Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
الحدود والزحف على فينا. وقد غدت مسالة استقلال النمسا مسألة دولية، وانتهت المساعي التي بذلتها حكومة فينا في ذلك السبيل بأن أعلنت إيطاليا وفرنسا وبريطانيا العظمى في تصريح رسمي بأنها ترى وجوب المحافظة على استقلال النمسا كشرط لاستتباب السلم في أوربا، وأبدت إيطاليا اهتماما خاصاً بمقاومة مشاريع السياسة الألمانية لأنها تهدد سلامة حدودها الشمالية ومصالحها في أوربا الوسطى، وتوترت العلائق من أجل ذلك بين ألمانيا وإيطاليا. وانتهت الجهود التي بذلها السنيور موسوليني في ذلك السبيل بأن عقد أخيراً في رومة ميثاق سياسي اقتصادي بين إيطاليا والنمسا والمجر يرمي إلى توحيد الجهود السياسية والاقتصادية بين الدول الثلاث في سبيل رد أي اعتداء يوجه إلى حقوقها أو مصالحها.
وكان من أثر ذلك أيضاً أن قويت الدعوة إلى إعادة الملوكية في النمسا كوسيلة لتقوية استقلالها والقضاء على أسباب الخلاف الداخلي فيها، وليس في معاهدة الصلح (سان جرمان) ما يمنع عودة آل هبسبورج إلى النمسا وعودة العرش النمسوي، ولكن الحلفاء كانوا يعارضون دائماً في هذا العود، بيد أن الفكرة تلقى اليوم قبولا في كثير من الدوائر التي كانت تنكرها من قبل، وقد نشطت هذه الدعوة أخيراً في النمسا، وأقيمت عدة اجتماعات من أنصار الملوكية تحت رعاية الحكومة، وقيل إن الرئيس ميكلاس ينوي الاستقالة من منصبه قريباً ليمهد إلى هذا العود، ولا يوجد في النمسا من يعارض الفكرة الآن بعد ذهاب الديموقراطية الاشتراكية؛ وهي بالعكس تلقى تأيداً من الحزب المسيحي الاشتراكي (حزب الحكومة) ومن حلفائه الهايمفر. ويرى أنصار الفكرة أن عود الملوكية خير وسيلة للقضاء على مشاريع السياسة الألمانية في ضم النمسا (الانشلوس) وأما في الدوائر الخارجية فان إيطاليا وفرنسا اللتين كانتا تعارضان من قبل في هذا العود أشد المعارضة، لا تريان اليوم بأسا منه، وفي وسع فرنسا أن تذلل معارضة حليفتها تشيكوسلوفاكيا وفي وسع إيطاليا أن تذلل معارضة صديقتها المجر، وعندئذ تغدو مسألة عود آل هبسبورج إلى عرش النمسا مسألة تخص النمسا وحدها، وتتوقف على إرادة الشعب النمسوي وحده
(تم البحث)
стр. 3152
محمد عبد الله عنان
стр. 3153
التفاؤل والتشاؤم
وهل لهما أسباب تاريخية؟
بعض غرائب الخرافات عند الغربيين والشرقيين
- ٤ -
الملح
من الخرافات او بالأحرى من العادات السائدة التي نشترك نحن والمتوحشون فيها عادة أكل الخبز والملح فنتفاءل من الملح لأنه علامة الولاء والصداقة والإخاء.
وفي مصر عادة، وهي انه إذا وقع طفل على الأرض رشوا في المكان الذي وقع فيه شيئاً من الماء مذاباً فيه الملح. وهذه العادة شائعة بعض الشيوع حتى اليوم بين الطبقات المتوسطة والوضيعة
ويتوهم الفرنجة أنه إذا حدث لا قدر الله وانقلبت المملحة على مائدة الطعام كان ذلك نذير شؤم، إلا إذا اخذ أحد أصحاب البيت شيئاً من الملح المقلوب على طرف ملعقة وألقاه من فوق كتفه اليسرى وهو ينطق بكلمة (ستستروم).
وان أهل العصور الغابرة كانوا إذا أرادوا هدم بناء لتطهيره من دنس أو لعنة رشوا على أرضه الملح قبل أن يشيدوه ثانية.
ويقول التاريخ أن امرأة لوط تحولت إلى تمثال من ملح، ويقال أن الأقدمين كانوا يعاقبون أرقاءهم المكلفين بنقل الملح بالإعدام لو سقط منهم شيء منه على الأرض.
ويذكر كذلك أيضاً أن بعض حكومات أوربا كانت توزع الملح مجاناً على الأسر التي لا يزيد عدد أفرادها على اثني عشر شخصاً، ويعتقد نساء الفرنجة أن سقوط الملح على الأرض نذير شؤم وسوء.
أما أصل الاعتقاد فيرجع إلى تأثير الملح في حياة الإنسان وغذائه ولأن الملح كان من اندر الأشياء وجودا عند المتوحشين وانهم مولعون به، يقفون الخصام أحياناً لكي يقايضوا بأي شيء لأجله. يذهب أحدهم إلى تخوم القبيلة الأخرى فيضع ما عنده من سلع ثم يتركها ويعود في اليوم التالي فيجد بدلاً منها ملحاً يحمله إلى أهل قبيلته، وقد كان القدماء يحتاجون
стр. 3154
إلى الملح اكثر منا لان معظم قوتهم كان من النبات لا من الحيوان. ولذلك كانوا إذا اكرموا ضيفاً قدموا له أشهى ما عندهم للنفس وأغلى ما يمكنهم الحصول عليه وهو الملح، وبقيت هذه العادة إلى وقتنا هذا، وكذلك لأنه يستعمل في كثير من الأحوال الدينية عند المسيحيين، فهم يذيبونه في الماء المقدس وكذلك يضعون قليلاً منه على طرف لسان الطفل في حفلة العماد
الخبز المرتد
من الخرافات التي شاعت في فرنسا ان الفرنسيين يتشاءمون من أكل الخبز المرتد إلى المخبز، وذلك أن الخبازين كانوا يحجزون للجلادين خبزهم الخاص بهم ويضعونه في مكان منعزل، فإذا أتم العامل صنعه أخذه صاحب المخبز ووضعه في مكانه الخاص ريثما يأتي الجلاد فيأخذه، وكان هذا الخبز يسمى الخبز المرتد.
السن
من الخرافات الفاشية أن يرمي الفتى سنه في عين الشمس من وراء ظهره.
وأن بعض طلبة جامعات أمريكا وأوربا إلى يومنا هذه يحتفظون بضروس العقل المقلوعة في جيوبهم ويحرصون على حملها معهم إلى قاعة الامتحان في نهاية كل عام.
أما عادة إلقاء السن في عين الشمس فمعروفة عند العرب، وقد ذكرت في أشعارهم، كما هي معروفة عند فتياننا وفتيان الغربيين، بل وفتيان المتوحشين. ومن عادات هؤلاء أن يأخذ الوالد سن ولده فيضعها في أصل شجرة كبيرة ويدعو لولده بأن يبلغ في الرفعة والقوة مثلما بلغت هذه الشجرة، ومن عاداتهم أيضاً أن ينزعوا سناً أو سنين للشاب عندما يتناول سر الرجولة أي عند ما يسمح له بأفعال الرجال.
وقد تكون عادة إلقاء السن السائدة الآن بقية من بقايا العصور الغابرة حين كان قلع السن بشير الرجولة، فالصبي يتفاءل بقلع سنه كأنه يرى في ذلك دليلاً على انه اقترب من الرجولة، وقد يتساءل القارئ الآن: لماذا يقلع رجال القبيلة سناً أو سنين للشاب الذي يريد الدخول في زمرتهم؟ والجواب أن هذا القلع يجري على سبيل تجربة الشاب من حيث القدرة والجلد على تحمل الآلام
стр. 3155
يتبع
إبراهيم تادرس بشاي
стр. 3156
في علم النفس
الأحلام والتحليل النفسي
بين فرويد وابن سيرين
للدكتور عبد الفتاح سلامه
إن الذي حدا بي إلى البحث عن الأحلام وما تدل عليه، هو في الواقع رغبتي في إظهار فضل ابن سيرين على هذا الفن الذي يدعى فرويد أنه هو الذي أنشأه وأوجده، في حين أنه لم يصل إلى شهرته العظيمة في التحليل النفسي إلا بعد أن ترسم خطى ذلك المفسر العربي العظيم واقتفى أثره.
فتفسير الأحلام والتحليل النفسي هو في رأيي من عمل الأقدمين، وإذا قلت الأقدمين فإني أقصد بذلك الشرق، وهو لا يمت إلى الغرب بصلة، اللهم إلا صلة النقل ومحاولة فهمه والاستفادة منه.
ولابد لي قبل الموازنة بين ابن سيرين وفرويد من أن اشرح نظرية فرويد في تكوين الرؤيا وكيف يتصدى هو إلى تفسيرها. وكذلك سأشرح رأي ابن سيرين وطريقته في التفسير، وسيظهر جلياً كيف أن الأولى هي وليدة الثانية إن لم تكن هي هي مع قليل من التحوير، وسأبين أيضاً كيف تدل الرؤيا على حوادث المستقبل في بعض الأحيان.
تتلخص نظرية فرويد في أن الرغبة أو الأمل الذي لم يتحقق هو الذي ينبه العقل إلى العمل والتخيل أثناء النوم، وتكون النتيجة أن العقل يتخيل أن رغبته قد تحققت، أو بمعنى آخر فان الرؤيا قد تعتب حارساً للنوم، وظيفته أن يجعل النوم هادئاً مطمئناً، لأنها تخيل إلى الإنسان أن رغبته قد تحققت فلا داعي إذا إلى التفكير. ويقول فرويد أيضاً: إن بين رغبات الإنسان مالا يتفق ونظام المجتمع فقد تتمنى نفسه شيئاً محرماً يقف ضميره دون تحقيقه، فتتحين النفس فرصة يضعف فيها الضمير فتحقق رغبتها، ومن الناس من يضعف ضميره في اليقظة فيحقق رغبته المحرمة بالفعل ومنهم من لا يضعف ضميره إلا إذا نام إذ يتخيل تحقيق رغبته الملحة، وذلك في الرؤيا أي في وقت يكون الضمير فيه نائماً أو ضعيفاً فلا منع إذن ولا تإنيب، ويقول فرويد إن هذه الرغبات لا يعرف الإنسان عنها شيئاً
стр. 3157
مطلقاً مع أنها ليست غريبة عنه، وذلك لأن الضمير يطردها من العقل الواعي أو ما يسمونه العقل الظاهر.
ومع غياب هذه الرغبات عن الوعي فهي ممثلة في العقل الباطن، ممثلة فيه كأفكار كامنة، وأنها سبب الرؤيا وسبب مباشر لكل الأمراض العصبية التي يسميها فرويد يقول أيضاً إن المريض إذا صبح على بينة من أفكاره ورغباته الكامنة فانه يوجه إليها قوته العقلية المميزة ويضعها في ميزان النقد والتقدير، وبهذا فقط يتخلص من مرضه العصبي الذي يسبب له ولأسرته كل أنواع المتاعب. هذا في الواقع هو الذي حفز فرويد إلى دراسة الأحلام لأنها في نظره وسيلة من الوسائل التي توصل إلى كشف الرغبات الخفية للنفس. وفيما يلي طائفة من الأحلام التي حللها فرويد.
١ - رأت آنسة كأن أخاها في دولاب مقفل وكان تفسير فرويد أن الآنسة تود ألا يتدخل أخوها في شؤونها - ذلك لان وجود الأخ في الدولاب المقفل رمز لعدم قدرته على رؤيتها، وبالتالي رمز لعدم إمكان انتقادها أو التدخل في شؤونها
٢ - زوجة رأت أنها اشترت ثلاث تذاكر لها ولزوجها لحضور حفلة تمثيلية وأنها اشترت هذه التذاكر الثلاث بفرنك ونصف وأنها اشترت التذاكر قبل ميعاد التمثيل بثلاثة أيام خوفاً من نفاذ التذاكر، وأنها حضرت إلى صالة المسرح قبل رفع الستار بساعة خوفاً من الزحام، ولكنها لما دخلت مع زوجها وجدت كراسي كثيرة خالية، وهذا معناه أنها ما كانت لتخسر شيئاً لو أنها لم تتعجل في شراء التذاكر ولا في التبكير في الحضور، وأخبرها زوجها وهو يلاطفها في المسرح بأن صديقتها فلانة وزوجها قد اشتريا تذاكر ولكنهما لم يحضرا، ولما سألها فرويد علم منها ما يأتي. صديقتها المذكورة في الرؤيا أصغر منها بثلاثة أشهر هي لم تتزوج إلا بعد زواج صاحبة الرؤيا بعشر سنين، ولأجل تفسير هذه الرؤيا المعقدة تجد أن فرويد قد حاول تحليلها بطريقة الرموز على الوجه الآتي
الحفلة التمثيلية رمز لحفلة الزواج، والرقم ٣ رمز للرجل وهو الزوج في هذه الحالة، وإذا عرفنا أن المرأة هي التي تدفع المهر عند الإفرنج وأنها اشترت ثلاث تذاكر بفرنك ونصف، كان معنى ذلك أنها دفعت مهر زوجها رخيصاً فهي غير سعيدة في زواجها، وما كان أسعدها لو أنها تأخرت في الزواج كزميلتها التي تزوجت من رجل أشجع وأحسن من
стр. 3158
زوجها وذلك بفضل تريثها حتى جمعت مهراً لائقاً برجل كريم
من هذين المثالين نرى أن فرويد قد استعان في تحليله النفسي بالأحلام وأنه فسر هذه الأحلام بواسطة أسئلته لصاحب الرؤيا وبواسطة فكه الرموز بهذه الأحلام.
أما هذه الرموز فهي موجودة، في اللغة، موجودة في الشعر موجودة في الأمثلة السائرة، وفي الحكم المنثورة، وفي كلام العامة، والخاصة وفي كل شيء. فالشمس والقمر قد يكونان رمزاً للوالدين أو رمزاً للملوك. وصغار الطيور قد تكون رمزاً للأطفال والأبناء. وهكذا يقول فرويد إن لكل أمة رموزها الخاصة وهو على حق، لأن لكل أمة لغتها الخاصة وآدابها وأمثلتها. وبعد، أفليست هذه الطريقة هي طريقة ابن سيرين في التفسير وقد كان يسأل صاحب الرؤيا ملياً في النهار وهو يقول في كتابه إن الرؤيا قد تأتي عن رغبة في النفس كأن يرى الإنسان نفسه مع من يحب أو قد يرى الأكل أمامه إذا كان جائعاً، وأما الرموز عند ابن سيرين فهي كثيرة ليس لها حصر، وليس له مثيل في هذا الباب وقد أخذ هذه الرموز من القرآن كالآيات الآتية
(واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) وقوله تعالى في النساء (بيض مكنون) وكان يأخذ رموزه أيضاً من الحديث كقول النبي ﷺ (رفقاً بالقوارير) يعني النساء - وقد كان يأخذ رموزه أيضاً من الأمثلة المبتذلة كقول إبراهيم لإسماعيل ﵉ (غير اسكفه الباب) أي طلق زوجتك وكقول لقمان لابنه (غير فراشك) يعني زوجتك أيضاً وفيما يلي طائفة من الرؤى التي فسرها ابن سيرين
١ - جاءت امرأة إلى ابن سيرين فقالت: رأيت كأن في حجري لؤلؤتين أحدهما أكبر من الأخرى وقد طلبت أختي مني إحداهما فأعطيتها الصغرى - فقال ابن سيرين تعلمت سورتين من القرآن إحداهما اكبر من الأخرى وقد علمت أختك الصورة الصغرى
٢ - جاء رجل إلى ابن سيرين وقال: رأيت كأن ثورا عظيما خرج من جحر صغير وأراد أن يرجع إلى الجحر فلم يتمكن من ذلك. فقال ابن سيرين هي الكلمة العظيمة تخرج من فم الرجل ثم يندم عليها.
وظاهر هنا أن ابن سيرين قد رمز للسورة باللؤلؤة وللكلمة بالثور وللفم بالجحر وبديهي أنه - تمشيا مع عادته في التفسير - قد سأل أصحاب الرؤيا عما في أنفسهم قبل إيضاحه لهم
стр. 3159
ما تدل رؤياهم عليه، وهناك طائفة أخرى من الأحلام قد فسرها أبن سيرين وفي تفسيره لها شيء من التنبؤ وهاك بعض الأمثلة:
١ - جاء رجل إلى أبن سيرين وقال رأيت كأني البس خاتماً جميلاً فصه من ياقوت فقال تتزوج من امرأة جميلة غنية أي أنه حمل المعنى على المستقبل
٢ - جاءت إلى أبن سيرين امرأة وكان زوجها غائباً وقالت له: رأيت كأن أسكفة الباب العليا سقطت على السفلى، فقال أبن سيرين سيعود زوجك، وهنا أيضاً حمل المعنى على المستقبل
ونحن من جانبنا لا نتعرض لموضوع التنبؤ الآن لأننا سنوفيه حقه فيما بعد، ونكتفي بذكر رؤيا عظيمة تدل على مبلغ تضلع العرُب في تفسير الأحلام. فقد حدث المنصور أنه رأى في منامه صورة ملك الموت وسأله عن مدة عمره فأشار بأصابعه الخمسة، فاحتار المنصور في تأويل رؤياه لانه لا يعلم هل سيموت بعد خمسة أشهر أو خمس سنين، ولكنه سأل الأمام أبا حنيفة، قال له انه يشير إلى الآية (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت) فكأن ملك الموت يريد أن يذكره بالخمسة أشياء التي لا يعرفها غير الله ومن ضمنها وما تدري نفس ماذا تكسب غدا
هذا هو تفسير أبي حنيفة، ولعمري لا يمكن لفرويد ان يزيد شيئاً على هذا التفسير، اللهم إلا إذا قال كعادته إن هذه الرؤيا تمثل محاورة بين النفس والضمير، فالنفس ترغب في معرفة عمرها والضمير بصورة ملك الموت يقطع عليها هذه الرغبة قائلا إن ذلك من علم الله
وإنني مع اعترافي لفرويد بالنبوغ في التحليل النفسي بواسطة الأحلام، وأنه هو الذي نبه العصر الحديث إلى أن الأحلام لها مغزى يجب أن نعرفه إذا أراد أن نعرف حقيقة أنفسنا، وان التحليل النفسي هو الطريقة المثلى لعلاج الأمراض العصبية علاجاً أكيدا. أقول مع اعترافي بكل هذا فإنني اشعر بأن هذا العصر الحديث مدين لابن سيرين ومفسري العرب لأنهم هم الذين أثاروا الطريق لفرويد حتى وصل إلى هذه الشهرة العالمية العظيمة، ومن الغريب أن فرويد في كتبه العديدة لم يذكر كلمة عن ابن سيرين.
стр. 3160
وقبل أن أتكلم عن علاقة الرؤيا بالمستقبل أود أن أذكر هنا رؤيا أخرى مما طلب إليّ تفسيره
١ - شاب موظف متزوج وله أطفال رأى كأن في بيته فراريج صغاراً داس على فروج فمات
هذه رؤيا ظريفة وصغيرة ولكنها تدل على معنى كبير لان الفراريج رمز للأطفال، فهل من المعقول أن والداً يود موت طفله بيده؟ فقد يبدو ذلك محالا، ولكن الواقع أن الأسئلة قد جعلته يعترف بأنه ليس سعيدا في حياته الزوجية، وأنه يتمنى لو لم توجد هذه الرابطة: رابطة الأطفال بينه وبين زوجته
إذن تريد النفس ألا يكون هناك أطفال، ولكن الضمير يقف حائلا دون ظهور هذه الرغبة فتكتفي النفس بتمني موت طفل واحد ولكن تحت ستار آخر غير ستار كراهية الزوجة، وهذا الستار هو أن ذلك الطفل مريض مرضاً خطيراً وخير له أن يموت من أن ويواجه الدنيا في المستقبل ويده اليمنى مشلولة. ذلك الذي يتمنى موت طفله لان يده اليمنى مشلولة يقول أيضاً بأن بعض الأطباء قر بأن الشلل موضعي وان الشفاء ممكن لو عنى به العناية اللازمة إذن فليست هي الشفقة التي تدفعه إلى تمني موت طفله إذ أنها بالعكس تدفعه إلى معالجة ذلك الابن المرموز له بفروج صغير في الرؤيا، وعلى هذا فالوضع الظاهري للحالة هو التخلص من الابن شفقة به، والوضع الحقيقي هو انه يرغب في الانفصال عن زوجته فترغب نفسه موت أطفاله في هذا السبيل
إلى هنا نقف برهة عن سرد أمثلة أخرى لانه قد يتبادر إلى الأذهان السؤال الآتي
إذا كان فرويد قد تتبع طريقة ابن سيرين في تفسير الأحلام فلماذا نرى هذا الفرق العظيم في نتيجة التفسير؟ ففرويد مثلاً يقول لصاحب الرؤيا إن عندك رغبة في كذا، ولكن ابن سيرين يقول لصاحب الرؤيا أنت حدث لك كذا أو سيحدث لك كذا؟
أما كشف حوادث الماضي فان ذلك ممكن لمحللي النفس كما كان ممكنا لابن سيرين، ولكنهم لم يكتفوا بالكشف عن حوادث الماضي بل تخطوها إلى معرفة رغبات النفس التي اقترنت بهذه الحوادث، والذي يعنيني هنا هو تعرض ابن سيرين لحوادث المستقبل.
والواقع أن ابن سيرين كان أستاذاً في الإيحاء الذي يسمونه كما كان أستاذاً في التحليل
стр. 3161
النفسي
وفي كتابه نرى كيف يختار الوقت والمكان اللذين إذا عبر فيهما يكون اقرب إلى الخير منه إلى الشر، وكيف يدعو الله قبل سماع الرؤيا لجلب الخير ودفع الشر وتأكيده في كتابه بان على المعبر أن يختار الكلام المبشر بالخير، لان أول تعبير في نظره هو الذي لابد من وقوعه
إذن فالإيحاء هو الذي أوجد الفرق بين ابن سيرين وفرويد، ففي رؤيا ابن سيرين التي قال فيها لصاحب الخاتم أنك ستتزوج امرأة جميلة غنية لو قصت هذه الرؤيا على فرويد لقال لصاحبها إن عندك رغبة في أن تتزوج بالمرأة الجميلة الغنية التي تعرفها. وفي رؤيا ابن سيرين التي قال فيها لصاحبتها إن زوجها سيحضر لأن اسكفة الباب العليا قد اجتمعت على أسكفة الباب السفلى لو عرضت هذه الرؤيا لفرويد لفسرها بأن الزوجة عندها رغبة في رجوع زوجها، وربما قال لها كثير من ذلك لما في اجتماع رمزي الزوجين من معان. والفرق واضح بين الطريقتين، فكلمة ستتزوج تحمل الرغبة في الزواج والإيحاء بالزواج في نفس الوقت، ولما كان الناس يعتقدون في ضرورة تحقيق التعبير فان ذلك الرجل الذي أوحى إليه بالزواج لابد انه سيتزوج ويكون بذلك قد حقق لابن سيرين تفسيره.
وهكذا يتبين لنا أن فرويد قد أدخل تعديلا مهما على تعبير الاحلام، فهو يسأل صاحب الرؤيا عن نفسه وهو يفك الرموز بطريقة ابن سيرين، ولكنه لا يوحي إلى صاحب الرؤيا بأي فكرة بل يكتفي بإظهار الرغبة النفسية الخفية له، ويقول إن إظهار هذه الرغبة كاف لأن يفكر صاحب الرؤيا في رغبته فيتناولها بالنقد والتقدير، وبذلك فقط قد يوافق على رغبته وينفذها إذا لم يكن هناك مانع عائلي أو اجتماعي وإلا فانه يكبت هذه الرغبة أو قد يسمو بها، وهذا ما يسميه فرويد أي أنه يوجهها وجهة شريفة سامية، وبقى علينا أن نجيب على سؤال واحد وهو هل تدل الرؤيا على حوادث المستقبل؟ والجواب على ذلك هو أن الرؤيا قد تدل على المستقبل في بعض الأحيان. وأما كيفية ذلك فسنخصص له بحثاً آخر فيها بعد، بعد شرح أقسام العقل المختلفة التي تعتمد رؤيا المستقبل عليها.
دكتور عبد الفتاح سلامة
طبيب مستشفى برقاش ووردان
стр. 3162
بمناسبة قصة خسرو وشيرين
كلمة في الشعر المرسل
للأستاذ مؤلف خسرو وشيرين
لقد تكرم الأستاذ اللوذعي صاحب الرسالة بكلمة نقد قيمة في قصة خسرو وشيرين تناول فيها قالبها أو رداءها من الشعر المرسل، وكان على عادته في كتابته قاصداً قوياً مهذباً.
ولقد أدهشني وأيم الحق أن رأيت بالرسالة الغراء كلمة في تلك القصة، وذهبت نفسي توغل في هزة من الطرب أنستها ما يجب عليها من وزن القول والقصد فيه.
وذلك لأنني منذ أخرجتها بعثت بها إلى أساطين الكتاب والأدباء وكبار المحررين، وانتظرت أن يقرأها بعضهم فيقول فيها كلمة، إما أن تكون كلمة نقد مر يظهر ما فيها من تفاهة وسخف، وإما أن تكون كلمة نقد هين يتعاقب فيها الاستهجان والاستحسان. وما كنت انتظر أن يقذف بالقصة في زاوية الإهمال لأن صاحبها لم يكتب عليها اسمه، أو لأنه لم يلح في طلب التقريظ، أو لأنه لم يلتمس إعانة أو حماية من أحد. فلما مضت أيام ولم أجد ذكراً لها على لسان ولا في صحيفة، طويت ذكراها في ثنايا الماضي وأنسيت نفسي إياها، وقلت ألتمس التعزية لنفسي، أنها لم تكن جديرة لا بالثناء ولا بالذم، فلعلها في نظر الأدباء أقل من أن يحكموا عليها بالسخف والسقوط. هكذا قلت لنفسي ورضيت القول على شدته، لأنني كنت دائماً أتهم نفسي بأنني كسائر المؤلفين موصوف بالعمى والغباء، فكم رأيت من المؤلفين من أسمعني قوله، فجال في فكري عند سماعه أن أقول له (أسأت)، ولكني ضعفت عن قول ذلك اللفظ فقلت له (أحسنت). فصدق ما قلته وذهب عني قرير العين موقنا أنه مؤلف مجيد موفق، وذلك العمى الخاص بالمؤلفين شبيه بما يصيب الآباء في حكمهم على أبنائهم. قيل ان أعرابياً فقد ابنه مرة، فمر الصبي بقوم فرأوه شبيها بالجعل القبيح، ثم مر الأعرابي بهم فسألهم عن ابنه فقالوا له صفه لنا، فقال لهم: (كأنه دنينير) أي كأنه دينار صغير من حسنه، وتردد بريق الجمال في وجهه ونفاسته. وهو على ذلك لم استبعد أن أكون كأحد هؤلاء المؤلفين البغيضين، وحمدت الله على أن وفقني لفكرة إخفاء اسمي عن الناس حتى لا تنالني معرة (قصة خسرو وشيرين!)
قلت لقد دهشت إذ رأيت في الرسالة كلمة عن تلك القصة، ولا سيما وهي كلمة من قلم
стр. 3163
أستاذ أديب وكاتب أريب، لا أظنه يخدع عن غث القول وسمينه. ولما رأيته يتناول القصة في أول ما قاله بالثناء زدت عجباً، إذ كيف تكون تلك القصة جديرة بتقدير أديب كبير، ومع ذلك تجد من سائر الأدباء مثل هذا الإهمال. وكيف لا تستحق من الأدباء كلمة وقد استحقته من مثل الزيات كلاماً، حسبي إذن اندفاعاً مع هزة الطرب التي استخفتني، وذهبت باتزان قولي عندما قرأت مقال الرسالة في قصتي، فقد كنت أوثر أن الزم القصد في قولي، ولولا أن رأيت شيئاً لم أتوقعه فانطلق قلمي برغمي.
حسبي إذن لوما للأدباء والأساتذة، فلعل لهم العذر فيما كان، ولعلي أخطأت فهم قصدهم وعذرهم فما أكثر مشاغل الحياة وما أثقل أعباءها، وأولى بي أن آخذ الناس كما أجدهم ولا أعتب على أحد منهم شيئاً.
أما شعر المرسل فقد رأيت الأستاذ الجليل قد وضعه تحت ضوء قلمه الوهاج فأعشى وهجه العيون وكاد يحجب ما دونه. لا فائدة هنا في أن يدافع أحد عن أسلوب من القول، ولا فائدة في أن يحاول حمل الناس على تذوق ما يحلو في ذوقه، فهذا شيء من العبث وضرب من طلب المحال، غير إني أرى من حقي أن أبين للناس كيف يجب أن يكتب الشعر المرسل الذي كتبت فيه قصتي (خسرو وشيرين) فان وحدة هذا الشعر هي الشطر الواحد، وليس البيت المكون من شطرين.
لقد تعارف شعراء اللغة العربية على وحدات متعددة لشعرهم، فأكثر القصيد وحدته البيت المكون من شطرين كما هو معلوم، والرجز وحدته الشطر الواحد مع مراعاة انتهاء كل وحدتين منه بقافية واحدة، وهناك المثلثات والمربعات والمخمسات على ما هو معروف. وأما الشعر المرسل فوحدته كما تقدم الشطر الواحد. وأما حكمة ذلك فلا فائدة من بيانها. فان اختيار أوزان الشعر المرسل واختيار جعله من شطرات مفردة لم أصل إليها إلا بعد درس واختبار ومحاولات تجريبية كثيرة. غير أن بيان أسباب ذلك الاختيار لا يجدي نفعاً، إذ أن تلك الأسباب مهما تكن وجيهة فإنها لا يمكن أن تحمل الناس على استحسان شيء لا يبدو لهم مستحسناً.
ولهذا أكتفي بأن أقول إن من يحاول أن يكتب الشعر المرسل أو يقرؤه يحسن به أن يجعل وحدته الشطر الواحد، وان يكتفي بما في الوزن من الموسيقى بغير ان يقف عند آخر
стр. 3164
الشطر إلا إذا كان المعنى ينتهي إليه.
ولم يلجأ أحد في لغة من اللغات إلى الشعر المرسل لكتابة الأغاني، وهذا ما لا يراد به في اللغة العربية. فالأغاني وكل ما يعبر عن العواطف الثائرة التي تهز القلوب هزة وقتية قصيرة لا ينفع فيها الشعر المرسل. أقول هذا وأكرره كثيراً حتى لا ينزعج الأدباء من دخول هذا الباب في اللغة العربية. وما أنا ممن يحاولون هدم القديم إذ إني أفاخر بذلك القديم وقد تقدمت بي السن إلى حدود القدم، فلست ممن يتعلقون بالهدم، ولست ممن لا يحرصون على كنوز القرون المتعاقبة، بل أجد من نفسي أشد الحرص على تلك الكنوز، وذلك لما استمد منها من لذة وحكمة. وإنما اقصد إلى أن أفتح باباً جديداً كان إلى الآن مغلقا وهو باب القصة الشعرية أو الملحمة الطويلة، وفي مثل هذه الأبواب كانت القافية غلا يقيد المعنى، ويغير مجاريه، حتى أن شعراء اللغات الأخرى رأوا أنفسهم مضطرين إلى الاستغناء عن القافية والاكتفاء بموسيقى الوزن. ولو فعل البستاني مثل ذلك في ترجمة الإلياذة ولو فعل شوقي مثله في رواياته المسرحية لكان لعملهما شأن آخر، ولصارت الإلياذة العربية اليوم في متناول المتأدبين سهلة لينة، ترسم صورة الإلياذة اليونانية الأصلية، وليست كما هي اليوم، فالقطع الشعرية الطويلة تكون طللا يابساً غيرمتناسق، ولو كانت أجزاؤه من قطع مرمرية بديعة، فانك عندئذ إذا نظرت في القطعة الصغيرة منها أعجبتك ولكنك إذا تابعت النظر إليها لتراها مجتمعة راعك منظر غير متآلف وحركات جامدة غير متوثبة مع الحياة. لست ادعى إنني أحسنت، ولكني أقول قول الواثق أن الشعر المرسل يكون أداة إصلاح وسعة في اللغة العربية إذا وجد من يحسن القول فيه. وإذا أنا ضربت من قولي مثلا له فلست أضربه على أنه قول حسن، ولكني اضربه على سبيل العرض للطريقة: وهانذا مختار قطعة من مواقف خسرو وشيرين، وارجو أن تكتبها الرسالة الغراء كما أردتها أن تظهر - أي أن تكون وحدتها الشطر الواحد.
وقف بعض قواد الملك كسرى في أيام مجده وجبروته يتحدثون ويتذمرون، فأقبل عليهم شاعر البلاط (مهمند) فقطع عليهم حديثهم فدخلوا في حديث دعابة مع الشاعر، والقواد هم (أسفاذ) و (تخوار) و (حراز).
حراز (ضاحكا)
стр. 3165
أوه. مهمند؟ كيف حال الزمان؟
(يعودون إلى الهدوء)
مهمند مثلما كنت دائماً. أتغدى
ثم أغفو، وبعد ذلك أصححو
ثم أغفو، وبعد ذلك أصحو.
(يضحكون)
حراز سرك الله، نعم تلك حياة.
(لتخوار) يا صديقي تخوار. نعم الحياة.
(لاخوانه) هل سمعتم مقال مهمند يوما؟
تخوار: أنا بالحرب عالم، غير إني
لست بالشعر عالما يا صديقي.
حراز: (لمهمند) قل لنا من بديع شعرك شيئا
مهمند: لست يا سيدي أحب كلامي
(يشير حراز إشارة عدم التصديق)
لا تكذب فإنما هو رزقي
وسبيل الأرزاق غير حبيب
بائع الزهر ذاهل عن شذاه
لا يرى في الزهور إلا بضاعة.
حراز غير أن الزهور لم تك يوما
غير محبوبة الشميم. أعدلى
ذلك الشعر اذ خرجنا لنلهو
يوم عيد النيزوز
مهمند كان جميلا
ذلك اليوم كم ضحكنا. ولكن. . .
(يهز رأسه كمن يتذكر شيئا يأسف على فواته)
стр. 3166
حراز كم ضحكنا. أعده يا مهمند
مهمند (ينشد) من أراد الصدق فليسمع ومن شاء السرور
ذقت ما في الدهر من حلو ومن مر مرير
وعرفت الناس عند اليسر والأمر العسير
كنت أبكي إن بكى لهفان ذو قلب كسير
ولكن ضل فؤادي في فنون وغرور
فإذا بي بعد ان شيبنيي مر الدهور
لا أرى في الناس ذا حظ سوى الفدم الغرير
كن إذا شئت حمارا مرحا بين الحمير
وإذا شئت فأسرج راكبا فوق الظهور
ساخرا منها إذا أعجبها السرج الحرير
فأضل الخلق عقل فوق رجلين يسير
حراز (يضحك بصوت عال)
كن إذا شئت حمارا مرحاً بين الحمير
(يضحك مهمند والحضور)
(لتخوار) أترى أن يكون هذا صديقي؟
تخوار (ضاحكا) لا أرى أن أكون هذا.
حراز (فأسرج)
راكبا فوق ظهرها يا صديقي
تخوار (ضاحكا) لا أرى في الركوب بأساً إذا ما
كان لابد من ركوب الحمير.
حراز (لاسفاذ) ليت شعري مإذا تحب؟
اسفاذ (متكلفا الضحك) (أراني)
لا احب الحمير -
مهمندلم أر يوما
стр. 3167
سيدا طيبا تواضع حتى
رضيت نفسه بهذا. ولكن
كلنا يرتضى الركوب. وعندي
أن أحلى الحياة عيش الحمير
(يضحكون)
حراز كيف هذا مهمند؟
مهمند نعم الحياة!
كل ارض خضراء مرعى مباح
لم يعكرهم الحياة صفاها.
حيث سارت رأيت محلا ومأوى
وإذا شاءت النهيق وصاحت
لم توار النهيق خشية بطش
حراز أنت مهمند احكم الشعراء.
كم من الناس من يود نهيقا
ثم يخشى فيكتم الأنفاسا.
ولعل أعرض على قراء الرسالة في مرة أخرى قطعة ثانية تصف موقفاً آخر ليروا في ذلك القول رأيا
وإني أرجو أن تتكرم المجلة الأدبية الغراء بنشر مقالي هذا خلوا من الامضاء، إذ إني أرجو أن يبقى كاتب (خسرو وشيرين) في تحجبه، فإنما المقصود أن يرى الأدباء رأياً في القصة وشعرها المرسل فحسب.
стр. 3168
١ - تولستوي
اجتماعياته
عشق تولستوي المدنية الاوربية، فطاف في أنحاء أوربا وأعجبه منها تقدمها الآلي ونظامها المتسق. وبهره فيها حركتها الدائمة ونشاطها المتجدد.
ولكنه ما لبث أن نفذ إلى أعماقها. وكفاه أن يرى في تجواله رجلا يشنق في باريس أم المدنية على مرأى ومسمع من الجماهير حتى ينقلب ساخطا متذمراً متشائماً. وحتى يرجع إلى روسيا غضبان أسفا، فيهاجم الحضارة الحديثة في سخرية لاذعة وتهكم مر.
تناول تولستوي الناحية النفسية من المجتمع. وأخذ يصورها بقلمه الماهر تصويراً دقيقاً.
فبين أن حياة العامل اليوم أشقى بكثير من حياة الرقيق بالأمس. فقد كان يؤمن هذا إيماناً لا يخامره الشك انه خلق عبداً. وأن الله أراد أن يكون هناك أحرار وعبيد. وكان يوقن أن لا مرد لأمر الله، وفي هذا الإيمان تعزية. وفي هذا الاعتقاد سلوة. .
أما العامل الحر اليوم فقد علموه المساواة، فلا نبيل ولا حقير. ثم هو يرى أن عليه أن يتعب، ولهم أن يستريحوا. ومن واجبه أن يشقى، ومن حقهم أن يسعدوا
وهو ولا شك غير راض بهذا ولا قانع، ولابد له أن يتساءل لماذا يشقى؟ وهو منته إلى الشك في عدل هذا العالم وإنصاف القائمين بأموره.
وفي هذا الشك. وفي ذاك التساؤل تعس ليس بعده تعس، ثم رجل الطبقات الوسطى لا تقل حالته النفسية عن حالة العامل تناقصاً واضطراباً: إذ يرى عجبا، يرى قوما إذا ما أجادوا التمليق وأحسنوا الاحتيال وداسو على الشرف والكرامة ارتفعوا على أكتاف الغير وتولوا قيادة الأمم، ثم طائفة أخرى تتمسك بالأمانة وتتعلق بالشرف. وهي أبية لا تقل ذكاء ولا مهارة عن الأولى ولكنها مهما كدت وجدت فنصيبها في الحياة القدح المنيح، ثم هو متعجب لماذا يجب عليه أن يؤدي ضرائب ثقيلة على نفسه لتتمتع بها قلة مستهترة. وماذا يحمله على محاربة الموت في ميدان القتال، ما دام الغنم كله راجعاً إلى القواد والساسة!؟ ويزيده شقاء على شقاء انه مضطر إلى مجاراة العالم في نظمه وأساليبه، وهو يحمل لها بين طوايا نفسه انتقاماً مراً. ورجال المناصب وقادة الأمم من ساسة وحكام لهم آمال عريضة ومبادئ قويمة. ولكنهم إذا ما تولوا الحكم وقبضوا على أزمة الأمور انتهوا إلى منهاج من سبقهم
стр. 3169
واضعين مبادئهم في أحد أدراج مكاتبهم التي يستريحون إليها!
ويمتد هذا التناقض إلى نفسية الأمم كمجموعة. فليس أعجب من أمم مسيحية تعتنق ديناً يدعوها ألا تقابل الشر بالشر وأن تدير الخد الأيسر لمن يلطم الخد الأيمن. وهي لا تتورع عن قتال دام تعد له أشد الآلات فتكا لإهانة تافهة، أو لطمع أشعبي في قطعة أرض أو تصريف محصول.
فرق بعيد إذن بين ما يعتقد البشر وبين ما يعملون. وبون شاسع بين ما يؤمنون انه واجب أن يكون، وما هو كائن بالفعل، وفي هذا سر الشقاء والبؤس الذي يسود العالم.
كان من نتيجة هذا الخلاف بين ما تراه ضمائرنا وما تعلمه أيدينا أسوأ العواقب. فالنظم والأوضاع الاجتماعية الحديثة لا تستند إلا إلى القوة. ولا تقوم إلا بالعنف.
فليس من حكومة تستطيع أن تدبر أمر دولة دون أن يكون من ورائها شرطة تجبر الناس على الطاعة. وليس من قانون يسري إلا إذا اعتمد على قوة تنفيذية تضطر الناس إلى الإذعان له، وليس من عمل يدار إلا إذا تحكم أصحاب رؤوس الأموال في العمال، ويتجلى هذا العنف في أبسط نواحي الحياة الاجتماعية أو أكثرها تعقيداً من العلاقات العائلية إلى العلاقات الدولية، فلا يتاح لأسرة أن تستمر إلا إذا استبدت المرأة بالرجل أو الرجل بالمرأة، ولا يمكن لنزاع إن يحسم بين دولة وأخرى إلا إذا أريقت الدماء وأزهقت الأرواح
ولو ترك الناس وضمائرهم لما جبيت الضرائب، ولما لفت الجيوش، وما كان ليخطر ببال إنجليزي أن يقتل فرنسيا، ولا فرنسي أن يستعبد سوريا
ولو كان الأمر شورى والمبادئ التي نودي بها من مساواة وإخاء حقيقة واقعة لما وجدنا طبقة حاكمة وأخرى محكومة. وما كان يتاح لأحد أن يسعد ولآخر أن يشقى.
ونحن نحس كل هذا ونشعر أن ما نعمله مساقون إليه سوقا ومدفوعون إليه دفعا. وإنا لا نستطيع مع الأنظمة الحالية صبراً، ولكن لسنا من الشجاعة الأدبية بحيث نجهر بضرورة تغيير نظام العالم وبوجوب قلبه رأساً على عقب.
لقد أصبحت المدنية الحالية نسجاً مهلهلاً ونظاماً معطلا لا يصلح لما يجيش في نفوسنا ويجول في عقولنا. وأمست رياء وخداعا تتدثر بمسوح كهنوتي لتخفى فجورها وشراستها. فهي إن استعبدت الأمم فلكي تأخذ بيدها إلى الرقي! وهي إن لجأت إلى القوة في هذا
стр. 3170
السبيل فذلك عمل إنساني نبيل.
نعم. لقد أصبحت النظم الحالية من سياسية واجتماعية واقتصادية نظماً عتيقة لا تشرف الإنسانية في قليل أو كثير.
ولكن. أي نظم تستبدلها بها. وعلى أي صورة تكون هذه النظم هذا ما بحثه تولستوي، وكان من نتيجة بحثه أن وصل إلى رأي قاطع
- ٢ -
ولم يكن رأي تولستوي خيالاً أو أديالاً يستحيل تحقيقه، ولم يتطلب من البشر أن ينسوا بشريتهم ليصبحوا ملائكة.
وهو لا يقول لك أكثر من أن تتبع التاريخ لتتبين بنفسك مجرى الإنسانية إلى أين تسير وفي أي اتجاه تتجه.
لقد أتى على العالم حين من الدهر كان فيه أسراً وعشائر. وكانت الأسر في تطاحن وتناحر، يعتقد أفراد كل أسرة أن سعادتها في التغلب على الأسر الأخرى. ثم ظهر لهم أن لا ثمرة يجنونها من قال طويل ممل. فاندمجت الأسر في قبائل.
وبدأت القبائل دوراً آخر من أدوار التاريخ سودت صفحاته بحروب الغلبة والثأر. ثم ما لبثت أن تحققت بدورها أن سلامها في تعاونها فاتحدت القبائل. وكان من نتيجة اتحادها هذه الدويلات التي عظمت حتى سميت بعد بانجلتره وفرنسا والولايات المتحدة. . . في تتبعك لهذا الأدوار استكشاف لسر الإنسانية. فهي تتجه إلى الوحدة. وتسعى إلى الالتئام فليس من المستحيل أن تصبح الدول دولة واحدة. وبذا تنقطع من صفحات التاريخ سلسلة المجازر البشرية.
قد تقول أن هذا حلم فيلسوف وخيال شاعر. وأن ليس من الوطنية مفر. ولا من الحرب بد، وأن الشقاء والبؤس من لوازم هذا العالم. ليس في الإمكان أبدع مما كان.
ويضحك منك تولستوي. ويقول إن ما تحسبه اليوم قد حسبه أجدادك من قبل. فالأثيني ما كان يخطر بباله أن يتعاون مع أخيه الإسبرطي تحت علم واحد متناسياً أحقاده مضحياً بمصلحة مدنيته في سبيل اسم أجوف دعوه اليوم دولة اليونان
وانجلتره التي يضحي الإنجليزي من أجلها بنفسه وماله. لم يكن لها من قبل وجود. وما
стр. 3171
كان يتصور الاسكتلندي أو الارلندي قبل بضع مئات من السنين أن يأتي وقت يتنازلان فيه عن استقلالهما الشخصي وتقاليدهما الموروثة وليصبح لهما وطن مشترك، وعنوان واحد، والرقيق كان يحسبه البعض منذ مائة سنة ضرورة من ضروريات الحياة وقانوناً طبيعياً إرادة الله وليس إلى تغييره من سبيل.
وأين الرقيق اليوم؟
وهكذا، فما تتخيله اليوم من أن اتحاد البشر أمر محال وأن إلغاء الحروب خيال بديع سيصبح بعد غد حقيقة واقعة
وشقاؤك آت من أنك تؤمن بضرورة هذا الاتحاد، ولكنك تحكم باستحالته. وسعادتك لن تتحقق إلا إذ اعتقدت بإمكانه فتعمل له
هذا اليوم الذي تختفي فيه الوطنية لتحل محلها الإنسانية. وتتنازل فيه الدول عن بعض حقوقها لتعيش في هدوء وسلام هو الضالة التي يجب أن ننشدها وهو الغاية التي يجب أن نقصدها. ثم هو النهاية التي لا شك إنا واصلون إليها.
كيف يتحقق هذا الحلم الجميل؟ ذلك ما يجيبك عنه تولستوي مرة أخرى.
(البقية في العدد القادم)
شهدي عطيه الشافعي
стр. 3172
بديع الزمان الهمذاني
للدكتور عبد الوهاب عزام
- ١ -
القرن الرابع الهجري
سيطر على النصف الشرقي من العالم الإسلامي في القرن الرابع ثلاث دول كبيرة ودول أخرى صغيرة:
سيطر بنو بويه على غربي إيران وجنوبها وعلى العراق العربي فسيطروا على الخلفاء العباسيين في بغداد.
وكان ما وراء النهر وخراسان وسجستان في سلطان السامانيين ثم قامت الدولة الغزنوية في أواخر هذا القرن فورثت ملك السامانيين كله. وانتقصت ملك بني بويه وزحزحتهم تلقاء المغرب ثم أوغلت في المشرق ففتحت الهند.
وكان في طبرستان وجرجان الدولة الزيارية التي أقامها في أوائل هذا القرن مرداويج بن زيار. وكان بنو باوند في طبرستان ايضاً.
وفي سجستان امراء من نسل يعقوب بن الليث الصفار ومنهم الأمير خلف بن أحمد (٣٤٤ - ٣٩٩).
عاش أحمد بن الحسين بديع الزمان الهمذاني في عهد أربعة الملوك الأخيرين من بني سامان إحدى وثلاثين سنة. وفي عهد جماعة من ملوك بني بويه أعظمهم عضد الدولة (٣٦٧ - ٣٧٢) ومؤيد الدولة وفخر الدولة (٣٦٦ - ٣٨٧) ومجد الدولة أبو طالب رستم (٣٨٧ - ٤٢٠) وشمس الدولة أبو طاهر (٣٨٧ - ٤١٢).
والذين كان لهم سلطان على همذان والبلاد التي أقام بها الهمذاني هم مؤيد الدولة وفخر الدولة وابناه مجد الدولة وشمس الدولة. ولمؤيد الدولة وأخيه فخر الدولة وزر أبو الفضل بن العميد والصاحب ابن عباد.
وعاش البديع في عهد شمس المعالي قابوس بن وشمكير من الزياريين وفي عهد سبكتكين وابنه محمود من الغزنوية، وخلف ابن أحمد من الصفارية وثارت حروب كثيرة بين هؤلاء
стр. 3173
الملوك اضطربت لها البلاد وشقى بها الناس.
وكانت هذه الدول تتنازع مجد العلم والأدب كما تتنازع السلطان وكانت للأدب في النصف الثاني من القرن الرابع محافل: حول ملوك السامانية في بخارى وحول وزراء البويهيين في الري واصفهان وجرجان، وحول شمس المعالي قابوس بن وشمكير في جرجان وطبرستان وحول السلطان محمود الغزنوي في غزنة وأخيه نصر في نيسابور، والمأمونية في خوارزم.
ومما يؤثر من تنافس هذه الدول في العلماء والأدباء أن نوح ابن منصور الساماني كتب إلى الصاحب بن عباد سرا يستدعيه ليستوزره فاعتذر. وأن السلطان محمودا كتب إلى المأمون أمير خوارزم ليرسل إليه ابن سينا والبيروني وأبا سهل المسيحي الفيلسوف وأبا الحسن الخمار الطبيب، وأبا نصر العراق الرياضي، فمنهم من رضى بالمسير إلى محمود ومنهم من فر. وكان إلى جانب الملوك والوزراء رؤساء وبيوت يؤمهم الأدباء ابتغاء الحظوة عندهم
وإذا اتخذ الثعالبي والبيروني مثلاً لأدباء هذا العصر وعلمائه عرفنا توليه الأدباء وجوههم شطر هذه الدول:
الثعالبي أهدى كتابه لطائف المعارف إلى الصاحب بن عباد والمبهج والتمثيل والمحاضرة إلى شمس المعالي قابوس وسحر البلاغة وفقة اللغة إلى الأمير أبي الفضل الميكالي والنهاية في الكتابة ونثر النظم واللطائف، والظرائف إلى مأمون بن مأمون أمير خوارزم: وغرر أخبار ملوك الفرس وسيرهم إلى نصر أخي السلطان محمود، والبيروني أقام في خوارزم عند المأمونية ثم سار إلى شمس المعالي وقدم إليه كتاب الآثار الباقية ثم قصد السلطان محمودا فلزمه وقدم إليه كتابه عن الهند. وقدم كتاب التفهيم في علم النجوم الذي ألفه بالعربية والفارسية إلى سيدة من خوارزم اسمها ريحانة ثم قدم القانون المسعودي في النجوم لمسعود بن محمود وكتابه في المعادن إلى السلطان مودود بن مسعود.
- ٢ -
وقد نفقت سوق الآداب في القرن الرابع ونبغ كثيرون من أعلامه ولا سيما كتاب الرسائل
وحسبنا أن نذكر من الكتاب ابن العميد وابن عباد وأبا إسحاق الصابي، وأبا الخوارزمي
стр. 3174
والعتبى وعبد العزيز الجرجإني وبنى ميكال، وشمس المعالي قابوس وأبا هلال العسكري، وابن نباتة الخطيب، والحسن بن علي التنوخي ومن الشعراء: المتنبي والمعري والحمداني والرضي ومهيار، وابن نباته السعدي، وأبو الفتح البستي، والببغا، والنامي، والناشي، والزاهي، وغير هؤلاء من شعراء اليتيمه وكتابها.
همذان
مدينة في ناصية الجبال يشرف عليها جبل أروند في سهل خصب، ويؤخذ من أخبار الكتب الفارسية والعربية أنه كان لها شأن عظيم في حقب مختلفة قبل الإسلام وفي العصر الإسلامي. .
وهي هكمتانة في الآثار الفارسية القديمة، وأهيمتا في التوراة، واكبتانا عند كتاب اليونان والرومان.
واجمع الكتاب على وصفها بشدة البرد، وأكثر الشعراء في هذا قال ياقوت: (لما قدم عبد الله بن المبارك همذان أوقدت بين يديه نار فكان إذا سخن باطن كفه أصاب ظاهرها البرد وإذا سخن ظاهرها أصاب باطنها البرد فقال:
أقول لها ونحن على صلاء … أما للنار عندك حر نار؟
لئن خيرت في البلدان يوما … فما همذان عندي بالخيار
ثم التفت إلى ابن أبي سرح وقال يا أبا عبد الله وهذا والدك يقول
النار في همذان يبرد حرها … والبرد في همذان داء مسقم
والفقر يكتم في بلاد غيرها … والفقر في همذان مالا يكتم
وقال ياقوت: (ولا شك عند كل من شاهد همذان بأنها من أحسن البلاد، وأنزهها وأطيبها وأرفهها، وما زالت محلا للملوك ومعدنا لأهل الدين والفضل، إلا أن شتاءها مفرط البرد بحيث قد أفردت فيه كتب، وذكر أمره بالشعر والخطب.)
وأما أهلها فكأنهم عرفوا بالغلظة، وبديع الزمان يعتذر في بعض رسائله عن سوء فعله بأنه همذاني المولد. وينسب إليه في ياقوت:
همذان لي بلد أقول بفضله … لكنه من أقبح البلدان
صبيانه في القبح مثل شيوخه … وشيوخه في العقل كالصبيان
стр. 3175
وفي مناظرة رواها ياقوت بين همذاني وعراقي يقول العراقي للهمذاني: (ثم فيكم أخلاق الفرس، وجفاء العلوج، وبخل أهل أصبهان، ووقاحة أهل الري، وقذارة أهل نهاوند، وغلظ طبع أهل همذان).
ويقول ابن فارس كما في ابن خلكان:
سقى همذان الغيث لست بقائل … سوى ذا وفي الأحشاء نار تضرم
وما لي لا أصفي الدعاء لبلدة … أفدت بها نسيان ما كنت أعلم
نسيت الذي أحسنته غير أنني … مدين وما في جوف بيتي درهم
ومما يستأنس به هنا قوله في مدح خلف بن أحمد:
أبادية الأعراب أهلك إنني … ببادية الأتراك نيطت علائقي
وقوله في القصيدة نفسها:
إذا اقتضت منى خراسان لفظه … أماطت العرب در المخانق
وكذلك رسالته إلى أبي عامر الضبي رئيس هراة في عيد السدق وهو ليلة الوقود عند المجوس، وفيها يبين فضل العرب على العجم في أسلوب تتجلى فيه العصبية
ويظهر أن أسرته كانت ذات مكانة في همذان، فهو يقول في رسالة إلى أبي بكر الخوارزمي حين لم يحسن لقاءه بنيسابور:
(فلو صدقته العتاب، وناقشته الحساب، لقلت إن بوادينا ناغية صباح، وراغية رواح، وناسا يجرون المطارف، ولا يمنعون المعارف.
وفيهم مقامات حسان وجوههم … وأندية ينتابها القول والفعل
ولو طوحت بأبي بكر أيده الله طوائح الغربة، لوجد منال البشر قريباً، ومحط الرحل رحيبا (وأجابه الخوارزمي بقوله:) فاما القوم الذين صدر سيدي عنهم فكما وصف، حسن عشرة، وسداد طريقة، وكمال تفصيل وجملة، ولقد جاورتهم فأحمدت المراد، ونلت المراد،
فان كنت قد فارقت نجدا وأهله … فما عهد نجد عندنا بذميم
وفي رسالة إلى وزير الري يقول (وورائي من أخوالي وأعمامي من مواقف خدمة مشهورة، ومقامتهم مشكورة، وبهم حاجة إلى فضل عونه)
- ٣ -
стр. 3176
في النصف الثاني من هذا القرن عاش الهمذاني، فنبين سيرته وأخلاقه ثم ننظر مكانته من أدب هذا العصر
أ - أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد بن بشر الصفار المعروف ببديع الزمان الهمذاني، ولد في همذان ١٣ جمادي الثانية سنة ٣٥٨ من أسرة عربية:
ذلكم بأنه يقول في رسالة إلى الفضل بن أحمد وزير السلطان محمود، (إني عبد الشيخ واسمي أحمد، وهمذان المولد، وتغلب المورد، ومضر المحتد،) وكأنه يريد أن يقول إنه مضري الأصل، ولكن أسرته عاشت في تغلب. وفي رسالة إلى الشيخ أبي القاسم يعتذر عن التخلف عن الحضور بالزكام، ويقول عن رجل أسمه أبو الحسن يظهر أن اسمه سقط من الرسالة: (وما أشد استظهاري بخلافته وإن لم يكن من ولد العباس والله يبقيه علما للفضل) فيقول أبو القاسم في الجواب. (والشيخ أبو الحسن فوق شروط الخلافة، فان كان المستخلف تغلبيا، جاز أن يكون الخالف كسرويا)
فالتغلبي هو الهمذاني نفسه. ودليل آخر أنه كتب إلى القاضي أبا الحسين علي بن علي: (أنا أمت إلى القاضي أطال الله بقاءه بقرابة، إن لم يكن عربياً فأبي وأبوه إسماعيل، وعمي وعمه إسرائيل، الخ)
ب - ويؤخذ من رسائله بعض أخبار أسرته: يؤخذ منها أن أبويه عاشا إلى أن كبر وترك همذان، وأن أخاه أبا سعيد كان صغيراَ حين بداء هو أسفاره. ويؤخذ من معجم الأدباء أن أخاه أبا سعيد كان مفتي همذان، ويؤخذ من رسائل أيضا أنه كان له ابن صغير أسمه أبو طالب، وأن أحد أعمامه لحق به في أسفاره، وعاش معه عشر سنين.
ويفهم من رسائل كثيرة أن أباه أرسل إليه أول الأمر مالا وأمره أن يرجع إلى همذان، ولامه على طول غيبته، وأنه هو أرسل إلى أبيه مالا من بعد وسأله أن يلحق به، وأن أباه وعده ذلك ثم لم يفعل حتى غضب البديع، وكتب إلى أخيه أبي سعيد دون أبيه. ومن رسائله إلى أبيه: (كتابي أطال الله بقاء سيدنا من بوشنج، لك أسوة بيعقوب في ولده، إذ ظعن إليه من بلده. وليس العائق سور الاعراف، ولاجبل قاف، فلم لا ينشط؟ والله لا يضيع بذلك المكان درهماً إلا عوضه دينارا، ولا يعدم هناك دارا إلا أفدته ديارا. . .
وقد رسمت لموصل كتابي هذا أن ينقده مائة دينار بشرط أن يخرج وأن يرتب له عمارة
стр. 3177
شتويه تسعه. فالشيخ الفاضل العم فليتفضلا، وليقوما ويرحلا، ويستصحب الأخ أبا سعيد، وليأتني بأهله أجمعين، الخ. . .)
وفي رسالة أخرى يذكر أنه غاب عن أبيه احدى عشرة سنه ص (١٦٠)
وأما أمه فلا أجد ذكرها في الرسائل، وفي الديوان له: (وله يجيب والدته:
وعجوز كأنها قوس لام … خلقوها من نبعة شر خلق
كاتبتني شوقا إلى وقالت … أخذ الله يا بني بحقي
قلت لا أستطيع ترك بلاد … قد وفى الله في ثراها برزقي
وهي أبيات إن صحت فلا تشهد لبديع الزمان بالبر.
ويظهر من بعض رسائله أيضاً أنه طلب إلى صهره أن يرسل امرأته وابنه أبا طالب. على أن في الكلام غموضاً. (وقد طالت مراجعات الشيخ في حديث أبي طالب الخ ص١٩٩ إلى آخر الرسالة).
ج - نشأ أحمد بن الحسين في هذه الأسرة. وكان كما يقول الثعالبي مقبول الصورة، خفيف الروح، وكان أعجوبة في الحفظ والبديهة والارتجال، له أخبار في هذا لا تكاد تصدق، وسنعود إليها عند الكلام على أدبه، ويخبرنا الثعالبي أنه أخذ اللغة عن أحمد بن فارس، ونحن نجد في الرسائل رسالة إلى أستاذه هذا جواباً عن رسالة ذم فيها الزمان، وقد مدحه ببعض شعره. ويقول الهمذاني في رسالة إلى أبيه عن أخيه أبي سعيد:
(وبلغني انه ابتدأ بمجمل اللغة، فأين بلغ منه، والشيخ لا يحمل عليه بعويص اللغة حتى يعلم سهلها، ولا يأخذه بما أخذني به، فالعمر لا يتسع للعلوم أجمع.)
وقد درس الحديث، ويقول ياقوت في معجم الأدباء نقلا عن شيرويه بن شهردار مؤرخ همذان: (وكان أحد الفضلاء والفصحاء متعصباً لأهل الحديث والسنة، ما أخرجت همذان بعده مثله، وكان من مفاخر بلدنا، روى عنه أخوه أبو سعيد، والقاضي أبو محمد عبد الله ابن الحسين النيسابوري.) ونجد عصبيته لأصحاب الحديث في رسالة كتبها إلى أحد القضاة يقول فيها: (ماله ولأصحاب الحديث الخ الرسالة) ص١٠٥
سفره من همذان
فارق همذان سنة ٣٨٠ وهو ابن اثنتين وعشرين سنة: وورد حضرة الصاحب فتزود من
стр. 3178
ثمارها وحسن آثارها، كما يقول الثعالبي.
وفي الديوان أنه قدم إلى الصاحب وله ١٢ سنة، فهذا كان قبل رحيله عن همذان، ويؤيده ما رواه الثعالبي عن الهمذاني قال: (لما أدخلني والدي إلى الصاحب ووصلت مجلسه، واصلت الخدمة بتقبيل الأرض، فقال لي: يا بني اقعد، إلى كم تسجد، كأنك هدهد) وفي إحدى قصائده ما يدل على أنه ذهب إلى الصاحب أكثر من مرة.
وتعجب لاختياري ان رأتني … أرى بحراً وأمتاح الركايا
سأنتاب الوزير فان أتيحت … زيارته وساعدت القضايا
أعاود ورده والعود خير … وارجع أن للرجعى مزايا
ولا ندري ما كان بينه وبين الصاحب، ولكنا نراه يذكر في قصيدة ان الصاحب أوعده وهدده:
أكافي الكفاءة استبق مني ومن دمي … حشاشة مجد في البلاد مشرد
أفي موجب الفضل الذي أنت أهله … توعد مثلي أم قضية سؤدد
أبعد مقاماتي لديك وهجرتي … إليك وإنفاقي طريفي ومتلدي
وجوابة للافق فيك طردتها … غدت بين منثور وبين مُقَصَّدِ الخ
وأظنه أراد هجاء الصاحب في قوله من قصيدة يمدح بها خلف ابن أحمد:
وليل كذكراه معناه كاسمه … كدين ابن عباد كادبار فائق
جرجان
يقول الثعالبي: (ثم قدم جرجان وأقام بها مدة على مداخلة الإسماعيلية والتعيش في أكنافهم، والاقتباس من أنوارهم، واختص بأبي سعيد محمد بن منصور أيده الله تعالى، ونفقت بضائعه لديه، وتوفر حظه من مادته المعروفة في إسداء المعروف والافضال على الأفاضل. .
فلما استقرت عزيمته على قصد نيسابور أعانه على حركته، وأزال علله في سفرته، فوافاها سنة ٣٨٢، ونحن نجد في رسائله رسالة إلى أبي سعيد الإسماعيلي يذكر أن الأعراب قطعوا عليه الطريق إلى نيسابور وسلبوه كل ما معه.
(يتبع)
стр. 3179
عبد الوهاب عزام
стр. 3180
من طرائف الشعر
رب زهر يشوكني وهو غرسي
للأستاذ الحوماني
مدرس الآداب في كلية طرابلس
(قطع الناظم شطراً من حياته مهاجراً بين أوربا وأميركا من الغرب ثم بين العراق ومصر وسائر الأقطار العربية من الشرق: فالقصيدة التالية تمثل حياته المشردة ماثلة بين آلامه في الحياة وحنينه إلى وطنه وهو يطوف في الغرب، معارضاً بها قصيدة أمير الشعراء التي عارض بها قصيدة البحتري في إيوان كسرى)
ربما أنضج التجارب درسي … لثلاثين من سني وخمس
ولقد تكشف الغطاء ليومي … عن مآتى غدي بصيرةُ أمسي
قد لفظت الحياة يشقى بها الحرْ … رُ وتتْرى منها يدا كل جِبْس
إذ بلوت الورى ثلاثين عاما … وخد نياي من يراع وطرس
بين جهدين من يد ولسان … تحت ليلين من غموض ولبس
كم أطوف البلاد شرقا وغربا … فوق ظهرين من سفين وعنس
أيُّ جد يُغريه بي أيُّ عِزَّ … تترامى إليه آية نفسي
البواديُّ في العراق أقضَّت … مضجعي في الشآم فوق الدمقس
غرست مضجعي قتاداً وقالت … لأماني هوِّني وتأسي
يصبح الزهر ناضراً وعلى ما … يحبس الدمع في فؤادك يمسي
قد نزلت العراق أحسب إني … نازل في العراق دارة قدس
ووردت الشآم تبحث عينا … ي بها عن طبابة المتحسِّي
فإذا القول فيهما دار ملك … وإذا الفعل ثم داره فلس
لا يغرنك في الشآم رجال … موَّهوا بالرياء وجه الفرنسي
ربما أثرت العيون من الكح … لِ وخلف الجفون منبت ورسي
كم أذود الكرى وأنشد عزى … بين ناب من الزمان وضرس
стр. 3181
وأعاف المبيت بين نهود … وشفاه من الكواعب لعس
ضاق بي مهيع الفضاء فلا أص … بح إلا على قذًى حيث أسمي
همّتي همّتي ففيم نواحي؟ … في طلاب العلى ونفسي نفسي
رب يوم ذممته تحت ليل … طالعتني من أفقه ألف شمس
احرقوني بعد الممات إذا لم … يُبن من دارة الكواكب رمسي
أتحدى إصلاح شعبي ولما … تعد كفاي لعبة المتخسي
يتمشى إليه بي من أبي الحا … رث قلب يحدوه جسم ابن عرس
في رؤوس مما أخفِّض شم … وطباع مما أذلل شُمْس
هزت الصم صرختي فلماذا … لم تعٍ الإذن منهم غير همس
لِمَ، لم يسمعوا وهم غير صم … لِمَ لم ينطقوا وهم غير خرس؟
ربما أرجفوا بقولي وقالوا … وهم الساخرون، عنتر عبس
وكذا الشعر لم يصب غير قوم … قد أصيبوا من الجنون بمس
وإذا الجد لم يهب بكم أوفي … ت على العز من حقائف وُعس
فاعجبوا للأريب وهو أريب … وارداً في حياته ورد خمس
وحياة الأديب بارق سعدٍ … يتحداه من طوالع نحس
أمل في الحياة أبرق فارفضَّ … ت عز إليه من سحابة يأس
لا ألوم الصديق أن يتناسى … سالفات العهود فالبعد ينسي
نكث العهد من حدبت عليه … رب زهر يشوكني وهو غرسي
ولقد ينكر الصحيح علاجاً … هام فيه والنبض تحت المجس
كم طباع تشف عن زهرها الغض … ض جسوم تضاءلت تحت طلس
ولكم تلمس الخشونة فيها … بأكف ممن تصافح مُلس
شر ما في الأنام نعمى مليك … هي في شعبه عصارة بؤس
وكذاك الحياة سفر شواظٍ … يتراءى للغر مُذهب طرس
عُرس قائم على اسِّ رزءٍ … ورزايا قامت على أسِّ عرس
لا تهن أن قعدت اعزل والخبّ (م) … من الشعب قائم فوق كرسي
стр. 3182
رب نادٍ ملء الصدور به ذك … ر ابن هند ونهج حيدر منسي
كيف بالشعب ان يُبل وقد أو … رده الجهل آسياً غير نطس
ومن الهون في الحياة على الحر (م) … خضوع الكريم للمُستْخَسَ
أيها الشعب، والسلاسل ضاقت … بك ذرعاً، أما تحس بنهس؟
عمرك الله! لا يقيم على الضي … م خسيس الحياة غير الاخس
وأذل الشعوب شعب تحدَّى … ذروات العلى على يد نِكس
قد يشيد الجبان صرحاً ولكن … هيكلا قائماً على غير أس
اطرحوا الجهل ساعة وتعالوا … أبصروا في البحار جنة انس
بحر علم يطغى بهم فوق شم … من جبال الحديد في البحر ترسي
قل لمن حاول الزعامة قبلا … بجدا نائل وشدة بأس
أخفقت بعدكم شجاعة عمرو … وندى حاتم وحكمة قس
أفأستعرض الحياة (بنويرك) (م) … (وفي لندن) وغوطة مرسي؟
ما الذي تبلغ البراعة من عد (م) … السها وهي في أنامل خمس
يعجز الحصر ما أحس واضعا … ف خوافيه لم يقع تحت حسي
عرفوا الله كيف يعبد في القل … ب دماً فائراً وعزة نفس
عبدوه منزهاً لا إلى (اللورد) … هووا ركعاً ولا (للبرنس)
عبدوا الحق قوة تتلظى … في أنوف أُسد خفَّان حُمْس
عبدوه فوق الطروس يراعاً … وخميساً يموج تحت الدرفس
стр. 3183
ليلة داجية!
للأستاذ خليل هنداوي
وليلة داجية، والهوى … كل مناه ليلة داجية
ان كنت لا تدرك سر الدجى … فاسأل بأسرار الدجى غإنية
طوراً نذوَّقت الهوى قبلةً … أبعثُها في الفسحة السارية
ويرجع الليل صدى قبلتي … مصحوبة بقبلة ثإنية
وتارة تشدو فتجلو المنى … بنغمة ساحرة شاكية
فيسمع الليل لألحانها … وليلتي إذانها واعية
تقول هبَّت عيون الهوى … قلت الهوى عيونه ساهية
إن الهوى نسيان ما ينقضي … كأننا في عزلة نائية
стр. 3184
الصوفي المعذب
. . هذه الذرَّةُ كم تح … مل في العالم سراً
قف لديها وامتزج في … ذاتها عمْقا وغبورا
وانطلق في جوِّها المم … لوء أيمانا وبرا
وتنقَّلْ بين كبرى … في الذراريّ وصغرى
تر كل الكون لا يَفْ … تُرُ تسبيحاً وذكرى
وانتش الزهرةَ والزه … رةُ كم تحمل عطرا
نُدِّيت واستوثقت … في الأرض أعراقاً وجذرا
وتعَرَّت عن طرير … خَضل يفتأ نضرا
سلْ هزار الحَقْل من أَن … بته ورداً وزهرا
وسل الوردةَ من أو … دعها طيبا ونشرا
تَنظرِ الروح وتسمعْ … بين أعماقك أمرا
الوجودُ الحق ما أو … سعَ في النفس مداهْ
والسكون المحضُ ما أو … ثق بالروح عراه
كل ما في الكون يمشي … في حنَاياه الأله
هذه النملة في رق … تها رجعُ صداه
هو يحيا في حواش … يها وتحيا في ثراه
وهي إن أسلمت الرو … حَ تلقتها يداه
لم تَمت فيها حياةُ ال … له إن كنت تراه
أنا وحدي كنتُ أس … تجلي من العالم همسهْ
أسمع الخطرةَ في الذَّ … ر واستبطئ حسه
واضطراب النورفي خف … قته أسمع جرسه
وأرى عيد فتى الور … د وأستقبل عرسه
وانفعالَ الكرم في قف … صته أشهد غرسه
رب سبحانك إن ال … سكون لا يقدرُ نفسه
صغت من نارك جنِّي … هـ ومن نورك إنسه
стр. 3185
رب في الإشراقة الأ … ولى على طينة آدم
أمم تزخر في الغي … ب وفي الطينة عالم
ونفوس تزحم الما … ء وأرواح تحَاوَم
سبح الخلق وسبح … تُ وآمنت وآمنْ
وتسللت من الغي … ب وآذنت وإذن
ومشى الدهر دراكا … رَبِذَ الخطو إلى من. .؟
في تجلياتك الكب … رى وفي مظهر ذاتك
والجلال الزاخر الفي … اض من بعض صفاتك
والحنانِ المشرق الوض … احِ من فيض حياتك
والكمال الأعظم الأع … لى وأسمى سُبُحاتك
قد تعبدتك زلفى … ذائداً عن حرماتك
فنيت نفسي وأفْ … رغتُ بها في صلواتك
ثم ماذا جد من … بعد خلوصي وصفائي
أظلمت روحيَ. . ما عد … تُ أرى ما أنا راء
أيهذا العِثْيَرُ القا … ئم في صحو سمائي
للمنايا السودِ آما … لي وللموت رجائي
آه يا موتَ جفوني … آه يا يوم قضائي
قفَ تزودْ أيها الجب … ارُ من زادي ومائي
واقترب إن فؤادي … مثقلٌ بالرجاء
يا نعيما مشرق الصف … حة يسّاقط دوني
نضِرتْ في قربة نف … سي وزايلتُ غضوني
فمشتْ غائلةُ (الش … ك) إلى فجر يقيني
قضت اللذة فاستر … جعها لمحُ ظنوني
واستردَّ النعمة الكب … رى من الدهر حنيني
من ترى استأثر باللذ … ذة واستبقى جنوني؟
стр. 3186
إذني. . . لا ينفد اليو … م بها غير العويلْ
نظري. . . يقصر عن كلْ … لِ دقيق وجليل
غاب عن نفسي إشر … اقك والفجر الجميل
واستحال الماءُ فاستح … جر في كل مسيل
رجع اللحنُ إلى أو … تاره بعد قليل
واختفى بين ظلام ال … مزهر الكلّ القليل
أم درمان
التيجاني يوسف بشير
стр. 3187
إلى جانب المدفأة. . .
تَميلُ روحي على لَظَاها … لِتحتَسي خمرةَ الشتاء
// لِسانَها شِمُت والشفاها … في شُعَلةٍ وقدُها شفائي
حَبَّبْتِ لي النارَ، فهي عندي … غِذاءُ جسمي، وأمْنُ روحي
أوَدُّ تقبيلها لأهدي … لها القرابين عن جروحي
نيرَانها رقصهُا غريبُ … كَمُجْهدٍ هدَّه الدوارُ
ولحنُها وقْعُهُ مُريب … يُنْبئُ عن ضَعفه اصفرارُ
أَعدْتِ لي رونق الحياةِ … يا واحةَ التائهِ الشرِيدْ
وقدْتِ قلبي إلى النجاةِ … بدِفئك المنقذِ السعيدْ
كم أشتهي أن أضُمَّ ناركْ … إلى السعير الذي بصدري
ما أسعدَ القلبَ في جِواركْ … حتى ولو بِعتُ كلَّ عمري. .!
مختار الوكيل
стр. 3188
العُلوم
بيت يهم بالسجود
للدكتور احمد زكي
تتداعى البيوت الكثيرة في كل زمان وفي كل مكان، فلا يسمع بها إلا الجيران، وان تضمّن سقوطها قتل الأنفس والتمثيل بالابدان، فقد يخرج خبرها عن دائرة الجيرة إلى دائرة المدينة وقلما يتعدى حدود القطر والأمة. ولكن بيتاً في مدينة (برانتفورد) بكندا همّ بالسجود أو كاد، أو خيل أنه نوى الصلاة أو أوشك أن ينويها، فاهتزت أسلاك العالم تُبرق بالنبأ إلى أدانيه وأقاصيه، وحظ البيوت كحظ الرجال، رجل يمرض فيموت فلا يجد من يلف عليه كفناً، أو يستر له في التراب شلوا، ورجل يمرض فيتأوّه خفيفاً، فتتردد آهته عاليةً في كل بوق من أبواق الإذاعة، ويتأوه معه العالمون.
على انه لا بدع أن تعطف الأسلاك البرقية على هذا البيت، وان تضطرب باضطرابه، فهو بيت أسرتها العتيق، مسقط رأسها ومهد طفولتها , وفيه وفي المدينة التي حوله كان لعبها ولهو صباها. ذلك البيت هو بيت (جراهام بل) الذي فيه وُلد أول تلفون عرفه الناس، وفيه امتد أول سلك بأول صوت لإنسان.
شكا هذا البيتُ العتيق الأرض التي حملته نصف قرن، لا عن نكران ولا جحود، ولكنه إلفُ هذا الهواء. . . فلم يكد ينطق بالشكاة حتى أشكاه أهله، فامتدت إليه أيد حريصة تنقله حجرا حجرا برسمه ووضعُه، إلى أرض أشدّ، ومنزلٍ آمن
ولد اسكندر جراهام بل عام ١٨٤٧ في أدنبره عاصمة اسكتلانده، وتعلم في جامعتها، ثم انتقل إلى جامعة لندن ودرس فيها، ثم ساءت صحته فطلب العافية، فنزح مع أبيه إلى كندا عام ١٨٧٠. ثم انتقل بعد ذلك إلى (بُسنن) بالولايات المتحدة ولم يكن اختراعه التلفون اتفاقه من اتفاقات الحظ المجدود ورمية من غير رام، وإنما كان نتاج دراسة طويلة منظمة وبحث دقيق وصبر شديد. كان أبوه عالماً في السمْعيَّات، فاشترك الاثنان في دراسة الطريقة التي بها ينتج الكلام من فم الإنسان، وفي النغمات الموسيقية للأحبال الصوتية التي بحلقه، وفي مخارج الحروف والأصوات في مختلف اللغات، وفتج الابن مدرسة لتخريج معلمين يعلمون الصمَّ الكلام، وكان دَرَس الكهرباء، واتصل بالفزيائي العالم (هِلْمهولتز)
стр. 3189
فكان من الطبيعي أن يربط بين الكهرباء والصوت، فكان أن طلب مع فزيائيّ عصره تسخيرّ الكهرباء في حمل الصوت فسبقهم سبقاً قريباً، وحمل اختراعه إلى دار التسجيل، وحمل الأستاذ (اليشاجراي) اختراعاً مثله إلى دار التسجيل ولكن (بل) سبق (جراي) ببضع ساعات، فكان له السبق، وكان له وحده من بعد ذلك تمجيد القرون
والآن مضت سنوات كثيرة على ذلك، وتبع المختْرعَ الأول مخترعون عديدون، قام كل بنصيبه في تنمية التلفون وتمديده، وأولدوا منه التلفون اللاسلكي، واستعان المولود والوالد على ربط الأرض الدوّارة، مشارقها بمغاربها، ويابسها بمائها وسهولها بأحزانها، فأعْدَما بذلك من قيود الإنسان قيدَ الزمان وقيد المكان. فأنت تستطيع الآن وأنت في بيتك أن تتصل في ساعة بنحو أربعين مليون مشترك مفرَّقين في نواحي الأرض المترامية. وقد يقال إن في هذا الكفاية، ولكن الإنسان أمّال لا يفتأ يطلب المزيد. مثال ذلك أنه تضجرَّ من عاملات التلفون ومن إعناتهن، فذهبن، وأصبح التلفون في كثير من البلاد يعمل من نفسه بدون عاملة، ولا تمضي سنوات حتى يعم هذا النظام الجديد العالم كله. وشكا طالب الترنكِ الزمن الذي يقضيه في الانتظار ليتصل بألمانيا أو امريكا، فأصغى العلم إليه، وعن قريب ستتمكن من مخاطبة تلك البلاد والاتصال بها بعد برهات قصيرة من اعتزامك ذلك وشكا رؤساء الأعمال العالمية الواسعة أنهم كثيراً ما يريدون استشارة مرءوسيهم أو وكلائهم أو شركائهم في البلاد المختلفة فيضطرون إلى مكالمة واحد ثم ثان ثم ثالث، وذلك في الأمر الواحد، ثم يجدون بعد ذلك أنهم محتاجون إلى مراجعتهم، وسألوا ألا من سبيل إلى اجتماعهم جميعاً في مؤتمر واحد على التلفون، فقال العلم نعم، وفعلا جُرّبت دعوة أمثال هذه المؤتمرات في إنجلترا، وتحدث المؤتمرون كما لو اجتمعوا في حجرة واحدة على مائدة واحدة. وساعد على هذا النجاح بالطبع أن هؤلاء القوم إذا تناقشوا تكلم منهم واحد فقط واستمع الباقون
وهناك مطالب أخرى، وتكهنات أخْرى، وآمال واسعة ترمي كلها إلى تمكين الإنسان وترفيه. فمن المحتمل القريب الآن ان يتخاطب اثنان فيمتعان السمع والبصر، أما السمع فسمع الكلام، وأما البصر فبصر محيّا من تستمع له تُلقي صورته على لوحة أمامك. على أن هذا إن أمتع أناساً فسيزعج لا شك أناساً آخرين. فليست كل الوجوه يُستحب مرآها. وغير هذا فأنت اليوم تخاطب من تشاء وأنت على أي حال تشاء من لباس أو هيئة، أما
стр. 3190
غدا ومحدّثك يراك فلابد من استواء الهندام والهيئة المحترمة، وغدا ستضطر إذا أردت تبليغ أسفك لشيء أو حزنك على حادثة أن تتكلف الأسف والحزن لا في صوتك فحسب، بل كذلك في وجهك، وهذا لا شك يزيد في عَنَت الحياة
على ان العلم حسب حساب كل هذا، وعرف ضعف النفوس الإنسإنية كما عرف قوتها، وعرف كذلك ان تقويم المعوج وتكسير الصحيح لا يقع في اختصاصه، لذلك ستجد في الجهاز الجديد زراً صغيراً، تديره شمالا فتحتجب، وتديره يميناً فتْسفِر، فدونك ما شئت من سفور أو حجاب.
احمد زكي
следующие страницы →