← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

المنقرضة وغيرها. ولقد كان الفيل في العصور الماضية يقطن سيبريا وشمال الروسيا حينما كانت تلك البقاع دافئة فلما انخفضت حرارتها نزح إلى أسفل نحو خط الاستواء حتى وصل الآن إلى تلك المنطقة في بقعتين فقط هما: الهند ووسط أفريقيا، وانمحى بتاتاً من كل البقاع التي مر بها تاركاً آثاره ومعالمه، وقد ثبت ذلك بصفة قاطعة، فقد وجدت آثاره في مصر (بالفيوم) وفي سيبريا حيث يستخرج منها سن الفيل المنقرض ويستعمل في أغراض صناعية وهناك حيوانات ذات قدرة على المعيشة في مختلف البيئات كالفأر والعصفور الصغير فأنهما منتشران الآن في جميع أنحاء العالم، مثلهما مثل الكائنات التي قاومت الانقلابات، الجيلجية في العصور الماضية فعاشت وأنتجت كائنات الأجيال التالية، وقد حدث في بعض جزر المحيط الهندي والهادي أن انتابتها براكين دمرت ما عليها من حيوان ونبات ما عدا القليل الذي أصبح أصلا نتجت منه الأجيال التي تكاثرت بتلك البقاع بعد ذلك وإذا جفت البحر في منطقة ما، انقرضت الكائنات التي تعيش فيها، فمناحم الزيوت والأسمدة التي بمصر على ساحل البحر الأحمر كانت مغطاة بالمياه ثم جفت فماتت حيواناتها وتراكمت وتغطت بطبقات أرضية وتحللت أجسامها وتكونت منها الزيوت والأسمدة المختلفة التي تستخرج الآن من تلك البقاع ومناجم الفحم أصلها غابات ناضرة نمت في العصور الغابرة، فلما انتابها تغيير فجائي في بيئتها سقطت وتغطت وتحللت وتكونت منها المناجم التي يستخرج منها الفحم الآن وكثيراً ما انتاب سطح الأرض من الانقلابات ما غير معالمها فكان رائع التأثير على الكائنات التي تعمرها. فيأخذ بعضها في الانقراض ولكن لا يلبث أن يتكاثر ما يفلت من هذه الكوارث فيعمر البسيطة كرة أخرى فسبحان من يبدأ الخلق ثم يعيده. أحمد عبد اللطيف النيال

стр. 3117

القصص ليلة ضائعة مسرحية ذات فصل واحد تأليف شارل كليرك ترجمة فتحوح نشاطى أشخاص الرواية ممثلة التراجيديا العظيمة: راشيل. الشاعر ألفريد دي موسيه. لوردي برانكور. ايفون: وصيفة الممثلة تقع حوادث الرواية حوالي سنة ١٨٤٠ في باريس (يمثل المنظر صالون استقبال صغير في قصر الكونت دي كاستلان أعد لتستعمله الممثلة الكبيرة مقصورة مسرحية. عند رفع الستار تدخل راشيل حاملة باقة فخمة من الزهور يصحبها دوي التصفيق والهتاف فقد ألقت في حفل أرستقراطي حاشد قصيدة رائعة للشاعر الخالد الفريد دي موسيه: ليلة ضائعة. ولا تكاد تخفت عاصفة التهليل حتى يسمع من بعيد عزف كمنجة حنون) المشهد الأول راشيل - ايفون راشيل (لوصيفتها) لا أحد! هل تسمعين؟ لا أستقبل أحداً! سنرحل على أثر انتهائي من تمثيل مشهد (هرميون). . ايفون - (ملحة) ولكن. . . معالي الوزير سيدي الكونت دي شاتل جاء قصداً خصيصاً ليحظى برؤية راشيل العظيمة على انفراد راشيل - لا حد إيفون - (قارئة البطاقات المشبكة بباقات الزهور) واللورد بروجهام؟ أيمضي إلى حال سبيله؟ والكونت دي موليه الذي لا يجازف ببطاقته إلا داخل باقات ملكية؟ راشيل - (ضجرة) أرغب ألا أرى أحداً الليلة!

стр. 3118

إيفون - كيف يا سيدتي؟ أتراك تبدلت نفسك؟ أقدر لنا أن نلقى معبودة فرنسا وقد عادت نافرة ملولا تزهد في بخور الإعجاب الذي طالما نشقته وهي نشوى بعطره المتصاعد؟ هل أضحى الظفر أو هي جاذبية من أن يستوقف خاطرك الحزين؟ راشيل - (وقد ارتدت لباس هرميون) لا أراك مصيبة في فهمي يا ايفون - يشوقني حقيقة في المسرح إعجاب الجماهير التي تؤخذ بنبرة هرميون الصادقة وإشارتها البسيطة - لكن هنا، في قصر آل كاستلان، داخل هذه الصالونات الصاخبة التي يتناوب تمثيلي فيها عزف الموسيقى! هنا حيث لا يحتفون براشيل ولا يمجدونها الا لأنهم يرونها عن كثب. هنا حيث أستبين في العيون الشاخصة إلى شهوة ملحة أكثر مما ألمح فيها إعجاباً خالصاً! ايفون - كفى إذن عن أن تكوني فتية وجملية! راشيل - لقد عدت برمة بهذه الجمهرة من العشاق المتزاحمين حوالي كالفراش! أتدرين ما الذي يجذبهم اليّ؟ انه المجد. . . مجدي الذي صنعته بيدي مفرقي! هل دار في خلد واحد منهم أن يجازف بعاطفة حنون نحوي أيام كنت أسابق ظلي على الطريق الموحشة، في الريف عارية القدمين، وحيدة، بائسة؟ أمضي بهذه الزهور بعيداً عني. . . أريحي عيني من مرأى هذه البطاقات. . . جميعها. . . جميعها. . . أريدني الليلة سيدة نفسي! (لنفسها وقد جلست إلى مرآة الزينة بينما ترتب الوصيفة باقات الزهور) لم يجيء موسيه حتى الآن! أن سهرة نسائية شغلته ولابد عن الحضور لسماعي وأنا القي قصيدته. . . إيه! أراني أسعى وراء أحلام طائشة! لننس الناسي! (طرقة خفيفة على الباب) من الطارق أيضاً؟ ايفون - إنها تلميذتك، مدموازيل دي برانكور التي تستأذن راشيل - هي. . . بلا شك. . . على الرحب والسعة. . . فلتدخل. . . المشهد الثاني راشيل - لوردي برنكور ثم يعد حين الوصيفة راشيل - (للور) أنت هنا يا عزيزتي لور؟ لور - نعم يا صديقتي العظيمة - أكاد أكون من الأسرة. فصاحب القصر الكونت دي كاستلان قريبي. لكم رددت في حداثتي أشعار فلوريان تحت

стр. 3119

هذه الصورة الخطيرة التي تمثل أحد أجداد هذه الأسرة الكريمة، فقد جذبني المسرح إليه منذ ذلك العهد البعيد راشيل - (مجاملة في عطف) وما زالت تتألقين في سمائه! لور - بفضل تعاليمك الغالية التي تسدد خطواتي المتعثرة! أعلم أني تلميذة جهول، غير أني أرحب دائماً بانتصاراتك الباهرة واصفق لها من كل قلبي! شد ما أعجب بك الحضور الليلة! راشيل - لا تخادعي نفسك! لقد أعجبوا بي ولكنهم لم ينظروا إلا إليك! لو أني أكثر أنوثة وأقل ولوعاً بفني لحسدتك على سنيك التسع عشرة المتألقة! لور - شبابي اعجز من أن يسامي عبقريتك! أنت يا من تجمعين إليك أرواح الجماهير لتمضي بها نحو المثل العليا! أنت التي لم يعوزك لتتسنمي قمة المجد - أكثر من ليلة صغت إليك فيها باريس. ثم توجتك أميرة للمسرح! أنت يا من تبعث مواهبك الفذة كورنيل حياً بعد راسين، والتي ينحني العالم مشدوهاً أمام نبوغك المشرق! أي حلم! راشيل - (في حرارة) الحلم جميل نعم. . . لو يدوم ولو لم تبدده ريح النسيان العاتية! أسفاه! من يمجدونني اليوم هم أول من يمزقونني غداً! ولا أعود أجد بعد قليل بين آلاف المعجبين غير شاعر واحد يصون مجدي من البلى: هو الذي سمعته من هنيهة لور - موسيه؟ إن الأشعار الجديدة التي أنشدتها منذ حين ستبقى عزيزة على من صفقوا لها معجبين. أكاد أسمعها تتغنى في حافظتي فهي لعذوبة معانيها وروعة صورها أقرب إلى الذاكرة وألصق بالفكر: الشاعر الحالم وسهرة الكوميدي فرنسين؛ العنق الرشيق الناصع الذي ينوه بفرعة الفاحم، والذي يبصر به الشاعر فجأة وهو يستعرض الوجوه بمنظاره، فيستوقف منه النظر والفكر حتى ساعة الرحيل، الصورة الخيالية الباهرة التي تبارى في رسمها شاعران كبيران، والتي استلهم فيها موسيه بيتين من شعر الشاعر شنييه. . . راشيل - (تردد الأبيات المعنية) (تحت رأسك الظريف يتثنى عنق بض، رشيق (يكاد لفرط بياضه أن يكسف نصاعة الثلج) لور - يظهر لي أن لغزاً دقيقاً يستتر خلف هذه (الليلة الضائعة) وأكاد أفترض لحظة أن راشيل ربما كانت تعرف العابرة الجميلة التي تراءت للشاعر المحبوب

стр. 3120

راشيل - (مرحة) أبدا! لم أمثل في حياتي أدوار العجائز اللاتي يعمد إليهن أبطال الروايات للمارة! فيم إذن تحلم الفتيات الطائشات؟ ثم ما يدريك أن موسيه ما زال يذكر للآن تلك الرؤيا الخفية التي مرت به كومضة البرق الخاطف؟ هذا الرأس الجميل الذي لمحه موسيه ليلة في مسرح إن هو في عرفي إلا خيال شاعر! وما احسب موسيه متأثراً إلا بروعة الأبيات التي خطها يراعه للخلود! لور - تتهمينه بما هو براء منه. . . واعتقد. . . راشيل - ليكن، أخطأت! انتشى إذن وحدك بهذه القصة الوجدانية الخيالية فهي من سنك! لور - ولكنك لم تبلغي العشرين بعد! راشيل - القلب الذي يسيطر عليه الفن يذوي قبل الأوان ويعود يؤمن بالأشعار الجميلة اكثر مما يؤمن بأحلام الشاعر الوصيفة (داخلة) يطلبونك يا سيدتي راشيل - في الحال. . . أنا على استعداد (تخرج الوصيفة) لكن، يا للفوضى! لور - (وهي تقترب من مرآة الزينة التي وضعت أمامها الممثلة العظيمة حليها بين عقود وخواتم) اطمئني! آخذ على عاتقي ترتيب كل شيء! راشيل - امضي إذن واثقة بسلامة حلي من الضياع؟ (تخرج) المشهد الثالث لور - ثم - الزائر لور - (لنفسها وهي تجرب الحلي التي تجمعها) تروقني هذه اللآلئ الصافية. . . هذا الخاتم في إصبعي يغريني بالزهو والعجب. يا لدنيا المسرح العجيبة! ترى ما الذي حل براشيل هذا المساء. تبدو لي كئيبة، متجهمة! أيكون لانقباضها علاقة بهجمات ذلك النقادة الظالم الذي ادعى أنها خيبت آمال اصدقائها في رواية (با يزيد)؟ على أن هذا محض افتراء! فما رأت عيني سلطانة أروع وأجمل منها في دور (روكسان)! لقد دافع عنها

стр. 3121

موسيه. وأحسن صنعا فالجمال حقيق بكل تقديس وعبادة! (يدخل الزائر فلا تلحظه لور وقد جلست مدبرة للباب. الزائر غاية في التأنق يلبس (فراك) السهرة والصديرى الأبيض) الزائر - مساء الخير يا راشيل! (تلتفت لور فيتولى الزائرعارض من الدهشة، رجة نفسانية يكبحها في الحال) أنت! (يملك روعة وقد تبدلت لهجته) أوه! عفوا! مدموازيل! ما كنت أتوقع. . . ودهشتى لا تحد. . . طرقت متطفلا ودخلت دون استئذان. . . لور - أبدا يا سيدي. . . لكن راشيل تمثل الآن مشهد هرميون فعجل إن شئت مشاهدتها الزائر - هل أنشدت بعض أشعار؟ لور - نعم، ارق وأعذب قصائد الوجدان، أبيات شجية للشاعر موسيه، تلتها علينا من لحظة قصيرة بين الإعجاب والتهليل ذكرى (ليلة ضائعة)، عمل أستاذ قدير! الزائر - قرأت أخيراً هذه الأشعار الجديدة وتمنيت لو أسمعها لكني وفدت متأخراً، أنا أيضاً أعد موسيه شاعري المفضل. يشوقني فيه فنه الساحر: ذلك المزيج البارع من الحنان الصادق والأسى العميق! لور - حرمت على مطالعة (قصص إيطاليا) غير أني نعمت بقراءة (فانتزيو) وشاركت (فينون) أحلامها الذهبية! لكن لنعد إلى قصيدة الليلة. آه! يا سيدي لو تدري كم أجهدت ذهني في التقصي عن مجهولة الليلة الضائعة أهي كميل أم سيسيل؟ من تكون يا ترى تلك الفتاة الصبوح ذات العنق الناصع. من؟ الزائر - إنها العذراء الفاتنة التي تشبه الاثنين على غير علم منها! لور - (متابعة فكرتها) وهكذا قدر للملهمة أن تجهل القصة الرائعة التي الهمتها! لو أنها تكشفت هذا السر لعادت به جد فخورة! الزائر - تظنين؟ المشهد الرابع المذكوران. الوصيفة. الوصيفة - أوه! عفواً! جئت أبحث عن فراء سيدتي (تبصر بالزائر) أنت مسيو دي

стр. 3122

موسيه؟ وما وقوفك هنا؟ تعال: كيف؟ يمجدون راشيل. وتهجرها؟ موسيه - أسير إليها في الحال. . . الوصيفة - عجل فقد تكاثر من حولها الإعجاب! (تخرج) المشهد الخامس موسيه - لور موسيه - (للور وقد بهتت مأخوذة حيرى) ثقي أني ما استرقت سرك إلا بالرغم مني، فلولا هذا اللقاء العزيز الذي لم يكن ليؤمله قلبي لقدمت إليك نفسي لأول بادرة. إن العابرة المجهولة التي تطوف في سماء قصيدي قمين بك أن تعرفيها. تأملي هذه المرآة. . . المجهولة الجميلة أنت! كنت ترتدين تلك الليلة ثوباً وردياً، وكنت قد وصلت متأخراً إلى المسرح - فجأة - بينما كنت أجيل بصري في أرجاء تلك الصالة التي استحوزت عليها سخرية (ألسست) اللاذعة فجعلتها تضج بالضحك والإعجاب - لمحتك في مقصورتك. . . لور - (في خفر صادق) أمسك ياسيدي. . . لا تزد حرفاً ارجوك. . . أرى لزاماً على أن أفارقك. . . فما أخالك إلا شاعراً بالضيق الذي طوح بي إليه اعترافك. إنني جد خجلة. . . موسيه - وأنا جد سعيد. هذه الليلة الهانئة تبدد جهمة الليالي العاصفة التي تملأ قلب الشاعر بالشك المقيت! أن أشعاري التي تحبينها هي صفوة ما كتبت، ولقد بت أستحسن ما تفضلين في قصائدي من شعر طهور ورؤى علوية ما دام قلبك العذري خفق لها خفقة الإعجاب. نعم، صدقيني يا آنسة. نينيت ونينون أختان لك. أراهما على صورتك. لهما عيونك وصوتك. إني لم اعد أستطيع أن افصل عن خيالي الفني هذه الأبيات التي رسم لك فيها شينيه صورة مخلدة (تحت رأسك الظريف يتثنى عنق بض رشيق) (يكاد لفرط بياضه أن يكسف نصاعة الثلج) لور - عندما أنشدتنا راشيل هذه الأشعار تأثرت بها نفسي أقل بكثير مما تأثرت الآن، لقد تجلت لي فجأة بهجتها السحرية! وهأنذا استعيد ذكرى تلك السهرة التي قضيتها بالكوميدي فرنسيز في أدق تفاصيلها ولأول وهلة تتضح في عيني معالم قصيدتك وتتناسق. أذكر وقد جلست محازاة والدتي أني شعرت بنظرة ملحة تحوم حولي مرتقبة نظرتي. يا للعجب! بينا كنت أغرب في الضحك غرامية عجيبة؟ هل متفكهة بمشهد (اورونت) لم يهجس ببالي أني

стр. 3123

كنت أحيا قصة كنت تتابع الرواية أنت الآخر. موسيه - ما كنت أرى إلا إياك! لقد تبعتك في فترة الاستراحة القصيرة وحمت حواليك أتملى محاسنك الغضة، وإذ أنت توشكين العودة إلى مقصورتك سقطت منك عفواً مروحتك فخففت التقطها وقدمتها إليك واجف القلب واليد، تذكرين؟ لور - (حالمة) نعم أذكر تلك الليلة تعاودني اللحظة كالذكرى السعيدة! موسيه - ليلة أقل سحراً وقداسة من التي تعود بك إلى مازجة جميع أعطار العالم بعطرك الشذى! أنت وأنا يا للغبطة! ومع ذلك ما أراني أجتزئ أن أصعد فيك بصري يا مليكة العطور والزهور! ألا ليت الزمن الحاني يقف بنا متمهلاً! يا للساعة السعيدة التي يرود الحب فيها حوالينا موحياً إلى قلوبنا العطشى أن تعتصر خمرته الإلهية مذكراً إيانا أن الحياة حلم غامض لا مغزى له إلا عند من جمعوا شتيت آمالهم في يوم هني!. . . أرى الدنيا تتداعى حواليك ولا أبصر في وهيج المصباح الذي ينير بقربك آنية شفافة. غير عينيك النجلاوين وشفتيك اللتين تفوقان زهر الربيع نضارة وبهاء! أحبك لور - (مقاطعة) أخشى هذه الكلمة. . . أخشى ألا تكون منبثقة من أعماق قلبك وأن تكون مخادعي بها وأنت تخدع نفسك، ألم ترددها من قبل على راشيل؟ موسيه - احبك! أنا لا أدري عنك شيئاً، ومع ذلك فقد ملأ طيفك النوراني سماء خيالي في كل وقت. هي انت، هي صورتك التي كانت تتبدى لي في ليالي سهادى، وأنت في الحق خيالي الشعري تجسم حيا! كل ما أعجبك في أعمالي الأدبية، هي أنت! لكم تشفعت بك واستنجدت في أيامي العصيبة المحمومة. كنت أرتقبك كما يرتقب الغريق صخرة النجاة، وكما كانت ليالي المدلهمة تتشوق لمطلع فجرك! أحبك! لور - الآن اصدق. وبودي لو أصارحك بما يجيش في صدري من أمان خفية لكن وا أسفاه! أما زلت حرة؟ لا ادري. شت فكري! كيف يمكنني ان أكون لك بينما أرى كل شيء يفصلنا؟ لقد تم اختيار أهلي. . فهل يحق لي أن أخالف الرغبة الوالدية فأتصرف بنفسي كما يحلو لي؟ موسيه (محزونا) نعم أنت محقة. . . أحس يدك ترتجف اكثر مما يجب بين يدي كي لا أردها إليك في الحال! وا أسفاه! حرمت حتى هذه التعزية، الأخيرة واراني ملوماً إذ تجرأت

стр. 3124

على الكلام دون ان استوثق من اني اطرق قلباً خالياً. فهل تتجاوزين عن نزوتي المختبلة؟ لور - (مادة له يدها) إنسني! موسيه - وهل يرتجى فيك نسيان؟ أتموت الذكرى التي قدسها الألم كما تغيب لؤلؤة داخل علبتها الذهبية؟ إن الألم المقدس الذي يحيى ميت الإرادة ويشحذ الهمة الشماء، الأم الذي يرهف قوى النفس ويصمد لحوادث القدر كالسنديانة في مهب العواصف، ذلك الألم الإلهي الذي يغسل الأفئدة المجدودة، أحسست به اليوم لأول مرة! بفضلك سأدين لك آخر الدهر يبعث قلب جهله الكل وظنوا ماء الحياة فيه قد نضب! لور - (بعطف) الوداع! موسيه - لا لا ترحلي بهذه السرعة! سينتهي حلمي بعد حين غير تارك في قرارة نفسك سوى ذكرى عفيفة! انك إذ تلمسين مدى سلطان محاسنك البريئة على، لا تتنزلين عن جزء من طهارة قلبك! هل تروح زنبقة الوادي أقل نصاعة، لأن ظلال السحر تطيف بجمالها الفتان؟ قد تمسى أحزاني أهون حملا لو أضاءتها مثل هذه الساعة الحنون! أبقى، أرجوك! فلن تخجلك بعد ارتحالي، نجوى هذا القلب الذي باح رغماً عنه بكل ما يكن لن تصدقي بعد اليوم جميع ما يذاع عني ما دمت تحتفظين إلى الابد بذكرى اللحظة التي تنسمت فيها زهرة القبلة على شفتيك بينما كان في مكنتى وقد استشعرت رجفة يدك في يدي ان اقطف تلك الزهرة العلوية! لور - (مبتعدة عنه) أقبلت راشيل! ترى. هل أملك الوقت الكافي لابثك عميق اضطرابي؟ وا أسفاه! لابد لي من اصطناع الابتسام وتكتم عذوبة هذه العاطفة الوليدة! أخشى أن يخونني ثبات جأشي! المشهد السادس المذكوران - راشيل ثم الوصيفة (راشيل للوصيفة من الخارج) سأتناول الطعام في البيت. إني أتهالك من فرط الإعياء! (تبصر بموسيه) يا للمفاجأة! انت. موسيه؟ موسيه - (مقبلا يدها) نعم، قدمت متأخراً. كنت مرتبطاً بسهرة ولم استطع الفرار. . .

стр. 3125

سوف أشرح لك راشيل - (متخابثة) ولكني حذرت كل شيء أيها العزيز! موسيه - ترينني شديد الأسف. سامحيني. راشيل - سامحتك. وهل أملك أن أكون صارمة حيال الصديق الشاعر المحبوب الذي تقودني حكمته وينير مجدي حماسه؟ لقد هبت ذئاب النقد تتواثب حوالي شخصي الضعيف فلم ألق غيرك يثبت إيماني بنفسي. ترى، أهي الصداقة التي أملت عليك موقفك إزائي أم اليقين؟ موسيه - الاثنان معاً. ثقي أني ما كتبت غير ما يجول بخاطر باريس جميعا! إنما أنت عنوان فخرنا، بك ننفس ونزهو على العالمين! إلا دعى الحمقى الأغرار يتزاحمون عليك رجاء النيل من عزيمتك: لن ينتزعوا من ذكرياتنا الحية (هريميون) ولا (مونيم) ولا اللهب المشبوب الذي يتطاير من هذا القلب الفتى الخفاق! اندبي يا أميرة المسرح (بايزيد) الملك بييروس، فكل دمعة منك ترتفع بمجدك الناشئ وبفننا المسرحي أكثر ألف مرة مما نفيده من نقد جميع الناقدين! راشيل - أشكرك وأومن بقولك. كنت الليلة في حاجة ماسة إلى كلمة مشجعة، إلى شعاع من الأمل. سأدرس (فيدر) عقب عودتي إلى المنزل. هذا الدور معقد أحلامي! قرأته عشرين كرة بعيني التلميذ، وأطمح في تمثيله وشيكا لور - تعملين الليلة؟ ولكنك لم تستريحي اليوم! موسيه - (للور) الفن طاغوتنا! راشيل - اذن، فلا تحرر من ربقته. لور محقة. موسيه. . . أدعوك إلى العشاء معي. سوف نتذاكر الماضي العزيز: عشاءنا الأول الذي كان غاية في الفقر والظرف. أتذكر تلك الليلة البوهيمية التي خدمتك فيها بنفسي أثر عودتنا من الكوميدي فرانسيز؟ قرأنا، ليلتها فصلين من (اندروماك)، بعد أن تناولنا، فرحين، شايا ممزوجا بالروم! تعال: سنعيد السيرة من جديد. . . وأكرم وفادتك. . . خيرا من الماضي! موسيه - (وقد لحظ القلق يستولي على لور) صدقيني. لم انس راشيل الناشئة وتغريني هذه الدعوة الحبية، لكني لا أجد الليلة من نفس حافزاً للهو والمرح، خصوصاً وقد وعدت

стр. 3126

بالسهر على مقال يرتقبونه من زمن مديد. . . خذلني تكاسلي مرات عديدة فلا أرى الهرب من الواجب، مرة أخرى! راشيل - يا للعذر الواهي! وإن أضعت أيها العزيز ليلة أخرى! موسيه - (شاخصا إلى لور) لا. بت والأسف يحز في نفسي على بعض (الليالي الضائعة) راشيل - (تتطلع نحو الاثنين ثم تقول وقد فهمت كل شيء) الليالي الضائعة؟ أو أثق أنت من ضياعها؟ أراهن انك التقيت بالعابرة المجهولة وأن قلب عذراء في العشرين سيحلم الليلة بالأبيات الخالدة التي ألهمتك إياها إحدى هذه الليالي الضائعة، لقد اهتدت فطرة ذلك القلب السليمة إلى ما تبقى في نفسك من صدق ونبل وحنان وإني لا بصر وأنا أهتك سرك - بموسيه مجهول ربما كان هو موسيه الحقيقي! موسيه - (في تأثر بالغ) مساء الخير يا راشيل! (يقبل يد الممثلة ثم ينحني طويلا أمام لور التي تكتفي بكلمة تعبر له عن شدة تأثرها واغتباطها برفضه قضاء السهرة في مرح) شكرا (يخرج موسيه) راشيل - (للوصيفة) على بمعطفي! (تخف إلى لور التي تابعت الشاعر بعيونها وتقول) أما أنت يا صغيرتي لور فصدقيني: لك أن تفاخري بهذا الحب! (ثم لنفسها في أسى مرير) لم يناجني موسيه قط بمثل هذه النجوى القدسية! - ستار - (النقد قصة خسرو وشيرين والشعر المرسل بقلم احمد حسن الزيات

стр. 3127

ألقي إلينا في البريد رواية شعرية في خمسة فصول، بعنوان (قصة خسرو وشيرين) لا تحمل اسم ناظمها، ولا عنوان طابعها، ولا تتسم بشيء من السمات الدالة على الشخصية، فكأنها الوليد البريء جاء لِغِيَّة فألقى على مدرجة الطريق، متروكا لرحمة القدر أو قسوته. الرواية جليلة الموضوع، نبيلة المغزى، جميلة النسج، ينم سياقها وحوارها على قلم مدرب، وفكر ناضج، وثقافة عالية، فلا يمكن أن يكون المؤلف قد أرسلها غفلا، فرارا من تعقب الدين أو القانون أو الأدب أو الفن، إنما علة هذا التخفي على ما يظهر من المقدمة تمكين الناقدين من الرأي الحر والحكم الصريح في قضية الشعر المرسل. فان المؤلف كما تدل المشابهة القوية بين ما نشر من هذا الشعر في (الرسالة) وبين ما جاء منه في هذه الرواية، زعيم القائلين به والقائلين فيه، فهو بذلك يضع المثل أمام القراء والشعراء ليقطع حبل الجدل، ويخرج من النظر إلى العمل، ويجعل الدفاع عن هذا المذهب لقوة الحياة فيه، ومبلغ الفائدة منه. أضف إلى ذلك إن المؤلف يدرك نبو هذا الشعر في ذوق الجمهور فهو يريد أن يوسع له في مجال القول، ولا يجعل لاعتراضه أو امتعاضه حدا من الصداقة أو المجاملة. قال الأستاذ في المقدمة: - (أرجوك العفو أيها القارئ عما يمكن ان تتحمله في قراءة هذا الـ. . . (ماذا أسمي هذا؟ أظن خير تسمية ان أسميه المطبوع). وأنك إن قرأت منه كلمة واحدة أو سطراً واحداً ثم رميته كارها كنت عندي معذوراً، فهذا ما توقعته، ولا عجب في الأمر إذا كان متوقعاً ولست عندي معذوراً فحسب، بل انك جدير بشكري، إذ أنك قرأت منه شيئاً في حين أن كثيراً من الناس إذا وقع لهم مثل هذا المطبوع لا يقرأون منه حرفاً بل يقلبون صفحاته تقليباً سريعاً، ثم يرمون به إلى أقرب موضع، ولكنهم مع ذلك لا يترددون في ان يبدوا رأياً في عيوبه أو محاسنه إن تكرموا. وأما إذا أنت صبرت أيها القارئ فقرأت سطرين أو ثلاثة من هذا المطبوع، ثم قذفت به حيث أردت لم تكن في ذلك بالمعذور، بل كنت متفضلا مضحياً من أجل مجاملتي مع أنك لا تعرف من أنا، وفي هذا أدب عظيم وكرم مطبوع، وأما إذا كنت قد بلغت من قوة ضبط النفس ورياضتها على المكاره بحيث استطعت ان تثبت على القراءة حتى أتيت إلى آخر كلمة، ثم تركت لنفسك العنان بعد طول كبحها

стр. 3128

وحبسها فانطلقت تصخب وتشتم وتنادي بالويل والثبور - إذا فعلت ذلك كنت في نظري بطلا من أبطال العزيمة وقوة الاحتمال. على أنك لو فعلت ذلك لم يمسسني منك أذى وان بلغت في ثورتك مبلغاً مخيفاً، لأني قد توقعت مثل ذلك فأخفيت نفسي حتى لا تتحرج فيما تفعل، فلعلي إذا أظهرت لك شخصي بدوت لك صديقاً أو ممن يمتون إليك بسبب فتجاملني أو تكظم غيظك عليّ، فيكون في ذلك أذى لك لا أرضاه. فافعل ما بدا لك أيها القارئ. ولا تتورع فان أحجارك أو سهامك لن تصل إليّ). ذلك ما بدأ به المؤلف الفاضل مقدمة الرواية، ومن وراء سطوره كما ترى إغراء بالقراءة. وتحريض على النقد. وعتاب ساخر لمن يقول في الشيء بغير علم. ويحكم عليه من غير خبرة. فإذا علمت بعد هذا انه لم يعرض روايته في السوق، وإنما أهدى ما طبع منها إلى الأصدقاء والأدباء ازددت يقيناً بأنه لا يريد غير محاكمة المذهب، وسواء بعدها أكنت له أم عليه. على ذلك نصارح الأستاذ برأينا في الشعر المرسل، ونحن أشد ما نكون اطمئناناً إلى رضاه، ووثوقا بحسن ظنه. لقد قرأت الرواية وحاولت أن أوفق بين شعرها المرسل وذوقي المقيد فلم أفلح. فالأبيات تطربني بأجزائها المتسقة، وألفاظها المختارة ومعانيها السامية. ولكن أواخرها النواشز تتناكر مع الطبع والسمع فتذهب بحلاوة سياقها وعذوبة موسيقاها. اقرأ معي قوله في الفصل الأول ص١٤ شيرين: جئت حينا هنا، فألفيت أرضا … غير ما اعتدت إذ تكون بجنبي كان لون الزهر غير بهيج … وخرير الماء غير جميل وقوله في الفصل الثاني على لسان خسرو ص٤١ خسرو: لا أرى في الأنام أحرى بسخر … من معنى بكاذبات الأماني من يكن همه التماسا لرزق … لم يجد في طلابه أسقاما

стр. 3129

قد يهيم الفقير بين الفيافي … في التماس الاحطاب والأعشاب فإذا فاز بعد جهد جهيد … برغيفين لم يعكره هم غير أن الذي يحاول مجداً … يدع النوم والسلام ويأبى ثغرة الابتسام حتى إذا ما … طالعته المنى رآها سرابا وقوله في أول الفصل الخامس على لسان جنديين يهيئان مجلساً في بهو القلعة لخسروا السجين ص١٠٣ الأول: إن في الفقر سلوة يا صديقي. الثاني: فتمتع به وحيداً هنيئاً إنني لا أراه إلا عذاباً. الأول: قد أمنا في الفقر غدر الليالي. الثاني: هل ترى تلك نعمة ان أمنا … إذ بلغنا الحضيض؟ أي أمان! الأول: ليس في الفقر لو علمنا شقاء … أنا إن جعت كان حسبي رغيف، وإذا ما تعبت نمت عميقا … لا أبالي إذا تعريت صيفا وشتائي لباسه جلد شاة الثاني: لا تبالي إذ كنت فرداً وحيداً … ليس يبكي الأطفال حولك جوعا كن كما شئت، عش فقيراً، فإني … حانق حاقد على إملاقي الأول: يا صديقي أكنت ترضى بعز … ثم تهوى إلى قرار سحيق؟ سل عن المجد والعزازة كسرى، … بعد أن ذاق ذلة المأسور الثاني: ان قلبي يسيل هما إذا يا … من كسرى يختال في الأسر كبرا. الأول: حسبه شقوة إذا كان قوم … مثلنا يرحمونه في شقائه. . .

стр. 3130

يا صديقي لا تغتر بلباس … للامع قد يكون ستراً لبؤس. ماذا تجد في حسك من هذا الشعر؟ ألا تجد في ذوقك المطبوع على نغم القوافي العربية نفوراً من هذه الفواصل المتدابرة؟ لقد كان هذا النشوز يخف لو راعى الأستاذ الشاعر اتحاد الأصوات في أواخر الأبيات كقوله مثلاً على لسان سرجيس: قد علمنا أن الحياة غرور … ثم لا نستطيع غير الغرور جعل الله في النفوس نزوعا … لاضطراب الحياة رغم العقول فان بين الغرور والعقول مزاوجة تلطف من وقعمها على الذوق الحساس والعادةالموروثة: ولكن أين هذا وذاك من قوله في ختام الفصل الخامس على لسان شيرين (ص١٢٩) أيها الذاهب الشهيد بنفسي … ما أصابتك من جروح دوامي قد أسالوا الدم الزكي. وأني … تنفع المدنف الدموع الهوامي؟ ذهب اليوم صاحب وحبيب … كان من هذه الحياة نصيبي فجعوني به، فكيف حياتي … بعد أن غاب عن حياتي حبيبي شيرويه (يرى شيرين فيظهر التألم) وا أبي! صرعة العظيم قضاء … عرفته النجوم منذ القديم. قد أراد القضاء ما كنت أخشى، … ما احتيالي في الكائن المحتوم؟ شيرين: (لشيرويه) أنا أبكي والدمع حسبي، فمالي … حيلة في المصاب غير دموعي ليس لي الصولجان والسيف حتى … أندب الملك بانتقام وجيع. شيرين: دع لمثلي الدموع، فهي دوائي … من شجون لواعج وكلوم فجعوني بصبيتي تحت عيني، … وأسالوا دماء قلب سقيم ثم ضحوا بصاحبي وحبيبي، … وا فؤاداه للصريع الكريم! أسعفي يا دموع قلبي حتى … أجد الطب في الهلاك الرحيم ففي هذه الأبيات اشتد التأثير في الموقف، وقوى الشعور في الأشخاص، فغلبت القافية إرادة الشاعر، وجاء المنظر الختامي حجة عليه ونقضاً لما عاناه من ترويض الآذان على الشعر

стр. 3131

المرسل إنما يتميز الشعر من سائر ضروب الكلام بخصائص ثلاث: موسيقية شديدة الحساسية، وصعوبة عسيرة التذليل، وقدرة على تثبيت الفكرة بلفظها في الذاكرة. فالشعر المرسل يستطيع أن يدرك شيئاً من الموسيقى إذا زاوج الشاعر بين أواخر الأبيات، واستفاد من الحرية التي أعطيها، فتخير الألفاظ، وعدل الأقسام، وألف الألوان، وحرك المعاني، ونوع الصور، وأخشى بعد ذلك كله ألا يرتفع عن النثر البليغ المحكم. ولكن الصعوبة التي تلقى الشاعر في كل بيت عند القافية فيسلط عليها ذهنه وفنه وذوقه ولغته حتى يفجأ أذنك - وهي تنتظر في غير صبر - بتلك الحيلة الفنية، واللفتة الذهنية، والكلمة الصادقة الموسيقية، لا تجدها في غير الشعر المقفى كذلك يعجز الشعر المرسل عن أن يهيئ للذاكرة في التمثيل - على الأخص - ما تهيئه لها القافية من (نقط الارتكاز) وعلائم الطريق حتى لا تجور ولا تضل. على أن تسهيل الشعر بإلغاء القافية يخمد الذهن ويجدب القريحة، لان الصعوبة ترهف الفكر فيدق احساسه، وتوقظ العقل فيزيد انتاجه، وتبعث الفن فيحيا بين الهام الشاعر وإعجاب القارئ والواقع أن القافية لم يشكها شاعر مطبوع ولا ناظم مطلع، فان الطبيعة الغنائية للشعر العربي من جهة، ووفرة الثروة اللفظية للشاعر من جهة أخرى، تجعلان القافية من أخص لوازم الشعر واسهل ضروبه. ولك في الأراجيز القديمة، والموشحات الحديثة، وسائر ما استحدث المولدون من الأنواع القائمة على موسيقى القافية دليل ناهض على ما نقول. فإذا وقع شاعر اليوم في رهق من بناء القافية لقلة محصوله من اللغة، أو لمعالجته التمثيل والقصص الطويل، كان له في تنويعها مندوحة عن هذا النوع الذي تذبذب بين النظم والنثر، فوقف من الأذن موقف الغصة من الحلق، بذلك استطاع البستاني أن يترجم الإلياذة، وتسنى لشوقي أن يبدع في مآسيه. هذه كلمة موجهة نفتتح بها المعركة الأخيرة بين الشعر المقفى والشعر المرسل، فان رواية (خسرو وشيرين) مع ملاحظة التحفظ في عرضها، جاءت بعد المقالات التي نشرت بالرسالة أشبه برواية (هرناني) حين كتبها (هوجو) على المذهب (الرومانتيكي) بعد أن دعا

стр. 3132

إليه في مقدمة (كرومويل) وفاتحة (الشرقيات) فجعلها هو وأنصاره المعركة الفاصلة بين هذا المذهب والمذهب (الكلاسيكي). أما الحديث عن موضوع الرواية، وتصوير أشخاصها، وعرض مواقفها، وتسلسل حوادثها، وتدرج العمل فيها، فله فرصة أخرى نرجو أن تحين.

стр. 3133

العدد ٣٨ - بتاريخ: ٢٦ - ٠٣ - ١٩٣٤

стр. 3134

(عيد الأضحى. . . . . . وفي مارس أيضا يقبل عيد الأضحى أو يوم الله، بعد ما أقبل عيد الضحايا أو يوم الوطن! والإيمان بالله وبالوطن أسمى شواعر النفس، والتضحية لله وللوطن أصدق شعائر الإيمان، والاحتفال بيوم الله ويوم الوطن أقدس مظاهر الإنسان، وعيد الأضحى أجل أعياد المسلمين خطراً، وأبلغها في حياتهم أثراً، وأبلجها في نفوسهم دلالة. تجمعت فيه مبادئ الإسلام وغايته كما تتجمع صور الوجود في العين، ومحاسن الربيع في الزهرة. فهو موجة من النور الهادئ الهادي في خِضَمِّ الزمان المضطرب، وفترة من السلام الإلهي بين خطوب الجهاد المضطرم، ونفحة من النعيم السماوي تَنْدى لها القلوب اليابسة بالوداد المحض والبر الخالص، وسبب من الروح المؤاخي يصل بين الغنى والفقير بالإحسان، وبين القوي والضعيف بالرحمة، وبين القريب والبعيد بالمودة، وبين الله والإنسان بالصلاة، وبين المسلم والمسلم بالحج!! الأعياد الدينية واحات في صحراء الحياة، يستريح إلى نبعها الحرَّانُ واللاغب، ويطمئن إلى ظلها الهيمان والشارد، ويجد الكاسف المعمود في نسيمها النديِّ بَرد السرور ونشوة العافية، ويذهل السائر المجهود برهة من العمر عن مخاطر الطريق ومكايد الرفاق ومساوئ القافلة، ويذكر ان له عواطف صالحة طغت عليها المنافع، وقرابة واشجه قطعت بينها المطامع، وصلات شابكة أوهنتها الجفوة، وتبعات واجبة أعجزه عن حملها كلال الضمير، وغاية إلى الخبر المطلق أضله عن سبيلها غرور الحياة. عيد الأضحى هو عيد الأسرة والأمة والملة، يفيض المسرة والبهجة على البيت، ويجدد المودة والألفة في الوطن، ويسفر بالتعارف بين وجوه الاخوة في عرفات، فإذا رده اليوم فساد العيش في المدينة إلى ما نعرف من خروف يذبح ولا يُضحي، ومساجد تؤذن بالمدافع والمآذن ولا تجاب، وبيوت تُفتح للتهاني ولا تزار، وأيام كنقاهة المريض كلها خمود ونوم وأكل، فأن له في القرية صورة لا تزال منذ الطفولة في ذهني فتانة الجمال أخاذة السحر شديد الروعة: لا يكاد يفرغ القرويون من صلاة المغرب ليلة العيد حتى ترى طريق المقبرة يسيل بالفوانيس الشاحبة الخافتة. ثم تنتشر آخر الأمر على وجوه القبور انتشار الحبُاحب، وتنتقل القرية الحية إلى القرية الميتة فتقضى موهنا من الليل في الاستعبار والاستذكار والقراءة،

стр. 3135

ثم يعودون وقد كفاهم (الفقهاء) مئونة ما حملوا من الكعك والفاكهة، فيقطعون الهزيع الثإني من الليل في طسوت الحَّمام أو في دار المزين! والغسل بالماء الساخن لا يعرفه الفلاحون الا ليلة العيد وليلة الزواج ويوم الموت، ثم يُعدون زينة العيد فيكوِّرون العمائم ويصبغون الاحذية، ومن لا يحسن لوث العمامة، أو لا يملك علبة (الورنيش)، ذهب بطربوشه أو بحذائه إلى قريبه أو جاره، والقرية كلها أسرة واحدة يكمل بعضها نقص بعض، فإذا فرغوا من ذلك ناموا على هدهدة الأحلام ومناغاة المنى، وتركوا النساء أمام المواقد ينضجن الخبر ويطهين اللحم ويصنعن الحلوى حتى الصباح! تشرق شمس العيد على القرية في غير وجهها المألوف، فلا النور كان باهرا كهذا النور، ولا الشعاع كان ساحرا كهذا الشعاع: وتستقبلها القرية في غير زيها المعروف، فلا الوجوه كانت ضاحكة كهذه الوجوه، ولا الجلابيب كانت ناصعة كهذه الجلابيب ولا العمائم كانت زُهْرا كهذه العمائم، ولا الدروب كانت مطرزة بألوان الربيع كما هي اليوم!! لا يتخلف عن صلاة العيد من أهل القرية غير النساء! أما الرجال فهم صفوف وراء الأمام يؤدون الصلاة، وأما الأطفال فهم وقوف على الأبواب يشهدون الخطبة! ثم تقضي الصلاة فيقبلِّون الخطيب جميعاً، ويقبل بعضهم بعضا، ثم يذهبون رَتَلاً جميل النسق إلى المقبرة، ويرجعون من طريق أخرى إلى الحارات المكنوسة المفروشة، فيجلسون أمام المنازل إلى الطعام الشهي الفاخر، يتبادلون الألوان، ويتهادون الصحاف، ويتركون على موائدهم محلا رحيبا للفقير! تُرفع (الصواني) وتوضع القهوة، ثم يقوم العمدة في أهل حارته فيزورون الحارة الأولى، فيهنئون ويجلسون ريثما تدار القرفة وتوزع السجائر، ثم يقومون جميعاً إلى الثانية فالثالثة فالرابعة وهلم جراً إلى آخر البلد، وكلما مروا بحارة أخذوا أهلها إلى الأخرى، حتى تجتمع القرية كلها آخر المطاف لدى العمدة فيقضون في مجلسه أكثر اليوم. ذلك أمر الكهول والشيوخ، أما الشباب والأيفاع فيطوفون زمرا بالبيوت يهنئون الصبايا وأيديهن لا تزال في الطعام، فيطبعن بالقبلات الخلية على الخدود البرنزية خاتما رقيقا من (الدمعة)، ويرسمن بالانامل المخضبة على الثياب البيض طغراء جميلة من الدسم، ثم ينصرف بعد ذلك الشباب إلى لعب الكرة في ساحة البيْدر، والاطفال إلى الاراجيح على

стр. 3136

أشجار الترعة! تلك صورة العيد في القرية رسمتها بغير ألوانها الزاهية، وجلوتها في غير إطارها المذهب، فبالله ربك! أهي على علاَّتها اخلق بالإنسان واقرب إلى الدين وأشبه بالخلق، أم هذه الصورة التي تراها اليوم في شوارع المدينة وجوامع المدينة وقصور المدينة؟! نسأل الله مخلصين أن يعيد هذا العيد على الأمة المصرية والدول العربية والممالك الإسلامية ونحن وهم على خير من هذه الحال! احمد حسن الزيات

стр. 3137

النقد والطربوش وزجاج النافذة للدكتور طه حسين وتستطيع ان تضيف إلى هذه العنوانات عنوانات أخرى، فهناك أزقة ضيقة شديدة الضيق، ملتوية شديدة الالتواء، قد كثر على ارضها الوحل، حتى ان الذي يمشي فيها لينزلق، أو يمشي مشية مسلم بن الوليد في بيته المشهور: إذا ما علت منا ذؤابة شارب … تمشت به مشى المقيد في الوحل وقد أمطرت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانا من المطر، منها السائل ومنها اليابس، نستغفر الله، بل قد صبت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانا من البلاء، منها مرق الفول النابت، وماء المخلل، وفيها أشياء أخرى جامدة كانت تهوى على الرؤوس، وربما مست العيون، وربما دخلت الأفواه ووصلت إلى الحلوق فانعصرت فيها انعصاراً، وأذكت فيها لهيبا ونارا، وقد كان في هذه الأزقة مارد من مردة الجن أو مردة الإنس، له صدر عريض قد انتفش فيه شعر الطويل حاد كأنه الأسنة، يصطدم به الرجل القصير فإذا هذا الشعر الطويل الحاد يداعبه ويلاعبه، فيبعث بوجهه، ويدخل في أنفه وفي فمه وفي عينيه. وقد كان في هذه الأزقة غلام شرير، لسانه عذب، ويده مرة، وقد كان في هذه الأزقة شاب ظهر الغباوة والبله، خفي المكر والغدر، شديد البأس والبطش، يخيف من ليس من شأنه أن يخاف، ويضطر اثبت الناس قلبا وأشدهم استهزاء بالحياة إلى أن يعدو عدو الشنفري وتأبط شراً وابن براق، حتى يدفع إلى دار من الدور، ثم إلى بيت من بيوت هذه الدار، فلا يدخل هذا البيت من بابه كما أمر الله أن تؤتى البيوت، وإنما يدخله من إحدى نوافذه. وفي هذه الأزقة شيخ وقور، ظاهره يخيف، وباطنه فيه الرحمة واللين، وفيه الرفق والدعة، وفيه الأدب وحسن الذوق. كل هذه الأشياء، وكل هؤلاء الأشخاص، يمكن أن تضاف ويمكن أن يضافوا إلى هذه العنوانات التي قدمتها بين يدي هذا الكلام، ولكني لم أضفها تحرجاً من الإطالة وإشفاقا من الإطناب، وإيثارا للإيجاز البليغ. وأنا أستطيع بعد أن وضعت هذا العنوان وأتبعته بهذا الكلام، أن أتحول بك إلى ما شئت أنت أو ما شئت أنا من الموضوعات فأتحدث إليك فيه حديثا طويلا أو قصيراً، وأعرض

стр. 3138

عليك فيه صوراً جميلة أو دميمة، وأثير في نفسك به عواطف هادئة أو جامحة، وأرسم على وجهك به ابتساما وضحكا، أو عبوساً وتقطيباً، حتى إذا بلغت من هذا كله ما تريد أنت، أو ما أريد أنا، أو ما نريد جميعاً، ذكرت النقد والطربوش وزجاج النافذة. واعتقدت أنا أو خيلت إليك إني أعتقد، واعتقدت أنت أو خليت إلى انك اعتقدت، واعتقد صديقي الأستاذ المازني، أو خيل إلى نفسه والينا أنه يعتقد، أني قد أمتعت الرسالة وقراء الرسالة بفصل قيم أو غير قيم، قوامه الحديث عن النقد والطربوش وزجاج النافذة!. وتسألني ما بال الأستاذ المازني يقحم هنا إقحاما، وما خطبه مع النقد او الطربوش وزجاج النافذة ومرق الفول النابت، وماء المخلل، وما يتبع هذا كله من الأشياء والأحياء؟ فأجيبك بأن هذا السؤال لا ينبغي أن يساق إليّ، وإنما ينبغي أن يساق إلى الأستاذ المازني، فهو الذي تحدث عن هذا كله، وهو الذي أثارني إلى أن أتحدث عن هذا كله، وليس من شك في أن الأستاذ المازني سيقول في دعابته الحلوة الظريفة، وما أنت وجر الشكل، وما لك تدخل بيني وبين النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الملحقات؟. ولكن الأستاذ يوافقني أو لا يوافقني - فهذا سواء - على أنه صاحب فن، وعلى أن أصحاب الفن إن كتبوا لأنفسهم فهم ينشرون للناس، وعلى ان صاحب الفن لا يملك أثره الفني بعد أن يلقيه إلى الناس. وعلى أن من حق الناس إذا ألقى إليهم شيء أن يتناوله كما يحبون، يعجبون به أو يسخطون عليه، يرغبون فيه أو ينصرفون عنه، يحمدونه أو يسلطون عليه اللوم. وإذن فقد ألقى إلينا الأستاذ المازني فصله الممتع البديع الذي أثارني إلى أن أتحدث إليك عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، أو إلى أن أتحدث إليك عن الأستاذ المازني نفسه من وراء هذه الأشياء التي لا تحصى، والتي لا أكره تكرارها، وما أظنك تكره تكرارها، وهي النقد والطربوش وزجاج النافذة والأزقة وما يتراكم على أرضها من الوحل، وما تصبه سماؤها من السائل والجامد، ومن يمشي بين ذلك من الأشرار والأخيار. وللأستاذ المازني مع هذه الأشياء كلها، ومع هؤلاء الناس كلهم، ومعك أنت، ومعي أنا، قصة طريفة ظريفة، خليقة أن تقص، وخليقة أن تثير الإعجاب. فهل تدري ماذا دفع الأستاذ المازني إلى أن يتحدث عن هذه الأشياء، وعن هؤلاء الأشخاص، فيثيرني إلى أن أتحدث عنه، وعنها، وعنهم؟ هو شيء يسير، يسير جداً، هو أنه أديب يقرأ في الكتب،

стр. 3139

ويكتب في الصحف، وينقد الكتاب والمؤلفين. وقد تتغير الأزمنة وتتبدل ظروف الحياة وترقى الأجيال بعد انحطاط، ولكن هناك شيئاً لا يتغير ولا يتبدل في حقيقة الأمر، وهو أن الأدب محنة يمتحن بها الأدباء، ونقمة يصيب الله بها هؤلاء الذين يمنحهم شيئاً من حسن الذوق والقدرة على فهم الأدب وتقريبه إلى الناس. وقد امتحن الله صديقنا المازني ووفر له من نقمة الأدب وبلائه حظاً عظيماً، فجعله شاعراً مجيداً وكاتباً بارعاً، وناقداً مسموع الكلمة، مهيب الجانب، مقدور الرأي، لا يصدر كتاب إلا أراد الناس أن يعرفوا رأيه فيه وحكمه عليه. وكان صاحب الكتاب نفسه أحرص الناس على ذلك وأشدهم طلبا له وإلحاحاً فيه. والكتب تمطر على الأستاذ المازني، ويمطر معها طلب النقد وطلب التقريظ، والنقد والتقريظ يحتاجان إلى القراءة والدرس. وإذن فالمازني المسكين مصروف عن نفسه وعن فنه وعن كتبه، إلى هؤلاء الناس الذين يكتبون، والى هؤلاء الذين يقرأون. ومن هنا ومن جهات أخرى أيضاً كان المازني شقياً بالأدب، وأن كان الأدب سعيداً بالمازني، وأي دليل على شقاء المازني بالأدب وسعادة الأدب بالمازني، أقوى من هذه القصة التي أحدثك عنها الآن؟ فقد اخرج كاتب من الكتاب كتاباً من الكتب، وأهداه إلى الأستاذ بالطبع. وعرف الناس أن هذا الكتاب قد أهدى إليه فأخذ الناس ينتظرون، وأخذ صاحب الكتاب بنوع خاص ينتظر، فلما طال الانتظار كان الطلب، ولما كان الطلب ولم يجد شيئاً كان الإلحاح. واضطر المازني إلى أن يذعن، وأكره المازني على أن يكتب، ولكنه كان قد أرسل الكتاب إلى من يجلده. فلما اشتد عليه الإلحاح ذهب في طلب الكتاب من المجلد. فدفع إلى رحلة غريبة، والى استكشاف أغرب. دفع من هذه الأحياء المتحضرة التي تتسع فيها الشوارع، وتجري فيها السيارات، وتنتشر فيها الشرطة، والتي لا تتغطى أرضها بالوحل، ولا تمطر سماؤها مرقا ولا مخللا، إلى أزقة ضيقة ملتوية فاسدة الهواء، تعيش فيها أجيال من المردة والشياطين، وفي هذه الأزقة عرف المازني الخوف والفرق، وعرف الهرب والغلو فيه، وعرف كيف يكون وقع الأحجار على الأجسام، وكيف يكون وقع الشتائم في النفوس. ثم عرف كيف يفقد الناس طرابيشهم، وكيف ينظرون إليها وهي تهان وتمرغ في الوحل تمريغاً، ثم عرف كيف يدفع الهاربون إلى اقتحام الدور والاستخفاء في البيوت وقد غاب

стр. 3140

عنها أهلها. ثم عرف قصة الرجل الذي ذهب يطلب كتاباً ففقد طربوشه وعاد صفر اليدين. والغريب أن هذه الرحلة الهائلة وما امتلأت به من الأخطار كانت كلها في القاهرة، وفي ساعات قصيرة، ولست أدري فيم يحتاج الذين يحبون الأخطار إلى التماسها في الصحراء أو في الجبال أو على الذين يحبون الأخطار إلى التماسها في الصحراء أو في الجبال أو على البحر المحيط، مادام الانتقال من حي من أحياء القاهرة إلى حي آخر، خليقا أن يرينا من الهول والخطر مثل ما رأى صديقنا الكاتب الأديب ومن هنا نستطيع أن نفهم ضيق المازني بالأدب والأدباء، وبالكتب والمؤلفين وتضرعهم المتصل إلى الله أن يعفيه من هذه الصناعة التي يشقى بها، ولكنها تسعد به وتسعد الناس أيضا. ولكن الأستاذ المازني يتساءل في شيء من الحيرة أيجب أن يقرأ ما يريد هو أم يجب أن يقرأ ما يريد الناس؟ وإذا سمح لي بأن أجيبه فإني أرى أنه ملزم بان يقرأ ما يريد، وبأن يقرأ ما يريد الناس، مادام قد أقبل على صناعته هذه راضيا بها أو مكرها عليها، ولكن السؤال الذي أحب أنا أن أسأله هو. هل يظن الأستاذ المازني أنه أبرأ ذمته أمام القراء وأمام المؤلف بهذا الفصل البديع الذي كتبه منذ أيام، فحدثنا فيه عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، وعما تحمل الأرض من وحل، وما تمطر السماء من مرق؟ فان كان يظن أنه قد أرضى قراءه وصاحبه بهذا الفصل فقد أصاب وأخطأ في وقت واحد: أصاب لأن الفصل بديع، وأخطأ لأنه لا يغني من النقد شيئاً، فلن يعفيه صاحب الكتاب من الإلحاح عليه، ولن يدعه حتى يقول إنه قد قرأ هذا الكتاب فرضى عنه أو سخط عليه. وسؤال آخر، أحب ألا يغضب صديقي المازني حين أسوقه إليه. ما باله يطغى على نفسه ويسرف عليها في الطغيان، ويصورها هذا التصوير الذي لا يلائمها بحال من الأحوال، والذي لا نحبه لها؟ فهل من الحق أنه هياب إلى هذا الحد؟ كلا، ولكنه يحب أن يعبث بنفسه فيسرف في العبث، وأكبر الظن أننا ان حدثناه في ذلك ضاق بنا وضجر، وشكا من هؤلاء الطفيليين الذين يدخلون بين الناس وبين أنفسهم، وقال إذا لم يكن لي الحق في أن اعبث بنفسي فلمن يكون الحق في أن يعبث بها إذن؟ أما أنا فأجيب الأستاذ بأن هذا الحق ليس مباحاً لاحد، ولكن الناس يستبيحونه لأنفسهم، سواء أرضى الأستاذ أم لم يرض، وأنا أتحداه، وأطلب إليه، أن يريني كيف يستطيع أن يمنع الناس من أن يتناوله بما يحبون من

стр. 3141

ألوان النقد والعبث لا بما يحب هو، كيف يستطيع أن يمنع الناس من ذلك دون أن يخرج عن طور الكاتب الأديب؟ وإذن فما له يظلم نفسه هذا الظلم، ويلح عليها بهذا العبث الذي لا قصد فيه، أم هل ضاقت الدنيا بالأستاذ كما ضاقت بالحطيئة ذات يوم فيما يقال فهجا نفسه، لأنه لم يجد من يهجوه، أم هل كره الأستاذ الأخذ والرد، وضاق بالحوار والجدال، وكره أن يذكر الناس فيغريهم بذكره، فآثر أن يذكر نفسه هذه المسكينة التي لا تجد من يدافع عنها ويحميها من صاحبها الطاغية. فان تكن هذه فقد أخطأ المازني، فهأنذا أدافع عن المازني برغم المازني. أخشى ألا يكون لشيء من هذا كله أصل ولا فرع كما يقولون، وان يكون المازني قد أراد نفقد الكتاب الذي طلب إليه نقده، فمضى به الخيال ومضت به الدعابة إلى هذه الأزقة الضيقة الملتوية، يبحث فيها عن الكتاب وصاحب الكتاب، فلم يفد إلا أن فقد طربوشه وأضاع على صاحبه الشيخ زجاج نافذته، ولم يجن لنفسه ولا لصديقه المؤلف شيئاً. وويل للكتاب وللمؤلفين من دعابة المازني ومجونه، وويل للكتاب والمؤلفين من الغاز المازني ورموزه، بل ويل للمازني نفسه من طغيان خياله وجموحه، فان في هذا الجسم النحيل الضئيل جسم هذا الرجل الهادئ الوديع ماردا كالمردة وشيطاناً لا كالشياطين. أما بعد، فلنذكر النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الأشياء والأشخاص، لنختم المقال كما بدأناه، وليعلم المازني أنا لم نتحدث عنه، ولم نشر إليه، ولم نفكر فيه، وإنما تحدثنا عن كتاب نقد، وطربوش فقد، وزجاج حطمه فتى من الفتيان تحطيماً. طه حسين (والراديو أخيراً! للأستاذ احمد أمين نشأت في حي وطني، لم يأخذ من المدنية الحديثة بحظ قليل ولا كثير، يعيش أهله عيشة وادعة هادئة بطيئة، لم تتغير عن معيشة القرون الوسطى إلا قليلاً، ولم تنقطع الصلة بينهم وبين آبائهم وأجدادهم، إذا عرضت عليهم صفحة من حياة مصر قبل بضع مئات من السنين فهموها حق الفهم، وقرأوها في أنفسهم وفي معيشتهم، فكانت الصلة بيني وبين سكان القاهرة في عهد الفاطميين أو الأيوبيين أو المماليك أقرب من الصلة بين ابني وعهد

стр. 3142

إسماعيل. فالحياة في السنين الأخيرة غيرت سكان المدن تغييراً كبيراً، ونقلتهم نقلة مفاجئة سريعة، حتى ليحملق الطفل في عينك استغراباً إذا حدثته بحديث يتصل بالحياة الاجتماعية في عهد جده أو جدته، ويرى كأن الدنيا خلقت خلقاً جديداً. كانت حارتنا تمثل طبقات الشعب المختلفة، يسكنها البائع المتجول، يظل نهاره وشطراً من ليله متنقلا من الحارات والشوارع، ينادي على البلح في موسم البلح، والخيار في موسم الخيار. وأسرته وأقاربه يعيشون جماعات في بيت كبير عيشة بائسة تعسة، كل جماعة في حجرة. وطائفة من الموظفين من رئيس قلم في وزارة الأوقاف، وكاتب في وزارة الأشغال يمثلون، الطبقة الوسطى في حياتهم الاجتماعية والمدنية. وبيت أرستقراطي واحد كان ربه نائب المحكمة الشرعية العليا، وكان متقدماً في السن، عظيم الجاه، وافر المال، له الخدم والحشم، ويرهبه الكبير والصغير، وله عربة فخمة، تضرب خيولها الأرض بأرجائها فتملأ القلوب هيبة، وكان كل سكان الحارة يسمونه (الشيخ) من غير حاجة إلى ذكر اسم، فالشيخ ركب، والشيخ جاء، وعند بيت الشيخ - وكان الشيخ نعمة على الحارة، فلا تستطيع امرأة أن ترمي ماء قذراً أمام بيتها خوفاً من الشيخ، ولا يستطيع قوم أن يرفعوا أصواتهم في السباب والنزاع خوفاً من الشيخ. ولذلك امتازت حاراتنا من مثيلاتها ومما يجاورها بالنظافة والهدوء. كان بين سكان الحارة رابطة تشبه الرابطة بين أفراد القبيلة، يعتز الأولاد بحارتهم ويهتفون بها في النداء، ويكون بينهم وبين أولاد الحارة الأخرى منافرة فيحتكمون إلى القوة، ويعتزون بالناشئ الشجاع يظهر بينهم يذود عنهم، ويجلب الفخر لحارتهم - ويرعى سكان الحارة حق الجوار بأدق معانيه، يعودون أحدهم إذا مرض، ويهنئونه إذا عوفي، ويواسونه في مأتمه، ويشاركونه في أفراحه، وهم في ذلك سواسية، لا يتعاظم غني لغناه، ولا يتضاءل فقير لفقره. وكان لكل بيت من بيوت الطبقة الوسطى منظرة (مندرة) يتبادلون الاجتماع في أحدها. فيسمرون فيها السمر الحلو اللطيف، وأحياناً يحيون الليلة في سماع قرآن أو حفلة طرب، ولحسن حظي كان بجوار بيتنا موظف في الأوقاف يهوى الناي ويتقنه، فكان كثيراً ما

стр. 3143

يحيي أصدقاؤه في منظرته حفلات شقية بديعة، إليها يعود الفضل فيما لي من إذن موسيقية وميل لسماع الغناء والافتنان به. كان من المناظر التي لا أنساها طائفة من الرجال، قد لبس كل منهم على جلبابه الأزرق ميدعة من الجلد، يحمل القربة على ظهره ويمشي بها في ركوع، وهم يغدون في الحارة ويروحون، ينادي أحدهم بعد أن يفرغ قربته في الزير (سقّا عَوّض) وهي كلمة كنت أفهم منها المناداة على الماء ولكن ما كنت أفهم معناها تفصيلا. بل ربما لم أفهمه إلى الآن. فإذا سمعته سيدة أطلت من الشباك وأمرته أن يأتي لها بقربة حلوة أحياناً، ومالحة أحياناً، وربما تصنعت في مناداتها فرققت من صوتها، وتدللت في نغمتها، فكانت فتنة للسامعين. وكثيراً ما طال النزاع بين السقا وربة البيت: فهو يقول ان القرب صارت سبعاً وهي تأبى إلا ستاً، ويطول الحوار والجدل والقسم بالإيمان، وأحياناً يتفادى السقا هذا الجدل بطريقة من طريقتين. إحداهما أن يوزع خرزاً من نوع خاص على صاحبة البيت عشراً عشراً، أو عشرين عشرين وكلما أتى بقربة أخذ خرزة، فإذا فرغ الخرز علم أنه تم العدد فأخذ حسابه. وثانيتهما انه كلما أتى بقربة خط على الباب بحجر أبيض خطاً - ولم يكن يعرف الطباشير ولا كتابة الأرقام - وأحياناً يتهم السقا ربة البيت بأنها مسحت خطاً، وأحياناً تتهمه هي أنه خط خطين لقربة واحدة، فإذا تكرر مثل ذلك ابى السقا في معاملة هذا البيت إلا أن يأخذ نصف القرش ثمن القربة الحلوة قبل أن يتحرك من مركزه أمام باب الحارة وفي يوم من الأيام حول سنة ١٩٠٠ رأيت الحارة قد مزقت وحفرت فيها الحفر طولاً وعرضاً، ومُدّت المواسير وأدخلت في بيتنا الحنفية واستغنينا عن السقا، وأراحنا الله من سماع النزاع حولنا، وأصبح الماء في كل طبقة من بيتنا، في أسفله وأوسطه وأعلاه، وشعرت أن البيت قد دبت فيه الحياة. فالله يقول (وجعلنا من الماء كل شيء حي) وما أنس لا أنس خادماً أتت منزلنا إذ ذاك من قرية من قرى الفلاحين فعَجبَتْ أشد العجب من الماء يخرج من الحائط ثم لا ينقطع إلا إذا شئنا، وحارت في تعليل ذلك، وأظنها حائرة إلى اليوم إن كانت على قيد الحياة. وألفنا الماء يخرج من الحائط، وذهب الألف بالعجب، ولكن ظللنا نستضئ بالجاز، وهو ما يسميه سادتنا العلماء زيت البترول، وكان لمضايقاته أشكال من العذاب وألوان، فيوماً

стр. 3144

ضُرِبْتُ لأني أرسلت لأشتري زجاجة لمبة فكسرت مني في الطريق، وكثيراً ما فسد مفتاحها فإذا أدرناه يميناً أخذ يرتفع اللهب ثم يرمينا بالهباب، وإذا أردناه شمالاً أخذ يهبط حتى لا نرى. وهكذا دواليك، حتى يضيق الصدر ونذهب إلى النوم قبل الموعد - وكثيراً ما نكون في سمر لذيذاً وحديث ظريف أو قراءة مُلِحةّ، ثم نسمع الزجاجة كسرت فينكسر قلبنا لأن الوقت ليس وقت بيع وشراء، أو ننظر فإذا الجاز قد فرغ ولا جاز لنا! ثم رأينا الأسلاك تحزم البيت، وتحزم كل حجرة فيه وتدخل بيتنا الكهرباء فندير المفتاح يميناً فتضيء الحجرة ونديره شمالاً فتظلم - وأبى الله إلا أن يرزقنا هذه المرة أيضاً بخادم خطبت في قريتها وأرادت السفر لتتزوج، فطلبت منا أن نعطيها لمبة من اللمبات الكهربائية أو لمبتين لتنيرها في حجرتها ليلة زفافها - وكان لهذه الخادم فصل اظرف من هذا وألطف، فقد نظرت أول ما أتت من قريتها إلى السقف فلم تر فيه عروقاً تحمل ألواح الخشب (لانه كان من الأسمنت المسلح) فصعدت إلى السطح لتحقق الأمر لعل السقف مقلوب، وان العروق من فوق والأخشاب من تحت، فلما لم تر عروقاً فوق ولا تحت، أحست بالخيبة في تعليلها، وفوضت إلى الله أمرها!. . ثم دار الزمن دورته وإذا بعامل يأتي ليحزم البيت من جديد، وإذا بالأسلاك تمد وعدة صغير تركب وجرس يدق وإذا بالتليفون، وإذا بنا نتصل بمن في القاهرة وضواحيها بل بمن في أنحاء القطر ويتصل بنا من أحب، وأحسست إذ ذاك أن البيت قد استوفى حظه من الحياة كما يستوفيها الجسم الحي الراقي من شرايين وأوردة على أدق ما تكون من نظام - وكان لي مع التليفون متاعب أود أحياناً أن لو كان لم يكن، وأحياناً محامد احمد الله ان كان - فقد كنت قاضياً، وبيتي وحده من بيت القضاة فيه تليفون يصلني برئيس المحكمة، فقد يتغيب قاض فجأة عن الجلسة فيدق التليفون - آلو - انتدبناكم اليوم لمحكمة العياط، ومرة أخرى لمحكمة الصف، وقد يكون اليوم ثقيلاً، حر يذيب رأس الضب، وأو برد يقفّ منه الجلد - على كل حال - فكثيراً ما كان نذيراً بشر، وكثيراً ما كان بشيراً بخير. وأخيراً أتى العامل أول أمس يزيد الأحزمة حزاماً ولكنه في هذه المرة حزام ناقص - خط رأسي وخط أفقي، وآلة لا يأبه لها النظر، وفي ذلك سر عجب، هذا هو الراديو - فيه علم إن شئت، وفن إن أردت، وناطق إن أصغيت، وساكت إن أعرضت، ومتحدث بكل لسان،

стр. 3145

وواصلك بكل مكان - إن شئت معلماً فمعلم، أو غناء فمغن، أو فناً ففنان - يهزل حيث تحب الهزل، ويجد حيث تهوى الجد. يمتاز عن التليفون بأن التليفون طالب ومطلوب، فإذا كان طالباً فقد يفجعك بخبر، أو يوقظك من نوم، أو يحملك مطلبا يشق عليك، أو يصلك بمحدث يثقل على نفسك، ثم تريد أن تتخلص منه فلا تستطيع، فقد لزم الأمر، وحم القضاء. أما الراديو فليس إلا مطلوبا، هو عبد مطيع، وخادم أمين، إما ساكت أو متكلم بما أحببت، نديم ظريف، جهينة أخبار، وحقيبة أسرار، ترياق الهم، ورقية الأحزان، قد تكون له مساوئ لم أتعرفها فان جربتها فسأحدثك عنها بعد. أين أنت أيتها الخادم التي عجبت من حنفية الماء، وأين أنت أيتها الأخرى التي عجبت من مصباح الكهرباء، لو كنتما اليوم في بيتنا لشاركتكما العجب، ولوقفت معكما حائراً من العلم الحديث، والفن الحديث، ولانفردت عنكما بالحزن العميق على أن ليس لنا من هذه المخترعات إلا المشاركة في الاستهلاك لا في الإنتاج، وإننا، في مواسير - الماء ومصابيح الكهرباء وآلات الراديو والتليفون - وما إلى ذلك من شؤون المدنية، لنا أن نشتري وليس لنا أن نبيع، ولنا أن نكون من النظارة ولكن ليس لنا أن نكون من الممثلين، ولنا أن نستورد ولكن ليس لنا أن نصدر. إن كنت أيها الراديو قد دخلت البيت أخيراً فلست آخر ما يدخل، فهم يحدثوننا عن سلك آخر سيدخل قريباً يحمل الصور كما تحمل أنت الصوت، فان كنا الآن نسمع لك فسنسمع بعد ونرى - ومن يدري! لعل أسلاكاً أخرى تدخل توزع الحرارة والبرودة بقدر، وأسلاكاً وأسلاكاً - بل لعل هذه الأسلاك لا تعجب الجيل القادم فيراها بعد ان يتحرر رمزاً لعصر بغيض أولع الناس فيه بالقيود حتى سلسلوا بيوتهم بهذه السلاسل، وسيهزأون بهذا النوع من الحياة الساذجة التي تستعين على الرغبات بالمواسير والأسلاك - وسينظرون إلينا كما ننظر نحن إلى سكان ما قبل التاريخ، وسيعجبون إذا فرحنا باتصالنا بأهل الأرض مع انهم اتصلوا بأهل السماء ,. وستعود البيوت من غير أسلاك، ولكنها وافيه بالمطالب التي نستمتع بها، والتي نحلم بها، والتي لا يقدر خيالنا الآن حتى على الحلم بها، ويخلق ما لا تعلمون. أحمد أمين

стр. 3146

بعد حوادث النمسا النمسا الجمهورية في خمسة عشر عاما ٣ - الحرب الأهلية وما بعدها للأستاذ محمد عبد الله عنان أخذت الحياة البرلمانية في النمسا تنحدر منذ أوائل العام الماضي إلى معترك من الصعاب والعواصف، وألفت حكومة الدكتور دولفوس نفسها في مأزق صعب. ولم يك ثمة بد من أن تنتصر المعارضة - أعني الديموقراطية الاشتراكية - إذا تركت الأغلبية البرلمانية في سبيلها وخصومتها، أو تتوسل الحكومة لبقائها بوسائل أخرى. ولكن وقعت في يوم ٤ مارس أزمة برلمانية الفت الحكومة فيها فرصتها ووسيلتها، وذلك أن مناقشة عاصفة حدثت في البرلمان في ذلك اليوم حول تصرف نائب اشتراكي اتهم بأنه وضع ورقتين في صندوق التصويت، واشتد القذف والاتهام والهرج من الجانبين، فاستقال الدكتور رنر رئيس المجلس واستقال الوكيلان، ومن ثم غدا انعقاد المجلس مستحيلاً، إذ لا يستدعيه للانعقاد طبقا لنص الدستور سوى الرئيس أو أحد وكيليه؛ وقدمت الوزارة استقالتها للرئيس ميكلاس فأبى قبولها، وفوض لرئيسها ان يعمل بقوانين الطوارئ، وبذا اتخذت الوزارة صبغة دكتاتورية، واستطاعت أن تصدر بعض القوانين الاستثنائية التي رأت ان الحاجة تدعو إليها مثل رقابة الصحافة، ومنع الاجتماعات والمظاهرات السياسية الخطرة على النظام؛ بيد ان الوزارة ما لبثت أن اضطرت أن توجه كل جهودها لمقاومة خطر آخر. أخذ يشتد شيئاً فشيئاً وينذر مصاير النمسا بشر العواقب؛ ذلك أن الوطنية الاشتراكية الألمانية أخذت منذ استيلائها على مقاليد الحكم في ٣٠ يناير (سنة ١٩٣٣) تتدخل في شئون النمسا بطرق ووسائل عديدة، وبث الدعاة الهتلريون في جميع أنحاء النمسا دعوة شديدة لتحقيق مشروع الاتحاد النمسوي الألماني (الانشلوس). وضم النمسا لألمانيا كما نعلم غاية جوهرية من غايات الوطنية الاشتراكية الألمانية سجلت في برنامج الهر هتلر منذ إنشاء الحزب الوطني الاشتراكي، وعبر عنها (بتحقيق وحدة الشعوب الجرمانية)، وقد شرحنا فيما تقدم كيف نشأت فكرة اتحاد النمسا مع ألمانيا وتطورت. وكانت الفكرة ما تزال قوية في النمسا

стр. 3147

لدى الكتلة المحافظة حينما ظفرت الوطنية الاشتراكية بتولي الحكم في المإنيا، ولم يكن يعارضها سوى الاشتراكيين الديموقراطيين؛ ولكن السياسة العنيفة الهوجاء التي اتبعتها حكومة برلين إزاء النمسا، كانت كما قدمنا سبباً في انهيار مشروع الوحدة، وكشف عدوان الوطنية الاشتراكية وصلفها وتجنيها في الحال للشعب النمسوي عن فداحة الخطر الذي يهدد استقلاله وكيانه، وأيقن ان هذه الوحدة لا تعني في نظر برلين سوى خضوعه وعبوديته، وثارت حكومة فينا ومن ورائها الشعب كله ضد هذا التجني، وأبدى الدكتور دولفوس حزما وصرامة في قمع الدعوة الوطنية الاشتراكية التي تنظمها حكومة برلين وتمدها بالمال والنصح، وأجاب الهتلريون بتدبير سلسلة من الاعتداءات والحوادث الجنائية، ولا سيما في فينا وسالزبرج (شهر يونيه). وأجابت حكومة برلين على ذلك بمنع السياح الألمان من زيادة النمسا، وفرضت غرامة فادحة للتصريح بهذه الزيارة، وساءت العلائق بين فينا وبرلين إلى أعظم حد، وشغلت وزارة دولفوس بذلك الخطر الجديد الذي يهدد أمن النمسا وسلامتها، ولم تدخر وسعاً في مقاومته، وأيدها في ذلك خصومها الديموقراطيون الاشتراكيون لأنهم أدركوا الخطر الذي يهدد الديموقراطية إذا ظفرت الوطنية الاشتراكية في النمسا؛ وعمد الدكتور دولفوس إلى العمل السياسي، فزار رومة ولندن وباريس ليثير قضية النمسا باعتبارها مسألة أوربا الوسطى، وليبين أن استقلاها مسالة دولية تهم قضية السلام الأوربي كله؛ فنجحت مساعيه في هذا الشأن؛ واستطاع أن يغنم مؤازرة دول الحلفاء ضد السياسة الألمانية، وأن يحصل على تعديلات هامة في النصوص العسكرية لمعاهدة سان جرمان، إذ سمح للنمسا أن تزيد جيشها ووسائلها الدفاعية؛ وتولى الجنرال فاجوان وزير الحربية وزعيم الحزب المسيحي الاشتراكي (بعد وفاة المونسنيور سيبل) تنظيم القوات الجديدة، ونظم قوات الهايمفر أيضاً لتعاون في تأييد النظام، واستطاع الدكتور دولفوس بكثير من الحزم والشجاعة والجلد أن يحبط تحريضات الدعوة الألمانية ودسائسها، وكاد يفقد حياته في ذلك السبيل، إذ أطلق عليه الرصاص من أحد الدعاة الهتلرين وأصيب إصابة خطيرة (في ٣ أكتوبر) ولكنه نجا، ولم يزده الاعتداء سوى شجاعة وإقدام في مقاومة الخطط والدعوات الهتلرية ومطاردة أنصارها في جميع أنحاء النمسا.

стр. 3148

في أثناء هذا الصراع كانت الديموقراطية الاشتراكية ترقب مجرى الحوادث. وكانت الخصومة الخالدة بين الديموقراطية والكتلة المحافظة (الاشتراكيين المسيحيين والهايمفر) ما تزال قائمة، ولكن الديموقراطيين الاشتراكيين كانوا يؤيدون الحكومة في قمع الدعوة الوطنية الاشتراكية، ويشتركون معها في خصومة الجبهة النازية (الوطنية الاشتراكية) لأنها خطر فادح على مثلهم وكيانهم، بيد أنهم لم يهادنوا الحكومة في غير ذلك، ولم يتركوا فرصة لمعارضتها والعمل على إسقاطها؛ وكانت الحكومة من جانبها تخشى خطط الديموقراطية ومفاجآتها، خصوصاً مذ تذرعت بالسلطة الدكتاتورية، ورفضت إجراء الانتخابات وإعادة الحياة النيابية، كانت المعركة دائمة مستمرة بين الجبهتين اللتين تشغل خصومتهما حياة الجمهورية منذ قيامها، ولكنها كانت في الأشهر الأخيرة معركة تربص وأهبة، وكان من الممكن بل من الطبيعي أن يقع الصدام بينهما من آن لآخر، كما وقع دائماً خلال الأعوام الأخيرة، بيد أنه لم يكن يتوقع أحد أن تضطرم بينهما معركة الحياة والموت في مثل هذه الظروف العصيبة، ولم يكن يتوقع أحد بالأخص أن تلقى الديموقراطية النمسوية حتفها في تلك المعركة وأنت تختفي من ميدان الحوادث بمثل هذه السرعة. ولقد شهدنا منذ أسابيع قلائل فقط تلك المعركة الهائلة وتتبعنا حوادثها السريعة بمنتهى الروع والدهشة؛ كانت مفاجأة لم تتضح حتى اليوم ظروفها وبواعثها الحقيقية. ونكتفي بان نقدم هنا خلاصة وجيزة عن تلك الحوادث التي لا تزال ماثلة في الأذهان: ففي ظهر يوم الاثنين الثاني عشر من شهر فبراير، ذهبت سرية من رجال البوليس لتفتش دار العمل (مركز الديموقراطيين الاشتراكيين) في مدينة لنتز عاصمة النمسا العليا، فأطلق الجند الديموقراطيون (الشوتسبند) النار على البوليس القوا عليه القنابل فقتل عدة من رجاله؛ فأرسلت الحكومة في الحال عدداً كبيراً من الجند، ونشبت المعركة الأولى في لنتز بين الديموقراطيين وجند الحكومة، والظاهر أن هذا الحادث الأول كان إيذاناً بنشوب المعركة العامة. ففي نفس الوقت قطع العمال في فينا التيار الكهربائي فعطلت المواصلات، وأعلن الاعتصاب العام؛ وكان ذلك بدء الحرب الأهلية فأعلنت الحكومة القانون العسكري وحشدت القوات بسرعة البرق في كل ناحية، ولم يأتي المساء حتى كانت مدينة فينا تضطرم بلظى معارك هائلة؛ وتحصن رجال الشوتسبند في مساكن العمال الكبرى، ولا سيما في كارل

стр. 3149

ماركس هوف، وأوتاكرنج وسيمرنج وفلوريتسدورف، وغيرها من ضواحي المدينة الآهلة بالعمال، وأصلوا جند الحكومة وابلا من الرصاص والقنابل، وأطلقت قوات الحكومة المدافع الكبيرة على معاقل الاشتراكيين؛ واستمرت المعارك في اضطرامها وشدتها حتى يوم الأربعاء. ووقعت مثل هذه المعارك في عدة مدن في الاقاليم، ولا سيما بروك وشتير وجراتز واشترك جنود الهايمفر مع قوات الحكومة؛ وأبدى الاشتراكيون شجاعة وبسالة نادرتين في الدفاع عن معاقلهم وأنفسهم؛ واستعملت الحكومة منتهى الشدة والعنف؛ وقبضت على الموظفين الاشتراكيين وعلى أعضاء المجلس البلدي؛ وقررت حل الحزب الاشتراكي الديموقراطي ومصادرة مراكزه وأوراقه وأمواله وصحفه وكل مؤسساته، وصدرت أحكام الإعدام ونفذت على كثير من الاشتراكيين، ولم يأت مساء الخميس ١٥ فبراير أي لرابع يوم فقط من بدء القتال حتى كانت قوى الاشتراكية الديموقراطية قد حطمت في كل ناحية، وغدت فلولا ممزقة؛ وقبض على عدة من زعمائها مثل رنروسايتز وسفر، وفر الزعيمان باوروديتش إلى تشكوسلوفاكيا؛ وانتهت تلك المأساة الدموية بمقتل ألفين وجرح آلاف من الجانبين؛ واختفت الديموقراطية الاشتراكية من الميدان، واختتمت حياتها القوية الحافلة بسرعة، وقضت الكتلة المحافظة (الاشتراكيون المسيحيون والهايمفر) على خصومها الخالدين لتنفرد بالأشراف على مصاير النمسا ولقد كان سحق الديموقراطية عملا في منتهى الجرأة والخطورة من جانب الدكتور دولفوس وزملائه وخصوصاً لما اقترن به من العنف والضحايا الفادحة. ومن الصعب أن نقول اليوم كلمة حاسمة سواء في المسئولية أو النتائج؛ فأما من حيث المسئولية فان حكومة فينا ترجعها جميعاً إلى الاشتراكيين، وتقول انه يبدو من اضطرام الثورة في معظم أنحاء النمسا في وقت واحد، ومن شدة المقاومة التي بذلها الاشتراكيون، ووفرة الأسلحة والذخائر التي وجدت لديهم، ومناعة الأبنية التي اعتصموا بها، أن الثورة كانت مدبرة، وأن الديموقراطية الاشتراكية كانت تتأهب للقيام بضربة عنيفة للاستيلاء على مقاليد الحكم؛ بيد أنه يقال في ذلك أيضاً إن الحكومة دلت على مثل هذه الأهبة، وأن ما أبدت من الشدة والعنف في قمع الحركة، ومن قسوة وإفراط في إراقة الدم، ومن تصميم على سحق الديموقراطية الاشتراكية لا إخضاعها فقط، يدل على أنها عملت بتدبير وقصد وتتهمها بعض الدوائر الخارجية فوق

стр. 3150

ذلك بأنها كانت تعلم في ذلك بوحي من السياسة الإيطالية. وأما من جهة النتائج فان الديمقراطية الاشتراكية كانت سنداً قوياً للحكومة في كفاحها ضد الدعوة الهتلرية، وكانت بطبيعتها هي الصخرة التي تتحطم عليها محاولات الوطنية الاشتراكية الألمانية، فالآن وقد سحقت، فانه يخشى أن لا تستطيع الكتلة المحافظة ان ترد بمفردها عدوان السياسة الألمانية، ومحاولات دعاتها في الداخل؛ واختفاء الديمقراطية الاشتراكية من الميدان يشجع الحركة الفاشستية على الظهور، وقد اشتد ساعدها الآن بالفعل وأضحى لأنصارها (الهايمفر) كبير نفوذ وسلطان في الحكم وفي تسيير الشئون العامة، والهايمفر يملون اليوم إرادتهم على حكومة فينا، وليس بعيداً أن يتحركوا غداً لانتزاع الحكم. بيد أن (الهايمفر) ما زالوا يؤكدون خضوعهم للدستور وولاءهم للحكومة؛ وقد نفوا غير مرة بلسان زعيمهم البرنس شتارهمبرج ما ينسب إليهم من التأثر نوحي السياسية الايطالية؛ وصرح البرنس شتارهمبرج غداة سحق الاشتراكية، بان الفاشستية النمسوية تقتبس حقيقة من مبادئ الفاشستية الإيطالية ولكنها ليست مقلدة عمياء، بل هي تفكر وتعمل طبقاً لظروف النمسا وحاجاتها؛ ولخص برنامج حزبه فقال: أن الهايمفر ابعد ما يكون عن فكرة إرهاق الطبقات العاملة، ولكنهم يعملون لجمع كلمتها حول مثل اجتماعية مشتركة؛ والهايمفر مخلصون لمبدأ الجامعة الجرمانية، ولكنهم أيضاً مخلصون لمبدأ الاستقلال النمسوي، ولا يقبلون بأي حال أن تبسط ألمانيا سيادتها على النمسا، ولا أن تبذل النمسا ذرة من استقلالها في سبيل إرضاء ألمانيا. وهم ينكرون مبادئ السياسة الهتلرية كلها لأنها تنافي مثلهم النصرانية هذا وليس هنالك في الآونة الحاضرة ما يدل على أن الهايمفر يفكرون في القيام بأية حركة لمقاومة الحكومة، وكل ما هنالك بالعكس يدل على أن التفاهم تام بين الفريقين. وقد اتخذت مسألة استقلال النمسا عقب الحوادث الأخيرة أهمية خاصة، ولا سيما لما تبين من أن النازي النمسويين (الوطنيين الاشتراكيين)، سواء داخل النمسا أو في ألمانيا حيث يحتشد منهم عدة آلاف يتربصون الفرص لتنفيذ خطط حكومة برلين، ويدبرون الوسائل لإحداث انقلاب يمكنهم من انتزاع الحكم. وحكومة برلين هي التي تقوم في الواقع بتنظيم هذه الحركة كلها، وقد انتدبت لذلك عدة من الدعاة والمحرضين على رأسهم الدكتور هابخت، وحشدت من اللاجئين النمسويين قوة عسكرية كبيرة تهدد من آن لآخر باقتحام

стр. 3151

الحدود والزحف على فينا. وقد غدت مسالة استقلال النمسا مسألة دولية، وانتهت المساعي التي بذلتها حكومة فينا في ذلك السبيل بأن أعلنت إيطاليا وفرنسا وبريطانيا العظمى في تصريح رسمي بأنها ترى وجوب المحافظة على استقلال النمسا كشرط لاستتباب السلم في أوربا، وأبدت إيطاليا اهتماما خاصاً بمقاومة مشاريع السياسة الألمانية لأنها تهدد سلامة حدودها الشمالية ومصالحها في أوربا الوسطى، وتوترت العلائق من أجل ذلك بين ألمانيا وإيطاليا. وانتهت الجهود التي بذلها السنيور موسوليني في ذلك السبيل بأن عقد أخيراً في رومة ميثاق سياسي اقتصادي بين إيطاليا والنمسا والمجر يرمي إلى توحيد الجهود السياسية والاقتصادية بين الدول الثلاث في سبيل رد أي اعتداء يوجه إلى حقوقها أو مصالحها. وكان من أثر ذلك أيضاً أن قويت الدعوة إلى إعادة الملوكية في النمسا كوسيلة لتقوية استقلالها والقضاء على أسباب الخلاف الداخلي فيها، وليس في معاهدة الصلح (سان جرمان) ما يمنع عودة آل هبسبورج إلى النمسا وعودة العرش النمسوي، ولكن الحلفاء كانوا يعارضون دائماً في هذا العود، بيد أن الفكرة تلقى اليوم قبولا في كثير من الدوائر التي كانت تنكرها من قبل، وقد نشطت هذه الدعوة أخيراً في النمسا، وأقيمت عدة اجتماعات من أنصار الملوكية تحت رعاية الحكومة، وقيل إن الرئيس ميكلاس ينوي الاستقالة من منصبه قريباً ليمهد إلى هذا العود، ولا يوجد في النمسا من يعارض الفكرة الآن بعد ذهاب الديموقراطية الاشتراكية؛ وهي بالعكس تلقى تأيداً من الحزب المسيحي الاشتراكي (حزب الحكومة) ومن حلفائه الهايمفر. ويرى أنصار الفكرة أن عود الملوكية خير وسيلة للقضاء على مشاريع السياسة الألمانية في ضم النمسا (الانشلوس) وأما في الدوائر الخارجية فان إيطاليا وفرنسا اللتين كانتا تعارضان من قبل في هذا العود أشد المعارضة، لا تريان اليوم بأسا منه، وفي وسع فرنسا أن تذلل معارضة حليفتها تشيكوسلوفاكيا وفي وسع إيطاليا أن تذلل معارضة صديقتها المجر، وعندئذ تغدو مسألة عود آل هبسبورج إلى عرش النمسا مسألة تخص النمسا وحدها، وتتوقف على إرادة الشعب النمسوي وحده (تم البحث)

стр. 3152

محمد عبد الله عنان

стр. 3153

التفاؤل والتشاؤم وهل لهما أسباب تاريخية؟ بعض غرائب الخرافات عند الغربيين والشرقيين - ٤ - الملح من الخرافات او بالأحرى من العادات السائدة التي نشترك نحن والمتوحشون فيها عادة أكل الخبز والملح فنتفاءل من الملح لأنه علامة الولاء والصداقة والإخاء. وفي مصر عادة، وهي انه إذا وقع طفل على الأرض رشوا في المكان الذي وقع فيه شيئاً من الماء مذاباً فيه الملح. وهذه العادة شائعة بعض الشيوع حتى اليوم بين الطبقات المتوسطة والوضيعة ويتوهم الفرنجة أنه إذا حدث لا قدر الله وانقلبت المملحة على مائدة الطعام كان ذلك نذير شؤم، إلا إذا اخذ أحد أصحاب البيت شيئاً من الملح المقلوب على طرف ملعقة وألقاه من فوق كتفه اليسرى وهو ينطق بكلمة (ستستروم). وان أهل العصور الغابرة كانوا إذا أرادوا هدم بناء لتطهيره من دنس أو لعنة رشوا على أرضه الملح قبل أن يشيدوه ثانية. ويقول التاريخ أن امرأة لوط تحولت إلى تمثال من ملح، ويقال أن الأقدمين كانوا يعاقبون أرقاءهم المكلفين بنقل الملح بالإعدام لو سقط منهم شيء منه على الأرض. ويذكر كذلك أيضاً أن بعض حكومات أوربا كانت توزع الملح مجاناً على الأسر التي لا يزيد عدد أفرادها على اثني عشر شخصاً، ويعتقد نساء الفرنجة أن سقوط الملح على الأرض نذير شؤم وسوء. أما أصل الاعتقاد فيرجع إلى تأثير الملح في حياة الإنسان وغذائه ولأن الملح كان من اندر الأشياء وجودا عند المتوحشين وانهم مولعون به، يقفون الخصام أحياناً لكي يقايضوا بأي شيء لأجله. يذهب أحدهم إلى تخوم القبيلة الأخرى فيضع ما عنده من سلع ثم يتركها ويعود في اليوم التالي فيجد بدلاً منها ملحاً يحمله إلى أهل قبيلته، وقد كان القدماء يحتاجون

стр. 3154

إلى الملح اكثر منا لان معظم قوتهم كان من النبات لا من الحيوان. ولذلك كانوا إذا اكرموا ضيفاً قدموا له أشهى ما عندهم للنفس وأغلى ما يمكنهم الحصول عليه وهو الملح، وبقيت هذه العادة إلى وقتنا هذا، وكذلك لأنه يستعمل في كثير من الأحوال الدينية عند المسيحيين، فهم يذيبونه في الماء المقدس وكذلك يضعون قليلاً منه على طرف لسان الطفل في حفلة العماد الخبز المرتد من الخرافات التي شاعت في فرنسا ان الفرنسيين يتشاءمون من أكل الخبز المرتد إلى المخبز، وذلك أن الخبازين كانوا يحجزون للجلادين خبزهم الخاص بهم ويضعونه في مكان منعزل، فإذا أتم العامل صنعه أخذه صاحب المخبز ووضعه في مكانه الخاص ريثما يأتي الجلاد فيأخذه، وكان هذا الخبز يسمى الخبز المرتد. السن من الخرافات الفاشية أن يرمي الفتى سنه في عين الشمس من وراء ظهره. وأن بعض طلبة جامعات أمريكا وأوربا إلى يومنا هذه يحتفظون بضروس العقل المقلوعة في جيوبهم ويحرصون على حملها معهم إلى قاعة الامتحان في نهاية كل عام. أما عادة إلقاء السن في عين الشمس فمعروفة عند العرب، وقد ذكرت في أشعارهم، كما هي معروفة عند فتياننا وفتيان الغربيين، بل وفتيان المتوحشين. ومن عادات هؤلاء أن يأخذ الوالد سن ولده فيضعها في أصل شجرة كبيرة ويدعو لولده بأن يبلغ في الرفعة والقوة مثلما بلغت هذه الشجرة، ومن عاداتهم أيضاً أن ينزعوا سناً أو سنين للشاب عندما يتناول سر الرجولة أي عند ما يسمح له بأفعال الرجال. وقد تكون عادة إلقاء السن السائدة الآن بقية من بقايا العصور الغابرة حين كان قلع السن بشير الرجولة، فالصبي يتفاءل بقلع سنه كأنه يرى في ذلك دليلاً على انه اقترب من الرجولة، وقد يتساءل القارئ الآن: لماذا يقلع رجال القبيلة سناً أو سنين للشاب الذي يريد الدخول في زمرتهم؟ والجواب أن هذا القلع يجري على سبيل تجربة الشاب من حيث القدرة والجلد على تحمل الآلام

стр. 3155

يتبع إبراهيم تادرس بشاي
следующие страницы →