← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

التي يقوم بها في جناح الأمير الخاص، فلم تمض لحظات حتى كانت الدوقة جالسة تتحدث إلى تشليني وتطري ما قام به من أعمال الزينة في قصر الأمير، ثم أرته عقداً من اللؤلؤ يشتمل على ثمانين لؤلؤة وقالت: أيعجبك هذا العقد؟ قال انه لعقد جميل يا مولاتي! قالت فأني أريد أن يشتريه الدوق لي. فلابد لك أن تقول له ما شئت في مدحه والإشادة بذكره، وان تبالغ في إطرائه ما استطعت إلى ذلك سبيلا. كان تشليني يظن أن الدوقة قد اشترت العقد وقضى الأمر. ولهذا بادر إلى مدحه وإطرائه، أما الآن - واللآلئ لم تشتر بعد - فقد رأى واجبا عليه أن يطلعها على ما يراه فيها من عيوب، ولم يكن في فلورنسا كلها اقدر منه على نقد الجواهر واللآلئ، ولا ابصر بمواضع العيوب منها. فقال مولاتي! حسبت العقد ملكاً لك فبادرت إلى مدحه فإما وأنت تهمين بشرائه، فإني أرى لزاما علي أن أطلعك على ما به من عيوب بينة تحط من قدر هذه اللآلئ. ومن اجلها لا أستطيع أن أنصحك بالشراء. قالت: لقد رضي التاجر صاحب هذه البضاعة أن يبيعنا إياها بستة آلاف دينار. ولو لم تكن تلك العيوب الطفيفة التي تذكرها لما رضي بأقل من اثني عشر ألفاً. فجعل تشليني يبذل النصح الثمين. ويقول للسيدة الكريمة أن هذه اللآلئ لو كانت خالية من كل عيب، وبالغة أقصى غاية الكمال، لما جاز لأحد أن يدفع فيها اكثر من خمسة آلاف. فأما وقد اشتملت على هذه النقائص فأنها لن تساوي نصف هذه القيمة. وفوق هذا كله، فأن اللآلئ ليست كالأحجار الكريمة نفاسة وقيمة. إنما القيم النفيس هو الماس، والياقوت، والزبرجد، والعقيق، والفيروز، هذه هي الأحجار الكريمة التي تزداد على مدى السنينرونقا وبهاء. أما اللآلئ فليست سوى قطع من محار البحر، وعظام السمك، لا تلبث أن تفقد بهجتها ورونقها بعد سنين قلائل! لكن الأميرة كانت صلبة كصلابة الماس، وقد وطنت النفس على حيازة هذا العقد. وفي رأسها عينا امرأة قد بهرهما لمعان اللؤلؤ. فأوحتا إلى قلب المرأة الذي بين جوانحها، فإذا القلب قد اشتهى ذلك العقد، واتخذ لحيازته إرادة لا تثني، ورغبة لا تقبل الجدل، ورأى تشليني انه غدا بين نارين، فأما أن يغضب الأميرة أو يخدع الدوق. . . فقالت له: هون عليك الامر، فانا الضمينة بأن الدوق لن يمسك بسوء، بل وستنال أجرك

стр. 3222

منى يوم تغدو هذه اللآلئ لي. وقد وطنت النفس على إحرازها. فاذهب بها الآن إلى الدوق. وأطنب في مدحها ما استطعت. كان من اكبر ما يفخر به تشليني الصراحة والأمانة، ولقد طالما جنيت عليه الأولى، وأفقدته الثانية شيئاً كثيراً من المكسب والمغنم؛ ومن قبل ما جنت عليه صراحته يوم كان في بلاط فرنسوا الأول ملك فرنسا. فرأى نفسه فجأة وقد غضبت عليه مادام (ديتامب) معشوقة الملك، أصبحت له عدوا عنيدا، لا تجدي مع عدواتها صداقة أحد، حتى ولا صداقة الملك نفسه. . . فلم يلبث أن اضطر إلى مغادرة اكبر ملوك العالم أغناهم وأسخاهم. والآن أيغضب الدوقة العظيمة، دوقة فلورنسا! من اجل كلمة تريد أن يقولها، فيرتكب في فلورنسا - وطنه العزيز - ما ارتكبه في فرنسا من قبل؟ ويفقد ما ناله في قصر الدوق من حظوة ومن مقام رفيع؟ تناول العقد، ومشى به إلى الدوق - وقد عزم على أن يقول كلمات قلائل يمدح بها العقد، ولعل الدوق أن يغفر له هذه الخطيئة من اجل الأميرة. . فلما رآه الدوق قال - ما الذي جاء بك يا بنفنيتو؟ قال - عقد جميل من اللؤلؤ أردت أن انصح مولاي بشرائه فأني ما رأيت عمري ثمانين لؤلؤة كريمة قد نظمت في عقد بمثل هذا الحسن الباهر، وهذا التنسيق البديع. قال الدوق - ما أنا بالذي يشتري لآلئ مثل هذه، فلقد رأيتها من قبل، فلم يرقني منظرها ولا حسنها. وما هي بالنادرة كما تزعم ولا النفيسة! قال - عفواً يا مولاي! أنها وأيم الحق دررغوال، ولا أعرف أن عينا رأت عقداً منظوما كهذا العقد، حوى دررا كهذه الدرر! قال الدوق - والله يا بنفنيتو! لو إن هذه الدرر من النفاسة بحيث تذكر لما ترددت في شرائها؛ فإنني في حاجة أبداً لإحراز هذه الجواهر الثمينة، حبا في إحرازها، وإرضاء للأميرة زوجي، ولكي تكون هذه الكنوز ذخراً لأبنائنا وبناتنا، وأنا اعلم انك ابصر الناس بهذه الأمور، وأن عينك لن تخطئ في نقدها وتقديرها. كذلك اعلم انك رزقت الصراحة في القول، والأمانة في النصح، فاصدقني الخبر، ولا تخشى بأسا! هل تنصح لي حقاً بشرائها؟ أصغى تشليني إلى كلمات مولاه، فكأنما سقط عن كاهله عبء ثقيل. لقد كان يمدح تلك

стр. 3223

اللآلئ بلسانه ويلعنها بقلبه. وكان يعلم وهو يطريها أن هذا المدح يذري به كفنان له رأيه السديد في تقدير الجواهر، ويذري به كرجل أتخذ الأمانة والصدق شعارا. لهذا انكشفت عنه الغمة حين سمع الدوق يناشده الصدق والصراحة، وقال: أني لأخشى يا مولاي - إن صدقتك الخبر عن هذه اللآلئ - أن يشتد علي غضب مولاتي الدوقة، وتصبح لي من ألد الخصوم، فاضطر إلى مغادرة فلورنسا - وطني المحبوب - مرة أخرى. واليوم قد تقدمت بي السن فأن مغادرة الوطن علي شئ عسير. فاستحلف مولاي أن يحميني سخطها؛ إذا لم يضمن لي رضاها! ولقد وعدتني مائتي دينار إن أنا استطعت إقناع مولاي بشراء تلك اللآلئ. وقد كان خوفي من غضبها اكبر من طمعي في جائزتها. أما الآن وقد ناشدني مولاي الصدق، فإني لا يسعني إلا أن اخلص في النصح: إن شراء هذه اللآلئ بذلك الثمن صفقة خاسرة. فإنها لا تساوي اكثر من ألفي دينار؛ فإذا كان لا بد من شرائها فلا يدفع الأمير فوق هذا القدر درهماً واحداً. قال الدوق - كن مطمئناً! إن الدوقة لن تعلم شيئا مما قلته لي الان، ولن يمسك منها آذى. وسأذكر لك أبداً هذا الإخلاص في النصيحة! عند ذلك دخلت الأميرة؛ وقد ظنت أن قد مضى من الزمن ما يكفي لإقناع زوجها بشراء العقد. وأن قد آن لها أن تضم صوتها إلى صوت الفنان فقالت: - عسى أن يكون مولاي قد راقه هذا العقد النفيس فأنه قلما وقعت عين على عقد يضاهيه حسنا ورونقا، وما اشد رغبتي في اقتنائه وادخاره! - لست ارغب في شرائه. - لماذا يضن علي أميري الكريم بهذا العقد الثمين؟ - لأني لا أريد أن تذهب أموالي هباء. - أيظن مولاي إن أمواله تذهب هباء، حين يقتني بها درراً غالية كهذه الدرر التي قل ان يكون لها في العالم نظير؟ كيف وان بنفينتو نفسه - الذي يضع فيه مولاي بحق كلثقته - قد رآها فبهرته وسحرته، وقال إن الأمير لو دفع في هذه اللآلئ ستة آلاف دينار لكانت صفقة رابحة. قال الدوق: إن بنفينتو لم يقل شيئا من هذا. بل لقد ذكر لي الساعة إنها لآلئ خسيسة؟ وان

стр. 3224

شراءها مضيعة للمال. انظري أنت إليها! إنها ليست مستديرة، وليست متساوية في أحجامها. وكثير منها قديم فقد الرونق الحسن. تأملي في هذه. . . وهذه. . . كلا. . أني لن ارمي بأموالي من اجل هذه السفاسف. دهش تشليني حين سمع الدوق يخاطب زوجه بهذه الصراحة ويفشي لها سره، ولم تمض لحظات على ائتمانه عليه. ونظرت إليه الدوقة نظرات تلتهب فيها نار الغيظ. ثم خرجت من الحجرة وهي تهز رأسها هزة الثائر المتوعد. فاستولى الرعب علىالفنان وجعلت الحجرة تدور أمام عينيه. وكاد ان يغشى عليه. وعاد في ذلك المساء إلى داره مهموما منكس الرأس. . . وقد هم ان يعد العدة لمغادرة فلورنسا ليلتمس الرزق في غيرها من المدائن. . . ولكنه رأى أعماله التي اخذ ينشئها، وعز عليه أن يتركها لتهمل وتنسى. أو ليتناولها أعداؤه بالمسخ والتشويه. وعز عليه خاصة ذلك التمثال الضخم الذي أوشك أن يتمه، والذي يمثل فرساوس قابضاً على رأس الميدوزا - وهو يعد اليوم من أبدع مخلفات عهد النهضة - اجل، عز عليه أن يترك أعماله هذه التي يوشك أن يتمها. ويوشك أن يزداد بها صرح الفن علواً وشموخا. لو إن هذا الحادث جرى له في شبابه لبادر إلى مغادرة المدينة في ساعته تلك، أما اليوم وقد نيف على الخمسين فقد رأى ان يتريث قليلا، لعل الدوق أن يستطيع حمايته ونصره، وان يصلح ما بينه وبين الأميرة. وفي اليوم التالي غدا تشليني إلى قصر الدوق لعله يلقاه كسابق عادته. ولكنه لم يكد يبلغ القصر، حتى لقيه اعوان الدوقة، واضطروه لان يعود أدراجه بعد أن نال منهم شئ كثير من الإهانة والعنت. واضطر الفنان ان يلزم داره أياما لا يكاد يجرؤ على مغادرتها. ومن قبل كان الدوق يأمر حجابه بأن يفتحوا له أبواب القصر في أي وقت شاء، وألا يحولوا بينه وبين الأمير. أما اليوم فان الدوقة قد أمرت بعكس هذا. وأمرها النافذ. . .! وزار تشليني أحد الأصدقاء، فأنبأه بان الدوق قد اشترى ذلك العقد! اجل، ولقد دفع فيه ستة آلاف من الدنانير الذهبية راضيا طائعا. . . ذلك أن الدوقة حين أعيتها الحيل. أمسكت العقد بيدها، وجثت بين يدي زوجها، وتناثرت من جفونها دررغوال كانت اكثر بهاء واشد

стр. 3225

وقعاً في نفس الأمير من درر ذلك العقد! وقالت له وهي تنتحب، إنها إذا حرمت ذلك العقد فقد حرمت كل سعادة، وقد كتب عليها الشقاء والذل مدى الحياة. وسيعلم الناس جميعاً أن الأمير زوجها العزيز، وسيد أمراء إيطاليا، الذي تفتديه بروحها، قد بخل عليها بعقد من اللؤلؤ. وإنها لن تطيق الحياة متى علم الناس بما هي فيه من هوان وبلاء!. . . عند ذلك أمر الدوق - لساعته - بشراء تلك اللآلئ. . . ولم يكد يفعل حتى رقا دمع الأميرة أبرقت اساريرها، وابتسمت عن لؤلؤ آخر، كان فيه للملك خير عوض عن اللؤلؤ الذي اشتراه. ومضى تشليني إلى القصر، وهو لا يكاد يصدق ما سمعته أذناه. فراه الدوق مقبلا، فأمر بان يؤتى به إلى حجرته. فلما مثل بين يديه، قال من غير تلطف ولا مجاملة: ويحك يا بنفنيتو أيها الشقي! كيف بلغت بك الجرأة أن تغضب الدوقة مولاتك، التي طالما أيدتك ونصرتك؛ فجعلتي اعرض عن شراء تلك اللآلئ النفيسة! يالك من شقي لا يعرف معنى للوفاء والإخلاص! اذهب أيها التعس الآن إلى حجرة الأميرة، واجث على قدميك بين يديها. واسألها الصفح والمغفرة عن جريرتك. وارجع إلى الحق أيها الجاهل. فان الرجوع إلى الحق فضيلة. . . وعساها تصفح عنك وتعفو عن خطيئتك! وفتح تشليني عينين ملؤهما الدهشة والحيرة - مولاي أي حق. . .! - لا تنبس أيها الشقي بكلمة. واذهب الساعة فافعل ما أمرتك به. ومضى تشليني مطرقاً برأسه يمشي في بطيء شديد ليلتمس من مولاته الصفح. لان الرجوع إلى الحق فضيلة. . .!؟

стр. 3226

أزمة الديمقراطية للأستاذ محمد عبد الله عنان هل آن لشمس الديمقراطية أن تغرب؟ هذا سؤال يطرح منذ أعوام في معرض البحث والجدل، ولكنه يغدو اليوم اشد خطورة، ويشغل جميع الأذهان والضمائر الحرة: فالنظم الديمقراطية تتحطم تباعا في أمم كانت بالأمس اشد الأمم تعلقا بالنظم والمثل الديمقراطية، والحكومات الدستورية تختفي. تباعا من الميدان لتقوم مكانها حكومات طغيان شامل، والحريات السياسية والاجتماعية القديمة تخنق وتختفي لتستأثر بها وتتصرف فيها أحزاب وجماعات سياسية جديدة تقوم مبادؤها ودعوتها على القوة القاهرة، والديمقراطية تهتز اليوم حيثما استطاعت أن تبقى وتتسرب إليها عوامل الوهن والفساد: فهل يكون ذلك إيذانا بأن صرح الديمقراطية غدا على وشك الانهيار، وان الديمقراطية تسير إلى مصرعها النهائي في المستقبل القريب؟ هذا ما يتنبأ به أصحاب النظريات والمثل الجديدة القائمة على الطغيان الشامل، والقومية المتطرفة، وإنكار النظم البرلمانية، وخضوع الفرد المطلق، والإيمان بالقوة المادية: أو بعبارة أخرى هذا ما يقوله دعاة الفاشستية والوطنية الاشتراكية الألمانية. والحقيقة أن الديمقراطية تجوز اخطر أزمة عرفت في تاريخها. ويجب قبل كل شئ أن نعرف الديمقراطية بإيجاز، فهي في الأصل كلمة يونانية معناها (قوة الشعب)، وهي مبدأ سياسي اجتماعي يقوم على المساواة التامة بين الأفراد في الحقوق والواجبات، وغايتها الجوهرية أن يشترك الشعب كله في إدارة الدولة أو بعبارة أخرى أن يحكم نفسه بنفسه: والنظم البرلمانية اظهر وسائلها لتحقيق هذه الغاية. والديمقراطية الأوربية الحديثة ترجع إلى الثورة الفرنسية. ولكنها لم تستطع ثباتا في البداية، واستمرت نحو نصف قرن تناضل في سبيل مثلها، ولم تتوطد وتزدهر إلا في أواخر القرن التاسع عشر، بيد إنها لم تتقدم إلا في غرب أوربا. أما في شرق أوربا ووسطها، فقد كانت الملوكيات القديمة في روسيا وتركيا والنمسا والمجر وألمانيا تطاردها وتخمد مثلها بكل ما وسعت. ثم كانت الحرب الكبرى، فانهارت الملوكيات القديمة الطاغية، وقويت المثل والمبادئ الديمقراطية، وظفرت الديمقراطية، بإقامة نظمها في الجمهوريات الجديدة الفتية في روسيا، والمانيا، والنمسا،

стр. 3227

وتشيكوسلوفاكيا، وبولونيا. أما اليوم فماذا بقى لها من هذا الظفر؟ لقد كان ظفر الديمقراطية في روسيا كالبرق الخلب، وكان اسماً بلا مسمى فلم تمض اشهر قلائل حتى قام طغيان البلشفية مكان الطغيان القيصري القديم، يخمد جميع الآراء والحريات الخصمية؛ ولم تثبت الديمقراطية طويلا في بولونيا، حيث وثبت العسكرية وفرضت سلطانها على الجمهورية الجديدة، واتخذت من الحياة النيابية ستارا تملي من ورائه إرادتها. أما في ألمانيا والنمسا فقد استطال هذا الظفر أعوام طويلة؛ واستطاعت الديمقراطية أن تنشئ الجمهورية الألمانية مكان الإمبراطورية القديمة، وان توطد دعائم الحريات الديمقراطية، وان تقود مصائر الشعب الألماني خلال الأزمات والخطوب التي تعاقبت من جراء الحرب والهزيمة مدى أربعة عشر عاما، ولكنها سقطت أخيرا صرعى الاشتراكية الوطنية والطغيان الهتلري، ومهدت لمصرعها بخلافها الداخلي؛ ومنذ أسابيع فقط لقيت مصرعها في النمسا بعد أن أقامت فيها الجمهورية، وتولت حكمها وقيادتها في أعوامها الاولى، ولبثت خمسة عشر عاما قوية مرهوبة الجانب. وإما في إيطاليا التي تمتعت منذ وحدتها بالحريات الديمقراطية في ظل الملوكية الدستورية، فقد غاضت الديمقراطية عقب الحرب بضربة سريعة، وقامت فيها الفاشستية منذ اثني عشر عاما تخمد كل الحقوق والحريات القديمة، وتتحدى الديمقراطية في العالم كله، وتنوه بقواها السياسية والاجتماعية، وتسير في ميادين السياسة والاقتصاد من ظفر إلى ظفر، وتقدم القدوة والإرشاد لكل نزعة أو حركة طغيان مماثلة. فالديمقراطية تجوز في الواقع مرحلة عصيبة ربما كانت نذير انحلالها ومصرعها النهائي. بل إنها في البلاد التي ما زالت فيها راسخة وطيدة الدعائم تتخبط في غمار من الصعاب؛ وتفسح بأخطائها وعثراتها لخصومها مجال الاتهام والانتقاص. ففي فرنسا، مهد الديمقراطية الحديثة، تشتد الحملة على النظم الديمقراطية والحياة النيابية لما كشفت عنه الفضائح المالية الأخيرة (فضائح ستافسكي) من فساد شنيع يتغلغل في صميم الحياة العامة، ويصم الحكومات الحزبية والهيئات النيابية بتهم الرشوة واختلاس أموال الشعب، ويصم القضاء والبوليس بفساد الذمة والتستر على الجناة؛ ويقول خصوم الديمقراطية من الملكيين والفاشست، إن مثل هذه الجرائم لا يمكن أن ترتكببمثل هذه الجرأة وهذا الإغراق إلا في ظل الحياة السياسية الحزبية وفي ظل نظام تكسب فيه النيابية عن الشعب بقوة المال

стр. 3228

والنفوذ، وغدت فكرة الدكتاتورية من الحلول المحتملة التي تطرح اليوم في فرنسا كوسيلة لانتشالها من هذه الفوضى، وغدت هيبة الديمقراطية هدفا لأشد الحملات. وفي إنكلترا اعرق الأمم الأوربية في النظم والحريات الديمقراطية، يهمس اليوم بكلمة الدكتاتورية، وتلقى المبادئ الفاشستية قبولا من الشباب الإنكليزي، ويوجد اليوم في إنكلترا بالفعل حزب فاشستي صغير لم يحرز بعد أهمية سياسية، ولكنه يعتبر رمزاً حياً لأثر الفاشستية في إنكلترا. ولم تحرز الديمقراطية في الأعوام الأخيرة إلى جانب هذه الأزمات والخطوب أي ظفر أو تقدم حقيقي إلا في أسبانيا، حيث سقطت الملوكية القديمة، لتقوم مكانها جمهورية جديدة مشبعة بأبعد المثل والأمانيالديمقراطية: بيد ان الجمهورية الفتية ما زالت تعاني صعابا وأزمات تكاد تصدع بناءها فماذا يكون مصير الديمقراطية إزاء هذه الخطوب؟ يقول أنصار الفاشستية والطغيان أن الديمقراطية لا تستحق الحياة لأنها برهنت منذ الحرب أنها ليست أهلا لحكم الشعوب في ظروفها واتجاهاتها الجديدة، وأنها دفعت الحريات السياسية والاجتماعية إلى حدود الفوضى، وسخرت الشعوب لاهوائها؛ وان الحياة البرلمانية أصبحت مظهراً من مظاهر التمثيل النيابي، ولا تعبر عن إرادة الشعب الحقيقية، وإنها تغدو في كثير من الأحيان عقبة في سبيل الأداة الحكومية تمنعها من العمل المجدي. وقد يجد أنصار الفاشستية في تاريخ الحكومات الديمقراطية ما بعد الحرب كثيراً مما يؤيد هذه التهم، ولكنهم يخلطون دائما بين المبادئ والديمقراطية وبين الصور المختلفة التي تطبق بها هذه المبادئ. فهذه المطاعن قد تلحق بعض النظم ووسائل الحكم التي تقوم على الفكرة الديمقراطية، ولكنها لا يصح ان تنسب إلى الفكرة ذاتها، وإذا كانت الأحزاب والحكومات الديمقراطية قد ارتكبت كثيراً من الأخطاء في ألمانيا وإيطاليا، وإذا كانت توصم اليوم في فرنسا بكثير من العيوب والتهم، فإنها ما زالت في إنكلترا والسويد مثلا تعمل في ظل الملوكية بقوة وبراعة وتدلل على أنها امثل طرق الحكم المستنير العادل. والفاشستية لا يمكن أن تزعم أنها بريئة من العيوب، فهي أولاً ابعد صور الحكم عن تحقيق العدالة وصون الحرية، لأنها تقوم على القوة المادية ولا تعف عن ارتكاب أشنع وسائل العنف تحقيقاًلسيادتها، ويكفي ان نسير في ذلك إلى ما ارتكبه الفاشستية الإيطالية في أعوامها الأول من الجرائم والاعتداءات المثيرة، وما استعمله من وسائل البطش والإرغام

стр. 3229

قبل أن تثبت أقدامها وتفرض إرادتها على الشعب الإيطالي، ويكفي أن نستعرض ما ارتكبه الاشتراكية الوطنية الألمانية مذ ظفرت بالحكم من ضروب السفك والعنف والانتهاك والمطاردات السياسية والدينية الوضيعة، لتفرض مبادئها وإرادتها على الشعب الألماني، وهذه الوسائل الهمجية التي تلجأ إليها الفاشستية دائما في تحقيق سيادتها حيثما استطاعت أن تشق طريقها لا يمكن أن ترتفع من الوجهة المعنوية إلى مستوى المثل الرفيعة والوسائل السلمية الحرة التي تقوم عليها الديمقراطية وتعمل في ظلها. وما يلاحظ إن الفاشستية شعوراً منها بهذا الضعف المعنوي تحاول أحياناً أن تستتر وراء بعض المظاهر الديمقراطية، فنرى الفاشستية الإيطالية مثلا تحتفظ بالبرلمان حينا وتبقى على بعض صور الحياة النيابية، وتستخدم فكرة النقابات؛ ونرى الفاشستية الألمانية (الاشتراكية الوطنية) تجري الانتخابات وتتظاهر باستفتاء الشعب في الحصول على تأييد أغلبيته الساحقة لتحقق بعض أغراضها السياسية. وقد تتفوق الفاشستية على الديمقراطية أحياناً بالعمل السريع وتحقيق بعض المظاهر والغايات السياسية والاقتصادية التي عجزت الديمقراطية عن تحقيقها، كما حدث في إيطاليا مثلا حيث حققت الفاشستية الإيطالية كثيراً من الأغراض والنتائج العملية القيمة، ولكن هذا النجاح المادي يحقق في معظم الأحيان على حساب الحريات والحقوق الشعبية، وليست وسائله مما يحمد دائماً. لقد انتصرت القوى الرجعية على الديمقراطية في إيطاليا وألمانيا والنمسا: وقد تنتصر في غيرها غدا، وربما بقيت الديمقراطية أعواما أخرى تعانيالضعف والانحلال. ولكن هذه الفوضى الرجعية لا تقوم على مثل راسخة، ولا تستمد بقائها إلا من القوة المادية وهي في الغالب وليدة ظروف وعوامل مؤقتة، فمتى تطورت هذه الظروف والعوامل فقدت أسباب الحياة ,. والتاريخ يعيد اليوم نفسه في أوربا القديمة. ففي أوائل القرن الماضي، على اثر انتهاء الحروب البونابارتية، اجتمعت كلمة العروش الأوربية القوية على سحق جميع النزعات والحركات الحرة، والتمست لذلك عقد محالفة عرفت بالمحالفة المقدسة (أواخر سنة ١٨١٥) عقدت بين قياصرة روسيا وألمانيا والنمسا، واتخذت في المبدأ صبغة ميثاق للعمل على تأييد السلام، وإقامة العدل، وبث الإخاء، ولكنها نظمت وعقدت في الواقع للتعاون على إخماد الحركات الحرة التي آخذت تضطرم من غرب أوربا إلى شرقها، وتبدو

стр. 3230

في مطالبات عنيفة بالحريات الدستورية. وكانت الحروب البونابارتية قد شغلت أوربا حينا عن التفكير السياسي وخبت الريح الحرةالتي إثارتها مبادئ الثورة الفرنسية، ولكن الجيوش الفرنسية الغازية كانت تحمل أينما حلت طرفا من هذه المبادئ، فلما هدأت العاصفة التي أثارها نابليون، عادت الأفكار الحرة والأماني الدستورية تشق سبيلها في معظم الأمم الأوربية، ومن ثم كان اجتماع العروش القديمة على مقاومتها وسحقها. وقد انظمت معظم الدول الأوربية إلى المعاهدة المقدسة، وطبقت غير بعيد في ألمانيا والنمسا حيث قيدت حرية الصحافة، وفرضت الرقابة الرسمية على الجامعات، ولكن هذه الجبهة القوية التي نظمها الطغيان لمقاومة الحريات الشعبية لم تغن شيئاً، ولم يمض ربع قرن آخر حتى كانت معظم الدول الأوربية تضطرم بالفورات والثورات التحريرية، وكانت القوى الرجعية ترغم بذل المنح الدستورية المختلفة. وقد استمر هذا الصراع بين الطغيان والديمقراطية طوال القرن التاسع عشر، وانتهى بظفر الحريات في معظم الأمم الأوربية. ونحن اليوم نشهد هذا الصراع كرة أخرى. ولكنه يتخذ اليوم صورة جديدة. فالقوى الرجعية لا تستند اليوم إلى العروش والحق الالهي، ولكنها تتشح بأثواب شعبية، فالفاشستية تزعم في إيطاليا وألمانيا أنها تقوم بإرادة الشعب وتسير طبقاً لها؛ وتخشى أن تبدو مجردة في ثوبها الحقيقي؛ وهذا دليل على أنها رغم ظفرها المؤقت ما زالت تخشى قوة الديمقراطية الخفية. ونحن ما زلنا نؤمن بمستقبل الديمقراطية وقوتها. وإذا كانت الديمقراطية قد استطاعت أن تصمد طوال القرن الماضي لجميع القوى الرجعية التي هاجمتها وقاومتها مع أنها لم تكن قد استكملت يومئذ كل نموها وقوتها، فأنها اليوم قد رسخت مبادؤها ومثلها في جميع الأمم الأوربية وأقامت لها صروحا قوية شامخة، وأضحت قوام الحياة العامة في كل بلد، لا يمكن أن تستكين طويلا إلى عدوان الطغيان، ولا بد ان تنهض غير بعيد من عثرتها، وتستعيد كل قوتها وسلطانها، يوم تنفض عنها غبار هذه المفاسد الشكلية التي أسبغت ريبا على هيبتها، ويوم تنبذ ذلك الخلاف الذي فت في قواها ومكن لخصومها. محمد عبد الله عنان

стр. 3231

مضى عام للآنسة سهير القلماوي تسارعت الأيام في سيرها الآلي المنظم السريع. الأيام الطويلة المملة، والأيام القصيرة الطائرة، كلها غرقت في بحر الفناء على ألا تعود. وانقضى العام فإذا الذكرى تتهادى حتى تقف أمامي، ثم تمد يدها لتأتي بأجزائهاالمنزوية في مخيلتي تستكمل بها صورتها المؤلمة. فإذا الصورة هي هي كما كانت منذ عام، وإذا الألم لها وان خففه سلطان الزمان الذي لا يقهر، إلا انه ما زال لاذعاً مذهلا عن كل شئ سواه. كان صباح العيد منذ عام، فاجتمع أفراد الأسرة كلهم في بيت الوالدين، اجتمع الأخوات والاخوة، والأزواج والأولاد والأخوال والأعمام، واصطفوا جميعا على مائدة الإفطار، وكلهم وجوههم مشرقة مستبشرة. وكانت هي بينهم - ومتى لم تكن بينهم ولو بجسدها - ولكنها كانت تفكر وتقدر. تضحك معهم وتبتسم لابتسامهم، ويشرق وجهها لإشراق وجوههم: ولكن نفسها كانت تتألم يائسة، وعقلها مرتبك، يقدر ويفكر، ويقرر وينثني عما قرر، ثم يعود فيقرر ثانية، فإذا القرار هو هو. وتقلب الاحتمالات والمنتظرات، تستعرض في خيالها الساعات المقبلة، وقد نظمتها حسبما ظنت ان ستكون. ماذا لو نفذت قرارها؟ ثم تعود فتنثني عنه من جديد؛ لم يرقها ما قدرت، ولكن أي مخلص غيره؟ وأخيراً، لا بد من القرار الأول، لابد منه. لم يلاحظ عليها الحضور شيئاً، فقد كانت الحركة التي تأتيها في رواحها ومجيئها لخدمتهم - لان أمور المنزل أصبحت كلها لها بعد زواج أختها - التي كانت تساعدها كثيراً على إخفاء ما بها. وانتهى الإفطار فانتشروا في الدار، وأصوات الأطفال المرحة الصاخبة تملأ إسماعهم. وانتهزت هي الفرصة وصعدت إلى حجرتها. خافت أن تعود إلى التفكير فترتبك من جديد، ولقد سئمت الحيرة ولا بد ان تنجو منها، لقد كانت تلهب رأسها. وصعدت وراءها أختها تناديها، ونادتها فإذا بها قادمة نحوها تصرخ وتتأوه، ووجهها اغبر قاتم، وجسمها يتلوى من الألم، ويداها على معدتها تضغطان بعصبية وتقلص، فصاحت أختها ما بك! ما بك؟ وضمتها إلى صدرها تسندها من الوقوع فوقعتا على الدرج معا. وهزتها ثانية ما بك؟ فتمتمت بصعوبة مريرة متألمة (شربت سما).

стр. 3232

كلمتان هما آخر ما نطقت، كلمتان قلبتا العيد مأتما، كلمتان حولتا شابة مليئة بالحياة والنشاط إلى جثة هامدة لا تحس ولا تشعر واجتمع الأهل والصحب والخلان حول ضحية العيد، منهم من أسعفه البكاء فبكى، ومنهم من حيرته الفاجعة فذر بلسانه بأسبابها وصاح يستلهم الجثة جواباً عما حير فكره وصدع قلبه. ومنهم من وجم يستعرض في وحدته صورا تتتالى فلا تشعر ارتباطا في تتاليها ولا أثراً لمرورها في مخيلته. وأخيراً منهم من اختل توازن أعصابه وفقد القدرة على حكمها، فراح لسانه ينطق بكل ما يمر في خاطره المضطرب المحموم وفي الصباح جاءتها صديقاتها بورودهم البيضاء وكأنهم آتون لعرسها، ثم أودعوها حفرة ضيقة وعادوا جميعا وكل منهم يظن انه في حلم مروع يتلمس اليقظة منه فلا يصحو. ومتى كانت الحياة إلا رؤى تتتابع! رؤى نراها أفرادا فنختلف في حقيقتها، ورؤى نراها جماعة فنجمع على حقيقتها؟ أودعوها حفرتها، أودعوها سرى معها، ولكن متى دخل لسان الناس أفواههم؟ متى استراح لسان الناس في اشد المواقف استدعاء للاستراحة؟ هل احترموا جلال الموت؟ هل خشعوا أمام فجيعة مريرة للأسرة بأجمعها؟ كلا! لم يخلق اللسان إلا للكلام، فإذا سكت لم يحقق الغرض من خلقه، وإذا لم يحقق جزء من المخلوقات الغرض من خلقه فقد اختل نظام الكون كله! وفي العيد تجتمع الأسرة لا على مائدة الإفطار وإنما حول قبرها في مدينة الأموات الهادئة، وهناك تناديها فلا تجيب كما كانت تفعل منذ عام، وهناك تبكيها فلا تشاركها شعورها كما شاركتها الابتسامة والفرح منذ عام، وإنما ترفرف روحها من عليائها رائحة غادية لا ترتبك ولا تضطرب، فليس لديها ما تخفيه وقد حجبها الفناء بأستاره الكثيفة المظلمة. سهير القلماوي

стр. 3233

التطور وروح الدين للأستاذ محمود الشرقاوي (إنا وجدنا الشارع قاصدا لصالح العباد. والأحكام العادية تدور معه حيثما دار. فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة. فذا كان فيه مصلحة جاز) (الشاطئ) لكل دين من الأديان روح تسيطر على مجموعة، وتتمشى في أصوله وفروعه. وتميز دعوته وتربط أحكامه جميعاً، وتساوق بين أجزائه وتوجه تيارها إلى غاية خاصة، والإسلام يمتاز من جميع الأديان بأنه دين عام خالد لا دين بعده ولا رسالة. فهو لذلك قد جمع الله فيه كل ما تحتاج إليه البشرية من الأصول لجميع ظروفها وأحوالها وأزمانها وأماكنها، والحياة البشرية متغيرة سريعة التحول والانقلاب والسير في طريق التطور من حال إلى حال ومن قديم إلى جديد، وبالأخص في عصرنا هذا الذي تضاعفت فيه سير الحضارة، واختلطت الشعوب والأفكار واستولى على الإنسانية كلها ما يشبه الحمى في سرعة التحول والانتقال فهل روح الإسلام وغايته العليا تعارض سير الحضارة وتقدم العالم؟ وتلزم البشرية بالوقوف عند حال واحد لا تتعداها إلا إذا تركت الدين واستعاضت عنه بأشياء مدنية لابد منها لاستكمال الحياة البشرية واطراد السير فيها والتطور من حال إلى حال؟ أم أنافأجيب بان الإسلام لا يتعارض بتاتاً مع سير البشرية وتحولها. وانه دين لين واسع الافق، نستطيع ان نوفق بين روحه وبين كل مظهر من مظاهر الحضارة، وان تجد في نصوصه ما يساير الأطوار المختلفة التي تتخطاها البشرية في عصورها المتباينة، وهذا ما أريد أن اكتب عنه في هذا الفصل، ويجب أن نلتفت إلى الفرق بين (روح) الدين وغايته. وبين أحكامه الفرعية وتطبيقها، والفرق بين الدين كشعور وعقيدة وإيمان، والدين كتقاليد وأشخاص دينيين ومظاهر كنسية للحكم والسيطرة. فروح الدين وجوهره هو الشيء الخالد الباقي الذي لا يتعارض مع أي عصر. والذي تجد فيه كل حضارة وكل أمة في كل زمان ما يتفق مع احتياجاتها ويعينها ويسددها في سبيل الغاية العليا والكمال البشري الذي تسير إليه، روح الدين وجوهره هو

стр. 3234

الشيء لذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وعلى هذا الفهم نستطيع ان نجد في نصوص الدين الإسلامي وفي تاريخه أشياء تؤكد لنا انه دين يستطع أهله أن يجدوا فيه كل ما يتفق مع مظاهر الحضارة التي تغمرهم وتجذبهم إليها وتستولي عليهم وعلى جميع الدنيا طوعاً أو كرهاً. وهذه أشياء اذكرها تؤيد ما أقول وتفصح عما أريد: هذه المسايرة للزمن، وتطبق الأحكام على ملائمات الأحوال والظروف واختلافاتها. مع المحافظة على جوهر النصوص وروح الدين. نجدها عند شخصيات في قلوبها بصيرة للوقوف على مراميها أدراك الغاية منها وعدم التقيد بحرفيتها، ونجدها في بيئة تختلف عن البيئة التي عرفنا فهمها لهذه النصوص ودرسنا ما قالته فيها وما استرشدت فيه بحاجاتها العقلية والمدنية ومميزاتها الجغرافية والتاريخية. فمثلا إذا كنا في عصر هين لين نحتاج فيه إلى زيادة الإنجاب والنسل، نجد روح الإسلام ما يشجعنا على التكاثر والتناسل والنماء. وان كنا في عصر عسير محرج ضيق نحتاج فيه القصد في الإنجاب والالتفات فيه إلى الكيفية لا إلى الكمية. فنجد من روح الإسلام ما يجعلنا نخفف من نسلنا ونتقلل على ما نريد. بل نمتنع منه إذ نريد نجد صحابيا جليلا وحاكما قادرا يبيح لنا التقليل من النسل. بل يوشك أن ينهانا عن العيال: (يا معشر الناس: إياكم وخلالا أربعة، فأنها تدعو إلى النصب بعد الراحة، وإلى الضيق بعد السعة، وإلى المذلة بعد العزة، إياكم (وكثرة العيال) وإخفاض الحال. . . الخ). وإذا كنا في عصر يتشدد أهله في علاقاتهم الزوجية ولا يمتهنون رباط الأسرة، ويعرفون ان ابغض الحلال إلى الله الطلاق، فنحن نستطيع ان نجد في أحكام الإمام والخليفة عمر بن الخطاب ما يجعل الطلاق الثلاث بلفظ واحد يقع ثلاثا، وإذا كنا في عصر مثل عصرنا الحاضر وهنت فيه العلاقات الزوجية واضطرب رباطها وأصبحت ألفاظ الطلاق على كل لسان، فنحن نستطيع ان نجعل الطلاق الثلاث بلفظ واحد يقع طلقة واحدة، ونجد في نصوص الإسلام ما يتيح لنا ذلك كما وجدنا ما أباح لنا الأول: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر الصديق وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: ان الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة. فلو

стр. 3235

أمضيناه عليهم؟ فأمضاه عليهم) وهذا ما فعلناه نحن في مصر، وإذا كنا في إقليم وفي مجتمع يلزمنا عمرة خاصة للرأس. وكان غيرنا من المسلمين في إقليم أو مجتمع يلزمهم عمرة للرأس خاصة غير عمرتنا، أو يجعلهم يسيرون حاسرين، تجد من روح الإسلام ما يجعلنا نلبس ما نشاء. ويجدون هم من روح الإسلام ما يجعلهم يلبسون ما شاءوا أو يحسرون كما يشاءون: (كل ما شئت واشرب ما شئت ما اخطأتك اثنتان: سرف أو مخيلة) الإمام الشاطئ من اعلم الرجال في أصول الدين. ومن أبرعهم وأوسعهم ذهنا في تطبيق النصوص الدينية والموازنة بينها وبين الأحوال. وله كلام يجب على كل رجل من رجال الدين ان يتدبره ويعتبره، لما يدل عليه من فهم جيد لروح الإسلام ومسايرته لكل عصر وكل حضارة. وطواعية أحكامه ونصوصه لان توافق كل حضارة وكل جيل. يقول الشاطئ: (. . . والسكوت عنه من الشارع لا يقتضي مخالفة. ولا يفهم الشارع قصداً دون ضده وخلافه فإذا كان كذلك رجعنا إلى النظر في وجوه المصالح. فما وجدنا فيه مصلحة قبلناه أعمالا للمصالحالمرسلة. وما وجدنا فيه مفسدة تركناه أعمالا للمصالح أيضاً. وما لم نجد فيه هذا ولا هذا فهو كسائر المباحثات أعمالا للمصالح المرسلة أيضاً). ويقول (إن الشارع توسع في بيان العلل والحكم في تشريع باب العادات. واكثر ما علل فيها بالمناسب الذي ان عرض على العقول تلقته بالقبول، ففهمنا من ذلك ان الشارع قصد فيها اتباع المعاني لا الوقوف مع النصوص). وللشاطئ أشياء في غاية الجمال والإبداع من هذا الفهم الواسع المحيط. وهذه النظرة الشاملة النافذة إلى جوهر الدين وحقيقته الواعية لروحه الكلي الشامل، على رأس هذا الفصل فقرة هي الدستور الذي يجب ان يستوحيه كل مفكر ديني. يقول الشاطئ أيضاً: (قد تكون العوائد ثابتة وقد تتبدل ومع ذلك فهي أسباب لأحكام تترتب عليها. . . والمتبدلة منها ما يكون متبدلا في العادة من حسن إلى قبح وبالعكس. مثل كشف الرأس فانه يختلف بحسب البقاع في الواقع. فهو لذوي المروءات قبيح في البلاد الشرقية. وغير قبيح في البلاد المغربية. فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحاً في العدالة، وعند أهل المغرب غير قادح، واعلم بان ما جرى ذكره هنا من

стр. 3236

اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد، فليس في الحقيقة باختلاف في اصل الخطاب. لان الشرع موضوع على انه دائم أبدى لو فرض بقاء الدنيا من غير نهاية). ويقول سيدنا عمر بن الخطاب عن الرمل في الحج: (فيم الرملان ألان والكشف عن المناكب، وقد اظهر الله الإسلام ونفى الكفر وأهله. . .؟). وسرق جماعة لحاطب بن أبى بلتعة ناقة لرجل من مزينة. فلما أرسلوا إلى عمر بن الخطاب اقروا على سرقتها، فأمر كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم. ثم ردهم وقال: (انهم يجيعونهم حتى أن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له، ولم يقطع أيديهم). ولما جاءت المجاعة والقحط في سنة ١٨ هـ أيام خلافة عمر بن الخطاب لم يقطع أيدي السارقين. نحن نستطيع ان نسير مع كل حضارة. وان نأخذ عن حضارة الغرب ما يفيدنا وينعشنا ويلقح حياتنا باللقاح المجدد، ولا نجد في روحالإسلام ما يصدنا عن ذلك. ولكن المشكل هو في وجود الرجال الذين يفهمون روح الدين بالعقل اليقظ الواسع الحر العارف حاجات العصر وتيارات الحضارة والذهن البشري. محمود الشرقاوي عالم من الأزهر

стр. 3237

الإسماعيلية الملقبون بالحشاشين مقدمة هذا بحث موجز لطائفة الإسماعيلية التي عرفت أخيرا عند أهل التاريخ بطائفة الحشاشين، والتي تركت في تاريخ الإسلام في القرن الرابع الهجري أثرا كبيراً، وتاريخ الإسماعيلية قديم يرجع إلى عام ثمانمائة وأربعين للميلاد، بعد ان أنتشر الدين الإسلامي وساد كثيراً من الأقاليم والبلاد، فقام بانتشاره دعاة في أقاصي الجهات وأدانيها يحاولون الحط من قدر الرسول، ويخترعون الأحاديث الملفقة اختراعا يقلل من هيبة الدين الإسلامي، وينزل به من مستواه الرفيع، وكان انشط أولئك القوم وأكثرهم تحمسا (ابن ديصان) ويقال انه الجد الأعلى لعبد الله المهدي الفاطمي صاحب الدعوة بأفريقية، فقد كان يكره بني العباس ويود لخلافتهم الزوال، فبث دعاته في بلا د الفرس حوالي عام٨٤٠ م حيث تبعه خلق كثير، وألف كتابا في الزندقة سماه (الميزان) وألف ممن تبعوه عصابة سرية نسبتنفسها إلى إسماعيل بن جعفر الصادق فسميت بالإسماعيلية، ثم انتشر اتباعه بمرور الزمن في جزيرة العرب والشام وأفريقية، وظلوا نحو قرنين ونصف قرن، تسري تعاليمهم في جسم الدولة الإسلامية كسريان السم في العروق، حتى جعل منهم الحسن (ابن الصباح) أخيراً عام تسعين وألف للميلاد طغمة سياسة تقلب الممالك وتخرب العامر من الديار، وتسفك الحرام من الدم، وتعمل في مختلف البلدان سلبا ونهباً وقتلاً، وتدمن تعاطي الحشيش حتى لقبوهم بالحشاشين وسماهم الفرنجة وأطلقوا هذا الاسم على كل قاتل سفاك، وبقوا على تلك الحال حتى قضي عليهم عام ١٢٥٦م، أي سنة ٦٥٤ هـ بوفاة خليفة الحسن ابن الصباح الأخير ركن الدين بن محمد، ولا يزال للإسماعيلية إلى يومنا هذا اتباع ومريدون، ولكن شتان بين مالهم الآن وما كان لهم في تلك القرون الغابرة من قوة وسلطان، وهم متفرقون في فارس والهند، وزعيمهم آغا خان الهندي الثري المعروف. وقد كان لتلك الطائفة عدا اسم الإسماعيلية أسماء أخرى فسموا بالقرامطة نسبة إلى قرمط إحدى قرى البحرين التي تفشى فيها مذهب ابن ديصان في القرن الثالث الهجري بدعوة من رجل يقال له حمدان قرمط، يقول ابن خلدون (وكان من هؤلاء الإسماعيلية القرامطة واستقرت لهم دولة بالبحرين، وكان من أسمائهم (الباطنية) وذلك لأنهم كانوا يبطنون

стр. 3238

دعوتهم وينشرونها متكتمين في عهد المستضيئ العلوي لابنه نزار، وقيل إنما سموا بذلك أيام الحاكم بأمر الله العبيدي الذي انشأ في القاهرة في القرن الثالث الهجري مدرسة سماها دار الحكمة كان الطلاب يعلمون فيها معنى مكتوما لمتن القرآن، وسواء أكان السبب هذا أم ذاك، فالتسمية راجعة إلى تكتم القوم في دعواهم وتعاليمهم. وكان من أسمائهم أيضاً اسم الحشاشين، وقد لقبوا به اخيراً، واطلق على طائفتهم التي عاشت أيام الصليبين. وسنذكر فيما بعد اثر ذلك المخدر عندهم، وكيف استغلوا فعله في قضاء مآربهم. وسموا كذلك بالفدائية لأنهم كانوا يجعلون انفسهم، وخاصة في عهدهم الأخير، فداء لرئيسهم ينفذون أوامره ولو أدى ذلك إلى التضحية بالنفس في سبيله. والمصادر الشرقية تطلق عليهم غالبا اسم الإسماعيلية والملاحدة والنزارية. وهذه الأسماء الكثيرة هي لطائفة واحدة تعددت باختلاف الملابسات والظروف. فهم إسماعيلية نسبة إلى إسماعيل بن جعفر، وهم فدائية لأنهم يضحون بأنفسهم فداء لرئيسهم، وهم ملاحدة لأنهم عند البعض ينكرون الإله، وهم قرامطة نسبة إلى قرمط وهكذا. . غير ان اسم الحشاشين هو الذي عرفوا به آخر أمرهم. مذهب الإسماعيلية كان للسريان الفضل في نشر الفلسفة اليونانية، وخاصة مذهب الأفلاطونية الحديثة في العراق وما حوله، وقد ترجموا الكتب من اليونانية إلى السريانية فانتشرت فيما بين النهرين، وكان من اشهر رجال الدين والأدب من السريان الذين عرفهم المسلمون برديصان أو ابن ديصان، وقد توفي سنة ٢٢٢م وله مذهب ديني يجمع بين اليونانية والنصرانية ينكر فيهبعث الأجسام ويقول إن جسد المسيح لم يكن جسما حقيقيا بل هو صورة شبهت للناس أرسلها الله تعالى. وله تعاليم أخرى بقيت بعد الإسلام. ومنها استمد الرافضة بعض أقوالهم. وقد انتسب إليه بعضهم كأبي شاكر الديصاني الذي بعث دعاته في بلاد الفرس والعرب والشام وجمع حوله اتباعا وأنصارا نسبوا أنفسهم إلى إسماعيل بن جعفر الصادق فسموا بالإسماعيلية وهم غلاة الرافضة. يقول ابن خلدون (افترق الرافضة فرقتين: الاثنا عشرية والإسماعيلية، تلك بعض تعاليمهم أول أمرهم وقد انقلبوا أخيرا إلى فرقة سياسية تعمل على هدم الخلافة العباسية، ولم يعد لهم (مذهب) بالمعنى الصحيح يدعون إليه، وكانوا في العراق يطلق عليهم اسم القرامطة حتى تولى زعامتهم الحسن بن الصباح فلقبوا بعده

стр. 3239

بالحشاشين، ونحن نجمل تاريخهم قبل زعامته التي بدأت عام ٤٨٣ هـ وانتهت عام ٥١٨ هـ. بدء القرامطة: كان لبدء ظهورهم في البحرين على يد رجل يعرف بيحيى بن المهدي نزل في قطيف على رجل يدعى علي بن المعلي بن حمدان مولى الزيادين، وكان يغالي في التشيع، فاظهر له يحيى انه رسول المهدي، وكان ذلك سنة ٢٨١ هـ؛ وذكر انه خرج إلى شيعته يدعوهم إلى أمره وان ظهور المهدي قريب، فأرسل علي بن المعلي إلى شيعته من أهل القطيف فأقرأهم كتاب يحيى الذي زعم انه من المهدي فأجابوه، وكان فيمن أجابه أبو سعيد الجنابي الذي تولى الزعامة فيما بعد وخلفه فيها ابن الصباح، وظل يحيى يغيب عنهم ثم يعود إليهم، وفي كل مرة يطلب منهم المال زاعما انه يذهب به إلى المهدي. وفي عام ٢٨٩ ظهر بالشام رجل قرمطي اسمه ذكرويه بن نهرويه يدعو إلى مذهب القرامطة، ولقبه اتباعه بالشيخ، وزعم انه من أحفاد إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، واستفحل أمره فسير إليه المعتضد جندا ظفروا باتباعه واسروا رئيسهم أبا الفوارس. وهنا نذكر ما دار بين أبي الفوارس والمعتضد حين جاءوا إليه به لنتبين شدة القوم وجرأتهم على خلفاء العباسيين، يقول ابن الأثير (فأحضره (المعتضد) بين يديه وقال له اخبرني، هل تزعمون إن روح الله وأرواح الأنبياء تحل في أجسادكم فتعصمكم من الزلل وتوفقكم لصالح العمل؟ فقال له يا هذا إن حلت روح الله فينا فما يضرك، وان حلت روح إبليس فما ينفعك، فلا تسأل عما لا ينفعك وسل عما يخصك، فقال له وما تقول فيما يخصني؟ قال أقول أن رسول الله ﷺ مات وأبوكم العباس حي، فهل طلب بالخلافة أم هل بايعه أحد من الصحابة على ذلك؟ ثم مات أبو بكر فأستخلف عمر وهو يرى موضع العباس ولم يوص له، ثم مات عمر وجعلها شورى في ستة انفس ولم يوص له ولا ادخله فيهم، فماذا تستحقون الخلافة وقد اتفق الصحابة على دفع جدك عنها. فأمر به المعتضد فعذب وخلعت عظامه ثم قطعت يداه ورجلاه) فهذا الكلام وتلك اللهجة التي يخاطب بها أحد زعماء القرامطة خليفة المسلمين تدل دلالة واضحة على استبسال القوم وجرأتهم في الإفصاح عن آرائهم ومذهبهم، وقد ظل القرامطة بعد المعتضد في حروب مع

стр. 3240

المكتفي ومن بعده من الخلفاء طوال القرنين الثالث والرابع إلى قبيل منتصف القرن الخامس يهزمون ويهزمون، حتى دوخوا الدولة وشقيت بهم الناس، وعانت الدولة العباسية في سبيل قمع حركتهم جهدا كبيراً، وشغلوا بحركاتهم الهجومية جانبا عظيما من وقت الخلفاء فحشدوا لهم الجيوش يقاومون دعوتهم الجريئة وخروجهم عليه، وكثيرا ما انهزمت جيوش الخلفاء أمام جيوشهم واستماتتهم في الدفاع، وكم من غنائم ظفروا بها وأرواح أودوا بأصحابها، وكم من أسرى قتلوهم وصفدوهم بالأغلال. واظهر ما في تاريخهم في تلك السنوات العديدة أعمالهم الوحشية واتخاذهم القتل والتعذيب وسيلة إلى دعوتهم ونشر مذهبهم، وأشنع من ذلك اعتداؤهم على قاصدي بيت الله يقتلونهم ويسلبونهم أموالهم وينشرون الرعب في القلوب حتى قل زائرو الكعبة وانقطعوا عن الحج في بعض السنين، وقد سودوا صحيفتهم بالاعتداء على الحجر الأسود ونقله إلى أحد حصونهم حيث بقي فيه نحو اثنتين وعشرين سنة. هذه الفئة التي أجملنا تاريخها إلى عام ٤٣٦ وفيه أوقع صاحب ما وراء النهر بجموعهم وكتب إلى سائر البلاد بقتل من فيها منهم والذي أسرفنا في إجماله حتى لا يمل القارئ من تفصيل الحروب وكثرة المواقع، هذه الفئة هي التي ازدادت شوكتها قوة وأمرها خطرا وسدرت في أعمال القتل والنهب وأمعنت في تعاطي الحشيش واستمرت خداع الناس وفتنتهم عن دينهم، وذلك بظهور الحسن ابن الصباح وتوليه زعامتها عام ٤٨٣ هـ فجعل منها عصابة سياسية مجرمة ديدنها أن تعيث في الأرض فسادا تقتل وتنهب وتقلق الوادعين. تلك هي طائفة الحشاشين في نهاية القرن الخامس الهجري وقبل أن نشرح أعمالها نتكلم عن زعيمها هذا وكيف وصل إلى زعامة القوم فهوى بهم إلى الحضيض الأسفل من الأخلاق والسلوك. محمد قدري لطفي ليسانسيه في الأدب

стр. 3241

٢ - تولستوي اجتماعياته - ٣ - لن يحقق هذا الحلم مؤتمرات تعقد ومعاهدات تمضى أو نظم تعدل وقوانين تفرض. وان مؤتمرا يجتمع ويتلوه مؤتمرات أخرى لا تحل مشاكل العالم. وان سكنت ألم الإنسان إلى حين، والمعاهدات قصاصات ورق لا تغير شيئا ولا تدفع مضرة، ولا يخفف من البؤس الواقع حزب اشتراكي يتولى أو حزب محافظ يتحكم. فليس معنى ذلك إلا إن طبقة حلت محل أخرى. وأفراداً استبدل بهم أفراد. وليس معناه إلا أن يبقى النظام الحالي بضرائبه المرهقة وحواجزه الجمركية المشتطة وميزانيته العجيبة ينفق ثلاثة أرباعها على أعداد الجيوش وتجهيز الحروب. إن الإصلاحات التي تفكر فيها الجماعات الحديثة من تحديد ساعات العمل أو تنظيم علاقات المالك والأجير على ما فيها من الفائدة لا تجتث الشر من أساسه. فكيف الطريق إذن؟ أثورة دموية لا تبقي ولا تذر؟ تراق فيها دماء الطبقة الحاكمة ويزهق فيها أرواح الأغنياء؟ ولكن تولستوي كان آخر من يدعو إلى العنف وآخر من يفكر في مقابلة الشر بالشر. إن التعاون لا يمكن أن يقوم على سفك الأرواح. والرخاء من المستحيل أن يعتمد على أسنة الحراب. وما كانت الإنسانية التي بشر بها تولستوي ليكون الطريق إليها مغطى بالدماء حافلاً بانين المجروحين وجثث القتلى. لقد قامت الثورة الفرنسية باسم اشرف المبادئ الإنسانية وعلى أكتاف اشد الناس حماسة وإخلاصا. وحسب الناس إن نوراً جديداً قد اشرق يلوح بالسلام المنشود والهناء الدائم. ولكن الثورة الفرنسية لم تنجح كثيرا. ولم تفعل رغم الادعاءات العريضة التي بشرت بها إلا أن تحل طبقة محل طبقة أخرى وتستبدل اسما باسم وملكية بجمهورية. وفشلها راجع إلى إنها قامت على العنف وإراقة الدماء. إن الشر لا يجب أن يقابل بالشر،

стр. 3242

وإن اكبر ما يعاب على المجتمع الحالي اعتقاده إن الثورة الدموية هي الطريق للخلاص، وان الحرب شر لابد منه. وان القتال قانون طبيعي لولاه لازدحم العالم بالسكان ولما وجدوا قوتا يكفيهم. وليس اسخف من هذا الزعم زعم. فان اشد ما يعتز به الفرد هو حياته، واقدس واجب لديه هو المحافظة على هذه الحياة والعمل على إبقائها. واكبر أمنية للإنسان هو الخلود أو العيش إلى أطول العمر، فتناقض إذن إن تزعم أن قانون الحياة هو الموت أو إن من الضروري أن يقتل الأخ أخاه. لقد دعا تولستوي إلى السلام والأخاء الإنساني. وأهاب بالإنسانية القضاء على التسلح والمقاومة. وقد يبدو إن هذا أمر ثانوي لا علاقة له بإصلاح العالم. ولكن ليعتقد الأفراد جميعا أن الشر هو في الحروب. وان بؤس الإنسانية راجع إلى العنف والاستبداد، وليؤمنوا بالسلام وضرورته، وستسقط بطبيعتها جميع النظم القائمة. فلن تقوم حكومة من الحكومات إلا إذا استندت إلى إرادة الشعوب، ولن يوضع قانون إلا إذا رغب فيه الأفراد. ولن تسير دفة العمل من الأعمال إلا إذا كان قائما على التعاون والاشتراك. ولن تجد نزاعا بين دولة وأخرى إلا ويفض في بضعة أيام عن طريق التحكيم. فتولستوي يرى من العبث التفكير في كيف تكون الحكومة. أو على أي أساس تشرع القوانين. إذ الحكومة لديه ليست إلا مجموعة أفراد والقوانين ليست إلا من وضع بضعة أفراد. والدولة لا معنى لها إلا بمجموع أفرادها! ففي إصلاح افرد وحده. وفي الارتفاع بعقليته والسمو بنفسيته أساس المدنية المستقبلة. ماذايجدي أن تصلح من شان حكومة، إذا كان القائمون بها هم هم لم تتغير نفوسهم. لن يجدي هذا نفعا. ولكن يكفي أن يعتقد كل فرد بوحشية الحروب في سبيل قطعة ارض أو من اجل شهرة وطنية كاذبة. ويكفي أن يمسي هذا الاعتقاد عملا حتى يشرق الصباح عن اختفاء اله الحرب من الأرض ويمكن - إذا آمن الناس بضرر الفروق الاجتماعية بين الطبقات وما يساعد على إبقاء هذه الفروق من قانون الوراثة ونظام الملكية - أن تختفي الملكية فجأة وتحل المساواة بين البشر.

стр. 3243

ولا شك انه لو أيقن كل إنسان أن سعادته في خدمة اكبر مجموعة إنسانية يستطيع خدمتها لانهارت من أساسها ما نسميها الوطنية التي تراق من اجلها الدماء وتزهق تحت علمها ملايين الأرواح. ويجر باسمها الخراب والدمار والارتباكات المالية الاقتصادية. فلتقم الشعوب. لا بل لتقم طائفة منها تعلن أن كفاهم رياء وخداع، وانهم لن يخضعوا إلا لما توحيه إليهم ضمائرهم، ولن يعملوا إلا ما تحتم عليه مبادئهم. فلا يذهبون إلى قتال يعتقدونه شرا ولا ينفذون قانون لا يرون فيه خيرا. ولا يدفعون ضريبة لا معنى لها. ولاشك أن كل مساوئ العهد الحالي تصبح في خبر كان. إن للرأي العام قوة عظيمة تسير الحكومات والدول. فإذا ما أراد الرأي العام شيئا فهو واصل إلى ما يريد. والرأي العام ساخط متذمر من النظام الحالي وهو يريد أن يعمل شيئا، ولكن لا يعرف ما يريد ولا يدري ماذا يعمل. قد تسأل: ومن له الشجاعة ليقوم بهذه الدعوى ومن له الاستعداد لما قد تجره عليه من اضطهاد وسجن وتشريد؟ ولكن تولستوي يعجب: لماذا تنتظر الإنسانية منقذاً من السماء أو مسيحاً يهبط إلى الأرض. إن نفسية الجماعات الحاليةلا تحتاج إلا إلى بضعة أفراد بل فرد جريء يرشدها إلى طريق العمل حتى تقوم قومة رجل واحد. - ٤ - إن صلاح نفوس الأفراد وتربيتهم من اخطر ما يدعو إليه تولستوي، وهذه التربية أما أن تتناول الصغار أو الكبار. فهي للكبار بث العقيد الإنسانية فيهم وإقناعهم أن لا فائدة تعود عليهم من حرب ضروس، والإهابة بهم إلى نبذ العنف وإحلال الوئام والصفاء. وأما تربية الصغار فهي اجل واعظم شانا. ولقد سدد تولستوي إلى التربية الحديثة سهاما مسمومة. وكال لها تهما شنيعة، وليس يعنيه من أمر المدرسة علوم تحشى بها أذهان الطلبة المساكين ولكن يعنيه روح التربية. فالتربية الحديثة تساعد أحط الغرائز على الظهور والنمو، فهي تبث التنافس والغيرة والحقد في نفوس الأطفال وتشبعهم بفكرة العقاب والثواب، وتلقى في روع الطفل الأنانية وحب الفوز على أكتاف إخوانه من التلاميذ. فهو يهنأ على تقدمه عليهم، ويكافأ إذا بذهم وفاقهم.

стр. 3244

وهي فوق ذلك تربية عسكرية تهمل شخصيات الأطفال إهمالا وتزعم أنها مستطيعة أن تشكل عقليات متغايرة تشكيلا واحدا. وهي مضطرة في سبيل هذا ان تخضعهم لنظام معين وتجبرهم بالقوة على التزام حركات خاصة والجلوس في غرف ضيقة مما ينفر الطفل من المدرسة والمدرسين، ومما يكبت فيه ميوله الطبيعية ومواهبه. إن الطفل له شخصية قائمة، وليس يتاح لأي مدرس أن يفهمه على حدة فيعرف ما يلائمه وما لا يلائمه. والمدرسة الوحيدة التي يمكن ان ينال فيها الطفل تربية صحيحة هي البيت. نعم هي منزله. حيث يجد الحنو والشفقة الأبوية. وهي مسكنه حيث تراعي ميوله وحيث يفهمونه فهما حقا. وبذا يرفع تولستوي من شأن التربية المنزلية ويجعلها في المكانة الأولى. وقد جره هذا، إلى البحث عما إذا كان البيت والعائلة الحالية يصلحان مكانا لتربية الأطفال. وجوابه أن لا. فنظام الزواج الحالي نظام عتيق فاسد، والعلاقات العائلية اليوم كبقية العلاقات لا تستند إلا على الرياء والعنف. فالمال يتحكم تحكما في العلاقات الزوجية. والرجل الغني هو كل شئ في الزواج الحديث. مهشما كان أو مريضا، ضعيفا أو منحطا. فهو يرحب به لانه ذو مال، ولأنه اقدر من غيره على الأنفاق. والفتاة الحديثة لا تكاد تفهم مهمتها التي خلقت من اجلها والزوجات يرون فالالتصاق بالبيت عارا أو تأخرا. بل يحسبن في الأطفال عبئا لا يتفق والسهرة ومحال الرقص. ولا ينسجم والرقة والأناقة. ومن هنا دعا تولستوي إلى هدم نظام الزواج هدما يتناول الأساس فالأم كما يرى تولستوي يجب ان تختار لابنتها زوجا قوي الجسم ممتلئ الصحة محبا للعمل ناسية مكانته الاجتماعيةغير ناظرة إلى جيبه انتفخ بالأوراق المالية إن لم ينتفخ. والزوجة يجب ان تؤمن بأن عظمتها في المنزل، وفي إنشاء طفلها الذي قد يتحكم يوما في مصير العالم. وهي إذا كانت قد تلقت أرقى العلوم فلكي تحسن إدارة بيتها. وهي ان درست ووفقت في الدرس فلكي تجيد تربية طفلها. فالمرأة في يدها مستقبل هذا العالم. ولكن أي أمرأة؟ ليست هي هذه المرأة المستهترة، ليست هي سيدة الصالونات. ولكن ربة البيت والأم الرحيمة تنشئ أطفالها على حب السلام وحب الآخرين. وتربي فيهم كراهية الشر ومقت العنف.

стр. 3245

لقد نادى تولستوي بكل هذا في إخلاص وإيمان وبعد تفكير طويل وتدبر ليس بالقليل، وقد توافق دعوته وقد لا توافق. وقد تحسبها الحكمة بعينها أو خيالا متطرفا. ولكن لا يسعك إلا أن تعجب بالرجل أو تعجب باخلاصه، وان تجد أيضاً في دعوته الحق أو بعض الحق. ولعلك تشتاق بعد هذا إلى معرفة شئ عن حياة تولستوي أو فهم الظروف التي أحاطت به فخلقت منه رسول السلام والإنسانية على الأرض. هذا ما قد نكتب فيه مرة أخرى. شهدي عطية الشافعي بكالوريوس آداب

стр. 3246

من طرائف الشعر الربيع الباكر للأستاذ محمود الخفيف قادني الشوق إلى واد مريع … أسفرت فيه بواكير الربيع وانجلى آذار بسام الضحى … كابتسام الزهر في زهو وديع ألبس الزهر أكاليل الندى … ودعا الطير فلبى منشدا وترى الأغصان مالت طربا … وانثنى الجدول تيها وبدا ضاحك الصفحة مطلول الأديم مجتلى للعين منظور البطاح … باسم الضفة عن وشى الصباح سالت الألوان في قيعانه … وارتدت آكامه أبهى وشاح وسرت في وجوه ريح الصبا … تنشر المكنون من سر الربا تملأ الكون حديثا عطرا … كحديث النفس في زهو الصبا أو كصافي الشعر يرويه النديم يتبدى الكون موفور الرواء … رفرفٌ خُضْر ووشى ونماء وصفاء شاع في أركانه … عرف القلب به معنى الصفاء وفضاء تنعم النفس به … يذَهْل المعجب عن إعجابه يقف الشاعر في أحضانه … موقف الصوفي في محرابه غارق الأحلام في فيض النعيم فطن القلب إلى معنى الحياة … في مجاليه وإشراق ضحاه ثم في بعث كساه حسنه … أينما دُرت بعينيك تراه ومراح جال فيه طالما … علق القلب به مستسلما غرقت عيناي في لجته … فكأني فيه اروي حلما عن ربا الخلد ومرآها الوسيم هذه الزهرة في نضرتها … تحسر الألحاظ في وجنتها خلص الحسن لها فابتسمت … بسمة الحسناء في خلوتها

стр. 3247

تعشق الكون وتهوى نوره … أو لم توح إليه سِحرَهُ؟ فتجلى حسنه في حسنها … وحبته من شذاها نشرَه فلريَّا نفحه عنها نميم منظر الطير على أفنانها … يملأ السمع صدى ألحانها نسيت نفسي به أتراحها … وتمشي البرء في وجدانها وخرير الماء في ظل الشجر … كغناء العود في ليل السمر نغمات كأحاديث الهوى … أو أغاني الصيف في ضوء القمر تَدْرأ السقم عن القلب السقيم يا فراشاً رفّ في جنب الغدير … دائم الوثوب على العشب النضير هجت أشواقي إلى عهد مضى … أين منى عيشه الحلو الغرير؟ حينما كنت صبيا لاهيا … لن تراني ذات يوم وانيا عن طِلاب اللهو في ظل النخيل … أعشق الريف ضحوكا حاليا مشرق الضحوة خفاق النسيم يا ربيعا أشرقت ألوانه … وتعالت في الضحى ألحانه يا زمانا راقت الدنيا به … وسرى في جوها ريحانه ايه يا عهد الصبا المقتبل … أنت رمز الحب، روح الأمل رفل الدهر به في نعمة … وتحلى الكون بعد العَطل بنثير من حلاوه ونظيم شاعر يتلو الورى آياته … يُستنزل الإلهام من ساحاته عبقري دق في تصويره … وسمى بالشعر عن غاياته شعره يا حسنه في فيضه … في سماء الكون أو في أرضه قد وعاه القلب ألحانا على … سرحة فينانة في روضه ملكته فهي منه في الصميم هي دنيا من ربيع زاهر … وضحى ضاف ونشر عاطر ملأت قلبي وعيني بهجة … سوف يبقى وحيها في خاطري

стр. 3248

سوف يبقى حسن هاتيك الرؤى … حلما يذهب عن قلبي الأسى كلما مثلته في خاطري … نسى القلب به حر الجوى فهو من ذكراه في ظل عميم

стр. 3249

آذار أغنية الربيع (مهداة إلى سر شوقي) لشاعر الشباب السوري أنور العطار هَلمَّي انظري قٌبلَاتِ الربيع … على مِعطفِ السَّهل والرَّابيَهْ سَرَتْ في السموات أنفاسهُ … فعطَّرَت الحقلَ والسَّاقيَهْ وآذارُ يلعبُ فوقَ المروج … كما تلعب الطِّفلةُ اللاهِيَةْ يُعانقُها وهو جمُّ الحنين … فتُغريه بالمقلة الرَّانِيهْ ويلقي عليها وِشاحَ الخلود … وألوانَهُ العذبةَ السَّابيهْ ويَبعثُ فيها شُعاعَ الهوى … فتهتزُ من وَهْجِهِ صابِيَهْ تألَّقَتِ الأرضُ من وَشيْهِ … فلم تَبْقَ زاويةٌ خاليَهْ وقد زيَّنَ الغابُ أفياءه … باحلى مَطارفِهِ الكاسيَهْ خمائله من نسيج النعيم … تأرَّجُ بالنَّفحدةِ الذاكيهْ جِواءٌ من الطَّيْرِ طفَّاحَةٌ … تُنغِّمُ رائحةً الذاكيهْ كأنًّ النَّسيمَ أخو سَكْرةٍ … تَعَايَا من الخمرةِ العانِيَهْ تَعاشِيبُ ناهلةٌ بالطُّيُوبِ … مَفضَّضةُ الثَّوْبِ والحاشيَهْ كأنَّ على الأرضِ عُرْساً يُقامُ … فتمشي إليه الدُنَا حابِيَهْ تعالَتْ إلى الله أفراحُه … تَمَايَدُ حافلةً حانَيهْ وهبَّتْ مواكبُهُ الضاحكاتُ … تجدَّدُ أعيادَها الباهيهْ رياحينُها قد ملأنَ الفضاء … ولم تخْلُ من عِطْرِها ناحيهْ ففي الجِّو ذابت أغاني الطيور … بهَيْنَمةِ النَّسمْةِ السَّاليهْ وفي الحقل ثار ضجيجُ القطيع … حنيناً لِزَمّارَة الرَّاعيهْ تذوب من الحب أنغامُها … فتخفت من ناره الصَّاليهْ بَرَاها الهوى وطوت سَّره … فبان من النغمة الفاشيهْ فيالك عُرسا بهيَّ الإطار … جديد الرُّؤَى والمنى الهانيهْ هلَّمي افتحي كوة للربيع … لنشرب فرحتهُ ثانيهْ

стр. 3250

فقد ملت الروح عبء الظلام … وحنَّت إلى البسمة الضاحيهْ أكان سجوُّكِ غير الرقادِ … تغلغل في المقلة الساهيهْ وأغفل بين شعاب الجفون … تصاوير من مهجةٍ باكيهْ يبين على صفحتيها الأنين … وتخشعُ فيها الرُّؤَى جاثيهْ توهجُ من ماسها في العيوُن … روايات أحزانها الطاغيهْ هلميِ اقرأي خافيات الحظوظ وما تضمرُ العيشةُ الباغيهْ وَنُوحي على حُلُمُ مورِقٍ … تبددَ في السكرةِ الغاشيهْ سيمضي الشَّبابُ كأنْ لم يكُنْ … سوى ذكرةٍ حُلوةٍ ساجيهْ تُجددُ أحلامُهُ الغابرات … وترجعُ نشوتهُ الماضيهْ كأنَّ لهُ ملعباً سامراً … تناستهُ أيامُهُ الخاليهْ تَموجُ بأفيائه النُّعميَاَتُ … وتلمعُ فيه المنى الغاليهْ بَدَا والحياة على جانبيهِ … تتيهُ بأحلامها الغاويهْ محِفَّةُ آذارَ تلقي عليه … أزَاهيرَها الثّرَّةَ الغانيهْ تعاَلى نُوثَّق عهود الهوى … ونسرُدْ حكاياتها النائيهْ ونوقظْ لياليَها الغالياتِ … ولولا الهوى لم تكن غاليهْ أقاصيصُ ملء الرّبا والوِهادِ … تناثْرنَ من أكبُدٍ شاكيهْ ارِجْنَ وعَطَّرنَ هذا الفضاء … كما تأرَجُ الزهرةُ الناميهْ ولقِّنَ منه معاني الحياةِ … وأدركن من دائه ماهيهْ رُويدَكِ ولنْستمعْ سرَّهُ … فأن له ألسُناً حاكيهْ وإن له سِيرَاً جمةً … تناقُلها الأنفُسُ الصاغيهْ تعالى إلى الصدرِ تلقىْ به … شكايات أضلاعه الحانيهْ وأوجاعَ خافِقهِ المستهام … وإرنانَ أفيائه الواهيهْ فلا البثُّ يُهدئُ تَحنانَهُ … فيرتاحَ من شجوهِ ثانيهْ ولا الحبُّ يُوليه بعضَ المنى … فيفرحَ بالمِنحة الراضيهْ ويشدْوُ الأغاريد ضاحكةً … فتحيا بها المهجُ الداميهْ

стр. 3251

ولما اقتسمنا دموعَ العيونِ … تفردتُ بالدَّمعة القاسيهْ فلا هي تسكنُ شِعب الجفونِ … فتخفى ولا هي بالهاميهْ أطلتِ رُنُوِّكِ نحو السماء … وأطرقت راهبةً خاشيهْ فهل تبحثين عن الغائبين … ومن غاص في اللجة الطاميهْ فرابتْكِ ضفَّة هذي الحياة … وخِفْتِ من الضِّفَّة التاليهْ فنُحتِ وصحتِ النجاةَ النجاة … وأين النجاةُ من الهاويهْ هنالك لا النور ضافي الجناح … ولا الطير صادحة شاديهْ خَلَتْ من بهارج هذا الوجود … وأحلامه الحلوة الزاهيهْ سوى موجةٍ من بنات السماء … تحومُ بأرجائها عاريهْ يُشِعُّ على جانبيْها الخلودُ … وما ضَمَّ من صُوَرٍ ساميِهْ كأن عليها إطارَ النَّعيم … وغِبْطَتَهُ اللذَّةَ الشَّافِيَهْ حنانَيْكِ لا تسبْحَي في الدموع … ولا تَرْهبي الراحةَ النَّاجِيَهْ فما إنْ تَقِي من إسارِ الرَّدَى … إذا حُمَّ يومُ النوى واقِيَهْ وليسَ تَرُدُّ عليكِ الدموعُ … سوِى حزُقْةٍ مُرَّةٍ وارِيًهْ ورُبَّتَ أُمْسيَّةٍ بَرَّةِ … ترِفُّ بها الذِّكَرُ القَاصيَهْ جلسْتُ على جَنَباتِ الغدير … أُشَيِّعُ أموَاهَه الجاريهْ أُرَدِّدُ أشعاريَ النَّائياتِ … واستَقبلُ الفكَرَ الآتيهْ وتشدُو الطيورُ أغاريدَها … فألقطُ من فمِها القافيهْ وَدِدْتُ من الغَيب كُلَّ الوداد … لو أنيَّ لأشعارها راويهْ ويُوحى المَساءُ إلى خاطري … هوَاجسَ غامضةً خابيَه موَشَّحَةً بِطُيُوفِ العَفَاءِ … كأنَّ بها جِنَّةً بادِيَهْ فأُصغِي إلى همْسِهِ المستَطَاب … وأسمعُ ألحانَهُ الخافِيَهْ أعُبُّ لذَاذاتِه الطَّافحاتِ … وأكْرَعُ سَكْرَتَهُ الصَّافيهْ وأنسى مَتاعبَ هذا الوجود … وعِيشِتَه الوَحْشَةَ الجافيهْ وغيبوبة مثل كهف النُّسور … تضيع بها الأنفسُ الرائيهْ

стр. 3252

توشِّحُها مائجات الغيومِ … وأطياف أجْنُحِهَا الضافيهْ رقيتُ أعاليَها مُفْرَداً … ورُوحيَ سَبَّاقة حاديهْ وخَلَّفْتُ جسمي في الهامدات … تُطيف به الصورُ الفانيهْ وأطلتُ من فرجات الضباب … على عالم الرمّم الباليهْ تجردتُ من صفة الهالكين … وَمُتعتُ بالصفة الباقيهْ وقد غبتُ عني كأنْ لم أَكُن … سوى نفحة سمحةٍ عاليهْ وأنسيتُ أني ابنُ هذا التَّرابِ … وَضجعته الُمَّرة الطاغيهْ بكاءً على أملٍ لامعٍ … تَطايَرَ في الفنية الصَّاحيهْ وغلغل في عالم غامضٍ … أمانيه ساخرةٌ هاذيهْ هَلمي افتحي كوَّةً للضِّياءِ … لننسى بها الكوَّةَ الدَّاجيهْ فليس لنا أملٌ في الرَّبيع … وَنفحته العذبة السَّاريهْ وما العُمْرُ غيرُ ربيع الشبابِ … ربيع الهوى والرُّؤى الوافيهْ تجوسُ به الذكريات العذابُ … وَيغمُرُهُ الحبُّ والعافيهْ إذا طاحَت مسالي الوُجودِ … وغابت مفاتنه الحاليهْ وَصار إلى عالم موُحشٍ … كصحراء خاليةٍ خاويهْ أسيتُ لِعمرٍ تولى سناهُ … كايماضة الشعلةِ الوانيهْ فيا لك من عمرٍ ضائعٍ … كما تُنثرُ الباقةُ الذاويهْ هوى النجمُ من شرفات الحياة … فأمست على إثرْه هاويهْ . . . أفاتَك أني جمُّ الجروح … أعيشُ على يَدِكِ الآسيهْ فوليتِ عني وخلفتني … احنُّ إلى الساعة القاضيهْ . . . أموت وقيثارتي ما تزال … تنوح على مهجتي الصاديهْ أنور العطار

стр. 3253

في الأدب الفرنسي بيير كورني للدكتور حسن صادق حياته وعلاقاته ورواياته نتحدث في هذا المقال عن عبقرية شعت في معاصريها الحرارة والنور، عن شعلة وهاجة فيها جمالوانسجام، وفي جوهرها هدى وسلام، عن مدرسة عالية تتعلم القلوب فيها السمو والشجاعة، وتتهيأ النفوس فيها للعفة والنبل والصفاء، عن مدرسة علمت الفرنسيين نفاسة الإرادة وبطولة الواجب وجمال التضحية. وسنجعل موضوع المقالات التالية عن عظماء الكتاب الفرنسيين في القرن السابع عشر وهم: بسكال ولاروشفو ولافونتين وموليير وراسين وبوسويه وفنلون ولابروبير وسان سيمون ومدام دي سفنييه. إذا ولد ابن ملك دقت النواقيس وأطلقت المدافع إيذاناً بمولده، وفرض على الشعب أن يبتهج إن كان شقيا، أو بعث الفرح في نفسه إن كان مجدودا سعيداً. وإذا ولد عبقري، جهل الناس أمره ولم يعرف حقيقته إلا الله الذي يسم جبينه بطابع إلهي ويعين مهمته العالية بين البشر. وبعد أن تكشف العبقرية عن نفسها ويسود مجدها، يبحث الناس في ظروف مولدها وفي حوادث شبابها عن الإمارات العظيمة التي تدل على مستقبله. وكذلك ولد بيير كورني في ٦ يونيو عام ١٦٠٦ بمدينة وارن. ولم يسطع في ذلك اليوم نجم في السماء جديد أو يحدث على سطح الغبراء حادث خارق يعلن إلى الناس مجيء رجل عظيم. أحبه والداه حباً شديداً، وربياه على التقوى والفضائل، ولم يجدا فيه ما يدلهما على أن اسمه سيكون يوما في شعفة المجد الفرنسي. وما بلغ اشده ادخله أبوه مدرسة يديرها الجوزيت فتلقى فيها تربية قوية صلبة وتعليما متينا. ولم ينس قط لهذه المدرسة الأثر الجميل الذي خلقته في نفسه الغضة. ثم أراد له أهله أن يكون من رجال القانون فكان، إرضاء لهم دون ان يشعر بميل إلى ما أصاروه إليه. نال إجازة الحقوق في ١٨ يونيو عام ١٦٢٤ وترافع أمام القضاء، ولكنه لم يصيب غير الفشل الممض لانه كان خجولايشعر في حضرة الناس باكتئاب بطني يغمز عليه الحيرة

стр. 3254

والاضطراب، ويسلط على لسانه الحبسة والحصر. وفجاة حدثت مصادفة سعيدة أظهرت عبقرية هذا المدره الصغير. كان له صديق عزيز عليه يحب فتاة، وقد طلب منه هذا الصديق أن يصحبه في زيارته لها فأجاب سؤله. ولما تكررت هذه الزيارة أدرك كورني أن الفتاة أخذت ترنو إليه دون صديقه، فكف عن زيارته لها لانه بالطبع وفي كريم. هذا الحادث دفعه إلى كتابة قصة مسرحية فكاهية سماها (ميليت) مستمدا قواعد الفن من نفسه وذوقه، ثم سافر إلى باريس وفي جيبه فصول القصة الخمسة، ولم يجرؤ على تقديمها لممثلي (بيت بورجوني) المهرة النابهين، وهو المسرح الوحيد الذي كان موجودا في ذلك العهد. فقدمها في تواضع إلى ممثلين مغمورين فقراء، كانوا يحاولون تكوين فرقة وإنشاء مسرح صغير في شارع (بتي بوربون). مثلت هذه القصة في عام ١٦٢٩ ودرت على المسرح الصغير رزقاً كبيراً. ولكن الجمهور الذي اعتاد رؤية القصص التمثيلية المقتبسة أو المنقولة عن (لوب دي فيجا) الأسباني وغيره والزاخرة بالدسائس والعقد، وجد قصة (ميليت) سهلة بسيطة طبيعية، ولم ير في مؤلفها شاعراً كبيراً. ثم وضع كورني في عام ١٦٣٢ قصة فكاهية أخرى اسماها (كليتاندر) وقال عنها بعد وضعها ان كل ما هو محتمل فيها الأسلوب ليس غير. بعد هذه القصة يئس من الحصول على نجاح يرضيه في الكوميديا وشعر في الوقت نفسه بيقظة العبقرية التراجيدية في نفسه، فاستعار من (سنيكا) الحكيم الروماني موضوع قصة سماها (ميديه) أخرجها في عام ١٦٣٥، فأصابت بعض النجاح ولفتت نظر ريشيليه الوزير الفرنسي المعروف، وكان هذا الوزير يتعشق المسرح والتأليف المسرحي واليه تنسب قصص أربع غيبت كلها في تضاعيف النسيان. ويقال انه لم يكتسب هذه القصص وإنما كان يضع خططها ويشرف على كتابتها. وبهذه المناسبة نذكر أن مجد ريشيليه الأدبي هو في إنشاء مجمع العلماء (الأكاديمي فرانسيز): ففي عام ١٦٢٩ اتفق جماعة من الأدباء على أن يجتمعوا مرة في الأسبوع عند أحدهم للبحث والمناقشة في الموضوعات الأدبية. هذه النواة المكونة بادئ ذي بدء من تسعة أشخاص، كبرت سريعا إذ انضم إليها أخصاء الكردينال ريشيليه. ثم اتصل خبرها بهذا

стр. 3255

الوزير فرأى في الحال بمهارة رجل الدولة الفائدة التي تجنى من إنشاء هيئة تضم رجال الادب، يجيزها أمر ملكي وتكون تحت رعايته، فيضع بذلك يده القوية على جميع العقول الكبيرة في فرنسا كما كاد يضعها على النبلاء والعظماء. وقد تم له ما أراد وصدر الأمر الملكي في عام ١٦٣٥. اتجه نظر ريشيليه إلى كورني كما قلنا، ورآه جديراً بالعمل معه في تصنيف قصصه المسرحية، فعرض عليه رغبته في الانضمام إلى (جماعة المؤلفين) وكانت مكونة من أربعة أشخاص يكتبون باسم الوزير. قبل كورني ذلك لانه شعر بالحاجة إلى عضد قوي يعبد له الطريق، واندمج في هذه العصبة الصغيرة، ولكنه كان حريصا على الاحتفاظ بكنوز عبقريته لنفسه. وفي أحد الأيام طلب إليه الوزير أن يضع الفصل الثالث لإحدى قصصه وفقاً للخطة التي رسمها له فلم ويوافق كورني على هذه الخطة، ودهش الوزير من جراته واسترد منه شرف العمل معه، وقال عنه: (ليس فيه روح العمل برأي غيره!) أي ليس فيه روح الخضوع والذلة. نالت هذه الصدمة من نفس كورني منالاً كبيراً فعاد إلى روان ليجد بين أحضان أسرته متلمسا من ألم الفشل، واعتزم العدول عن التأليف المسرحي وهجر الشعر. ثم قابله ذات يوم مصادفة كاتب سر قديم للملكة (ماري دي مدسيس) يسمى (شالون) فنصح له بأن يدرس بإمعان شديد المسرح الأسباني، ولفت نظره إلى موضوع (السد) وكان قد عولج في أغان وطنية إسبانية وفي قصتين من نوع التراجيدي: أحدهما (لدون جوان ديامانت) والأخرى (لجيلهم دي كاسترو). قرأ كورني القصتين، وخلال غرابة التركيب وضعف الأسلوب استخلص حدثاً درامياً، ومواقف رائعة، وأفكار خلابة: استخلص من التراب تبراً نقياً، فوضع أول قصصه الخالدة وهي (السيد) المشهورة، اول درة في تاج المسرح الفرنسي في عام ١٦٣٦. وقد أثارت هذه القصة في نفس ريشيليه الغيرة والحسد، ولكن كورني تعزى بتصفيق الإعجاب الذي ناله من فرنسا كلها، وبلغ من نجاح هذه القصة أن اصبح الناس يقولون: هذا جميل كالسيد. وانتشرت هذه الجملة حتى عدت من الأمثال العامة. وقد سخر (بوالو)

стр. 3256

الشاعر والناقد الفرنسي في ذلك الوقت من حسد ريشيليهفقال: (عبثا يثور وزير على السيد، فكل باريس تنظر إلى شيمين بعيني رودريج (شيمين بطلة القصة ورودريج بطلها، وكان بينهما حب شديد رائع). ولكي يطفئ ريشيليه غلة حسده أوعز إلى مجمع العلماء ان يسفه القصة، فأعلن مكرها إن موضوع القصة تافه، وهذا مديح افلت من فم المجمع خلسة، لان كورني استطاع بعبقريته أن يجعل من الموضوع التافه قصة رائعة استدرت إعجاب الناس في عصره واستهوت نفوس الأجيال المتعاقبة. وقال اكثر خصوم كورني لؤما إن الجمال الذي يعجب به الناس في القصة لا يد لكورني فيه، وإنما هو (لدى كاسترو) الأسباني. وقد نال هذا القول من نفس كورني اكثر مما نال منها رأي مجمع العلماء الذي دحضه وسحقه نجاح القصة في طول البلاد وعرضها. فبحث في التاريخ القديم عن موضوع يخلق منه قصة هامة، فعثر في (تيت ليف) المؤرخ الروماني المشهور على تاريخ الموقعة التي حدثت بين آل هوارس وآل كورياس. واخرج من هذا الموضوع قصته العظيمة (هوارس) في عام ١٦٤٠. وفي السنة عينها اخرج قصة (سنا) أو رحمة أغسطوس التي نالت اكبر قسط من النجاح، وفي عام ١٦٤٣ اخرج (بولكيت) و (بومييوس) و (الكذوب) وكلها قصص خالدة أبلغته قمة المجد والعظمة. وعقب قصة (السيد) منح الملك لويس الرابع عشر والد كورني لقب الشرف ووثائق النبل، ثم دخل الشاعر مجمع العلماء في عام ١٦٤٧. استمر بعد هذه القصص التي ذكرها والتي بنت مجده على أسس متينة، يصف القصص التمثيلية واخرج كثيرا منها، ولكنها لم تبلغ الدرجة العلية التي بلغتها القصص السابقة وفي عام ١٦٥٢ اخرج للناس قصته (برتاريت) فلم تنجح. اشتد عليه هذا الفشل الأليم وهو الشاعر الكبير الملحوظ المنزلة فلزم الصمت سبع سنوات قضاها في روان مع زوجه (وكان قد تزوج في عام ١٦٤١) وأولاده الثلاثة. ثم شاءت المصادفة أن يزور (موليير) الشاعر وفرقته روان ويمثلون فيها بعض كوميدياته. ولما شاهد كورني التمثيل انتعش في دخيلته الحنان إلى المسرح. فعاد إليه في عام ١٦٥٩ أمام جيل جديد من النظارة بقصته (أوديب) فقوبلت مقابلة حسنة. ثم اخرج بعده عدة قصص ولكنها فشلت كلها. ويقال إن سبب الضعف الذي ظهر في قصصه الأخيرة يرجع إلى

стр. 3257

إفراطه في العمل وإجهاده القريحة والعجلة في التأليف، لانه كان في حاجة شديدة إلى المال بعد ما استنفذت تربية أولاده كل موارده المالية. ولكن الحقيقة انه كبر ومالت قوة ذهنه إلى الاضمحلال والركود. يدل على ذلك قوله: (شعري ذهب مع أسناني) نعم استطاع هذا الشعر أن يستريح بعد كثير من الآثار الخالدة التي تقص على القرون غرام رودريج وبطولة هوارس ورحمة أغسطوس واستشهاد وبوليكت. وفي الوقت الذي بدء فيه نجم كورني بالافول، كان نجم راسين يعلو ويسطع ويزدهي الناس إعجاباً وطرباً. وفي عام ١٦٧٠ عرضت هنرييت أخت زوج لويس الرابع عشر على كورني ان يضع تاريخ (برينيس) في قصة تمثيلية. وكان راسين فيالخفاء يراجع هذا الموضوع وهي تعلم ذلك. وأخرج الشاعران القصة في وقت واحد فنجحت قصة راسين نجاحا كبيرا وسقطت قصة كورني سقوطا مروعاً وفي عام ١٦٨٣ باع كورني منزله في روان إذ استبد به العسر. وكان لويس الرابع عشر قد قرر له معاشا سنويا قدره ٢٠٠٠ دينار بعد وساطة الشاعر شابلان ذي الحظوة لدى الملك. ودفع هذا المعاش بغير انتظام ثم الغي. وقد شعر (بوالو) بحالة كورني فقابل الملك ورجا منه أن يدفع المعاش للشاعر المسكين بانتظام فقبل رجاءه. ومن حسن حظه انه مات في ليلة أول أكتوبر عام ١٦٨٤ بعد أن ذاق مرارة الفاقة في شيخوخته، والشقاء هو الفدية الضرورية للعبقرية. وقد قام مجمع العلماء بنفقات دفنه، وكان مديره إذ ذاك القسيس (دي لافو) ولا تنتهي مدة عمله إلا في أواخر أكتوبر من ذلك العام. وجرت العادة ان يؤبن مدير المجمع، العضو الذي يموت. وكان راسين هو الذي سيعين مكان القسيس ولذلك حدثت بينهما مشادة إذ كان كلاهما يريد أن يحظى بهذا الشرف. وتمت الغلبة في النهاية للقسيس. ثم عين (توما كورني) عضواً في مجمع العلماء بعد موت شقيقه، فأهتبل راسين هذه الفرصة وأثنى أجمل الثناء على ذكرى منافسه العظيمة. وان خطبته في ذلك المقام لهي فخر لعبقرية الميت وكرم الحي. وسنذكر نبذة من هذه الخطبة القيمة عند الكلام عن حالة المسرح الفرنسي قبل كورني. مكانته ومواهبه ومذهبه كان حساد هذا الشاعر العظيم كثيرين. فلما مات لم يروا فيه غير الشاعر العبقري الذي

стр. 3258

خلق أروع القصص، وجاءهم بآيات في البلاغة بينات، ووضعوه في مكانة أعلى من المكانة التي كان يشغلها أيام مجده. ومن الغريب أن مدينة روان لم تقم تمثالا لأشهر أبنائها إلا في عام ١٨٣٤! وكان معاصروه من كبار الأدباء لا يستطيعون إنكار قوة ذهنه وعذوبة شعره ومتانة قصصه. ومنهم لابرويير وبوالو ومدام دي سيفنييه. وهذه كانت تصيح في كل مجلس قائلة: (ليحيى صديقنا القديم كورني! إن كتبه آثار أستاذ لا يجارى ولا يقلد! إنها الذوق السليم نفسه!). وكان هو نفسه يؤمن بعبقريته ويتحدث بها في عزة الرجولة وصراحة كريمة تفضل التواضع المصطنع الذي لا يخدع أحدا ولا يخفى ما وراءه من زهو خلق. وقد بقي وفيا لخلقه المزيج من البساطة والكرم والخجل والشجاعة والوداعة والسمو، حتى استوفى أنفاسه. ونستطيع أن نقول أن كورني قلب كبير ونفس جميلة. والدليل القوي على ذلك هو ما تركه لنا من الآثار الجليلة، وكل العواطف السامية التي يجدها القارئ في قصصه، مصدرها قلبه ونفسه ليس غير. كانت الأخلاق في عصره هابطة، والبطولة نادرة؛ فلما جاء عمل على إيصال القليل من حرارة الشعلة التي تحركه إلى خمود معاصريه، فتنبهت قلوبهم وهبت تخفق على توقيع ألحانه. يقال دائما أن الشاعر لا يصور إلا معاصريه، وان كورني استمد موضوعاته من العادات والأخلاق التي كانت تحت بصره. هذه قاعدة صحيحة بالنسبة للاخرين، ولكنها لا تنطبق على كورني لانه كان يصور الناس كما يجب وكما لا يجب ان يكونوا، أي كان يصورهم على طراز نفسه العالية. ومن يقرأ كتب هذا الشاعر يجد أن الرغبة في جعل الإرادة تتغلب على كل الصعاب والعقبات من عناصر البلاغة الخاصة بكورني، ويجد أن أبطاله سواء أكانوا يريدون قهر أنفسهم أم قهر غيرهم، يبذلون جهدهم في إقامة الدليل الذي يبرر إرادتهم وعملهم. وهم يشرحون حساسيتهم في شعر له نغمات الناي الساحرة، ويعبرون عن أرادتهم في لهجة خطابية. ولذلك يلذ لهم الحوار الطويل والمنطق السليم الذي يؤرث إرادتهم الخائرة،

стр. 3259

والبرهانات القاطعة التي تنتصر على ترددهم. وهم فوق ذلك وفي كثير من الأحايين يريدون ان تقر ضحاياهم أعمالهم وتوافق عليها. وكذلك نجد (رودريج) في قصة السيد يريد أن يجعل صاحبته (شيمين) تؤمن بأن قتل أبيها الكونت (دي جورماس) كان واجبا عليه. ونجد في قصة هوارس انه أراد أن يجعل (كورياس) يؤمن بان من واجبه قتله. وكذلك في (سنا) تحاول (راميلي) صاحبه (سنا) أن تجعل الإمبراطور (أغسطوس) يعتقد ان واجبها يأمرها بتدبير مؤامرة لاغتياله. قلنا إن كورني كان عييا في حضرة الناس، ولكنه كان خطيبا بلسان أبطاله وفي كل قصة نجد ان الحوادث هي نتائج قرارات الأبطال ومشيئتهم. ففي هوارس وسنا مثلا لا يحدث حدث إلا برغبة أبطال القصة، فالإمبراطور أغسطوس بعد أن عرف إن صديقه سنا يأتمر به ليقتله كان في مقدوره إذا أراد، أن يعاقبه بدلا من الصفح عنه، فالإرادة في مسرح كورني هي نابض الحركة الوحيد، لانه كان يعتقد إننا في الحياة سادة حظوظنا. وهذا ما يجعل لهذا المسرح قيمة خلقية فريدة، وان جعل الفعل الدرامي معلقا على مشيئة الابطال، لهو في الحقيقة تخفيض لنصيب الظروف أي تبرئتها مما نتهمها به. وليس هذا حقيقة خالصة، ولكن كورني أراد بذلك أن يرغب الناس عن التواكل والاستسلام ويربي فيهم الاعتماد على الإرادة ولكي نحكم حكما صحيحا على كورني، يجب ان نضع نصب أعيننا دائما انه المؤسس الحقيقي للتراجيدي الفرنسية. كثير غيره جاءوا بعده، متزودين بدروسه ومنهاجه، فماثلوه أو بذوه، ولكنه بقى أستاذ هذا النوع. انه هو الذي ابتكر استعطافا جديدا يقوم لا على الفزع والشفقة، ولكن على الإعجاب، الإعجاب بالمواقف، والإعجاب بالخلق، والإعجاب ببطولة الواجب وروعة التضحية. وهو الذي حدد شكل التراجيدي الفرنسية وجعلها (قضية أخلاقية توضع بواسطة العرض، ثم تحصل المناقشة فيها بواسطة انقلابات الحال ثم تحل في الختام) وعبقريته هي التي جعلت الترجيدي تحليلا نفسيا لشهوة من الشهوات تتدرج في طريقها حتى تصل إلى العنف والحدة ثم إلى النتائج الأخيرة. اثر كريني في التراجيديا والادب كانت الترجيديا قبل كورني محاورات طويلة. وكان واضعوها يصورون الوالد والولد والزوج في ظروف شخصية خاصة محدودة. ولكن كورني صورهم بطريقة عامة أي

стр. 3260

صور المثل الأعلى للوالد والولد والزوج. قال (سانت بيف) بحق (إن كورني هو الشاعر الجدير بأن يعاصر الفيلسوف (ديكارت). كان الفيلسوف يبرهن على وجوده بالفكر فيقول: (أني أفكر، إذن أنا كائن، وكان الشاعر يبرهن بالفكر على الحساسية المحركة والحياة، فكل شخص في قصصه يقول أني أفكر، إذن أنا شاعر حي). وكل ما يعاب على كورني انه لم يصور المرأة في قصصه تصويرا طبيعيا. وذلك لانه لم يحب قط، ولم يسبر غور القلب النسوي، وكل أبطاله النساء لا تمت إلى الطبيعة إلا بصلة ضعيفة لانه خلقهن من إدراكه لا من تجربته وملاحظاته. كان كل همه أن ينتج الإعجاب بالفضائل. وقد بلغ غايته بجعل الواجب يناضل الهوى ثم ينتصر عليه. أي انه بلغ غايته بتصوير البطولة احسن تصوير. وهذه الغاية أرغمته في بعض الأحايين على أن يبالغ في قوى أشخاصه ويعلو بهم فوق الضعف الإنساني ليحيلهم إلى أبطال. وقد اعجب (فولتير) في القرن الثامن عشر بكورني إعجابا شديداً، حتى انه تبنى بنت أخته وزودها بمهر ثم زوجها. ونشر كتب كورني وشرحها، وقال في المقدمة: (الشرح الوحيد لكتب كورني يجب أن يكون بكتابة هذه الكلمات في اسفل كل صحيفة: جميل. جليل. إلاهي!). وطبعي أن ينهض كورني بالمسرح الفرنسي لانه جاء في عصر زاهر مهيأ لهذا النهوض. إن المسرح من انفع وأنبل ما ابتكر العقل الإنساني لتهذيب العادات وصقل الخلق. لا يمكن أن يصل إلى كماله إلا عند ما تبلغ الجماعة نفسها قمة مدنيتها. ولهذا يتكون الفن الدرامي دائما في بطء بينما يظهر الشعر الحماسي والغنائي في طفولة الأمم بقوة اكثر مما يظهر في عصر نضجها. لان شعراء الملاحم والغناء يستطيعون أن يسلموا أنفسهم إلى جرأة عبقريتهم، وبهذه الجرأة يسبقون القرون. أما شعراء الدراما، ومهمتهم كما نعلم تهذيب الجماهير وإشعال الحماسة في نفوسهم، فأنهم مرغمون على أن يلائموا عبقريتهم مع عادات العصر الذي يعيشون فيه. ولذلك نرى أن الجماعة التي تبلغ شأوا بعيدا في المدينة، لا يشغل المسرح من أدبها إلا مكانا ثانويا. فإذا اقتربت من نضجها، اخذ المسرح مكانه في
следующие страницы →