقبض (سنخاريب) على معول يهدم به وكر السعادة. . . فاستفاقت الطفلة مذعورة في أحد أيام شتاء سنة ١٩٢٤ ونظرت حولها فكادت تنكر الدار التي بها ترعرعت إذ هنا وهناك تكدس أمامها الأثاث في غير نظام وعهدها بدارها نموذج التنسيق والجمال. . . وإذا بالأم تقبل مرتجفة واجمة وتنادي الطفلة بصوت تخنقه العبرات أن أسرعي فقد أزف وقت الرحيل عن الديار نعم، وا أسفاه. . . لقد حل بالمصريين في السودان عام ١٩٢٤ ما دهى بني إسرائيل في أورشليم في القرن السادس قبل الميلاد على يد الكلدانيين. . . ولم تطلب الطفلة إيضاحاً لأنها أدركت بغريزتها حدوث أمر جلل. . وهل بعد الطرد والتشريد من الديار من مصاب؟. . تركت الطفلة حجرتها في صمت رهيب، وسارت حتى بلغت حديقة الدار الفسيحة فأطلت على النيل برهة امتزجت فيها دموعها بمياهه، ثم توغلت بين الأشجار التي طالما احتمت برؤوسها كلما توعدتها أمها بالعقاب وتعلقت بغصونها، وأخذت تقبلها قبلات الامتنان والوداع. ومازالت تسير حتى بلغت مكان طيورها وحيواناتها العزيزة ووقفت أمامها في خشوع فأقبلت إليها النسانيس وتعلقت بشعرها ونظرت في وجهها كما لو كانت تستفهم سبب وجومها، واقتربت منها الغزلان وقد كان عهد الطفلة بها شدة النفور والابتعاد فوقفت أمامها كتمثال. ولم تكد الطفلة تجثو على قدميها لتعانق أعزاءها العناق الأخير حتى أقبلت الأم مهرولة، وجذبتها معلنة قدوم العربات. فاستسلمت الطفلة استسلام اليائس، على أنها سرعان ما وقفت عن المسير وأجهشت بالبكاء إذ تذكرت أنها تركت وراءها عصافيرها المحبوبة دون ماء أو غذاء، ولكن الأم رغم تأثرها العميق لم تدعها تفلت من يدها إذ كان عليها أن تحلق القطار.
بمثل هذه العجلة المؤلمة ختمت حياة الطفولة الرغدة في السودان وبمثل هذه القسوة انتزعت الطفلة البريئة من بين أحضان المهد الرؤوم دون إنذار. . فلا غرو أن يتضاعف حنينها إلى المهد المغتصب الذي له فوق قداسة ذكريات الطفولة السعيدة قداسة الماضي التليد: ماضي البطولة وبذل النفوس من أجل الخلود. . .
أسماء فهمي
стр. 3089
ذكرى. . .
// لم يطل ليلى ولكن لم أنم … ونفى عني الكرى طيف ألم
. . . ولكنه لم يكن طيف غرام ولا خيال غانية، ولم يكن صدا هذا الذي عقد طرفى بالنجم، ولا بعدا هذا الذي أغرى بي الهم، ولكنها ذكرى!
كن ما استطعت قوي العزم، عصي الدمع. فسيصهرك الأسى وسيقهرك الدمع، سيلاحقك هذا الطيف، ستستبد بك هذه الذكرى
مصر في أمر مريج: رجال هنا وبنود، ورصاص هناك وجنود، هنا حق مغلوب أبي، وهناك باطل ظلوم قوي، هنا رجال أقوياء بحقهم يزيدهم الإيمان غلوا؛ وهناك رجال أقوياء بسلاحهم يزيدهم الظلم عتوا، ولكن الحق من روح الله فهو نصيره، والباطل من عمل الشيطان فالخذلان مصيره.
الشوارع يومئذ تزخر بأمواج المتظاهرين الثائرين، الشباب دائماً في الطليعة، الرايات الخضر تتردد خفاقة بين أحضان الريح، الموسيقى تعزف أنشودة (الحرية أو الموت) الصليب والهلال يتعانقان بعد أن محت وحدة الألم ما أقره في الأذهان المريضة صاحب (فرق تسد)، السيدات يلوحن من النوافذ بالمناديل والأعلام، ويهتفن في اتصال وانفعال. . بل إني لألمح فتاة شقراء يلفها العلم الأخضر تتقدم الصفوف، وتهتف في صوت حزين رهيب تخنقة العبرات ونبرات طويلة حلوة (شجرة الحرية تروي بالدماء - في سبيلك يا أماه نستشهد)
لقد كنت تلميذاً صغيراً يومئذ، ولكن اسماً وتاريخاً ما زالا محفورين في قلبي. أما التاريخ فهو ١٩ مارس ١٩١٩ وأما الاسم فهو (مصطفى ماهر أمين) الطالب بالسعيدية!! لقد كان مصطفى يقود الصفوف، وصدى المدافع يصم المسامع، والهول يأخذ على الناس كل طريق، وقد انبثت أسباب الموت في كل مكان، وتقسم الجنود الشوارع ينثرون على الجموع رشاش الهلاك، مصائب بعضها فوق بعض
ولكن مصطفى ماض في عزم، راض في ايمان، يحمل العلم عاليا خفاقاً، ويحتمل الألم راضياً فخوراً، عيناه تشعان نوراً وصدره يلتهب نارا وسعيرا، شفتاه تقذفان شرراً، ووالله ما رده اليأس ولا الخوف، ولا صده العنف ولا الضعف، يسوقه الإيمان ولا تعوقه النيران، يدفعه الإخلاص ولا يمنعه الرصاص: رجل والرجال في الدنيا قليل، وهناك. . . عند
стр. 3090
شجرة الحرية سالت دماء الرجال والرجال في مصر كثير، وفي لهيب المجد تراكم الوقود من الجنود، وعلى مذبح الفداء تزاحمت من الضحايا الوفود.
طلعت الجنود الإنجليزية من إحدى المنعطفات وراحت مناجل الموت تحصد زرع الوطن، والشباب مع ذلك يستبق إلى الحتوف كلما ذاب صف تقدمت صفوف، ثم سقط مصطفى فتدفقت لرفع العلم ألوف. ويلاه! ما أمر الذكرى ولكن ما أحلاها!! لقد رأيت مصطفى قبل أن يسلبه ملك الموت سر الحياة: عيناه تبسمان في رضا وإيمان، الألم يمزق ضلوعه، الدم يدفق من فمه، شفتاه تهمسان بكلمات خافتة، اكبر اليقين أنها تسبيح بمجد الوطن.
ورأيت الضابط الإنجليزي الذي صرعه بمسدسه على خطوات منه، ورآه كذلك مصطفى، فكأن رؤيته له حلت عقدة من لسانه فهتف (فداء الوطن - لتحيى مصر) ثم أغمض مصطفى عينيه ونقل إلى المستشفى حيث استرد الله فيه وديعته.
هذه هي الذكرى التي حطمت أعصابي أمس، وأزجت إلى روحي الحزن، وكلفتني قطرات من الدمع، ولكني رغم كل شيء لم أتمالك أن ابتسمت من خلال الدموع، لأن في مصر رجالا يعرفون كيف يستحب الموت. حين تكون في الموت حياة. . .
لست أشك أن ذكرى مصطفى - أول الشهداء - قد مست من قلوبكم مكامن الحسرة، بل إني لا أغلو إذا قلت إن غير قليل منكم ترجحت في عينه دمعة أو دمعتان وجرت في عروقه هزة عنيفة، بل سأمضي إلى أبعد من هذا، فازعم ان بعضكم سيقاسي الذي قاسيت من سهد وجهد في دفع الأرق!
أيها الناس! اذكروا (مصطفى ماهر أمين) فقد مات لتحيوا! أيها الوطن! اذكره فقد جاد بدمه لتكتب به سطوراً في صفحة الحرية والمجد والخلود، والجود بالنفس أقصى غاية الجود
أيها الخلود! سجل اسمه في سفر الأبطال الخالدين
أيتها الجنة: التي أعدت لمن أحسن عملا. أعدي له مكاناً بين الشهداء والصديقين. . .
وأنت يا رب. أكرم مثواه وابسط عليه جناح رحمتك، فقد مات في الشباب
محمود البكري القلوصناوي
стр. 3091
في الأدب العربي
شوقي
١٣٥١هـ - ١٩٣٢م
للأستاذ عبد العزيز البشري
هو أحمد شوقي بك بن أحمد شوقي بك. ولد بالقاهرة ونشأ فيها. وقد حدث عن نفسه في مقدمة الطبعة الأولى لديوانه (الشوقيات) قال: (سمعت أبي يرد أصلنا إلى الأكراد فالعرب، ويقول إن والده قدم هذه الديار يافعاً يحمل وصاة من أحمد باشا الجزار إلى والي مصر محمد علي باشا. . . فادخله الوالي في معيته، ثم تداولت الأيام، وتعاقب الولاة الفخام. وهو يتقلد المراتب العالية، ويتلقب في المناصب السامية، إلى أن أقامه سيعد باشا أميناً للجمارك المصرية). ثم ذكر طرفاً عن سيرة جده لوالدته إلى أن قال عن نفسه: (أنا إذن عربي، تركي، يوناني، جركسي).
وقد كفلته من المهد جدته لأمه، وكانت في يسر ونعمة، على حين أتلف أبوه ما ورثه عن أبيه. ولقد كانت جدته تيك من وصائف قصر الإمارة في عهد إسماعيل. قال: (حدثتني (يريد جدته) إنها دخلت بي على الخديو إسماعيل، وأنا في الثالثة من عمري، وكان بصري لا ينزل عن السماء من اختلال أعصابه، فطلب الخديو بدرة من الذهب، ثم نثرها على البساط عند قدميه، فوقعت على الذهب اشتغل بجمعه والعب به، فقال لجدتي اصنعي معه مثل هذا فانه لا يلبث أن يعتاد النظر إلى الأرض. قالت هذا دواء لا يخرج إلا من صيدليتك يا مولاي. قال جيئي إلي به متى شئت.
فلما بلغ الأربعة أدخل في مكتب الشيخ صالح، وكانت نشأته في خط الحنفي، وقد جاز بعد ذلك متفوقاً بارعاً مرحلتي التعليمين الابتدائي والثانوي. فلما تقدم إلى مدرسة الحقوق اعتل ناظرها عليه لصغر سنه. على انه دخلها ودرس بها عامين. وكان قد أنشئ فيها قسم للترجمة، فعدل إليه ولبث فيه سنتين أخريين، وأحرز الإجازة النهائية. وألحقه المرحوم الخديو توفيق بمعيته. ثم أشخصه على نفقته إلى فرنسا ليدرس الحقوق والآداب الفرنسية، على أن يقضي عامين في مدينة (منبلييه)، وعامين في باريس. حتى إذا أحرز الشهادة
стр. 3092
النهائية رأى والي الأمر أن يظل في فرنسا ستة أشهر أخرى ففعل، وعاد بعدها إلى مصر، وتولى منصبه في معية الأمين.
وفي سنة ١٨٩٦م ناب عن مصر في مؤتمر المستشرقين الذي عقد في جنيف من أعمال سويسرا.
وما برح شوقي يتدرج في المناصب حتى تولى رياسة القلم الإفرنجي في المعية الخديوية. ولما نشبت الحرب الكبرى أزيل عن منصبه. ثم رؤى له أن يغادر البلاد، فاختار برشلونة من أعمال أسبانيا مثوى له ولأسرته. ولم يؤذن له في العودة إلى مصر إلا بعد أن استقر السلام العالمي.
ولقد رأيت أن أكبر منصب سما إليه شوقي في معية الخديو هو رياسة القلم الإفرنجي، على أن نفوذه وسلطانه لقد تجاوزا شأن هذا المنصب إلى حد بعيد، فلقد نال من الحظوة عند ولي الأمر ما لم ينله من قبل أحد. فكانت داره (كرمة ابن هانئ) مثابة طلاب الحاجات، ومورد المستشفعين من كل ناحية، صغار الناس وكبارهم في هذا بمنزلة سواء. فلقد كانت إشارته حكما، وطاعته عند أكثر الحكام من بعض المغانم
ولقد كانت مصر إلى ذلك العهد تابعة للدولة العثمانية، فكان شوقي كثير الاختلاف إلى الآستانة، فلا يكاد يدخل الصيف من العام إلا وهو على جناح السفر إليها، فلا يلقى من أولياء الأمر هناك إلا الإجلال والنزول في منزل الكرامة. ولقد انتهى إلى الخليفة في إحدى السنين خبر مقدمه فأمر بان يقيم ما أقام هناك ضيفاً على مقام الخلافة. وأنعم عليه بالرتبة الأولى من الصنف الثاني وهو يتقدم بها على بعض من يحملون لقب الباشوية. كما انعم عليه بكبار الأوسمة من الدولة العلية، ومن ألمانيا (قبل الحرب) ومن الدولة السورية.
وكان، رحمه االله، شغفاً بالسياحة في الغرب وفي بلاد الشرق القريب، ولكنه في مؤخرات عمله قصر سياحاته على البلاد السورية واللبنانية، فيلقى من أعيانها وأدبائها أبلغ العطف وأعظم الإكرام.
وفي سنة ١٩٢٧ عقد في مصر مؤتمر لتكريمه اشترك فيه عنق من رجالات مصر وعلمائها وأدبائها، وحضر إليه عدد غير قليل من أعيان الأدباء في الأقطار العربية. وتوجت حفلة التكريم برعاية حضرة صاحب الجلالة مولانا الملك المعظم فؤاد الأول حفظه
стр. 3093
الله لقد عاش شوقي مبجلا عالي الاسم، رفيع المنزلة. فلما قبض إلى رحمة الله تعالى أقامت له وزارة المعارف بالاشتراك مع طائفة من أعيان أهل الفضل والأدب حفلة تأبين دعت إليها كبار العلماء والأدباء في الأقطار العربية. وشرفها جلالة الملك المعظم بنائب عن ذاته الكريمة. وقد أقيمت هذه الحفلة في دار الأوبرا الملكية في شهر ديسمبر من السنة التي قبض فيها.
وبعد، فقد تقلب شوقي من أول نشأته في النعمة، وأصاب ما شاء من متع الحياة، ولو قدر لخلق من الناس أن يدركوا كل مناهم، وأن يبلغوا الحياة مدى أشرها، لكان شوقي من أحد هؤلاء
وإذ قد عرفت هذا فلا يتعاظمنك ما ترى من شيوع الترف في شعره، فلا تقع من تشبيهاته، في غير المآسي، إلا على كل فاخر ثمين
صفاته وأخلاقه
كان شوقي ذكيا وافر الذكاء، حيا جم الحياء، لا يتبسط في الحديث إلا إذا خلا له وجه صديق أو صديقين. ولعل بعض ما حمله على هذا أن طلاقة لسانه لا تكافئ فصاحة قلمه، ولا تواتي مطالب عقله، يكره الدخول في زحمة الناس، وينفر من شهود الحفل الجامع؛ إلا أن ينقبض في ركن من ملهى أو ملعب، وادع النفس، هادئ السعي. لا تراه يعنف، وقل أن يستفزه الغضب. عطوف شديد العطف، رحيم كثير الرحمة. ينفر من ذكر المآسي ويفر من رؤيتها فراراً. على أنه مع هذا قد راض نفسه على الصبر على المكروه، ودربها على الرضا بالقضاء واقعاً حيث وقع. فإذا لحقه المكروه راح بذهنه يستخرج من بعض نواحيه خيراً. فان تعذر عليه استراح في النهاية، إلى أن الله تعالى إنما دفع به ما هو أكره.
وهو دائم الاعتداد بما يعتريه من النعماء، فإذا دقت وصغرت جعل يجلها ويعظم، ولو بالتخييل، من شأنها. وعلى الجملة فان هذا الرجل لو انحدرت عنه كل نعمة لعاش من رضاه في أوسع نعمة. وعلى هذا لقد كان من أقل الناس شكوى من زمانه. ولعل أوجع ما شكى فيه قوله
أحرام على بلابله الدو … ح حلال الطير من كل جنس؟
وهذا قاله وهو منفى من وطنه. ولقد جعل الله النفي من الوطن عديلا للقتل والصلب
стр. 3094
وتقطيع الأطراف. قال جل مجده: (إلا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض). وأي رجل هذا المنفى من وطنه؟ هو الذي يقول في هذا الوطن من القصيدة نفسها:
طني، لو شغلت بالخلد عنه … نازعتني إليه في الخلد نفسي!
ولقد كان شوقي شديد الإيمان بالله تعالى وملائكته ورسله واليوم الآخر والقدر. ولم تحص عليه في هذا الباب زلة لسان أو عثرة قلم، وكان شديد الحنين إلى السيد المسيح صلوات الله عليه، دائم الذكر له في شعره ما واتته المناسبة. يذكره في عطف وشوق ولهفة، وإذا ذكرت ما ركب في طبع هذا الشاعر من الرقة والرحمة والحنو ودعة النفس أدركت الوجه في إيثاره لاسم هذا النبي الكريم بكثرة الإشادة والترديد
على أن شوقي. على شدة إيمانه هذا، كان في شباب السن مستهتراً بلذائذ الدنيا، مسرفاً في الإصابة مما يطيب له منها، لا يتأثم في هذا ولا يتكلف مداراة الناس، فبلغ فيه حداً يشبه الإباحية، ولكنه حين لحقته السن، قصر متعته على شهود (السينما) وحضور مجلس الغناء، وله من بلائه في النضح عن دولة الإسلام وفي مدحه لسيد الأنام أعظم رجاء في كرم العاقبة وحسن الختام ولقد قال في (نهج البردة)
إن جل ذنبي عن الغفران لي أمل … في الله يجعلني في خير معتصم
وهو بعد هذا مفتن بأجمع معاني الكلمة، يكلف بفنه إلى حد الافتتان، بل إنه لا يكاد يرى الرجل كل الرجل يتمثل إلا في الشاعر.
ولا يرى للحياة في جميع صورها غاية إلا قرض الشعر. انظر كيف يقول على لسان إحدى من ينسب بهن:
جاذبتني ثوبي العصى وقالت: … أنتم الناس أيها الشعراء!
ولقد كان إلى هذا شديد التمكن من نفسه حتى ما يرى في الدنيا شاعراً يباريه أو يتعلق بغباره.
شاعريته
لم يطاول شوقي في قرض الشعر ولم يجهد فيه؛ بل لقد جاء به فتى؛ وأطلقته قريحته الغضة عالي المعنى، فخم اللفظ؛ متلاحم النسج، ومدج الخديو توفيقاً وهو لما يزال طالباً
стр. 3095
حدثاً، ونشرت مدائحه يومئذ في (الوقائع المصرية) وارتفعت من قورها إلى ولي الأمر. فدل هذا على أن فيه طبيعة؛ وانه أوتى الموهبة. ثم لقد كشف الزمن عن ان تلك الموهبة من الضرب الرفيع الغالي الذي يضن بنفسه على الأجيال
ولا شك في أن المواهب الفنية لا تعلل. فان حاولت أن ترد هذا إلى أنه قد دخل في أصله العنصر العربي، فهذه ملايين الخلق من خلص العرب، لم يقولوا الشعر ولم تنتضح به ألسنتهم، وأكثر من عالجوه منهم لم يرتفعوا إلى شيء من حظ شوقي، وإن أنت رددته إلى أنه جرى في أعراقه الدم اليوناني، فهذه الملايين من اليونان الخلص لقد تعذرت عليهم ملكة الشعر فلم يجيئوا منه بجيد ولا برديء
نعم، لقد يكون للعنصر وللدم دخل في توجيه شاعرية الشاعر، وتكوين عقليته وفي تصوير منطقه، وتلوين عاطفته، والذهاب بنزعته مذهباً خاصاً. ونحو ذلك. أما أن ذلك مما يخلق الموهبة خلقاً، فهذا مالا يكون.
شعره
تقدم لك في أثناء هذا الكتاب صفة الشعر في العصر الحديث (من الحملة الفرنسية). وكيف كان يغلب عليه الضعف والإسفاف، والدوران في فنون من الأغراض لا غناء فيها لمطالب العاطفة، ولا لحاجات المجتمع. ولقد نجم شوقي أول ما نجم والكثرة الغامرة من جمهرة الشعراء على هذا؛ على أنه من يمن طالعه أن تقدمه إلى قرض الشعر أفذاذ ثلاثة: عبد الله فكري، ومحمود سامي البارودي، وإسماعيل صبري. فدلته الموهبة عليهم، وعدل من فوره إلى احتذائهم، وانتهاج طريقهم في تجويد الشعر باصطفاء اللفظ، وإحكام الصياغة، والاحتفال للمعاني، وعدم استهلاكها في سبيل البديع، صنع أكثر من يقوم في العصر من الشعراء.
ولقد كان في صدر شبابه كلما قرض قصيدة أو نظم مقطوعة من الشعر عرضها على إسماعيل باشا صبري، وهو شاعر قد بلغ الغاية من دقة الذهن، وكمال الذوق، ورهافة الحس، فلا يزال يعالج معه ما عسى أن يقع من قلق في اللفظ، أو انحراف في المعنى، أو نشوز على مواقع الجمال. وتلك كانت سنة كثيرة من الشعراء من قديم الزمان.
وشوقي، فوق هذا، كان شديد الاكباب على قراءة الكتب بوجه عام، وكتب الأدب على وجه
стр. 3096
خاص، ودواوين الشعراء على وجه أخص. ومن أعظم من عنى بقراءة دواوينهم، واستظهار أشعارهم، وانتهاج طرائقهم، ومباراتهم في منازعهم. أبو نواس، وأبو تمام، والبحتري، والمتنبي. وقد نضح أربعتهم على شعره، فكان أثر كل منهم فيه بينا. وإنك لتلمح فيه حلاوة أبي نواس ودقة وصفه، وتصرفه في فنون الغزل، وإشادته بمجالس اللهو، وافتنانه في الخمريات، كما تلمح فيه احتفال أبي تمام للمعاني الرفيعة والارتصاد لإصابتها مهما جشمه ذلك من إعنات اللفظ وجلجلة الصياغة. ولقد تلمح فيه هلهلة البحتري، وإحكام نسجه، وبراعة نظمه. أما أثر المتنبي في شعره ففيما ترى من شيوع الحكمة والإكثار من ضرب المثل
ولا يذهب عنك أن هذا الكلام ليس معناه أن شوقي إنما هو مستعير منهم ومقلد لهم. بل الغرض أنه استظهر أشعارهم فاتصلت بذوقه، وجرت في عروقه، وخالطت طبعه فنضحت على قلمه.
والواقع أنه إذا كانت أشعار هؤلاء الشعراء وغيرهم من العناصر التي دخلت على شاعرية شوقي وجلته في هذه الصورة، فانه مما لا شك فيه أن للرجل شخصيته القوية الخاصة به، والتي ينفرد بها عن سائر من عداه من الشعراء، حتى إنك لو عرضت شعره على أهل البصيرة من نقدة الكلام لما ترددوا في نسبته له وإضافته إليه، شأن غيره من فحول البيان. واعلم ان احتفال الشاعر للمعاني حتى ليقلق الألفاظ في سبيلها لا ينافي اجتماعه في بعض الأحايين لاحكام النسج وتجويد الصياغة. والشاهدة على هذا ما نرى في شعر أبي تمام والبحتري كليهما.
ولا شك أيضاً في أن من العناصر التي دخلت على شعر شوقي فذهبت به هذا المذهب حذقه اللغة االفرنسية، وسعة اطلاعه فيها على أدب الغرب، وترويه عيون بلاغاته. ومن الحق أن يذكر له في هذا المقام، أنه كثيراً ما مس فمن معاني القوم أو لمحها في شعره، ومع هذا لقد جلاها عربية خالصة لا تنشز على الذوق العربي، ولا يجد هو فيها ريح الاستعجام. وإذا ذكرنا أن شوقي من أوائل من ارتصدوا لهذا وعالجوه في العصر الحديث، فجاء به عربياً خالصاً في مثل هذا اليسر، قدرنا بمبلغ كفايته وتبريزه في فنون البيان.
كذلك من العوامل التي لها أثر واضح في شعر شوقي نشأته في بيت الملك، ومقامه في
стр. 3097
بطانة الأمراء وظهارتهم، ودخوله في أدق الأسباب السياسية في مصر، سواء ما اتصل منها بالدولة المحتلة (إنجلترا) أو بالدولة المتبوعة يومئذ (تركيا).
وفي الغاية، لا تنس أثر سياحاته الكثير في بلاد الغرب، وفي بلاد الشرق القريب، ومخالطته لأصناف الخلق، ووقوفه على طباعهم وأخلاقهم ومأثور عاداتهم، وما تجلى من صور الطبيعة في بلادهم، وغير ذلك مما لا يتهيأ لكثير من الشعراء.
وبعد، فمما لا يعتريه الريب أن شوقي يعد بحق، من أعظم أقطاب الشعراء في العالم العربي كله؛ بل إن بعض النقدة ليتخطى به القرون فيصله بأعلام الشعراء في أزكى عصور العربية وأنضرها بياناً
ولقد تصرف شوقي في كل فن، وجال في كل غرض، وأصاب من كل مطلب، فبذ وبرع. وعارض متقدمي الشعراء ومتأخريهم فما قصر ولا تخلف. ولقد ظل جيلا ونصف جيل يرسل غالي الشعر، ما وقع في البلد من حدث إلا جلجل بالقريض، ولا كانت الجلى في رجاً من أرجاء العالم إلا نظم ما تتقطع من دونه علائق الأقلام.
وهنا ينبغي أن يذكر له ولصاحبه حافظ ابراهيم، عليهما رحمة الله، انهما من أوائل من بعثوا الشعر في الأغراض العامة، وخاضوا به في المسائل الاجتماعية، فأغنوا وأجدوا، وأصبح أثرهم في هذا الباب ثابتاً على وجه الزمان.
ومن خصائص شوقي في شعره أنك قد تراه يمدح أو يرثى أو يتصرف في غير هذين الفنين من فنون القريض، ولكنه لا يفتأ ينحرف عما هو بسبيله إلى ضرب مثل أو إجراء حكمة فيها كل النفع لو قد أخذ بها الناس.
وهو طويل النفس جداً حتى لقد يبلغ بالقصيد المائة، وقد ينيف عليها في غير قلق ولا إسفاف. ولقد بلغت قصيدته (كبار الحوادث في وادي النيل) مائتين وتسعين بيتاً أكثرها من مصطفى الشعر ومتخير الكلام.
وله مقطوعات شعرية يرجعها بعض حذاق المغنين اليوم ومن شعره الذي لو تقدم به الزمان لكان حقيقاً بان يتغنى به أمثال إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق قوله من قصيدة (لبنان):
دخل الكنيسة فارتقبت فلم يطل … فأتيت دون طريقه فزحمته
стр. 3098
فازور غضباناً وأعرض نافرا … حال من الغيد الملاح عرفته
فصرفت تلعابى إلى أترابه … وزعمتهن لبانتى فأغرته
فمشى إلي وليس أول جؤزر … وقعت عليه حبائلي فقنصته
قد جاء من سحر الجفون فصادني … وأتيت من سحر البيان فصدته
لما ظفرت به على حرم الهدى … لابن البتول وللصلاة وهبته
وديوان شوقي ﵀ يقع في أربعة أجزاء، طبع منها اثنان. وله غيره من الشعر كتاب (عظماء الإسلام)، وكشكول جامع لقصائد لم تنشر، وقصائد سهلة للأطفال والأغاني، وربما استغرق هذا الكشكول ثلاثة أجزاء. وله في النثر كتاب (اسواق الذهب) جارى فيه الزمخشري ﵀ في كتابه (أطواق الذهب) وله روايات شعرية وهي: على بك الكبير، وكيلوبترا، ومجنون ليلى، وقمبيز، وعنترة، وله روايات أخرى نثرية منها: لا دياس، وورقة الآس، ومذكرات بنتاؤر، وأميرة الاندلس. ومن هذا تدرك مبلغ إنتاج الرجل وسخاء ذهنه من يوم نجم إلى أن أدركته الوفاة.
стр. 3099
من طرائف الشعر
إلى الشتاء
للأستاذ محمود الخفيف
أيها الراحل العنيد وداعا … قد سئمناك من زمان بعيد
كم تظاهرت بالرحيل خداعا … فظننا خطاك تمضى تباعا
فإذا أنت مقبل من جديد!
طال شوقي إلى الربيع فهيا … يا شتاء حويت كل عجيب
مذ تراأيت مكفرا عتيا … تنذر الناس بكرة وعشيا
بضحى شاحب وليل كئيب!
حين أقبلت يا شتاء علينا … في بنود من السحائب سود
جئت قبل الأوان تسعى إلينا … وتوغلت في الربوع لدينا
بين دمع الحيا وضحك الرعود
هازئا بالغصون ألقيت حلاها … وتعرت على امتداد الضفاف
ولَّه الطير عريها فتراها … نازحات تغربت عن حماها
في فروع الكروم والصفصاف
وترى كل جدول أو غدير … ناضب القاع بعد طول امتلاء
يشتكي الجدب في زمان مطير … ويطيل السكوت بعد خرير
قبل لقياك كان حلو الغناء
شبح أنت يا شتاء مخيف … ماثل الطيف دائماً في خيالي
قارس البرد زمهرير شفيف … عاصف أينما حللت عنيف
هيكل قدّ من سواد الليالي
لست أنساك حين لحت عشاء … فوق كوخ تناوبته الرياح
لم يجد ساكنوه منك وقاء … فتراهم أذلة أشقياء
ما دجا الليل أو تراءى الصباح
لست أنساك إذ تمثلت يوما … شبحا لاح في زوايا الطريق
стр. 3100
أورئته الحياة بؤساوهما … شاحب الوجه زاده الجوع سقما
ناحل الجسم في كساء عتيق
أنت كالدهر قُلَّبِيٌّ كذوب … لا يروق العيون منك صفاء
هادئ تارة وطورا غضوب … يعقب البشر ان صحوت قطوب
مثلما يعقب النعيم شقاء
أيها المُؤْذِني بليل رهيب … وصباح مجلل بسواد
ونهار هامي الدموع كئيب … لست أقسى إساءة من حبيب
لج في الصد بعد طول وداد
يا شتاء شيعته في جفاء … لست أقسى من الجهول الظلوم
لست أقسى عداوة من مراء … أو جحود فؤاده من عداء
مشرب اللون من سواد الغيوم
стр. 3101
الجندي القديم
للأستاذ فخري أبو السعود
لقد كان يوما شديد الأياد … رشيق القوام نضير الصِّبا
يقضِّى مع الصحب ساعَ السرور … وينهب والغيدَ صَفوَ الهوى
وتحلو أحاديثه للرفاق … إذا جمعتهم كؤوس الطلى
فَنَبَّهَهُ ذات يوم نداءٌ … إلى الحرب يدعو فلبَّى النِّدا
لِيحمى أوطانه في الحماةِ … ويدرأ كيد عدوِّ طغى
ويَدفَعَ عن أرضه فهي كهف … الحضارة طرَّا ومأوى العلا
ويقتحم الموت من أجلها … ويَلقى الحديد ويَصلى اللظى
ويأخذ بين الصفوف مكان … الأُلَى طحنتهم تروسُ الرحى
فقاسى أذلاها وأهوالها … ودافع ما شاء أو لم يَشا
وصادف في كل يومِ حماماً … وذاق من الخوف ألْفَىْ رَدَى
فإذ كادت الحرب أن تنجلى … ويَطرِحَ الجند ذاك العنَا
وآن له أن يعود قريراً … لأوطانه بعد طول النوى
أُتيح له قاذفٌ فرماه … بمارج نارٍ إليه هوى
فطاح بساق له بعد ما … تراءى قريباً بعيد المنى
ولم يَدرِ ثَمَّتَ مَنْ ذا رماه … ولم يدر واتِرُهُ مَن رمى
وأيَّ فؤادٍ دَهى فأثارَ … به الحسراتِ طِوالَ المدى
وما اجتمعا قبلها في مكان … ولا التقيا بعد ذاك اللقا
ولكنها محن ثَمَّ تهوى … على خائضيها هُوِىّ القضا
فآب بساقٍ إلى قومه … وقد غُيِّبَتْ أختها في الثرى
فقلده الحاكمون وساما … وأثنوا عليه جزيل الثنا
وقالوا افتدَى وطناً غاليا … بِعضوٍ ثمين فنعم الفدى
وأجرَوْا عليه الكفاف جزاءً … على ما سعى وعلى ما جنى
وعاد إلى داره مفردا … يقَضِّي الحياة إلى المنتهى
стр. 3102
ذوى عوده وانحنى رأسه … وجلل فوديه شيبٌ بدا
بجانب موقده يصطلى … بياضَ النهارِ وشِطْرَ الدجى
وحيداً فبالصحب عنه اشتغال … بِرَوْم الصفاء ونَشْدِ الغنى
يدخن مسترسلا في الخيال … ومستغرقا في قديم الرُّؤَى
ويَذْكرُ وسْطَ دُخَانِ الطباق … دُخَانَ الحروبِ ونارَ الوغى
وكيف ألمَّتْ به الغاشياتُ … فخاض دُجاها وكان الفتى
وكم كرَّ بين صفوف العدوِّ … فأوْقعَ في القومِ ثم انثنى
ويروى وقائعه الرائعات … لأَيٍّ أصابَ وأيِّ رأى
ويسردهن عليه مراراً … وهيهات يسأم مما روى
ويسردهن على نفسه … إذا هو لم يلق سمعا وعى
فان راح يبغي الرياضة يوماً … ويبعث بالسير مَيْتَ القوى
فصاحبه كلبه في المسير … وعكازتاه بحيث مضى
стр. 3103
آذار أمي
للأستاذ زكي المحاسني
أستاذ الآداب العربية بتجهيزية دمشق ودار المعلمين
الورد لا وردي ولا زهري … زهر الربيع الفائح النَّشْر
غنيت والأحزان مائجة … تهتاج مثل البحر في صدري
أهل الهوى قاموا لنزهتهم … دوني وهم يدرون ما عذري
وأتيت مهدوماً منهنهة … عيني بكاً ودنوت من قبر
فنثرت أساً فوقه وهمي … دمعي على أوراقه الخُضر
أمي بهذا القبر هادئة … وأنا فُجعت بها على الدهر
مَثَّلتُ آذاراً لا نعته … بالشعر فاستعصى على الشعر
فوصفته بالوهم أهمسُه … معنى أدقَّ كلمعة الفكر
ناجيت فيه الريح صافرة … والغصن منعطفاً على النهر
ورأيت في غلوائه أسفاً … كم يزهد الإنسان أو يغري
وأصخت للأطيار فاندفعت … كفى على قارورة الخمر
أسكرت آلامي لأسكنها … يا ليت لا تصحو من السكر
شرْخ الشباب حملت رائقة … وغداً يسير بمهيع العمر
هو مثل آذار على سَفرِ … لكن بلا عَوْد من السَّفر
آذار سرُّ الحب في يده … أفضى به في مطلع الزهر
стр. 3104
حب جديد
قفوا دون هذا الحب لا تتركوا له … سبيلا إلى نفسي فإني مغلق
فقد أوصدت قلبي هموم تجمعت … على دورة الأيام لا تتفرق
رأيت الهوى يسعى بوجه مخادع … ويلقى شباكا علني أتعلق
يلوِّح باللذات تلويح غادر … وما أعجب اللذات: تسقى وتحرق!
ففيها حياة عذبة، ثم مرة … مقيدة يوما وفي الغد تطلق
ويرقص فيها الموت رقصا مروعا … وينهل منها الخير، والشر يورق
يطل عليها الشعر بالوحى من عل … ويرتع فيها الفحش يشدو وينعق
ويحنى لها الدهر المراوغ هامه … وفي مقلتيه بسمة تتألق
فقلت له: عني! وحسبي ما مضى … وحسبك أنى هيكل متمزق
ملكت جناني مرة بعد مرة … فكنت شبابي تستبيح وتسحق
ولم الق إلا ذلة ومهانة … ولم تك تصغى للشكاة وتشفق
فدعني إلى من لم يكابدك عمره … فلن يفتن التجريب حسن مزوق
باريس
حسن عارف
стр. 3105
قلبي!
كان كالخيمة في أعلى الجبل … كل ريح بالهوى مرت عليها
وإذا هبت لها ريح الأمل … مرةً لم تنعطف يوماً إليها
وأنا في جوفها أقضي الحياه … حائرا ما بين يأس ورجاء
كلما افترَّت من الريح شفاه … خفت أن يقضى علينا بالفناء
وانقضى في خيمتي عهد الصِّبى … ناعماً بين أمانٍ ووعود
تتهادى فوقها ريح الصَّبا … في حنان مثل أنفاس الوليد
كلما مرت بها تلك الرياح … قبَّلتها قبلة الأم الحنون
فتُرى كالطير يهفو بالجناح … بعض حين ثم يغشاها السكون
قلت يا بشراي لَو مر الشباب … مثلما مر الصِّبى حلو المصير
فإذا أيامه بحر عبُاب … ثائر اللجة مرهوب العبور!
وأتى في عهده يوم عصيب … كالح الوجه كأشباح الكهوف
طالع الناس بإنذار رهيب … فقضوه هربا تحت السقوف
وأنا في خيمتي نهب الشجن … قلق الأحشاء كالطير الذبيح
مرغم! مالي سواها من سكن … تفزع النفس له أو تستريح
وجميع الكون حولي مُغرَقٌ … في سكون ليس يدري شاطئيه
وظلام الكون جهمٌ مطبقٌ … عمى الناظر فيه عن يديه
وإذا ريح على البعد تثور … في جنون يملأ الجو دويا
ألهبت قلبي بسوط كالسعير … ثم ألقته أباديدَ عليا
ويح للقلب الذي كان صبيا … يستقى في الحب كأس الأمل
خانه الحبُّ فأراده فتيا … ليت شعري من ترى يحييه لي؟
فريد عين شوكة
стр. 3106
في الأدب الألماني
الشاعر نوفاليس
١٧٧٢ - ١٨٠١
للأستاذ خليل هنداوي
غالى قوم في نعتهم (نوفاليس) بنبي المدرسة الرومانتيكية الألمانية، وقد كان لنوفاليس تأثير واضح في تشييد دعائم هذه المدرسة في عصر كان الأدب الألماني فيه حائراً تتهاداه السبل، وتتقاذفه الشكوك. ولكن هذا التأثير لا يجعل من نوفاليس نبياً قدسي الآيات، ولعله كاد أن يكون نبياً وفوق النبي لهذه المدرسة، ولو لم يقتطف الموت زهرة صباه عاجلا قبيل أن تتفتق، لكن قلبه النضير، قلبه الشاب استطاع أن يسبح في عوالم الشعر. ويعود - بعد طوافه - غنياً بما جمع والتقط وكثير ما هم النبغاء الذين تنبغ قلوبهم قبل ان تنبغ أعمارهم، ويفيض عبيرهم قبل أن تتفتح أزهارهم، ويمضون سراعاً وهم في مقتبل العمر، وقد تركوا وراءهم دوياً لا ينسى ابد الدهر، شأن شيللي وكيتس ونوفاليس. لكل نابغة - في مقبل عمره - مثال من النوابغ المعجب بهم، يتأثر به ويتشيع له ويترسم خطواته. وكان (شيللر) مثل (نوفاليس) الأسمى، كان مثله في البراعة والعظمة والكمال. وشيللر هو الذي أحيا في نفسه هذه الميول، ودفع به إلى الحياة الشعرية،
خبت في نفسه هذه الميول، ثم ما لبثت أن هبت ثانية على أثر مطالعته كتب (ويلهلم مستر) وعكوفه على هذه الكتب يتلوها تلاوة وجد وهيام، فطبعت في نفسه لحناً رومانتيكياً وولدت عنده حقائق عميقة محاطة بالرموز، ولكن هذه الميول ظلت هامدة ساكنة لا يقوي شيء على إظهارها، حتى عرضت لعينيه غادة أحلامه متمثلة في (صوفيا الصغيرة) التي لا تتجاوز الاثني عشر ربيعاً. فخطبها فكان له ذلك، ولكن القدر كان قاسياً، فانتاب الفتاة داء لم يمهلها إلا قليلاً، فتيقظت ميوله واهتاجت عواطفه، وبكاها ما شاء له البكاء، ينظم فيها الشعر ويجعلها مثله الأعلى في الوجود. ويعتقد أنها حية في نفسه لم ينهبها موت، وإنما الميت هو نفسه، وأنها سبقته إلى ذلك العالم تدعوه إليها. فيسأل: (هل في استطاعة الإرادة البشرية التي تحول وتبدل ما تشاء في هذا العالم أن تجوز أبواب الأبدية؟. .
стр. 3107
ويقول: (أود أن أموت، لا موت ذلك الكائن البالي الذي عافته الطبيعة، أود أن أموت كالعصفور المتنقل الذي يسعى وراء أقطار جديدة، أو أن أموت فرحاً كالشعر الفني) وبهذه العاطفة التي تجعل تشاؤمه مضيئاً كتب (أغانيه لليل) بأسلوب شعري منثور، لم ينقصه الوزن شيئاً من روعة معانيه، ولم يضع نثره من العاطفة الشعرية. يغلب على أغانيه شيء من الطرب القائم، يناضل به صاحبه الشقاء. هذا هو الطرب الذي خفف من شقائه، وهذه هي الفتوة التي كانت تزين له الأحلام وتنقله من حياته هذه إلى حياة اكثر سعادة وأحسن أملا.
أراد (نوفاليس) أن يطرق عالم الفلسفة فغلب عليه خياله، وتبدو في كتابه (الأغاني) و (الدفتر اليومي) فكرته التي تدور حولها فلسفته، وهذه الفكرة يريد من ورائها ان يفرض سلطة الروح بدون واسطة على المادة وعلى الاشياء، كما هو الحال في العلم الذي يسيطر عليها، وهذه الفكرة هي (علم السحر) ويعتقد أن إزاء فن المنطق الذي يعتمد على الأقيسة العقلية والبراهين الفكرية فناً هو أسمى منه، يدعوه (عالم الوهم) وهذا الفن هو أن نعرف كيف نستنتج بصورة نفسية فنا نعمل به على تحقيق أحلامنا وأوهامنا، وغير مغنيك شيئاً أن تسأل (نوفاليس) عما ينتج من هذا الفن من فائدة، فانه يطلب إليك إزاء إلحاحك الكثير أن تغادره سعيداً في أقطار أوهامه وأخيلته، وهذا المعتقد الفلسفي قد أثر تأثيراً واضحاً في روحه الشعرية، وما كانت هذه الروح إلا أثراً من آثار هذا المعتقد الذي يشيع في كل جوانب نفسه، فيحس في نفسه ميولا عميقة لا تقل غموضاً عن جوهرنا الذاتي، لا أسماء لها ولا القبض عليها بمستطاع، فيوجب على الشعر أن يوقظ فينا مثل هذه الميول، لأن الشعر هو لسان باطني، وتعبير تحدث به النفس ذاتها، وعليها أن تنفر كثيراً من الصيغ الواضحة كل الوضوح لأن كل وضوح وكل حد تحمل عليه النفس يحدد آفاق النفس التي يجب ألا تحد.
الموسيقى هي الفن الأول، والشعر هو أولى الفنون كلها بالتقرب من فن العزف والضرب على الأوتار، وكما أن الشعر يهتك الأستار ويهبط علينا بالأسرار، فالموسيقى تحمل إلينا معاني الطبيعة الخفية المستورة وتعبر لنا عن نفس الطبيعة، ونفس الطبيعة عنده هي الشيء الغريب، والشاعر هو الذي يعطل فينا ملاحظتنا العادية للاشياء، ويرينا الخليقة كما
стр. 3108
تبدو للأنظار في الوهلة الاولى، هو يعجبنا ويذهلنا وهو بعد ذلك عندليب مترنم.
هذا هو مذهب (نوفاليس) في الشعر أعلنه يوم كانت المدرسة الرومانتيكية في بدء عهدها. وعده بعض أنصار هذه المدرسة نبياً للمدرسة، على ان هذا المذهب الذي جاء به لو حلله النقاد وعمل على مقارنته بالمذاهب الرمزي لرأى أنه أدنى إلى الرمز منه إلى المذهب الرومانتيكي، لأن صاحبه رمزي وأكثر تمسكاً بالرموز من أصحابها بها. ولكن ذلك الجيل كان يجهل بواعث الرموز، وفلسفة ذلك الجيل لم تصل إلى تقرير المشاعر الباطنية في النفس تقريراً علمياً. فلم ير ذلك الجيل إلا أن يحشره مع المدرسة االرومانتيكية، وإن لم يكن منها.
أليس نوفاليس هو الذي يعلن أن هنالك ميولا خفية لا تسمى هي ما يجب على الشاعر أن يوقظها ويخرجها بلغة لا يفسدها الوضوح، وهذا المذهب نفسه هو الذي إلى (الرمزيون) على أنفسهم أن يظهروه. وجعلوا أصحابه أصحاب مدرسة جديدة في الشعر. ولم ينس نوفاليس تأثير الموسيقى في الشعر، فأوجب على الشاعر أن يكون نظمه وإيقاعه للألفاظ إيقاعاً موسيقياً، لأن الموسيقى لغة النفس
ولكن تلك الفاجعة التي نزلت به في مطلع صباه، جعلت منه شاعراً متألما يتغنى بألمه، ويأبى أن يظهر والألم غالب عليه فيضحك للألم ويطرب للشقاء، ويرشف دموعه ناعما كما يرشف الطائر الظمآن دماءه، وفي هذه المجالي تسمع نفسه تشكو وصدره يزفر، وترى عينيه محدقتين في العالم الموهوم الذي تصوره وشاء أن يسكنه
روح (نوفاليس) الرومانتيكية تبدو في رواياته التي كتبها لنفسه، لأنه لم يستطع أن يدخل إلى العالم ويعاشر سكانه ويعرف أهواءهم، لأنه شاعر غني يريد أن يوزع ما لديه بعد أن ضاقت جوانب نفسه بكنوزها، هو لا يأخذ ولكنه يعطي. وهكذا نرى (نوفاليس) شاعراً في رواياته، شأنه أن يجود وأن يعطى. .
وضح مذهبه الشعري جليا في روايته (هنري دوفتر ينجين) التي جاءت ناطقة عن نفسه. نوفاليس الذي فقد (صوفيا) وهام بعدها هيام الجنون، قد وجدها مرة ثانية حية في (جوليا) فأحب هذه وكأنه يحب صوفيا، وخطبها كأنه يخطب صوفيا فأطفأ هذا الحب الجديد كل ما لقي من كآبة وسأم. وأخذ يستقبل الحياة بقلب يخفق مرحا. ويشيع عهده الأول ليدخل في
стр. 3109
عهد ثان طافح بالأمل والرجاء.
بدأ يكتب روايته هذه، ولكن القدر لم يشأ له أن يكملها. فألف جزأها الأول، وترك بعده مقطوعات منثورة قد تتم معنى روايته وتظهر الغاية التي سلك إليها. يبدأ جزؤها الأول بحلم وينتهي بقصة، وكلا الحلم والقصة جزءان متلائمان منتظمان يعبران عن نفسية البطل (وبطل القصة) خلق شاعراً، ونشأ تحت رعاية والديه، يقضي وقته متأملا متنقلا في مروج الخيال. دون أن تحول حوائل بينه وبين ما يصبو إليه.
رأى في حلمه الزهرة الزرقاء، وهي مثل حياته الأعلى، ورأى انه إذا أرادها لنفسه، فمن الواجب عليه أن يهجر وطنه، ويسيح في أقطار الأرض وبقاع العالم. فأطاع هذا الهاتف النفساني، وسار في الأرض يتأمل في أقطار تقع عليها عيناه. وفي طريقه التقى بالساحر الشاعر (. . .) وهو الذي ألقى عليه بعض فصول ممتعة في الفن، وأفهمه مخاطر الهيام، وأدلى إليه بفائدة التأمل والتمحيص. وكان لهذا الشاعر الساحر ابنة جميلة، ما أن وقع عليها نظر هذا الهائم حتى جن بها، واعتقد أنها هي (الزهرة الزرقاء) التي وجدها في حلمه. فشغف بها شغفاً شديداً، ولكن المنية داهمتها فقضت نحبها - وهذه الجميلة لم تكن إلا (صوفيا) محبوبة نوفاليس الأولى - ثم واصل الشاعر الفتى سياحاته في الأرض، ما زاده موتها إلا كلفاً وهياماً
ثم تأتي أجزاء الرواية المنثورة فنفهم منها أن البطل سيعرج على إيطاليا ويعرج على اليونان، ثم يسيح في بلاد المشرق. ثم يجتمع بالشاعر الساحر، فتقوم - هنالك - مجادله شعرية فنية ثم يتعرف الشاعر الفتى إلى فتاة تمثل (الزهرة الزرقاء) وتحل محل الأولى - وهذه الجميلة الثانية هي (جوليا) محبوبة نوفاليس الثانية. - فتجدد له حياة زاهية الألوان. وتبنى له من الأرض الغبراء سماء ساطعة الأضواء. فيرى الشاعر في وجهها وجه الأولى، وهما متحدان مقترنان في وجه واحد سام كامل، وهكذا تنتهي سياحة الشاعر.
والشاعر بعد أن ساح في أقطار الارض، وبعد أن تعرف إلى صور كل شيء، لم يبق له وراء ذلك لا أن يطوي نفسه، ويدخل إلى عالم نفسه - كما يقول نوفاليس في إحدى مقطوعاته - (ألا إن كل شيء يقودني إلى نفسي!) وهذه هي الفكرة التي بنى عليها نوفاليس روايته.
стр. 3110
فالرواية لا تتخذ لها أجواء إلا أجواء النفس، وهي ضعيفة بحقيقتها واسعة بخيالها، تمتزج خيال الشاعر ولا تلائم حقيقة الفيلسوف. قد اجتمع فيها كل ألم الشاعر وآماله. وكل ما اعتقد ويعتقد من قواعد في الشعر والفن. وهذه الرواية هي أدنى إلى القصيدة الشعرية منها إلى القصة التي تعتمد على الألوان الخارجية. وهي قصيدة طويلة عميقة الخيال، بعيدة الغور، تصل إلى أعماق الباطن والنفس، يظهر فيها نوفاليس الشاعر وراء الشخصية المبهمة التي تلبس بها. تلك الشخصية التي تستفزها الأحلام وتهيجها الآمال وتفهم الجمال الكلي الذي لا يموت بموت الملامح.
روح وادعة تنظر إلى الوجود بعين الأمل والرضا، يريد صاحبها ان يحمل شقاءه كصديق، ولا يريد أن يوليه مملكة قلبه وعقله كالغالب يعيث فيها فساداً. لأنه يرى نفسه مرتاحة بهذا النزر من الشقاء قال عنه (فردريك شيلجل) (وكان لا يجد أثراً للسوء والشر في الوجود، وكان يعتقد أن كل شيء يستعد ليدخل في حياة ذهبية) ونوفاليس يقول عن نفسه (انو الطبيعة حبتني هذه النعمة، نعمة النظر إلى سمائها ولألائها بعين المرح والسرور) وهذه الكلمة تبدي لنا الحساس (نوفاليس) العميق في الطبيعة، وتفهمه لدقائق أشيائها. هو إحساس لا تغلب عليه العاطفة الهوجاء. ولا تصدمه الحقيقة السائدة في الوجود، وكيف نريد أن نقيد أو نحدد إحساسه وهو الذي آمن بالأحلام ليستطيع أن يكيف الطبيعة كما تبتغي أحلامه. . وهو يبغي أن يحيا في الطبيعة كما يريد لا كما تريد هي. .! ولكن هذا المرح لم يكن مرحاً هائجاً ثائراً، بل كان مرحاً ساكناً هادئاً، يتمشى بين ثناياه ألم عميق إذا تعمق الناقد في باطنه تبينت له تلك السحابة القائمة، وتلك الظلمة الفاحمة. وقد تكون سحابة قاتمة لكنها موشاة بألوان الشفق الوردي: يبدو احمرارها للعين ويتوارى سوادها. وقد تكون ظلمة فاحمة ولكن أشعة قمر مستور يغمرها بشعاع باهت ينيرها ولكن لا يظهرها.
هذا هو (نوفاليس) الذي غادر الوجود ولما يبلغ التاسعة والعشرين، قد غالى قوم في تقديسه حتى نعتوه (بنبي المدرسة الرومانتيكية). وغالى قوم في بخسهم قيمته، فقالوا ان فنه هو مجموعة أحلام صبيانة. والناقد الحق هو الذي لا يغالي في الأمرين. ينظر إلى الأولين فيدرك أنهم أرادوا لو انفسح عمر الشاعر لكان منه ذلك النبي المزعوم. وينظر إلى الآخرين فيدرك أن مقاييسهم كانت قاسية، تريد من الشعر مالا يريد الشعر من نفسه، فيقف
стр. 3111
بينهما موقفا وسطا ويقول: كان نوفاليس شاعراً تلاه ناس، وسوف يتلوه ناس، لأنه كان شاعر النفس والعاطفة العميقة والأحلام والرموز.
وهنالك - العدوى الفلسفية - وهي اشد سرياناً في الفلسفة منها في الأدب، فان جل البارزين واللامعين في العصر الحاضر إذا حككت مذاهبهم قليلا رأيت فيها كثيرا من مذهب أساتذتهم اللامعين - في العصر الماضي - فمثل هذه القربى يجب ان تظهر وان تحلل، لأن قرابة الفلسفة قرابة جامعة بين الفلاسفة هي أشمل من قرابة الأدب بين الأدباء.
هذه كلمة يتقبلها الأستاذ الأديب ممن لا يحمل له إلا المحبة والإخلاص
دير الزور
خليل هنداوي
стр. 3112
إلى الأستاذ زكي نجيب محمود
آخذ الرسالة بيدي، وأفتح عيني على أسماء كتابها، فأفرح كلما وقعت على اسم قام بيني وبينه شيء من التفاهم الروحي، وهذا التفاهم هو الذي يدفعني - في كل رسالة - إلى النظر لهذا الاسم، والتحري عنه بين الأسماء. فإذا لم أجده غلب على نفسي شيء من المرارة، لأنني أحببت هذا الاسم وأحب أن أراه في كل رسالة.
بين هذه الأسماء - اسم الأستاذ زكي نجيب محمود - الذي خص الرسالة بصفحات لامعة من تاريخ الفلسفة الفكرية، وقرب كثيراً من أبعادها، وحلل كثيراً من مذاهب أصحابها. وهذه المقالات سدت فراغاً كبيراً في الأدب العربي، وعرفت أهله بأقطاب الفلسفة الغربية بصور واضحة بليغة، هي أوجز ما تكون سطوراً، وأملأ ما تكون أفكاراً.
هذا الاسم أطرب له، وأهفو إليه كلما وقعت عليه، ويستولي على شيء من الخيبة إذا لم أجده بين الأسماء. لأنه أصبح عزيزاً عليّ، لا أريد ان يغيب عني، مهما كانت عوامل هذا الغياب.
إنني أعجبت - بمقالاته الفلسفية - كما أعجب بها كثيرون، وقد رأيت أن هذه المقالات قد تكون أكثر فائدة لو كان يربط ما بينها وحدة متماسكة متراصة، وأريد من وراء ذلك أن يدرس الكاتب العصور الفلسفية دراسة تنتظم فيها دراسة الأشخاص والأفكار والأيام والعصور - أدبية كانت أو فلسفية - لها تأثيرها في الأشخاص كما لها تأثيرها في المذاهب، وخير حل لهذه النقطة - والأمر أمر الكاتب - أن يبدأ بدرس الحركة الفلسفية من بدء نهضتها وثورتها ويأتي على أصحابها ويصف تأثيرهم وتأثير مذاهبهم في التطور الفكري، مع شيء من المقارنة بين المذاهب المتباينة، ومثل هذا الدرس يجعل - للمقالات - وحدة يفتقر إليها من ود أن يقف وقوفاً تاماً على تطور الحركة الفلسفية عند الغربيين، وهذه الوحدة هي لازمة - في اعتقادي - وقد تكون الزم من الوحدة في الأدب لان الأدب الحاضر يستطيع أن يحيا إذا قطع كل أواصره مع الأدب القديم، ولكن الفلسفة - ومسائلها الحاضرة هي ذات مسائلها الماضية - يخطئ من يريد أن يتفهم تطورها الحديث قبل ان يقف على تطورها القديم.
стр. 3113
العُلوم
ملاءمة الكائنات الحية لبيئاتها
للأستاذ احمد عبد اللطيف النيال
مدرس النبات بكلية العلوم
تختلف الحيوانات والنباتات بالنسبة لبعضها اختلافا عظيما حسب المناطق والأجواء التي تعودت الحياة فيها. فكل كائن نشأ في بقعة اعتاد هو وأسلافه عليها وتدرع لها بخواص تكفل له المعيشة في تلك البقعة على أصلح حال ممكنة.
يعتقد أغلب العلماء الطبيعيين أن الكائنات الحية جميعها نشأت من اصل واحد وفي بيئة واحدة هي الماء. وهذا الكائن الأولى يسهل علية تهيئة نفسه للمعيشة في أي وسط يوجد فيه. تكاثر هذا الكائن ولما أن ضاقت به بيئته نزح إلى غيرها طلباً للمعيشة والغذاء. فلكي ينجح وينمو ويتكاثر لابد له أن يتأهب ويحور نفسه بطرق توافق بيئته الجديدة , استمر هذا الانتقال تدريجياً أعني من وسط مائي صرف (ويغلب أن يكون ذلك الوسط بحراً) إلى نصف مائي ثم إلى أرضي، ومن هذا إلى المياه العذبة والى الهواء. ومن المحقق أن هذا الانتقال قد تدرج على كر العصور والأحقاب في ملايين السنين. وفي أثناء هذا الصراع في سبيل الحياة كانت تنقرض هذه الكائنات التي جمدت أمام بيئتها الجديدة، وعجزت عن الملاءمة بين تركيبها وما يحيط بها - على حين نجح غيرها تدريجياً، وتشعبت أفرعه التي انتشرت في أنحاء المعمورة، وباين بعضها بعضا تبايناً عظيماً وفقدت كل شبه لأصلها ولأقاربها. ويمكن تقدير مدى نجاح الكائن الحي وسعة انتشاره بقدرته على الملائمة بينه وبين الوسط الذي يحتويه.
وقد اجتهد النبات في تكوين غذائه بنفسه واتخذ الأرض أصلا ثبت فيها والهواء وسطا تفرع فيه. ولكي يقوم بكل عمليات الحياة ولوازمها اختص كل جزء منه للقيام بوظيفة خاصة. إذ ضربت جذوره في الأرض لمسافات مختلفة وارتفع ساقه في الهواء لحمل أفرعه حيث تنوعت كذلك لحمل الأوراق التي تفرطحت وتركزت فيها مادته الخضرية لتمكنه من الحصول على أكثر كمية مناسبة من الأشعة الضوئية ومن الغازات الجوية.
стр. 3114
ولكي يقوى على حمل ذلك الحجم العظيم تكون له هيكل داخلي (الخشب) ليحفظ قوامه من فعل الرياح
أما الحيوان فقد سلك طريقاً آخر لم يجتهد في تحوير نفسه لتكوين غذائه (ولربما اجتهد ولم يفلح) ولكنه طمح إلى أخذه قهراً ممن هو قادر على تكوينه وهو النبات فتركز جسمه ليشغل حجاً صغيراً يمكنه من الوصول إلى غايته وتحورت أجزاؤه إلى أعضاء للحركة تمكنه من الانتقال من مكان إلى آخر. وتناسبت أعضاؤه الداخلية لكل هذه التحورات حتى تقوم بأصلح ما يمكنها القيام به
وتحورات النبات عديدة جداً شملت كل عضو من أعضائه ولكني سأقتصر على ذكر أهمها بالأجمال
نشاهد النباتات التي تعيش على الأرض تختلف عن مثيلتها التي تعيش في الماء، ونسمي الأولى أرضية والثانية مائية، والنباتات الأرضية تختلف باختلاف أنواع الأراضي التي تنبت فيها، فمن صحراوية إلى صخرية إلى تلك التي تنبت في أرض خصبة. ثم إن نباتات المناطق الحارة تختلف عن نباتات المناطق المعتدلة
فنباتات الصحراء مثلا كونت لها جذوراً امتدت امتدادا عظيماً حتى يمكنها أن تجمع ما يلزمها من الماء والغذاء. وضمرت أفرعها وأوراقها لتقتصد بقدر الإمكان ما تفقده من الإسراف في ماء النتح ولقد تحصن بعض النباتات الصحراوية بشكل آخر إذ كون له مخازن مائية يملؤها وقت الكثرة ليتصرف فيها حين الضرورة والقلة، وعلى العكس من ذلك تحورت النباتات المائية لأنها محاطة بغذائها فاضمحلت جذورها لعدم الحاجة إليها وتكاثرت أفرعها على قدر غذائها، وتوسطت بين هذين - النباتات التي تعيش في الأراضي الخصبة إذ تناسبت أجزاؤها امتداداً وترفعاً
أما تأثير الأجواء فله أهمية عظمى في تكييف النبات جملة وأعضائه خاصة. ولقد كان انقلاب الجو وتغييره في الأزمان الغابرة سبباً من أسباب انقراض الكثير من النبات كما كان سبباً في تكاثر بعضها الآخر
سلك الحيوان مسلك النبات وتبعه أينما حل وانتشر في مختلف البقاع وتكيف حسب بيئته. وأهم أعضائه التي تأثرت أعضاء التنفس والحركة. فأعضاء التنفس يمكننا القول إجمالا
стр. 3115
أنها اتخذت نوعين رئيسين لبيئتين متباينتين هما: الماء والهواء، فالحيوانات التي تعيش في الماء كالأسماك تتنفس بواسطة الخياشيم التي تستخرج غاز التنفس من الماء. والتي تعيش على الأرض أو في الهواء تتنفس بواسطة الرئة، والحيوانات البرمائية كالضفادع جمعت بين هذين العضوين (الخياشيم والرئة) فتستعمل الخياشيم في أطوارها الأولى والرئة بقية حياتها
أما أعضاء الحركة فقد تحورت كذلك حسب حاجة الحيوان، فما عاش في الماء تفرطحت أرجله فصارت كالزعانف يستعملها للسباحة ولموازنة جسمه، وتفرطح ذيله كذلك ليستعمله دفةلحركته كالأسماك والحوت. ومن الحيوانات التي عاشت على سطح الارض ما تعود الجري فاستطالت أقدامه وقويت عضلاتها. ومنها ما كانت طبيعته الوثب فتستطيل خلفيتاه فقط. وما اعتاد الحفر قويت أماميتاه، والحيوانات التي عاشت وسط الأشجار كالقردة استطالت أيديها لتتمكن بذلك من الانتقال من فرع إلى آخر بسهولة وسرعة.
أما ما اتخذ الهواء وسطاً لسيره فتكونت له أجنحة تحمله في ذلك الوسط. وقد اختلفت الأجنحة حسب قوة طيران الحيوان، فأحسنها أجنحة الطيور ثم الوطاويط ثم القوارض الطيارة وأمثالها التي تطير مسافات قصيرة، وأقلها الأسماك الطيارة
ولذلك تغير شكل الحيوان الخارجي وتركيبه الداخلي. فالأسماك وأمثالها اتخذت شكلا مستطيلاً مدبباً وتكونت لها مخازن هوائية داخل جسمها تغير حجمها كيف شاءت فترتفع وتنخفض في الماء حسب رغبتها. والحوت تكون في رأسه تجويف عظيم مملوء بالزيت زيادة على تكوين مادة دهنية تحت جلده. هذه المواد الزيتية والدهنية أقل كثافة من الماء فتساعد على تقليل الثقل النوعي للحيوان
والطيور وأمثالها تحورت نحو تقليل وزنها بتكوين أكياس هوائية كثيرة تخللت كل جزء من جسمها حتى عظامها زيادة على الريش والزغب ومحو الأسنان وتقليل الزوائد وتكييف الشكل الخارجي العام بطريقة مناسبة
يظهر مما تقدم كيف اتخذت الكائنات أشكالاً عديدة تضمن لها النمو والتكاثر في الوسط الذي وجدت به، ولكن إذا لاءم الكائن بيئته لدرجة الكمال كان ذلك سبباً من أسباب انقراضه وتلاشيه إذا حدث تغير عم البيئة التي يعيش فيها ككثير من الزواحف الجسمية
стр. 3116
المنقرضة وغيرها. ولقد كان الفيل في العصور الماضية يقطن سيبريا وشمال الروسيا حينما كانت تلك البقاع دافئة فلما انخفضت حرارتها نزح إلى أسفل نحو خط الاستواء حتى وصل الآن إلى تلك المنطقة في بقعتين فقط هما: الهند ووسط أفريقيا، وانمحى بتاتاً من كل البقاع التي مر بها تاركاً آثاره ومعالمه، وقد ثبت ذلك بصفة قاطعة، فقد وجدت آثاره في مصر (بالفيوم) وفي سيبريا حيث يستخرج منها سن الفيل المنقرض ويستعمل في أغراض صناعية
وهناك حيوانات ذات قدرة على المعيشة في مختلف البيئات كالفأر والعصفور الصغير فأنهما منتشران الآن في جميع أنحاء العالم، مثلهما مثل الكائنات التي قاومت الانقلابات، الجيلجية في العصور الماضية فعاشت وأنتجت كائنات الأجيال التالية، وقد حدث في بعض جزر المحيط الهندي والهادي أن انتابتها براكين دمرت ما عليها من حيوان ونبات ما عدا القليل الذي أصبح أصلا نتجت منه الأجيال التي تكاثرت بتلك البقاع بعد ذلك
وإذا جفت البحر في منطقة ما، انقرضت الكائنات التي تعيش فيها، فمناحم الزيوت والأسمدة التي بمصر على ساحل البحر الأحمر كانت مغطاة بالمياه ثم جفت فماتت حيواناتها وتراكمت وتغطت بطبقات أرضية وتحللت أجسامها وتكونت منها الزيوت والأسمدة المختلفة التي تستخرج الآن من تلك البقاع
ومناجم الفحم أصلها غابات ناضرة نمت في العصور الغابرة، فلما انتابها تغيير فجائي في بيئتها سقطت وتغطت وتحللت وتكونت منها المناجم التي يستخرج منها الفحم الآن
وكثيراً ما انتاب سطح الأرض من الانقلابات ما غير معالمها فكان رائع التأثير على الكائنات التي تعمرها. فيأخذ بعضها في الانقراض ولكن لا يلبث أن يتكاثر ما يفلت من هذه الكوارث فيعمر البسيطة كرة أخرى فسبحان من يبدأ الخلق ثم يعيده.
أحمد عبد اللطيف النيال
стр. 3117
القصص
ليلة ضائعة
مسرحية ذات فصل واحد
تأليف شارل كليرك
ترجمة فتحوح نشاطى
أشخاص الرواية
ممثلة التراجيديا العظيمة: راشيل. الشاعر ألفريد دي موسيه. لوردي برانكور. ايفون: وصيفة الممثلة
تقع حوادث الرواية حوالي سنة ١٨٤٠ في باريس
(يمثل المنظر صالون استقبال صغير في قصر الكونت دي كاستلان أعد لتستعمله الممثلة الكبيرة مقصورة مسرحية. عند رفع الستار تدخل راشيل حاملة باقة فخمة من الزهور يصحبها دوي التصفيق والهتاف فقد ألقت في حفل أرستقراطي حاشد قصيدة رائعة للشاعر الخالد الفريد دي موسيه: ليلة ضائعة. ولا تكاد تخفت عاصفة التهليل حتى يسمع من بعيد عزف كمنجة حنون)
المشهد الأول
راشيل - ايفون
راشيل (لوصيفتها) لا أحد! هل تسمعين؟ لا أستقبل أحداً! سنرحل على أثر انتهائي من تمثيل مشهد (هرميون). .
ايفون - (ملحة) ولكن. . . معالي الوزير سيدي الكونت دي شاتل جاء قصداً خصيصاً ليحظى برؤية راشيل العظيمة على انفراد
راشيل - لا حد
إيفون - (قارئة البطاقات المشبكة بباقات الزهور) واللورد بروجهام؟ أيمضي إلى حال سبيله؟ والكونت دي موليه الذي لا يجازف ببطاقته إلا داخل باقات ملكية؟
راشيل - (ضجرة) أرغب ألا أرى أحداً الليلة!
стр. 3118
إيفون - كيف يا سيدتي؟ أتراك تبدلت نفسك؟ أقدر لنا أن نلقى معبودة فرنسا وقد عادت نافرة ملولا تزهد في بخور الإعجاب الذي طالما نشقته وهي نشوى بعطره المتصاعد؟ هل أضحى الظفر أو هي جاذبية من أن يستوقف خاطرك الحزين؟
راشيل - (وقد ارتدت لباس هرميون) لا أراك مصيبة في فهمي يا ايفون - يشوقني حقيقة في المسرح إعجاب الجماهير التي تؤخذ بنبرة هرميون الصادقة وإشارتها البسيطة - لكن هنا، في قصر آل كاستلان، داخل هذه الصالونات الصاخبة التي يتناوب تمثيلي فيها عزف الموسيقى! هنا حيث لا يحتفون براشيل ولا يمجدونها الا لأنهم يرونها عن كثب. هنا حيث أستبين في العيون الشاخصة إلى شهوة ملحة أكثر مما ألمح فيها إعجاباً خالصاً!
ايفون - كفى إذن عن أن تكوني فتية وجملية!
راشيل - لقد عدت برمة بهذه الجمهرة من العشاق المتزاحمين حوالي كالفراش! أتدرين ما الذي يجذبهم اليّ؟ انه المجد. . . مجدي الذي صنعته بيدي مفرقي! هل دار في خلد واحد منهم أن يجازف بعاطفة حنون نحوي أيام كنت أسابق ظلي على الطريق الموحشة، في الريف عارية القدمين، وحيدة، بائسة؟ أمضي بهذه الزهور بعيداً عني. . . أريحي عيني من مرأى هذه البطاقات. . . جميعها. . . جميعها. . . أريدني الليلة سيدة نفسي! (لنفسها وقد جلست إلى مرآة الزينة بينما ترتب الوصيفة باقات الزهور)
لم يجيء موسيه حتى الآن! أن سهرة نسائية شغلته ولابد عن الحضور لسماعي وأنا القي قصيدته. . . إيه! أراني أسعى وراء أحلام طائشة! لننس الناسي!
(طرقة خفيفة على الباب) من الطارق أيضاً؟
ايفون - إنها تلميذتك، مدموازيل دي برانكور التي تستأذن راشيل - هي. . . بلا شك. . . على الرحب والسعة. . . فلتدخل. . .
المشهد الثاني
راشيل - لوردي برنكور ثم يعد حين الوصيفة
راشيل - (للور) أنت هنا يا عزيزتي لور؟
لور - نعم يا صديقتي العظيمة - أكاد أكون من الأسرة.
فصاحب القصر الكونت دي كاستلان قريبي. لكم رددت في حداثتي أشعار فلوريان تحت
стр. 3119
هذه الصورة الخطيرة التي تمثل أحد أجداد هذه الأسرة الكريمة، فقد جذبني المسرح إليه منذ ذلك العهد البعيد
راشيل - (مجاملة في عطف) وما زالت تتألقين في سمائه!
لور - بفضل تعاليمك الغالية التي تسدد خطواتي المتعثرة! أعلم أني تلميذة جهول، غير أني أرحب دائماً بانتصاراتك الباهرة واصفق لها من كل قلبي! شد ما أعجب بك الحضور الليلة!
راشيل - لا تخادعي نفسك! لقد أعجبوا بي ولكنهم لم ينظروا إلا إليك! لو أني أكثر أنوثة وأقل ولوعاً بفني لحسدتك على سنيك التسع عشرة المتألقة!
لور - شبابي اعجز من أن يسامي عبقريتك! أنت يا من تجمعين إليك أرواح الجماهير لتمضي بها نحو المثل العليا! أنت التي لم يعوزك لتتسنمي قمة المجد - أكثر من ليلة صغت إليك فيها باريس. ثم توجتك أميرة للمسرح! أنت يا من تبعث مواهبك الفذة كورنيل حياً بعد راسين، والتي ينحني العالم مشدوهاً أمام نبوغك المشرق! أي حلم!
راشيل - (في حرارة) الحلم جميل نعم. . . لو يدوم ولو لم تبدده ريح النسيان العاتية! أسفاه! من يمجدونني اليوم هم أول من يمزقونني غداً! ولا أعود أجد بعد قليل بين آلاف المعجبين غير شاعر واحد يصون مجدي من البلى: هو الذي سمعته من هنيهة
لور - موسيه؟ إن الأشعار الجديدة التي أنشدتها منذ حين ستبقى عزيزة على من صفقوا لها معجبين. أكاد أسمعها تتغنى في حافظتي فهي لعذوبة معانيها وروعة صورها أقرب إلى الذاكرة وألصق بالفكر: الشاعر الحالم وسهرة الكوميدي فرنسين؛ العنق الرشيق الناصع الذي ينوه بفرعة الفاحم، والذي يبصر به الشاعر فجأة وهو يستعرض الوجوه بمنظاره، فيستوقف منه النظر والفكر حتى ساعة الرحيل، الصورة الخيالية الباهرة التي تبارى في رسمها شاعران كبيران، والتي استلهم فيها موسيه بيتين من شعر الشاعر شنييه. . .
راشيل - (تردد الأبيات المعنية) (تحت رأسك الظريف يتثنى عنق بض، رشيق (يكاد لفرط بياضه أن يكسف نصاعة الثلج)
لور - يظهر لي أن لغزاً دقيقاً يستتر خلف هذه (الليلة الضائعة) وأكاد أفترض لحظة أن راشيل ربما كانت تعرف العابرة الجميلة التي تراءت للشاعر المحبوب
стр. 3120
راشيل - (مرحة) أبدا! لم أمثل في حياتي أدوار العجائز اللاتي يعمد إليهن أبطال الروايات للمارة! فيم إذن تحلم الفتيات الطائشات؟ ثم ما يدريك أن موسيه ما زال يذكر للآن تلك الرؤيا الخفية التي مرت به كومضة البرق الخاطف؟ هذا الرأس الجميل الذي لمحه موسيه ليلة في مسرح إن هو في عرفي إلا خيال شاعر! وما احسب موسيه متأثراً إلا بروعة الأبيات التي خطها يراعه للخلود!
لور - تتهمينه بما هو براء منه. . . واعتقد. . .
راشيل - ليكن، أخطأت! انتشى إذن وحدك بهذه القصة الوجدانية الخيالية فهي من سنك!
لور - ولكنك لم تبلغي العشرين بعد!
راشيل - القلب الذي يسيطر عليه الفن يذوي قبل الأوان ويعود يؤمن بالأشعار الجميلة اكثر مما يؤمن بأحلام الشاعر
الوصيفة (داخلة) يطلبونك يا سيدتي
راشيل - في الحال. . . أنا على استعداد
(تخرج الوصيفة)
لكن، يا للفوضى!
لور - (وهي تقترب من مرآة الزينة التي وضعت أمامها الممثلة العظيمة حليها بين عقود وخواتم) اطمئني! آخذ على عاتقي ترتيب كل شيء!
راشيل - امضي إذن واثقة بسلامة حلي من الضياع؟
(تخرج)
المشهد الثالث
لور - ثم - الزائر
لور - (لنفسها وهي تجرب الحلي التي تجمعها) تروقني هذه اللآلئ الصافية. . . هذا الخاتم في إصبعي يغريني بالزهو والعجب. يا لدنيا المسرح العجيبة! ترى ما الذي حل براشيل هذا المساء. تبدو لي كئيبة، متجهمة! أيكون لانقباضها علاقة بهجمات ذلك النقادة الظالم الذي ادعى أنها خيبت آمال اصدقائها في رواية (با يزيد)؟ على أن هذا محض افتراء! فما رأت عيني سلطانة أروع وأجمل منها في دور (روكسان)! لقد دافع عنها
следующие страницы →