← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

الشاعر والناقد الفرنسي في ذلك الوقت من حسد ريشيليهفقال: (عبثا يثور وزير على السيد، فكل باريس تنظر إلى شيمين بعيني رودريج (شيمين بطلة القصة ورودريج بطلها، وكان بينهما حب شديد رائع). ولكي يطفئ ريشيليه غلة حسده أوعز إلى مجمع العلماء ان يسفه القصة، فأعلن مكرها إن موضوع القصة تافه، وهذا مديح افلت من فم المجمع خلسة، لان كورني استطاع بعبقريته أن يجعل من الموضوع التافه قصة رائعة استدرت إعجاب الناس في عصره واستهوت نفوس الأجيال المتعاقبة. وقال اكثر خصوم كورني لؤما إن الجمال الذي يعجب به الناس في القصة لا يد لكورني فيه، وإنما هو (لدى كاسترو) الأسباني. وقد نال هذا القول من نفس كورني اكثر مما نال منها رأي مجمع العلماء الذي دحضه وسحقه نجاح القصة في طول البلاد وعرضها. فبحث في التاريخ القديم عن موضوع يخلق منه قصة هامة، فعثر في (تيت ليف) المؤرخ الروماني المشهور على تاريخ الموقعة التي حدثت بين آل هوارس وآل كورياس. واخرج من هذا الموضوع قصته العظيمة (هوارس) في عام ١٦٤٠. وفي السنة عينها اخرج قصة (سنا) أو رحمة أغسطوس التي نالت اكبر قسط من النجاح، وفي عام ١٦٤٣ اخرج (بولكيت) و (بومييوس) و (الكذوب) وكلها قصص خالدة أبلغته قمة المجد والعظمة. وعقب قصة (السيد) منح الملك لويس الرابع عشر والد كورني لقب الشرف ووثائق النبل، ثم دخل الشاعر مجمع العلماء في عام ١٦٤٧. استمر بعد هذه القصص التي ذكرها والتي بنت مجده على أسس متينة، يصف القصص التمثيلية واخرج كثيرا منها، ولكنها لم تبلغ الدرجة العلية التي بلغتها القصص السابقة وفي عام ١٦٥٢ اخرج للناس قصته (برتاريت) فلم تنجح. اشتد عليه هذا الفشل الأليم وهو الشاعر الكبير الملحوظ المنزلة فلزم الصمت سبع سنوات قضاها في روان مع زوجه (وكان قد تزوج في عام ١٦٤١) وأولاده الثلاثة. ثم شاءت المصادفة أن يزور (موليير) الشاعر وفرقته روان ويمثلون فيها بعض كوميدياته. ولما شاهد كورني التمثيل انتعش في دخيلته الحنان إلى المسرح. فعاد إليه في عام ١٦٥٩ أمام جيل جديد من النظارة بقصته (أوديب) فقوبلت مقابلة حسنة. ثم اخرج بعده عدة قصص ولكنها فشلت كلها. ويقال إن سبب الضعف الذي ظهر في قصصه الأخيرة يرجع إلى

стр. 3257

إفراطه في العمل وإجهاده القريحة والعجلة في التأليف، لانه كان في حاجة شديدة إلى المال بعد ما استنفذت تربية أولاده كل موارده المالية. ولكن الحقيقة انه كبر ومالت قوة ذهنه إلى الاضمحلال والركود. يدل على ذلك قوله: (شعري ذهب مع أسناني) نعم استطاع هذا الشعر أن يستريح بعد كثير من الآثار الخالدة التي تقص على القرون غرام رودريج وبطولة هوارس ورحمة أغسطوس واستشهاد وبوليكت. وفي الوقت الذي بدء فيه نجم كورني بالافول، كان نجم راسين يعلو ويسطع ويزدهي الناس إعجاباً وطرباً. وفي عام ١٦٧٠ عرضت هنرييت أخت زوج لويس الرابع عشر على كورني ان يضع تاريخ (برينيس) في قصة تمثيلية. وكان راسين فيالخفاء يراجع هذا الموضوع وهي تعلم ذلك. وأخرج الشاعران القصة في وقت واحد فنجحت قصة راسين نجاحا كبيرا وسقطت قصة كورني سقوطا مروعاً وفي عام ١٦٨٣ باع كورني منزله في روان إذ استبد به العسر. وكان لويس الرابع عشر قد قرر له معاشا سنويا قدره ٢٠٠٠ دينار بعد وساطة الشاعر شابلان ذي الحظوة لدى الملك. ودفع هذا المعاش بغير انتظام ثم الغي. وقد شعر (بوالو) بحالة كورني فقابل الملك ورجا منه أن يدفع المعاش للشاعر المسكين بانتظام فقبل رجاءه. ومن حسن حظه انه مات في ليلة أول أكتوبر عام ١٦٨٤ بعد أن ذاق مرارة الفاقة في شيخوخته، والشقاء هو الفدية الضرورية للعبقرية. وقد قام مجمع العلماء بنفقات دفنه، وكان مديره إذ ذاك القسيس (دي لافو) ولا تنتهي مدة عمله إلا في أواخر أكتوبر من ذلك العام. وجرت العادة ان يؤبن مدير المجمع، العضو الذي يموت. وكان راسين هو الذي سيعين مكان القسيس ولذلك حدثت بينهما مشادة إذ كان كلاهما يريد أن يحظى بهذا الشرف. وتمت الغلبة في النهاية للقسيس. ثم عين (توما كورني) عضواً في مجمع العلماء بعد موت شقيقه، فأهتبل راسين هذه الفرصة وأثنى أجمل الثناء على ذكرى منافسه العظيمة. وان خطبته في ذلك المقام لهي فخر لعبقرية الميت وكرم الحي. وسنذكر نبذة من هذه الخطبة القيمة عند الكلام عن حالة المسرح الفرنسي قبل كورني. مكانته ومواهبه ومذهبه كان حساد هذا الشاعر العظيم كثيرين. فلما مات لم يروا فيه غير الشاعر العبقري الذي

стр. 3258

خلق أروع القصص، وجاءهم بآيات في البلاغة بينات، ووضعوه في مكانة أعلى من المكانة التي كان يشغلها أيام مجده. ومن الغريب أن مدينة روان لم تقم تمثالا لأشهر أبنائها إلا في عام ١٨٣٤! وكان معاصروه من كبار الأدباء لا يستطيعون إنكار قوة ذهنه وعذوبة شعره ومتانة قصصه. ومنهم لابرويير وبوالو ومدام دي سيفنييه. وهذه كانت تصيح في كل مجلس قائلة: (ليحيى صديقنا القديم كورني! إن كتبه آثار أستاذ لا يجارى ولا يقلد! إنها الذوق السليم نفسه!). وكان هو نفسه يؤمن بعبقريته ويتحدث بها في عزة الرجولة وصراحة كريمة تفضل التواضع المصطنع الذي لا يخدع أحدا ولا يخفى ما وراءه من زهو خلق. وقد بقي وفيا لخلقه المزيج من البساطة والكرم والخجل والشجاعة والوداعة والسمو، حتى استوفى أنفاسه. ونستطيع أن نقول أن كورني قلب كبير ونفس جميلة. والدليل القوي على ذلك هو ما تركه لنا من الآثار الجليلة، وكل العواطف السامية التي يجدها القارئ في قصصه، مصدرها قلبه ونفسه ليس غير. كانت الأخلاق في عصره هابطة، والبطولة نادرة؛ فلما جاء عمل على إيصال القليل من حرارة الشعلة التي تحركه إلى خمود معاصريه، فتنبهت قلوبهم وهبت تخفق على توقيع ألحانه. يقال دائما أن الشاعر لا يصور إلا معاصريه، وان كورني استمد موضوعاته من العادات والأخلاق التي كانت تحت بصره. هذه قاعدة صحيحة بالنسبة للاخرين، ولكنها لا تنطبق على كورني لانه كان يصور الناس كما يجب وكما لا يجب ان يكونوا، أي كان يصورهم على طراز نفسه العالية. ومن يقرأ كتب هذا الشاعر يجد أن الرغبة في جعل الإرادة تتغلب على كل الصعاب والعقبات من عناصر البلاغة الخاصة بكورني، ويجد أن أبطاله سواء أكانوا يريدون قهر أنفسهم أم قهر غيرهم، يبذلون جهدهم في إقامة الدليل الذي يبرر إرادتهم وعملهم. وهم يشرحون حساسيتهم في شعر له نغمات الناي الساحرة، ويعبرون عن أرادتهم في لهجة خطابية. ولذلك يلذ لهم الحوار الطويل والمنطق السليم الذي يؤرث إرادتهم الخائرة،

стр. 3259

والبرهانات القاطعة التي تنتصر على ترددهم. وهم فوق ذلك وفي كثير من الأحايين يريدون ان تقر ضحاياهم أعمالهم وتوافق عليها. وكذلك نجد (رودريج) في قصة السيد يريد أن يجعل صاحبته (شيمين) تؤمن بأن قتل أبيها الكونت (دي جورماس) كان واجبا عليه. ونجد في قصة هوارس انه أراد أن يجعل (كورياس) يؤمن بان من واجبه قتله. وكذلك في (سنا) تحاول (راميلي) صاحبه (سنا) أن تجعل الإمبراطور (أغسطوس) يعتقد ان واجبها يأمرها بتدبير مؤامرة لاغتياله. قلنا إن كورني كان عييا في حضرة الناس، ولكنه كان خطيبا بلسان أبطاله وفي كل قصة نجد ان الحوادث هي نتائج قرارات الأبطال ومشيئتهم. ففي هوارس وسنا مثلا لا يحدث حدث إلا برغبة أبطال القصة، فالإمبراطور أغسطوس بعد أن عرف إن صديقه سنا يأتمر به ليقتله كان في مقدوره إذا أراد، أن يعاقبه بدلا من الصفح عنه، فالإرادة في مسرح كورني هي نابض الحركة الوحيد، لانه كان يعتقد إننا في الحياة سادة حظوظنا. وهذا ما يجعل لهذا المسرح قيمة خلقية فريدة، وان جعل الفعل الدرامي معلقا على مشيئة الابطال، لهو في الحقيقة تخفيض لنصيب الظروف أي تبرئتها مما نتهمها به. وليس هذا حقيقة خالصة، ولكن كورني أراد بذلك أن يرغب الناس عن التواكل والاستسلام ويربي فيهم الاعتماد على الإرادة ولكي نحكم حكما صحيحا على كورني، يجب ان نضع نصب أعيننا دائما انه المؤسس الحقيقي للتراجيدي الفرنسية. كثير غيره جاءوا بعده، متزودين بدروسه ومنهاجه، فماثلوه أو بذوه، ولكنه بقى أستاذ هذا النوع. انه هو الذي ابتكر استعطافا جديدا يقوم لا على الفزع والشفقة، ولكن على الإعجاب، الإعجاب بالمواقف، والإعجاب بالخلق، والإعجاب ببطولة الواجب وروعة التضحية. وهو الذي حدد شكل التراجيدي الفرنسية وجعلها (قضية أخلاقية توضع بواسطة العرض، ثم تحصل المناقشة فيها بواسطة انقلابات الحال ثم تحل في الختام) وعبقريته هي التي جعلت الترجيدي تحليلا نفسيا لشهوة من الشهوات تتدرج في طريقها حتى تصل إلى العنف والحدة ثم إلى النتائج الأخيرة. اثر كريني في التراجيديا والادب كانت الترجيديا قبل كورني محاورات طويلة. وكان واضعوها يصورون الوالد والولد والزوج في ظروف شخصية خاصة محدودة. ولكن كورني صورهم بطريقة عامة أي

стр. 3260

صور المثل الأعلى للوالد والولد والزوج. قال (سانت بيف) بحق (إن كورني هو الشاعر الجدير بأن يعاصر الفيلسوف (ديكارت). كان الفيلسوف يبرهن على وجوده بالفكر فيقول: (أني أفكر، إذن أنا كائن، وكان الشاعر يبرهن بالفكر على الحساسية المحركة والحياة، فكل شخص في قصصه يقول أني أفكر، إذن أنا شاعر حي). وكل ما يعاب على كورني انه لم يصور المرأة في قصصه تصويرا طبيعيا. وذلك لانه لم يحب قط، ولم يسبر غور القلب النسوي، وكل أبطاله النساء لا تمت إلى الطبيعة إلا بصلة ضعيفة لانه خلقهن من إدراكه لا من تجربته وملاحظاته. كان كل همه أن ينتج الإعجاب بالفضائل. وقد بلغ غايته بجعل الواجب يناضل الهوى ثم ينتصر عليه. أي انه بلغ غايته بتصوير البطولة احسن تصوير. وهذه الغاية أرغمته في بعض الأحايين على أن يبالغ في قوى أشخاصه ويعلو بهم فوق الضعف الإنساني ليحيلهم إلى أبطال. وقد اعجب (فولتير) في القرن الثامن عشر بكورني إعجابا شديداً، حتى انه تبنى بنت أخته وزودها بمهر ثم زوجها. ونشر كتب كورني وشرحها، وقال في المقدمة: (الشرح الوحيد لكتب كورني يجب أن يكون بكتابة هذه الكلمات في اسفل كل صحيفة: جميل. جليل. إلاهي!). وطبعي أن ينهض كورني بالمسرح الفرنسي لانه جاء في عصر زاهر مهيأ لهذا النهوض. إن المسرح من انفع وأنبل ما ابتكر العقل الإنساني لتهذيب العادات وصقل الخلق. لا يمكن أن يصل إلى كماله إلا عند ما تبلغ الجماعة نفسها قمة مدنيتها. ولهذا يتكون الفن الدرامي دائما في بطء بينما يظهر الشعر الحماسي والغنائي في طفولة الأمم بقوة اكثر مما يظهر في عصر نضجها. لان شعراء الملاحم والغناء يستطيعون أن يسلموا أنفسهم إلى جرأة عبقريتهم، وبهذه الجرأة يسبقون القرون. أما شعراء الدراما، ومهمتهم كما نعلم تهذيب الجماهير وإشعال الحماسة في نفوسهم، فأنهم مرغمون على أن يلائموا عبقريتهم مع عادات العصر الذي يعيشون فيه. ولذلك نرى أن الجماعة التي تبلغ شأوا بعيدا في المدينة، لا يشغل المسرح من أدبها إلا مكانا ثانويا. فإذا اقتربت من نضجها، اخذ المسرح مكانه في

стр. 3261

الصف الأول من مدرسة الإدراك. وهذا ما حدث في فرنسا في القرن السابع عشر، وما حدث في بلاد الإغريق قبل أن يأتيهم سفوكليس وأوربيدس واريستوفان واسنحيلوس. فقد كان للفرنسيين جودل وبايف وهاردي قبل ان يكون لهم كورني وموليير وراسيين. وإلى القارئ نبذة من خطبة راسين التي استقبل بها (توما كورني) لما صار عضوا في مجمع العلماء تلخص رأي هذا الشاعر في حالة المسرح الفرنسي قبل كورني ورأيه في كورني نفسه: (أي اضطراب وأي شذوذ يسود المسرح قبل كورني! كان الذوق مفقودا ومعرفة الجمال المسرحي مجهولة. وكان الجهل المعيب يجمع بين المؤلفين والنظارة. وكانت جل الموضوعات تحمل سمة الهوس، وعارية من الصدق. وكانت الألفاظ نفسها اكثر قبحا من الحوادث. وخلاصة القول، إن قواعد الفن حتى قواعد النزاهة والأدب كانت فريسة الفتك والعدوان، في هذه الطفولة أو على الأرجح وسط هذا العماء الذي كان يخيم على الشعر الدرامي في بلادنا، جاء كورني. وبعد أن جاهد وناضل الذوق الدميم مزوداً بسلاح العبقرية ومعتزاً بقراءة القدامى، أظهر على المسرح العقل تحف به أبهة اللغة وروعة البيان، فطغى صوته على صوت منافسيه فأخفاه. ولما يئسوا من بلوغ مكانته عمدوا إلى تسفيه كتبه، وحاولوا أن ينالوا بالنقد الطائش من جدارته، ولكنهم فشلوا وحاق بهم مكرهم السيئ. السيد وسنا وهو راس، ملأت الأسماع وهزت أوتار النفوس وترجمت إلى عدة لغات، ستظل حية على مر العصور في أفواه الناس، كورني فن وقوة وبراعة، وخصوبة ونبل وعظمة). هذا كلام راسين الذي كان ينافس سلفه، وهو قول حق. وعند ظهور كورني، كان قد مضى على الناس ما يزيد على مائة عام وهم يعالجون التفكير ويتألفون الشعر والنثر دون أن ينجحوا النجاح المرجو. وعبثا نهبوا مؤلفات الأقدمين ومسخوها، وعبثاً سرقوا من لوكريس وفرجيل وهوراس وسنيكا أو من الإيطاليين والأسبان. وعبثا انتحل كتاب النثر لأنفسهم من سيسرون وبلوطارخوس. ثم جاء كورني وديكارت فحررا اللغة والفكر الفرنسي من ربقة الإغريق والرومان، فهما أول من أعطى للأدب الفرنسي صبغته الخاصة وطابعه القومي. فالسيد و (رسالة في المنهج) لديكارت يعينان عهدا جديداً في تاريخ الأدب والفكر الفرنسي. فقد كسرا أغلال اللغة وكانت أسيرة في أطلال اللاتينية، وأنقذا الفكر من محنته وكان يريد

стр. 3262

ذلك ولا يستطيعه. وبفضلهما وجد في أوربا كلها بين كل الذين يقرأون ويكتبون أداة عامة جديدة للتفاهم. هي لغة ديكارت وعلى الأخص لغة كورني التي سادت من عام ١٦٤٨ تحرير معاهدات التحالف والصلح، وأصبحت آخر الآمر اللغة الوحيدة تقريبا للأدب والفلسفة والعلم. وكما يفخر الرومان بان عصر أغسطوس انتج هوارس وفرجيل، كذلك يفخر الفرنسيون بان عصر لويس الرابع عشر اكبر ملك حكمهم، انتج اكبر شاعر لهم هو كورني. ونختم هذا المقال بكلمة نابليون: (القصة التمثيلية تشعل النفس، وتسمو بالقلب، وتخلق دون ريب أبطالا. وإني اجهر بأن فرنسا تدين لكورني بجزء كبير من أعمالها المجيدة. إن القصص التمثيلية مدرسة عالية لعظماء الرجال، ومن واجب الملوك تشجيعها ونشرها. ولو كان كورني حيا في زمني لجعلته أميراً). وما قيمة اللقب الرسمي في جانب اللقب الذي ناله من الشعب وهو كورني العظيم؟! ولماذا وهبه الشعب هذا اللقب؟ لانه جاءهم بقصته السيد، وهي الحب في اجمل اثوابه، وبقصته سنا، وهي السياسة في أسمى اشكالها، وبقصته بولكيت، وهي الدين في أروع مظاهره، والحب والسياسة والدين هي (ثالوث) القلب الإنساني. حسن صادق

стр. 3263

البؤساء لفكتور هوجو في سنة ١٨٦٢ اخرج فكتور هوجو روايته الخالدة (البؤساء) وكان قد لبث مدى ثلاثين عاما يفكر في أن يكتب كتابا في صنوف البؤس التي يعانيها الشعب ويستجمع له شوارد نظرياته الأخلاقية والسياسية فلم ينضج مشروعه إلا بعد أعوام طويلة من التأمل والبحث، وكان مشروع كتابه الأول يتألف من أربعة أقسام بسيطة هي: قصة قديس (وهو الراهب ميريل) وقصة رجل (وهو جان فالجان) وقصة امرأة (وهي فانتين) ثم قصة دمية (وهي كوزيت). ونظم فكتور هوجو هذه الأقسام الأربعة في سلك رواية طويلة متناسقة ساحرة البيان والمعنى، تثير في كل موقف من مواقفها وكل صفحة من صفحاتها أسمى العواطف الانسانية، وتبعث فيه كوامن الإشفاق على جان فالجان الذي دفعه البؤس وحده إلى سرقة رغيف من الخبز، والذي ينبض فيه قلب رجل خير كريم مخلص، والإشفاق على فانتين تلك الفتاة المسكينة التي أغويت ثم نبذت والتي تبيع حتى شعرها وأسنانها لتطعم ابنتها، ولا تبيع شرفها إلا نزولا منها على حبها الأموي، والإشفاق على تلك الصغيرة المسكينة التي تعاني على يد أسرة تاردييه أمر ضروب الاضطهاد والذلة، ثم الإشفاق والحب نحو البؤساء والمساكين الذين يمثلهم القس ميريل، وصلابة الواجب الذي يفهم على غير وجهه في شخص الشرطي جافير. وهيكل القصة الأولى مؤثر، فهو يتلخص في مكث جان فالجان بالمنفى وفي تحريره، وفي توبته وعيشته رجل خير محب للإنسانية في معمل الزجاج، ثم موت العاملة فانتين، ودخول ابنتها كوزيت في أسرة تاردييه، ثم قضية شان مايتو واتهام جان فالجان لنفسه وتسميه باسم مادلين، ثم أعادته إلى المنفي حيث يفر فيطارده الشرطي جافير ويلتجئ إلى محلة (بتي بكبيس). وتسير القصة بعد ذلك في نسق رواية بوليسية يتخذ معظم أشخاصها أسماء مستعارة وتكثر فيها المفاجئات الغريبة وتأخذ القارئ أخذا عنيفا بمواقفها الشائقة. وقد عنى فكتور هوجو بأن يلزم جانب الحقيقة دائما في قصته وان يقدم فيها لقارئه أشخاصا حقيقين وأوصافا دقيقة، وحوادث معقولة، فأما القس ميريل فهو يمثل شخصية

стр. 3264

حقيقية عاشت وعرفها فكتور هوجو ودرسها منذ سنة ١٨٢٩ وهي شخصية المونسنيور ميوليس أسقف (ديني). المونسنيور ميوليس قد آوى ذات يوم مجرما بائسا يدعى بيير موران وحمله على التوبة وانتهاج سبيل الخير. وقد وقعت معظم الحوادث التي يقصها فكتور هوجو حقيقة في أسقفية (ديني)، سنة ١٨٠٦، وهي حوادث يلخصها الواعظ إنجيلان فيما يأتي: - (في ذات يوم من أيام سنة ١٨٠٦، دخل بيير موران وهو مجرم افرج عنه، مدينة ديني نحو الساعة الخامسة مساء بعد أن قطع يومه سائراً، وكان في السادسة والعشرين من عمره، فلما رده جميع أصحاب الفنادق، وأنهكه الجوع والتعب، قصد بناء على نصح سيد عجوز، باب الأسقفية وطرق الباب طرقا عنيفاً، فلبث الأسقف هادئا، ونزلت خادمته روز شاحبة مضطربة وهي تقول - رباه! من ذا الذي يطرق بهذا العنف؟ ودخل بيير موران، ولم يكن في هيئته ما يطمئن؛ ومع ذلك فقد كان يبدو عليه الوجل والحيرة وعذاب المسبغة، وكان وجله يتعارض مع كتفيه العريضين ووجهه القوي، وكأنهم جبينه ينضح عرقا؛ فراعه محيا القس الوديع وغمغم بعبارات لا تفهم، فهدأ القس روعه وخاطبه بتلك البساطة التي تذهب إلى أعماق النفس؛ وقدم إليه العشاء وهيئت له غرفة للنوم. . .) وشعر بيير موران انه قد تغير وغدا شخصا آخر، فدخل ممرضا بمستشفى متنقل؛ وكان قويا متين البنية مثل جان فالجان، فكان يؤدي عمله كالابطال، وحمل بين يديه ضابطا جريحا، ثم عاد بعد ذلك إلى منزل القس واحب ابنة أخته وخادمته روزالي، ولكنه لم يجرؤ على طلب يدها، فأختفى وقتل في موقعه واترلو ولم يقتصر فكتور هوجو على أن يتحرى الحقيقة بالنسبة لأبطال روايته، ولكنه ذهب إلى تحريها في أوصافهم وأخلاقهم وفي الأوساط والبيئات التي عاشوا فيها مستندا في ذلك إلى وثائق دقيقة. وتبدو عنايته الشديدة بالبحث والدرس حينما يقص حوادث موقعة واترلو، فقد زار مسرح الموقعة الشهيرة ودرس خططها وأماكنها واوضاعها، ورجع في حوادثها إلى تواريخ العصر وسيره ووثائقه. والحقيقة ان (البؤساء) اكثر من رواية واعظم من قصة؛ (فالبؤساء) بموضوعها وأوصافها قصيدة رائعة للبؤساء، ترتفع إلى السمو، وتشدو فيها العواطف البشرية، ويمثل شدوها في صورها؛ هي تنبؤ بليغ حي، هي نوع من الوعظ الدنيوي يضطرم بنبرات رسول؟

стр. 3265

العلوم ماء جديد للدكتور أحمد زكي الماء من اقدم أشياء هذا الوجود، فهو لاشك سبق الإنسان وسبق الحيوان، ولاشك سبق النبات، أليس من الماء كل شئ حي؟ هكذا قالت الكتب السماوية، وعليها آمنت الكتب الفلسفية فالعلمية. وقد أدرك خطر الماء الحكماء في العصور الخالية، فعدوه رابع أربعة من جواهر حسبوا الكون بما فيه تكون منها، ومنها فحسب، بنسب تكبر وتصغر فيتألف منها الجسم الذي ترى بخواصه التي تعرف. وجرت على هذه العقيدة قرون تلتها قرون. حتى جاءت الكيمياء الحديثة بعناصرها ومركباتها، وجاءت بجزيئاتها وذراتها، فأفسدت على الحكماء حكمتهم، وطاحت بالأصول الأربعة التي فرضوها على الوجود، وأثبتت إن الماء مركب من عنصرين الأيدروجين والأوكسجين، بنسبة وزنية ثابتة. نعم قد يتغير الماء لونا وطعما وكثافة، فقد يتملح وقد يتطين وقد يتغوز، فالغازات تذوب بالماء كما تذوب الأملاح، ولكن إيت بالماء من الأرض أو من السماء، على أي حال تشاء، ثم رشحه من أوساخه، وقطره ليخلص من املاحه، واتبع لنقائه أموراً أخرى عديدة تجدها في مفصلات الكيمياء، ثم حلله تجد نسبة الأيدروجين الذي فيه إلى الأوكسجين ثابتة لا تتغير. هذه بديهة من بدائه الكيمياء، فرغ منها العلماء من زمن، أو حسبوا انهم فرغوا منها. بديهة تسئمك قراءتها بلا شك، كما تسئمني أنا كتابتها، لولا إن البدائه كثيراً ما تنتابها الشكوك فتعكر عليها الهادئ في هذا الوجود المضطرب، حتى بدائه العلم. إن الأيدروجين أخف الغازات المعروفة، وذرته أخف الذرات. ومن اجل هذا اتخذ وزن ذرته وحدة تقاس بها ذرات العناصر جميعاً. ولكن هذه العناصر إن اتحد بعضها بالأيدروجين فأمكن إيجاد ذرته، فأن الكثير منها لا يتحد به وإنما يتحد بالأوكسجين، فيمكن عندئذ احتساب وزن ذرته منسوبة إلى ذرة الاوكسجين، ولكن المراد نسبتها إلى الأيدروجين حتى يكون اصل النسب واحد، فكان لابد من احتساب كم من الأيدروجين يتحد بكم من الأوكسجين واحتساب ذلك بدقة كبيرة لان هذه النسبة سيتوقف عليها ضبط نسب أخرى عديدة.

стр. 3266

اتجه الكيمياويون إلى احتساب هذه النسبة الخطيرة، وهي النسبة التي يتكون بها الماء الذي تشربه واشربه، وفي كل عقد وفي كل عام يخرج الباحثون بنسب متقاربة كل التقارب، إلا أن بينها فروقا صغيرة لا تفتأ تظهر عند الحساب! خطأ في الميزان يا صديقي، وفرق لابد منه مادامت يد الإنسان العاجزة تقوم بهذه التقارير، وأجهزته الناقصة هي كل حيلته في الوصول إلى بغيته. حسنوا الأجهزة، ودققوا في صنع الموازين، واتخذوا كل حيطة إنسانية لمنع الخطأ أن يتسرب، ولكن هيهات ان تتفق الأرقام الناتجة. حتى كان يوم قريب قدروا فيه هذه النسبة من جديد، فتبين لهم من الأسباب ما حملهم على الاعتقاد ان الخطأ ليس في التقدير، ولا عجز في الإنسان ولا في نقص أجهزته، ولكن في الفرض الأساسي الأول: إن ذرة الأيدروجين ثابتة الوزن، وان ذرة الأوكسجين ثابتة الوزن. عرفت الكيمياء في السنوات الحديثة، إن العنصر الواحد قد تتشكل ذرته من تشكل واحد. فالزئبق والكلور والبروم والكربتون والزينون وكثير غيرها لكل منها شكلان فأكثر تتفارق في الوزن تفارقا صغيرا وتتقارب في الخواص تقاربا كبيرا. وإذن فلم لا يتشكل الأيدروجين أو الأوكسجين أو كلاهما مثل هذا التشكل؟ لم لا يكون للأيدروجين ذرتان، ذرة خفيفة وذرة ثقيلة، وإذن لم لا يكون للماء جزيئان، جزئ خفيف وآخر ثقيل، اعني لم لا يكون الماء مائين، ماء ثقيل يليق بالحلاقيم الغليظة للجنس الخشن من الرجال، وماء خفيف يتفق والجنس اللطيف من الآلي يدميهن الحرير ويؤذيهن النسيم. العلم يتخيل فيخال، وإذا بالخيال حقيقة. وتلك الحقيقة أتثبتها الأستاذ لويس وذلك بأن أمر التيار الكهربائي في الماء يحلله على ما هو معروف إلى عنصريه، فأثبت إن الأيدروجين الخفيف هو الذي يصعد من الماء أولا، وانه عندما يتحلل اكثر الماء تتبقى منه بقية صغيرة هي الماء الثقيل الذي يحتوي الأيدروجين الأثقل. أعيدت هذه التجربة بصورة أكبر فنتج عنها ماء ثقيل أكثر تركزاً. وخالوا أن الذي يأتي به التحليل بالكهرباء يأتي به التقطير بالنار، فقطروا الماء فحصلوا على نفس النتيجة. كم من ألوف حللو الماء، وكم من ألوف قطروه في الأجيال المنصرمة، وفاتهم جميعا كنه ما يصنعون. ومن الغريب أن هذا الماء الجديد سم. نعم سم برغم ان الماء اصل الحياة. وضعوا فيه

стр. 3267

فراخ الضفدع فماتت في ساعة، ووضعوا فيه سمكا فمت في ساعتين، ووضعوا فيه دودا فمات في ثلاث. ولكن بالطبع كان هذا (الماء الثقيل) مركزا تركيزا كبيرا، فقد كان تركيزه ٩٢ في المائة. ولما أضافوا إليه (الماء الخفيف) حتى بلغ تركيزه دون الثلاثين في المائة عاشت فيه كل هذه الأحياء (والماء الكثيف) يوجد في الماء الشرب العادي بقدر جزء واحد في كل ٢٥ ألف جزء أو نحو ذلك. فهو لا اثر له في الإنسان. بل على النقيض قد يكون فيه نفع له. أليس كثير من العقاقير كالزرنيخ والأستركنين سما زعافا. ومع هذا يعطى للمرضى بمقادير صغيرة فيكون فيه الشفاء من أدواء؟ على أن اثر هذا الماء الجديد في الأحياء الراقية ومنها الإنسان لم يمتحن بعد، فالحصول على المقدار الكافي منه لا يزال عملا عسيرا. ويختلف (الماء الثقيل) في خواصه الطبيعية عن الماء العادي، فهو لا يتجمد على درجة الصفر المئوي بل في نحو درجة ٤، وهو لا يغلي على المائة بل على نحو درجة ١٠١. فإذا ذكرنا أن درجة الصفر ودرجة المائة إن هي إلا درجات اصطلاحية، تعريفها أنها درجة تجمد الماء ودرجة غليانه على التوالي، حق لنا أن تبتسم ابتسامة خفيفة لما حاق بعلم الحرارة من إخلال بأساسات مقاساته، وقد كان عدها الفيزيائيون ثابتة تزعزع الجبال وهي لا تتزعزع. ونال الفيزيائي غير هذا إخلال جديد في أساس أوزانه. فالجرام ما هو؟ أليس هو وزن سنتيمتر مكعب من الماء ولكن أي ماء، ثقيلة أم خفيفة؟ على أن هذه إختلالات لا تؤثر في حوائج العلم العادية، ومطالب الحياة الجارية، فعين الإنسان قاصرة، ترى الكون كتلا كبيرة ولو ظنتها جسيمات صغيرة، ويده تحس الكون كذلك كتلاً، وانفه يشم الكون أجمالا لا تفصيلا، وأذنه تسمع أنغامه وتظن أنها تستطيع إدراكها نغمة نغمة، ولو إن كل نغمة منها أنغام تحتوي انغاماً، وهو مستمتع في كل هذا بقصور حواسه، قانع برؤية الوجود غبشا وضبابا، مادام لا يحس انه غبش وضباب، فلننس ما كان من تحقيق العلماء وتدقيقهم، ولنشربه زلالا سائغا خفيفه وثقيله، وعلى الدنيا وعلى العلماء العفاء. احمد زكي

стр. 3268

القصَص قصة شابة ريفية المجنونة للأستاذ علي الطنطاوي قالت ربة المنزل، وقد حف بها أولادها وأحفادها، وجلسنا نحن على مقعدين نصبوهما لنا في صدر الغرفة: قالت أصغوا ألي فأني قاصة عليكم الليلة قصة واقعة. شاهدت حوادثها بعيني رأسي. ولا يزال أشخاصها أحياء يرزقون، وليس كل ما تمتاز به أنها واقعة، ففي الواقع كثير من التوافه، ولكنها تمتاز بأنها مؤثرة وان فيها عبرة. كنت صغيرة لا أكاد أدرك. . . إذن فالقصة منذ ستين سنة على الأقل! فرمت المرأة صديقي بنظرة تأنيب على هذه الإهانة التي تلقاها بها، واستمرت في حديثها: . . . كنت بنت سبع سنين يوم دخل (رظا) أفندي البلد. وأني لا ذكر ذلك بوضوح على الرغم طفولتي وقدم العهد. . . لان بلدنا كان يومئذ معتزل العالم، وكان مرور الجند في البلد. أو زيارة غريب أو سفر أحد الفلاحين إلى دمشق، يعد حادثا تاريخيا يلهج به الفلاحون شهورا. ويتخذون منه مادة لأحاديثهم في أسمارهم، وكان اليوم جمعة فلم يرع الناس وهم منصرمون من الصلاة إلا شبح شخص يلوح في الحرة المحيطة بالبلد، ثم يبدو واضحاً وإذا هو رجل طوال منحن يمسك بيمناه عصا طويلة قد علق بها صرة كبيرة، ويجر بيسراه طفلة له، وكانا يجدان عناء في تسلق هذه الصخور والقفز على هذه الأحجار السوداء الحديدة الجوانب، حتى أن الطفلة سقطت اكثر من مرة. فكان الرجل يقبلها، ويصب في أذنها كلمات حلوة معسولة، ويشير لها إلى البلد، فتعاود المسير يحفزها أمل بارق، في ظلام من اليأس تجمع الناس في رحبة البلد، ينظرون إليهما، وتطوع فريق منهم للأخذ بأيديهما ومساعدتهما، واخذ رجل حماره ليركبهما، وعمد آخر إلى شئ من الخبز والجبن وقمر الدين فأخذه إليهما زاعما إنما قد حطمهما الجوع، وحملت امرأة جرة ماء

стр. 3269

مؤكدة أن ليس بهما جوع ولا تعب. ولكن الضرب في هذه الحرة المحرقة ثلاث ساعات من الكسوة إلى زاكية، ثلاث ساعات في هذه الظهيرة اللاذعة قد قتلهما عطشا. ولم تشأ المحدثة أن تثبت هذه المناسبة دون أن تعظ أولادها وتصف لهم جلال الأخلاق الماضية وجمالها فقطعت قصتها وقالت: أرأيتم؟ هكذا كان الناس: يساعدون الغريب يواسونه بنفوسهم، لا كما تصنعون انتم اليوم. فقلت: ولكن الرجل؟ هل أكل ما حملوا إليه من طعام؟ قالت: كلا، كان مريضا فلم يأكل شيئا. أما البنت فقد كانت سابغة لاغبة. فأكلت وشربت ثم نامت مكانها من التعب. حملوا الرجل وابنته إلى دار الشيخ، وكان المرض والضعف قد بلغا بالرجل. فأرادوه على الطعام ليشتد أزره فأبى. فعرضوا عليه الدواء الذي يتخذونه لمثل علته فرفض أيضا: - لا أريد. لا أريد شيئا. لا تفكروا في. أني ميت. قد انتهيت، ولكني موصيكم بهذه الطفلة فهي أمانة في أعناقكم. . لقد غالبت الموت حتى بلغت بها هذه القرية، قد حملتها فوق ما يطيقه إنسان، لقد جابت معي البلاد كلها من القسطنطينية إلى هنا، من القسطنطينية إلى زاكية في ست سنين لم نذق فيها ليلة هناء واحدة. وأطبق عينيه وفمه. وسكت، وحاولوا أن يفهموا منه شيئا آخر فلم ينبس. واعترته حال غريبة لم اكن اعرف يومئذ ما هي، ولكني فهمت منها، ومن صوت الرجل الذي خرج خافتا رهيبا كأنه خارج من قبر، ومن وجهه الشاحب المخيف، وأنفاسه المتقطعة ولهجته الغريبة، انه ليس كمن أرى من رجال، وان له شأنا. . . ولكني لم استطع البقاء اكثر مما بقيت فعدت إلى الدار كيلا تضربني أمي. وفي الصباح سمعت إن الغريب قد مات - مات ليلة قدومه كأنما قد طوف في بلاد الله هذا التطوف لينام إلى الأبد على هذه الحجارة السوداء، ويستمتع بحلم طويل اثر رحلة شاقة! بقيت الطفلة وحيدة فكفلتها زوجة شتيوي، وكان شتيوي من شيوخ البدو المقيمين في هذا البلد. وكان غنيا موسرا، ولكن زوجه عاقر لم تأته بولد طيب صالح يعلمه الفروسية والرمي، ويستخلفه في أهله وماله، على الرغم من أنها راجعت الأطباء والمنجمين والمشايخ والمشعوذين في دمشق وفي قطنا، واصطنعت عشرات الأدوية والتمائم فلم ينفعها

стр. 3270

ذلك كله فتيلا. فيئست. . . ولما كفلوها هذه الطفلة تلقتها بسرور. واتخذتها ابنة لها. . . كانت الطفلة في التاسعة من عمرها يوم مات أبوها. فلم تلبت في بيت شتيوي سنين حتى نمت واكتملت، وغدت اجمل فتاة في البلد، ولكنها كانت غريبة عن نساء البلدة فهي شقراء، لها عينان زرقاوان، وجسم متناسق جميل، كأنما هي إحدى الفتيات اليونانيات اللاتي عرفناهن في حي المهاجرين في دمشق. بل كأنما هي ديان، غادية إلى الصيد! وكانت تجول كل يوم في هذه الصخور؛ لا كما يجول نساء دمشق إذ يمشين متباطئات متكاسلات نصف ساعة في طريق المنشية، أو في شارع بغداد، ثم يعدن في عربة، بل كما يجول الراعي النشيط ساعتين أو ثلاث تقفز فيها كما تقفز الغزال الشارد، كأن لها خفته وملاحته. وكانت غريبة في طباعها وأخلاقها، كما كانت غريبة في شكلها، وصورتها، فلما اكتملت أنوثتها وتفتحت زهرة الحب في قلبها، لم نجد لها قاطفا، إذ لم يكن في الناس من يجرؤ على الزواج بفتاة لقيطة لا تعرف أسرتها ولا يعلم نسبها، فضلا عن إنها تقرأ، وإنها قد قرأت كل ما كان مع أبيها من كتب وحفظت ما فيها من كفر وترهات. كانت الفتاة تعود إلى البيت حينما تعود الشمس إلى خدرها، فتملأ البيت طربا ومرحا، فلما كان ذلك اليوم الذي قلب عليها حياتها، لم تعد إلا في ظلمة الليل، وكانت تهبط الصخر بحذر تحمل شيئا ثقيلا حتى بلغت الدار فولجتها وقد أنهكها التعب، ولكنها كانت هاشة باشة ككل فتاة في السابع عشرة من عمرها، فوضعت حملها برفق على إحدى الأرائك، وقالت لامها في سذاجة: هاك زوجي، وجدته طريحا عند الصخرة الشرقية. وقد أغمى عليه من هذا الجرح، ستعنين به اجمل عناية حتى إذا ما شفي تزوج بي. . . أليس كذلك؟ فهزت المرة رأسها وقد حدثها قلبها وقلب المرأة (ترمومتر) الحياة - بكارثة، ولكنها لم تجد مجالا للقول فانصرفت إلى العناية بالجريح - وكان ضابطاً ألمانيا جميلا قد خرقت صخرة قذاله وشجته شجا عميقا. ودعت المرأة زوجها فشرع يعالجه بالبلسم والحراقة وما إليها من الطرق البدوية التي قلما تخطيء في مثل هذه الحالات. والفتاة متعلقة به تسأله عن مبلغ

стр. 3271

الأمل في شفائه، وترجوه ألا يدخر وسعا في معالجته، لأنها تود شفاءه ليكون لها زوجا، ولما تمت العملية ألقت المريض على سريرها. وألحت على الرجل وزوجه أن يدعا خدمته لها. ففعلا. جثت أمام السرير كما يجثو العابد في صلاته. وراحت تتأمل وجهه وعينيه المغمضتين في ذهول عميق ونشوة غريبة. وتجرؤ أحيانا على مس شعره الأشقر المتهدل على العصابة مسا رقيقاً، كما يمس المرء شيئا يقدسه ويخشاه ثم تقبض يدها في سرعة. . . نديدة! نديدة! نعم يا بابا ألم تنامي بعد؛ دعي المريض فانه لن يفيق من غيبوبته قبل الصباح نعم سأنام ولكنها لبثت جاثية أمام السرير لبث الرجل وزوجه ينصحانها. يحاولان أن ينزعا غرس الحب من قلبها قبل أن يقوى ويشتد، فكانت تعرض عنهما وتعيد أبداً كلمتها الأولى: هذا هو زوجي. مر على هذه الأمسية عشرون يوما لم تفارق فيها الفتاة الضابط ولم تعد تجول كما كانت ولم تعد تفكر في شئ. . . وكان الناس يتساءلون عن صلة هذا الإفرنجي الكافر بأسرة شتيوي، فإذا قيل لهم انه مريض وانهم يعالجونه. انصرفوا إلى أعمالهم ساخرين. وصحا الضابط وذكر كيف خرج يتصيد فجره الصيد إلى هذه القرية، وكيف زلت قدمه فوقع من ذروة الصخرة، وأحس بالدم الحار يسيل على عنقه، ثم لم يعد يذكر شيئا. . . إلا انه فتح عينيه فوقعتا على عيني فتاة جميلة، حسبهما في الوهلة الأولى، عيني زوجته الفاتنتين الزرقاوين، وانه وجد نفسه على سرير نظيف محاطا بالعناية والعطف، وانه لبث ينظر إلى الفتاة في صمت وخشوع وشكران نظرات طويلة، ثم مد يده إلى يدها الرخصة اللينة فأخذها إلى فمه، ليخط عليها أول كلمة من القصيدة التي تضطرم بها نفسه، قصيدة الشكر للجميل، والشوق للجمال، وان الفتاة لازمته بعد ذلك ملازمة الظل، وحرصت على سروره وهنائه، فكانت تحدثه أطيب الأحاديث البدوية وألذها، فكان يجيبها بعناء ومشقة، لضيق العربية عليه، ويعجز ان يأتي بالكلمة المناسبة فيأتي بها بالألمانية فتفهمها الفتاة

стр. 3272

وهي لا تعرف من الألمانية كلمة، كأنما هي في قلبه، أو كأنما هو - وذلك اصح - في قلبها، ولكن شيئا من ذاك لم يتجاوز في رأيه صلة المجاملة والمتعة بالجمال. أما الفتاة المتفتحة للحب فقد كانت ترى في هذا كله علامة على الحب الصادق الذي كانت تتوق إليه وتحلم به. وقد ابتغى لها الضابط شتى المعاذير في هذا الموقف حينما اخبره به الشيخ شتيوي، وأعطاها كل الحق في أن تحب. أما أن تصر على اتخاذه زوجاً لها وهو الرجل الألماني المتزوج، وهو الموظف الذي لم يبق من إجازته غير أسبوعين. فأمر مضحك لم يستطع برغم احترامه لشتيوي وشكره إياه إلا أن يتلقاه بقهقهة طويلة مجلجلة. ما هي جريرتي إذا هي قد أحبتني؟ لم أني أشجعها على هذا الحب. ولم اقطع لها أي وعد بالزواج. وما وقفت منها إلا موقف الرجل المهذب الشاكر. ففسرت ذلك بأنه الحب. ولكنه تألم إذ يحمل إلى الفتاة التي حملت إليه البرء والحب الألم واليأس. وجرب الإعراض والإساءة إليها علها تنساه. وتنقطع هذه الصلة بينهما من غير أن تخلف وراءها قلبا داميا. فلم يفده ذلك شيئا، وازداد حب الفتاة اضطراما. فأزمع السفر مضطراً وأزف الوداع فتعلقت به وأبت أن تفارقه. وأعرضت عن كل نصيحة، ولم تنفع فيها موعظة ولا زجر. فاقتربت زوجة شتيوي من الضابط وهمست في أذنه كلاما فعاد طلقا مستبشراً. فامسك بيدي الفتاة بحنو وقال لها: ساعود لأتزوجك. فدعيني اذهب لأعد عدة الزواج. سأعود. . . فتركته الفتاة مصدقة ووقفت على الصخرة التي لقيته عندها تبكي وتشير إليه بمنديلها حتى اختفى. فعادت إلى البيت تقول لامها: لقد وعدني ان سيعود. سيتزوجني! نعم سيعود! مر شهران تصرّم فيهما صبر الفتاة. فكانت تمضي نهارها حيال خريطة قديمة كانت بين كتب أبيها تنظر فيها. وتحاول أن تعرف أين تقع ألمانيا من وجه الأرض، وكم هي المسافة إليها. ولكنها لم تكن تعرف شيئا عن البحار ولاعن الوسائط النقلية. فكانت تصوراتها لا تعدو أن تكون أحلاما مبهمة. وكانت تبكي بكاء خافتا وهي مكبة على الخريطة. وتستعيد في نفسها صورة الضابط

стр. 3273

وصوته وحركاته. ثم تعاود البكاء والنشيج، أما هو فقد نسيها. ولم يذكر اسمها إلا مرة واحدة. في كتاب أخرجه عن الشرق. وقطعت المرأة حديثها لان الباب قد انفرج عن عجوز منحنية على عصا طويلة تصرخ صراخا مزعجا. وتهذي بكلمات مبهمة. ووراءها سرب من الصبيان يقرعون بأيديهم الحجارة ويصيحون مج. . مج. . مجنونة! مج. . مج. . مجنونة! فلما نجت منهم، ألقت بنفسها على عتبة الباب، وجلست تبكي بكاء أليما. . . فهمست في أذن ربة الدار: من هذه المجنونة؟ إنها صاحبة القصة يا سيدي. .! دمشق علي الطنطاوي

стр. 3274

٢ - شهر بالغردقة للأستاذ الدمرداش محمد مدير إدارة الامتحانات والسجلات بوزارة المعارف مدير المحطة الدكتور كرسلاند كما أسلفنا وهو عالم بيولوجي له خبرة حسنة بحياة المرجان وأجناسه وتطوراته، وهو في العقد السادس من عمره، طويل القامة، صحيح الجسم، وسيم الوجه، لطيف المعشر، إذا تكلم رفع صوته لثقل في سمعه، وهو جم النشاط تجده في المعمل، ثم تراه في المكتب، ثم تلقاه في الطريق، ثم تعثر عليه في الجراج، ثم تبصره في البحر، ثم تعلم انه في مركز الشركة ينظم وسائل نقل الماء مثلا، وهكذا فهو حركة دائمة تلقاه في كل مكان. ولعل من احسن فضائل الرجل حبه الشديد للمحطة ورضاه التام عن حالة العزلة التي يعيش فيها. كان الجو طوال المدة التي مكثناها بالغرفة معتدلا، فلم تتعد درجة الحرارة في معظم الأيام درجة الثلاثين على الترمومتر المئوي، مع جفاف شديد في الهواء قل أن تجده على شواطئ البحار، ونسيم البحر دائم الانطلاق، وأحيانا يشتد حتى لينقلب في بعض الليالي إلى ريح عاصفة، تثير الأمواج وتهز البيوت وتقلق المضاجع. وماء البحر بالقرب من الشاطئ دافئ لا يجد فيه الكثيرون ممن ألفوا الاستحمام في الشواطئ المصرية الشمالية متعة البحر ولذته، كما إن السباحة فيه أحيانا غير مأمونة العاقبة لوجود سمك القرش بكثرة في هذه الجهات. كان الباعث للرحلة عمل مباحث واسعة النطاق على الطفيليات التي تعيش في اسماك البحر الأحمر، وقد استحضر معه الدكتور عبد الخالق بك جميع ما يلزم لهذا البحث من أجهزة علمية ومواد كيميائية، ملأت صندوقين كبيرين من الخشب، وعقب وصولنا وضع الدكتور الخطط الكفيلة بتحقيق الغاية على الوجه الذي أراده، فكان صيادو المحطة يخرجون كل يوم للصيد في قواربهم الصغيرة (الهورى) ويعودون بها عند بزوغ الشمس موقرة بأنواع السمك المختلفة بين صغير وكبير، وعند وصولها يستقبلها الدكتور ومساعدوه، ويشرعون في الحال في ترتيبها إلى فصول ثم تشق بطونها وتفحص محتوياتها بالمجهر بالعناية والتدقيق وطول الأناة التي يستلزمها البحث العلمي.

стр. 3275

وكانت هذه العمليات المتشعبة وما تستلزمه من كتابة أسماء وتدوين مشاهدات، وضبط أسماء الأنواع وقيد الصفات ورسم الأشكال وحفظ العينات والنماذج، تستغرق اليوم كله، وأحيانا شطرا من الليل، ومع تشابه هذا العمل وتكرار اليوم بعد اليوم فأنه لم يزد الدكتور إلا إمعانا في البحث، وتوافرا عليه من غير كلل أو ملل، فيذهب إلى معمله مع بزوغ الشمس. ولا يفارقه إلا إذا خيم الظلام، وكثيراً ما كان يعود إليه بعد العشاء، مستضيئا بنور شمعة أو مصباح ضئيل لأكمال بحث النهار: همة عالية تدلك على أن الشهرة العلمية لا تأتي الناس عفوا، بل هي غالبا نتيجة الكد والمثابرة والتدقيق والاستقصاء. ٣ - اسماك البحر الأحمر اشتهر البحر الأحمر منذ القديم بالغنى في أنواع للسمك وأجناسه ومقاديره، فهناك في بطن الماء ثروة هائلة لمن يسعده الحظ فيكشف عن وسيلة للتغلب على شعب المرجان التي تحول حتى الآن دون استغلال هذا المورد الخصب استغلالا واسع النطاق. أما عن الأنواع والأجناس فتبارك الله مبدع الكائنات: سمك صغير رقيق بطول العقدة، ووحش بحري هائل، بطول أربعة امتار، وسمك عريض الفك جاحظ العينين مبطوط الرأس، وآخر استطال فمه كأنه الحربة غارت عيناه وبرزت وجنتاه، وسمك ناصع البياض مع تناسب في الوجه ورشاقة في القد حتى كأنه شركسية من أهل الشمال، وآخر اسود الجلد غليظ الوجه ضائع الشكل حتى كأنه زنجية من خط الاستواء، وسمك مقوس الظهر مدكوك الرأس حتى كأنه القزم، وسمك ممشوق القامة طويل الذيل ممطوط الرأس حتى كأنه العملاق، وسمك رفيع طويل كأنه الثعبان وآخر ممدود الرأس مجنح الزعانف كأنه الطير، وسمك كالصندوق شكلا وهيئة، وسمك على شكل الفرس القافز، وآخر على شكل قطعة من الصخر في اللون وعدم الانتظام، وسمك احمر ذهبي واصفر واخضر وازرق واسمر، وسمك مخطط بخطوط سوداء وبيضاء أو سوداء وصفراء، أو حمراء وزرقاء، أو جمعت هذه الألوان بالطول أو بالعرض، وسمك هادئ وديع، وآخر هائج عنيف، وسمك سام يلسع بإبرة مثبتة في جسمه أو على ظهره أو في طرف ذنبه كأنه العقرب، وبعض هذه الأنواع مسلح بزوج من هذه الإبر واحدة على كل جانب، وسمك يغطي جسمه زغب صغير سام من مادة صلبة كأنه الشوك وهكذا، وقد عددنا من هذه الأشكال مائة وخمسين نوعا وهو

стр. 3276

قليل من كثير يقطن الأبعاد والأعماق، ولهذه الأنواع أسماء دارجة يعرفها الصيادون، وقلما يخطئون في التمييز بينها مع وجود تشابه كبير بين بعض هذه الأنواع. وهاك بعض الأسماك التي تعيش في منطقة الغردقة بالقرب من الشاطئ نذكرها على سبيل المثال لا لغرابتها فحسب بل لدلالتها: الحجم والجلخ والبشراكة والمعجبية وشك الزور والقضبة والدراك والبومة والسيبيا. ومن العجيب أن اكثر هذه الأنواع تفقد ألوانها البراقة الجميلة بعد إخراجها من الماء بقليل وتصطبغ بلون اسمر قاتم - وسمك القرش اكبر حيوانات المنطقة واشدها بأسا، وهو كبير الرأس عظيم الجسم واسع الفم حاد الأسنان تهلع من رؤيته الأسماك ويخافه الصيادون، ومنه نوع يهاجم الإنسان ويحاول اختطافه، وربما ينهش منه ساقا أو ذراعا - ومن الغريب ان سمكة صغيرة بطول القدم تعيش طفيلية عليه فيحملها على رأسه لاصقة بجلده تتغذى من فضلات طعامه وهو بذلك راض مسرور. (٤) في حقول المرجان يفاخر الدكتور كرسلاند بحديقته المرجانية ويشيد بذكرها ويشوقك لزيارتها فكنت أصغي لوصفه الشعري وأنا بين الشك واليقين إلى أن رأيت حديقته بل بساتينه بعيني فقلت في نفسي تالله لقد قصر الرجل، فحديقته اجمل وأبدع مما وصف: ركبنا (لنش) المحطة صباح أحد الأيام فخرج بنا إلى عرض البحر على مسافة أربعة كيلومترا، ثم وقف بنا أمام جزر متتابعة متلاصقة عنها فجوات كأنها بحيرات، ويغطي سطح الجزر ماء البحر على عمق قليل، فنزلنا من اللنش وأخذنا نخطو فوقها ونحن غائصون في الماء إلى ما فوق الركب، وبعد سير شاق فوق العشب لم يتجاوز بضع دقائق وصلنا إلى شاطئ غاطس تتكسر فوق حوافيه أمواج البحر بشكل يهيج يسر الخاطر، وبعد خطوات أخرى أشرفناعلى جرف مواجه للأمواج يغوص في الماء بأنحدار، ولم تكد تقع عيوننا على سطح المنحدر حتى أرسلنا صيحات الدهش والتعجب: منظر ملك علينا المشاعر، فقاع البحر قد كسته لمسافة كبيرة خمائل كثيفة ذات الوان زاهية جميلة بين حمراء وخضراء وزرقاء وصفراء وسمراء، وقد امتدت على الجوانب وفوق المرتفعات وبين الصدوع على أشكال متباينة متآلفة تخالها خمائل الأزهار في بستان الأمير وقت

стр. 3277

الربيع. يتبع الدمرداش محمد

стр. 3278

النقد كتاب النثر الفني في القرن الرابع تأليف الدكتور زكي مبارك للأستاذ أحمد أمين إن كان أخي (المازني) قد استطاع بلباقته أن يكتب عن هذا الكتاب مقدمة بلا موضوع، فلا حاول في مقالي هذا - لموازنة - أن اكتب عنه موضوعا بلا مقدمة، وان هو وقف الكلام عند محاولته أن يأخذ الكتاب من المجلد، فلأصل ما قطع واكتب من حين تسلمت الكتب من المجلد. أول ما يطالعك من الكتاب شكله وحجمه، فيعجبك شكله، ويبهرك حجمه، وما ظنك بكتاب طبع في دار الكتب على ورق جميل في جزأين يقعان في نحو ثمانمائة صفحة من القطع الكبير؟ ثم المقدمة، وفي الحق أنها لم تعجبني كثيرا، فقد تحدث المؤلف فيها عن نفسه طويلا (فالكتاب أول كتاب من نوعه) (والكتاب أول منارة أقيمت لهداية السارين في غيابات لك العهد السحيق) (والمؤلف أول من كشف النقاب عن نشأة النثر الفني في اللغة العربية وقهر المستشرقين ومن لف لفهم) وهكذا يمضي المؤلف في تعداد أولياته وهي طريقة لا استحسنها ولا أستسيغها، وأظن أن كثيرا من القراء لا يستحسنونها كذلك ولا يستسيغونها، فخير للمؤلف أن يتوارى وراء ما كتب، ويدع الناس يحكمون له أو عليه لا أن يتقدم هو بالحكم لنفسه، ويقطع الطريق على القراء والنقاد، ويعجبني في ذلك ما نقله المؤلف عن نفسه في ثنايا الكتاب عن أبي هلال قال (ومن صفات الشعر التي يختص بها دون غيره أن الإنسان إذا أراد مديح نفسه فانشأ رسالة في ذلك أو عمل خطبة فيه جاء في غاية القباحة، وان عمل في ذلك أبياتا من الشعر احتمل) نعم إن المؤلف لم يرتض هذا الرأي، وأباح إذا جرى مجرى الدفاع والمفاخرة، ولكن الكتاب ليس موضوع دفاع ولا مفاخرة، وإنما هو موضوع تقرير لحقائق يراها ويعرضها على القراء، ثم قد يخالفونه فيها وقد يوافقون، وقد يقدرونها تقديرا عاليا وقد لا يقدرونها. وعلى كل حال فلهم القول الفصل لا

стр. 3279

للمؤلف، فمن المؤلفين من لم يعجبهما ألف ولم يرقه ما كتب، وإنما كتب الخلود لما قدره الناس لا ما قدره المؤلف - شعر المؤلف بذلك وأراد أن يعتذر عنه (بأنها ثورة نفسية، انطقه بها ما رآه في زمانه من غدر وعقوق) ولكن هل هذا القول يداوي الجرح ويبرئ المرض؟ أخشى أن يحمل الناس على الإلحاح في العقوق والإمعان في الغدر، لان النفس مولعة أبدا بكراهية الحديث عن النفس، ومن طبيعتها أن يحملها إمعان المادح في مدح نفسه على إمعانها في التنكر له وجحد فضله، بل أخشى أن يكون هذا بعينه هو السبب في الغدر والعقوق، فقد اعتادت النفوس ان تقابل الإفراط بالإفراط والغلو بالغلو. إن يكن المؤلف قد خانه التوفيق في المقدمة فقد صحبه إلى درجة كبيرة في الكتاب، فهو نتيجة مجهود صادق وبحث طويل شاق، أتي فيه بالمقدمة في الموازنة بين الشعر والنثر، ثم تطور النثر من عصر النبوة إلى القرن الرابع، وتكلم في نشأة النثر الفني، والسجع واطواره، وخصائص النثر في ذلك العصر وانواعه، ثم اشتهر الكتاب في كل نوع ونماذج من كتابتهم، وتحليل لأثارهم. وطريقة بحثه في كل ما بحث سليمة، جارية على الأسلوب الحديث في العرض والنقد واستقصاء ما في الوسع في الرجوع إلى المصادر ومقارنة بعضها ببعض، والشجاعة في إبداء الرأي، والقارئ قد يخالفه في بعض ما قالوا يرى رأيا غير ما ذهب إليه، ولكنه على كل حال يقدر ما بذل المؤلف في تكوين رأيه وتأليف حججه. ثم هو قد وفق إلى آراء جديدة له الفضل في استكشافها ولفت النظر إليها، وآراء صقلها وعرضها في حلة جديدة. وإني إن احترمت الكتاب من الناحية العلمية والعقلية، فإني ناقده من جهة الذوق، وذلك أن الدكتور زكي مبارك كلما رايته أو استحضرت صورته، أشع علي معنى غريبا يصعب تصويره، وربما كان اقرب تصوير له رجل يمسك بيسراه كتابا قيما فيه علم غزير، وأدب وفير، وبيده اليمنى عصا اشهرها، ثم هو يطلع الناس على ما في كتابه من طرف فمن هم أن يفتح فاه بنقد أو مخالفة قنعه بما في يمناه، بل قد يؤمن من الناظر بما يعرض عليه، فلا يعجبه الاستسلام وهذا الإيمان فلا يزال يهيجه حتى يبدأ بالمخالفة أو يظن انه سيبدأ بالمخالفة فيشهر عليه العصا، بل قد يكون السالك على علم بذلك فيتنحى عن كتابه وعن عصاه ويتنحى ناحية أخرى فيسرع الدكتور ليسد عليه المسلك ويأبى أن يفسح له الطريق

стр. 3280

حتى ينظر في الكتاب، فإذا نظر فالنتيجة محتمة، وإذا لم ينظر فالنتيجة هي هي ايضا، وهي العصا. هذا ما كان يشعه على الدكتور زكي، فلما قرأت كتابه النثر الفني تأكد هذا المعنى وتجسم، وما ادري أقرأت الكتاب بهذه العين التي تكونت، أو قرأته محايداً وقراءته زادت هذا المعنى وضوحا. تجلى هذا المعنى في انه يعرض آراء قيمة وأفكارا عنى بدرسها ثم إذا به يطفر فيحتك بمؤلف أو كاتب فلا ينقده نقد عالم لعالم ولكن نقد مصارع لعالم. إن شئت فأنظر إليه وهو يعرض لرأي الأستاذ مرسيه - أستاذه وشيخ المستشرقين في فرنسا - إذ يقول (وهناك رأي مثقل باوزار الخطأ والضلال وهو رأي المسيو مرسيه ومن شايعه) ثم تقرأ رأي الأستاذ مرسيه ومن شايعه، فإذا هو رأي جدير بالاحترام باعث على التفكير، صالح لحسن التقدير، وهبه كان رأيا سخيفا وفكرا تافها، وقولا لا يؤبه له، فليست هذه لغة العلماء في النقد، ولا طريقتهم في الرد. نعم قد يكون نقدهم في بعض الأحيان لاذعا، ولكنه - على كل حال - يصاغ بلباقة، وقد جرى المؤلف على هذا السنن مع الأستاذ مرسيه وغيره مما لا شأن لنا بتفصيله، ومما يزيد الأمر عجبا انه شديد قاس في بعض النقد - كما رأيت - ولطيف لبق في البعض الآخر، ولا ندري من الناحية العلمية لم كان لطيفا لبقا هنا، وقاسيا صارما هناك، فقد قلبنا الأمر على وجوهه فلم نجد ذلك يرجع إلى قوة رأي مخالف وضعفه، ولا قوة الحجة وضعفها، إلا أن يكون لشيء غير الرأي وغير العلم وهذا ما لا أدريه. كذلك آخذ عليه أشياء لم تتفق والذوق قرأتها فضربت أذني وانقبض خاطري. مثال ذلك ما جاء في صفحة ٩ و ١٣ وذيل ص ٦٠ و ٦١ وذيل ٦٥ الخ. ثم هندسة الكتاب لم تخل من نقد ولم يشع فيه التناسق، فحجرة صغيرة وحجرة كبيرة، بل وحجرة لم تكن كان يجب ان تكون، وباب كبير وباب صغير، وقد يكون هذا معقولا إذا دعاه الحال واقتضاه المقام، ولكن لم يكن كذلك في هذا الموقف، فقد تحدث مثلا عن المقامات ونشأنها فأفاض وانفق عن سعة، ولم يحدثنا كثيرا عن رسائل إخوان الصفا ونشأتها. قد يتبادر إلى الذهن انه عنى بالمقامات لأنها الصق بالأدب، ولم يعن برسالة

стр. 3281

إخوان الصفا لأنها ادخل في الفلسفة والعلم، ولكنه في الكتاب تعرض للأسلوب العلمي كما نعرض للأسلوب الأدبي. على أن في رسائل إخوان الصفا نواحي أدبية عديدة اقر بها المؤلف فأقتبس منها رسالة الإنسان والحيوان، وقد اعتذر عن ذلك بأن الباحثين أطالوا فيها القول قديما وحديثا، وهو عذر لا نوافقه عليه بحال، فمجال القول في إخوان الصفا ذو سعة. وإلى الآن لم تبحث الرسائل بحثا وافيا، ولم يقل فيها ما يشفي النفس ويثلج الصدر. وفيما عدا ذلك فالكتاب قيم، يقف القارئ على أشياء كانت دفينة، وآراء نظمت كانت شتيتة، ويلفت نظر الشباب إلى جمال في الأدب العربي كان قد عفى عليه الزمان، ويعبر عن ذلك كله بلغة العصر فيقربه من نفوسهم، ويحببه إلى أذواقهم، ويفتح أبوابا لبحث العلماء وتفكيرهم فله على ذلك الشكر. شهرزاد رواية للأستاذ توفيق الحكيم كلمة تحليلية بقلم: عبد الرحمن صدقي هي تحفة فنية أخرى للأستاذ الحكيم. وهي أدق في ذوقها الفني وارق، وهي ارهف في الحس والطف، وجوها الشرقي أمتع منظرا وأوقع سحرا، وروحها الصوفي اعرق تأصلا واعمق سراً. ونحن نعرف الأميرة شهرزاد، تتمثل فيها عبقرية القصص وروح السمر، ونتمثلها بأحاديثها المشوقة المتنوعة الأفانين، وحكاياتها الممتعة التي لا ينضب لها معين، بين يدي الملك الآسيوي شهريار وقد تحجر قلبهوغلظ طبعه، تتنقل به ليلة بعد ليلة مأخوذا مدهوشا من قطر إلى قطر في أجواء شتى وآفاق سحيقة، من أنحاء فارس، إلى بلاد الصين أو الهند العجيبة، إلى وادي مصر الخصيب، بين أجناس البشر المختلفة الألوان، وبين طبقات المجتمع ونماذج الأفراد على تفاوت الطبائع والدرجات، من ملوك ومماليك، وسراة وصعاليك، وتجار وحمالين، وصاغة وصيادين، ومقاحيم يجوبون القفار ويركبون أهوال البحار، وفوق ذلك بين عناصر طبيعية وغير طبيعية، إنسية وجنية. رحلة كقصيدة (الاوديسة) شائقة طويلة، طافها الملك شهريار وهو في المقصورة مضطجع يصغي إلى

стр. 3282

شهرزد في كل مساء في ألف ليلة وليلة. هذه الرحلة المعهودة للملك شهريار، لم يعرض لها مؤلفنا العصري. وإنما خلص منها رحلة باطنة للرجل شهريار، هي رحلة النفس تحركت فجازت أطوارا بعد أطوار. فلقد كان شهريار عبد الجسد يبني كل ليلة بعذراء يستمتع بها وفي الصباح يقتلها، وكذلك كان ليلة استقبل شهرزاد يشتهي منها المتعة بالجسد الغض. حتى إذا سمعها تحدثه حديثها الساحر الممتع وتفتح له خزائن القصص والخيال والشعر، تفتحت مغاليق قلبه الموصد وتحرك جامده وارتجفت نياطه، فإذا هو يحبها وإذا بهذا الجسد الشهواني يحبها حب القلب والوجدان. غير أن نار العاطفة بدورها لم تلبث مشبوبة طويلا حتى تصفت إلى نور هادئ شاحب، فإذا هو لا يأمن للشعور بل ينشد المعرفة، وإذا به لا يريد لوقفة عند الظواهر والاعراض، بل الغوص إلى الجوهر ولب اللباب، ولا يريد الاحتباس في الحدود الضيقة بل الانطلاق، إلى حيث لا حدود، فهو فكر محض يجوله التأمل النظري والتجريد الفلسفي. وهذه الأطوار النفسية الثلاثة التي اتفقت لشهريار على إناء متفرقة، يجلوها أيضاً المؤلف على مسرح قصته في آن واحد موزعة على شخوص ثلاثة: فهذا العبد اسود اللون وضيع الأصل قبيح الصورة رمز للشهوة الحيوانية، تلقاه شهرزاد في حلك الظلام، وتلزمه ألا يطرقها إلا خفية مع الليل، وتستكره معه العلن وتحذوه من أن يدركه الصباح فيقتل. وهذا الوزير الفتي، مثال الجمال في الخلقة والخلق، يحب شهرزاد كما يحب رجل جميل امرأة جميلة، فهي معبودته لا عشيقته، وقد بلغ التسامي بعواطفه منتهاه، فلم يعد غير قلب شاعر. وهذا الملك قد أفادته حكايات شهرزاد حبرة، وكشفت لبصيرته عن أفق للتأمل بلا حد، ونقلته كالطفل من طور اللعب بالأشياء أو التعبد لها إلى طور التفكير فيها، فهو اليوم فكر شارد أبداًينقب عن الكنه ويطلب المجهول: أما شهرزاد فهي كالطبيعة لا رفيع عندها ولا وضيع، وهي كالطبيعة تتراءى لهؤلاء الثلاثة فيرى كل فيها مرآة نفسه. فهي عند العبد حس مادي ولذة مشبعة، وهي عند الوزير مثال أعلى للجمال قلبا وقالبا، وهي عند الملك سر عميق ينطوي على نواميس خالدة تجري على مقتضاها حركات الحياة وسكناتها ويتحدى لغزها المعرفة. ومن عجائب الاتفاق إن هذه المعاني التي اقتضت القصة الرمزية اجتماعها في شهرزاد،

стр. 3283

لها سندها المفعم في الحكاية الأصلية: فشهرزاد إلى كونها مثل غيرها من بنات حواء تخضع لمطالب المرأة الجسدية. فأنها ابنة وزير، كريمة المحتد، كما يدل اسمها نفسه في الفارسية، وقد شاء لها طيب أرومتها أن تتقدم طواعية ليتزوج منها الملك الغشوم قاتل زوجاته، وان تجعل مختارة جيدها الغض عرضة لسيف جلاده، مفادية بحياتها على ضعف الأمل إنقاذا للعذارى من هذا الحيف الراصد لهن. ثم هي لا محالة بطبيعة التربية في القصور ذات ثقافة عالية، وحذق لفنون الأدب والشعر، وعلم بالتواريخ ومضارب الأمثال والعبر. فليس هنالك تجوز معتسف في تصويرها جامعة للجسد المنعم النضير والقلب الفياض بالشعور والفكر الواعي المحكم بالتدبير. ولقد احتاط المؤلف لرموزه هذه من ان تظهر مجرد رموز متحركة تشخص لما وضعت له في خطى آلية وعزيمة صماء حديدية: فأضفى عليه مخايل الأحياء من تردد وتشكك، ونوبات ضعف وانتكاس، لما هو مركب في الطبيعة البشرية من العوامل المتضاربة، والدواعي المتداخلة، بحيث إذا صحت الغلبة لإحداها فأن المغلوبة لا تنعدم، بل لها في النفس بين الفنية والفنية تخبط المقيد، وانتفاض المضغوط عليه. فترى الوزير وان كان في حبه للملكة شهرزاد عذريا طاهرا يحفظ لصديقه الملك غيبته، ويرعى حرمته، ويذكر مودته، فانه ليضطرب اشد الاضطراب عند خلوتها به، كما يسوؤه أن تعطف على صديقه وزوجها ايسر العطف ويتجرع المرارة من غيرته الخفية. كذلك ترى شهريار وقد باشرت الحسيات حواسه حتى مل جوارها، وتشبعت بالعواطف مشاعره حتى لفظها ومجها، وتعالى عن كل ما هو حس وشعور يعود في فترة يأس من المعرفة إلى شهرزاد، يسكر عطشه من كأس ثغرها اللؤلؤي، ويستظل من رمضائه بعناقيد غدائرها المتهدلة، ويوسد رأسه المتصدع حجرها، ويريدها على ان تنشده شعراً، أو أغنية، أو تقص عليه قصة. وما تبدلت الرموز غيرها من اجل هذا، وإنما هي عوارض من إمارات الضعف البشري، ثم تستأنف هذه الرموز البشرية سيرتها المرسومة، ودرتها المقدورة في افتنان وروعة. ولقد اختار مؤلفنا للقصة بداية اصلح منها مدخلا للراوية من حيث تهيئة الجو والدلالة على

стр. 3284

المعنى. فثمت طريق قفر والليل حالك، وإلى ناحية منزل منفرد على بابه مصباح مضيء. وفي هذا الموقف يقفك المؤلف على سحر الساحر، وضعف الجسد، وسطوة الشهوة باللمسات الأولى من ريشته: الساحر (يقود جارية إلى المنزل): ماذا يقول لك هذا الغريب الأسود؟ الجارية: يسألني عن سر فرح المدينة، فأجبته هو عيد تقيمه العذارى للملكة شهرزاد. الساحر: وما لفرائصك ترتعد؟ الجارية (همسا): لست ادري! الساحر: ألم أحذرك أن تقربي هذا العبد الهرم، فأن في عينيه نظرات الفجرة؟ الجارية (همسا): ليس هرماً الساحر: بم تهمسين كمن به مس؟ هاتي يدك ولندخل. لعلك ارتعت من فبح هذا الرجل؟ الجارية (همسا): ليس قبيحا (يدخلان المنزل. يظهر العبد يتبع نظراته الجارية. . .) العبد: ما اجمل هذه العذراء! وما اصلح جسدها مأوى! صوت (من خلفه): مأوى؟ أللشيطان؟ أم للسيف؟ العبد (يلتفت): أهذا أنت؟ الجلاد (يظهر): عرفتني ثم لا يطول بك الانتظار في هذا الموقف بمسمع من هذه الكلمات المتقطعة المتبادلة حتى تعلم كل ما طرأ على حياة شهريار الذي كنت تعرفه، من تغير بعيد الأثر، وما يحيط به اليوم من ملابسات وظروف، وحتى تتسلم بين أصابعك أطراف خيوط القصة جميعها، وتتابع في لذة مشوقة حركات نسجها سداة ولحمة. وترى كيف يعارض حائك القصة بين شهرزاد وقلب الوزير المتأجج في منظر، وبينها وبين عقل الملك السابح في زرقة أحلامه الصافية في منظر، ثم بينها وبين العبد الأسود في منظر. وهو في خلال هذه المناظر وما بينها يداول الخيوط المختلفة الأصباغ فيخرج لنا منها نسيجا خسرواني الوشى، ساحر الألوان كقوس الغمام. حتى إذا أزف الختام أبى المؤلف (الحكيم) على العبد قتله استرخاصا له وكرامة للمنية أن تكفر عن خسته، بل ادخر

стр. 3285

المصرع الفاجع للوزير الذي ضاق الواقع عن قلبه الكبير، أما شهريار فقد ذهب في سفر بعيد مجهول. ولئن كان المؤلف قد نحا نحو الرمزيين في قصته، إلا انه لم يصنع منها لغزا مغلقا ولا شبه مغلق، ولا هان عليه أن يترك رموزها على قرب منالها وقلة تعويضها - للقراء، وبخاصة الذين ألفوا نحوها في التأليف الغربية ليستنبطوا استنباطا، بل اثر ان ينص على تفسيرها نصا في ظهر سطوره أثناء الحوار، فلا يدع لأحد دون فهمها على وجهها حجة. وقد اصطنع صاحبنا ما يصطنعه أهل مذهبه من أساليب العرض والكتابة. فشخوصه معروفة النظائر في الواقع، ولكنها تبدو لعياننا من مادة اشف من مادتنا، وتروح وتجئ في جو أخف مما نعيش فيه. فكأنما هي من عالم الأحلام نحسها بالحس الباطن، وكأنها لا تتحرك بمحرك فيها من إرادتها بل تحركها قوة مستعلية عليها خارجة عنها، فهي مسوقة من حيث لا تدري إلى حيث لا تدري ولا طاقة لها على التوقف والمغالبة. ثم هنالك السحر والكهانة، والفلتات المنبئة، وأحاسيس النفس السابقة المؤذنة بوقائع غامضة لاحقة. وهذه جميعا مفرغة في سياق شعري يتمشى فيه النغم، وتنتظم الموسيقى نسقه من مبدئه إلى منتهاه، ويعتمد على الإشارة المقتضبة والتلبيس ويتجنب البسط والتقرير، وتتكرر فيه العبارة الواحدة مرات وتكثر فيه الكلماة البارعة والكنايات المحجبة. شهرزاد: أترى شيئا في ماء هذا الحوض. أليست عيناي أيضاً في صفاء هذا الماء؟ أتقرأ فيهما سرا من الأسرار؟ شهريار: تبا للصفاء وكل شئ صاف. . .! لشد ما يخيفني هذا الماء الصافي. .! ويل لمن يغرق في ماء صاف. . .! شهرزاد: ويل لك يا شهريار شهريار: الصفاء. . .! الصفاء قناعها شهرزاد: قناع من؟ شهريار: قناعها هي، هي، هي. . . شهرزاد: إني أخشى عليك يا شهريار. شهريار: قناعها منسوج من هذا الصفاء. السماء صافية، الأعين صافية، الماء الصافي،

стр. 3286

الهواء، الفضاء، كل ما هو صاف! ما بعد الصفاء؟؟ إن الحجب الكثيفة لاشف من الصفاء! فلنسجل إذن لمؤلفنا المسرحي النجاح مرة أخرى مغتبطين، ولنردد قولنا فيه واثقين (هذا الفتى فنان حتى أطراف أنامله) عبد الرحمن صدقي اتحاد الممثلين لناقد (الرسالة) الفني في مساء السبت الماضي ابتدأ اتحاد الممثلين، عمله على مسرح الهمبرا برواية (هرناني) لفكتور هيجو وترجمة الأستاذ خليل مطران، وهي من الروايات الأنموذجية التي ترجمت تحت إشراف وزارة المعارف. وقد ذكرنا في كلمتنا عن (مديري الفرق والممثلين) إن اتحادا قويا متنا تألف من بين ممثلي الدرام في مصر، من الأكفاء الذين شهد لهم الناس بالمقدرة، وتقدموا للجنة تشجيع التمثيل في وزارة المعارف يعرضون عليها تحت إشرافهاوبالشروط التي ترتضيها. وذلك بعد إن فشلت الجهود التي بذلت مع مديري الفرق، وبعد أن تعنت هؤلاء مع اللجنة وأرادوا ان يملوا عليها شروطهم. ذكرنا هذا واهبنا باللجنة أن تنتهز الفرصة السانحة فتمد يدها حازمة قوية لهذا الاتحاد وترحب به ولا تضن عليه بالمساعدة المادية التي يستحقها. ويسرنا أن اللجنة كانت عند حسن ظننا بها، وان كلمتنا وجدت منها آذانا صاغية، فقررت ان تمد يدها إلى هذا الاتحاد في سخاء وكرم، وان تعينه على العمل في خطاه الأولى فوضعت تحت تصرفه بضع مئات من الجنيهات يعد بها الوسائل الضرورية ليبدأ العمل على بركة الله. واتحاد الممثلين اليوم لا ينقصه الرجال الأكفاء ولا المخرج النابه. ولا المال المعين، ولا يعوزه تعضيد الصحافة وتشجيع الكتاب والنقاد، وبالجملة وفرت كل وسائل العمل التي تكفل النجاح فالاتحاد يحمل عبئا عظيما ومسؤولية خطيرة أمام هذا البلد وان الأنظار لترعاه من كل مكان تترقب خطاه وتنظر ماذا هو صانع بالأمانة التي رضي بحملها وبالثقة التي وضعت فيه وبالآمال العريضة التي نيطت به فهو لا ريب الأمل الأخير في إنعاش

стр. 3287

المسرح في مصر وإنهاضه إلى المستوى الجدير به. وإنها لتجربة لها ما بعدها، فإن فشلت فليس لنا ألا أن ننفض الأيدي جميعا من المسرح ونتركه للقدر يبعثه حين يشاء، في جيل غير هذا الجيل، وما نتحدث عنه بعد اليوم أن تحدثنا إلا كما نتحدث عن عزيز قضى، أو حلم تبدد. لو تحقق النجاح لهذه التجربة لسارت القافلة على بركة الله إلى غاية الطريق، ولا استطعنا أن نطالب الوزارة بمزيد من المعونة. ثم لعلنا ننتهي إلى لفت الأنظار إلى العناية بالفن عناية مجدية فتكون لنا الفرقة الرسمية، ويكون لها مسرح خاص مزود بأحدث مبتكرات الإخراج المسرحي، ويقوم فيه معهد الفن من جديد لتلقي أساليبه ودرس وسائله، وتنهض بكل هذا ميزانية من آلاف الجنيهات كما هو الحال في سائر الممالك الحية وتنشط حركة التأليف وتخرج الرواية المصرية إلى النور، وترفع عنا وعن المسرح هذا الخمول الذي نعانيه. بقي أن نقول أن الاتحاد خطا خطوة طيبة بطلبه من الأستاذ زكي طليمات أن يتولى إخراج رواياته وقد لبى الأستاذ طليمات هذه الدعوة بصدر رحب ونفس مطمئنة. إن المسؤولية الكبرى التي يحملها الاتحاد إنما يحمل العبء الأكبر فيها فناننا النابه، وهذه المادة التي بين يديه مادة ثمينة في يد الصناع الماهر، ولا شك إننا سنلمس اثر جهوده واضحا، وسنكون سعداء إذ نتحدث إلى قرائنا عن هذا الجديد الذي بتنا نرقبه طويلا. سينجح فأننا وسيكتب له الفوز، وستخفق لنجاحه وفوزه قلوب، بعضها من الفرح وبعضها من الحسد، قلوب تفرح لأنها ترى المسرح ينهض ويشتد عوده بعد أن طال احتضاره وركوده، وقلوب تتآكل ألماً لان هذا النجاح يفوت عليها كثيرا من المآرب الشخصية والمنافع العاجلة أو يقضي على ادعاءات كانت تصك بها مسامعنا طوال هذه الأعوام. محمد علي حماد

стр. 3288

العدد ٤٠ - بتاريخ: ٠٩ - ٠٤ - ١٩٣٤

стр. 3289

في الحال الحاضرة! (في الحال الحاضرة) عنوان عزيز عليّ وعلى اخويّ طه حسين ومحمود زناتي! نذكره في مقام الأنِس وساعة التنادر فيفجر الضحك من صدورنا المكبوتة، ويرجع بنا مقتحما تيار الزمن الدافق إلى العهود النفّاحة النضيرة من شبابنا الأول! يرجع بنا إلى بقعة من بقاع الأزهر العتيق، خفت فيها الدوي الهادر قليلا، وتهادنت بها أرواح العلماء فلا تشتجر في لفظة، ولا تختصم في (قولة)، ولا تزدحم على اعتراض، وإنما تسكن إلى هؤلاء الأيفاع الثلاثة ومن اخذ أخذهم سكون الطير المروعة إلى سلام الأيكة المنعزلة، لأنهم كانوا قليلا ما يرغبون في إثارة القلاقل وإهاجة الفناقل، على هذه الأرواح الآمنة البرة. إنما كان وكدهم أن يجتزئوا من علوم الفقه بقسمة القدر، ثم ينصبوا لعلوم اللسان فيدرسوا الادب، ويقرضوا الشعر، ويحاولوا الكتابة، ويتعرفوا إلى العلم الحديث في دور الكتب، ويطلوا على العصر الحديث من نوافذ الصحف، ويقفوا على البرزخ الممدود بين دنيا الأزهر ودنيا الناس، ينزعون إلى الحياة الحاضرة المتجددة نزوع اسماك البحيرة الأسنة إلى البحر الزاخر المزبد. كان أستاذنا المرصفي يطبعنا في النظم على غرار (الحماسة)، وفي النثر على غرار (الكامل)، ويزين لنا أن ننظم معلقة كطرفة، أو ننشئ خبرا كأبي عبيدة، ولكنا كنا نجلس على ذلك البرزخ بعيدا عن هتاف الأشباح، نراقب سير المدينة، ونرامق حياة (الأفندية)، ونحاول العبور فيتساءل صديقاي: - فيم ننظم؟ - في مدح الخديو - وفيم نكتب؟ - في الحالة الحاضرة ونكرر كل يوم هذين السؤالين، وهذين الجوابين، حتى استطعنا أن نجد كلاما في مدح الخديو فقلنا ونشرناه. أما هذه (الحال الحاضرة) فكانت معاياة لم نجد لأمرها مطلعا ولم نقف في وصفها على حيلة! لان مدلولها يومئذ كان غامضا في أذهاننا غموض الجبر! فالقرويين يعيشون على نمط الفراعين، والأزهريون يعيشون في عهد الأيوبيين، والقاهريون يعيشون على حال

стр. 3290

المماليك، وهذا الذي نسميه الحال الحاضرة ما كان يذكر إلا في مكاتب الصحف، ولا يعرف إلا في بعض دواوين الحكومة! عبرنا البرزخ، وتعاقبت الأعوام على ذلك العهد تعاقب الموج، فبعضها هادئ وبعضها مضطرب، فأما محمود فظل على حدود الماضي، وأما طه فظفر إلى آماد المستقبل، وأما أنا فبقيت في الحاضر بين الصديقين، سأحاول أن اقضي عنهما هذه الدين، فاكتب اليوم الموضوع الذي وسمنا بالعجز عنه طوال ربع قرن!! حالنا الحاضر محنة من محن الانتقال، وخدعة من خدع الاستقلال، وفتنة من فتن الباطل! فهي راكدة ركود العفن، واقفة وقوف الحيرة، لا تستطيع أن تجد لها في لغة التطور اسما ولا صفة! فلا هي سبيل نهضة، ولا هي دليل يقظة، ولا هي مظهر امتعاض! وكأنما تقطعت وشائج الاجتماع بين الطبقات والجماعات والأسر، فتناكر الناس، وتدابر الأهل، ودار كل امرئ على نفسه! فالفلاح كما كان منذ أجيال، لا يكاد ينزع يده من الأرض، ولا يرفع طرفه إلى السماء، ولا يتبين وجهة الدنيا، ولا يتصور غاية الحكم، ثم يحول عليه الحول فلا يجد نقودا في جيبه، ولا سروراً في قلبه! والعامل على أسوا مما كان: يقاسي العطلة، ويعاني الفاقة، ويشكو الامية، ويستغله الأجنبي بما دون القوت، ثم لا يجد في بلده العين التي تكلؤه، ولا اليد التي تحميه، ولا النور الذي يهديه، ولا الروح الذي يسيره! والشاب في لبس من أمره! يتعلم ولا يعرف لأي عمل، ويتقدم ولا يدري لأي غاية؟ ويقولون له كن عزيزاً في بلدك، سيدا في دارك، متصرفا في أمرك، ثم يخضعونه للامتيازات فتكسر من نخوته في المجتمع، وتغض من كرامته في القضاء، وتهجم على ثروته في التجارة، ويفور شبابه الحين بعد الحين فيكفه الهوان الغالب والقيادة المترددة. والأدب يعتمد في سلطانه على الدعوى والوقيعة، وينقل في أحكامه عن النكران والحقد، ويتفرق شيعا وطوائف، لا ليعدد مذاهب القول، ويجدد طرائق البيان، ولكن ليخلق الخصومة بين الكهول والشباب، ويؤرث العداوة بين الشعراء والكتاب! والساسة تراشق بالتهم، وتقاذف بالعيوب، وتحتكم إلى الخصم، وتحول مجرى الجهاد،

стр. 3291

وتزهق روح النهضة، وتشوه آمال الأمة بالمطامع السود والأهواء الأثيمة. والحكومة تنبعث من أدراج مكاتبها العليا روائح كريهة تسور في الانوف، وتاخذ بالأنفاس، وتفسد الجو على هذه الأمة المسكينة!! هذه هي العناوين الصغيرة لهذا العنوان الكبير، والعناصر الأولية لهذا الموضوع الخطير، أجملناها في رأسه قبل أن ينزل بنا التفصيل إلى ذيله! على نحو ما يصنع المعلمون من الكتاب، أو المنشؤن من الطلاب، جمعا لتشتيت الرأي، وتصويراً لهيكل الفكرة. فليت شعري يا هداة الأمة ماذا كنا نقول لو قدر لنا أن نكتب هذا الموضوع حين اقترحناه منذ خمس وعشرين سنة؟! احمد حسن الزيات

стр. 3292

كرستينا ملكة السويد ١٦٢٦ - ١٦٨٦ للدكتور محمد عوض محمد هذه الصورة - التي عرضتها أمام أهل القاهرة إحدى ممثلات السينما في شيء كثير من الإسراف الذي يعشقه رواد الملاهي، وفي شيء كثير من الانحراف عن حقيقة التاريخ التي قلما يعبأ بها أصحاب القصص، ومؤلفو المسرحيات - هي من تلك الصور التي تتجاوز في حقيقتها وفي طبيعتها مذاهب الوهم ومسابح الخيال. وحسب كل إنسان أن تعرض أمامه الصورة كما كانت لا كما يتوهمها القصصيون. ليس لكريستينا مكان بين كبار الملوك، ولكن لها شخصية قوية غريبة تستفز لتصويرها كل من يهوى الشيء النافر الغريب الشاذ. ولدت في أول الربع الثاني من القرن السابع عشر، وكان مولدها في شهر كانون الأول: في عنفوان الشتاء القارس، حين يصبح الهواء زمهريراً والماء جمدا. ويوشك الدم أن يتجمد في عروق الناس والحيوان. . . وكان حقيقا بمن يولد في هذا الشهر أن يكون في طبعه تؤده وبرود، ورزانة وهدوء. . . غير أن ابنه جوستاف اودلف، ما كانت تعرف الهدوء ولا البرود، بل كانت كتلة من الشرر المتطاير واللهيب المندلع. وسيظن الناس إننا نعبث حين ندعي أن لشهر كانون تأثيرا فيمن يولدون فيه. ولنسلم لهم أن في هذا الزعم ما فيه من عبث، وان شهر المولد ابعد الأشياء من أن يؤثر فيمن يولد فيه. ولكن، بعد التسليم بهذا أنستطيع أن ننكر ما للبيئة من تأثير لا يحد، وقضاء لا يرد، وأفعال لا تعد؟ كيف والبيئة هي الركن الركين في فلسفة الفلاسفة وعلم العلماء؟ ولقد ولدت كرستينا تحت سماء اسكندناوية مكفهرة تغشاها السحب، وتكتنفها الغيوم، في بلاد تجمد أنهارها في الشتاء، فلا تجري فيها قطرة ماء، وتجمد البحار فلا تستطيع السفن حراكا؛ ويتساقط الثلج، ويتراكم أكداسا فوق أكداس، فلا ترى العين حيثما نظرت سوى هذه الكتل البيضاء، تكسو الشجر والحجر، والحقول والدور. . . ويبرد الهواء حتى ليكاد النفس أن يجمد حين يغادر الشفتين، ويعجز النبات عن النمو، فيبقى في الثرى هامدا جامدا، ينتظر ربيعا لا يجيء إلا أخيرا، وصيفا لا يدوم إلا زمنا يسيرا أما الخريف فما له هنالك من مأرب سوى أن يمهد للشتاء السبيل؛ وكثيرا ما يندمج فيه، ويصبح ويمسي جزءا منه.

стр. 3293

وكان خليقا بمن يولد في هذه البيئة - إذا كان هنالك معنى لما يقوله أصحاب مذهب البيئة - أن يكون هادئ الطبع، لا يصدر في أعماله إلا عن تؤدة وترو، بعيدا عن طيش أهل الشرق وخرقهم الذي اكتسبوه من حرارة هوائهم، كثير التبصر في العواقب، والادخار للمستقبل المظلم كظلام الشتاء؛ مولعا بالعدل بعيداً عن الاستبداد والظلم اللذين هما من خصائص الشرقيين، أهل البلاد الحارة، لأن العدل نتيجة الروية والأناة وقلة الاندفاع، وهذا كله من المزايا التي يمنحها الله لعباده الذين يعيشون في بيئة باردة. وكأنما أرادت كرستينا أن تقلب هذه السنن جميعا فتجعل عاليها سافلها، فإذا هي وسط هذا الجليد والزمهرير شعلة من نار لا تخبو، ولهيب متقد لا يهدأ، وإذا في طبعها اندفاع وعنف، وإذا هي شديدة القلق، بعيدة عن الهدوء والاستقرار. . . مسرفة مبذرة تبذيرا أفقر الدولة، جائرة في الحكم حتى لقد مالت إلى النبلاء ميلا شديداً، ومنحتهم موارد الدولة وغمرتهم بالهبات. . شديدة الغرور حتى لقد كانت تضع التاج تحت قدميها، وتزعم أنها تفخر إذ تطأ برجلها ما يجلل هام الملوك، وقد نسيت أن ممن حمل ذلك التاج أبوها العظيم جوستاف ادولف. . . وعلى حدة ذكائها النادر لم تستطع أن تفهم إنها مهما عظمت فإنما عظمتها الحقيقية في عظمة بلادها. . . فكانت لا تعنى إلا بأبهة الملك، وبمظاهر العظمة دون حقيقتها، ومن اجل أبهة الملك أرسلت في طلب ديكارت المسكين، وألحت عليه في أن يقيم بقصرها في أستكهولم لكي يدارسها العلم والفلسفة. فجاء الفيلسوف العظيم وقضى نحبه بعد ثلاث سنين قضاها في بلاد لا يلائمه هواؤها ولا جوها. وكانت متكبرة اشد الكبرياء، غيورة لا تطيق أن يعرف لأحد فضل، أو يشتهر له بين الرعية ذكر، حتى لقد أساءت إلى الوزير القدير اكسنستيرنا، الذي لم يكن في البلاد في أوربا كلها اقدر منه. . . وكانت جامحة في شهواتها اشد الجموح، منغمسة في اللذات انغماسا يزري بالمتوحشين من أهل أفريقية، ومع ذلك فما هي من أهل الشرق ولا من أهل أفريقية، بل من ذلك الجنس الشمالي التيوتوني الذي اشتهر بالاعتدال وبرود الطبع، كما اشتهر بالشعر الأشقر والعيون الزرقاء. . . فكأنما أرادت كرستينا أن تصفع أصحاب مذهب البيئة باليمن، وأصحاب مذهب الوراثة بالشمال. لكن البيئة والوراثة ليستا بالشيئين الوحيدين، اللذين خرجت عليهما كرستينا وطعنتهما في

стр. 3294

الصميم؛ بل لقد خرجت أيضا على المؤدبين ونظرياتهم وعقائدهم. . اختاروا لتعليمها وتأديبها رجلا من كبار المؤدبين. فلقد توفي أبوها جستاف ادولف في حومة الوغى، بين قعقعة السلاح وهزيم المدافع، في حرب الثلاثين عاما، ولم تكد الفتاة أن تبلغ السادسة من عمرها. ولم يكن للعرش وارث سواها فحاول المؤدبون أن ينموا فيها طباع الملوك وأخلاق الرجال، فإذا هي لا تعرف سوى أهواء النساء وميول النساء. وإذا فيها كل ما في المرأة المسرفة من تعسف وتسرع، وعناد كعناد الأطفال، وتطرف، ومتابعة للشهوات، وأرادوا منها أن تناصر المذهب البروتستنتي، الذي مات أبوها في الدفاع عنه، والذي بلغت السويد ما بلغته من العظمة بالذود عن حوضه فإذا كرستينا لا تعبأ بالدين البروتستنتي، ولا يهمها أن تمضي البلاد في تلك الحروب الدينية، بل لقد انتهى بها الأمر إلى نبذ البروتستنتية تماما والميل إلى الدين الكاثوليكي. ولم تكد تبرح البلاد بعد اعتزالها الملك حتى اعتنقت الكثلكة وتركت البروتستنتية غير آسفة عليها، وغير مكترثة لذلك التراث الديني المجيد الذي ورثته. بل لعل السبب أو بعض السبب الذي دفعها إلى اعتزال الملك حب ذلك الدين الكاثوليكي الذي أشربت بغضه وعدواته منذ الطفولة وبذل المؤدبون كل جهودهم لكي يلقنوها منذ طفولتها كيف تسوس البلاد. وكيف تضطلع بأعباء الملك. وكيف تملا العرش المجيد كما كان يملؤه أبوها. وأن تكون العناية بشئون الدولة. صغيرها وجليلها، همها الوحيد الذي لا يصرفها عنه شيء. لكنها لم تكد تكبر وتتولى الحكم، حتى كانت شديدة التبرم بالدولة وبأعمال الدولة، وبالحكم ما يفرضه عليها من أثقال وأعباء، ومن عناية بأمور تافهة: مسئمة مملة: وهي التي تريد أن تنصرف إلى لذات الجسد بالانغماس في الشهوات، وإلى لذات العقل بالتحدث إلى الفلاسفة، فكانت تتهرب من الاضطلاع بذلك العبء، البغيض وتفر منه ما استطاعت إلى الفرار سبيلا. . وذلك زمن مقاليد الأمور فيه كلها بيد الجالس على العرش، فكان الفرار داعيا إلى إهمال شئون الدولة ونقضا لمصلحة البلاد. ومع ذلك فقد كانت كرستينا تحسب نفسها عظيمة، بالغة أقصى حدود العظمة، حتى لقد قالت وهي تناجي ربها: (اللهم لقد جعلتني من العظمة بحيث لو أحرزت ملك الأرض

стр. 3295

جميعا ما رضيت به!). . ورأت من العظمة أن يحيط بها جيش عرمرم من أولئك الناس الذين يدعون النبلاء، وهم طائفة ممن لا غناء فيهم، يعيشون عيش الحشرات الطفيلية، بما تدره عليهم من مال لم يكدحوا لجمعه واكتسابه. وكان يلذ لها أن يحدقوا بها ليمطروها ما شاءت من رياء العبودية، وثناء التزلف. . وأعجبها منهم هذا كله، فجعلت تزيد في عددهم وتخلق منهم قبيلا بعد قبيل، حتى باتوا ضعف ما كانوا في عهد أبيها، وكان بدلا لهم أن يعيشوا عيشة البذخ والترف، فجعلت تمنحهم الأراضي والضياع بإسراف وتبذير منقطع النظير، حتى استنفذت ثروة الدولة في إشباع هذه الحشرات النهمة، وأسلمت بلادها إلى الإفلاس. وكان من العظمة أن تشجع العلم والتعليم، وجنت البلاد من هذا بعض الخير، ولكنها غلت، فأرادت أن يكون بلاطها مأوى العظماء من رجال الفلسفة والعلم. فكانت تنفق من اجل هذا المأرب، إنفاقا مسرفا لكي يقال إنها حارسة العلم وصديقة العلماء، وأعجبها أن يقصدها السفراء من أقاصي الممالك، وأنيكيلوا لها المدح والاطراء، ولم تلبث أن بات لهؤلاء الغرباء من النفوذ عليها ما ليس لأحد من وزرائها وبني وطنها. وبينما هي تسمح لهؤلاء أن يستميلوها إلى المذهب الكاثولكي، ويخرجوها عن دين آبائها، إذا هي تنفر من مستشار دولة الأمين ووزيرها المحنك أكسل أكسنسترنا محبب إلى الناس، ولأن الشعب يرى فيه خادمه المخلص، المتفاني في خدمته. كانت كرستينا بلا شك، من أولئك الملوك الذين لا يستطيعون أن يفهموا أن عظمتهم لا قيمة لها إلا إذا استمدوها من عظمة امتهم، وانهم لن يعلو لهم شأن إلا إذا علا شأن دولتهم. فما كان بمجديها أن تكون عظيمة وأمتها حقيرة، غنية وأمتها فقيرة. ذات صولة وقوة، وأمتها لا حول لها ولا قوة. فما لبثت أن أفنت موارد البلاد، واستنفدت خزائن دولة كانت تعد في طليعة دول ذلك الزمن. . وأراد المخلصون من رجال الدولة أن تتزوج ملكتهم، لكي يضمنوا لعرش الدولة وريثا يجري في عروقه دم أسرة فازا، يرجون - ويلحون في الرجاء - أن تتخذ لها شريكا في حياتها. وكان حديث الزواج هذا أبغض الأشياء إليها، ولم يكن نفورها من الزواج عن تعفف، بل لأنها كانت ترى في الزواج أغلالا تكبح جماحها، وتثني من عنانها، وهي التي
следующие страницы →