← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

وتزهق روح النهضة، وتشوه آمال الأمة بالمطامع السود والأهواء الأثيمة. والحكومة تنبعث من أدراج مكاتبها العليا روائح كريهة تسور في الانوف، وتاخذ بالأنفاس، وتفسد الجو على هذه الأمة المسكينة!! هذه هي العناوين الصغيرة لهذا العنوان الكبير، والعناصر الأولية لهذا الموضوع الخطير، أجملناها في رأسه قبل أن ينزل بنا التفصيل إلى ذيله! على نحو ما يصنع المعلمون من الكتاب، أو المنشؤن من الطلاب، جمعا لتشتيت الرأي، وتصويراً لهيكل الفكرة. فليت شعري يا هداة الأمة ماذا كنا نقول لو قدر لنا أن نكتب هذا الموضوع حين اقترحناه منذ خمس وعشرين سنة؟! احمد حسن الزيات

стр. 3292

كرستينا ملكة السويد ١٦٢٦ - ١٦٨٦ للدكتور محمد عوض محمد هذه الصورة - التي عرضتها أمام أهل القاهرة إحدى ممثلات السينما في شيء كثير من الإسراف الذي يعشقه رواد الملاهي، وفي شيء كثير من الانحراف عن حقيقة التاريخ التي قلما يعبأ بها أصحاب القصص، ومؤلفو المسرحيات - هي من تلك الصور التي تتجاوز في حقيقتها وفي طبيعتها مذاهب الوهم ومسابح الخيال. وحسب كل إنسان أن تعرض أمامه الصورة كما كانت لا كما يتوهمها القصصيون. ليس لكريستينا مكان بين كبار الملوك، ولكن لها شخصية قوية غريبة تستفز لتصويرها كل من يهوى الشيء النافر الغريب الشاذ. ولدت في أول الربع الثاني من القرن السابع عشر، وكان مولدها في شهر كانون الأول: في عنفوان الشتاء القارس، حين يصبح الهواء زمهريراً والماء جمدا. ويوشك الدم أن يتجمد في عروق الناس والحيوان. . . وكان حقيقا بمن يولد في هذا الشهر أن يكون في طبعه تؤده وبرود، ورزانة وهدوء. . . غير أن ابنه جوستاف اودلف، ما كانت تعرف الهدوء ولا البرود، بل كانت كتلة من الشرر المتطاير واللهيب المندلع. وسيظن الناس إننا نعبث حين ندعي أن لشهر كانون تأثيرا فيمن يولدون فيه. ولنسلم لهم أن في هذا الزعم ما فيه من عبث، وان شهر المولد ابعد الأشياء من أن يؤثر فيمن يولد فيه. ولكن، بعد التسليم بهذا أنستطيع أن ننكر ما للبيئة من تأثير لا يحد، وقضاء لا يرد، وأفعال لا تعد؟ كيف والبيئة هي الركن الركين في فلسفة الفلاسفة وعلم العلماء؟ ولقد ولدت كرستينا تحت سماء اسكندناوية مكفهرة تغشاها السحب، وتكتنفها الغيوم، في بلاد تجمد أنهارها في الشتاء، فلا تجري فيها قطرة ماء، وتجمد البحار فلا تستطيع السفن حراكا؛ ويتساقط الثلج، ويتراكم أكداسا فوق أكداس، فلا ترى العين حيثما نظرت سوى هذه الكتل البيضاء، تكسو الشجر والحجر، والحقول والدور. . . ويبرد الهواء حتى ليكاد النفس أن يجمد حين يغادر الشفتين، ويعجز النبات عن النمو، فيبقى في الثرى هامدا جامدا، ينتظر ربيعا لا يجيء إلا أخيرا، وصيفا لا يدوم إلا زمنا يسيرا أما الخريف فما له هنالك من مأرب سوى أن يمهد للشتاء السبيل؛ وكثيرا ما يندمج فيه، ويصبح ويمسي جزءا منه.

стр. 3293

وكان خليقا بمن يولد في هذه البيئة - إذا كان هنالك معنى لما يقوله أصحاب مذهب البيئة - أن يكون هادئ الطبع، لا يصدر في أعماله إلا عن تؤدة وترو، بعيدا عن طيش أهل الشرق وخرقهم الذي اكتسبوه من حرارة هوائهم، كثير التبصر في العواقب، والادخار للمستقبل المظلم كظلام الشتاء؛ مولعا بالعدل بعيداً عن الاستبداد والظلم اللذين هما من خصائص الشرقيين، أهل البلاد الحارة، لأن العدل نتيجة الروية والأناة وقلة الاندفاع، وهذا كله من المزايا التي يمنحها الله لعباده الذين يعيشون في بيئة باردة. وكأنما أرادت كرستينا أن تقلب هذه السنن جميعا فتجعل عاليها سافلها، فإذا هي وسط هذا الجليد والزمهرير شعلة من نار لا تخبو، ولهيب متقد لا يهدأ، وإذا في طبعها اندفاع وعنف، وإذا هي شديدة القلق، بعيدة عن الهدوء والاستقرار. . . مسرفة مبذرة تبذيرا أفقر الدولة، جائرة في الحكم حتى لقد مالت إلى النبلاء ميلا شديداً، ومنحتهم موارد الدولة وغمرتهم بالهبات. . شديدة الغرور حتى لقد كانت تضع التاج تحت قدميها، وتزعم أنها تفخر إذ تطأ برجلها ما يجلل هام الملوك، وقد نسيت أن ممن حمل ذلك التاج أبوها العظيم جوستاف ادولف. . . وعلى حدة ذكائها النادر لم تستطع أن تفهم إنها مهما عظمت فإنما عظمتها الحقيقية في عظمة بلادها. . . فكانت لا تعنى إلا بأبهة الملك، وبمظاهر العظمة دون حقيقتها، ومن اجل أبهة الملك أرسلت في طلب ديكارت المسكين، وألحت عليه في أن يقيم بقصرها في أستكهولم لكي يدارسها العلم والفلسفة. فجاء الفيلسوف العظيم وقضى نحبه بعد ثلاث سنين قضاها في بلاد لا يلائمه هواؤها ولا جوها. وكانت متكبرة اشد الكبرياء، غيورة لا تطيق أن يعرف لأحد فضل، أو يشتهر له بين الرعية ذكر، حتى لقد أساءت إلى الوزير القدير اكسنستيرنا، الذي لم يكن في البلاد في أوربا كلها اقدر منه. . . وكانت جامحة في شهواتها اشد الجموح، منغمسة في اللذات انغماسا يزري بالمتوحشين من أهل أفريقية، ومع ذلك فما هي من أهل الشرق ولا من أهل أفريقية، بل من ذلك الجنس الشمالي التيوتوني الذي اشتهر بالاعتدال وبرود الطبع، كما اشتهر بالشعر الأشقر والعيون الزرقاء. . . فكأنما أرادت كرستينا أن تصفع أصحاب مذهب البيئة باليمن، وأصحاب مذهب الوراثة بالشمال. لكن البيئة والوراثة ليستا بالشيئين الوحيدين، اللذين خرجت عليهما كرستينا وطعنتهما في

стр. 3294

الصميم؛ بل لقد خرجت أيضا على المؤدبين ونظرياتهم وعقائدهم. . اختاروا لتعليمها وتأديبها رجلا من كبار المؤدبين. فلقد توفي أبوها جستاف ادولف في حومة الوغى، بين قعقعة السلاح وهزيم المدافع، في حرب الثلاثين عاما، ولم تكد الفتاة أن تبلغ السادسة من عمرها. ولم يكن للعرش وارث سواها فحاول المؤدبون أن ينموا فيها طباع الملوك وأخلاق الرجال، فإذا هي لا تعرف سوى أهواء النساء وميول النساء. وإذا فيها كل ما في المرأة المسرفة من تعسف وتسرع، وعناد كعناد الأطفال، وتطرف، ومتابعة للشهوات، وأرادوا منها أن تناصر المذهب البروتستنتي، الذي مات أبوها في الدفاع عنه، والذي بلغت السويد ما بلغته من العظمة بالذود عن حوضه فإذا كرستينا لا تعبأ بالدين البروتستنتي، ولا يهمها أن تمضي البلاد في تلك الحروب الدينية، بل لقد انتهى بها الأمر إلى نبذ البروتستنتية تماما والميل إلى الدين الكاثوليكي. ولم تكد تبرح البلاد بعد اعتزالها الملك حتى اعتنقت الكثلكة وتركت البروتستنتية غير آسفة عليها، وغير مكترثة لذلك التراث الديني المجيد الذي ورثته. بل لعل السبب أو بعض السبب الذي دفعها إلى اعتزال الملك حب ذلك الدين الكاثوليكي الذي أشربت بغضه وعدواته منذ الطفولة وبذل المؤدبون كل جهودهم لكي يلقنوها منذ طفولتها كيف تسوس البلاد. وكيف تضطلع بأعباء الملك. وكيف تملا العرش المجيد كما كان يملؤه أبوها. وأن تكون العناية بشئون الدولة. صغيرها وجليلها، همها الوحيد الذي لا يصرفها عنه شيء. لكنها لم تكد تكبر وتتولى الحكم، حتى كانت شديدة التبرم بالدولة وبأعمال الدولة، وبالحكم ما يفرضه عليها من أثقال وأعباء، ومن عناية بأمور تافهة: مسئمة مملة: وهي التي تريد أن تنصرف إلى لذات الجسد بالانغماس في الشهوات، وإلى لذات العقل بالتحدث إلى الفلاسفة، فكانت تتهرب من الاضطلاع بذلك العبء، البغيض وتفر منه ما استطاعت إلى الفرار سبيلا. . وذلك زمن مقاليد الأمور فيه كلها بيد الجالس على العرش، فكان الفرار داعيا إلى إهمال شئون الدولة ونقضا لمصلحة البلاد. ومع ذلك فقد كانت كرستينا تحسب نفسها عظيمة، بالغة أقصى حدود العظمة، حتى لقد قالت وهي تناجي ربها: (اللهم لقد جعلتني من العظمة بحيث لو أحرزت ملك الأرض

стр. 3295

جميعا ما رضيت به!). . ورأت من العظمة أن يحيط بها جيش عرمرم من أولئك الناس الذين يدعون النبلاء، وهم طائفة ممن لا غناء فيهم، يعيشون عيش الحشرات الطفيلية، بما تدره عليهم من مال لم يكدحوا لجمعه واكتسابه. وكان يلذ لها أن يحدقوا بها ليمطروها ما شاءت من رياء العبودية، وثناء التزلف. . وأعجبها منهم هذا كله، فجعلت تزيد في عددهم وتخلق منهم قبيلا بعد قبيل، حتى باتوا ضعف ما كانوا في عهد أبيها، وكان بدلا لهم أن يعيشوا عيشة البذخ والترف، فجعلت تمنحهم الأراضي والضياع بإسراف وتبذير منقطع النظير، حتى استنفذت ثروة الدولة في إشباع هذه الحشرات النهمة، وأسلمت بلادها إلى الإفلاس. وكان من العظمة أن تشجع العلم والتعليم، وجنت البلاد من هذا بعض الخير، ولكنها غلت، فأرادت أن يكون بلاطها مأوى العظماء من رجال الفلسفة والعلم. فكانت تنفق من اجل هذا المأرب، إنفاقا مسرفا لكي يقال إنها حارسة العلم وصديقة العلماء، وأعجبها أن يقصدها السفراء من أقاصي الممالك، وأنيكيلوا لها المدح والاطراء، ولم تلبث أن بات لهؤلاء الغرباء من النفوذ عليها ما ليس لأحد من وزرائها وبني وطنها. وبينما هي تسمح لهؤلاء أن يستميلوها إلى المذهب الكاثولكي، ويخرجوها عن دين آبائها، إذا هي تنفر من مستشار دولة الأمين ووزيرها المحنك أكسل أكسنسترنا محبب إلى الناس، ولأن الشعب يرى فيه خادمه المخلص، المتفاني في خدمته. كانت كرستينا بلا شك، من أولئك الملوك الذين لا يستطيعون أن يفهموا أن عظمتهم لا قيمة لها إلا إذا استمدوها من عظمة امتهم، وانهم لن يعلو لهم شأن إلا إذا علا شأن دولتهم. فما كان بمجديها أن تكون عظيمة وأمتها حقيرة، غنية وأمتها فقيرة. ذات صولة وقوة، وأمتها لا حول لها ولا قوة. فما لبثت أن أفنت موارد البلاد، واستنفدت خزائن دولة كانت تعد في طليعة دول ذلك الزمن. . وأراد المخلصون من رجال الدولة أن تتزوج ملكتهم، لكي يضمنوا لعرش الدولة وريثا يجري في عروقه دم أسرة فازا، يرجون - ويلحون في الرجاء - أن تتخذ لها شريكا في حياتها. وكان حديث الزواج هذا أبغض الأشياء إليها، ولم يكن نفورها من الزواج عن تعفف، بل لأنها كانت ترى في الزواج أغلالا تكبح جماحها، وتثني من عنانها، وهي التي

стр. 3296

تريد أن تبقى حرة طليقة. فلما اشتد إلحاح رجال القصر عليها. طلبت من البرلمان أن يكون ابن عمها شارل جستاف هو وارث العرش من بعدها. وفي عام ١٦٥٤ - ولم تكد كرستينا أن تبلغ الثامنة والعشرين تنفس شعبها الصعداء، لان ملكتهم قد اعتزلت الملك وغادرت البلاد، وليس من السهل أن نقدر الدافع الأكبر الذي دفعها إلى سلوك هذا السبيل، فقد كانت هنالك بواعث شتى تعتلج في صدرها، فمن شعب مضطرب ثائر على تبذير ملكته، إلى بغض شديد لتلك التكاليف المضنية التي يستلزمها الاضطلاع بالحكم، إلى رغبة شديدة كانت تدفعها لأن تعيش في جنوب أوربا، وأن تعتنق الدين الكاثوليكي. ولعل أقوى دافع لها إلى اعتزال الملك أنها كانت تريد أن تبهر ملوك العالم حين يرون ملك في ريعان شبابها تنزع عن جبينها التاج وتلقي به في ازدراء واحتقار. وقد تم لها ما أرادت، فغادرت وطنها، ومعها ثروة حسنة لم تلبث أن أتت عليها، واعتنقت دين الكاثوليك. واتخذت لها في روما قصرا عاشت فيه زمنا عيش الإسراف الذي لا يعرف حدا. وزارت فرنسا مرتين، في المرة الثانية أدهشت وأغضبت ولاة الأمور حين أمرت رجالها بقتلعشيقها مونالديسكي. فاضطروها إلى مغادرة فرنسا والعودة إلى روما. لقد كانت المقادير ارحم بكريستينا والطف، لو أنها وافتها منيتها بعد أن نزلت روما، وبعد أن نفذت ثروتها، ولكن الأجل قد تراخى بها حتى بلغت الستين، وكان الشطر الأخير من حياتها مفعما بالألم والشقاء. وعادت إلى وطنها حين بلغت الأربعين تحاول عبثا أن تسترد الملك فلن تلقى سوى الأعراض والنفور. ورجعت إلى روما حيث قضت بقية العمر، وقد نسيها العالم وأهملها الناس، وظلت تعيش عيشة الضنك والضيق وجل رزقها مما يجود به عليها البابا من الهبات حين امتنعت عنها الموارد وتقطعت بها الأسباب. محمد عوض محمد

стр. 3297

نعمة الألم للأستاذ أحمد أمين لندع الآن جانبا وصف ما كان من الخلاف بين علماء النفس في أن الألم شعور موجب، أو لذة سالبة، ولندع كذلك بحوثهم الطويلة في تقسيم الألم إلى أنواع: فنوع منه كالذي نشعر به عند وجع الأسنان، ونوع كالذي نشعر به عند الفشل في محاولة، ونوع كالذي نشعر به عند مواجهة ما نكره الخ. ولندع أيضا بحوث علماء الأخلاق في أن الإنسان في جميع أفعاله يطلب اللذة، ولا يطلب شيئا غيرها، ويهرب من الألم ولا يهرب من شيء غيره، وانه حين يفر من اللذة فإنما يفعل ذلك لطلب لذة أكبر منها، وانه حين يتحمل الألم فإنما هو يفر من ألم اكبر منه، أو يتطلب بألمه لذة أكبر مما تحمل - ولندع التعرض لما قام حول هذه النظرية من نزاع. لندع هذا كله، ولننظر إلى أثر اللذة في الحياة العامة وأثر الألم فيها، فيخيل إلي إنا مدينون للألم بأكثر مما نحن مدينون للذة، وإن فضل الألم عل العالم أكبر من فضل اللذة إن شئت فتعال معي نبحث في عالم الأدب، أليس أكثره وخيره وليد الألم؟ أوليس الغزل الرقيق نتيجة لألم الهجر أو الصد أو الفراق؟ ذلك الألم الطويل العريض العميق تتخلله لحظات قصيرة من وصال لذيذ، وليس هذا الوصال اللذيذ بمنتج أدبا كالذي ينتجه ألم الفراق، وإن الأديب كلما صهره الحب، وبرح به الألم، كان أرقى أدبا وأصدق قولا، وأشد في نفوس السامعين أثراً، ولو عشق الأديب فوفق كل التوفيق في عشقه، وأسعفه الحبيب دائما، ومتعه بما يرغب دائما، ووجد كل ما يطلب حاضرا دائما لسئم ومل، وتبلدت نفسه، وجمدت قريحته، ولم يخلف لنا أدبا ولا شبه أدب، ولو كان مكان مجنون ليلى عاقل ليلى كسائر العقلاء - وإنما فضل المجنون لآن نفسه كانت أشد حسا وأكثر ألما. ولولا علو همة المتنبي ما كان شعره، وما علو همته؟ أليست كراهية الحياة الدون، والألم من أن يعد من سقط المتاع، والتطلع لان يكون له الصدر أو القبر؟ وعلى هذا المحور دارت حياته، ودار شعره، ولو نشا قانعا لما فارق بلدته، ولكان سقاء كأبيه يروي الماء ولا يروي الشعر. وما قيمة المعري لولا ألمه من الفقر والعمى - لو كان غنيا بصيرا لما رأيت لزومياته، ولا

стр. 3298

أعجبت بكلماته، ولكان إنسانا آخر ذهب فيمن ذهب - إنما خلده ألم نفسه، وأبقى أسمه قوة حسه. ولو شئت لعددت كثيراً من أدباء العرب والغرب أنطقهم بالأدب حينا ألم الفقر، وحينا ألم الحب، وحينا ألم النفي، وحينا ألم الحنين إلى الأوطان، إلى غير هذا النوع من أنواع الآلام. نعم قد أجدت اللغة العربية على الأدب كثيرا - لقد أنتجت لهو امرئ القيس وطرفة، وخمر أبي نؤاس، وفخر أبي فراس ومجون الماجنين، وفكاهة العابثين، وكان غنى ابن المعتز ولذته ينبوعا صافيا لحسن التشبيهات، وجمال الاستعارات - وخلفت لذة هؤلاء أدبا ضاحكا، كما خلف الألم أدبا باكيا. خلفت اللذة أدبالمسلاة (الكوميديا) وخلف الألم أدبالمأساة (التراجيديا) ولكن أي الأدبيين أفعل في النفس، وأيهما أدل على صدق الحس، وأيهما أنبل عاطفة، وأيهما أكرم شعوراً، أي النفسين خير؟ أمن بكى من رؤية البائسين، أم من ضحك من رؤية الساخرين؟ أمن رأى فقيرا فعطف عليه، أو هزأت فضحك منه؟! على أني أخشى أن تكون اللذة التي أخرجت الأدب الضاحك ليست إلا ألما مفضضا أو علقما (مبرشما) أليست خمر أبي نواس محورها (وداوني بالتي كانت هي الداء)؟ أو ليس قد هام بها لأنها (لو مسها حجر مسته سراء)؟ فهو يهيم بالخمر فرارا من ألم الدنيا ومتاعب الحياة؟ ولو فتشت عن دخيلة ابن المعتز، لرأيت ألما قد بطن بلذة وجحيما في شبه نعيم. ثم تعال معي إلى الحياة الاجتماعية، فخير الأمم من تألم للشر يصيبه، والضر يلحق به، وهل تحاول أمة أن تصلح ما بها إلا إذا بدأت فأحست بالألم، أو ليس من علامة تماثل المريض للشفاء أن يحس بالألم بعد الغيبوبة - ثم من هو المصلح؟ أليس اكثر قومه لما مما هم فيه. أو ليس هو أبعدهم نظرا، واصدقهم حسا. دعته رؤية ما لم يروا، وإحساسه ما لم يحسوا، أن يكون أعمق منهم ألماً وأشد منهم سخطاً، فلم يسعه إلا أن يجهر بالإصلاح وان يتحمل منهم عن رضى ما يصيبه من ألم، لأن ألم نفسه مما يرى بهم، أكبر من أي ألم يناله منهم؟ - وما الوطنية؟ ليست شعورا بألم يتطلب العمل؟ ومن نعم الله أن أوجد أنواعا من الألم هي آلام لذيذة تتطلبها النفوس الراقية وتعشقها. ولو

стр. 3299

عرض عليها أن تعوض عنها لذائذ صرفة لما قبلتها. فلو عرض على الفيلسوف المتألم لذة غنى جاهل لرفض في غير تردد، ولو خير المصلح المجاهد، ينغص عليه قومه، وينغص عليه غير قومه، وينغص عليه بعد نظره، وينغص عليه قوة شعوره ما اختار من حياته بديلا - ذلك لأن آلامه سرى فيها نوع من اللذة لا يدركه إلا العارفون، واصبح يهيم بهذا الألم اللذيذ. ويرى اللذة الصرفة لذة أليمة - وكل ميسر لما خلق له. أكره من الألم أن يكون ألماً يائسا، فهو يسلم للضعف فالموت، وأحب الألم الأمل فهو أبعث للقوة والحياة. وتعجبني اللغة العربية إذ اربت في اللفظ بين الألم والأمل، وباعدت بين الألم واليأس، فاللهم لا تحرمني من الألم، ولكن قدر أن يكون ألماً لذيذاً. احمد أمين

стр. 3300

سحب في بلاد العرب الحرب بين نجد واليمن للأستاذ محمد عبد الله عنان كان الخلاف يشتد منذ حين بين زعيم الجزيرة العربية، جلالة ابن السعود ملك نجد والحجاز وسيادة الإمام يحيى حميد الدين ملك اليمن. وكانت آمال العرب والمسلمين قوية في أن تنتهي الزعيمان بالمفاوضة والحسنى إلى حسم الخلاف القائم بينهما، وأن يبذل كل ما في وسعه لاتقاء حرب أهلية تشقى الجزيرة بعواقبها. ولكن العرب والمسلمين فجعوا أخيرا في هذه الآمال، فوقع الخطب ونشبت الحرب في جزيرة للمرة الثانية خلال بضعة اشهر. وكانت قد نشبت في الخريف الماضي بين القوات اليمنية والنجدية لنفس الخلاف الذي يثيرها اليوم؛ ولكنها أخمدت بسرعة وتغلبت الروية والحكمة يومئذ؛ وكان لصوت العرب والمسلمين أثره في ذلك؛ فعاد الزعيمان إلى التفهم والمفاوضة، وعقد مؤتمر نجدي يمني ليبحث وجوه الخلاف، وليحاول الوصول بها إلى تسوية مرضية ولكنه لم يوفق في مهمته لتمسك كل من الفريقين بوجهة نظره فكان تفاقم الخلاف، وكانت الحرب. وهذا الخلاف الذي يضرم الحرب في جنوب الجزيرة العربية قديم يرجع إلى أعوام بعيدة. ومنشؤه مسألة الحدود بين البلدين وتنازع السيادة بينهما على المناطق والأراضي الواقعة بين الحجاز واليمن، وهي تشمل ولاية عسير الواقعة في جنوب الحجاز وشمال اليمن، ومنطقة نجران الواقعة شرق عسير جنوب شرقي الحجاز وشمال شرقي اليمن. وقد كانت السيادة في عسير حتى سنة ١٩٢٢ مقسمة بين قبائل بني شهر القوية في قسمها الشرقي، وبين الأدارسة في قسمها الغربي وهو لمعروف بتهامة؛ ففي سنة ١٩٢٢ اجتاحت القوات السعودية منطقة عسير الشرقية، وحطمت قبائل بني شهر واستولت على أراضيها حتى بلاد اليمن وضمتها إلى نجد. ولما استولى ابن سعود على الحجاز سنة ١٩٢٥ رأى أن الاستيلاء على تهامة ضروري لتأمين حدود الحجاز الجنوبية، ورأى الأدارسة أن القوات النجدية تطوق بلادهم من الشرق والشمال فآثروا التفاهم مع ابن السعود والاستظلال بلوائه، وعقد زعيمهم السيد الحسن الأدريسي اتفاقا مع ملك نجد توضع عسير تهامة بمقتضاه تحت حماية نجد وإشرافها (سنة ١٩٢٦)؛ وأستمر الأدارسة في حكم البلاد تحت

стр. 3301

إشراف مندوب من قبل ملك نجد؛ ولكن هذا الوضع الشاذ كان مثارا لمصاعب وخلافات لا نهاية لها؛ واضطر السيد الأدريسي في النهاية أن يتخلى عن مهمة الحكم والإدارة وأن يفوض الأمر إلى ملك نجد؛ وشعر ابن سعود انه لا ستطيع المحافظة على عسير إلا إذا ضمها إلى أملاكه، فأعلن في سنة ١٩٣٠؛ ونزع الأدارسة كل سلطان حقيقيي، وبذلك امتدت حدود المملكة السعودية إلى شمال اليمن، وزادت بذلك أسباب الاحتكاك بينهما. وكانت هذه الأسباب قائمة منذ استولى ابن سعود على أراضي بني شهر (عسير الشرقية)، وأشرفت بذلك على منطقة نجران التي يدعى إمام اليمن إنها من ملحقات مملكته وأن قبائلها تلتمس حمايته، ويدعي ابن سعود أن قسمها الشمالي داخل في أراضيه. ولكن استيلاء ابن سعود على أمارة الأدارسة كان أبعد في استياء الإمام وتوجسه من إشراف (الأخوان) على حدوده الشمالية. وكان للإمام من قبل نفوذ قوي على الأدارسة، وكانت عرى التفاهم والتحالف بينهما قوية متينة، وكان يرى دائما انه أولى وأحق بضم هذه المقاطعة إلى أملاكه من منافسة القوى الذي قصد إليها من قلب الجزيرة، واستطاع في أعوام قلائل أن يدفع حدود أملاكه حتى البحر الأحمر غربا واليمن جنوبا، ولكن الإمام لم يكن في ظروف تمكنه من الإقدام على هذه الخطوة لأنه في الوقت الذي استولى فيه ابن سعود على عسير كان مشغولا بخصومته مع الإنكليز على بعض المناطق اليمنية الجنوبية المجاورة لعدن، وقد احتلها الإنكليز بحجة إنها اختارت الحماية الإنكليزية، وأغارت أسرابهم الجوية على اليمن مرارا وألقت قنابله على صنعاء عاصمة اليمن، ولم يستطع الإمام يومئذ أن بفعل شيئا لمقاومة الغزو السعودي في عسير. تلك هيأسباب الخلاف الجوهرية بين اليمن والمملكة السعودية. وقد استطاع ابن السعود والإمام أن يتغلبا مدى حين على بواعث الخصومة، وان يتذرعا بالروية والتفاهم، وان يحسما أسباب الخصومة في كثير من المواطن؛ بل لقد انتهى التفاهم بينهما إلى أن عقدا معاهدة صداقة وحسن جوار في سنة ١٩٣١ تعهد فيها كل منهما بمراعاة المودة والصداقة وتسليم المجرمين من رعايا الفريق الآخر، وتبادل حقوق التوطن والإقامة بالنسبة لرعايا الدولتين، ولكن هذه الجهود المحمودة في سبيل الوفاق والتفاهم لم تنجح على ما يظهر في حسم أسباب الخلاف الحقيقي؛ واستمرت بواعث الاحتكاك على مسائل الحدود تنفجر من

стр. 3302

آن لآخر. وفي سنة ١٩٣٢ انتفض الأدارسة على عمال الحكومة السعودية، واضطرمت في عسير ثورة خطيرة وهوجمت القوات السعودية بشدة، وأصيبت بخسائر فادحة، وردت عن بعض المواقع الهامة، فبادر ابن المسعود بإرسال النجدات القوية إلى عسير، أخمدت الثورة بعد خطوب، وفر الزعماء الأدارسة إلى اليمن، والتجئوا إلى حماية الإمام. واستشعر ابن السعود على ما يظهر ريبا من موقف الإمام إزاء هذه الثورة، وفي أنها ليست بعيدة عن وحيه وتدبيره ومؤازرته المعنوية على الأقل، خصوصا وقد رفض ما طلبه ابن السعود من تسليم الزعماء الأدارسة بالاستناد إلى المعاهدة المعقودة؛ عندئذ عاد الخلاف بين الملكين إلى اشده، واخذ كل منهما يحشد قواته على الحدود. ومع ذلك فقد حاولابن السعود أن يبذل مجهودا أخيراً في سبيا الوفاق والتفاهم، فأرسل إلى الإمام وفد للمفاوضة، ولبث الوفد السعودي في صنعاء عدة أسابيع دون أن يوفق إلى مفاوضة الإمام والتفاهم معه؛ وقيل يومئذ أن الوفد وضع بأمر الإمام أو بأمر ولده سيف الإسلامفي حالة اعتقال. وعلى أي حال فقد فشلت هذه لمحاولة، وتفاقم الخلاف حين تقدمت القوات اليمانية شمالا في مقاطعة نجران، واستولت على بعض مواقع في جنوب تهامة، واشتبك الفريقان يومئذ في بعض المعارك المحلية؛ واستشعر العالم العربي والإسلامي خطر هذه الحرب الأهلية فرفع صوته يحذر الزعيمين من عواقبها، ويناشدهما حقن الدماء واتقاء الشر، فوقفت الحرب يومئذ في بدايتها، أصغى الفريقان مدى حين لهذا النداء الحكيم. ولكن الحرب تعود فتضطرم اليوم بين زعيمي الجزيرة العربية ويعود الخطر فيهدد مستقبل الجزيرة بشر العواقب. واشد ما نخشى أن تكون المطامع والدسائس الاستعمارية جاثمة وراء هذه الحرب الأهلية تنفح النار فيها، وتترقب من خلالها فرص التدخل. ذلك أن المملكة السعودية بلغت من الضخامة والقوة حدا أضحى يشغل السياسة البريطانية. والمملكة السعودية (نجد وملحقاتها) تجاور بحدودها جميع مناطق النفوذ البريطاني في شبه الجزيرة؛ فهي تجاور العراق من الشمال الشرقي، وتجاور شرق الأردن وفلسطين من الشمالالغربي، وتجاور الكويت وعمان من الشرق، وتشرف على حضرموت من الجنوب؛ وقد دلل ابن السعود في أكثر من فرصة على قوته ومنعة مملكته التي تشمل جميع أواسط الجزيرة من شرقها إلى غربها ودلل بالأخص على أنه شديد الحرص على سلامة حدوده وأراضيه لا

стр. 3303

يغضى عن أية محاولة تقوم بها السياسة البريطانية لتوسيع نفوذها داخل الجزيرة، وقد رفض مرارا ما عرضته بريطانيا من الاتفاق معه على استثمار مواد الحجاز الطبيعية، أو منحه قرضا يمكنها من التدخل في شؤون مملكته؛ وعلائق ابن السعود حسنة مع روسيا السوفيتية، والتجارة السوفيتية متفوقة في الحجاز، وهذا ما لا يرضي بريطانيا. وابن السعود يدعي ملكية العقبة وما حولها من الأراضي التي تحتلها بريطاني، ويهدد بالإغارة عليها من حين لآخر، حتى أن بريطانيا اضطرت أن تنشئ لها في العقبة مركزا بحريا ومركزا للطيران الحربي. فهذه العوامل والظروف كلها تحمل السياسة البريطانية على التوجس من صديقها القديم ابن السعود ومن ازدياد قوته ونفوذه داخل الجزيرة، هذا وأما اليمن فهي محطأنظار السياسة الإيطالية، لأن موقعها على الضفة الشرقية من البحر الأحمر تجاه مستعمرة إريترية الإيطالية الواقعة على ضفته الغربية يجعل لها في نظر إيطاليا أهمية خاصة. وقد توثقت العلائق بين اليمن وإيطاليا منذ سنة ١٩٢٨ وزار رومه يومئذ وفد يمني برئاسة سيف الإسلام ولد الإمام، واستقبل بمنتهى الحفاوة؛ وعقدت بين اليمن وإيطاليا معاهدة تجارية اقتصادية. وتقربت روسيا السوفيتية من اليمن أيضا وعقدت معها معاهدة ودية تجارية (سنة ١٩٢٩) وكان ذلك عاملا في جزع السياسة البريطانية وتطور سياستها نحو اليمن. ذلك أن بريطانيا تجاور اليمن في عدن اعظم مراكزها البحرية في البحر الاحمر، وتحتل إلى جانب عدن عدة مناطق أخرى تجاور اليمن من الجنوب الشرقي وينازعها الإمام في ملكيتها. وكان الخلاف قويا مستمرا بين الإنكليز والإمام منذ أعوام طويلة، والسياسة البريطانية تتردد بين خصومته وصداقته، وتحاول إرغامه من وقت لآخر بتنظيم الغارات الجوية على أراضيه، أن يعترف بملكيتها للمناطق التسع التي تحتلها. فلما أتجه الإمام نحو السياسة الإيطالية، وظهرت روسيا السوفيتية في الميدان تتقرب إلى اليمن، خشيت السياسة البريطانية عواقب هذه الخصومة، فعادت إلى مصانعة الإمام، ودارت بينهما مفاوضات انتهت أخيرا بعقد كعاهدة يمنية بريطانية تعترف فيها بريطانيا العظمى باستقلال اليمن، وتسوي فيها بعض المسائل المعلقة بين الفريقين، وتنظم علائقهما. فهذه العوامل والظروف كلها مما يحمل على الاعتقاد بأن اضطرام الخصومة بين الإمام وابن السعود زعيمي الجزيرة العربية ليس مما يعنيهما وحدهما، وأن نشوب الحرب بين اليمن

стр. 3304

والمملكة السعودية مما يثير أشد الاهتمام من جانب السياستين البريطانية والإيطالية؛ ومن الصعب أن نحاول الآن أن نلتمس ما قد يكون لإحدى هاتين السياستين أولهما معا عناصر الوحي أو التأثير في سير الظروف والحوادث التي أدت إلى هذه الأزمة الخطيرة في علائق زعيمي الجزيرة العربية؛ ولكن الذي لا ريب فيه أن السياستين البريطانية والإيطالية ترقب كل فرصها خلال هذه الحوادث، وتبذل وسعها للاستفادة منها، ودفعها إلى الطريق الذي يتفق مع مصالحها وغاياتها وليس هنا مقام التحدث عن المسؤولية، عمن ترجع إليه التبعة في وقوع هذه الحرب التي تهدد مصاير الجزيرة العربية بشر العواقب، فلكل من الفريقين المتخاصمين وجهة نظر، ولكل أسبابه التي يستند إليها في تأييد موقفه. ويكفي أننا سردنا الحوادث والظروف التي أدت إلى هذا الموقف. وهي كما يرى القارئ حوادث وظروف تجتمع وتتهيأ منذ عدة أعوام، ثم اشتدت وتفاقمت في العامين الأخيرين. بيد أننا لا يسعنا إلا أن نعرب عما يخالجنا ويخالج العرب جميعا والمسلمين جميعا من الأسف والجزع لاضطراب أفق الجزيرة العربية بهذا الحدث الخطير الذي لا تقتصر عواقبه على المملكة السعودية وحدها أو على اليمن وحدها، ولكنها تلحق القضية العربية بأسرها. ونحن على يقين من أن جلالة عبد العزيز بن السعود، وسيادة الإمام يحيى يدرك كلاهما خطورة لموقف ويود أن يتقيه بكل ما وسع؛ ولقد برهن كلاهما خلال الأعوام الأخيرة في اكثر من موطن على انه يؤثر التذرع بالروية والحكمة ويؤثر الصفاء والسلام، وقد استطاعا حتى اليوم أن يتجنبا كارثة الحرب؛ فمثل هذه الحرب مهما كانت نتائجها بالنسبة للمملكة السعودية أو اليمن لا يمكن إلا أن تكون شرا على مستقبل الجزيرة العربية؛ وما تزال ثمة فرصة للمهادنة والتفاهم، فهلا بذل زعيما الجزيرة مجهودا أخيرا لتدارك الخطب وحقن الدماء، فيحققا بذلك رجاء كل عربي وكل مسلم، ويعيدا بذلك إلى الجزيرة سلامها وأمنها؟ محمد عبد الله المحامي

стр. 3305

فلسفة القصة ولماذا لا اكتب فيها. .؟ للأستاذ مصطفى صادق الرافعي سألت الأستاذ مصطفى الرافعي، لماذا لا يكتب في القصة، ولماذا يخلو أدبه منها؟ - فأجاب: (لم اكتب في القصة إلا قليلا، إذا أنت أردت الطريقة الكتابية المصطلح على تسميتها بهذا الأسم، ولكني مع ذلك لا أراني وضعت كل كتبي ومقالاتي إلا في قصة بعينها، هي قصة هذا العقل الذي في رأسي، وهذا القلب الذي بين جنبي. (شاع أدبالقصة في اوربا، وطغى عندهم على المقالة، والكتاب وديوان الشعر جميعا، فقام عندنا المتابعون في الرأي، والمقلدون في الهوى، والضعفاء بطبيعة التقليد والمتابعة - قاموا يدعون إلى هذا الفن من الكتابة، ولا يرون من لا يكتب فيه إلا مدبرا عن عصره وأدبعصره. ولا جرم إذا كانوا هم أنفسهم مدبرين عن الحقيقة ومعنى الحقيقة. وأنت متى كان وجهك إلى الباطل وظهرك إلى الحق، فمهما تقدم في رأي نفسك فإنما تتأخر في رأي الحق، وكلما قطعت إلى غايتك رأيت الذي وراءك مختلفا متراجعا بمقدار ما أبعدت كأنه في أمس، وكأنك في عد، ولا يوم بينكما يجمع منكما ما تفرق. (أنا لا اعبأ بالمظاهر والأعراض التي يأتي يوم وينسخها يوم آخر. والقبلة التي اتجه إليها الأدب إنما هي النفس الشرقية في دينها وفضائلها، فلا اكتب ما يبعثها حية ويزيد في حياتها وسمو غايتها، ويمكن لفضائلها وخصائصها في الحياة، ولذا لا أمس من الآداب كلها إلا نواحيها العليا - ثم انه يخيل إلى دائما أني رسول لغوي بعثت للدفاع عن القرآن ولغته وبيانه، فأنا أبداً في موقف الجيش (تحت السلاح) له ما يعانيه وما يكلفه وما يحاوله ويفي به وما يتحاماه ويتحفظ فيه، وتاريخ نصره وهزيمته في أعماله دون سواها. وكيف اعترضت الجيش رأيته فن نفسه، لا فنك أنت ولا فن سواك، إذ هو لطريقته وغايته وما يتأدى به للحياة والتاريخ (وقد عابني مرة أحد الكتاب بأني (لا اكتب في الدراما) فلو أن هذا الكاتب وقف على شاطئ المحيط وجعل يتهكم بالأسطول الإنجليزي فيزري عليه انه ليس شيوعيا ولا بلشفيا، فما عسى أن يقول الأسطول إذا هو أجابه إلا أن يقول شيئا كهذا:

стр. 3306

تبارك من صنع هذا الإنسان مدفع لحم لإطلاق الكلام الفارغ. (أنا من اجل ذلك لا أزال إلى الآن مع الأدب العربي في فنه وبيانه اكثر مما أنا مع الحكاية ولغتها وعواطفها، فأكبر عملي إضافة إلى الصور الفكرية الجميلة إلى أدبنا وبياننا متحاشيا جهد الطاقة أن أنقل إلى كتابي دواب الأرض أو دواب الناس أو دواب الحوادث، فان الكتب ليست شيئا غير طبائع كتابها تعمل فيمن يقرؤها عمل الطباع الحية فيمن يخالطها. والرواية إذا وضعها كاتب فاجر، فهي عندي ليست رواية بل هي عمل يجب أن يسمى في قانون العقوبات (فجورا بالكتابة). (أن اكثر ما تراه من القصص، وبخاصة هذه التي غمرت الكتابة عندنا - إنما هي صناعة لهو، ومسلاة فراغ، وهذا قد يكون له وجه في علاج الحياة العملية، وفي تخفيف حطمة الاجتماع في أوربا وأمريكا، ولكن ما موضعه عندنا في الشرق، والشرق إنما تعمل في نهضته لمعالجة اللهو الذي جعل نصف وجوده السياسي عدما، ولملء الفراغ الذي جعل نصف الحياة الإنسانية موتا؟ هذا الضرب من القصة هو لرجالنا ونسائنا إذا قراؤه وتلهو به أشبه بإدخال أولئك الرجال والنساء - إدخالهم وإدخالهن على الكبر - في مدارس رياض الأطفال. (الأطفال يستلذون الحكاية بالفطرة لأنها تجيئهم بالدنيا التي يعسر أن يذهبوا إليها أو يغامروا فيها، وتهيئ لهم أن يشعروا خيالهم قوة الخلق فتكون لذتهم على مقدار من بعد هذه الدنيا عنهم وعلى مقدار مثله من طبيعة العجز في خيالهم، وهذا الضعف في الناحيتين هو بعينه الذي يجعل لأكثر القصص شأنا عند سخفاء الناس وفراغهم، وأهل الحمق فيهم، يسعرهم شهوات وخيالات وأوهاما من الباطل، فذلك أذن ليس أدبا يكتب ويقرأ، بل هو بلاء اجتماعي يطبع ويوزع في الناس. . . ألا ترى أن تلك الروايات توضع قصصا، ثم تقرأ فتبقى قصصا؟ وان هي صنعت شيئا في قرائها لم تزد على ما تفعل المخدرات تكون مسكنات عصبية إلى حين ثم تنقلب بنفسها بعد قليل إلى مهيجات عصبية؟! وأنا لا أنكر أن في القصة أدبا عاليا، ولكن هذا الأدب الغالي في رأيي لا يكون إلا بأخذ الحوادث وتربيتها في الرواية كما يربى الأطفال على أسلوب سواء في العلم والفضيلة.

стр. 3307

فالقصة من هذه الناحية مدرسة لها قانون مسنون وطريق ممحصة، وغاية معينة، ولا ينبغي أن يتناولها غير الأفذاذ من فلاسفة الفكر الذين تنصبهم مواهبهم لإلقاء الكلمة الحاسمة في المشكلة التي تثير الحياة أو تثيرها الحياة، والأعلام من فلاسفة البيان الذين رزقوا من أدبهم قوة الترجمة عما بين النفس الإنسانية والحياة، وما بين الحياة وموادها النفسية في هؤلاء وهؤلاء، تتخيل الحياة فتبدع أجمل شعرها، وتتأمل فتخرج أسمى حكمتها، وتشرع فتضع اصح قوانينها. (وأما من عداهم ممن يحترفون كتابة القصص فهم في الأدب رعاع وهمج كان من اثر قصصهم ما يتخبط فيه العالم اليوم من فوضى الغرائز - هذه الفوضى الممقوتة التي لو حققتها في النفوس لما رايتها إلا عامية روحانية منحطة تتسكع فيها النفس مشردة في طرق رذائلها إذا قرأت الرواية الزائفة أحسست في نفسك بأشياء بدأت تسفل، وإذا قرأت الرواية الصحيحة أدركت من نفسك أشياء بدأت تعلو. تنتهي الأولى فيك بأثرها السيئ، تبدأ الثانية منك بأثرها الطيب، وهذا عندي هو فرق ما بين فن القصة، وفن التلفيق القصصي!! هذا هو رأي الأستاذ الرافعي ننشره على اصله، لينظر فيه الكثير من شبابنا الناشئين، الذين أقبلوا على كتابة القصة، لعل فيه ما ينفعهم ويفيدهم، ويمهد لهم سبيل الكمال في إنتاجهم. اسعد حنا

стр. 3308

الإسماعيلية الملقبون بالحشاشين أين نشأ ابن الصباح ورد فيما مضى ذكر لدار الحكمة وهي المدرسة التي أنشأها في مصر الحاكم بأمر الله العيدي في القرن الثالث الهجري لتعليم مذهبه التوحيدي، فلما مات أبو طاهر الجنابي عام ٣٣٢هـ وهو الذي خلف أبا سعيد الجنابي كانت هذه المدرسة قد زهت وأفلحت فلاحا عظيما، وكان أساس التعليم فيها قلب الخلافة العباسية وزوال دولتها، وكان الدخول فبها مباحا لكل راغب، ويلقي العلوم فيها شيوخ تصرف لهم المرتبات والمكافآت العظيمة من أموال الدولة، وكانت علوم هذه المدرسة تسعة كلها دينية منقولة عن مبادئ أبن القداح (القداح هو ولد ديصان واسمه عبد الله ولقب بالقداح لأنه كان يعالج العيون بقدحها، وكان أبوه قد علمه الحيل، واطلعه على أسرار نحلته ومخاريقه، فلما مات خلفه أبنه، وكان يدعو إلى ظهور المهدي في ذلك الزمان في اليمن، وهو المذهب الذي تفشي في البحرين في القرن الثالث الهجري كما ذكرنا) وكانوا فيالدور الأول من هذه العلوم يعمون على الطالب ويشوشون عليه تشويشا مخيفا ويلقنونه معنى مكتوما لمتن القرآن، وفي الدور الثاني يفرضون عليه إيمانا وأقساما يقسم بها ويبالغ في حفظها، ثم يعلمونه الأئمة المقامين من الله تعالى الذين هم في مذهبهم أصل كل معرفة، فإذا بلغ الطالب الدور الثالث علموه، عدد هؤلاء الأئمة الذي لا يتجاوز سبعة، وإذا بلغ الدور الرابع علموه انه منذ خلق الله العالم وجد سبعة متشرعون الاهيون هم الرسل. السبعة المعروفون في مذهبهم بالنطقاء، وكيفية إقامتهم لتلك الشرائع. فإذا بلغ المرتبة الخامسة علموه أن لكل واحد من هؤلاء السبعة اثني عشر رسولا للدعوة إلى الإيمان الصحيح، وإذا بلغ السادسة علموه السنن الإسلامية، ولقنوه أن كل الشرائع الدينية المشروعةيجب أن تكون خاضعة للشرائع العمومية والفلسفة، معولين في ذلك على فلسفة إفلاطون وأرسطو وفيثاغورس، وهي عندهم رأس كل تعليم، وإذا بلغ المرتبة السابعة انتقل من الفلسفة إلى الأسرار، وفي الثامنة كانوا يثقفون عقله بتعليم أشياء من مراتب الأنبياء والرسل، ويلقنونه وجوب إنكار وجود الجنة والنار، ويبطلون الأعمال ويقولون أن

стр. 3309

ليس على الأعمال ثواب ولا عقاب لا في الدنيا ولا في الآخرة. ثم يدخل الطالب في الدور التاسع وفيه ينقاد الانقياد الأعمى لشيخه فلا يخالف له أمرا ولا يعصي له كلمة ولو أدت إلى الموت. ونظرة إلى هذه التعاليم ترينا مقدار مخالفتها للدين الإسلامي، فأن منها ما لو آمن به المسلم لكفر، ونتبين منها الكراهة لبني العباس والتشويش على الطالب بتلقينه معنى مكتوما لمتن القرآن حتى يتيسر لهم التوفيق بين إنكار الجنة والنار، وما ورد في ذلك الكتاب المقدس عن وجودهما بأصرح عبارة. ثم هذا إلى ذكر المشرعين الإلاهيين والرسل الذين يدعون إلى الدينالصحيح، وما في ذلك من التشكك في صحة النبوة والدعوة إلى الارتياب فيها وقصر الصحة على أولئك الرسل وحدهم. في هذه المدرسة التي ذكرنا تعاليمها الخبيثة درج زعيم الحشاشين، وعلى هذه المبادئ التي تناقض الدين نشأ ابن الصباح. فلا عجب إذن أن فعل ما سنراه من المنكرات، ولا عجب أن تكون هذه الأفعال نتيجة سيئة لإنكار الحساب والجزاء والعقاب. وإذا كان الشخص الناشئ على هذه التعاليم خطراً على الدين والأخلاق فماذا يكون إذا شابه ابن الصباح فيما كان عليه من دهاء وعلم وحذق؟! لكإن ابن الصباح اصلح نفسية تلائم هذه المدرسة واخصب عقلية لغرس تعاليمها. كيف تولى ابن الصباح أمر الإسماعيلية لا يقول ابن الأثير (وكان الحسن من تلاميذ ابن العطاش الطبيب الذي ملك قلعة أصبهان، ومضى ابن الصباح فطاف البلاد ووصل إلى مصر، ودخل على المستنصر صاحبها فأكرمه وأعطاه مالا، وأمره أن يدعو الناس إلى إمامته، فقال له الحسن فمن الإمام بعدك؟ فأشار إلى ابنه نزار وعاد من مصر إلى الشام والجزيرة وديار بكر والروم ورجع إلى خراسان، ودخل كشغر وما وراء النهر يطوف على قوم يضللهم. فلما رأى قلعة (آلموت) واختبر أهل تلك النواحي أقام عندهم وطمع في غوايتهم ودعاهم في السر، واظهر الزهد والورع ولبس المسوح فتبعه أكثرهم، والعلوي صاحب القلعة حسن الظن به، وجلس إليه وتبرك به. فلما احكم الحسن أمره دخل يوما على العلوي في القلعة، فقال له ابن الصباح: أخرج من هذه القلعة، فضحك العلوي وظنه يمزح، فأمر ابن الصباح أصحابه فأخرجوه إلى

стр. 3310

دامغان، وأعطاه ماله وملك القلعة). هذا الدهاء الذي اتصف به الحسن كان من اكبر العوامل التي ساعدته على تسليم الرياسة الكبرى للإسماعيلية، والى جانب هذا الدهاء انصراف الخلفاء من بني العباس في وقته عن الشؤون العامة وعجزهم عن تحصين إمامتهم، وضبط خلافتهم لاسترداد الملك للعجم من الديلم والسلاجقة فباتوا لا يقدرون على كف الغوائل عنهم، والإسماعيليةينتشرون في أنحاء الشرق القاصية. وبعد استيلاء الحسن على قلعة آلموت في ولاية جيلان بفارس وهي أقوى القلاع زادها قوة واحكم تحصينها وجعلها تحت دولةالإسماعلية، فعظم أمره بين اتباعه ولقبوه بالشيخ وهو اكبر ألقابه، وقد كانت له ألقاب أخرى منها الرئيس والسيد. وبعدان تولى الرياسة كثر اتباعه وانقادوا له الانقياد الأعمى فأتخذ منهم أداة للظلم والطغيان فارهب بهم الخلق والملوك والسلاطين وحاربهم هزمهم، وقد قام بترتيب الطائفة إلى ثلاث مراتب: الدعاة وهم الداعون إلى مذهب الطائفة، والرفاق وهم الذين اعتنقوا المذهب وخضعوا لسلطة الرئيس، والفدائية وهم عدة الرئيس خاصة يسيرهم كما يشاء، وكانوا يربون في بيوت الرؤساء منذ نعومة أظفارهم يلقنون طاعة الرئيس والتضحية بالنفس في سبيل إنفاذ أوامره، ويفهمون أن الواحد منهم قد علقت سلامته بفداء روحه ويصور لهم العذاب في ابشع صورة أن خالفوا للرئيس أمرا، والنعيم في أشهى مظاهره أن هم تفانوا في خدمته. وهنا تظهر صولة القوم وخداعهم فقد كانوا كي يحققوا الفدائية ما يعدونهم به من النعيم مقيم ينشئون الحدائق الغناء والبساتين الفيحاء يحيطونها بالأسوار العالية ويضعون فيها من الصناعات ما حسن تنسيقه مما يبهر الأنظار ويخلب الألباب ويجعلون فيها كل أنواع الفاكهة والأزهار والورود والرياحين تتدفق فيها الشلالات الجميلة وسط المزروعات الخضراء والمروج الفيحاء، وينبعث من أرضها ماء الينابيع والنافورات، ويخصصون أمكنة من تلك الحدائق تكون مجالس فاخرة وأروقة مزخرفة بالخزف والصيني والفرش، والبسط والطنافس والرياش ويودعون فيها الأواني الفضية والذهبية والبلورية المموهة بالذهب الخالص يزين ذلك كله اجمل العذارى، واظرف الولدان في ثياب ارق من نسيج العنكبوت يروحون في تلك الحدائق ويغدون كالأطيار الجميلة تنتقل

стр. 3311

من دوحة إلى دوحة، يغرون الناظرين بالتيه والدلال، وبالجملة فقد جعلوا من تلك الحدائق فتنة لاتباعهم، فذا فاز أحد الرفاق على الآخر في إظهار منتهى الطاعة للرئيس والخضوع لأوامره خضوعا تاما وكتم السر والاحتفاظ بالعهود، أعطوه من الحشيش ما يذهب معه لبه، ويفقده صوابه. ثم أرسلوه إلى تلك الحدائق الساحرة حيث يفيق بين مظاهر الجمال ويغمر بأنواع الملذات ويتركونه ساعة يعطونه بعد مضيها الحشيش مرة أخرى حتى إذا غاب عن صوابه أعادوه إلى مكانه الأول. وهناك يمنونه بالعودة إلى تلك الجنان أن هو زاد في طاعته، وبلغ في التفاني والولاء أقصى ما يستطيع. وبعد أن تفشت هذه التعاليم أباح الرؤساء لتابعيهم كل أنواع الملذات وأطلقوا لشهواتهم العنان، وأباحوا لهم زواج الأخوات وكل من يحرم الدين الزواج منهن، وعكفوا على تعاطي الحشيش وأدمنوا في ذلك وأسرفوا، حتى انقلبت تلك الطائفة التي تدعى أن لها تعاليم دينية راقية وأنها تدعو إلى الإيمان الصحيح إلى فئة طاغية مجرمة تحلل المحرمات وتحض على المنكرات. وترى في القتل عملامشروعا يثاب عليه فاعله. ولما قامت الحروب الصليبية كان للحشاشين فيها يد سوداء، وقاموا في أثنائها بأفظع الأعمال الوحشية، فأطلق الفرنجة اسم وهو تحرف لكلمة حشاشين وجعلوه لكل قاتل مجرم. ويروي المؤرخون لأولئك الحشاشين من فظائع الأعمال ما يعطينا عنهم صورة بشعة رسمت بلون الدماء الحمراء، ووضعت في إطار من عظام القتلى وأشلائهم، فيقول المسعودي وأبو الفداء انه بلغ من جرأة الحشاشين انهم كانوا يخطفون الناس من الشوارع والحارات بأغرب الطرق، وكان الرجل يتبع خاطفه في سكون وخشوع، والويل له أن أبدى مقاومة أو تحرك لسانه طلبا للنجدة، فانه أن فعل استقر خنجر الفداوي في قلبه، وكان إذا غاب أحدهم ساعة عن أهله تحققوا انه قد خطف وقتلفيقيمون عليه الأحزان، وصار الناس يلبسون الدروع تحت الثياب مخافة الفدائية، وكان من دهائهم تعليم اتباعهم المهن كالطباخة والحلاقة والخياطة ودسهم في بيوت الأمراء يقومون فيها بالخدمة الجاسوسية. يقال أن أحد السلاطين أرسل يوما إلى شيخ الجبل يدعوه إلى الطاعة والكف عن إيذاء الناس. فقال الشيخ للرسول: أمخلصون انتم لسلطانكم؟ فأجابه كلنا نفتديه. فقال له قل

стр. 3312

لسيدك موعدنا يوم كذا، وقل له أن يضم إلى مجلسه اخلص المخلصين له، وكان عند السلطان غلامان لا يطيق فراقهما لحظة، فلما حل اليوم اقبل الشيخ في قلة من أصحابه مدججين بالسلاح فجعل يحادث السلطان فقال السلطان للشيخ سألت عن إخلاص قومي وكفايتهم، وأني مريك الآن ما لم تراه، وكان المجلس غاصا بالقواد والوزراء، فرمى السلطان بخنجره من شرفة المكان إلى الوادي فترامى القواد لإحضاره فهلكوا جميعا. فقال الشيخ نعم القوم قومك. فقال السلطان وهل أنت على مثل ذلك من قومك؟ قال لي كلام أقوله لمولانا في خلوة. فأخرج السلطانكل من كانوا عنده عدا الغلامين، فنظر إليهما الشيخ وقال يا عبدي مولانا إذا قلت لكما أن مولاكما هذا يهدد شيخكما ويفسد عليه أمره، فماذا تفعلان به؟ فاستلا سيفهما ولوحا بهما على راس السلطان وقالا نقتله، فدهش السلطان وحار في أمره ثم التفت إلى الشيخ يقول انصرف فأنت في حل مما تفعل. . . وقد توفي الحسن ابن الصباح عام ٥١٨ هـ وتولى الزعامة بعده نحو سبعة من الرجال نجد ترتيب زعامتهم في دائرة المعارف الإسلامية مادة وقد ظلت الزعامة في طائفة الحشاشين قائمة في قلعة آلموت حتى ٦٥٤ هـ أي نحو قرنين لم يبطل لهم فيهما شر، ولم يكفوا في أثنائهما عن أذى إلى جانب إفساد الأخلاق بتعاطي الحشيش وتحليل المنكرات وإباحة الملذات. وكان من اكبر دعاتهم في أفريقية رجل خرج من صنعاء يقال له أبو عبد الله احمد بن محمد بن زكريا، ويعرف بالشيعي يبعث الدعوة للمهدي. أما مصر فلم يكن لهم فيها حوادث أو وقائع، اللهم إلا تلك الخرافات يرويها الناس عنهم كقصة الشاطر حسن وشيخ الفداوية. أما القبة الموجودة الآن في العباسية والتي يزعمون إنها للفداوية فقد كانت قبة للصلاة بناها الأمير يشبك بن مهدي الداودار عام ٨٨٤ هـ في ولاية السلطان قايتباي، وقد تداعت فرممها الأمير حسين كتخدا ثم رممها ديوان الأوقاف الخيرية عام ١٣١٧ هـ في عهد محمد توفيق باشا. ولا يزال للإسماعيلية إلى وقتنا هذا صوت كدبيب النملة، وزعيمهم آغاخان الذي عرف واشتهر بوفرة ماله لا بزعامة لتلك الطائفة الموزعة بين الهند وفارس. والظاهر أن القوم قد غيروا ما عرف به سلفهم من قبيح العادات والتقاليد، وإلا لما استطاعوا الإقامة بين

стр. 3313

الحكومات التي تنبهت وتوصلت إلى طرق من الرقابة على الناس مباشرة، وقد انصرف القوم عن نشر دعوتهم واكتفوا بعقيدتهم والحياة فيما هم فيه من يسر البيع وربح لتجارة، وما كان القرن العشرين ليتسع لمثل دعوتهم. لك شأنالإسماعيليةعامة والحشاشين خاصة، وتلك مكانتهم التاريخية طوال أيام الدولة العباسية، وهي وان كانت مكانة لا يحسدون عليها لما قامت عليه من شر ونكر إلا أن التاريخ سجل يحتفظ بين طياته حوادث الأيام والناس لا يفرق بين مخازيها ومفاخرها. فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض؟ محمد قدري لطفيليسانسيه في الآداب

стр. 3314

حول الشاعر كورني عزا الدكتور الفاضل حسن صادق في مقاله عن كورني ضعف رواياته الأخيرة إلى اضمحلال قواه الذهنية من اثر الهرم، والحقيقة أن كورني بالغ في مبدئه الذي يعني بتصوير الأشخاص كما يجب أن يكونوا فجاءت شخصيات قصصه الأخيرة خارجة عن حدود المعقول، وذلك ما أرى كان السبب الأول في سقوط رواياته وقد جاء في المقالة أيضا: قال فولتير (الشرح الوحيد لكتيب كورني يجب أن يكون بكتابة هذه الكلمات في اسفل كل صحيفة: جميل. جليل. الاهي!) وهذه الكلمات على ما جاء في كتب الأدب الفرنسية قيلت في راسين لا في كورني، وذلك اقرب إلى العقل لان فولتير كان يعجب بمبدأ راسين الذي يريد تحليل نفس الإنسان كما هو لا كما يجب أن يكون، اكثر من إعجابه بمبدأ كورني الذي تعرض له بعض كتبه بالنقد اللاذع. صلاح الدين وصفي كتاب النثر الفني حضرة الأستاذ محرر الرسالة: قرأت في باب النقد من العدد الماضي مقال الأستاذ الجليل أحمد أمين في نقد كتاب (النثر الفني في القرن الرابع) وسرني أن اظفر من مثل هذا الباحث الفاضل بمثل ذلك الثناء، وقد رأيت من باب الدعابة أن اعد سطور ذلك المقال. فرأيت خمسة منها تمهيدا، وخمسة وستين في نقد طريقة المؤلف في الحديث عن نفسه ومصاولة ناقديه، وثلاثة عشر في نقد هندسة الكتاب، ثم رأيت مع السرور الفائق ثمانية عشر سطرا كلها ثناء صرف على المؤلف وعلى الكتاب، ومن النادر أن يظفر مؤلف بثمانية عشر سطرا كلها ثناء على كتاب جديد من رجل كالأستاذ احمد أمين. وكتابي كما تعلمون يقع في نحو ثمانمائة صفحة، وملام الأستاذ احمد أمين لا ينصب على اكثر من صفحتين يمكن حذفهما بسهولة في الطبعة المقبلة إن شاء الله ويقول الأستاذ: (وأني وإن احترمت الكتاب من الناحية العلمية والعقلية فأني ناقده من جهة الذوق) ثم أشار إلى كلمات وهوامش جمح فيها القلم، وهو ينقد بعض العلماء، وصح لدي بعد

стр. 3315

التأمل أن مجموع ذلك يزيد عن عشر كلمات سأحذفها في الطبعة المقبلة، لأنها ضربت أذني وانقبض منها صدري كما ضربت أذن الأستاذ وانقبض منها صدره. وعجب الأستاذ من أن يراني قاسيا في بعض النقد، ولطيفا لبقا في البعض الآخر، وتمنى لو يعرف لم كنت لطيفا لبقا هنا، وقاسيا صارما هناك؟ وتفسير ذلك سهل: فأن الأدب يأخذ وقوده أحياناً من الأعصاب والاحاسيس، وقد تتمثل للنفس ظلال من إحدى المعارك الأدبية فتثور تعصف، وتمضي حينا في هدوء فلا يفيض عنها غير اللباقة واللطف والى حضرة الأستاذ تحيتي واحترامي زكي مبارك

стр. 3316

إخوان الصفا والإسماعيلية للأستاذ أديب عباسي علاقتهم بالإسماعيلية - تشيعهم - دعوتهم إلى الإمام المنتظر يقول كازنوفا المستشرق الفرنسي الكبير ما معناه: (أنني على أتم الثقة من أراء أخوان الصفا هي برمتها أراء الإسماعيلية. ومحور هذه الآراء هو الاعتقاد بعودة الإمام الذي سوف يملأ الأرض سعادة، وقدر اتهم القرامطة والحشاشون من قبل أعدائهم بالكفر، لكن ليس لهذه التهمة ظل من الحقيقة. فان الرسالة الجامعة، وهي خلاصة هذه الفرق، ليس فيها شيء من ذلك. فمذهبالإسماعيليةوما تفرع منه هي في اصلها بريئة من كل ما نسب أليها، واكرر القول هنا بأن النزعة التي تسود أراءالإسماعيليةهي الاعتقاد بوحدة الكون (البانتيزم). وهو مذهب يقاوم الإلحاد وإنكار الخالق مقاومة عنيفة. (والنتيجة التي انتهيت إليها هي أن هذه المذاهب هي مثل من أمثلة التاريخ التي تبين كيف أن المذهب يكون نقياً، ولكن في أيدي ذوي الأطماع يصبح آلة للفتك والتدمير) (نيكلسن ص٣٧١) نقلنا هذه القطعة عن المستشرق الفرنسي لكي نبين أننا لا نسيء إلى إخوان الصفا إذ نسبهم إلىالإسماعيلية، ولكن ما هي طبيعة هذه النسبة وما هو مقدارها؟ هذا ما يجيب عنه اولياري بقوله (هناك ما يغري بالظن أن حركة الإخوان حركة إصلاح من جانب بعضالإسماعيليةالذين أرادوا الرجوع إلى تعاليمالإسماعيلية القديمة) وأل ما يلحظ من أوجه الشبه بين الإسماعيلية وإخوان الصفا الأسلوب الذي جروا عليه في نشر دعوتهم والدعاية لمذهبهم وهو أسلوبالإسماعيلية المعهود - أسلوب التدرج في بث الفكرة والتلطف في عرضها على الناس. فأخوان الصفا كل الإسماعيليةيوصون (بأنه ينبغي لمن حصلت له هذه الرسائل من إخواننا الكرام أن يدفع منها إلى كل من يستحق ما يقرب من فهمه، وما يعلم انه يصلح له أو يليق بمرتبته أولا فأولا. فكلما ارتفعت نفسه في العالم إلى درجة درجة وانتهت إلى مرتبة في المعرفة رقي إلى ما بعدها ورفع إلى ما يتلوها (ج ٤ ص٢٨٨).

стр. 3317

ومن أبوب التشابه بين الجماعتين اتفاقهما اتفاقا كليا في مذهب الحلول. فهو في رسائل الإخوان كما في تعاليمالإسماعيليةالمحور الذي تدور حوله هذه الرسائل والتعاليم. ووجه آخر من اوجه التشابه هو تفسير القرآن تفسيرا غير ما يدل عليه ظاهر اللفظ. وهذا الأسلوب هو أسلوب الباطن الذي جرى عليه الشيعة ومن تفرع منهم. واليك ما يقوله إخوان الصفا في هذا الشان: - (واعلم أن للكتب الإلهية تنزيلات ظاهرة وهي الألفاظ المقروءة المسموعة، ولكن لها تأويلات خفية باطنة: وهي المعاني المفهومة المعقولة. . . وفي استعمال أحكامها الظاهرة صلاح للمستعجلين في دنياهم، وفي معرفتهم أسرارها الخفية صلاح لهم في أمر معادهم.) (ج٤ ص١٨٩). هذه بعض اوجه الشبه بينالإسماعيليةوإخوان الصفا من حيث المعتقد وطرائق النشر والدعاية. على أن ثمة وجهين آخرين للشبه بينهما: هما التشيع لآل البيت والدعوة إلى الإمام المنتظر أو المهدي. أما أمر التشييع فظاهر من قولهم: - (ومن الناس طائفة ينسبون إلينا أجسادهم وهم براء منا ويسمون أنفسهم العلوية وما هم من العلويين، ولكنهم في اسفل السافلين لا يعرفون من امرنا إلا نسبة الاجساد، ولا من القرآن إلا اسمه، ولا من الإسلام إلا رسمه (ج٤ ص١٩٥). وهم لا يذكرون الإمام إلا مقرونا بأفخم النعوت كقولهم (وأيضا من الآراء الفاسدة رأي من يرى أن بارئه وألهه روح القدس قتله اليهود. . وهكذا أيضا حكم من يرى ويعتقد أن الإمام المنظر الفاضل الهادي مختف لا يظهر من خوف المخالفين) (ج٤ ص٧٦ - ٨٧). ومثله قولهم: (واعلم يا أخي أن أقوى ما يكون فعل إبليس في دور الشهر (دور الشهر في مصطلحات الشيعة هو الزمن الذي لا يكون فيه إمام. وهو الفترة بين الإمام الواحد والذي يليه). وذلك لأن حجة الله على أرضه وخليفته على عباده يكون مختفيا مستوراً، وأن كانتأنواره تضيء في نفوس العارفين به) (ج٤ ص٣٥٥). ما تقدم لا يدع مجالا للشك في تشيع إخوان الصفا وإيمانهم بالإمام المنتظر. ولكن لنا أن نسأل هل وقف إخوان الصفا عند حد النظر من الإيمان بالإمام المنتظر أو هم تخطوا ذلك إلى بث الدعوة له والتعريف به؟ نعتقد أن في القطعة التالية إيضاحا لذلك وذلك حيث

стр. 3318

يقولون: - (وقد أخذناك أيها الأخ لأمر فيه قربة إلى الله تعالى ونصرة للدين. فكن واثقاً بما اخترناك، وسر على بركة الله وحسن توفيقه، متوكلا عليه في نصرته وتأييده إلى أخ من إخواننا الفضلاء، وتلطف في الوصول إليه وبشره بما ألقيناه من الأسرار في شأنه.: وعرفه بان إخوانه الذين وجهوك إليه لهم مجلس يجتمعون فيه يتذاكرون العلوم ويتحاورون الأسرار. فتذاكروا يوماً فيما بينهم من حوادث الأيام وتغييرات الزمان وما تدل عليه دلائل القرآن من تغيير شرائع الدين والملل، وتنقل الملك والدول، من أمة إلى أمة ومن بلد إلى بلد، ومن أهل بيت إلى أهل بيت وقد اعتبرنا بهذه الوجوه التي ذكرناها حتى عرفنا (صاحب الأمر) بصفاته والسنة والشهر الذي يكون فيه الحادث (ج٤ ص٢٢٤ - ٢٥). ما تقدم لا يدع مجالا للريب في أغراض إخوان الصفا السياسية، وهي نشر الدعوة وأعداد الأفكار لظهور أحد المهديين.

стр. 3319

بين المعري ودانتي بقلم محمود النشوي في رسالة الغفران والكوميدية المقدسة في سماء الأدب العربي تتألق رسالة الغفران لأبي العلاء المعري. وفي سماء الأدب الطلياني تتألق الكوميدية المقدسة لشاعر الطليان دانتي اليجييري وفي كل منهما خيال يقرب من الخيال الآخر حتى ظن كثير من الأدباء أن شاعر الطليان سرق شاعر العرب. وان خيال المعرة انتقل إلى فلورنسا. وسواء لدينا أسرق دانتي فكرة المعري أم هي المصادفة أتاحت لكل منهما ما أتاحته للآخر، ففي كل من الروايتين حوار مع أهل الجنة وأهل النار، وفي كل منهما رحلة في دركات الجحيم، وفي طبقات الجنة، سنعرض لذلك كله بالموازنة والتحليل ما اتسعت لنا صفحات الرسالة الغراء. التعريف بالشاعرين في سنة ٩٧٣ م ولد أبو العلاء المعري في سنة ١٠٥٩ انتقل إلى قبره بعد أن عمر ستة وثمانين عاما، ولم يكد يناهز الرابعة من عمره حتى أصابه الجدري فذهب بعينيه. وكأن الله أراد أن يعوضه عما فقده من حاسة البصر، فرزقه حافظة تعلق بها الكراريس العدة إذا تليت عليها مرة واحدة وكأني به استوعب ما احتوته قريته المعرة من العلوم والمعارف فرحل إلى العواصم الإسلامية يرتشف منها مناهل العلم، فزار حلب وإنطاكية وطرابلس الشام واللاذقية وبغداد، إلى أن بلغ من العمر سبعة وثلاثين، فزهد في الدنيا واعتزل الناس في منزله بالمعرة. وقضى بقية حياته رهين المحبسين: العمى والمنزل، فأوحت إليه عزلته ما ظهر في لزومياته وفي رسالة الغفران. وأما دانتي فولد في سنة ١٢٦٥ وتوفي سنة ١٣٢١ بعد أن عاش ستة وخمسين عاما. ولقد كان جده كاتشا جويدا المسلمين في صفوف الصليبين لاغتصاب بيت المقدس تحت آمرة الإمبراطور كوناردو الثالث. وكأني به اشتد على المسلمين في حربه، فانعم عليه ذلك الإمبراطور بلقب فأما والده فقد كان من غمار الناس ودهمائهم لم يترفق بدانتي حينما توفيت أمه بل تزوج امرأة تدعى لابا أذاقته الآم الحياة وهو في عهد الطفولة، حتى إذا اشتد

стр. 3320

ساعده قليلا هرع إلى مدارس الفرنشسكان يتعلم الدين قليلا من الهندسة والحساب، متتلمذا للقديس فرانشسكودي اسيزي، ولا يزال يتشرب روحه وتعاليمه حتى أدركه دور المراهقة فوقع في إشراك من الغرام امتدت نحوه من الفتاة بياتريشي تلك التي ألهبت شاعريته، وكان لها اثر كبير في كوميديته المقدسة، ثم توفيت تلك الحبيبة في سنة ١٢٨٩ فزادت الآم. غير أن نجمه بدأ يتألق في سماء السياسة فاختير عضوا من ستة أعضاء يحكمون في مدينة فلورنسا التي كانت تعصف بها الحروب الأهلية. والأمر ما اغتاظ منهم البابا بونيفاشيو عليهم شقيق ملك فرنسا كارلودي فالوا فأخذ مدينتهم، وفر دانتي مع الهاربين بعد أن حكموا عليه بالموت حرقا سنة ١٣٠١، ولولا ذلك الهرب لنفذوا في حكمهم ثم صادروا أملاكه ونفوا ولديه جاكر وبيترو ولا زالت البلاد تتقاذفه حتى مات شريدا طريدا سنة ١٣٢١ بعدنفي قارب العشرين عاما. أسباب تأليف الروايتين فأما رسالة الغفران فهي رد على رسالة ابن القارح التي أرسلها إلى المعري وابن القارح هو علي بن منصور الحلبي، ولقبه دوخلة، خدم أبا علي الفارسي في صباه وقرأ عليه بعض كتبه، ثم جاء إلى مصر يؤدب ولدّي الحسين بن جوهمه القائد بمصر. وكان له شعر من نوع ضعيف كمدحته للحاكم بأمر الله الفاطمي التي يفتتحها بقوله أن الزمان قد نصر … بالحاكم الملك الأغر وكان فيه شيء من ذكاء. وشيء من دعابة أملت عليه دعابته أن يرسل لأبي العلاء رسالة فيها لهو، وفيها سخر، وفيها حوار للشعراء والمتزندقين والمتألهين. وفيها أسلوب معري يكثر من ذكر الآيات القرآنية يوردها أدلة على مالا تدل عليه إلا قليلا، أو من طريق بعيد، أو لا تدل عليه بالمرة. وفيها كثرة الجمل الإعتراضية بالدعاء للمخاطب والإسهاب في الترضي والترحم وفي اللعنة، مما لم نعهده في كتاب غير رسالة الغفران وغير رسالة ابن القارح تلك التي بدأها بقوله (كتابي أطال الله بقاء مولاي الجليل، وجعلني فداءه على الصحة والحقيقة، وليس على مجاز اللفظ، ومجرى الكناية) ثم يروي عن صاحب الزنج انه خطب في زنوجه قائلا (أنكم قد أعنتم بقبح منظر، فأشفعوه بقبح مخبر. اجعلوا كل عامر قفرا، وكل بيت قبرا.) ثم يروي لأبي العلاء أن رجلا دفع إلى صديق له جارية وأودعها

стр. 3321

عنده ثم ذهب في سفره. فقال المودع لديه بعد أيام لمن يأنس به وتسكن نفسه إليه. يا أخي ذهبت أمانات الناس: أودعني صديق لي جارية في حسابه أنها بكر. . فجربتها فذا هي ثيب!. ثم يعيب على الراوة تصحيفهم قول علي كرم الله وجهه تهلك البصرة بالريح فهلكت بالزنج، كما تحدث المعري عن الرواة وتصحيفهم وتحريفهم. ثم تحدث عن المتنبي، وانه كان مغرما بتصغير كلماته فصغر أهل الزمان حينما قال أذم إلى هذا الزمان أهليه فانحنى عليه بالأئمة فقال (وما يستحق زمان ساعده بسيف الدولة أن يطلق على أهله الدم) ثم تحدث ابن القارح عن المتنبي وعن سجنه في بغداد فقال: (إن المتنبي اخرج من الحبس في بغداد إلى مجلس أبي الحسن علي بن عيسى الوزير ﵀، فقال له: أنت احمد المتنبي؟ فقال أنا احمد المتنبي. ثم كشف عن سلعة على بطنه وقال: هذا طابع نبوتي وعلامة رسالتي. ثم تحدث عن ابن الرومي وعن طيرته. وعن أبي تمام، وان الحسن بن رجاء بلغة انه لا يصلي، فوكل به من يلازمه فلم يره صلى يوما واحدا فعاتبه، فقال يا مولاي: قطعت إلى حضرتك من بغداد فاحتملت المشقة وبعد الشقة، ولم أره يثقل عليّ. فلو كنت اعلم أن الصلاة تنفعني وتركها يضرني ما تركتها: قال الحسن: لأردت قتله فخشيت أن يحمل على غير هذا فتركته. ثم تحدث عن الذين ادعوا الألوهية كالقصار الأعور الذي اتخذ له وجها من ذهب وخوطب برب العزة، والصناديقي الذي خوطب بالربوبية وكوتب بها، وكانت له دار يجمع إليها نساء البلدة كلها ويدخل الرجال عليهن ليلا ثم ذكر الحلاج وانه كان يخاطب الله بقوله يا جملة الكل لست غيري … فما اعتذاري إذاً آليا ثم تحدث عن المتزندقين فذكر بشارا وان المهدي قتله على الزندقة. وعن صالح بن عبد القدوس وأن المهدي قتله لأنه قال ولو إني أظهرت للناس ديني … لم يكن لي - في غير حبسي - أكل وذكر الوليد بن يزيد وأن انه رمى المصحف بالنشاب وخرقه، وأن الحجاج كانوا يطوفون بالكعبة فيقولون (لبيك اللهم لبيك: يا قاتل الوليد بن يزيد)

стр. 3322

ثم ذكر أبا عيسى بن الوليد، وانه برم بشهر الصيام ونذر إلا يعود إلى صومه فقال: دهاني شهر الصوم لا كان من شهر … ولا صمت شهرا بعده آخر الدهر ثم يختم ابن القارح رسالته بأنها استحسنت منه وكتبت عنه. ثم يسأل المعري أن يجيب عنها ليذيعها في حلب وغيرها من الأفاق فيبطئ المعري في الرد ثم يجيب بأنه كفيف البصر مستطيع الكتابة بغيره، أن غاب الكاتب فلا إملاء. . ثم يبدأ الرد سالكا سبيلا عبّدها له ابن القارح. وأثار من نفسه حنينا للسير على منهاجها، والاتجاه مع تيارها. ولكن المعري أرانا أفانين من الخيال، واطلاعا في اللغة وفي التاريخ، مما لا يمثل به ابن القارح إلا كما تمثل الذرة بالجبل، أو الحلقة في الفلاة. يتبع

стр. 3323

٥ - التفاؤل والتشاؤم وهل لهما أسباب تاريخية؟ بعض غرائب الخرافات عند الغربيين والشرقيين الرقم ١٣ إن كثيرا من الغربيين يعتبرون أن رقم ١٣ يحمل الويل والدمار في طياته، كما يعتقدون المصريون في العدد (١١) أما ٣ و ٧ فهما رمز السعادة عند بعض الغربيين. ومن الغريب أن رقم ١٣ تناول العلماء وذوي الثقافة ولملوك والعظماء كما سرى بين الجهلاء وتناوله بعض الحكومات ايضا، فهم يتوّقون هذا الرقم في الولائم والحفلات وبعض الفنادق وغيرها فيقفزون في عدد الغرف الفنادق وغيرها من ١٢ إلى ١٤ حتى لا يتشاءم النازل بالفندق من هذا الرقم. ويتفق في بعض الشهور السنة أن يطابق يوم الجمعة الثالث عشر من الشهر فيتطير الواهمون من هذا التطابق ويتوقعون الشرور والأخطار العظيمة، لان هذا الرقم دليل على الشؤم عندهم فيملأ نفوسهم رعبا فضلا عما يعرف به يوم الجمعة من النحس. والأسرة المالكة في إنكلترا تتقي ذكر الرقم لمذكور، ومحال أن تضم المائدة الملكية على ١٣ مدعوا. وفي عام ١٩١٢ حينما دعا المستر جون وارد جلالة ملك إنكلترا الحالي جورج الخامس إلى مأدبة غداء في بستان (شلتن) كان عدد المدعوين ١٣ فجاءوا بالرابع عشر. ومما يحكى عن ملكة رومانيا ماري إنها تتشاءم من رقم ١٣ أسوة بكثير من الغربيين، وقد حدث عند زيارتها لأهرام الجيزة ومعها كريمتها الأميرة اليانا عام ١٩٣٠ حادث يدل على مبلغ تشاؤمها من الرقم ١٣. شاهدت الملكة عمال الحفر الذي كان يديره هناك الأثري المعروف المستر فيرث، وعند انتهاء الزيارة دعاها إلى الغداء، وما كادت ماري تستعد للجلوس على المائدة حتى شاهدت أن عدد المدعوين ١٣ فاكفهر وجه الملكة فجأة، واعتذرت بالمرض إلا أن المستر فيرث أدرك حقيقة الأمر بسرعة خاطره فبادر بإصلاح هذا الخطأ ودعا ضابطا مصريا ظريفا للجلوس على المائدة حتى يكون العدد ١٤ فلم تتردد الملكة عندئذ في قبول الدعوة. وكان إمبراطور ألمانيا السابق غليوم يحذر هذا الرقم ويتشاءم منه، ويقال انه رفض أن

стр. 3324

يعلن الحرب عام ١٩١٣ لان السنة تنتهي بالرقمين المشؤمين. وكان بسمارك يكره الخرافات إلا انه كان يبغض الرقم ١٣ بغضا عظيما، وما حاول أن يهم بأمر ذي بال في يوم ١٣ منأي شهر، وكذلك المستر تشرشل الوزير الإنكليزي وهو سليل آل مرلبورو أعرق الأسر الإنكليزية نسبا. ولكن الرئيس ويلسون يعتقد أن الرقم ١٣ هو عدده الجالب لليمن والسعد، ومن دلائل حب الرئيس ويلسون للرقم ١٣ انه وصل إلى ثغر برست بفرنسا يوم الجمعة ١٣ ديسمبر عام ١٩١٨ ليحضر مؤتمر الصلح وانه أودع ٢٦ فقرة (٢ في ١٣) وأتمها يوم ١٣ فبراير سنة ١٩١٩ ودعا لمائدة عيد ميلاده ١٣ مدعوا فقط. ولم يكن الرئيس ويلسون بالرجل الوحيد الذي احب هذا الرقم، فان المستر لويد جورج رئيس حزب الأحرار بإنجلترا وقف عام ١٩٢٤ في حفلة انتخابية وقال أن الرقم ١٣ هو رقمه المحبوب. ودعا أحد رجال الأعمال بإنكلترا بعض خلانه ليتناولوا معه طعام العشاء، فلما جلسوا إلى المائدة فطن أحدهم إلى أن عددهم ١٣ فتشاءموا وأرسلوا الخدم في اصطياد أي رجل ليأكل معهم، ولم يتناولوا الطعام حتى انتظموا على المائدة أربعة عشر. ويتشاءم المركيز نيجرو توكمبيازو العضو الإيطالي في صندوق الدين برقم ١٣ تشاؤما كبيرا، ويروي عنه قبل شيوع السيارات انه كان يمتنع عن ركوب مركبة رقمها ١٣ أو مؤلفة من مضاعفات ١٣ كأن يكون رقمها ٢٦ أو ٣٩ الخ. . . وحدث لما زار الدكتور أميل لدويج الكاتب والمؤرخ الألماني الشهير القطر المصري أن أدب له أحد الأصدقاء مأدبة عشاء ودعا إليها ١٤ شخصا، وفي أخر لحظة تخلف أحدهم عن لحضور فأبت سيدتان أن تجلسا إلى المائدة لان عدد المدعوين اصبح ١٣ فجيء بمائدة صغيرة وضعت على مقربة من المائدة الكبيرة، وجلس إليها اثنان من المدعوين لكي يصبح عدد الآخرين ١١. ويرد الباحثون في الضائقة الاقتصادية التي غشيت العالم من أقصاه إلى أقصاه إلى أسباب شتى إلا أن أحدهم في نيويورك قال أن السبب فيضائقة عام ١٩٣٠ هي عام ١٩٣٠ وحجته الدامغة هي أن مجموع أرقامه ١٣، ولكن مرت سنوات وما تزال الأزمة المالية

стр. 3325

باقية حتى الآن. ولكي يزيد الجمهور اقتناعا وبرهانا بتأييد ذك رجع إلى سني الضنك المشهورة في القرن الحالي فإذا هي كما يلي سنة ١٩٠٣ ومجموع أرقامها ١٣، سنة ١٩١٢ ومجموع أرقامها ١٣، سنة ١٩٢١ ومجموع أرقامها ١٣، سنة ١٩٣٠ ومجموع أرقامها ١٣. ولكن هدئ روعك أيها المتشائم فسوف تمر ٩٦ سنة قبل أن تأتي سنة أخرى مجموع أرقامها ١٣ وهي سنة ٢٠٢٩. ومن الشواهد التي يستندون إليها أن كلا من نابليون بونابرت وهنري الرابع ولدا في ١٣ من الشهر، فنفي نابليون في مثل هذا اليوم وقتل هنري الرابع أيضا في مثله. وتمتنع الأسر الإفرنجية بتاتا عن سكنى المنازل المرقمة بالعدد ١٣ ولا يستأجر الأمريكي غرفة رقمها هذا الرقم في أي فندق أو باخرة. وقد اتفق مدير وبعض المستشفيات على حذف رقم ١٣ من مستشفياتهم، فهم لا يضعونه على غرفة لمريض أو سرير خشية تأثر المريض من الوهم الناشئ عنده من التشاؤم. وشوهد في إيطاليا أن الفنادق لا تضع ذلك الرقم على الغرف، وذلك لتذمر المسافرين وامتناعهم عن النزول في الغرف التي يوجد بها الرقم المذكور، وإدارة سكة حديد لندن والشمال الشرقي قد ألغت هذا العدد من مركبات النوم. وأدرك الوهم اصحب البواخر فوضعوا عدد ١٢ ١٣ منها يثبت أن الناس اصبحوا يخشون الرقم المذكور حتى أن أحد شوارع لا يحمل رقم ١٣ وان حكومة فرنسا إذا وضعت الأرقام على المنازل ووصلت إلى المنزل الذي ينبغي أن يوضع عليه الرقم ١٣ لا تكتب عليه هذا الرقم وإنما تضع عليه رقم ١٢ والى جانبه لفظة مكرر تخلصا من شؤمه. ووقف أحد المجرمين إمام القاضي فقال اقسم أن شؤم عددي هو الذي يسوقني هنا دائما، فسأله وما ذلك الرقم؟ قال ما وقفت متهما إلا وكان المحلفون ١٢ والقاضي واحداً وما الـ ١٢ والواحد إلا ١٣ وهو الرقم اللعين. . . ولكن هناك حوادث أبدل النحس فيها بالسعد، ولو أن الرقم ١٣ كان موجودا. فقد اتفق أخيرا أن وقع بناء مدخنة داخل أحد منازل مدينة بريتون، وكان في المنزل ثلاثة عشر

стр. 3326

ساكنا فلم يصيب أحد منهم بسوء، مع أن قطع الحجارة وجدت على الوسائد بجوار النائمين. واشترى بعضهم منزلا فلما رأى أن رقمه ١٣ جعله ١٢ وما مر يومان حتى سرق المنزل برغم العدد السعيد الميمون مع انه ما سرق يوم كان شؤما. وقد عمدت إحدى السفن الكبرى إلى وضع علامة ١ بجوار العدد ١٢ للدلالة على الغرفة ١٣ وبذلك تريح فكر المسافر الذي يكون نصيبه تلك الغرفة. وقد علل الكاتب الاجتماعي الإنكليزي هـ. ج. ولز شؤم هذا الرقم (بأنه لا يقبل القسمة) على أن حين غيره من الأرقام التي قبله أو بعده تقبل القسمة، وبعبارة أخرى نقول أن الإنسان الأول كان رديء الفهم في الحساب لا يعرف الكسور، ثم هناك أشياء لا يمكن كسرها فإذا كان عدد السبايا ١٣ حدثت المشاجرات بين أفراد القبيلة من اجل امرأة تزيد في حظ أحدهم أو تنقص، في حين أن الأرقام الأخرى لم يكن فيها ذلك. ويقال إن الخرافات التي نسجت حول الرقم ١٣ مصدرها عشاء السيد المسيح الأخير مع تلاميذه الأثني عشر، وجلسوا على مائدة واحدة فكان جموعهم ثلاثة عشر، وكان واحد من التلاميذ خائنا هو يهوذا الأسخريوطي الذي سلمه. لذلك كان الناس يتشاءمون من الجلوس ثلاثة عشر شخصا على مائدة واحدة، لان ذلك نذير شؤم بسوء أو موت يقع لأحدهم خلال سنة على الاكثر، ثم سرى التشاؤم من الرقم ١٣ حتى شمل كل شيء ولم يقتصر على مائدة الطعام. الهلال جميع الأمم تقريبا تتفاءل بالهلال الجديد، وكثيرا ما يرى الناس في مصر وغير مصر قد تهللت وجوههم استبشارا لرؤية الهلال في أول الشهر القمري وهم يدعون الدعوات. وان العامة في مصر يتناولون قطعة من العملة الفضية ويديرونها نحو الهلال لأول ولادته تيمنا، ولا يصنعون مثل ذلك في الذهب لأنهم يتطيرون به، وهكذا يفعلون في الشام ويزيدون عليه أن يتمتم الواحد بعبارة مثل قوله (يهلك ويستهلك، ويجعلك علينا شهرا مباركا) وفي إنكلترا يتشاءمون من النظر إلى الهلال المولود حديثا من وراء زجاج النوافذ.

стр. 3327

والمرجح أن الإنسان الأول كان يعتقد انه إذا ظهر القمر جديدا وجب عليه أن يخرج إلى العراء للترحيب به بوسائل كانت معروفة عنده وكان لا يلزم منزله وينظر إليه من ثقوب الجدران ولا عوقب على ذلك وان الإنسان نظر إلى القمر من زمان بعيد نظرة التفاؤل والاستحسان، والإنسان الأول معذور في تفاؤله بالهلال الجديد إذ هو يعيش في خطر المداهمة والغارة، فالهلال يكشف له عن ظلمات الليل ويؤمنه بعض التامين، لذلك كان القمر من اقدم الإله التي عبدها الناس بل أقدمها. وان العرب اشتقوا لفظة تهلل من الهلال، ولا نزال نرى كثيرا من الأعياد حتى الأعياد المسيحية تقرر تبعا لأوجه القمر. (تم البحث) إبراهيم تادرس بشاي

стр. 3328

٢ - بديع الزمان الهمذاني للدكتور عبد الوهاب عزام تكلم الأستاذ في المقالة الأولى عن الحال السياسية والأدبية في القرن الرابع، وعن أسرة بديع الزمان وسيرته إلى أن رحل إلى نيسابور. وقد وقع خطأ مطبعي أثناء ترتيب المقالة فوضعت الأسطر من الثالث إلى الحادي والعشرين من صفحة ٥٠١ النهر الأيمن في غير مكانها، وكان ينبغي أن توضع بعد السطر التاسع من النهر الأيسر في الصفحة نفسها فهذا الإسماعيلي هو، فيما يظهر أحد هؤلاء الإسماعيلية الذين اكرموا مثواه في جرجان. وفي رسالة إلى أبيه يقول (وقد كان رسم أن اعرفه سبب خروجي من جرجان، ووقوعي في خراسان، وقد كانت القصة أني لما وردت من ذلك السلطان حضرته التي هي كعبة المحتاج. لا كعبة الحجاج ومشعر الكرام، لا مشعر الحرام، ومنى الضيف لا منى الخيف، وقبله الصلات، لا قبلة الصلاة، وجدت فيها ندماء من نبات العام، اجتمعوا قبضة كلب، على تلفيق خطب، أزعجني من ذلك الفناء، واشرف بي على شرف الفناء، لولا ما تدارك الله بجميل صنعه وحسن وقعه، ولا اعلم كيف احتالوا، وما الذي قالوا، لكن الجملة أن غيروا السلطان وأشار على أخواني، بمفارقة مكاني، وبقيت لا اعلم أيمنه اضرب أم شآمة، ونجدا اقصد أم تهامة، ولو كنت من سلمى أجا وشعابها … لكان لحجاج عليّ دليل قد علم الشيخ أن ذلك السلطان سماء إذا تغيم لم يرج صحوه. وبحر إذا تغير لم يشرب صفوه، وملك إذا سخط لم ينتظر عفوه فليس بين رضاه والسخط عرجه، كما ليس بين غضبه والسيف فرجه ونظرت فإذا أنا بين جودين، أما أن أجود ببأسي، وإما أن أجود برأسي، وبين ركوبين إما المفازة وإما الجنازة، وبين طريقين: إما الغربة، وإما التربة، وبين فراقين: إما أن أفارق أرضي أو أفارق عرضي، وبين راحلتين إما ظهور الجمال، أو أعناق الرجال، فاخترت السماح بالوطن، على السماح بالبدن، وأنشدت: إذا لم يكن إلا الأسنة مركباً … فلا رأى للمضطر إلا ركوبها

стр. 3329

ولست ادري من هذا السلطان. واحسبه فخر الدولة ابن بويه، وأما شمس المعالي فلم يكن سلطانا في جرجان ذلك الوقت في نيسابور ورد نيسابور فكتب إلى أبي بكر الخورزمي، وهو شيخ أدبائها وأحد أغنيائها (أنا لقرب الأستاذ أطال بقاءه (كما طرب النشوان مالت به الخمر) ومن الارتياح للقائه، (كما انتفض العصفور بلله القطر) ومن الامتزاج بولائه، (كما التقت الصهباء والبارد العذب) ومن الابتهاج بمرآه (كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب) فكيف نشاط الأستاذ لصديق طوى إليه ما بين قصبتي العراق وخراسان، بل ما بين عتبتي نيسابور وجرجان، وكيف اهتزازه لضيف في برده جمال، وجلدة حمال. رث الشمائل منهج الأثواب … بكرت عليه مغيرة الأعراب وهو أيده الله ولي إنعامه، بإنفاذ غلامه إلى مستقري لأفضي إليه بسري، أن شاء لله تعالى) ويؤخذ من كلام البديع انه ذهب إلى دار الخوارزمي فلم يحسن لقاءه، أو لم ترض نفس الهمذاني بهذا اللقاء فكتب إليه (الأستاذ أبو بكر والله يطيل بقاءه أزرى بضيفه أن وجده يضرب إليه آباط القلة في اطمار الغربة فأعمل في رتبته أنواع المصارفة، وفي الاهتزاز له أنواع المضايقة من إيماء بنصف الطرف، وإشارة بشطر الكف، ودفع في صدر القيام، عن التمام، ومضغ الكلام، وتكلف لرد السلام، وقد قبلت تربيته صعرا، واحتملته وزرا، واحتضنته نكرا، وتأبطته شرا، ولم آله عذرا، فأن المرء بالمال، وثياب الجمال، ولست مع هذه الحال، وفي هذه الأسمال، وأتقزز صف النعال، فلو صدقته العتاب، وناقشته الحساب، لقلت أن بوادينا ثاغية صباح، وراغية رواح، وناسا يجرون المطارف، ولا يمنعون المعارف وفيهم مقامات حسان وجوههم=وأندية ينتابها القول والفعل ولو طوحت بأبي بكر أيده الله طوائح الغربة، لوجد منال البشر قريبا، ومحط الرحل رحيبا، ووجه المضيف خصيبا، ورأى الأستاذ أبي بكر أيده الله في الوقوف على هذا العتاب الذي معناه ود، والمر الذي يتلوه شهد، موفق أن شاء الله تعالى) فرد الخوارزمي رداً حسنا وسعى سعاة السوء بين الرجلين. ثم جمع بينهما الشيخ أبو الطيب فلم يحمد ذلك الاجتماع.

стр. 3330

ثم كانت بينهما المناظرة الأولى في دار السيد أبي علي أحد الكبراء في نيسابور، فتناظرا في ارتجال الشعر مناظرة ظهر فيها غلب البديع وقد غضب من قطع الخوارزمي إنشاده عليه فصمت برهة، يقول الهمذاني: (ثم عطفت عليه وقلت يا أبا بكر أن الحاضرين قد عجبوا من حلمي، أضعاف ما عجبوا من علمي، وتعجبوا من عقلي، اكثر مما تعجبوا من فضلي، وبقى الآن أن يعلموا أن هذاالسكوت ليس عن عي، وان تكلفي للسفه اشد استمرارا من طبعك، وغربي في السخف امتن عوداً من نبعك، وسنقرع باب السخف معك، ونفترع من ظهر السفه مفترعك، فتكلم الآن. فقال لي أنا قد كسبت بهذا العقل دية أهل همذان مع قلته، فما الذي أفدت أنت بعقلك مع غزارته، فقلت: أما قولك دية أهل همذان فما أولاني أن لا أجيب عنه، لكن هذا الذي تمتدح به وتتبجح وتتشرف وتتصلف، من انك شحذت فأخذت، وسألت فحصلت واجتديت فاقتنيت، فهذا عندنا صفة ذم يا عافاك الله. ذهب البديع إلى بيت الخوارزمي واصطلحا. ثم شاع بين الناس أن البديع غلب، فكتب الخوارزمي إليه يتهمه بأنه شاع هذا الكلام، ويقترح مناظرة أخرى، فكانت المناظرة الثانية في بيت الشيخ أبي القاسم الوزير. وحضرها عظماء نيسابور، وكانت مباراة الارتجال والترسل والنحو واللغة، وقضى بالفلج للهمذاني فلما خرج لقيه الناس بالتقبيل ولم يستطع الخوارزمي الخروج حتى جنه الليل. وفي رسائل الهمذاني تفصيل المناظرة التي قضت له بالفلج. وينبغي أن لا ينسى القارئ أن هذا قول أحد الخصمين، ولست اتهم الهمذاني بالكذب الصراح، ولكني لا أبرئه من محاباة نفسه. ثم ينبغي أن نتذكر أن الخصمين ليسا سواء: أحدهما شيخ طائر الصيت يخشى أن يؤخذ عليه ما ينقص من قدره، والأخر شاب طامح إلى الصيت يريد أن يبني مجده على هزيمة قرنه، وهو لا يخسر كثيراً إن غلب، وهذا مظنة أن يستعظم الحاضرون ظفر البديع ولو كان قليلا وهفوة الخوارزمي ولو كانت مما يغتفر أمثالها. ثم أظن أن بعض النيسابوريين كانوا يحسدون الخوارزمي، ويودون أن يذهب بمجده ذلك الضيف الشاب الجميل الطلعة، الخفيف الروح. وكان الخوارزمي، فيما يظهر متكبرا ذا جفاء، قليل الوفاء: قال الصاحب بن عباد حين جاءه نعيه:
следующие страницы →