Полный текст (65 431 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
القصص
أديب
للدكتور طه حسين
- ١ -
زعموا أن من أظهر خصائص الأديب حرصه على أن يصل بين نفسه وبين الناس، فهو لا يحس شيئا إلا أذاعه، ولا يشعر بشيء إلا أعلنه. وهو إذا انظر في كتاب أو خرج للتروض أو تحدث إلى الناس فأثار شيء من هذا في نفسه خاطرا من الخواطر، أو بعث في قلبه عاطفة من العواطف، أو حث عقله على الروية والتفكير لم يسترح ولم يطمئن حتى يقيد هذا الرأي أو تلك العاطفة أو ذلك الخاطر في دفتر من الدفاتر أو على قطعة من القرطاس. ذلك لأنه مريض بهذه العلة التي يسمونها الأدب، فهو لا يحس لنفسه وإنما يحس للناس. وهو لا يشعر لنفسه وإنما يشعر للناس، وهو لا يفكر لنفسه وإنما يفكر للناس، وهو بعبارة واضحة لا يعيش لنفسه وإنما يعيش للناس. وهو حين يأتي من الأمر هذا كله يخادع نفسه أشد الخداع ويضللها أقبح التضليل. فيزعم أنه مؤثر لا يريد أن يستمتع وحده بنعمة الإحساس والشعور والتفكير، وإنما يريد أن يشرك الناس في هذا الخير الذي تنتجه طبيعته الدقيقة الخصبة الغنية، فإذا كان متواضعا معتدل الرأي في نفسه فهو شقي تعس محزون يجب أن يعلن إلى الناس ما يجد من شقاء وتعس وحزن. لعلهم يرثون له أو يرأفون به أو يشفقون عليه، وربما لم ير في نفسه إيثارا ولم يحسس أنه شقي، وإنما آثر نفسه بالخير وأحبها قليلا أو كثيرا فهو يسجل ما يحس وما يشعر وما يفكر ليحفظه من الضياع، وليستطيع العودة إليه من حين إلى حين كلما خطر له أن يستعرض حياته الماضية. وكثيرا ما تعرض له الفرض التي تحمله على أن يستعرض حياته الماضية، والذاكرة قصيرة ضعيفة. فلم لا يسجل خواطره وعواطفه وآراءه التي يتكون منها تاريخه الفردي الخاص ليعود إليه كلما دعاه إلى ذلك جد الحياة أو هزلها، وما أكثر ما يدعو جد الحياة وهزلها إلى أن يستعرض الإنسان حياته الماضية وما اختلف عليه فيها من الأحداث.
يخدع الأديب نفسه هذه الضروب من الخداع. ويعللها بهذه الألوان من التعللات، وحقيقة الأمر أنه يكتب لأنه أديب لا يستطيع أن يعيش إلا إذا كتب، يكتب لأنه محتاج إلى الكتابة
стр. 352
كما يأكل ويشرب ويدخن لأنه محتاج إلى الطعام والشراب والتدخين. وهو حين يكتب قلما يفكر فيما يحسن أن يكتب، وما ينبغي ألا يعرفه القرطاس أو يجري به القلم، كما أنه حين يأكل ويشرب ويدخن قلما يفكر فيما يلائم صحته وطبيعته ومزاجه من ألوان الطعام والشراب وأصناف التبغ؛ إنما هي حاجة تضطره إلى الحركة فيتحرك، وتدفعه إلى العمل فيعمل. فأما عواقب هذه الحركة ونتائج هذا العمل فأشياء قد يتاح الوقت للتفكير فيها في يوم من الأيام حين تصبح أمرا مقضيا لا ينصرف عنه، ولا سبيل إلى التخلص منه.
إذا كان هذا كله صحيحاً، وأكبر الظن أنه صحيح، فيجب أن يكون صاحبي الذي أريد أن أتحدث إليك عنه أديبا، فلست أعرف من الناس الذين لقيتهم وتحدثت إليهم رجلا أضنته علة الأدب واستأثرت بقلبه ولبه ونفسه كصاحبي هذا، كان لا يحس شيئا ولا يشعر شيئاً ولا يقرأ شيئاً ولا يرى شيئاً ولا يسمع شيئاً إلا فكر في الصورة الكلامية، أو بعبارة أدق في الصورة الأدبية التي يظهر فيها ما أحس وما شعر وما قرأ وما رأى وما سمع. وكان يجد مشقة شديدة في إخفاء تفكيره هذا على الناس، فكثيرا ما كان يقول لأصحابه إذا رأى شيئا أسخطه أو أرضاه: ما أخلق هذا الشيء أن ينشئ صورة أدبية ممتعة للسخط أو الرضى، وكان يقضي نهاره في السعي والعمل والحديث حتى إذا انقضى النهار وتقدم الليل وفرغ من أهله ومن الناس وخلا إلى نفسه أسرع إلى قلمه وقرطاسه وأخذ يكتب ويكتب ويكتب حتى يبلغ منه الإعياء. وتضطرب يده على القرطاس بما لا يعلم ولا يفهم، وتختلط الحروف أما عينيه الزائغتين، ويأخذه دوار، فإذا القلم قد سقط من يده، وإذا هو مضطر إلى أن يأوي إلى مضجعه ليستريح، ولم يكن نومه بأهدأ من يقظته، فقد كان يكتب نائماً كما كان يكتب يقظاً، وما كانت أحلامه في الليل إلا فصولا ومقالات، وخطبا ومحاضرات، ينمق هذه ويدبج تلك كما كان يفعل حين كانت تجتمع له قواه العاملة كلها، وكثيرا ما كان يحدث أصدقاءه بأطراف غريبة قيمة من هذه الفصول والمقالات التي كانت تمليها عليه أحلامه فيجدون فيها لذة ومتاعا، وكثيرا ما كان يقرأ عليهم فصولا من النثر ومقطوعات من الشعر أملتها عليه يقظته وسجلتها يده حين كان يخلو إلى نفسه بعد أن يكون قد ملأ عينيه وأذنيه وحسه وشعوره وقلبه وعقله بما يحيط به من الأشياء، وبما يمسه من الناس ومن الحياة، وكان أصدقاؤه إذا سمعوا منه هواجس الأحلام أو خواطر اليقظة ألحوا عليه أن
стр. 353
يذيع ذلك وينشره، فيبتسم ثم يهزأ ثم يمتنع عليهم ويلح في الامتناع، لأنه كان يؤمن بأن ما يكتبه لم يصل بعد إلى أن يكون خليقا بأن يقدم إلى المطبعة، فهو كان يخاف المطبعة ويكبرها ويحيطها بشيء من التقديس غريب، وكان يتحدث بأن ما يقدم إلى المطبعة من الآثار المكتوبة أشبه شيء بما كان يقدمه الوثنيون القدماء إلى آلهتهم من الضحية والقربان، وبما يتقدم به الآن المؤمنون المترفون إلى إلههم من الصلاة والدعاء. فمن الحق أن تصطفى الضحية وأن يتخير القربان، وأن تكون الصلاة قطعة من النفس، وأن يكون الدعاء صورة للقلب، والعقل جميعا، وكان صاحبنا يرى أن ليس فيما كتب ضحية تصطفى، ولا قربان يختار، وانه لم يوفق بعد إلى أن يودع القرطاس قطعة من نفسه، أو يسطر عليه صورة قلبه وعقله، فما زالت الآماد بينه وبين المطبعة بعيدة، وما زالت الأستار والسجف دونه مسدلة، فليكتب إذا لنفسه لا للمطبعة، فإذا ضاق بنفسه وبما تملي فليظهر أصدقاءه على شيء منه ليرضي هذه الحاجة القوية التي نحسها جميعا إلى أن نشرك الناس فيما نجد من حس أو شعور، والحق أن صاحبي لم يكن يقدم على هذا الا كارهاً مضطرا حين لا يجد بداً من الاقدام، أو حين يسأله أصدقاؤه عما أحدث بعدهم، وكان حياؤه يمنعه من إظهار عقله وقلبه، كما يمنعه من عرض جسمه عاريا على الناس، ولكن أصدقاءه لم يكونوا في حاجة إلى أن يروا شخصه عاريا، وكانت حاجتهم شديدة إلى أن يروا نفسه كما هي، لأنها كانت جميلة خلابة تروعهم حينا وتثير في نفوسهم الحب والمودة دائما.
كان قبيح الشكل نابي الصورة تقتحمه العين ولا تكاد تثبت فيه، وكان إلى القصر أقرب إلى الطول، وكان على قصره عريضاً ضخم الأطراف مرتكبها، كأنما سوى على عجل فزادت بعض أطرافه حيث كان يجب أن تنقص، ونقصت حيث كان يحسن أن تزيد، وكان وجهه جهما غليظاً يخيل إلى من رآه أن في خديه ورما فاحشا، وكان له على ذلك أنف دقيق مسرف في الدقة، منبطح غال في الانبطاح، قد اتصل بجبهة دقيقة ضيقة لا يكاد يبين عنها شعره الغزير الجعد القاصم، لم تكن قد تقدمت به السن بل لم يكن جاوز الثلاثين، ولكن علامات الكبر كانت بادية على وجهه وقده لا يخدع عنها أحد، كان على قصره مقوس الظهر إذا قام، منحنياً إذا جلس، ولعل إدمانه على الكتابة والقراءة وإسرافه في الانحناء
стр. 354
على الكتابة أو القرطاس هما اللذان شوها قده هذا التشويه، وقلما كان وجهه يستقيم أمامه، إنما كان منحرف العنق دائما إلى اليمين أو إلى الشمال؛ وقلما كانت عيناه الصغيرتان تستقران بين جفونه الضيقة، إنما كانتا مضطربتين دائما لا تكادان تستقران على شيء حتى تدعاه مصعدتين في السماء، أو تنحرفا عنه إلى ما يليه من إحدى نواحيه. ولم يكن صوته عذبا ولا مقبولًا، وإنما كان غليظاً فجاً، ولكنه مع ذلك لم يكن يخلو من نبرات حلوة تجري عليه إذا قرأ شيئا فيه تأثر وانفعال، وكان له ضحك غليظ مخيف يسمع من بعيد، بل كان كل ما يصدر عن صوته غليظاً مخيفاً، يسمع من بعيد، ولم يكن للنجوى معه سبيل، وكثيرا ما ضايقه ذلك حين كان في باريس، وكثيرا ما حمل ذلك الناس عامة وأصدقاءه خاصة على أن يضيقوا به ويجتنبوه إذا لقوه في قهوة أو ناد أو ملعب من ملاعب التمثيل. وهو على رغم هذا كله كان أحب الناس ألي وأكرمهم علي وآثرهم عندي وأحسنهم مسلكا إلى نفسي ومنزلا من قلبي، كان يزورني فانصرف إليه عن كل شيء، وأقضي معه الساعات، فإذا تركني خيل ألي أني لم أقض معه الا اللحظات القصار. وكنت إذا أعياني الدرس واحتجت إلى الرياضة أو الراحة، آثرت زيارته والتحدث إليه والاستماع له على كل ما كانت تقدم إلى القاهرة أو باريس من أنواع الرياضة والراحة.
- ٢ -
فقد عرفته في القاهرة قبل أن يذهب إلى باريس ثم أدركته إلى باريس بعد أن سبقني إليها، عرفته مصادفة وكرهته كرها شديدا حين لقيته لأول مرة؛ كنا في الجامعة المصرية القديمة في الأسبوع الأول لافتتاحها وكنت أختلف إلى ما كان يلقى فيها من المحاضرات حريصاً عليها مشغوفاً بها معتزماً أن لا أضيع حرفاً مما يقول المحاضرون. وكان مجلسي لهذا دائماً قريبا من الأستاذ، فأني لمصغ ذات ليلة إلى الأستاذ وإذا بصوت من ورائي ينطلق بالحديث هادئا ولكنه، على هدوئه يغمر أذني جميعا، ويكاد يخفي علي صوت الأستاذ، فأجد في التخلص منه فلا أفلح، وأضيق بهذا الصوت ويضيق به صاحباي اللذان يكتنفانني، فنلتفت إلى صاحب الصوت نطلب إليه الصمت فلا يسكت الا ريثما يستأنف الحديث، ونراجعه مرة أخرى فلا يحفل بنا، فنشكوه إلى الأستاذ فيضطره الأستاذ إلى الصمت، حتى إذا انتهت المحاضرة وخرجنا من غرفة الدرس رأيناه قد وقف لنا ينتظرنا، فيعرض لنا في غلظة،
стр. 355
فإذا زعمنا له أن من حقنا أن نسمع الأستاذ، وأن ليس له أن يصرفنا عنه قهقه قهقهة مخيفة، وقال في صوت ما نشك أن الأستاذ قد سمعه: (وماذا تريدون أن تسمعوا؟ ولكنكم معذورون، جئتم من الأزهر فكل شيء عندكم قيم، وكل شيء عندكم جديد).
واجتهدنا بعد ذلك في أن نجتنب مكانه من غرفة المحاضرات، وأن نختار لأنفسنا مجلساً بعيداً منه أقصى غاية البعد. تركناه ولكنه لم يتركنا، وكأنما عمائمنا كانت تغريه بنا وتحرضه علينا، فلم نكن نخرج من محاضرة حتى يعرض لنا ويأخذ بجبتي أو قفطاني وهو يسألني (أأعجبتك المحاضرة؟) فان قلت (نعم) قال: وماذا أعجبك منها؟ وهل فهمتها على وجهها؟ وكان يقول لي: هون عليك من هذا الحرص على المحاضرات، ولا تتهالك عليها هذا التهالك، فهي أقل غناء مما تظن وخير لك أن تقرأ من أن تسمع، فلما ألح علي في ذلك سألته وإذا كنت ترى هذا الرأي فما اختلافك إلى الجامعة؟ وما استماعك للمحاضرات وما تهويشك علينا بصوتك العالي وحديثك الذي لا ينقطع؟ فضحك وقال: الجامعة شيء جديد أحب أن أراه، وقد سئمت القهوة، ولو لم يكن في الجامعة الا أنت وأصحابك هؤلاء الذين تتفتح عقولهم للعلم الحديث فيتلقون ما يسمعون في كلف ونهم مصدرهما الجهل العميق، لكان هذا كافيا لأن اختلف إلى الجامعة واستمع للمحاضرات. ثم سألني ذات يوم: أين تقيم؟ أجبته: أقيم في حي كذا. قال: ومع من تقيم؟ قلت: مع جماعة من الأهل والأصدقاء كلهم يطلب العلم في الأزهر أو في المدارس المدنية، قال: إن منزلك بعيد وليست بيئتك بالتي تحب، فأنا لا أحب مجالس الطلبة، وأنا مع ذلك حريص على أن أجلس معك وأتحدث إليك فأطيل الحديث، بل أنا حريص على أن أقرأ معك بعض الكتب، فلابد إذا من أن نلتقي، ومن أن نلتقي في نظام واطراد فليكن ذلك عندي، ولك علي أن أردك إلى أهلك وأصدقائك قبل أن يتقدم الليل، ودون أن تجد في ذلك مشقة أو تحتمل فيه عناء. وكان يقول هذا بصوته الغليظ العريض في لهجة الحازم الواثق بأن أمره سيطاع، وقد هممت أن أرد عليه معتذراً، وما كان أكثر المعاذير! فلم أكن أستطيع أن أسهر ولا أتعرف إلى أحد دون إذن من أخي، وكان علي أن أغدو مع الفجر إلى درس الأصول، ولم يكن بد من أن أستعد لهذا الدرس وغيره من دروس الأزهر، وأن أعوض هذا الوقت الذي أضيعه كل مساء في الجامعة على كره من أخي في القاهرة وأسرتي في الريف. هممت أن
стр. 356
أعتذر ولكنه لم يمهلني ولم يتح لي أن أقول حرفا، وإنما استوقف عربة ودفعني فيها دفعا وأمر خادمي الأسود الصغير أن يجلس إلى جانب السائق، وجلس هو إلى جانبي وقال للسائق بصوته الغليظ العريض: إلى القلعة، وكنت أسكن في أقصى الجمالية، فلما أخذت أقدر بعد الأمد بين داره وداري، وهممت أن أتكلم وضع يده على كتفي وقال: ألم أقل لك أني سأردك إلى حيث تقيم؟!
- ٣ -
وقطعت بنا العربة أحياء مختلفة، ومضت بنا في أجواء متباينة وكنت أحس اختلاف الأحياء وتباين الأجواء فيما يصل إلي من أصوات الناس وحركاتهم، ومن اضطراب الأشياء من حولنا كما كنت أحس ذلك في سير العربة نفسها وفي لهجة السائق وهو يدفع الناس أمامه ويطلب أن يتنحوا له عن الطريق، أو أن يجنبوا أنفسهم خيله وعربته.
كان الحي رشيقاً أنيقاً، وكان الجو سمحاً طلقاً، وكانت الحركات والأصوات من حولي لا تخلو من شدة وعنف، ولكن فيها ظرفا وتأنقا، حتى إذا بلغنا شارع محمد علي ضاقت الطريق واشتد أمامنا الزحام وكثر من حولنا الصياح، وأخذت أصوات الأطفال ونساء الشعب تختلط بأصوات الرجال من العمال وسائقي عربات النقل، وانتشرت في الجو روائح ثقيلة تمتاز منها روائح البصل والثوم وقد أخذت تعمل فيهما النار، وارتفع صوت السائق واتصل، وكثر نذيره، وتحذيره وكثر من حوله لوم الناس له وتأنيبهم إياه، وتردد في الهواء هذا الصوت المعروف الذي يحدثه السائقون بأسواطهم حين يأتون بها هذه الحركة التي يرعون بها الخيل وينبهون بها المارة، ثم نتفسح الطريق وتتسع، ويصفو الجو، ويخف الهواء، وتهدأ الحركة، ويتنفس السائق مطمئنا، وتمشي الخيل رفيقة، ولكن ذلك لا يطول إلا ريثما تنعطف العربة ذات اليمين، وإذا نحن في حارة ضيقة هادئة قد ثقل فيها الهواء وفسد فيها الجو وكثرت في أرضها الأخاديد فالعربة تقفز بنا قفزا والسائق يهز سوطه في الهواء ويحذر وينذر في هدوء ورضى، ويدعو ذلك بعض النوافذ إلى أن تفتح، ويثير ذلك بعض الصبيان فيخرجون من بيوتهم أو من أوكارهم يبيتون بالسائق، ومنهم من يتعلق بالعربة ثم ينصرف عنها، ونحن نضحك من هذا كله ونضحك من السائق خاصة وهو ينظر أمامه ويلتفت وراءه ويضرب الهواء بسوطه ويطلق لسانه بألفاظ ترق حتى
стр. 357
تبلغ المداعبة الحلوة، وتغلظ حتى تصل إلى الشتم القبيح، وكل ذلك يصل إلى نفسي فيحدث فيها آثارا مختلفة، ولكنها على اختلافها تتفق في شيء واحد هو الطرافة لأني لم أكن تعودت ركوب العربات، ثم يقف السائق فجأة وننزل من العربة، وإذا صاحبي يقول لي لم نبلغ البيت بعد، ولكننا انتهينا إلى حيث لا تستطيع العربة أن تمضي، فهل تعودت التصعيد والرقي في الجبل، فأنا لا أحب أن أسكن في السهل المنبطح فأكون كغيري من الناس، وإنما أحب أن أشرف على القاهرة وأن أخيل إلى نفسي أني لست منغمسا فيها وأني أدخلها إذا غدوت إلى عملي مع الصبح وأخرج منها إذا رحت إلى بيتي مع الليل، ولست أخفي عليك أني أجد لذة قوية حين أدخل المدينة مع النهار هابطاً إليها من هذه الربوة كأني أغزوها وأسقط عليها سقوط النسر على فريسته، وأجد لذة أخرى ليست أقل من تلك اللذة قوة حين أمضي النهار كله في المدينة مضطرباً مع الناس فيما يضطربون فيه من عمل، خائضا مع الناس فيما يخوضون فيه من حديث، مشاركا للناس فيما يأتون من خير وشر، نافعاً ضاراً منتفعاً محتملاً للضرر، حتى إذا كان المساء ضقت بهم وضاقوا بي وأويت إلى جامعتكم هذه الجديدة أريح نفسي بما اسمع من كلام فيه الممتع وفيه السخيف، ولكنه على كل حال ليس بذي غناء، حتى إذا أخذت بحظي من هذه الراحة الأولى رحت إلى بيتي فلا تسل عن هذا الشعور العذب الذي ينبسط على قلبي شيئا فشيئا، كلما دنوت من هذا المكان أحس كأني أنسل من المدينة وأتخفف من أثقالها وألقي آثامها من ورائي وأطهر جسمي ونفسي من أوضارها وأدرانها حتى إذا رقيت هذه الربوة وبلغت قمتها هذه (وكنت قد أحسست الجهد من الصعيد في طريق عالية ملتوية) وقفت وقفة من كان في مكروه فخلص منه، وأرسلت زفرة يخيل ألي أنها تحمل بقية ما علق بنفسي من شر المدينة، ثم تنفست ملء رئتي مرة ومرة ثم أقبلت هادئا مطمئنا قصير الخطى إلى هذا الباب. وهنا وقف ودق الباب دقتين ففتح لنا ثم أغلق من دوننا.
стр. 358
رحلة إلى دير طور سينا
للأستاذ الدمرداش محمد. مدير إدارة الامتحانات والسجلات وزارة
المعارف.
٢
ها قد وصلنا بعد ثلاثة أيام وبعض اليوم على ظهر مطية القرن العشرين ونحن على أحسن حال، فترجلنا أمام الباب وأرسلنا إذن الدخول إلى المطران مع أحد خدمة الدير، وبعد برهة خرج إلينا أحد القساوسة فرحب بنا ثم قادنا إلى دهليز ضيق كمداخل الطوابي انتهى إلى طريق صاعد، ثم إلى طرقة تطل على كنيسة، ثم ارتقينا سلما انتهى إلى باحة مكشوفة فيها حجرة استقبلنا فيها واقفا رئيس الدير، وبعد أن صافحنا جلس وجلسنا على مقاعد وثيرة، بعد تبادل عبارات التحية والترحيب دخل الخادم يحمل بين يديه صينية من الفضة عليها كؤؤس صغيرة بها شراب الزبيب، فطاف بها علينا، ثم خرج وعاد يحمل صينية أخرى عليها أقداح كبيرة فيها قهوة لم أذق ألذ منها، ثم وفد إلى الحجرة قساوسة الدير بملابسهم الكهنوتية السوداء، وقبعاتهم العالية، وكان عددهم ثمانية، فحيونا ببشاشة ولطف، وجلسوا على المقاعد القريبة من الرئيس، وبعد حديث قصير وأسئلة شتى وقف الرئيس وانصرف إلى مكتبه، وقادنا القسوس إلى الأماكن المعدة لنزولنا، وهي صف طويل من الحجرات أمامها ممشى مسقوف ويتوسطها دورة مياه ومطبخ وحجرة للمائدة. والحجر كثيرة الأثاث والرياش، ففيها الأسرة والمقاعد والدواليب والصور وأرضيتها مغطاة بالسجاجيد والأبسطة، وحجرة المائدة كاملة المعدات، وبالجملة قد توافر في مكان الضيافة جميع وسائل الراحة مع النظافة وحسن الترتيب.
ونوافذ الحجرة تطل من علو شاهق على مدخل الدير وحديقته، وتشرف على الجبال والوديان والمسالك لمسافة بعيدة.
وبعد أن استرحنا وتناولنا الغداء تفرقنا في نواحي الدير للفرجة وخرجت أنا وأربعة من الرفاق نصعد إلى قمة جبل المناجاة أو جبل موسى ﵇.
وتبدأ الطريق المؤدية إلى القمة من قاعدة الدير في الجهة الجنوبية صاعدة رأسية تقريبا على درج من حجر مرصوص يشبه الدرج العادي، وقد مكثنا نصعد هذه السلالم نحو
стр. 359
ساعتين ونحن نلهث لهثا شديدا من فرط ما أصابنا من الإعياء، وقبل بلوغنا القمة اجتزنا فجوة في الجبل دخلنا منها إلى رحبة فيها كنيسة وحديقة صغيرة ينمو فيها شجر السرو، تسقى من نبع يفيض ماؤه العذب على جوانب الصخر.
استرحنا قليلا ثم استأنفنا الصعود، وبعد نصف الساعة تقريبا وقفنا على قمة جبل موسى، وهي على ارتفاع ٢٢٠٠ متر من سطح البحر (نحو ٨٠٠٠ قدم) وكان الهواء باردا والسماء صافية والشمس تؤذن بالمغيب. فأجلنا النظر فيما حولنا، فكان منظرا ساحرا بديعا لم تر العين أجمل منه، فضوء الشمس ينعكس على القمم بلون أحمر كلون الشفق، وعلى جوانب الجبال بلون أزرق قاتم كالدخان وبلون أحمر مشرب بالزرقة على الربى والتلاع، وفي الجنوب البعيد ماء البحر الأحمر يتلألأ تحت أشعة الشمس، ومن تحتنا تتقابل الوديان وتتقاطع متجهة كل صوب كأسارير الوجه العجوز فلما عدت إلى نفسي وجدتني مسند الظهر إلى حائط مسجد صغير، وعلى بعد خطوات منه كنيسة صغيرة كذلك، فلم أتمالك ان دخلت المسجد أنا وصديقي الأستاذ فريد أبو حديد (ألبسه الله ثوب العافية) وركعنا لله ساجدين بقلوب خاشعة ونفوس طافحة بالذكريات التاريخية والدينية، وعند خروجنا من المسجد لمحنا جماعة من البدو رجالا ونساء وأطفالا وقد جلسوا في وهدة تحت جدار المسجد من جهته المقابلة، حول نار أوقدوها للتدفئة فلما رأونا هبوا إلينا مهللين مكبرين، فصافحناهم وتبادلنا وإياهم التحيات والتمنيات، ثم سألناهم عن سبب وجودهم، هنا في هذا البرد القارص، فقالوا قد جرت العادة من قديم الزمان أن نجتمع هنا يوم وقفة عيد الأضحى المبارك، ثم نقضي الليلة، وفي الصباح نصلي صلاة العيد في هذا المسجد العتيق وننحر وبعد تبادل التهنئات والدعوات الصالحات نتفرق عائدين إلى ودياننا.
ملأنا العين بهذه المناظر الفريدة ثم عدنا أدراجنا إلى الدير وقد غابت الشمس وظهر القمر، فكان الهبوط أسهل من الصعود وأكثر خطرا بسبب الظلام.
في صباح اليوم الخامس جلنا في الدير ومشتملاته وملحقاته. فالدير نفسه من حيث هندسته وأسواره وطرقاته ومخابئه وأقبيته وسلالمه الحلزونية الكثيرة وأبراجه وعيون المدافع ومواضعها أكثر شبها بالحصن منه بالدير، والحقيقة أنه بني ليكون معقلا للرهبان يقيهم غزوات البدو، والمشهور أنه بدئ في تشييده سنة ٥٢٧ ميلادية أثناء حكم الإمبراطور
стр. 360
البيزنطي يوستينيانوس.
يبلغ طول الدير نحو ٣٠٠ متر وعرضه نحو ٢٠٠ متر وارتفاعه في المتوسط نحو ١٥ مترا وهو مبنى بحجر الجرانيت المنحوت، ويوجد في فنائه كنيسة كبيرة ينزل إليها بسلالم، وهي عامرة بالتحف الثمينة من شمعدانات وثريات ومصورات وما إلى ذلك من الأشياء الكنسية ذات القيمة الغالية، والكنيسة أفخر مباني الدير وأجملها من حيث المباني والزخرف، ولها برج عال معلقة فيه الأجراس النحاسية الكبيرة، وتقام فيها الشعائر الدينية في أوقاتها.
وفي الجهة الشرقية من الدير صوامع الرهبان، وهم لا يخرجون منها الا نادرا، وقد تقابلت مصادقة بواحد منهم أثناء تجوالي في الدير فرأيته شيخا ضعيفا لا يقوى على السير الا بصعوبة، وبمجرد أن وقع نظره علي أسرع إلى أقرب صومعة واختفى فيها بحالة عصبية دهشت لها، وعدد رهبان الدير الآن لا يزيد على العشرين مع أن عددهم قبل الحرب كان كبيراً، وهم من شعوب مختلفة، معظمهم من روسيا والأمم السلافية الأخرى، وليس لهؤلاء الرهبان من عمل في الدير إلا النسك والعبادة، أما شئونه الأخرى من إدارة وإقامة شعائر وحراسة فهي من وظائف القساوسة. وبالقرب من الكنيسة وفي مستو أعلى منها جامع أثرى صغير مفروشة أرضه بالبسط، وفيه منبر صغير ويلتصق بالجامع مئذنة مرتفعة. وهو يفتح للصلاة في أوقاتها الخمسة.
وفي أقباء الدير شاهدت طاحونة يديرها بغل، وبجوارها مخبز يصنع فيه الخبز اللازم لرجال الدير وللتوزيع على البدو على حسب العادة التي جرى عليها الرهبان من زمن بعيد.
وفي الجهة الشمالية حجر القساوسة ومكتبة الدير وكانت مغلقة. وأمام الدير حديقة واسعة منسقة تنسيقا حسنا، وبها كثير من أشجار السرو والتين والزيتون والموالح والكروم، ومزروع فيها شتى البقول والخضر والزهور الجميلة، وفي ناحية منها كنيسة الجماجم، وهو بناء حديث جمعت فيه جماجم وعظام الرهبان والقساوسة الذين توفوا بالدير من عصور بعيدة. وقد رصت فيها صفوفا بعضها فوق بعض ووضع في صناديق خاصة تكريما لأصحابها، أما لمكانتهم الكهنوتية أو لقيامهم أثناء حياتهم بعمل مجيد للدير.
стр. 361
ويسقى الدير والحديقة من عيون عذبة على شكل آبار قليلة الغور. وبعد ظهر هذا اليوم تفرقنا نجوس خلال الوديان القريبة، ومن أجمل المشاهد منظر الصوامع المنتشرة بين الربى على الجبال المحيطة بالدير، وترى بجانب كل صومعة شجرة سرو طويلة أو نخلة تسقى من نبع أو ثؤلول يسيل ماؤه على الصخر فيفيض في المنخفضات والثقوب، وفي الوصول إلى هذه الصوامع صعوبة لوعورة الطريق أو انزلاقها أو انحدارها الشديد، وللقساوسة حكايات ونوادر ظريفة طريفة يروونها عن تاريخ كل هذه الصوامع أو المشاهد لا يقع المجال هنا لسردها.
وفي صباح اليوم السادس قفلنا راجعين إلى القاهرة فوصلناها سالمين مغتبطين في مساء السابع.
стр. 362
الكتب
في الصيف لطه حسين
(في الصيف) بعد (الأيام) دليل بعد دليل على ملكة أخرى كانت مجهولة في هذا الذهن العجيب! فقد كان عهد الناس بصديقنا طه عالما غزير البحر، وباحثا جريء الرأي، وناقدا نافذ البصيرة، وجدليا دامغ الحجة؛ أما الكاتب الذي يستشف بالإلهام حجب الغيب، وينمق بالخيال صور الحقيقة، ويحيي بالعاطفة خمود الفكرة، فظل مغموراً بين الأديب الذي يبحث في ضوء العقل، والأستاذ الذي يدرس في حدود العلم، فلم يكد يظهر الا في صفحات من ذكرى أبي العلاء نسي فيها المعري وذكر نفسه، وفي مقالات نشرت في السفور صور فيها عواطفه وحسه، حتى نشرت (الأيام) فعجب الناس أن يكون وراء هذا العقل المتمرد هذا القلب الشاعر، واقبلوا في دهشة يتعرفون إلى طه التلميذ والأخ والزوج والوالد، ويتحدثون إليه في منازله ومباذله وبين أهله، فيجدون من اللذة في أحاديثه، أمثال ما وجدوا من الفائدة في بحوثه، ثم جاء كتاب اليوم قاطعا في الدلالة على بلوغ هذه الشخصية الأدبية الغاية في كل ناحية من نواحي الأدب، حتى الناحية التي لا يغنى فيها الخيال عن الواقع، ولا السماع عن النظر!
قرأ (في الصيف) أديب كبير فطلب إلى طه في شيء من الدعابة أن يترك العلم إلى القصص، وتقرأ أنت (في الأدب الجاهلي) فتقول هذا اختصاصه وتلك مادته، ولعلك إذا سمعته يحاضر أو قرأته يناظر تقول هذا عمله وهذه غايته. وأبلغ آيات العبقرية أن تكون في كل مادة أصيلة، وفي كل موضوع سامية، وفي كل غاية مبرزة.
طه قصصي من طراز خاص، أو هو لم يشأ إلى اليوم أن يكون على غير هذا الطراز. فالأيام وفي الصيف طوائف شتى من الذكريات والتأملات والملاحظات أنثالت في وقت الفراغ على ذهن شديد النفاذ، وفكر دقيق الملاحظة، وشعور صادق الحس، ثم ألف بينها خيال كروح المنطق فيه لذة وفيه عقل، وأبان عنها أسلوب كأسلوب الحديث فيه طلاوة وفيه فضل، ثم تقرأ قليلا وإذا بك متصل بالكتاب، مغمور بشعوره، مسحور بحديثه، مشغول بتفكيره، يخرج بك من موضوع إلى موضوع، وينقلك من موضوع إلى موضوع، دون أن يدع لك السبيل إلى استرجاع الذكريات التي هاجها بذكرياتها، واستقبال الخواطر
стр. 363
التي جددها بخواطره، فأنت منه كما تكون من البحر الداوي لا تدري بماذا استولى على مشاعرك؟ أبحلاله أم بجماله أم بسعته أم بروعته أم بكل أولئك جميعا؟ ثم تفرغ من القراءة وتعود إلى نفسك فتقول: ربما ولدت هذا المولد؛ ونشأت هذا المنشأ، ودرت هذه الدراسة، وسحت هذه السياحة، ورأيت هذه الصور، وعرضت لي مثل هذه الخواطر، ونعمت بمثل هذه الأسرة، ولكن أولئك كله جف في خيالي كما يجف نمير الماء في العود الذابل، ومات في خاطري كما يموت رنين الصوت في الصخر الأصم! ولكنها في الأيام أحيا ما تكون في ذهن، وفي كتاب (في الصيف) أزهى ما تكون في خيال!! ذلك إذن هو الفن الذي يخص الله به إنسانا دون انسان، وذلك إذن هو ما ينقص الناس فيجدونه في الفنان!!
(في الصيف) لا يروعك منه الحادث، ولا تدهشك المفأجاة، ولا تشوقك العقيدة، ولا تفتنك الصنعة، فانه كما قلت لك مجموعة من الذكريات والتأملات يتشقق بعضها كما تتشقق الأحاديث، وإنما يأخذ بلبك منه الصدق في تصوير الفكرة، والحذق في نقل الشعور، والنفس التي تشتد في المجتمع حتى تشتط، وترق في الأسرة حتى تضعف، والروح التي تحلق فوق الأحداث متمردة، وتخفض الجناح لأهواء الطفلين الحبيبين حانية، والألمعية التي تصور بالظن فلا تخطيء اليقين، وتسمو على جناح الخيال فلا تفوت الحقيقة، والأسلوب الذي يحار في تعريفه البيان المكتوب، وأقل ما يصفه به الكاتب العجلان أنه تفضيل في غير إملال، وبساطة في غير ابتذال، وتدفق في غير كدورة، وجدة في غير عجمة، وإهمال نادر يجره وتجرفه الحركة، ومذهب جديد كثر في ناشئة الكتاب من يحاول الجري عليه.
إن في هذا الكتاب صفحة ضاقت بما يضيق به القلب الصديق! نشرتها ظروف وستطويها ظروف، وسيطيل النظر فيها من يعني بفهم هذه النفس الكبيرة على حقيقتها، ودرس ما تتأثر به من العوامل في بيئتها، وان في هذا الكتاب صفحات على نحو ما في (الأيام) من ذكريات الأزهر، وأحاديث إخوان الصفا من طلابه، وآلاف الجمود من شيوخه، ولن يتذوق ما فيها من جمال الفن الا من حي هذه الحياة وشعر هذا الشعور، وان في هذا الكتاب صفحات خالدات لن تجد كثيرا من أمثالها في الأدب العالمي! تلك ما كتبت عن فرنسا عامة وعن الألزاس خاصة.
стр. 364
أما التحليل والتمثيل فلن يغنياك عن قراءته شيئا، وفي اعتقادي أن خير ما يسر به الإنسان نفسه أن يغيب عن دنياه في دنيا هذا الكتاب ساعة أو ساعتين!
الزيات
стр. 365
ضحى الإسلام أو أحمد أمين
- ١ -
إذا قرأت ضحى الإسلام عرفت أحمد أمين، وإذا عرفت أحمد أمين فكأنك قرأت ضحى الإسلام، وكمال المعرفة بالاثنين أن تفهمهما معا، لأنك لا تجد تلازما بين شيئين أشد مما هو بين هذا الرجل وما يكتب، فإذا ألف أو أنشأ مقالا أو ترجم فصلا ظل باقيا وراء كلماته، وخلال سطوره، يعرض عليك الصور، ويقرر لك الآراء، بطلعته الباسمة في غير افترار، ولهجته الحازمة في غير أمر، وعقله القوي في غير عنف، وطبعه الحيي في غير ضعف، وأسلوبه الهادئ في غير فتور فلا تدري أتقرأ أم تسمع، وكتاب في يدك أم رجل معك!
وهو في بروز الشخصية العلمية يتفق مع صديقه طه، ثم يختلف بعد ذلك عنه في كل شيء.
أستبن الجاحظ في أدبنا القديم، وأحمد أمين في أدبنا الحديث، ثم قل بعد ذلك فيما يشبه التعميم: أن كل كتاب متى أخرجه إلى الناس مؤلفه، يكاد من وهن الصلة به لا يعرفه، وإنما تظل مسائله في قلقها أشبه بالطيور المقنوصة، لا تفتأ نزاعة إلى الجو الذي عاشت فيه، وإلى الوكر الذي أخذت منه. فإذا كثر الحديث عن احمد أمين منذ ظهر فجر الإسلام، واستفاض هذا الحديث عنه منذ نشر ضحى الإسلام، فذلك لأن هذين الكتابين وحدهما فتح في الآداب العربية، ونصر للعقيدة الإسلامية، ومجد للعقلية المصرية، لم يهيئهما الله في الغابر والحاضر لهؤلاء الا على يد احمد أمين.
ومعاذ الله أن نهجم على الحق وندخل على القارئ برأي لا يقره الضمير ولا يرتضيه العلم، فقد قضينا العمر بين أشتات المؤلفات العربية، نكابد ما يكابد غيرنا من تناقض وتعارض وغموض، ثم عالجنا التأليف وبلونا ما يعانيه ناشد العلم في بيد دونها بيد، ثم قرأنا هذين الكتابين فأكبرنا فيهما الجهد الذي لايكل، والعقل الذي لا يضل، والبصيرة التي تنفذ إلى الحق من حجب صفيقة، وتهتدي إليه في مسالك متشعبة.
نشأ أحمد أمين نشأة أزهرية، ونعني بهذه النشأة ما يلازمها من نمط خاص في الحياة والتربية والدراسة والوجهة، ومن غريب هذه النشأة أنها تساعد على الهبوط كما تساعد على الصعود، فمتخرجو الأزهر إما قادة للشعب وإما حميلة عليه، لأن حرية التعليم فيه
стр. 366
كانت تهيئ كل نفس لما خلقت له: فهذا تعده ليكون قارئا في ضريح أو إماما في زاوية، وذاك تعده ليكون مستشارا في محكمة أو أستاذا في جامعة، واحمد أمين كمحمد عبده وسعد زغلول وطه حسين قد زوده الأزهر بخير ما فيه من صبر على الدرس. واتكاء على النفس، واستقصاء لأطراف البحث، ثم دفعه إلى الحياة دفعا فاستكمل ثقافته في مدرسة القضاء ثم اشتغل بالتعليم، ثم تولى الحكم بين الناس في المحاكم الشرعية، ثم ثقف على نفسه اللغة الإنجليزية، ثم تبوأ كرسيه في الجامعة المصرية، وها هو ذا بكتابيه يحتل مكان الزعامة العلمية.
إن ألمع ما في شخصية هذا الرجل متانة خلقه، ولأمر ما شغف منذ شب بتدريس (الأخلاق)، وترجمة (الأخلاق)، وتأليف (الأخلاق)، ولسر ما يتجدد انتخابه بالإجماع رئيسا للجنة التأليف والترجمة والنشر تسع عشرة مرة في تسع عشرة سنة متوالية!!
إن نجاح الأستاذ احمد أمين في الحياة نجاح للعلم وفوز للفضيلة، لأنه لم يعتمد في شهرته العلمية على الإعلان
و (التهويش). ولا في مناصبه الحكومية على الاستخذاء والملق. وإنما يجري في عمله على الأخلاص، وفي معاملاته على الحق، وفي علاقاته على الشرف. وما حياته الحافلة إلا مثل للحياة العاملة في غير ضجيج، الناصبة في غير ملل، المثمرة في غير غرور ولا دعوى، فهي أشبه شيء بالنبع السلسال العذب، يسيل حلو الخرير تحت شواجن الأدغال، وفوق مطمئن الأرض، فيروي العطاش ويمرع السهول، في غير هدير ولا صخب!
ذلك هو الكاتب، وأما الكتاب فنرجو أن نوفق إلى تحليله في العدد المقبل.
стр. 367
العدد ٥ - بتاريخ: ١٥ - ٠٣ - ١٩٣٣
стр. 368
بين السوامر والصحف
أسير الجهاد:
بين عشية وضحاها نزل صديقنا الأستاذ محمد توفيق دياب من قصر صاحبة الجلالة الصحافة، إلى سجن المجرمين من سلاب الأموال وقتلة الأنفس، لأنه رأى رأياً في سياسة هذا البلد عن إخلاص وعقيدة فلم يقره عليه القانون القائم، وحاولت صاحبة الجلالة أن تعصمه من أمر القضاء بالرحمة، ومن تنفيذ الحكم بالعفو، ومن قسوة التنفيذ بالرجاء، فما رجعت بطائل. وظهر أن جلالة الصحافة كجلالة الحسن: رواء في العين، ولا سلطان في اليدين!!
إنا نؤمن بعدالة القضاء كما نؤمن بحكمة القدر؛ ولكن في السجن الموحش المظلم فُرجة قد ادخرها القانون لضحايا العدل؛ فإذا لم تتسع لأمثال دياب فلمن تتسع؟ أن الكاتب الذي يحرق مخه وعصبه ليضيء الطريق لشعبه، ويغذي حيوية قومه بعصارة عقله وقلبه، ولا يبتغي من وراء جهاده غير مرضات وطنه وربه، لجدير باحتمال قسوته إذا قسا، واغتفار زلته إذا زل.
أن خطأ الاجتهاد في الرأي لا يعتبر جريمة الا في اصطلاح القانون الذي تسنه الحكومات له، فإذا ما اتسعت الصدور، أو تبدلت الأمور، عاد العمل بالقول المأثور: للمجتهد أجران إذا أصاب، وأجر إذا اخطأ. فإذا كانت جريمة الأستاذ دياب من النوع الذي يحرُم هنا ويحل هناك، ويوجب العقوبة اليوم ويقتضي المثوبة غداً، فأن شديدا على الضمير أن يعامل في سجنه معاملة الجناة والعصاة، فيعيش في غير شكله، ويشتغل في غير شغله، ثم يحرم لذة الجسم فلا يستريح، ومتعة الروح فلا يقرأ، وحق المريض فلا يعالج.
درس في الإحسان:
زار صاحبا الجلالة الإيطالية وادينا الحبيب فحلاّ في ربوعه حلول السعادة، ونزلا من أهله منزل الاجلال، وأفاضا على عاصمته وصعيده غمراً من سراوة الملك، ونبالة الخلق، ثم اختصا فقراء الإسكندرية بقرابة ألف جنيه على ما روى المقطم، فكان هذا العطف السامي موضعاً للتفسير والتأويل، ومثالا لاختلاف العقول في الاستنباط والتعليل، فمن قائل أن صاحب الجلالة أراد تعميم الإحسان في أجناس بني الإنسان، والإسكندرية شبه دولية، ومن
стр. 369
قائل أنه أراد تخصيصه، وكثرة الجالية الإيطالية، تنزل ربوع الإسكندرية. والأمر في كلتا الحالين مثل في شرف الغاية، لأن مبعث التعميم عاطفة الإنسانية، ومبعث التخصيص عاطفة الوطنية.
كلام طرآني:
ذكرنا في معرض الكلام عن أسلوب الأستاذ محمد بك مسعود أنه (منذ توفر على محاكاة الأستاذ وحيد في تحقيق اللغة، ومباراة شيخ العروبة في تمحيص التاريخ، بدت على أسلوبه الصحيح أعراض الغرابة التي تلازم اللغويين، والاعتداد الذي يساور العلماء).
وهذا الكلام كما ترى نزيه القصد بريء الدلالة. ولكن الأستاذ وحيدا وريث العجَّاج، وخليفة الزجَّاج قد طوع لنفسه أن يرد عليه في الأهرام بهذا الرد فقال:
(جاء في مقال للأستاذ الكبير المفضال محمد مسعود هذا اللفظ (طرآني) فقال له كاتب في صحيفة أغربت في الكلام إغراب وحيد وشيخ العروبة (يعني برهان العلم والأدب أحمد زكي باشا)
(وأني أقول للكاتب رأى القارئون عدوته (بفتح العين وإسكان الدال) ليس الطرآني من غرائب الكلام. وكفى قولي له أنك تراه من بلاغة اللغة في كتاب الزمخشري (أساس البلاغة) الذي قيل فيه: ومن خصائص هذا الكتاب تخير ما وقع في عبارات المبدعين. قال الأمام الزمخشري في أساس البلاغة: رجل طرآني، وحمام طرآني، لا يدري من أين جاء، وكلام طرآني الخ.
(اجتزئ بقولي لكاتب (ذي عدوة) ما قاله الأعرابي: ليس هذا بغريب ولكنكم في الأدب غرباء)
ونحن نقول بدورنا للأستاذ الجليل: لقد أغربتم فلم نفهم، وأفصحنا فلم تفهموا، فإذا كنا في الأدب غرباء، فأنتم في اللغة أدعياء، أليس كذلك؟
وهذا أيضاً!
أخذ صديقنا الأستاذ أحمد أمين على بعض كتابنا أنهم إذا تناظروا تخاصموا، وإذا تناقشوا تشاتموا، ونسي أن يقول كذلك أنهم إذا نقدوا تلمسوا أسباباً للنقد تدل على سوء القصد،
стр. 370
وأحدث الأمثلة على ذلك أن الأستاذ (ع. ع) وهو أديب نابه لا يُتهم في علمه ولا في فهمه، قد كتب في البلاغ بمناسبة ضحى الإسلام يقول ما مؤداه: أن أدباءنا قد استمرءوا (مائدة العراق) فهم إذا كتبوا في الأدب كتبوا عن العراق، وإذا بحثوا في العلم بحثوا في العراق، ثم نعى على صاحب ضحى الإسلام أن يغفل مصر، وفيها أنشئ الأزهر، وإليها هاجر العلماء. ولو قرأ الأستاذ الكتاب لوجد فيه فصلا عن مدرسة الإسكندرية. بل لو قرأ المقدمة لوجد المؤلف يقول: (عنيت بضحى الإسلام المائة سنة الأولى للعصر العباسي) وفي هذه المائة سنة لم يكن أسس الأزهر ولا سقطت بغداد! ومن الغريب أن يقول الأستاذ للمؤلف: إن طول النظر مرض ذكرته الأطباء، وهو يعلم أن قصر النظر كطوله سواء بسواء!
стр. 371
خواطر وصور
المتردد
أعرف رجلا يعيش رخي الصدر آمن السِّرب في دار بهيجة وأسرة حبيبة ورفقة مخلصين، تلقى ذات يوم كتاباً من صديقين يدعوانه إلى رحلة خارج القطر كانت منذ زمن طويل منتجع خاطره ومهوى فؤاده، فوجد من فرصة الفراغ وجمال الربيع ووفاق الخليط مغرياً جديدا بها، ودافعاً شديداً إليها، وكان صديقاه يطلبان جواباً حاسما سريعاً. فوقف الرجل بين الأمرين وقفة المتخير المتحير، لا يدري أيظل في هذا المكان المحبوب الذي يستبقيه، أم يرحل إلى ذلك البلد الجميل الذي يستدعيه؟
بدأ تردده هادئاً مقبولا كهدهدة المهد، ثم ما لبث أن عاد مزعجاً مملولا كاضطراب البحر. كان ترجُّحه بين الإقامة والظعن أشبه بتأرجح الزورق على الماء الهادئ يدفع إلى الأحلام والأوهام. والمتردد واسع الخيال كثير الفروض، فأخذ يقلب الأمرين في خاطره: يوازن بينهما منفردين، ويتمناهما مجتمعين، ويطمع أن يدركهما متعاقبين.
أزف الموعد والصديقان ينتظران الجواب إيجاباً أو سلبا، فلابد أن يخرج من عماية هذه الحيرة ليكتب إليهما، جلس جلسة الكاتب وأخذ أهبته للكتابة، ولكنه لم يكد يقر على الصحيفة يده حتى ساوره الشك فأمسك! واخذ فكره يتنقل بين المكانين، ويفاضل بين المعنيين، حتى انتهى به التردد إلى أيثار البقاء.
آثر البقاء لأن الصديقين ربطاه بعدة خفيفة، لا بكلمة شريفة، ولأن في المتردد جرثومة من جراثيم الكسل؛ المترددون أميل إلى الكف والاحجام، دون العمل والإقدام. ذلك إلى أن مخيلته الخصيبة قد انبتت له من الذرائع والأسباب ما وافق هواه: كيف يصدف عن مسرة هادئة أكيدة، إلى أخرى جديدة غير أكيدة؟ أنهم يمتدحون ذلك البلد الطيب هوائه وجمال مناظره، ولم يعلموا أن في الرحلة إليه والحلول فيه أضرارا تخاف وتحذر! أين يجد ما يعدل زوجته العزيزة وداره الجميلة وحديقته البهيجة؟ لقد أصبحت هذه الثلاث أجمل في نظره وأجمع لخيره منها قبل ذلك!
أليس من الحمق والجحود أن يغمط الإنسان مثل هذه السعادة؟ على أن هذا البلد بعيد الشقة، ولا بد للراحل إليه أن يبيت ليلة في القطار على فراش لا وثير ولا وطئ، أو يعبر البحر
стр. 372
متعرضاً لدواره وأخطاره، وإذا أصابه مرض في الطريق أو في الفندق فماذا تكون عاقبة أمره؟ ذلك فضلا عن الغذاء الدنيء والمسكن الوبئ والعناء المبِّرح.
أجمع صديقنا في الأمر رأيه، ووطن على البقاء نفسه، فكتب الكتاب بالرفض ودفعه إلى الخادم ليحمله إلى مكتب البريد القريب، ولكن الخادم لم يكد ينطلق بالكتاب حتى تحرك الشك في نفسه، وتغير المنظر الماضي في عينه، فكأنما سحر ناظره. أو تبدلت مشاعره!
ذلك البلد الذي استخف به منذ قليل تجلى لعينيه في صورة جذابة أنيقة، وتلك الأحاديث العجيبة التي سمعها عنه تواردت على ذهنه تباعا منمقة الحواشي بسحر جمال المفقود، وحب استطلاع المجهول، ثم تمثلت أمام عينيه فوائد تلك الرحلة وملذاتها، فعاد باللائمة على نفسه! كيف عميت بصيرته عن هذه المنافع جمعاء؟ وكيف إعتاقه عن هذا الأمر مئونة الاتفاق والنصب؟ أن متاعب السفر هي الصحة والقوة والحياة! ولا شيء أذهب للعمر وأقتل للمرء من أن يظل قعيد بيته مخلداُ إلى عيشة رغيدة وادعة. وحياة متشابهة مملة، تلك فرصة ما يحسب الدهر بمثلها يجود!
رحلة ممتعة مفيدة! وإخوان صدق ملئوا ظرفا وعلما! أن ذلك الرفض ضرب من البله والجبن!
تحول ذلك التوبيخ أسى وحسرة، وبلغ به الحنق والشوق والخجل حد الهياج والقلق، فأهوى بيده إلى الجرس، وصاح بأحد الخدم أن يرد عليه الكتاب وحامله، فقال له: أن الخادم يا سيدي أنصرف إلى وجهه منذ ربع ساعة!
فارتد الرجل كاسفاً حزينا، وانقلب ما حوله مظلما قبيحا، واستولى الضجر على نفسه، وأصبح بيته الجميل الرحب أضيق في عينيه من كفة الحابل، ثم ما لبث أن عاد إلى نفسه وأخذ يفكر في جواب الخادم، فقرر أن المسافة إلى مكتب البريد يقطعها الخادم راجلا في ربع الساعة، فإذا قطعها هو على سيارة استطاع أن يوافيه قبل أن يضع الكتاب في صندوق البريد.
وما هو إلا رجع البصر حتى أنطلقت به السيارة يشق صوتها المزعج زحام الطريق؛ ولكنه لم يضع قدمه على عتبة البريد حتى كان الخادم خارجا منه وقد أنجز عمله!. بهت صديقنا وكاد يستسلم لليأس لولا أن مر ذكر التلغراف على خاطره، فبرقت أساريره وقال:
стр. 373
أن الرسالة البرقية تصل قبل الكتاب فتنسخه. ثم أخذ طريقه إلى مكتب التلغراف وبدأ يكتب الرسالة، ولكنه ما بلغ الكلمة الرابعة حتى جمدت يده على الورقة! قال في نفسه: أن الرسالة البرقية كالكلمة الملفوظة إذا قيلت فلن تسترجع، وسأكون بها مقيدا مأخوذا، ألقى القلم وخرج من المكتب يتنسم الهواء، واخذ يمشي أمام الباب ذهابا وجيئة وهو يسائل نفسه: أيكتب أم لا يكتب؟
دقت الساعة دقتين فارتعد وقال: ما لي أتردد؟ يجب أن أقطع الرأي، فأن الوقت وأن طال لا يسع المطال، ثم فكر وقدر، فجاء برأي خليط مبهم لم يلبث أن نزل عنه، وظل واقفا يتصفح وجوه الآراء ليرى الرأي القاطع نصف ساعة كان فيها فريسة الهم والضجر!
إستقبح من نفسه هذا الضعف الشديد، فاقتحم المكتب، وأتم الرسالة ودفعها إلى العامل وهو يقول في نفسه: سأتبعها بأخرى إذا بدت لي في الأمر بداءة.
ثم انكفأ راجعا إلى بيته يستعد ويتأهب! واقسم أن منظر ذلك البيت الذي يريد أن يفارقه غدا سيحيي في مخيلته صورة رائعة الجمال شديدة السحر، وأن زوجه وكتبه وأزهاره وأشجاره ستملك عليه وجدانه. فلا يمنعه الخجل أن يصبح ناكثا ما أمرَّ وناقضا ما أبرم!
لعل في القراء من يحمل وصف هذا الرجل على المبالغة، ولكني أؤكد لهم أن مكانه من الصدق مكان صورته الشمسية.
أن التردد مرض من الأمراض لا يؤبه له لندرته. يصيب المرء في حياته العملية، فيغل يده، ويشل عقله، ويتركه فريسة للألم من ضعفه، والخجل من صحبه. تظهر أعراضه في صغار الأمور وكبارها، فيكون في انتقاء الثوب، واختيار الحالة، وفي الإقدام على الزيارة القصيرة، والرحلة الطويلة، ويدخل في لذاذات الرجل وأعماله، كما يدخل في أدباره وإقباله.
جرت بين هذا الصديق نفسه وبين زوجه هذه المحاورة منذ اسبوع، فأنا أنقلها إليك بنصها لتزداد به معرفة.
قال وهو يهم بالخروج إلى مكان عمله:
- زينب! اتشيرين علي بأن آخذ مظلتي؟
- افعل يا علي ما تشاء.
стр. 374
- أتظنين أن السماء تمطرنا اليوم؟
- وما يدريني؟
- آخذها والسلام!
- حسناً تفعل.
- ولكنها تضايقني إذا لم تمطر السماء.
- دعها إذن!
- ولكن المطر إذا نزل بلل طربوشي وثوبي.
- خذها إذن!
- ما هذه الحماقة؟ وما هذا التردد بين الأمر والنهي؟
ليس للمشير إلا رأي واحد! فهل ترين أني احسن إذا أخذتها؟
- نعم!
- سآخذها إذن.
- ولكن الهواء دافيء، والسماء مصحية، وأخشى إذا دام الجو كذلك أن اذهل عنها فأفقدها؛ سأتركها قطعاً!
ثم سار يريد الخروج فلمحها معلقة على المشجب فأخذها وهبط السلم ذاهلاً، متباطئاً، حتى بلغ البواب فدفعها إليه.
احمد حسن الزيات
стр. 375
مسارح الأذهان
تراثنا القديم
للأستاذ أحمد أمين
خبران أثرا في النفس أبلغ التأثير، وآثارا في القلب كوامن الأسى والأسف.
أولهما أن أديبا كبيرا، وخطيبا خطيرا طلب من إحدى المكاتب القاموس المحيط للفيروزابادي، فأرسلته إليه، فاستبقاه أياما ثم رده شاكرا لأنه لم يستطع أن يعرف طريقة الكشف فيه، وإذا استطاع فلا يفهم ما يقول، ولا يتبين ما يشرح. لذلك يعتذر عن شرائه ويطلب بدلاً منه معجما من المعاجم الحديثة، كأقرب الموارد، ومحيط المحيط، والبستان، لسهولة الكشف فيها، ووضوح القصد من معانيها.
والثاني أن مجلسا من مجالس المديريات قرر إنشاء مكتبة يتردد إليها طلبة المديرية ومثقفوها، وعهد إلى بعض رجاله اختيار الكتب الصالحة فلم يختر فيما اختار كتابا قديما كالقاموس المحيط ولسان العرب وتاريخ الطبري وتاريخ ابن الأثير والأغاني والعقد الفريد ونفح الطيب، وإنما قصر اختياره على ما أنتجه الأدباء المحدثون من روايات وقصص وتاريخ حديث، وأدب من الوزن الخفيف.
راعني ما في هذين الخبرين من دلائل مؤلمة، وما يحملان من نتائج خطيرة!. دلالة الخبرين أن تيار الفكر إنما يسير نحو الثقافة العصرية، وأن المثقفين إنما يعتمدون على ما تخرجه المطابع من آثار للثقافات الأجنبية، فأما تراثنا القديم وما فيه من ثراء ضخم فتنبو عنه أذواق الناشئة ومن يقودهم ويختار لهم. ولا يقبل عليه الا المستشرقون وأمثالهم من علماء قليلين يسيرون نحو الفناء، دون أن يخلف من بعدهم خلف يقوم على هذا التراث فيحفظه ويستثمره.
ولهذه الظاهرة أسباب أهمها:
أن هذه الكتب جارت عصرها ولم تجار عصرنا، فالتعبير معقد. والمعنى غامض، والتأليف مشتت، والمصطلحات جامدة، والأمثلة واحدة فقطع هذا كله الصلة بين القديم والحديث، ولم يستطع أن يتفهم هذه الكتب القديمة الا من نشأ عليها، وأنفق أكثر العمر في فهم عباراتها، وحل معمياتها، وكثير منهم وقف عند ألفاظها ومصطلحاتها، ولم يسعفه الزمان بالتغلغل في
стр. 376
أعماقها. واكتناه أسرارها، واستخراج كنوزها، فلما نشأ الجيل الجديد وقد تعلم أول أمره في رياض الاطفال، واسلمته هذه إلى مدارس ابتدائية وثانوية يجتهد مدرسوها أن يعلموا على أحدث طرق البيداجوجيا، ويقرأ تلاميذها في كتب ألفت على غرار الكتب الأوربية في الشكل والموضوع، أصبح الخريجون لا يربطون جديدهم بقديم آبائهم، وصارت الكتب الأوربية أشهى إلى نفوسهم وأقرب إلى عقولهم من كتب الأدب العربي والفلسفة الإسلامية، وكتب القانون الفرنسي أحب إليهم من كتب الفقه الإسلامي وهكذا. وهم إذا نظروا في هذه الكتب العربية هزئوا بها وضحكوا منها! فإذا وقع نظرهم في الفقه على تحديد ماء الطهارة بأنه عشر في عشر بذراع الكرباس، قالوا ما لنا ولذراع الكرباس؟ إنما نعرف الذراع البلدي والذراع المعماري، وإذا رأوا نظام أخذ العشر قالوا ماذا يقابل ذلك من نظام الضرائب والجمارك؟ وإذا نظر الأطباء في كتاب القانون لابن سينا وقفوا أمام أحاجي لا طاقة لهم بها، وإذا نظر الأدباء في الأغاني والعقد وأمثالهما رأوا شرا كثيرا وخيراً قليلا! وكان ما فهموا أندر مما لم يفهموا.
الحق أن هذه مشكلة كبيرة تحتاج في علاجها إلى مهرة الحكماء، وأن ما في كتب أسلافنا من ثروة يحتاج إلى عقول كبيرة تضع منهجا قويما للاستفادة منها.
ونحن بين اثنتين: إما أن تتخصص منا طائفة صالحة لترجمة ثروتنا القديمة إلى لغة العصر وروح العصر وأسلوب العصر، فيستطيع ناشئتنا أن يضعوا أيديهم على تراث آبائهم، وإما أن يتثقف أكبر عدد ممكن بنوع من الثقافة الشرقية القديمة، فضلا عما عندهم من الثقافة الحديثة، فيجمعوا إلى مواردهم الأجنبية الموارد العربية، ويخرج نتاجهم متشبعا بالروحين، مستمدا من الثقافتين.
فإن لم يكن هذا ولا ذاك خشيت بعد قليل أن تصبح كتبنا القديمة غير صالحة الا للأرضة تعيث فيها، والعنكبوت ينسج عليها، ويكون شأننا معها كما قال ابو العلاء:
سيسأل قوم ما الحجيج ومكة … كما قال قوم ما جديس وما طسم
стр. 377
إسكندر يقتل صديقه!
للدكتور عبد الوهاب عزام
إسكندر يثبت عرشه وسلطانه وهيبته وكبرياءه في مقدونية واليونان، ثم يتوجه تلقاء آسيا.
الفريقان من اليونان والفرس يلتقيان على نهر (كرانيكوس) الصغير عام أربع وثلاثين وثلاثمائة، فيتاح لإسكندر أول فتح في آسيا، وتخضع له المدائن حتى سرديس، فقد دانت له آسيا الصغرى كلها.
ثم يتقدم صوب الجنوب، فيجتاز طوروس ويسير تلقاء الشام. وإذا جيش دارا، الجيش اللهام الذي لا يغلب من قلة رابض في طريقه. وفي سهل إسوس الضيق بين الجبال والبحر تزدحم مئات الألوف في المعترك، ويسقط في البحار مائة ألف من الفرس، ويفر دارا وينهب معسكره، وتؤسر أمه وزوجه وابنتاه. . فانظر إسكندر قد قهر (الملك الأعظم) ملك الفرس الذين طالما فخر اليونان بأنهم احتملوا صدمتهم، وردوهم عن بلادهم!!
يتقدم الفاتح العظيم فيقهر مدن الشام، وتقاومه صور وتتحدى جبروته وسلطانه، ثم تخر أمامه بعد حصار سبعة اشهر، فيقتل منهم ثمانية آلاف، ويؤسر ثلاثون ألفا فيباعون عبيدا، ويصلب على القلاع ألفان عبرة ونكالا! ذلكم إسكندر الفاتح العظيم، وذلكم جزاء من يقف في سبيله!
ويفتح إسكندر مصر عام اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ويرفع نسبه إلى أمون. ثم يجمع جنده ويسير إلى العدو الأكبر الملك الأعظم. يجتاز الفرات ودجلة إلى حيث يعسكر دارا. وهنالك على مقربة من أطلال نينوى العظيمة التي تندب مجد آشور الغابر، وعلى سبعين ميلا إلى الشمال والغرب من مدينة أربيل، ليس بعيدا من ملتقى عبد الله بن علي العباسي، ومروان بن محمد خاتمة الخلفاء الأمويين، حيث سقطت دولة وقامت دولة! هنالك تراءى الجمعان، وعسكر إسكندر تجاه دارا، ويشير (برمينيو) على الفاتح المقدوني أن يهاجم عدوه ليلا، فيأبى مجد إسكندر وكبرياؤه، فيقول له: (أنا لا أسرق النصر). ثم يلتقي الجمعان، وتدور الدائرة على دارا وجنوده، فيفر صوب المشرق. أرأيت بابل العظيمة مدينة السحر والعلم؟ ها هي تفتح أبوابها لإسكندر ويباركه كهنتها. ويطوي الملك الشاب المراحل إلى سوس وأصطخر حاضرتي الفرس، لا يصمد لمدينة إلا فتحها، ولا يعمد لجيش إلا مزقه.
стр. 378
تمتد الفتوح والآمال والنشوة والكبرياء بإسكندر إلى ما وراء النهر في طريقه شطر الهند، بعد أن طارد دارا حتى عثر به في الطريق قتيلا.
إسكندر العظيم في مدينة سمرقند عام سبع وعشرين وثلاثمائة. قد طوى المراحل والممالك ما بين مقدونية ونهر سيحون. ينعم هنالك بالشباب والظفر والملك الفسيح، والكنوز التي لا تحصى، والجند الذي لا يعد إسكندر الآن أعظم ملك في العالم كله.
ويدعو أصحابه وقواده إلى مأدبة في سمرقند، فيأكلون ثم تدور الكأس حتى يثمل القوم أو يكادون، ثم تترع للملك المظفَّر كؤوس من الإطراء والإعجاب والآجال والإكبار، ويغلو المتملقون المعجبون فيرفعونه فوق الأبطال جميعاً. ويدعون أن أعماله المعجزة لا تكون إلا عن نسب ألهي، بل يرفعونه إلى مستوى الآلهة كهرقل. ويشارك الملك الشاب في إعظام مآثره والإعجاب بها، ثم لا يقنع بما فعل، فيجعل لنفسه ما نال أبوه من ظفر آخر عهده، ويغض من فيليب وإن كان أباه!.
يسخط المقدونيون من الزراية ببطلهم القديم، ولكنهم لا ينبسون. و (كليتوس) رابض ينظر إلى إسكندر ومادحيه ساخطا محملقا. كليتوس أيحد قائدي الفرسان، كليتوس الصديق القديم أخو (لانيس) حاضنة إسكندر التي قتل اثنان من أبنائها تحت رايته، كليتوس الذي نجى إسكندر في معركة كرانيكوس حين أبصر أحد الفرس يهوي بسيفه إلى الملك من خلفه فسارع كالبرق فضرب السيف فقده دون رأس الملك. كليتوس هذا لم يستطع صبرا على الغض من فيليب! قال كليتوس: ما لهؤلاء المادحين يضعون أقدار الغابرين ليرفعوا عليها مجد الحاضرين؟ أن فيليب كان عظيما! ثم تأخذه الحدة فيقول: (ليست مآثره دون مآثر ابنه! لا، أن مآثره لأعظم. فقد خلق الرجل لنفسه ملكا وجيشا. وإنما صلت أيها الملك بما أورثك فيليب من ملك ممهد وجند مدرب. إنما ظفرت بفضل هؤلاء المقدونيين الذين تحقرهم اليوم وتقدم الفرس عليهم. ألم تقتل برمنيون العظيم؟)
هاج الحاضرون وقذفوا كليتوس بالجدل والتوبيخ. وثار ثائر إسكندر الفتى الفاتح الذي سخر ملك مصر وبابل وآشور وفارس، إذ قرعت أذنه لأول مرة نبأة ناقد يعترض كلامه ويرد عليه دعواه. غضب إسكندر وصاح بكليتوس يزجره ويجادله، وانحاز الحاضرون للملك المعجب بنفسه، وكليتوس كالأسد يزمجر ويرد الكلمة بمثلها، ثم ينتفض قائما ويصيح
стр. 379
مادا يده إلى الملك: (اذكر أن حياتك دين لهذه اليد التي نجتك يوم كرانيكوس! وأصغ لصوت الحق الصراح، أو تجنب دعوة الأحرار إلى مأدبتك، واختص العبيد بصحبتك!)
اهتاج إسكندر لموقف كليتوس ولذكرى كرنيكوس وبرمنيون، فنهض يتحسس خنجره، فإذا الخنجر بعيد قد نحاه أحد الحاضرين. فينادي الحرس مغضبا هائجا ويأمر أن ينفخ في الصور إيذانا للجند، فما أطاع أحد أمر الملك الهائج النشوان، وتقدم نحوه بطليموس (وبردكاس) القائدان الكبيران فأحاطا به وأمسكا يده برفق يسكنان ثورته، ويكسران حدته، ويحيط آخرون بكليتوس يخرجونه من البهو، فيأبى أن يخرج فيعترف بأنه أساء واعتدى. ويقول إسكندر: (وا أسفاه! إن قوادي قد غلوني كما فعل بسوس بدارا. وإنما لي من الملك اسمه). ويتقدم إسكندر تلقاء كليتوس، ولا يجرؤ القواد أن يقفوه قسرا، ثم ينقض كالصاعقة فينتزع حربة من أحد الجند فيغمدها في صدر كليتوس الصديق القديم!
يرتاع الحاضرون. ويفيق إسكندر من نشوته وثورته وعنجهيته، فيفتح عينيه فإذا كليتوس طريح يضطرب في دمه.
خرج إسكندر من البهو يعدو إلى فراشه، فارتمى عليه ثلاثة أيام لا يأكل ولا يشرب، يبكي بدموع عزت على الخطوب الشداد، وغلت في الحوادث السود. ويتمادى به البكاء، وكلما كفكف دمعه تمثل له صديقه طعينا بيده، ويلعن نفسه نادما، ويهتف باسم كليتوس وأخته لانيس، ثم يقول: ويلي! أنا الغادر الكنود. لقد جزيت كليتوس ولانيس شرا بما أحسنا ألي. لست بعد اليوم جديرا بالحياة.
ويجتمع إليه صحبه يعزونه. ويسوغون ما عمل، فلا يزداد الا حزنا واكتئابا وندما وأسفا، ويجتمع الجند المقدونيون فيجمعون على أن كليتوس قتل بحقه، وأنه ينبغي الا يدفن، فيغضب إسكندر ويقول: كلا! أنه سيدفن بأمري. ويأتي الكهنة فيقولون: أن الملك لم يقتل صديقه بيده، ولكنها نقمة من الإله (ديونسوس) أجراها على يد الملك انتقاما لنفسه بما حرم القربان في هذه المأدبة. ثم يأتي الفيلسوف (انكشر خوس) فيقول: أيها الملك أن الذي أنت فيه لعجز. وأنك أيها الملك العظيم والفاتح القاهر لجدير بأن تحل وتحرم وتحق وتبطل بإرادتك لا أن تخضع للقوانين التي سنها الناس. ثم يأتي كلستنوس الفيلسوف فيجهد أن يهون على الإسكندر ما فعل.
стр. 380
فارق إسكندر مضجعه بقلب كليم إجابة لنصحائه وإجابة لواجبه في هذه البلاد النائية. ولكني أحسب الجرح قد ذهب مع إسكندر إلى قبره!
إسكندر العظيم لم يعظم عليه مطلب، ولا بعدت على همته غاية، ولا ثبتت في طريقه دولة، ولا وهن قلبه في سلم ولا حرب، ولكن إسكندر الفاتح القاهر، والملك المسلط، لم يحتمل وخزة واحدة من وخزات الضمير، فخر كالطفل يبكي ويتململ، وكاد يبخع نفسه فرارا من الندم!
أن عذاب الضمير هو العذاب الأكبر، ولكن لا يعرفه الا ذوو الضمائر، وقليل ما هم!
لله در كليتوس! لقد ذهب مثلا في الوفاء، وأين في الدنيا الأوفياء؟
ولله در كليتوس صريع الوفاء! ولله در إسكندر صريع الوجدان!.
стр. 381
مجمع البحور وملتقى الأوزان
للدكتور محمد عوض محمد
يحسن بنا كلما دخل الأدب العربي في طور جديد، أو ظهرت به بدعة جديدة، أن نقف لحظة لنحقق أمر هذا الطور الجديد، وهذا المنهج الذي يريد بعض الأدباء أن ينهجه. وبديهي أن الكائن الحي يجب أن يكون في تبدل أبداً وفي تحول. لكن يجمل بنا من آن لآن أن نقف قليلا لنحلل هذه الاتجاهات الجديدة، لكي نكون على بصيرة من أمرنا، ولكي نمشي على علم وهدى. فان بعض السبل الجديدة يؤدي إلى الخير، وبعضها لا يفضي إلى شيء.
وقد ظهر في عصرنا هذا ضرب جديد من الشعر، لم يعرفه الأوائل ولا الأواخر، ولا نعرف في شعراء الشرق من عرب وترك وفرس من نحا هذا النحو، ولا في شعراء الغرب في الأدب الإنجليزي والفرنسي والألماني، ممن له شأن وخطر، من سلك هذا السبيل: وأن كان بين قراء (الرسالة) من يعرف شاعرا ذا شأن طرق هذا الباب من قبل. فقد يسرنا أن نعلم عنه ما جهلناه.
أما هذا الضرب من القريض (وقد سميناه مجمع البحور) فأنه يسوغ للشاعر في المنظومة الواحدة والموضوع الواحد، أن يجمع بين ما شاء من بحور الشعر، بلا قيد ولا شرط؛ فينتقل كما شاء وشاء له الهوى من وزن إلى وزن بلا سبب ظاهر وبدون أي قاعدة مفهومة أو غير مفهومة. فيبدأ منظومة بالخفيف مثلا، ويمضي فيه إلى بيتين أو إلى أبيات، ثم يعرج على البسيط فينظم فيه أيضاً بيتين أو ثلاثة. ثم يميل فجأة إلى الرمل ثم إلى الكامل. وهكذا لا يزال ينتقل من بحر إلى بحر. ويثب من وزن إلى وزن، والمنظومة واحدة والموضوع واحد.
ليس من شك في أن هذا الضرب من الشعر جديد. ولو أن المتنبي وهو الأمر الناهي في مملكة القريض، قيل له أن فلانا ينظم القصيدة الواحدة فيجعلها من بحور شتى، لقال لمحدثه: (يا هذا أن شاعرك مثله كمثل الطاهي الذي يخلط الحلو بالحامض، والمائع بالجامد، والرطب باليابس، والصلب بالشهد؛ ثم يرجو بعد هذا أن يكون في ما طهاه شفاء وغذاء).
مفهوم أن يكره الإنسان التقيد بالقيود من أي نوع كانت. والنفس تثور من آن لآن، تحاول
стр. 382
تحطيم السلاسل التي تقيدها وتمنعها من ارتياد منهل الحرية عذبا نميرا. وقد رأينا منذ زمن كيف ابتدع بعض الشعراء نظم القريض مرسلا، من غير قافية ثابتة؛ لكن مع الاحتفاظ بالوزن. وكان لهذا الضرب من القريض أنصاره، الذين نادوا بأنه سيرقى بالشعر العربي إلى سماء ما طاولته سماء. ثم لم تلبث تلك النار أن باخت، وتلك الأصوات أن خفتت. وأصبحنا اليوم وأكثر الأدباء متفق على أن إرسال القافية لا يلائم الشعر العربي؛ فلم نكد ننعم بتلك الحرية حينا حتى عدنا بأنفسنا طائعين إلى حمل السلاسل والأغلال، مضحين بتلك الحرية العروضية التي لم تنتج لنا الا كل فاتر تمجه النفس.
ثم جاءت بعد هذا بدعة أكبر وأخطر. وهي بدعة (مجمع البحور) التي وصفناها. ومما يؤسف له أن يكون شاعر من أجلّ الشعراء شأنا وهو (شوقي) على ما به من قدرة ومكانة، وهو الشاعر ذو النفس الطويل. الذي ما كان يعييه أن ينظم فيطيل ما شاء الإطالة. وهو الذي نظم (صدى الحرب) و (مقدونيا) و (نهج البردة). أنه برغم هذا رأى الا يلتزم وزنا واحدا في روايته التي كتبها أخيرا. فأحياناً كان شخص من أشخاص الرواية يسأل السؤال في وزن، فيرد عليه بوزن آخر. وكثيرا ما ينتقل المتكلم إلى وزن جديد، وموضوع الحديث لم يتغير.
لقد قيل أن لشوقي في ذلك أسوة بكبار الشعراء الروائيين أو القصصيين، وهذا ليس بصحيح. فان جميع روايات شكسبير من وزن واحد وهو المسمى وملحمتا هوميروس كلتاهما من بحر واحد، والفردوس الضائع لملتون كلها من وزن واحد. والشهنامة والمثنوي كلها ذات وزن واحد. وبرغم ما قيل وما يقال عن روايات شوقي، فان كثيرا من الناس يقر بأن هذا الإكثار من الأوزان قد افقدها قسطا كبيرا من الحسن.
ونحن نسوق هنا على سبيل المثال قطعة من (قمبيز) وهي الرواية التي تفوق صواحبها في هذا الأمر.
جاء في المنظر الأول من الفصل الأول الحوار الآتي بين نتاتس وعمها فرعون (أمازوس):
نتاتس: نفريت يأبى المسير هب لي … مكانها منك يا أمازوس
فرعون: أنت التي تذهبين، نتاتس: لم لا؟ … فرعون: هذا هو النبل يا نتاتس
стр. 383
بخ بخ بنت أخي
نتاتس (في استنكار): أنت يا قاتل عمي … لا. . أبي يأبى وأمي
في هذا الحوار القصير الذي يتألف من ثلاثة أبيات ومصراع واحد، ثلاثة أوزان مخلع البسيط ومنه البيتان الأولان ومجزوء الرجز ومنه المصراع الذي يليهما. ثم مجزوء الرمل ومنه المصراعان الأخيران.
وقد يرى بعض الناس أن من الغلو في الحرية أن يكون أحد المصراعين في البيت الواحد والثاني من بحر آخر. ولكن في الحق أن هذا هو التطور المنطقي لمجمع البحور. فإذا كان مستحسنا أن يغير الإنسان الوزن بعد بيتين أو ثلاثة، فليس هناك معنى لأن يمتنع المرء عن تغييره في كل مصراع، بل وفي اقل من مصراع. وقد فعل ذلك أيحد الأفاضل في الجزء الثالث من (أبولو) في قصيدة من هذا النوع عنوانها (الشراع) جاء فيها:
وأنتزع عنك كساء الليل ثوبا: (رمل)
شحبا (؟)
تحتك اللجة السحيقة تدوي (خفيف)
فوقك اللانهاية الأبدية (=)
وأمامك الأفق البعيد يضلل (كامل)
والقارئ الذي يهمه هذا الضرب من الشعر يجب أن يرجع إلى هذه القصيدة لأنها خير مثال له بين أيدينا. ولولا ضيق المقام لتمثلنا بكثير من أبياتها.
وقد جاء في العدد الرابع من الرسالة منظومة للشاعر الفاضل إيليا أبو ماضي عنوانها الشاعر والسلطان الجائر. وقد أعجبنا بما فيها من خيال بديع، واكن افتتاحها بنوع خاص منبئاً بأن المنظومة من الدرر الغوالي. الا أن هذه الدرر كانت ذات نظام مختلط غذ جعل الشاعر يغير من وزنها ست مرات أو سبعا. فلا تكاد الأذن تطمئن إلى نغمة، حتى يستبدل بها نغمة تخالفها وتغايرها. والذين اكتفوا بقراءة القطعة الأولى حكموا بأن القصيدة من أحسن الشعر؛ وأما الذين قرءوها إلى النهاية فقد أسف كثير منهم على أن الشاعر قد افقد المنظومة حسنها لهذا الاضطراب في النظم؛ لأن لكل بحر أثرا خاصا في النفس، وهذا التقلب السريع مما يزعج الخاطر وينفر الأسماع.
стр. 384
لسنا بحاجة لأن نسرد للقارئ أمثلة أخرى ندل بها على هذه الظاهرة الجديدة، التي بدت في كتابات بعض الشعراء، وليس من شك في أن (مجمع البحور) هذا سيكون شأنه شأن الشعر المرسل، سينادي به بعض الكتاب حينا، وقد يستفحل أمره زمنا ما. ثم لا يلبث أن تخمد جذوته، ويذهب كما ذهب أخ له من قبل.
стр. 385
فلسفة برجسون
للأستاذ زكي نجيب محمود
ثورة على المادية
كثيرا ما يبدأ الفكر الإنساني بدراسة نفسه، ثم ينتهي إلى إحدى نتيجتين: فهو أما أن ينظم العقل في سلك المظاهر المادية التي تخضع للقوانين الآلية الصارمة، ثم ينصرف بناء على ذلك إلى دراسة الوجود المادي بما فيه من صور وأوضاع؛ وأما أن ينتهي إلى إنكار ذلك الوجود المادي جملة وتفصيلا، واعتباره من خلق العقل وتكوينه، ثم يتجه على هذا الأساس إلى دراسة العقل وحده، لأن في دراسته دراسة للوجود بأسره، ما دام هو الذي خلق هذا خلقا، وأنشأه إنشاء.
إذا فقد أنقسم الفلاسفة إلى قسمين مختلفين: فريق ينصرف بأسره إلى العلوم الطبيعية لأنها السبيل إلى تفهم مظاهر الكون، وفريق ينكب على دراسة النفس انكبابا، لأنها هي كل شيء. ونحن نستطيع أن نقول في شيء من الدقة أن تاريخ الفلسفة الحديثة ينحصر في هذا العراك العنيف القائم بين علم النفس والعلوم الطبيعية، فهذه تنشد الحقيقة في دراسة الظواهر المادية، وقد ترى في طريقها من بوارق الأمل الباسم ما تمضي معه في بحثها ثابتة اليقين موطدة العزيمة، وذلك يلتمسها في دراسة النفس دون المادة وهو مؤمن أن ليس أقوم من تلك السبيل سبيل.
ولكن جاء القرن التاسع عشر، فانعرج ذلك المجرى الفكري بعض الشيء، واتجه إلى دراسة المظاهر المادية اتجاها مباشراً، دون الوقوف على هذه النفس الإنسانية وقفة تحليلية، ولعل ذلك راجع إلى أن الإنسان قد خيل إليه أن العلوم الرياضية والميكانيكية وما إليها، هي التي دفعت به في العصر الحديث هذا الدفع السريع، وله عذره في هذا الظن. ما دامت الصناعة التي تدوي أرجاؤها في أوربا، والتي قلبت الحياة رأسا على عقب، هي ربيبة تلك العلوم. . . إذا فلماذا لا تدرس هذه العلوم الطبيعية دون سواها؟ هكذا اصطبغت الفلسفة في القرن الماضي بصبغة مادية، وذهبت في الفضاء صيحة ديكارت التي ألح بها في أن تبدأ الفلسفة سيرها من النفس ثم تتابع طريقها إلى العالم الخارجي.
انطوى القرن التاسع عشر أو كاد، فبدأ الإنسان يفيق بعض الشيء من تلك الفتنة التي أخذه
стр. 386
بها الانقلاب الصناعي، واخذ الفكر ينزع عن نفسه شيئاً فشيئاً ذلك الثوب المادي الذي أشتمله واحتواه حينا من الدهر. ويبحث عن حقيقة الوجود في (الحياة) التي تدب في أنحاء الكون، لا في حركة القصور الذاتي التي تنتظم الجماد، وما زال الفكر يمعن في هذه النزعة الجديدة حتى كادت الحياة تدب في المادة نفسها، واصطبغت العلوم الطبيعية بصبغة حيوية، وهكذا كتب لها أن تلقي السلاح وتندحر أمام علم النفس فيما نشب بينهما من عراك.
ولعل شوبنهور هو أول من فطن إلى (الحياة) هي أساس الوجود؛ ثم جاء برجسون في عصرنا الحاضر وتناول هذه الفكرة بحثا واستقصاء، حتى استطاع بقوة أيمانه أن يجذب إليها أنظار هذا العالم الذي طغت عليه روح اللاأدرية والشك طغيانا مروعا.
عكف برجسون على دراسة المذهب المادي، وخلاصته أن العالم كتلة موات من المادة والحركة، وأن الحياة والفكر وكل خصائص الإنسان ليست سوى أعراض مختلفة لتفاعل المادة والقوة التي تحرك دقائقها، فكان كلما أمعن في تلك الدراسة، ازداد يقينا بفساد ذلك المذهب، وهو يتساءل في دهشة: إذا كان العقل مادة وكانت كل عملية عقلية عبارة عن هزة عصبية لا أكثر ولا أقل، فما فائدة الشعور؟ أليس مجرد وجود الإدراك دليلا قويا على ضرورته؟
يقول المذهب المادي أن ليس ثمة (حياة إرادية)، أي ليس في الوجود تلك القوة الحيوية التي تريد هذا فتعمله، ولا تريد ذاك فتنبذه، وكل ما هنالك حالات مادية متتابعة، كل حالة نتيجة لما قبلها ومقدمة لما بعدها؛ وهنا يتساءل برجسون: إذا كان الوجود وما يحوي في لحظة معينة نتيجة آلية للحظة التي سبقتها (دون أن تكون هناك قوة مدركة تنشئ وتكون وتختار) وإذا كانت تلك اللحظة السابقة بدورها أثراً آليا للتي سبقتها، وهكذا دواليك، فنحن إذا سنسير في هذا التسلسل حتى نصل إلى السديم الأول، ونتخذ منه سببا لكل ما طرأ على الكون من أحداث، لا فرق بين دقيقها وجليلها! ماذا؟ هل يريدنا ذلك المذهب على أن نعتقد بأن السديم هو السبب فيما كتبه شكسبير مثلا؟ وأنه العلة في خطابه أنطوني وهملت؟!
هكذا أخذ برجسون من منطق الماديين ما يكفي وحده للرد عليهم ودك مذهبهم من أساسه.
العقل والجسم
لعل ما حدا بالإنسان إلى النزعة المادية في تفكيره هو ارتباطه بالمكان ارتباطا وثيقا، حتى
стр. 387
خيل إليه أن الحياة ليست الا هذه الصور المكانية التي يحسها؟ ولكن الحق الذي لا ريب فيه هو أن جوهر الحياة وروحها إنما ينحصران في الزمان أكثر مما يتعلقان بالمكان؛ والزمان في الواقع عبارة عن تراكم صور كونية فوقها فوق بعض، أو إن شئت فقل صورة كونية واحدة امتدت على طول الزمان وأخذت تنمو وتتزايد شيئا فشيئا، ومعنى ذلك أن الماضي من بدئه الأزلي لم يفن، وإنما آخذ يتقدم فتتزايد أحداثه قليلا قليلاً إلى أن تضخم فكون الزمان الحاضر. وإذا كان الزمان عبارة عن مجموع الصور التي مرت على الوجود فيستحيل أن يكون المستقبل مشابها للماضي، لأن في كل خطوة زيادة تضاف إلى تلك الكومة المتراكمة، وفي كل دقيقة ينشأ شيء جديد ليس نتيجة لمقدمة سابقة ولكنه خلق خلقاً ولا يمكن استنتاجه قبل حدوثه. فالتغير سنة الحياة وألزم صفاتها.
والذاكرة عند الإنسان هي الوعاء الذي يمتد مع الزمن فيختزن فيه هذه الصور المتراكمة المتزايدة، لكي تكون لنا عونا في حياتنا، إذ كلما اتسعت دائرة الحياة اتسع معها نطاق الاختيار، أي يعرض للإنسان مؤثرات عدة تستدعي منه سرعة اختيار للتلبية المناسبة لكل من تلك المؤثرات. وهذه المؤثرات وتلبياتها تكون في الإنسان إدراكا يستعين به في كل ما يعرض له من مشكلات.
فالكائن الحي كتلة فعالة مؤثرة. لأنه يضيف إلى العالم قوة ونشاطا، وليس الإنسان كما صوره الماديون آلة ميكانيكية لا حول لها ولا قوة، ينفعل ويتأثر بعوامل البيئة دون أن يكون مركزا للخلق والزيادة. ففي قولنا أن الإنسان مدرك لما يعمل اعتراف ضمني بحرية اختياره.
قلنا إن وظيفة الذاكرة هي استدعاء الصور الذهنية التي مرت بنا في التجارب الماضية مقرونة بما سبقها وما تلاها، فتتمكن بذلك من الحكم في المواقف المشابهة التي قد تعرض لنا، حكما صادقا. ولكن للذاكرة فوق هذا عملا آخر، فبوساطتها نستطيع أن نستوعب الخلود بأسره في دقيقة واحدة، وفي ذلك تحرير لنا من قيود الضرورة الطبيعية التي تخضع لها الأشياء الجامدة. يخطئ إذا من يحسب الإنسان آلة صماء في يد القوانين المادية، إنما هو كائن مدرك، حر الإرادة، قادر على اختيار سلوك معين؛ والاختيار خلق وإنشاء، فليس الإنسان رتيبا في حياته كالحيوان المحدود بغرائزه.
стр. 388
وإذا فليس العقل والمخ (أي الجسم) شيئاً واحداً؛ صحيح إن الإدراك العقلي يعتمد على المخ، يسمو وينحط تبعا لسلامة هذا أو انحطاطه، ولكن كما تعتمد ملابسك على المشجب. تظل عالية ما دام المشجب مثبتا في الحائط، وتهوي إذا ما سقط من مكانه، وبديهي أن ذلك لا يدل على أن الملابس والمشجب شيء واحد.
فالمخ مجموعة من التصورات وردود الأفعال، أما الإدراك فهو تلك القوة التي تختار من بين تلك المجموعة ما تريد. المخ هو المجرى الذي يسير فيه تيار الإدراك، ولكن ليس الماء ومجراه شيئاً واحداً، وأن يكن ذلك محدودا بهذا، ولا بد له أن يخضع لإلتواءاته وتعاريجه.
وإذا كان هذا هكذا، فما الذي حدا بنا إلى الاعتقاد بأن العقل والمخ شيء واحد؟ لعل ذلك راجع إلى أن جزءاً من عقولنا، وهو ما نسميه بالذكاء، قد نشأ وتطور لكي يمارس الأجسام المادية ويتفهمها، فاكتسب من هذا الميدان المادي كل تصوراته وقوانينه، وهكذا أخذ الارتباط الذهني بين العقل والمادة ينمو شيئا فشيئا، حتى انتهى بنا الأمر إلى الظن بأنهما شيء واحد؛ ولكن هذا الذكاء الذي يكشف لنا عن العلاقات التي تصل المظاهر الكونية بعضها ببعض، عاجز كل العجز عن إدراك الامتداد الزمني وما يعرض فيه لتلك المظاهر من تغير وخلق، أو بعبارة أخرى هذا الذكاء الذي يفكر في الصور المادية لا يستطيع أن يدرك ما في الكون من حياة، لأنه يلتقط صورا متلاحقة بعضها يجيء في إثر بعض، أي أنه يلتقط صورة الكون في هذه اللحظة، ثم صورته في اللحظة التي تليها، ثم صورة ثالثة في التي تليها وهكذا، ومعنى ذلك أن العالم الخارجي في نظر العقل عبارة عن جملة صور لحظية تملأ كل صورة منها الكون بأسره؛ هذه الصور تتلو الواحدة منها الأخرى لحظة بعد لحظة، وكل صورة لحظية من هذه الصور تمثل الحقيقة الخارجية من أول الماضي إلى آخر المستقبل. الا أن تلك الصور تظل مستقلة في الذهن، لا يتناولها الاستمرار أو الحركة التي تربطها جميعاً، مع أن الحياة ليست الا في وصل هذه الصور المجزأة. مثل العقل في ذلك كمثل الشريط السينمائي الذي يلتقط عددا من الصور المتلاحقة، لا حياة في كل منها على حدة، فإذا ما دبت فيها الحركة والاستمرار، واتصل بعضها ببعض، كونت حياة، أو شيئاً يشبه الحياة. ولن يكون في هذه الصور التي تصلنا عن طريق الحواس شيء من
стр. 389
الحياة، حتى يتناولها تيار الحركة الدائم الذي يربط أشتاتها ويكون منها حقيقة واحدة يطرأ عليها التغير والتبدل كلما مر عليها شطر من الزمان.
صحيح أن كل صورة حسية هي جزء من الحياة، ولكن مجموعها لا يكون مجموعة الحياة، إلى أن يتحقق في أجزائها شرط الاتصال والربط، فكما أن كل جزيئي من الخط المنحني يمكن أن يكون جزءا من خط مستقيم بدليل أنهما يتماسان في أي نقطة شئت، ومع لك لا تستطيع أن تقول: بما أن أجزاء هذا هي أجزاء ذلك، إذن فالخط المنحني هو خط مستقيم؛ كذلك قل في الحياة والمظاهر الطبيعية، فليست الحياة هي مجموعة المظاهر الطبيعية، على الرغم من أن تلك المظاهر هي الجزئيات التي تتكون منها الحياة.
يستنتج من هذا أن العقل ليس هو الأداة الصالحة لأدراك الحياة، لأن هذا مطلب فوق مقدوره واكثر مما يستطيع، إذ العقل كما بينا يميل إلى استعمال الوجود لصالحه، وهذا الاستعمال يتطلب منه وقف تيار الحياة الذي يدب في الكون، وتجزئة الوجود للتمكن من بعضه، فالعقل والحواس آلات للتجزئة، والغاية منهما تيسير الحياة لا تصوير الوجود، أي أنها تتناول الوجود في ظاهره ولكنها لا تنفذ إلى باطنه. . . ولما كانت المعرفة الحقيقية هي التي تتمشى مع الوجود في تحوله، وتتغلغل في باطن الاشياء، وتحسها إحساسا مباشرا كما يحس الحمل الوديع وجوب الفرار من غائلة الذئاب؛ فالبصيرة وحدها هي الأداة الصالحة لذلك النوع من المعرفة المباشرة، لأنها حاسة الحياة التي تنقل تلك الوحدة الحيوية التي تربط أجزاء الوجود.
التطور خلق وإنشاء
لا يمكن أن يكون تطور الحياة على تلك الصورة البشعة القاسية التي رسمها دارون وسبنسر، إنما التطور خلق مستمر، وتجديد متواصل، وتغير لا ينقطع.
الانتخاب الطبيعي عند دارون هو الأساس الذي تقوم عليه نشأة الأعضاء والوظائف والأنواع. ولكن لم يكد يستوي ذلك المذهب على قدميه، حتى أحاط به من الصعاب والمشكلات ما لم يقو على رده فكاد يخر صريعاً وهو ما يزال في يفاعته.
كيف يستطيع الانتخاب الطبيعي أن يفسر نشأة حاسة الأبصار مثلا! أولا، لا بد أن نسلم بأنه من المستحيل أن تكون العين قد نشأت على هذه الصورة المعقدة من بادئ الأمر، فإذا
стр. 390
فرضنا أنها تكونت بعد سلسلة من الاطوار، فهل من اليسير أن تقنع عقلا سليما أن تلك الأدوار التي مرت بها عين الإنسان تطابق تمام المطابقة الدوار التي مرت بها الحواس الابصارية لأنواع الحيوان جميعا؟! مع أن الانتخاب الطبيعي أساسه المصادفة المحضة! وهل من الجائز أن تكون سلسلة المصادفات التي تعاقبت على عين الإنسان وأذنه وأنفه وسائر أعضائه الأخرى هي التي تعاقبت على أعضاء الحيوانات جميعاً؟!
وإذا سلمنا (جدلا فقط) بأن تلك المصادفة السحرية العجيبة جائزة في أنواع الحيوان لتشابه المؤثرات التي تحيط بها جميعا. فما قولك في الحيوان والنبات، وهما نوعان يسيران في طريقين مختلفين أتم اختلاف؟ كيف يتفق الاثنان على طريقة واحدة للتناسل؟ كيف يوفق الحيوان، عن طريق المصادفة، إلى اختراع الذكورة والأنوثة أداة للتكاثر، ثم يوفق النبات نفس هذا التوفيق وعن طريق المصادفة أيضاً؟!!
كلا! يستحيل أن يكون هذا الأساس الواهي قاعدة التطور، ولابد أن يكون في أجزاء الوجود (مهما تنوعت أشكالها) قوة كامنة متشابهة في الجميع؛ هي الحياة. وهذه الحياة الحالّة في كل شيء تخلق فيه ميلاً خاصاً وتوجيهاً معينا يؤثران في كل جزئي من جزئياته، وهكذا يظل الجسم المادي يتشكل ويتغير حسب ذلك التوجيه الذي تمليه تلك الحياة الدافعة الكامنة فيه. وليس ثمة قوة خارجية تعمل على التطور كما خيل إلى دارون وأشياع مذهبه.
هذه الحياة الشاملة تسعى جهدها للتغلب على الجمود المادي وطمس معالمه من الوجود، فهي تتغلب على الموت بالتناسل، وأن ضحت في سبيل ذلك الافراد؛ وهي تبذل كل ما تملك من قوة لتحرير نفسها من قوانين المادة وأغلالها؛ فوقوف الحيوان وسيره وسعيه وكل ما يأتي من ضروب الحركة والنشاط، هو في الواقع تحد من الحياة لتلك الأغلال والقيود.
كانت الحياة في مبدأ ظهورها أشبه ما تكون بالمادة في جمودها واستقرارها، لأنها كانت تتمثل في النبات وحده، والنبات كالجماد في سكونه واستحالة سعيه وحركته؛ ولكنها ما لبثت أن نشدت الحرية من تلك القيود المادية؛ وراحت تسعى وراء ذلك المثل الاعلى، فاخترعت أنواع الحيوان، وزودتها بشتى الأعضاء التي يستطيع أن يحقق بها شيئا من تلك الحرية المنشودة، ثم ما لبثت أن عقدت أمالها في واحد من تلك الحيوانات جميعا: هو
следующие страницы →