← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

إذني. . . لا ينفد اليو … م بها غير العويلْ نظري. . . يقصر عن كلْ … لِ دقيق وجليل غاب عن نفسي إشر … اقك والفجر الجميل واستحال الماءُ فاستح … جر في كل مسيل رجع اللحنُ إلى أو … تاره بعد قليل واختفى بين ظلام ال … مزهر الكلّ القليل أم درمان التيجاني يوسف بشير

стр. 3187

إلى جانب المدفأة. . . تَميلُ روحي على لَظَاها … لِتحتَسي خمرةَ الشتاء // لِسانَها شِمُت والشفاها … في شُعَلةٍ وقدُها شفائي حَبَّبْتِ لي النارَ، فهي عندي … غِذاءُ جسمي، وأمْنُ روحي أوَدُّ تقبيلها لأهدي … لها القرابين عن جروحي نيرَانها رقصهُا غريبُ … كَمُجْهدٍ هدَّه الدوارُ ولحنُها وقْعُهُ مُريب … يُنْبئُ عن ضَعفه اصفرارُ أَعدْتِ لي رونق الحياةِ … يا واحةَ التائهِ الشرِيدْ وقدْتِ قلبي إلى النجاةِ … بدِفئك المنقذِ السعيدْ كم أشتهي أن أضُمَّ ناركْ … إلى السعير الذي بصدري ما أسعدَ القلبَ في جِواركْ … حتى ولو بِعتُ كلَّ عمري. .! مختار الوكيل

стр. 3188

العُلوم بيت يهم بالسجود للدكتور احمد زكي تتداعى البيوت الكثيرة في كل زمان وفي كل مكان، فلا يسمع بها إلا الجيران، وان تضمّن سقوطها قتل الأنفس والتمثيل بالابدان، فقد يخرج خبرها عن دائرة الجيرة إلى دائرة المدينة وقلما يتعدى حدود القطر والأمة. ولكن بيتاً في مدينة (برانتفورد) بكندا همّ بالسجود أو كاد، أو خيل أنه نوى الصلاة أو أوشك أن ينويها، فاهتزت أسلاك العالم تُبرق بالنبأ إلى أدانيه وأقاصيه، وحظ البيوت كحظ الرجال، رجل يمرض فيموت فلا يجد من يلف عليه كفناً، أو يستر له في التراب شلوا، ورجل يمرض فيتأوّه خفيفاً، فتتردد آهته عاليةً في كل بوق من أبواق الإذاعة، ويتأوه معه العالمون. على انه لا بدع أن تعطف الأسلاك البرقية على هذا البيت، وان تضطرب باضطرابه، فهو بيت أسرتها العتيق، مسقط رأسها ومهد طفولتها , وفيه وفي المدينة التي حوله كان لعبها ولهو صباها. ذلك البيت هو بيت (جراهام بل) الذي فيه وُلد أول تلفون عرفه الناس، وفيه امتد أول سلك بأول صوت لإنسان. شكا هذا البيتُ العتيق الأرض التي حملته نصف قرن، لا عن نكران ولا جحود، ولكنه إلفُ هذا الهواء. . . فلم يكد ينطق بالشكاة حتى أشكاه أهله، فامتدت إليه أيد حريصة تنقله حجرا حجرا برسمه ووضعُه، إلى أرض أشدّ، ومنزلٍ آمن ولد اسكندر جراهام بل عام ١٨٤٧ في أدنبره عاصمة اسكتلانده، وتعلم في جامعتها، ثم انتقل إلى جامعة لندن ودرس فيها، ثم ساءت صحته فطلب العافية، فنزح مع أبيه إلى كندا عام ١٨٧٠. ثم انتقل بعد ذلك إلى (بُسنن) بالولايات المتحدة ولم يكن اختراعه التلفون اتفاقه من اتفاقات الحظ المجدود ورمية من غير رام، وإنما كان نتاج دراسة طويلة منظمة وبحث دقيق وصبر شديد. كان أبوه عالماً في السمْعيَّات، فاشترك الاثنان في دراسة الطريقة التي بها ينتج الكلام من فم الإنسان، وفي النغمات الموسيقية للأحبال الصوتية التي بحلقه، وفي مخارج الحروف والأصوات في مختلف اللغات، وفتج الابن مدرسة لتخريج معلمين يعلمون الصمَّ الكلام، وكان دَرَس الكهرباء، واتصل بالفزيائي العالم (هِلْمهولتز)

стр. 3189

فكان من الطبيعي أن يربط بين الكهرباء والصوت، فكان أن طلب مع فزيائيّ عصره تسخيرّ الكهرباء في حمل الصوت فسبقهم سبقاً قريباً، وحمل اختراعه إلى دار التسجيل، وحمل الأستاذ (اليشاجراي) اختراعاً مثله إلى دار التسجيل ولكن (بل) سبق (جراي) ببضع ساعات، فكان له السبق، وكان له وحده من بعد ذلك تمجيد القرون والآن مضت سنوات كثيرة على ذلك، وتبع المختْرعَ الأول مخترعون عديدون، قام كل بنصيبه في تنمية التلفون وتمديده، وأولدوا منه التلفون اللاسلكي، واستعان المولود والوالد على ربط الأرض الدوّارة، مشارقها بمغاربها، ويابسها بمائها وسهولها بأحزانها، فأعْدَما بذلك من قيود الإنسان قيدَ الزمان وقيد المكان. فأنت تستطيع الآن وأنت في بيتك أن تتصل في ساعة بنحو أربعين مليون مشترك مفرَّقين في نواحي الأرض المترامية. وقد يقال إن في هذا الكفاية، ولكن الإنسان أمّال لا يفتأ يطلب المزيد. مثال ذلك أنه تضجرَّ من عاملات التلفون ومن إعناتهن، فذهبن، وأصبح التلفون في كثير من البلاد يعمل من نفسه بدون عاملة، ولا تمضي سنوات حتى يعم هذا النظام الجديد العالم كله. وشكا طالب الترنكِ الزمن الذي يقضيه في الانتظار ليتصل بألمانيا أو امريكا، فأصغى العلم إليه، وعن قريب ستتمكن من مخاطبة تلك البلاد والاتصال بها بعد برهات قصيرة من اعتزامك ذلك وشكا رؤساء الأعمال العالمية الواسعة أنهم كثيراً ما يريدون استشارة مرءوسيهم أو وكلائهم أو شركائهم في البلاد المختلفة فيضطرون إلى مكالمة واحد ثم ثان ثم ثالث، وذلك في الأمر الواحد، ثم يجدون بعد ذلك أنهم محتاجون إلى مراجعتهم، وسألوا ألا من سبيل إلى اجتماعهم جميعاً في مؤتمر واحد على التلفون، فقال العلم نعم، وفعلا جُرّبت دعوة أمثال هذه المؤتمرات في إنجلترا، وتحدث المؤتمرون كما لو اجتمعوا في حجرة واحدة على مائدة واحدة. وساعد على هذا النجاح بالطبع أن هؤلاء القوم إذا تناقشوا تكلم منهم واحد فقط واستمع الباقون وهناك مطالب أخرى، وتكهنات أخْرى، وآمال واسعة ترمي كلها إلى تمكين الإنسان وترفيه. فمن المحتمل القريب الآن ان يتخاطب اثنان فيمتعان السمع والبصر، أما السمع فسمع الكلام، وأما البصر فبصر محيّا من تستمع له تُلقي صورته على لوحة أمامك. على أن هذا إن أمتع أناساً فسيزعج لا شك أناساً آخرين. فليست كل الوجوه يُستحب مرآها. وغير هذا فأنت اليوم تخاطب من تشاء وأنت على أي حال تشاء من لباس أو هيئة، أما

стр. 3190

غدا ومحدّثك يراك فلابد من استواء الهندام والهيئة المحترمة، وغدا ستضطر إذا أردت تبليغ أسفك لشيء أو حزنك على حادثة أن تتكلف الأسف والحزن لا في صوتك فحسب، بل كذلك في وجهك، وهذا لا شك يزيد في عَنَت الحياة على ان العلم حسب حساب كل هذا، وعرف ضعف النفوس الإنسإنية كما عرف قوتها، وعرف كذلك ان تقويم المعوج وتكسير الصحيح لا يقع في اختصاصه، لذلك ستجد في الجهاز الجديد زراً صغيراً، تديره شمالا فتحتجب، وتديره يميناً فتْسفِر، فدونك ما شئت من سفور أو حجاب. احمد زكي

стр. 3191

٤ - في البحوث الروحية للأستاذ عبد المغني علي حسين منذ أسابيع، وجهت إحدى المجلات المصرية إلى عدد من النوابغ المصريين استفتاء في دعوى مخاطبة الأرواح أيصدقونها أم يكذبونها، فأعرب البعض منهم عن تشكك في صحة الدعوى أو نفي لها للأسباب الآتية: - ١ - إن الدعوى لا تقوم على أساس علمي. ٢ - إن واحدا من كبار الباحثين الروحيين غرق في حادث الباخرة (تيتانيك)، فلم لم تنبئه الأرواح بالحتف الكامن له في عرض المحيط؟ ٣ - لم نسمع بان ساسة الدول وقادة الجيوش قد استخدموا الأرواح في استطلاع ما يضمره خصومهم السياسيون والحربيون ٤ - لم نسمع بأن رجال الأمن قد استغلوا مخاطبة الأرواح في كشف خفايا الجرائم وتعقب المجرمين. هذا مجمل الاعتراضات. ولكن مع احترامي لقائليها، لست أراها تذهب بعيداً في نفي دعوى المخاطبة. أما القول بأن الدعوى لا تقوم على أساس علمي فقول غامض. وما هو يا ترى المقصود بالأساس العلمي؟ إذا كان المراد أن المخاطبة لم تأت كنتيجة منطقية أو رياضية لإحدى النظريات القائمة في العلوم الطبيعية فالاعتراض صحيح، إذ المفروض أن المخاطبة مشاهدة تجريبية مستقلة لا تقوم على نظرية علمية سابقة. ولكن من قال بأن النظريات العلمية السابقة يجب أن تكون أساس كل حقيقة علمية جديدة؟ إن أساس الأسس العلمية هو المشاهدة والتجربة لا النظريات العلمية السابقة. في ساعة من ساعات التجلي السماوي، جلس (جيمس واط) يرقب إبريق الشاي وهو على النار يغلي ويئز، ورأى البخار يدفع الغطاء من آن لآن فيفتح فرجة يهرب منها، فتملكت (واط) فكرة استغلال قوة البخار المحبوس، ومال على هذا المبحث بكل ما أوتي من ذكاء، وجد في تهذيب ما سبق في هذا الميدان من محاولات ساذجة، فوضع أساس صرح ضخم من البحوث والمخترعات، وحمل البخار الناس في البر والبحر وطار بهم في جو السماء؛ فهل كان اكتشاف قوة البخار بادئ ذي بدى نتيجة لنظرية علمية سابقة؟ كلا. لقد كان

стр. 3192

مشاهدة تجريبية مستقلة. وفي ساعة من ساعات التجلي السماوي، تنبه وليم جلبرت من أهالي كلشستر بإنجلترا، إلى أن الكهرباء (الكهرمان) المدلوكة بالصوف تجتذب خفاف القش، وقصاصات الورق، وكان جلبرت ذكي الفؤاد بحاثة، فجرب وجرب، ووضع أساس كل ما نعرف اليوم عن الكهرباء، وما ننعم به من مخترعاتها وبدائعها ومعجزاتها، فكشف الكهرباء أيضاً لم يكن قائما على نظرية علمية سابقة، بل كان مشاهدة تجريبية مستقلة. القول إذن بأن مخاطبة الأرواح لا تقوم على أساس علمي هو على الأقل قول غامض. أما بقية الاعتراضات فليس لها من الخطر ما لهذا الاعتراض الأول. وهي تفاصيل لا أرى التعجل بالخوض فيها، ولعلها تتعلق بالأرواح ذاتها، وما تستطيع وتحب أن تفعله وما لا تستطيعه أو لا ترى في فعله خيرا. وإذا انجلت هذه البحوث عن إثبات علمي لوجود العالم الروحي، وعن تقوية للأيمان بأوتاد من العلم اليقيني، فكفى بذلك نفعا، بل ذلك هو النفع كله، وهو اللباب الدسم، أما ما زاد عليه فألياف تافهة. هذا الاعتراضات إذن قد أدلى بها على عجل. ولكن كما أنها لا تذهب بعيداً في نفي دعوى المخاطبة فكذلك ردودي هذه لا وزن لها كإثبات لصحة الدعوى. إذ الحقائق العلمية لا تقوم على الجدل الكلامي، وإنما الوسيلة إليها هي البحث التجريبي. فهل ثمة بحث تجريبي جدير بالاعتبار يجري في هذا الموضوع؟ في العواصم بأوربا وأمريكا مجامع لهذا الغرض، أعضاؤها من المثقفين المفكرين، بينهم المحامي والطبيب والمربي والموظف والصحافي والأديب، وعدد صغير من أساتذة الجامعات وأفراد من العلماء الأفذاذ. تستحوذ هذه المجامع على وسطاء يزعمون فيهم الإخلاص وطهارة الطوية، ويدونون تجاربهم في سجلات، وينشئون لإذاعتها المجلات. وقد يختلفون في تفسير الظواهر، ولكنهم مجمعون بادئ ذي بدء على صحتها، وانتفاء الدجل منها، وأنها مفتاح ما استغلق من خصائص العقل البشري ومدى علاقته بمحيط المادة ولكن جمهور المفكرين لن يطمئنوا تماماً إلى حكم هيئات كهذه في موضوع خطير كهذا. قد يسلم الجمهور بأن في الأمر ما يستحق البحث، ولكن البحث الذي يرضيه يجب أن يكون

стр. 3193

بين جدران الجامعات. الجمهور يعتبر هؤلاء الباحثين ثائرين على العلم الرسمي، ينشئون داخل مملكته دولة يحكمون فيها باسمه، مع أنه - بحق أو بغير حق - لا يعترف بدولتهم ولا بأساليب حكمهم. ولكن لما كان رجال من وزراء البلاط العلمي قد انضموا إلى الثوار فقد جل الخطب عن السكوت؛ وها نحن أولاء نتساءل إلى متى تتحمل الهيئات العلمية الرسمية تبعة شذوذ الموقف؟ ولماذا لا تجلب على الموضوع بالخيل والرجل، فأما أن تهلكه وإما أنت تضمه تحت جناحها؟ العلم لا يعترف إلى اليوم إلا بشيئين - المادة وما يحرك المادة من قوى آلية. ولكن الروحيين ينادون بأن في الكون أيضاً قوى خفية ذات عقل وإرادة تؤثر في المادة في بعض الظروف. هل لهذه الدعوى من الحق نصيب؟ سؤال ملح موجه إلى الهيئات العلمية الرسمية. ويخيل إلينا أن العلم الرسمي قد بدأ يصغي إلى السؤال. فقد تألف بلندن في الأيام الأخيرة مجمع جديد للبحث الروحي، أعضاؤه من صميم رجال العلم، يرأسه البروفسور جرافتون أليوت سميث عضو المجمع العلمي البريطاني والعالم العالمي في الأنثروبولوجيا (علم أصل الإنسان) وأستاذ التشريح بجامعة لندن. . أعلن هذا الرئيس تأليف المجمع بخطاب أرسله لمحرر مجلة اللانسيت (مجلة للعلوم الطبية) ونشر في عدد ١٣ يناير من تلك المجلة، وفيما يلي ترجمته: - سيدي: صحت كلمة عدد من رجال العلم على تأليف مجمع للبحث في الظواهر المسماة عادة بالروحية أو غير العادية، وذلك بالوسائل العلمية التجريبية المتبعة في علوم الطبيعة والفزيولوجيا. يحدث كثيراً أن يدعى رجال العلم لإبداء رأيهم في تلك الظواهر فيعجزون عن الإتيان بحجج مستقيمة تبرر موقفهم السلبي، والأولى بهم لكي يكون موقفهم أكثر التئاما مع الروح العلمية أن يتقدموا لبحث تلك الدعاوى بالوسائل العلمية المعروفة بدلا من أن يقتصروا على نفي وجودها، والمجمع الجديد ينوي القيام بهذه المهمة تلبية لنداء مجلة (نايتشر) في مقالها الرئيسي بعدد ٢٣ ديسمبر سنة ١٩٣٣ قال مستر جيرالد هيرد عضو اللجنة الاستشارية لمجمعنا في كلمة إذاعها باللاسلكي يوم ٥ يناير، إن الوقت قد حان ليتنبه

стр. 3194

العلم الرسمي إلى وجود ظواهر تشذ عن القوانين المعروفة في العلوم الطبيعية، ولا تلتئم مع أي نظام مادي، ولا يصح إغفالها بعد اليوم، منذ أربعين عاما كان رجال الطب ينكرون الدعاوى الغريبة التي جاء بها التنويم المغنطيسي، ولكن التجربة والاختبار أثبتا صحة تلك الدعاوى وأهميتها، وها هو العلم اليوم في موقف مشابه لموقفه ذاك منذ أربعين عاما. عندما كنت طالب طب بالسنة النهائية، كان زملائي من الطلبة يسخرون مني لمجرد قراءتي كتابا في التنويم المغنطيسي، ولكني نجحت في إقناعهم بصحة التنويم بأن نومت كبير الساخرين مني. قد أورد مستر هيرد في خطابه المذاع باللاسلكي طرفا من تلك الظواهر النادرة الغامضة التي يزعمون حدوثها. ظواهر فيها المجال واسع لكل باحث كفء في علوم الطبيعة والفزيولوجيا والسيكولوجيا. إن لدى العلم اليوم لأجهزة ووسائل للبحث غاية في الدقة لم تكن موجودة منذ ثلاثين سنة، مثل تصوير الأشعة فوق البنفسجية ودون الحمراء، ومثل أشعة إكس والحاكي ومضخم الأصوات وأشرطة السينما وغيرها مما لم يكن يعرفه الذين بدأوا البحوث الروحية أمثال كروكس وريشيه ولدج. لن نبدأ البحث متأثرين باعتقاد في الأرواح ولا بأي اعتقاد آخر. وسنسير على النمط الجامعي كما هو الحال في معامل البروفسور وليم مكدوجال بأمريكا وفي جامعات أخرى بأوربا. وسنعامل بكل اعتبار أولئك الذين يسمون بالوسطاء. وسيضطرب هذا المجمع في مستهل حياته حتى يكون مستقلا في ماليته، ولكن رجال العلم ليسوا دائماً ذوي مال، ومعلوم أن بين الأثرياء اليوم من يهمهم جدا تشجيع هذه البحوث، فلعلهم يجودون بسخاء لإقامة المجمع على دعائم مالية ثابتة. ونزولا على إرادة البروفسور مزيزرهاريس، الذي أكد لي أنه يعبر عن رغبة باقي زملائه من أعضاء المجمع قد قبلت أعباء الرياسة، ولكن ليس معنى هذا القبول أنني أعرف الكثير في هذا الموضوع، بل معناه إني أتعهد بان أجعل البحث جديا وبعيدا عن كل تحيز. هذا خطاب رئيس المجمع الجديد، وقد أدلى إلى الصحف اليومية الإنجليزية بأحاديث لا تخرج في معناها عما بهذا الخطاب عبد المغني علي حسين خريج جامعة برمنجهام

стр. 3195

القصص دار الإصلاح للدكتور محمد عوض محمد كنا نتذاكر حديث الحسن الموهوب والمجلوب. فقلت لصاحبي: رحم الله ذلك الشاعر العربي القديم، الذي كان ينادي بأنه ليس ممن يخدعه مظهر الجمال، ولا يستهويه طلاء مصطنع، أو رواء متكلف، ولا يفتنه حسن مجلوب بتطرية. أو جمال مشتري من دكان العطار. وكأني أراه إذ يجلس على دكة أمام داره يتأمل الوجوه الحسان إذ تروح وتغدو، فإذا رأى وجهاً عليه من التجمل أكثر مما به من الجمال، أقبل على جلسائه ضاحاً، وأنشدهم من شعره أبياتاً ساخرة، يختمها بالسؤال المشهور: (وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟) وكان يلقي السؤال فلا يسمع من جلسائه سوى الاستنكار. . . ذلك أن الناس في ذلك الزمان قد حكموا على العطار المسكين حكماً قاطعاً، بأنه عاجز كل العجز أن يصلح ما أفسده الزمان. . . . وأكبر ظني أن العطار نفسه - وان أنكر هذا الحكم جهاراً - قد آمن به سراً. فقال صاحبي: غير أن هذا الحكم الصارم ما هو إلا كسائر الأحكام، عرضة لأن يتغير ويتبدل، حين يتغير الزمان والمكان، ولم يبق لدي اليوم شك في أننا بتنا في زمن قد علت فيه دولة العطار، وتألق نجم عزه، وأصبح قادراً على أن يثبت أن في وسعه إصلاح ما أفسده الزمان. فأنصت إليّ كي أحدثك عن (دار الإصلاح). فان حديثها طريف معجب. . قصدت في الصيف الماضي إلى بلاد الإنكليز، وقضيت شطراً من الزمن في عاصمتهم، وأنت تعلم أن من عادتي أن أقضي الصيف في مدينة النور، غير إني اضطررت هذا العام أن أستبدل بها مدينة الظلام. ولا احسبني آسفاً على زمني الذي قضيته هناك. أما الدار التي أدعوها (دار الإصلاح) فقد كان من أمرها إني ذهبت ليلة ألتمس ملهىأقضي فيه المساء. فجعلت أطوف بشوارع لندن ذات الطول والعرض، متنقلا بين اكسفورد ستريت إلى شافتسبري أفنيو، إلى بيكاديلي، إلى لستر سكوير. . متأملا المسارح ظاهراً،

стр. 3196

ومستفسراً عما اشتملت عليه باطنا، حتى وقعت عيني على مسرح (الحمراء)، فأعجبني منه ذلك الظهر الشرقي المتقن، كما أعجبني ما بداخله من نقوش عربيه بديعه، فيها ما يكفي لتبرير ذلك الاسم الأندلسي. وكانت به عندئذ جماعه من الراقصين الروس وهم حديث الأندية في لندن في ذلك الوقت. فلم يطل ترددي وبادرت بشراء تذكره ونعمت ليلتي تلك بمشاهدة رقص عجيب، والأنصاب إلى نغمات موسيقية شائقة. فلقد نبغت تلك الجماعة في محاكاة الموسيقى الدقيقة العويصة بحركات جسديه ناطقة. وفي ترجمة النغمات المطربة المشجية إلى وثبات وخطوات واهتزازات، تكاد تفوقها شجواً وطرباً وإبداعاً. ولست أنسى حتى الساعة كيف مثلوا لأعيننا (الحظ) بحركات الراقصين والراقصات على عزف الآلات، فكنت كأنما أرى بعيني - مجسما أمامي - كيف يقبل الحظ، فإذا السعادة قد ملأت الكون، وإذا الوجوه تطفح بالبشر، وإذا السرور باسط جناحيه، ثم نراه بعد ذلك مدبرا، فإذا السرور قد استحال حزنا، وإذا العالم قد امتلاء هموما وشجنا. . . ولا حاجة بي إلى الإفاضة في ذكر ذلك الرقص، الذي لم يكن له صله بدار الإصلاح، لولا أنني في فترات الاستراحة كنت أنظر في كراسة اشتريتها قد اشتملت على برنامج الحفلة، وعلى كثير من الإعلانات. وكانت الفترات طويلة فأعدت قراءة هذه الكراسة مرارا. ولم يفتني مما بها شيء. وقد لفت نظري إعلان بها عن (دار الإصلاح): فرأيته يزعم أنها دار معجزات، تدخلها العجوز الشوهاء، فتخرج منها غانية حسناء. . وكأن ليس بالعالم دمامة مهما قبحت، ولا سحنة مهما انقلبت، إلا وفي وسع أصحاب هذه الدار أنيحيلوها إلى حسن باهر وجمال بارع، ويزعمون أن ليس الإصلاح لديهم من سبيل الترقيع الذي يزيد القبيح قبحاً، والدميم دمامة. بل هو إصلاح شامل كامل، يلف المرء من قمة رأسه إلى أخمص قدمه. . . قرأت هذا كله فابتسمت ابتسامه الساخر. وعند مغادرتي المسرح هممت بأن ألقي بهذه الكراسة بعيدا، ولكني لم افعل، بل طويتها باعتناء ووضعتها في جيبي. وكأنما كنت حريصا ألا يضيع مني عنوان تلك الدار. . فمن يدري لعلي يوما أن تثور نفسي على هذه الصورة التي صحبتني كل هذه السنين فأريد ان أستبدل بها صوره أحسن منها. . ومضت على تلك الليلة أيام قلائل. وإني لجالس في صباح يوم أطالع (التيمس) في شيء

стр. 3197

من الكسل، إذا بصاحبة الدار تعلن ألي أن صديقاً يريد أن يراني. وكانت دهشتي غير قليلة حين رأيتني أصافح صديقي عيسى الذي تركته في القاهرة، وكنت احسب أن بيني وبينه أقطاراً وبحاراً. . . (عجبا ما الذي أتى بك؟) فحدثني أنه قضى أياماً في البحث عني، حتى اهتدى بعد لأي إلى مكاني. . . ولقد غادر مصر فجأة حين نصحه أصدقاؤه أن يلتمس علاجا في هذه البلاد لتلك الحال القاسية التي لم يعد يطيقها. . ذلك ان المسكين قد زاد وزنه، واكتسى اللحم والشحم طبقات بعضها فوق بعض. فقلت له حييت أيها الصديق، وأيا كانت الدوافع التي جاءت بك إلى هذه الديار، فإنها من غير شك دوافع قوية حتى تستطيع ان تحرك هذا الجسد العظيم - فمرحبا بك على كل حال. . . ولست أدري يا عيسى هل يتاح لك أن تظفر ببغيتك في هذه البلاد. إننا قد سمعنا من قبل عن معجزات الأنبياء رضوان الله عليهم الذين استطاعوا أن يبرئوا الأكمه والأبرص، وأن يحيوا الموتى بإذن الله. ولكن لم نسمع بعد بالأنبياء الذين يستطيعون أن يجعلوا منك شابا رشيق القوام. قال أحسبك قد نسيت أننا في زمن العلم والاختراع، وفي عصر الكهرباء والبخار. ولو انك تذكر هذا لما استكثرت على العلم الحديث هذه العملية اليسيرة التي تدعوها معجزة. قلت حقا إن في عصرنا لمعجزات كبرى. فلقد استطاع البخار أن يحملك من غير عناء كبير، حتى أبلغك هذه الديار. ولكن قل لي بأبيك، أليس من نكد الدنيا على الحر إن مثلك لا يدفع ثمنا لنقله من مصر إلى لندن اكثر مما يدفعه مخلوق ضئيل هزيل مثلي، ولو كان في العالم إنصاف لاقتضوك الثمن أضعاف مضاعفة. فان عشرة من أمثالك على ظهر باخرة، لخليقون أن يحولوها عن مجراها فتشرق بدلا من أن تغرب، وتميل إلى أفريقية بدلا من أن تتجه نحو لندن فقال انك ما زلت في ضلالك القديم، ولم تلطف حلاوة هذه البلاد عن طبعك الحامض. . فاعلم إذن أن الأمر عكس الذي توهمت. فان أصحاب البواخر يغتبطون لوجود الركاب ذوى الوزن الثقيل، لأن هذا مما يجعل السفينة تمشي في رزانة واتزان. ولو لم يتح لهم أمثالى، لاضطروا أن يستعيضوا عنا بعدد عظيم من أكداس الرمل يجعلونها في قاع السفينة. . . والآن هلم بنا ننطلق إلى إحدى تلك الدور التي يدعونها معاهد الجمال. فقد سمعت أن في هذه المدينة منها عدداً ليس بالقليل. وأفهمت انهم يستطيعون أن يحيلوا المرء

стр. 3198

إلى أية صورة شاء. عند ذلك ذكرت الليلة التي قضيتها في (الحمراء). وتناولت تلك الكراسة. وقلت لصاحبي - وأنا أحاوره - لست أدرى أيليق بنا أن نسمي تلك الدور معاهد الجمال. أو ليس الأقرب إلى الصواب أن ندعوها معاهد الدمامة؛ إذ لا يؤمها من الناس إلا من كان مثلك يحاول إصلاح ما أفسده الدهر. . وأنيلهذا السبب قد سميتها دور الإصلاح، وقد ألقت المصادفات في يدي إعلاناً عن واحدة من تلك الدور. ولست أضن عليك بأن أصحبك إليها. . . وقفت بنا السيارة أمام دار في حي (سوهو) لا ينم ظاهرها المتواضع عن باطنها الفخم. وكان استخراج عيسى من بطن السيارة ليس بالأمر اليسير. ولقد نفحت السائق نفحه حاتمية جعلته يغص الطرف عما عانته سيارته من جهد ومن عناء. وقد علمتني التجارب أن الدراهم خير لجام للأفواه في لندن كما في سائر البلدان. ودخلت إلى دهليز الدار أجر معي هذا الكتيب العظيم من اللحم والشحم. فأسلمنا الدهليز إلى فناء في جوانبه أرائك وكراسي، وقد طلب إلينا أن نجلس قليلا ريثما يؤذن لنا. فاخترت لعيسى من الكراسي أصلبها عوداً وأشدها مراسا. وجلسنا نتأمل فيما حولنا فرأينا فناء مفروشا بشيء كثير من الذوق وحسن اختيار للألوان، وكان يغلب فيه اللون الأزرق والأحمر، وعلى الأرض وفوق الجدران بسط وطنافس شرقية. وفي أحد الأركان موقد لم يكن به نار، بل كان مستوراً بغطاء مزخرف، وفي هذا الفناء خمسة أبواب يفضي كل منها إلى حجرات عديدة، وفي ناحية منه سلم ينتهي إلى الطوابق العليا فقلت لصاحبي محاورا: إن اليوم لشديد الحرارة، وأراك أخذت تتصبب عرقاً. فعسى هذا الحر أن يذيب قليلاً من هذا الشحم لكي تقل نفقات (الإصلاح). . على إني لو كنت مكانك لادخرت هذا العرق إلى حين تلقي المدير الأعظم لهذه الدار. فانه سيفاجئك بامتحان عسير، لم يكن ليخطر لك ببال. علمت أنهم سيطلبون إليك أن تجلس على كرسي واطئ، وأن تضع رجلك اليسرى على اليمنى، وتلفها حولها لفا محكما، وأن تميل برأسك إلى الأمام حتى تمس به ركبتيك؟ ثم تستلقي على ظهرك من غير حراك، ويؤتي بدبابة متينة فيمرون بها على بطنك ذهاباً وإياباً. أجل، هذا وأمثاله من الأمور التي ليس لك عنها مفر. فاستبق عرقك إذن، فانك في حاجة إليه. ولا تظن أن في قولي هذا غلوا. فان الإصلاح ليس

стр. 3199

بالشيء الهين. . . سل المصلحين قديما وحديثا ينبؤك أن إصلاح بني الإنسان من أشق الأمور. . وناهيك بالجوع الشديد الذي لابد لك أن تشقى به بضعة أشهر، تحرم فيها الطعام والشراب إلا قليلا. فلا يكون لك مندوحة عن أن تأكل من لحمك ودمك كما يفعل العشاق. وعلى ذكر العشاق، لقد هممت أن أقترح عليك العشق علاجا شافياً مما ألم بك، فلقد يزعمون أن الهوى باعث على النحول والانضمار. - خصوصاً إذا بلغ المرء فيه مرتبة الشغف والهيام والوله - ولقد هممت أن أسألك أن تعشق لكي تكتسب النحول والرشاقة. ولكني راجعت نفسي وذكرت أن الحب لن يصيب أمثالك، فانه سيلقى من دون قلبك هذا السور المنيع من الدهن والدسم، الذي لا تنفذ منه سهام الحب، ولا تخترقه قنابل الغرام. . . وأي حب يحترم نفسه يرضى أن يسكن مثل هذا المنزل؟ إذن لم يبق بد من تلك الطريق الوعرة التي تساق إليها الساعة. هذا وقد جعلت أتأمل فيما حولنا من الناس، فإذا هم مجموعة من الكائنات ما كنت أحسب أن في العالم حجرة تستطيع أن تضمهم جميعاً. قد كان عن يميني زنجي مفلفل الشعر أسود البشرة. وعن يساري رجل من المغول أفطس الأنف، أصفر الجلد مائل العينين؛ وكان هناك نساء ورجال. ليس فيهم من لم يرزق من شذوذ الخلق طرافة نادرة وتحفة عجيبة. وقد جاءوا جميعاً ينشدون (الإصلاح). ولم يطل جلوسنا، حتى ذهبوا بنا إلى إحدى الحجرات، فإذا نحن أمام امرأة نصف، مليئة القوام، مستديرة الوجه، ضاحكة السن، قد قصت شعرها الأسود الحالك قصا محكما. بحيث أصبح رأسها المستدير أشد استدارة. ولم تكد ترانا حتى هشت لنا وبشت. وقالت: أما صاحبك فلست بحاجة لأن أسألك ما خطبه. . . وأما أنت فما أكاد أتبين ما تشكوه. . . لعلك تشكو اعوجاجاً قليلاً في الأنف. فان به ميلا يسيرا عن (السمترية). . . وعلاج هذا أمر هين. فان لدينا عدداً من الجراحين ذوي أيد صناع، لا هم لهم في الحياة غير تقويم ما اعوج من الأنوف. وتخفيض ما نتأ منها وما برز، ورفع الأفطس منها وإعلاء شأنه بين الملأ، ولقد يصادفون، في هذا السبيل عقبات لكنهم يتغلبون عليها، برغم أنفها. . .! وأعجب شيء لدينا رجل من الصين ذو أنف شديد الفطس حتى لا تكاد تراه، وكأنما الناس قد اتخذوا وجهه مقعداً أو متكأ، وكنا أول الأمر عاجزين عن معالجته بما لدينا من الآلات،

стр. 3200

لكنا الآن قد اتخذنا له آلات خاصة، ولا شك عندنا في النجاح العاجل فيخرج هذا الصيني من معهدنا بأنف معتدل جميل، يستطيع أن يشق به لنفسه طريقا في الحياة. . أما أنت فخطبك يسير جداً. . . حدق في وجهي!. . إن ميل أنفك عن السمترية لا يتجاوز الخمس درجات. . . هكذا أخذت تحدثناً هذه المرأة. ولكني كنت راضياً عن أنفي، ولم يكن لي في إصلاحه مأرب. . فسألتها أن تعني بصاحبي، وتبذل له كل ما في دارها العظيمة من وسائل الإصلاح؛ حتى يعود رشيقاً نحيل القوام. فنادت خادماً وسألتها أن تذهب بصديقي إلى المكتب الثاني عشر. فانطلقا وبقيت مكاني، لا أدري ما أفعل. . فقالت اجلس فان صديقك سيعود بعد لحظة. فأستطيع متى وصلني التقرير عنه أن أخبركما عن مدة العلاج والأجر الذي نتقاضاه. إن معهدنا هذا قد اشتهر أمره حتى بات كعبة القاصدين من أطراف العالم. أما أنتما فلا أشك في أنكما من أهل مصر. فقد أصبحت لكثرة ما رأيت من الوجوه لا يكاد يخفى على أمر أحد. إن علم الجمال العملي قد ارتقى، حتى أصبح لدينا علاج ناجع لكل شائبة تشوب الجسم وتنقص من حسنه. ولدينا أقسام تعني بالقوام، وأخرى بالشعر وبالوجه وبسائر الجوارح والأعضاء. ولدينا قسم جليل الشان همه أن يكسب الكهول من رجال ونساء رونق الصبي ومظهر الشباب، وكم من غانيات قد خرجن من هذا المعهد، وقد لبسن فيه حلل الجمال والدلال. . . عند ذلك قاطعتها وقلت لها متحمساً: بالله لا تذكري الغانيات، فإنما الغانية هي من تستغني بطبع جمالها عن التطبع، وبحسنها الموهوب عن المجلوب. . . قالت: ذلك المذهب القديم أيها الصديق. أما غانية اليوم فهي التي تستطيع إنفاق قدر زهيد من المال في هذا المعهد النافع، فتصيح من الغواني الحسان. قلت: هذا لعمري مذهب أخرق، وخداع تخدعون به الناس. قالت: لعلكم متى رخص الجمال، وأصبح في متناول النساء جميعاً، أن تتوبوا - معشر الرجال - إلى رشدكم، فلا تعبدوا جمال الجسد تلك العبادة المزرية. ولعلكم أن تفكروا قليلاً في جمال الروح. . .

стр. 3201

وأظنني قد أفحمني هذا الرد. فقد سكت لحظة لا أحير جواباً، ورجع عيسى وبيده ورقة، تناولتها وقرأتها، وقالت: ان (إصلاح) صديقك سيتم في مدى شهرين، وسيكلفه هذا الإصلاح خمسين جنيهاً. قال صاحبي: ولقد رجعت منذ أسابيع، ومعي عيسى وقد غدا فتى رشيقاً نشيطاً، وسيماً قسيماً. . . ألست ترى الآن أن دولة العطار قد ارتقت، وأنه قد استطاع أخيراً أن يصلح ما أفسده الدهر؟ قلت: بلى، ولكن ألست ترى أنك قد بالغت في تنميق قصتك وتزويقها؟ قال: وهل تحسبني من أولئك الطعام الذين يقصون عليك الحديث كما جرى؟ قلت: معاذ الله أن تكون منهم. على إني سأذكر دائماً ما قالته لك تلك المرأة فانه سيجيء يوم لا يأبه الناس فيه لجمال الجسد ويلتمسون فيه جمال الروح، وعندئذ قد يكون لمثلك ومثلي في الحياة شأن غير هذا الشأن.

стр. 3202

شهر بالغردقة للأستاذ الدمرداش محمد مدير إدارة الامتحانات والسجلات بوزارة المعارف ١ - في الطريق إلى الغردقة بعد أن اجتزنا أبا زنيمة في طريقنا إلى دير سانت كاترين في سيناء شتاء سنة ١٩٣١ وصلنا إلى ربوة تشرف على البحر، وكانت الشمس عندئذ تؤذن بالمغيب آخذه في الاحتجاب وراء جبال صحراء العرب على الشاطئ الآخر لخليج السويس، فبدت هذه الجبال وقتها والشمس وراءها واضحة جلية برؤوسها العالية مرصوصة في خط طويل مواز للبحر، وكان جبل الشايب بهامته الشامخة في الوسط أبرزها ارتفاعاً أعظمها جلالا وفخامة - كان المنظر بديعاً أثار في نفسي رغبة شديدة لزيارة هذه المنطقة، إلا أن تنفيذ هذه الرغبة لم يكن حينئذ بالأمر السهل، فالشقة بعيدة، والانتقال إليها فيه صعوبة ونفقة كبيرة، فمكثت انتظر الفرصة إلى أن سنحت صيف هذا العام بعد ذلك بسنتين، فقد تفضل صديقي العالم النابه الدكتور محمد عبد الخالق بك، فدعاني لمرافقته في رحلة علمية إلى الغردقة على البحر الأحمر، حيث مكننا شهرا كاملاً كانت كل أيامه بركة على العلم وعلينا. فالأبحاث العلمية الطريفة والتجارب الدقيقة التي قام بها الدكتور عبد الخالق بك على أسماك البحر الأحمر وحيواناته ملأت نتائجها مجلداً ضخماً كما ضاق عن نماذج الأسماك والطفيليات التي جمعها ما كان معنا من صناديق وحقائب. ثم كانت رحلاتنا العديد إلى البحر والبر، فمن مناطق المرجان العجيبة إلى المنشآت العظيمة لشركة البترول بالغردقة، وشركة الفوسفات بسفاجة، ثم إلى الكتلة الجرانيتية الهائلة لجبل الشايب ثم اختراق السلسلة الجبلية الوعرة إلى قنا على النيل. كل هذا وغيره سأحاول أن أصفه في ايجاز، راجيا أن أوفق في رسم صورة تقريبية لمعالم هذه المنطقة المنعزلة التي لا نعرف عنها الكثير ولا القليل كان فجر يوم الخميس ٦ يوليه سنة ١٩٣٣ موعدا للقيام بالرحلة، فأقلتنا السيارة من القاهرة إلى السويس عن طريق الصحراء، فبلغناها ضحى، ثم توجهنا إلى ميناء الزيت إحدى

стр. 3203

نواحي ميناء السويس حيث كانت باخرة الزيت أرتيناشل راسية فنقلنا إليها ما أحضرناه من متاع وأجهزة، وقبل الظهر بنصف ساعة وصل الربان وأعطى إشارة القيام، فسارت بنا الباخرة نحو الجنوب وسط جو هادئ وبحر ساكن، وبعد قليل دعينا لتناول الطعام مع الكابتن بيس ربان السفينة فتلقانا في حجرة المائدة مرحباً وتبسط معنا في الحديث وأفاض بكلام رقيق تتخلله النكتة الرائقة والفكاهة الحلوة، وبعد أكلة شهية اجتمعنا على السطح، وأخذنا نشاهد معالم الشاطئ من خلجان وجزر ومنارات وجبال، وفي الأصيل تناولنا الشاي، وعند الغروب تعشينا ثم قضينا سهرة لطيفة في لعب ومسامرة. كان الوقت صيفاً، فنمنا على السطح، واستيقظنا في اليوم التالي مع بزوغ الشمس، وكانت السفينة تسير عندئذ أمام رأس محمد، الطرف الجنوبي لسيناء، ثم أخذ البحر أمامنا في الانفراج وبعد قليل اختفى الشاطئ الشرقي عن الإبصار، ثم مال بنا الطريق نحو الجنوب الغربي، ودخلنا مضيقاً واسعاً في الغرب من جزيرة شدوان، وعند الساعة العاشرة صباحاً لاحت في الأفق معالم الغردقة، نقط بيضاء وخطوط سوداء، عبارة عن خزانات الزيت وأبراج الآبار - وقبيل الظهر مرت الباخرة أمام الطرف الشمالي لجزيرة الجفاتين، ثم دخلت الميناء بسلام ورست حذاء رصيف خشبي يحمل أنابيب كبيرة تتصل بالشاطئ، وذلك للشحن والتفريغ: شحن الباخرة بالزيت، وتفريغ الماء العذب منها يشرف على الميناء أما الرصيف منزل إنيق، يقيم فيه مدير الشركة، وخلفه على ربوة عالية خزان ضخم (فنطاس) يسيل الزيت الخام منه إلى أحواض الباخرة عند الشحن - وعلى مسافة قليلة من الميناء مكاتب مصلحة الحدود يرفرف على ساريتها العلم المصري الكريم نزلنا إلى البر وركبنا السيارات، فانطلقت بنا إلى محطة الأحياء المائية على عشرة كيلو مترات جهة الشمال، والطريق إليها مرصوف ينحني في أوله ليدور حول تل عال مشرف على البحر، ثم يستقيم ويخترق منشآت شركة الزيت: فأبراج عالية هنا وهناك على اليمين وأخرى على اليسار، ومساكن العمال والمسجد والكنيسة، ومكتب البريد، ومكاتب الشركة ومصانعها ثم (فيللات) الموظفين والنادي كلها منثورة في فضاء واسع تتخللها الشوارع

стр. 3204

المنتظمة، والحدائق النضرة بهندسة جميلة تجعلها شبيهة بمباني مصر الجديدة وصلنا المحطة بعد نصف ساعة، ونزلنا ضيوفاً على الدكتور كرسلاند مديرها فتفضل ودعانا للطعام، ثم بعد ذلك انتقلنا إلى الاستراحة التي أعدت لإقامتنا ٢ - في محطة الأحياء المائية محطة الأحياء المائية شيدتها الجامعة المصرية على البحر الأحمر منذ ثلاث سنوات لتمكين علماء البيولوجيا من اجراء أبحاثهم المتعلقة بالأحياء البحرية في نفس المواطن التي تعيش فيها. وتشغل مباني المحطة بقعة واسعة من الشاطئ على بعد خمسة كيلو مترات من مباني الشركة، وقد بلغ ما أنفق على تشييدها وإعدادها حتى العام الماضي نحو خمسة عشر ألفاً من الجنيهات. وكل مبانيها من الخشب على شكل الأكشاك مقامة بالقرب من البحر أو داخله فيه فمنزل المدير والمكتب والاستراحات ومنازل الموظفين والعمال على الشاطئ في ثلاثة صفوف تواجه البحر، ثم المعامل وقد أقيمت داخل البحر على مسافة مائتي متر من الأرض تصل إليها على رصيف مبنى في الماء وقد لوحظ في اختيار المكان وقوعه بالقرب من منطقة بحرية غنية بالمرجان، كما أن قربه من شركة الزيت كفل للمحطة الحصول على الماء العذب الكافي للشرب وللتجارب العلمية، وكذلك حاجات المعيشة كما جعل اتصالها بالسويس بواسطة السفن ميسورا مرة كل أربعة أيام - ويؤتي بالماء العذب وبالأطعمة على اختلاف أنواعها من السويس في بواخر الشركة كما يؤتي أحياناً بالطيور والخضراوات من قنا في السيارات - وتدير الشركة مصنعاً للثلج ومخبزاً كامل المعدات. وبالجملة فان أسباب المعيشة بالغردقة موفورة لدرجة كبيرة تنسيك انك تعيش في منطقة كانت من ثلاثين سنة مضت بلقعاً لا تجد فيه غير بعض أكواخ حقيرة يسكنها جماعة من صيادي السمك المساكين الذين يجوبون الشاطئ المصرية في طلب الرزق عن طريق الصيد أو تهريب الممنوعات. (يتبع) الدمرداش محمد

стр. 3205

العالم المسرحي والسينمائي فلم (الاتهام) لناقد (الرسالة) الفني في الأسبوع الماضي عرض فلم مصري جديد، هو ثالث الأفلام المصرية التي عرضت هذا الموسم، ونعني به فلم (الاتهام) لشركة فنار فلم، التي دعت رجال الصحافة لمشاهدته في حفلة خاصة قبيل عرضه على الجمهور. ولعل هذا الفلم هو أول شريط مصري نجد فيه موضوعاً، أو حادثة إذا شئت، محبوكة الأطراف، منسجمة الوضع، تسير من البداية إلى النهاية في تسلسل طبيعي معقول، فخلا بذلك مما كان يؤخذ على الأفلام المصرية عامة من تفاهة الموضوعات التي تعرضها وعدم استقامة الحادثة وارتباكها، مما كان يجعل هذه الأفلام تافهة من الناحية الفنية القصصية، ويجعل الارتباط بين مشاهدها المختلفة مضطرباً يتلمسه المشاهد تلمساً ويكاد لا يفهمه، وفي ذلك ما يقلل من قيمة الفلم نفسه، بل يجعله فاترا مملولا ليست فيه هذه الحرارة التي تدفع المتفرج إلى تتبع مشاهدة والاندماج فيها والتأثر بها. ففلم الاتهام، سد من هذه الناحية نقصاً كبيراً، وتضمن حادثة وموضوعاً يستطيع أن يلمسهما المتفرج في غير عناء ولا مشقة، ويمهد سياق الحادثة من ناحية أخرى، بوقائعها المتتالية، مشاهد تمثيلية رائعة لأبطال الفلم يظهرون فيها مقدرتهم الفنية. على أن الموضوع ليست له هذه القيمة الفنية التي نعلقها عليه، ولكنه فاز برضاء الجمهور بفضل هذه المفاجآت السينمائية التي تجعل المتفرج لا يمل العرض، ومن المعروف أن القصة، مسرحية كانت أم سينمائية، إذا لم تثر اهتمام المتفرج سقطت. وفي فلم (الاتهام) هذه المفاجآت التي تجعل المشاهد طول مدة العرض متيقظ الحواس والمدارك لا يفوته منه مشهد إلا ويثير اهتمامه بما يليه، ومن هنا نجح الفلم هذا النجاح الملحوظ الذي يستحق عليه أصحابه كل شكر وثناء. ونريد أن نخص بالذكر هنا السياق الفني البديع الذي ظهرت به حادثة القتل والسر فيها، فقد بقى محتفظاً به إلى اللحظة الأخيرة، إلى ساحة المحكمة حيث المتهمة في القفص وكل الأدلة تقوم على إدانتها، وفجأة تظهر الحقيقة، ويعترف المجرم بجرمه، ويرى المشاهد كيف ارتكبت الجناية، فيكون لذلك تأثيره في نفسه. وهذا

стр. 3206

المشهد هو أبدع مشاهد الفلم ولا شك من الناحية الفنية السينمائية، وقد أحسن حبكه وعرضة بمهارة تدل على كثير من الحذق والدراية بأصول الفن السينمائي اشتركت نخبة طيبة من الممثلين والممثلات في القيام بأدوار هذا الفلم وعلى رأسهم السيدة بهيجة هانم حافظ وقد نزلت إلى ميدان العلم الحر بنفس ملؤها الثقة وروح مفعمة بالأمل والرجاء، وقد حققت الأيام ما كانت ترجوه لنفسها من نجاح، وللفن الذي قصرت عليه جهودها من توفيق وفوز. ظهرت السيدة بهيجة هانم لأول مرة على الشاشة الفضية في دور (زينب) في الرواية المعروفة بهذا الاسم للدكتور محمد حسين هيكل بك ونجحت في دورها نجاحاً شجعها على تكوين شركة سينمائية، هي شركة (فنار فلم) التي تقدم ذكرها والتي يتولى إدارتها الأستاذ محمود حمدي بكفاءة نادرة جعلتها في مقدمة شركاتنا السينمائية المصرية. وقد أخرجت هذه الشركة قبل اليوم فلم (الضحايا)، وهذا الفلم (الاتهام) هو فلمها الثاني. وقد قامت السيدة بهيجة بدوري البطولة في الفلمين. وكان توفيقها فيهما كبيراً إلى درجة تغبط عليها حقاً، فهي تلجأ في مواقفها على الشاشة إلى البساطة التي هي ميزة الممثل الماهر الذي لا تحس في تمثيله تكلفاً أو تصنعاً، بل يعيش في دوره ويندمج فيه حتى ليتلاشى الممثل ولا يبقى إلا هذا الشخص الذي تراه على الشاشة بطلا من أبطال الحادثة. والسيدة بهيجة (فوتوجينك) فلها هذا القوام المتسق البديع، وهذه القسمات والملامح الواضحة التي تظهر على الشاشة فاتنة أخاذة وعين (الكاميرا) دقيقة قوية تسجل الهنات والصغائر وتجسمها، ولا تعوض الكفاية هذا النقص الذي يبدو في صورة الممثل أو الممثلة، والسيدة بهيجة من هذه الناحية كثيرة التوفيق، توفرت فيها كل الشروط التي تؤهلها للتمثيل السينمائي، وللنجاح فيه، سواء من ناحية المقدرة الفنية والاستعداد لإخراج الشخصية التي تمثلها إخراجاً دقيقاً ماهراً، أو من ناحية التصوير والظهور على الشاشة في صورة بديعة فاتنة. وللسيدة بهيجة فوق هذا صوت متزن النبرات حلو النغم، سلس الأداء، سمعه الجمهور في هذا الفلم لأول مرة، لأنه أول فلم ناطق تشترك فيه ولعل من الخير ان نذكر هنا ان السيدة بهيجة اشتهرت وعرفت قبل عملها في السينما بموهبتها الموسيقية، وقد نالت سنة ١٩٣٠ دبلوماً في الموسيقى من باريس، ومن المعروف

стр. 3207

أنها وضعت موسيقى جميع الأفلام التي اشتركت فيها، وقد سجلت هذه الألحان على الاسطوانات الغنائية. وهذه الأنغام الساحرة التي سمعها الجمهور أثناء عرض أفلام (زينب) و (الضحايا) و (الاتهام) هي من وضع السيدة بهيجة. ولها في هذا الفلم الأخير مقطوعات عديدة تعد من أحسن ما وضعت والفت إلى اليوم. ونحن نسجل هنا مغتبطين هذا النجاح العظيم الذي نالته في فلمها الجديد بتمثيلها وموسيقاها، ونرجو أن يكون لهذا الإقبال من الجمهور على مشاهدة الفلم صداه في القريب العاجل فترى قريباً فلما جديداً لها قامت السيدة زينب صدقي بأحد الأدوار الأولى في الفلم، والسيدة زينب ممثلة معروفة لها على المسرح شهرة بعيدة، وقد أخرجت كثيراً من الأدوار الفنية الدقيقة التي يعد نجاحها فيها دليلا ساطعاً على مقدرتها الفنية وكفايتها الفذة، فليس عجيباً أن توفق هذا التوفيق في دورها في هذا الفلم، تمثيلا وأداء وحركة وقام الأستاذ زكي رستم بدور شوكت المحامي قريب بهيجة الذي يحبها، ويقتل في سبيلها، ثم يترافع عنها محاولاً إنقاذها، وقد كان في كل مواقفه مبدعاً موفقاً، خصوصاً في موقفه الأخير عند اعترافه بجرمه الذي يعد من أبدع المشاهد التمثيلية في القصة بما أبداه هذا الممثل الكفء من الحرارة ومهارة الأداء، وتدفق العاطفة، واتزان الصوت والحركة، وزكي هو الأخر من ممثلينا البارزين على المسرح وله أدواره المعروفة وكفايته التي لا تنكر. هؤلاء الثلاثة هم أبطال فلم، وقد عاونهم مجموعة كبيرة من الممثلين الأكفاء الذين أجادوا مواقفهم إجادة كبيرة، وفي المقدمة الأستاذ محمود حمدي الذي مثل دور وكيل النيابة وألقى كلمة الاتهام وهو يتمتع بصوت جهوري ممتلئ قوي النبرات، يترك في نفس المتفرج أثراً بليغاً، ومن ممثلي الفلم أيضاً حضرات عزيز فهمي، وحسن كمال، ومنير أبو سيف، ومنير فهمي، وعبد القادر المسيري، ولطفية الصغيرة، وقد كانوا جميعاً كثيري التوفيق في أدوارهم المختلفة ولا يسعنا في النهاية إلا أن نهنئ شركة فنار فلم على شريطها الجديد وعلى ما نال من نجاح واقبال، ونرجو أن يكون هذا حظها على الدوام في أفلامها المقبلة. محمد على حماد

стр. 3208

حول ابن سينا للدكتور محمد خليل عبد الخالق اطلعت في عدد الرسالة رقم ٣٦ بتاريخ ١٣ مارس سنة ١٩٣٤ صحيفة ٤١٩ على مقال للأستاذ حافظ قدري طوقان عن ابن سينا، عدد فيه مؤلفاته، وبين اكتشافاته الهامة في العلوم المختلفة، وأود أن ألفت النظر إلى أن ابن سينا أول من اكتشف الطفيلية الموجودة في الإنسان المسماة الآن بالانكلستوما، وكذلك المرض الناشئ عنها المسمى بالرهقان أو مرض الانكلستوما. وقد كان هذا الاكتشاف في كتابه (القانون في الطب) في الفصل الخاص بالديدان المعوية. وهذه العدوى تصيب الآن نصف سكان العالم تقريباً. وقد بلغ ما كتب عن هذا المرض من المقالات والكتب إلى سنة ١٩٢٢، ٥٠. ٠٠٠ مرجع عنيت بجمعها مؤسسة ركفلر بأمريكا. وقد سمى ابن سينا هذه الطفيلية باسم (الدودة المستديرة) وقد كان لي الشرف في سنة ١٩٢٢ أن قمت بفحص ما جاء في كتاب (القانون في الطب) عند الديدان المعوية، وأمكنني أن أقوم بتشخيصها بدقة، وتبين من هذا أن الدودة المستديرة التي ذكرها ابن سينا هي ما نسميه الآن بالانكلستوما، وقد أعاد اكتشافها دوبيني في إيطاليا سنة ١٨٣٨، أي بعد كشف ابن سينا عنها بتسعمائة سنة تقريباً. وقد أخذ جميع المؤلفين في علم الطفيليات بهذا الرأي في المؤلفات الحديثة، وكذلك مؤسسة ركفلر كما يرى من المراجع المذكورة بعد. ولذلك كتبت هذا ليطلع عليه الأدباء، ويضيفون إلى اكتشافات ابن سينا العديدة هذا الاكتشاف العظيم لمرض هو من الأمراض الأكثر انتشارا في العالم الآن. المراجع ١ - الدكتور محمد خليل سنة ١٩٢٢ مرجع قديم عن الطفيليات الطبية مترجم عن مؤلف للطبيب العربي ابن سينا مع ترجمة حياته باختصار (بالأنجليزية) - مجلة أمراض البلاد الحارة، وعلم الصحة بلندن مجلد ١٤ عدد ٦ مارس سنة ١٩٢٢ صحيفة ٦٣ - ٦٧ ٢ - الدكتور محمد خليل سنة ١٩٢٤ رسالة أثرية في العلقات الطفيلية التي تصيب الإنسان (بالعربية) - المجلة الطبية المصرية

стр. 3209

مجلد عدد ٧ سبتمبر سنة ١٩٢٤ ص٤٠٣ - ٤١١ ٣ - مؤسسة ركفلرر سنة ١٩٢٢ المراجع الخاصة بمرض الرهقان (الانكلستوما) (بالإنجليزية) ص١١ من المقدمة. ٤ - فاوست سنة ١٩٢٩ علم الديدان البشرية - فيلادليفيا - صحيفة٣٥٧

стр. 3210

العدد ٣٩ - بتاريخ: ٠٢ - ٠٤ - ١٩٣٤

стр. 3211

المصري الغريب في مصر! للدكتور طه حسين هو مختار ﵀. فقد كان في حياته مرآة صادقة كل الصدق لنفس مصر الخالدة التي لا تحد ولا تحصر. كنت تجد في هذه المرآة صوراً صادقة لنفس مصر القديمة، ولنفس مصر الإسلامية، ولنفس مصر هذه التي يكونها هذا الجيل، ولآمال مصر ومثلها العليا بعد أن يتقدم الزمان ويتقدم، وترث أجيال أخرى ارض الوطن عن هذه الأجيال التي تضطرب فيها الان. كان مختار هذه المرآة الصافية المجلوة التي تنعكس فيها حياة مصر على اختلاف أزمنتها وما يحيط بها من الظروف، فكان من هذه الناحية اشد أبناء مصر اتصالا بها وقربا منها وتمثيلاً لها. ولكنه على ذلك كان غريباً في مصر أثناء هذه الأسابيع التي ختمت مساء الثلاثاء حين ختمت حياة مختار. اقبل من أوربا فلم تكد الصحف تتحدث عن إقباله، ولم يكد يخف للقائه من أصدقائه إلا نفر قليلون. وأقام في مصر مريضاً مكدوداً يلح عليه الألم والسقم فلا يكاد يذكره من المصريين الذين كانوا يعجبون به ويحشدون له ويهتفون باسمه ويعتزون بمجده ويرفعون رؤوسهم بآثاره إلا نفر يحصون، ولعلك إن أحصيتهم لم تبلغ بهم العشرين، أخشى ألا تبلغ بهم اقل من هذا العدد اليسير , ثم اشتد عليه المرض والجأه إلى المستشفى فلم تكد الصحف تتحدث عن ذلك إلا حديثاً يسيراً جداً. وخف أصدقاء مختار إلى المستشفى يسألون عن صديقهم ويريدون لقاءه فحال المرض بينهم وبين اللقاء. أعلن إليهم أن الحجاب قد ألقى بينهم وبين هذا الصديق وان كانت الحياة ما تزال تتردد في جسمه النحيل. ثم اصبح الناس يوم الأربعاء وإذا نعي مختار يملأ القاهرة ويقع من نفوس أهلها موقع الألم اللاذع والحزن الممض. ثم أمسى الناس يوم الأربعاء، وإذا جماعة من خاصة المصريين وقليل من الأجانب عند محطة القاهرة يستقبلون جثمان مختار، ثم يسعون معه إلى المسجد. ثم يفترقون ويمضي مختار إلى مستقره الأخير، ومن حوله قل في إحصائهم ما شئت فلن تستطع ان تبلغ بهم نصف المئة. ثم يصل مختار إلى قبره، ثم يهبط مختار إلى هذا القبر، وهؤلاء الأصدقاء قائمون قد ملكهم وجوم عميق لا يقطعه إلا هذا الصوت الرفيق المزعج، صوت المساحي والمعاول وهي تسوي القبر عليه، وتقطع ما بقى بينه

стр. 3212

وبين الحياة من اسباب، والا هذا النداء الذي يتردد بين حين وحين عنيفاً يتكلف الرفق، طالباً الماء الذي يحتاج إليه في تسوية هذا القبر، وإقامة هذا السد بين صاحبه وبين الحياة، وإلا هذا اللغط الذي يؤذي الأسماع، وكان من حقه أن يكون موسيقى عذبة رقيقة تأسر القلوب الجريحة وتهدئ النفوس الثائرة، وترد الجازعين اليائسين إلى ما ينبغي لهم من الإذعان لقضاء الله والرضى بحكم الله. وهو لغط هؤلاء القراء الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب، وقد كره الله أن يلوي الناس ألسنتهم بالكتاب، لانه كتاب مبين مستقيم لاعوج فيه ولا التواء. وانما فيه هداية للعقول وشفاء لما في الصدور. ثم ينقطع كل صوت، ويتفرق هؤلاء الأصدقاء يحملون في قلوبهم ما يحملون من حب ووجد، ومن أسى ولوعة، يحملون هذا كله لينغمسوا به في هذه الحياة التي تنتظرهم على خطوات قليلة قصيرة من مستقر الموتى. وكذلك انتهت قصة مختار مع انتهاء النهار يوم الأربعاء، وكذلك أسدل ستار الموت على حياة مختار في الوقت الذي أسدل فيه ظلام الليل على حياة الأحياء. وما اكثر ما تنتهي قصص الناس في كل يوم، بل في كل ساعة، بل في كل لحظة. وما اكثر ما يسدل ستار الموت حين تشرق الشمس أو حين تغيب، فلا نحس ذلك ولا نلتفت إليه، لان الذين تختطفهم المنية أو تحصدهم في جميع الأوقات قوم مجهولون لم تميزهم الظروف أو لم تميزهم أنفسهم، فهم يمضون دون أن يحسهم أحد كما يقبلون دون أن يحسهم أحد. ولكن مختار كان غريباً حقاً في آخر حياته، وكان غريباً حقاً في أول موته، وأي عجب في هذا؟ لقد آثر حياة الغربة منذ أعوام، فكان لا يزور وطنه إلا لماما، ولقد تعود الجفوة من مواطنيه. واكبر الظن أن ذلك كان يؤذيه، ولكنه كان اكرم على نفسه من أن يشكو أو يظهر الألم. ولقد سمعنا انه احتمل المرض شجاعا، واستقبل المرض شجاعا، لم يدركه جزع ولا فرق. ولو انه رأى بعد ان مات كيف ودعه مواطنوه لما اثر فيه ذلك اكثر مما أثرت فيه جفوة مواطنيه قبل أن يموت. ولعله كان يألم لذلك في قرارة قلبه الممتاز، ثم لا يظهر من ألمه شيئاً كما كان يفعل أثناء الحياة، إنما نحن الذين ينبغي لهم أن يألموا اشد الألم، وان يحزنوا اشد الحزن، وأن يستشعروا شيئاً غير قليل من اللوعة والحسرة وخيبة الأمل حين ترى هذا العقوق، وحين نقدر أثره في نفس صديقنا الراحل العزيز. فقد كنا ومازلنا نتحدث

стр. 3213

بأن مختاراً هو الذي رد إلى مصر بعض حظها من المجد الفني، وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد مكن مصر من أن تعرب عن نفسها وعما تجد من الألم والأمل بلسان جديد لم تكن تستطيع أن تصطنعه من قبل، وهو لسان الفن. وكنا ومازلنا نتحدث بأن مختاراً قد انطق مصر بهذه اللغة التي يفهمها الناس جميعاً وهي لغة الجمال، لغة الفن، بعد أن كانت لا تنطق إلا بهذه اللغة التي لا يفهما إلا جيل بعينه من الناس، وهي لغة الكلام. وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد جدد في مصر سنة كانت قد رست ومضت عليها قرون وقرون. وهي سنة الفن، وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختار قد لفت الأوربيين إلى مصر، أقام لهم الدليل على أن مطالبتها بالاستقلال لم تكن عبثاً ولا لغواً، وإنما كانت نتيجة لحياة جديدة، ونشاط جديد، وقد لفت مختار الأوربيين إلى ذلك في اشد الأوقات ملاءمة، في وقت الثورة السياسية. وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً على حداثة عهده بالفن كان اسبق المصريين إلى إعجاب أوربا، ألم يعرض آثاره في باريس؟ ألم تتحدث صحف الفن عن مختار قبل أن تتحدث صحف الأدب عن كتابنا وشعرائنا؟ ألم تستقر أثمار مختار في متاحف باريس قبل أن تستقر آثار كتابنا وشعرائنا في مكاتبها؟ كنا نتحدث بهذا كله، وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد ردإلى المصريين شيئاً غير قليل من الثقة بأنفسهم، والأمل في مستقبلهم والاطمئنان إلى قدرتهم على الحياة الممتازة الراقية. كنا وما زلنا نتحدث بهذا وبأكثر من هذا، ومع ذلك فقد قضى مختار آخر حياته شريداً أو كالشريد. وقد قضى مختار آخر أيامه في مصر منسياً أو كالمنسي وقد عبرت جنازة مختار مدينة القاهرة يطيف بها جماعة من الخاصة ليس غير!! نستغفر الله بل مرت جنازة مختار أمام التمثال الذي صنعه بيديه كما تمر أمام أي شئ لم يظهر على التمثال ما يدل على الحزن أو ما يدل على الاكتئاب، أو ما يدل على الشكر أو عرفان الجميل. وعبرت جنازة مختار مدينة القاهرة تجهلها الحكومة المصرية أو تكاد تجهلها، لم يمش في جنازة مختار ولم يقم على قبر مختار وزير العلوم والفنون. ولم يلق أحد على قبر مختار كلمة الوداع، وإنما كان الصمت يشيعه، وكان الصمت يواريه التراب. وكان الصمت يودعه حينما تفرق من حوله الأصدقاء. ولو قد مات مختار في بلد غير مصر لكان موته شأن آخر. ولو قد كان مختار فرنسيا أو إنكليزيا أو إيطاليا وأدى لبلده مثل ما أدى لمصر لقامت الدولة له بشيء آخر غير الإهمال

стр. 3214

والإعراض. إذن لكانت جنازته رسمية تنفق عليها الدولة، ويمشي فيها رجال الدولة، ويخطب فيها كبار الدولة، ولكن مختاراً نشأ في مصر، وعمل في مصر، ومات في مصر فحسبه ما أتيح له يوم الأربعاء من توديع الذين كانوا من أصدقائه وأحبائه ليس غير. ولا ننس ان رئيس الوزراء قد تفضل فندب من مثله في جنازة مختار. وهذا، وبالسخرية الأقدار، كثير جداً ينبغي أن يشكر لرئيس الوزراء. فقد ينبغي أن لا ننسى أن مختارا لم يكن من أنصار السياسة الرسمية، ولا من الذين يستمتعون بعطفها وحبها ورضاها، فكثير أن يتفضل رئيس الوزراء فيندب من يمثله في جنازة هذا المعارض وان كان صاحب فن، وأن كان قد انفق حياته كلها لمصر لا لحزب من الأحزاب ولا لجماعة من الجماعات. لا اكذب المصريين أن لنا في مثل هذه الأحداث والخطوب مواقف لا تشرفنا ولا تلائم ما نحب لأنفسنا من الكرامة، ولا تشجع العاملين على أن يعملوا. ومن الذي نسى موت الشاعرين العظيمين حافظ وشوقي وموقف السياسة منهما. ذهب المعارضون بحافظ، واستأثر المؤيدون بشوقي، ثم ذهب المعارضون بمختار منذ أيام، وضحى بالأدب والفن في سبيل الأهواء والشهوات، وظهر المصريون في مظهر العقوق الذي لا يليق بالشعب الكريم. لا اكذب المصريين انهم في حاجة إلى أن يرفعوا أنفسهم أمام أنفسهم وأمام غيرهم عن هذه المنزلة المهينة، انهم في حاجة إلى أن يرفعوا الأدب والعلم والفن عن أعراض الحياة، وأغراض الخصومة السياسية، لان في الحياة أشياء أرقى واطهر واكرم من السياسة وخصوماتها، والأدب والعلم والفن أول هذه الأشياء. لقد هم أصحاب حافظ أن يخلد واذكر حافظ فلم يوفقوا. وهذا حافظ يخلد ذكر نفسه - ولقد هم المستاثرون بشوقي من رجال السياسة الرسمية أن يخلدوا ذكر شوقي فلم يفلحوا. وهذا شوقي يخلد ذكر نفسه. فهل بين المصريين من يهمون بحماية آثار مختار من الضياع وبتخليد ذكر مختار، وهل هم إن فعلوا موفقون إلى ما يريدون؟ أم هل تدخل السياسة في أمر مختار فتفسده كما أفسدت أمر حافظ وشوقي؟ سؤال مؤلم، ما كان ينبغي أن يلقى، ولكن انظر جوابه لن يكون طويلا، ولعله لا يضيف ألما إلى ألم، وحزنا إلى حزن. طه حسين -

стр. 3215

كاظم باشا الحسيني بقلم احمد حسن الزيات حنانيك يا رب أفي الساعة التي يضطرب فيها البحر ويحار المركبويبعد المرفأ، يموت الربان ويختفي القطب؟ وفي الساعة التي يستحر فيه النضال بين حق العرب وباطل اليهود، وبين إيمان فلسطين وطغيان الإنجليز، يسقط القائد ويهبط العلم؟! وفي كل يوم تتجاوب أصداء الأسى في أقطار العروبة على بطولة تؤدى، أو زعامة تخلو، أو نبوغ ينطفئ أو ألفة تفترق أو وحدة تشت؟! لا باس بالألم يجمع شتى القلوب على الإحساس المتحد، وبالخطب يروض رخو المغامز على المقاومة الشديدة، وبالموت يبعث ضارع النفوس إلى الحياة العزييزة، اما المدامع التي تجدب المشاعر، والشدائد التي توهن العزائم، والمنايا التي تقبر الأماني، فإزراء من الشر المحض والعذاب الخالص كابدتها الأمة العربية واسفاه في مصارع سعد وفيصل وكاظم؟! روع العرب في عيد التضحية والتلبية مصاب فلسطين في حياة نهضتها وسر وحدتها وروح ثروتها المغفور له موسى كاظم باشا الحسيني، فضجت المآذن بالنعي، وفاضت الصحف بالرثاء، واضطربت الألسن بالأسف، ونال الناس من الجزع الطبيعي ما ينالهم حين يرون الركن يميل، أو النظام ينقطع، أو الدليل يغيب؛ وتساءلوا عن مصير فلسطين المعذبة بعد شيخها الذي أخلصت جوهره السنون، أحكمت رأيه السن، وشيعت قلبة العقيدة وأعلنت صوته النزاهة وقدست شخصه التضحية، فجهل الحزبية، وأنكر الطائفية، وسل أحقاد الصدور، وأذهب تنافس الأسر، وعّبأ الأمةالمغزوّة في دار أمنها، ثم قادها زهاء خمسة عشر عاما في المفاوضات بلندن، وفي المظاهرات والمؤتمرات بفلسطين، لا يقطعه يأس، ولا يردعه وعيد، ولا يخزله طمع، ولا يقعد به عبء السنين التسعين عن قيادة الشباب إلى صراع حامٍ دامٍ بين حق اعزل وباطل مسلح!! لو كانت قضية فلسطين قضية رياسة وسيادة وغلب لكان في كل مكان سبيل إلى الخلاف ودليل إلى الفرقة، ولكنها قضية الحياة والموت: وللحياة طريق تهدي إليها الفطرة، وقافلة تدل عليها الطبيعة: فالأمر من هذه الناحية مختلف بين فلسطين وبين العراق ومصر. ولا ريب أن المستقبل الذي يتمثل لشباب فلسطين في ابشع صوره سيذهلهم عن نعرة

стр. 3216

العصبية، ويلهيهم عن شهوة الخصومة، فلا يرون إلا عدوا واحداً هو الواغل المقتحم، ولا يستمعون إلا قولا واحداً هو قول زعيمهم الخالد وهو يجود بنفسه: (. . . قضية العرب في فلسطين أمانة في ذمتكم فجاهدوا في سبيلها، فإن فعلتم أرحتموني في قبري). عزى اله الأمة العربية اجمل العزاء عن فقيدها الغالي، وأحيا في خواطر أبنائها النبلاء مثله العالي، وجعل رضوانه عليه ثواب ما بذل في سبيله من ماله وجهده ونفسه. الزيات

стр. 3217

رسالة الربيع للأستاذ عبد الحميد العبادي لو تمثل هذا الربيع لكان إنسانا، ولكان شابا رائع الشباب، مشرق الطلعة، حلو الشمائل، معطاء اليدين، يملأ العيون والقلوب مهابة وجمالا. أفلا يرى القارئ تصديق هذا التصوير فيما يأخذه الحس والشعور من الطبيعة في أيامنا هذه من اعتدال جو وانبعاث شمس، وإيراق شجر، وتفتح زهر، وترنم طير، وتتابع خير؟ أفلا يرى أن كل مظاهر الطبيعة قد غدت ولسان حالها يصيح بمن يمر: ألا تراني فتفهم حكمة الخلق العجيب؟ ولكن وا رحمتاه للناس! انهم عن هذه الدعوة الكريمة في شغل شاغل، (وكآي من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون) لقد شغلوا بالعرض عن الجوهر، وبالسفساف الحقير عن الجميل الجليل. انهم يوشكون أن تموت قلوبهم ويغول نفوسهم الصفق بالأسواق. رحم الله أسلافنا الأقدمين وآباء الأولين. لقد كانوا اقرب منا إلى الطبيعة، وأبر بهذا الربيع واحسن استقبالاً له. فالمصريون القدماء على شدة تفكيرهم في الحياة الآخرة، لم يهملوا الأخذ بأسباب التمتع في الحياة الدنيا. كانوا كلفين بالطبيعة، وحياة الطبيعة. وهل شئ أبهج للخاطر واسر للقلب من الطبيعة وحياة الطبيعة؟ لقد فتنوا بنهرهم المتدفق الوقور فقدسوه وعبدوه، وكلفوابالزهر حتى لقد اتخذوا منه رمزاً وشعاراً لملكهم السياسي، فكانت الزنبقة رمز مملكتهم الجنوبية، وزهرة النيلوفر رمز مملكتهم الشمالية. وصاغوا تيجان الأعمدة التي تنهض بعمائرهم على مثال برعمة السدر، والنيلوفر، ورؤوس النخيل. وكانوا يحتفلون لمقدم الربيع احتفالاً بقيت لنا منه آثار نلحظها في عيدنا الطبيعي الوحيد المعروف (بشم النسيم). وكان الفرس القدماء من اشد خلق الله حباً للزهر والماء والجو الطلق، لذلك جعلوا (النيروز) الذي هو أول الربيع اعظم أعيادهم، واسبغوا عليه هالة من التقديس والإجلال، فزعموا أن الله فرغ فيه من خلق الخلائق، وانه يقسم فيه السعادة لأهل الارض، ولذلك سموه (يوم الرجاء)، ولفرط شغفهم بالربيع كانوا إذا هجم الشتاء ألح على بلادهم المطر والبرد والثلج إعتاضوا عن مناظر الربيع الطبيعية بصور لها قد وشيت بها بسطهم

стр. 3218

وسجادهم الشهيرة بحيث إذا جلسوا عليها للطرب والشراب خيل إليهم انهم في روضة معطرة من رياض الربيع. وان من يطالع الأدب الفارسي جملة يجده عبقا بعبير الورد والزنبق والبنفسج والياسمين وغيرها من فنون الرياحين، أما العرب فربيع بلادهم هو حياتها على الحقيقة دون المجاز، فإذا اقبل عرفوه بتألق البرق وجلجلة الرعد، بالغيوث الهاطلة والأودية السائلة، فإذا كان ذلك اخضرت المراعي واعشوشبت الوهاد والنجاد، ونعم بآثار ذلك كله الإنسان والحيوان. وكان ملوك بني أمية جريا على مقتضى غريزتهم البدوية إذا اقبل الربيع برزوا إلى بادية الشام فقضوا شهوره في قصور اتخذوها لذلك خاصة. ولا تزال آثار تلك القصور ماثلة إلى اليوم. فلما اختلط العرب بالفرس اخذوا عنهم عادة الاحتفال بالنيروز الفارسي. فكان عمال بني أمية على المشرق إذا اقبل النيروز جلسوا للناس جلوسا رسميا عاما يتقبلون فيه تهانئهم به وهداياهم. ولما قامت الدولة العباسية اصبح النيروز من أعياد الدولة الرسمية، وصار له شأن أي شان، بل لقد اشتقوا منه عيدا رسميا خاصا بالخلفاء وأسموه (نيروز الخليفة) يقول البيروني (انه كان يقع فيه ببغداد من رش الماء وحثو التراب والملاعب ما هو مشهور) وهذا من قبيل النوروز القبطي، الذي يتحدث عنه المقريزي في خططه، ومن قبيل ما يفعل في أعياد المرافع المشهورة في بعض بلدان أوربا لعهدنا هذا والمعروفة (بالكرنفال). وقد افتن شعراء العرب في وصف الربيع ولنيروز وآتوا في ذلك بالبديع المطرب من الشعر , ولا يزال ما قاله الطائيان في هذا الصدد هو المقدم والمحتذى سواء اكان ذلك من الناحية الفلسفية التي ينتحيها أبو تمام أم من الناحية الفنية التي ينتحيها البحتري. قال أبو تمام يصف الربيع من قصيدة يمدح بها الخليفة المعتصم بالله العباسي: - أربيعنا في تسع عشر حجة … حقا لهنك للربيع الأزهر ما كانت الأيام تسلب بهجة … لو أن حسن الروض كان يعمر أو ما ترى الأشياء إن هي غيرت … سمجت وحسن الأرض حين تغير يا صاحبي تقصيا نظريكما … تريا وجوه الأرض كيف تصور تريا نهارا مشمسا قد شابه … زهر الربى فكأنما هو مقمر دنيا معاش للورى حتى إذا … حل الربيع فإنما هي منظر

стр. 3219

أضحت تصوغ بطونها لظهورها … نورا تكاد له القلوب تنور من كل زاهرة ترقرق بالندى … فكأنها عين إليك تحدر تبدو ويحجبها الجميم كأنها … عذراء تبدو تارة وتخفر حتى غدت وهداتها ونجادها … فئتين في حلل الربيع تبختر مصفرة محمرة فكأنها … عصب تيمن في الوغى وتمضر وقال البحتري مخاطبا الوزير الفتح بن خاقان: أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا … من الحسن حتى كاد أن يتكلما وقد نبه النيروز في غلس الدجى … أوائل ورد كن بالأمس نوما يفتقها برد الندى فكأنه … ينث حديثا كان قبل مكتما ومن شجر رد الربيع لباسه … عليه كما نشرت وشيا منمنما أحل فأبدى للعيون بشاشة … وكان قذى للعين إذ كان محرما ورق نسيم الريح حتى حسبته … يجييء بأنفاس الأحبة نعما وبعد: فأن لكل ظاهرة من ظواهر الطبيعة رسالة بليغة تؤديها إلى النفوس الشاعرة والفطر السليمة. فليت شعري أية رسالة يحملها الربيع إلى ذوي القلوب الواعية منا؟ قابل أيها القارئ بين الشتاء والربيع، بين رقدة الطبيعة ونهضتها، وان شئت، فبين موتها ونشورها، فستجد هذه الدورة على قصر أمدها قد تضمنت حكمة الحياة كلها. وإلى هذه الحقيقة يشير الربيع في رسالته إلى الناس! (أن الطبيعة أيها الناس هي الأول والآخر، والأصل والمال من طيباتها تبنون ابدانكم، ومن جمال منظرها وروعة سحرها نمت عواطفكم وألهمتكم فنونكم وآدابكم. ومن تصرف سنتها واختلاف مقاديرها يسرا وعسرا، أملا وباساً وعافية وبأسا ألهمتهم عقائدكم ومللكم. ومن دقة هذه السنن واطرادها استبنتم أصول شرائعكم ونظمكم، ومن الصبر لأحكامها تكونت أخلاقكم فان تكن أجسامكم قد ضويت، وعواطفكم قد خبت، وعقائدكم قد وهت، وشرائعكم قد قست، وأخلاقكم قد رثت، فما ذلكم إلا لأنكم عققتم أمكم الحنون، وجفوتم ظئركم الرءوم. فإلى الطبيعة ايها الناس، إلى الطبيعة فهي وحدها الكفيلة بإزاحة عللكم، وجبر مصابكم. وهي القادرة على أن تنشئكم نشأة أخرى، وتبعثكم خلقاُ جديداً.

стр. 3220

الرجوع إلى الباطل خير من التمادي في الحق. . .! صفحة من حياة تشليني للدكتور محمد عوض محمد (بنفيتو تشليني من كبار رجال الفن الإيطالي في عهد النهضة، ولد في مدينة فلورنسا عام ١٥٠٠ وتوفي بها عام ١٥٧١ وقد نبغ أولا في صياغة الذهب والفضة صوراً وتماثيلا غاية في الدقة والجمال. وبعد ذلك استطاع النبوغ في صناعة التماثيل من الحجر والبرونز، وقد عاش في روما وباريس حيث دعاه فرانسوا الأول ليعمل عنده، وقضى الشطر الأخير من حياته في وطنه فلورنسا، وله مؤلفات في الفنون التي مارسها، وله كتاب ضمنه مذكرات عن حياته الحافلة بالحوادث وعلى إحدى هذه الحوادث قد بنيت القصة التالية) الرجوع إلى الباطل، خير من التماديفي الحق. . . ذلك هو الدرس القاسي الذي ألقاه القضاء الساخر والقدر الجائر على فنان فلورنسا العظيم بنفنيتو، تشليني، في يوم بدأ ضاحكا وانتهى عابسا متجهماً. . . ذهب الفنان إلى الحجرات الخاصة في قصر دوق فلورنسا، ليشرف على الأعمال الفنية التي كلف القيام بها: من تزويق وتنميق في الجدران والاثاث، وتحلية بالذهب والفضة، ومن نقوش بديعة وتماثيل بارزة. . . ولم يكن في فلورنسا كلها فكر ابرع، ولا يد اقدر من فكر بنفنيتو تشليني ويده، ذلك الرجل الذي لم يكفه أن نبغ في صياغة الذهب والفضة والأحجار الكريمة، فآتى في هذا الضرب من الفنون بالرائع الساحر، بل أراد أن ينافس المثالين والنحاتين في صناعة التماثيل الضخام، ينحتها من الصخر أو يصبها من البرونز. فكان له ما أراد، وبات نابغة زمانه في الصناعتين الدقيقة والجليلة. وكان يحلو لدوق فلورنسا أن يمر به وهو يتشغل وعماله في الجناح الخاص بقصر الأمير، فيتحدث إليه عن الفن وعن رجاله وأنصاره. ويناقشه في رأي ارتآه الفنان أو خطة أراد رسمها. وكان بنفنيتو حلو النادرة، سريع البادرة، في شئ من غرور النوابغ وغطرسة الواثق بنفسه. وفي اليوم الذي نحن في صدده، جاء الدوق فتحدث إليه قليلا، ثم عاد لينظر في بعض أمور الدولة. . . وسألت الدوقة عن تشليني، فقيل لها انه جالس وحده يشرف على الأعمال

стр. 3221

التي يقوم بها في جناح الأمير الخاص، فلم تمض لحظات حتى كانت الدوقة جالسة تتحدث إلى تشليني وتطري ما قام به من أعمال الزينة في قصر الأمير، ثم أرته عقداً من اللؤلؤ يشتمل على ثمانين لؤلؤة وقالت: أيعجبك هذا العقد؟ قال انه لعقد جميل يا مولاتي! قالت فأني أريد أن يشتريه الدوق لي. فلابد لك أن تقول له ما شئت في مدحه والإشادة بذكره، وان تبالغ في إطرائه ما استطعت إلى ذلك سبيلا. كان تشليني يظن أن الدوقة قد اشترت العقد وقضى الأمر. ولهذا بادر إلى مدحه وإطرائه، أما الآن - واللآلئ لم تشتر بعد - فقد رأى واجبا عليه أن يطلعها على ما يراه فيها من عيوب، ولم يكن في فلورنسا كلها اقدر منه على نقد الجواهر واللآلئ، ولا ابصر بمواضع العيوب منها. فقال مولاتي! حسبت العقد ملكاً لك فبادرت إلى مدحه فإما وأنت تهمين بشرائه، فإني أرى لزاما علي أن أطلعك على ما به من عيوب بينة تحط من قدر هذه اللآلئ. ومن اجلها لا أستطيع أن أنصحك بالشراء. قالت: لقد رضي التاجر صاحب هذه البضاعة أن يبيعنا إياها بستة آلاف دينار. ولو لم تكن تلك العيوب الطفيفة التي تذكرها لما رضي بأقل من اثني عشر ألفاً. فجعل تشليني يبذل النصح الثمين. ويقول للسيدة الكريمة أن هذه اللآلئ لو كانت خالية من كل عيب، وبالغة أقصى غاية الكمال، لما جاز لأحد أن يدفع فيها اكثر من خمسة آلاف. فأما وقد اشتملت على هذه النقائص فأنها لن تساوي نصف هذه القيمة. وفوق هذا كله، فأن اللآلئ ليست كالأحجار الكريمة نفاسة وقيمة. إنما القيم النفيس هو الماس، والياقوت، والزبرجد، والعقيق، والفيروز، هذه هي الأحجار الكريمة التي تزداد على مدى السنينرونقا وبهاء. أما اللآلئ فليست سوى قطع من محار البحر، وعظام السمك، لا تلبث أن تفقد بهجتها ورونقها بعد سنين قلائل! لكن الأميرة كانت صلبة كصلابة الماس، وقد وطنت النفس على حيازة هذا العقد. وفي رأسها عينا امرأة قد بهرهما لمعان اللؤلؤ. فأوحتا إلى قلب المرأة الذي بين جوانحها، فإذا القلب قد اشتهى ذلك العقد، واتخذ لحيازته إرادة لا تثني، ورغبة لا تقبل الجدل، ورأى تشليني انه غدا بين نارين، فأما أن يغضب الأميرة أو يخدع الدوق. . . فقالت له: هون عليك الامر، فانا الضمينة بأن الدوق لن يمسك بسوء، بل وستنال أجرك

стр. 3222

منى يوم تغدو هذه اللآلئ لي. وقد وطنت النفس على إحرازها. فاذهب بها الآن إلى الدوق. وأطنب في مدحها ما استطعت. كان من اكبر ما يفخر به تشليني الصراحة والأمانة، ولقد طالما جنيت عليه الأولى، وأفقدته الثانية شيئاً كثيراً من المكسب والمغنم؛ ومن قبل ما جنت عليه صراحته يوم كان في بلاط فرنسوا الأول ملك فرنسا. فرأى نفسه فجأة وقد غضبت عليه مادام (ديتامب) معشوقة الملك، أصبحت له عدوا عنيدا، لا تجدي مع عدواتها صداقة أحد، حتى ولا صداقة الملك نفسه. . . فلم يلبث أن اضطر إلى مغادرة اكبر ملوك العالم أغناهم وأسخاهم. والآن أيغضب الدوقة العظيمة، دوقة فلورنسا! من اجل كلمة تريد أن يقولها، فيرتكب في فلورنسا - وطنه العزيز - ما ارتكبه في فرنسا من قبل؟ ويفقد ما ناله في قصر الدوق من حظوة ومن مقام رفيع؟ تناول العقد، ومشى به إلى الدوق - وقد عزم على أن يقول كلمات قلائل يمدح بها العقد، ولعل الدوق أن يغفر له هذه الخطيئة من اجل الأميرة. . فلما رآه الدوق قال - ما الذي جاء بك يا بنفنيتو؟ قال - عقد جميل من اللؤلؤ أردت أن انصح مولاي بشرائه فأني ما رأيت عمري ثمانين لؤلؤة كريمة قد نظمت في عقد بمثل هذا الحسن الباهر، وهذا التنسيق البديع. قال الدوق - ما أنا بالذي يشتري لآلئ مثل هذه، فلقد رأيتها من قبل، فلم يرقني منظرها ولا حسنها. وما هي بالنادرة كما تزعم ولا النفيسة! قال - عفواً يا مولاي! أنها وأيم الحق دررغوال، ولا أعرف أن عينا رأت عقداً منظوما كهذا العقد، حوى دررا كهذه الدرر! قال الدوق - والله يا بنفنيتو! لو إن هذه الدرر من النفاسة بحيث تذكر لما ترددت في شرائها؛ فإنني في حاجة أبداً لإحراز هذه الجواهر الثمينة، حبا في إحرازها، وإرضاء للأميرة زوجي، ولكي تكون هذه الكنوز ذخراً لأبنائنا وبناتنا، وأنا اعلم انك ابصر الناس بهذه الأمور، وأن عينك لن تخطئ في نقدها وتقديرها. كذلك اعلم انك رزقت الصراحة في القول، والأمانة في النصح، فاصدقني الخبر، ولا تخشى بأسا! هل تنصح لي حقاً بشرائها؟ أصغى تشليني إلى كلمات مولاه، فكأنما سقط عن كاهله عبء ثقيل. لقد كان يمدح تلك

стр. 3223

اللآلئ بلسانه ويلعنها بقلبه. وكان يعلم وهو يطريها أن هذا المدح يذري به كفنان له رأيه السديد في تقدير الجواهر، ويذري به كرجل أتخذ الأمانة والصدق شعارا. لهذا انكشفت عنه الغمة حين سمع الدوق يناشده الصدق والصراحة، وقال: أني لأخشى يا مولاي - إن صدقتك الخبر عن هذه اللآلئ - أن يشتد علي غضب مولاتي الدوقة، وتصبح لي من ألد الخصوم، فاضطر إلى مغادرة فلورنسا - وطني المحبوب - مرة أخرى. واليوم قد تقدمت بي السن فأن مغادرة الوطن علي شئ عسير. فاستحلف مولاي أن يحميني سخطها؛ إذا لم يضمن لي رضاها! ولقد وعدتني مائتي دينار إن أنا استطعت إقناع مولاي بشراء تلك اللآلئ. وقد كان خوفي من غضبها اكبر من طمعي في جائزتها. أما الآن وقد ناشدني مولاي الصدق، فإني لا يسعني إلا أن اخلص في النصح: إن شراء هذه اللآلئ بذلك الثمن صفقة خاسرة. فإنها لا تساوي اكثر من ألفي دينار؛ فإذا كان لا بد من شرائها فلا يدفع الأمير فوق هذا القدر درهماً واحداً. قال الدوق - كن مطمئناً! إن الدوقة لن تعلم شيئا مما قلته لي الان، ولن يمسك منها آذى. وسأذكر لك أبداً هذا الإخلاص في النصيحة! عند ذلك دخلت الأميرة؛ وقد ظنت أن قد مضى من الزمن ما يكفي لإقناع زوجها بشراء العقد. وأن قد آن لها أن تضم صوتها إلى صوت الفنان فقالت: - عسى أن يكون مولاي قد راقه هذا العقد النفيس فأنه قلما وقعت عين على عقد يضاهيه حسنا ورونقا، وما اشد رغبتي في اقتنائه وادخاره! - لست ارغب في شرائه. - لماذا يضن علي أميري الكريم بهذا العقد الثمين؟ - لأني لا أريد أن تذهب أموالي هباء. - أيظن مولاي إن أمواله تذهب هباء، حين يقتني بها درراً غالية كهذه الدرر التي قل ان يكون لها في العالم نظير؟ كيف وان بنفينتو نفسه - الذي يضع فيه مولاي بحق كلثقته - قد رآها فبهرته وسحرته، وقال إن الأمير لو دفع في هذه اللآلئ ستة آلاف دينار لكانت صفقة رابحة. قال الدوق: إن بنفينتو لم يقل شيئا من هذا. بل لقد ذكر لي الساعة إنها لآلئ خسيسة؟ وان

стр. 3224

شراءها مضيعة للمال. انظري أنت إليها! إنها ليست مستديرة، وليست متساوية في أحجامها. وكثير منها قديم فقد الرونق الحسن. تأملي في هذه. . . وهذه. . . كلا. . أني لن ارمي بأموالي من اجل هذه السفاسف. دهش تشليني حين سمع الدوق يخاطب زوجه بهذه الصراحة ويفشي لها سره، ولم تمض لحظات على ائتمانه عليه. ونظرت إليه الدوقة نظرات تلتهب فيها نار الغيظ. ثم خرجت من الحجرة وهي تهز رأسها هزة الثائر المتوعد. فاستولى الرعب علىالفنان وجعلت الحجرة تدور أمام عينيه. وكاد ان يغشى عليه. وعاد في ذلك المساء إلى داره مهموما منكس الرأس. . . وقد هم ان يعد العدة لمغادرة فلورنسا ليلتمس الرزق في غيرها من المدائن. . . ولكنه رأى أعماله التي اخذ ينشئها، وعز عليه أن يتركها لتهمل وتنسى. أو ليتناولها أعداؤه بالمسخ والتشويه. وعز عليه خاصة ذلك التمثال الضخم الذي أوشك أن يتمه، والذي يمثل فرساوس قابضاً على رأس الميدوزا - وهو يعد اليوم من أبدع مخلفات عهد النهضة - اجل، عز عليه أن يترك أعماله هذه التي يوشك أن يتمها. ويوشك أن يزداد بها صرح الفن علواً وشموخا. لو إن هذا الحادث جرى له في شبابه لبادر إلى مغادرة المدينة في ساعته تلك، أما اليوم وقد نيف على الخمسين فقد رأى ان يتريث قليلا، لعل الدوق أن يستطيع حمايته ونصره، وان يصلح ما بينه وبين الأميرة. وفي اليوم التالي غدا تشليني إلى قصر الدوق لعله يلقاه كسابق عادته. ولكنه لم يكد يبلغ القصر، حتى لقيه اعوان الدوقة، واضطروه لان يعود أدراجه بعد أن نال منهم شئ كثير من الإهانة والعنت. واضطر الفنان ان يلزم داره أياما لا يكاد يجرؤ على مغادرتها. ومن قبل كان الدوق يأمر حجابه بأن يفتحوا له أبواب القصر في أي وقت شاء، وألا يحولوا بينه وبين الأمير. أما اليوم فان الدوقة قد أمرت بعكس هذا. وأمرها النافذ. . .! وزار تشليني أحد الأصدقاء، فأنبأه بان الدوق قد اشترى ذلك العقد! اجل، ولقد دفع فيه ستة آلاف من الدنانير الذهبية راضيا طائعا. . . ذلك أن الدوقة حين أعيتها الحيل. أمسكت العقد بيدها، وجثت بين يدي زوجها، وتناثرت من جفونها دررغوال كانت اكثر بهاء واشد

стр. 3225

وقعاً في نفس الأمير من درر ذلك العقد! وقالت له وهي تنتحب، إنها إذا حرمت ذلك العقد فقد حرمت كل سعادة، وقد كتب عليها الشقاء والذل مدى الحياة. وسيعلم الناس جميعاً أن الأمير زوجها العزيز، وسيد أمراء إيطاليا، الذي تفتديه بروحها، قد بخل عليها بعقد من اللؤلؤ. وإنها لن تطيق الحياة متى علم الناس بما هي فيه من هوان وبلاء!. . . عند ذلك أمر الدوق - لساعته - بشراء تلك اللآلئ. . . ولم يكد يفعل حتى رقا دمع الأميرة أبرقت اساريرها، وابتسمت عن لؤلؤ آخر، كان فيه للملك خير عوض عن اللؤلؤ الذي اشتراه. ومضى تشليني إلى القصر، وهو لا يكاد يصدق ما سمعته أذناه. فراه الدوق مقبلا، فأمر بان يؤتى به إلى حجرته. فلما مثل بين يديه، قال من غير تلطف ولا مجاملة: ويحك يا بنفنيتو أيها الشقي! كيف بلغت بك الجرأة أن تغضب الدوقة مولاتك، التي طالما أيدتك ونصرتك؛ فجعلتي اعرض عن شراء تلك اللآلئ النفيسة! يالك من شقي لا يعرف معنى للوفاء والإخلاص! اذهب أيها التعس الآن إلى حجرة الأميرة، واجث على قدميك بين يديها. واسألها الصفح والمغفرة عن جريرتك. وارجع إلى الحق أيها الجاهل. فان الرجوع إلى الحق فضيلة. . . وعساها تصفح عنك وتعفو عن خطيئتك! وفتح تشليني عينين ملؤهما الدهشة والحيرة - مولاي أي حق. . .! - لا تنبس أيها الشقي بكلمة. واذهب الساعة فافعل ما أمرتك به. ومضى تشليني مطرقاً برأسه يمشي في بطيء شديد ليلتمس من مولاته الصفح. لان الرجوع إلى الحق فضيلة. . .!؟
следующие страницы →