← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

ساكنا فلم يصيب أحد منهم بسوء، مع أن قطع الحجارة وجدت على الوسائد بجوار النائمين. واشترى بعضهم منزلا فلما رأى أن رقمه ١٣ جعله ١٢ وما مر يومان حتى سرق المنزل برغم العدد السعيد الميمون مع انه ما سرق يوم كان شؤما. وقد عمدت إحدى السفن الكبرى إلى وضع علامة ١ بجوار العدد ١٢ للدلالة على الغرفة ١٣ وبذلك تريح فكر المسافر الذي يكون نصيبه تلك الغرفة. وقد علل الكاتب الاجتماعي الإنكليزي هـ. ج. ولز شؤم هذا الرقم (بأنه لا يقبل القسمة) على أن حين غيره من الأرقام التي قبله أو بعده تقبل القسمة، وبعبارة أخرى نقول أن الإنسان الأول كان رديء الفهم في الحساب لا يعرف الكسور، ثم هناك أشياء لا يمكن كسرها فإذا كان عدد السبايا ١٣ حدثت المشاجرات بين أفراد القبيلة من اجل امرأة تزيد في حظ أحدهم أو تنقص، في حين أن الأرقام الأخرى لم يكن فيها ذلك. ويقال إن الخرافات التي نسجت حول الرقم ١٣ مصدرها عشاء السيد المسيح الأخير مع تلاميذه الأثني عشر، وجلسوا على مائدة واحدة فكان جموعهم ثلاثة عشر، وكان واحد من التلاميذ خائنا هو يهوذا الأسخريوطي الذي سلمه. لذلك كان الناس يتشاءمون من الجلوس ثلاثة عشر شخصا على مائدة واحدة، لان ذلك نذير شؤم بسوء أو موت يقع لأحدهم خلال سنة على الاكثر، ثم سرى التشاؤم من الرقم ١٣ حتى شمل كل شيء ولم يقتصر على مائدة الطعام. الهلال جميع الأمم تقريبا تتفاءل بالهلال الجديد، وكثيرا ما يرى الناس في مصر وغير مصر قد تهللت وجوههم استبشارا لرؤية الهلال في أول الشهر القمري وهم يدعون الدعوات. وان العامة في مصر يتناولون قطعة من العملة الفضية ويديرونها نحو الهلال لأول ولادته تيمنا، ولا يصنعون مثل ذلك في الذهب لأنهم يتطيرون به، وهكذا يفعلون في الشام ويزيدون عليه أن يتمتم الواحد بعبارة مثل قوله (يهلك ويستهلك، ويجعلك علينا شهرا مباركا) وفي إنكلترا يتشاءمون من النظر إلى الهلال المولود حديثا من وراء زجاج النوافذ.

стр. 3327

والمرجح أن الإنسان الأول كان يعتقد انه إذا ظهر القمر جديدا وجب عليه أن يخرج إلى العراء للترحيب به بوسائل كانت معروفة عنده وكان لا يلزم منزله وينظر إليه من ثقوب الجدران ولا عوقب على ذلك وان الإنسان نظر إلى القمر من زمان بعيد نظرة التفاؤل والاستحسان، والإنسان الأول معذور في تفاؤله بالهلال الجديد إذ هو يعيش في خطر المداهمة والغارة، فالهلال يكشف له عن ظلمات الليل ويؤمنه بعض التامين، لذلك كان القمر من اقدم الإله التي عبدها الناس بل أقدمها. وان العرب اشتقوا لفظة تهلل من الهلال، ولا نزال نرى كثيرا من الأعياد حتى الأعياد المسيحية تقرر تبعا لأوجه القمر. (تم البحث) إبراهيم تادرس بشاي

стр. 3328

٢ - بديع الزمان الهمذاني للدكتور عبد الوهاب عزام تكلم الأستاذ في المقالة الأولى عن الحال السياسية والأدبية في القرن الرابع، وعن أسرة بديع الزمان وسيرته إلى أن رحل إلى نيسابور. وقد وقع خطأ مطبعي أثناء ترتيب المقالة فوضعت الأسطر من الثالث إلى الحادي والعشرين من صفحة ٥٠١ النهر الأيمن في غير مكانها، وكان ينبغي أن توضع بعد السطر التاسع من النهر الأيسر في الصفحة نفسها فهذا الإسماعيلي هو، فيما يظهر أحد هؤلاء الإسماعيلية الذين اكرموا مثواه في جرجان. وفي رسالة إلى أبيه يقول (وقد كان رسم أن اعرفه سبب خروجي من جرجان، ووقوعي في خراسان، وقد كانت القصة أني لما وردت من ذلك السلطان حضرته التي هي كعبة المحتاج. لا كعبة الحجاج ومشعر الكرام، لا مشعر الحرام، ومنى الضيف لا منى الخيف، وقبله الصلات، لا قبلة الصلاة، وجدت فيها ندماء من نبات العام، اجتمعوا قبضة كلب، على تلفيق خطب، أزعجني من ذلك الفناء، واشرف بي على شرف الفناء، لولا ما تدارك الله بجميل صنعه وحسن وقعه، ولا اعلم كيف احتالوا، وما الذي قالوا، لكن الجملة أن غيروا السلطان وأشار على أخواني، بمفارقة مكاني، وبقيت لا اعلم أيمنه اضرب أم شآمة، ونجدا اقصد أم تهامة، ولو كنت من سلمى أجا وشعابها … لكان لحجاج عليّ دليل قد علم الشيخ أن ذلك السلطان سماء إذا تغيم لم يرج صحوه. وبحر إذا تغير لم يشرب صفوه، وملك إذا سخط لم ينتظر عفوه فليس بين رضاه والسخط عرجه، كما ليس بين غضبه والسيف فرجه ونظرت فإذا أنا بين جودين، أما أن أجود ببأسي، وإما أن أجود برأسي، وبين ركوبين إما المفازة وإما الجنازة، وبين طريقين: إما الغربة، وإما التربة، وبين فراقين: إما أن أفارق أرضي أو أفارق عرضي، وبين راحلتين إما ظهور الجمال، أو أعناق الرجال، فاخترت السماح بالوطن، على السماح بالبدن، وأنشدت: إذا لم يكن إلا الأسنة مركباً … فلا رأى للمضطر إلا ركوبها

стр. 3329

ولست ادري من هذا السلطان. واحسبه فخر الدولة ابن بويه، وأما شمس المعالي فلم يكن سلطانا في جرجان ذلك الوقت في نيسابور ورد نيسابور فكتب إلى أبي بكر الخورزمي، وهو شيخ أدبائها وأحد أغنيائها (أنا لقرب الأستاذ أطال بقاءه (كما طرب النشوان مالت به الخمر) ومن الارتياح للقائه، (كما انتفض العصفور بلله القطر) ومن الامتزاج بولائه، (كما التقت الصهباء والبارد العذب) ومن الابتهاج بمرآه (كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب) فكيف نشاط الأستاذ لصديق طوى إليه ما بين قصبتي العراق وخراسان، بل ما بين عتبتي نيسابور وجرجان، وكيف اهتزازه لضيف في برده جمال، وجلدة حمال. رث الشمائل منهج الأثواب … بكرت عليه مغيرة الأعراب وهو أيده الله ولي إنعامه، بإنفاذ غلامه إلى مستقري لأفضي إليه بسري، أن شاء لله تعالى) ويؤخذ من كلام البديع انه ذهب إلى دار الخوارزمي فلم يحسن لقاءه، أو لم ترض نفس الهمذاني بهذا اللقاء فكتب إليه (الأستاذ أبو بكر والله يطيل بقاءه أزرى بضيفه أن وجده يضرب إليه آباط القلة في اطمار الغربة فأعمل في رتبته أنواع المصارفة، وفي الاهتزاز له أنواع المضايقة من إيماء بنصف الطرف، وإشارة بشطر الكف، ودفع في صدر القيام، عن التمام، ومضغ الكلام، وتكلف لرد السلام، وقد قبلت تربيته صعرا، واحتملته وزرا، واحتضنته نكرا، وتأبطته شرا، ولم آله عذرا، فأن المرء بالمال، وثياب الجمال، ولست مع هذه الحال، وفي هذه الأسمال، وأتقزز صف النعال، فلو صدقته العتاب، وناقشته الحساب، لقلت أن بوادينا ثاغية صباح، وراغية رواح، وناسا يجرون المطارف، ولا يمنعون المعارف وفيهم مقامات حسان وجوههم=وأندية ينتابها القول والفعل ولو طوحت بأبي بكر أيده الله طوائح الغربة، لوجد منال البشر قريبا، ومحط الرحل رحيبا، ووجه المضيف خصيبا، ورأى الأستاذ أبي بكر أيده الله في الوقوف على هذا العتاب الذي معناه ود، والمر الذي يتلوه شهد، موفق أن شاء الله تعالى) فرد الخوارزمي رداً حسنا وسعى سعاة السوء بين الرجلين. ثم جمع بينهما الشيخ أبو الطيب فلم يحمد ذلك الاجتماع.

стр. 3330

ثم كانت بينهما المناظرة الأولى في دار السيد أبي علي أحد الكبراء في نيسابور، فتناظرا في ارتجال الشعر مناظرة ظهر فيها غلب البديع وقد غضب من قطع الخوارزمي إنشاده عليه فصمت برهة، يقول الهمذاني: (ثم عطفت عليه وقلت يا أبا بكر أن الحاضرين قد عجبوا من حلمي، أضعاف ما عجبوا من علمي، وتعجبوا من عقلي، اكثر مما تعجبوا من فضلي، وبقى الآن أن يعلموا أن هذاالسكوت ليس عن عي، وان تكلفي للسفه اشد استمرارا من طبعك، وغربي في السخف امتن عوداً من نبعك، وسنقرع باب السخف معك، ونفترع من ظهر السفه مفترعك، فتكلم الآن. فقال لي أنا قد كسبت بهذا العقل دية أهل همذان مع قلته، فما الذي أفدت أنت بعقلك مع غزارته، فقلت: أما قولك دية أهل همذان فما أولاني أن لا أجيب عنه، لكن هذا الذي تمتدح به وتتبجح وتتشرف وتتصلف، من انك شحذت فأخذت، وسألت فحصلت واجتديت فاقتنيت، فهذا عندنا صفة ذم يا عافاك الله. ذهب البديع إلى بيت الخوارزمي واصطلحا. ثم شاع بين الناس أن البديع غلب، فكتب الخوارزمي إليه يتهمه بأنه شاع هذا الكلام، ويقترح مناظرة أخرى، فكانت المناظرة الثانية في بيت الشيخ أبي القاسم الوزير. وحضرها عظماء نيسابور، وكانت مباراة الارتجال والترسل والنحو واللغة، وقضى بالفلج للهمذاني فلما خرج لقيه الناس بالتقبيل ولم يستطع الخوارزمي الخروج حتى جنه الليل. وفي رسائل الهمذاني تفصيل المناظرة التي قضت له بالفلج. وينبغي أن لا ينسى القارئ أن هذا قول أحد الخصمين، ولست اتهم الهمذاني بالكذب الصراح، ولكني لا أبرئه من محاباة نفسه. ثم ينبغي أن نتذكر أن الخصمين ليسا سواء: أحدهما شيخ طائر الصيت يخشى أن يؤخذ عليه ما ينقص من قدره، والأخر شاب طامح إلى الصيت يريد أن يبني مجده على هزيمة قرنه، وهو لا يخسر كثيراً إن غلب، وهذا مظنة أن يستعظم الحاضرون ظفر البديع ولو كان قليلا وهفوة الخوارزمي ولو كانت مما يغتفر أمثالها. ثم أظن أن بعض النيسابوريين كانوا يحسدون الخوارزمي، ويودون أن يذهب بمجده ذلك الضيف الشاب الجميل الطلعة، الخفيف الروح. وكان الخوارزمي، فيما يظهر متكبرا ذا جفاء، قليل الوفاء: قال الصاحب بن عباد حين جاءه نعيه:

стр. 3331

أقول لركب من خراسان قافل: … أمات خوارزميكم؟ قيل لي نعم فقلت اكتبوا بالجص من فوق قبره … ألا لعن الرحمن من كفر النعم ويقول أبو سعيد الخوارزمي: أبو بكر له أدب وفضل … ولكن لا يدوم على الوفاء مودته إذا دامت لخل … فمن وقت الصباح إلى المساء ثم لم تكن المناظرة في صميم الأدب من الشعر والترسل، بل كانت في البديهة والارتجال والحفظ. قال الهمذاني وهو يتحدى خصمه: (ومثال أن أقول لك اكتب كتابا يقرأ منه جوابه هل يمكنك أن تكتب؟ أو أقول لك اكتب كتاباً على المعنى الذي اقترح لك، وانظم شعراً في المعنى الذي اقترح، وافرغ منهما فراغا واحداً. هل كنت تمد له ساعداً؟ وأقول لك اكتب كتابا في المعنى الذي أقول وأنص عليه، وانشد من القصائد ما أريده من غير تثاقل ولا تغافل، حتى إذا كتبت ذلك قرء من آخره إلى أوله، وانتظمت معانيه إذا قرء من أسفله هل كنت تفوق لهذه الغرض سهما أو تجيل قدحا أو تصيب نجحا، أو قلت لك اكتب كتابا إذا قرء من أوله إلى أخره كان كتابا، فأن عكست سطوره مخالفة كان جوابا الخ، وقد أجاب الخوارزمي على هذا كله بقوله: (هذه الأبواب شعبذة) وهي أن لم تكن شعبذة فهي ليست من الأدب، وأن دلت على توقد الذكاء وسرعة البديهة. ولست أقول أن البديع ليس أعلى من الخوارزمي في الأدب مقاما. ولكن أقول ما غلب بديع الزمان أبا بكر الخوارزمي هذه الغلبة التي تصورها رسائل الهمذاني ويرويها الأدباء. اغتيط بديع الزمان بنيسابور ولقي من سراتها حفاوة وإكراما يقول في رسالة إلى أبيه عن صديق كان قد وعده اللحاق به: (وكان سألني أن أرود له منزلا وماؤه روى، ومرعاه غذى وأكاتبه لينهض إليه راحلته. فهاك نيسابور ضالته التي نشدتها، وقد وجدتها، وخراسان منيته التي طلبتها وقد أصبتها. وهذه الدولة بغيته التي أردتها، فقد وردتها، فان صدقني رائداً، فليأتني قاصدا. . . وأما أنا وأخباري بهذه الناحية فمتقلب في ثوب العافية، موقر بهذه الحضرة مرموق بعين القبول) وقد كتب كثيرا من رسائله إلى جماعة من رؤساء نيسابور وهي تدل على ما كان بينه وبينهم من مودة. وفي نيسابور لقي بني ميكال ومدحهم. وفي رسائله واحدة إلى أبي جعفر

стр. 3332

الميكالي يشكو فيها تقصيره في تعظيمه: (وهل كنت تلا ضيفا هداه منزع شاسع، وأداه أمل واسع، حداه فضل وان قل، وهذا رأي وأن ضل، ثم لم يلق إلا في آل ميكال رحله، ولم يصل إلا بهم حبله، ولم ينظم إلا فيهم شعره، ولم يقف إلا عليهم شكره. . . ودخلت مجلسه وحوله من الأعداء كتيبة فصار ذلك التقريب ازورارا. وذلك السلام اختصارا، والاهتزاز ايماء، والعبارة اشارة، ويقول في رسالة أخرى إليه: (واعرفه إني ما اطوي مسافة مزار إلا متجشما ولا أطأ عتبة دار إلا متبرما. ولست كمن يبسط يده مستجديا، أو ينقل قدمه مستغذيا. فان كان الأمير الرئيس، أطال الله بقاءه يسرح طرفه في طامح أو طامع، فليعد للفراسة نظراً) ثم ينقلب عتابه هجاء فيقول في رسالة إلى ابن ميكال (اشهد لئن صدق البحتري في اللامية، لقد صدق الأعشى في الصادية، وان وصف الدريدي في المقصورة، فلقد تغير الأمر عن الصورة، وان كان كالآخر الأول فما أحوج الكتب المقراض، وأكذب السواد على البيض - إلى أن يقول: اللامية قول البحتري: ثلاثة عجب تنبيك عن خبري … فيها وعن خبر الشاه ابن ميكال والصادية قول الأعشى: كلا أبو بكر كان فرعى دعامة … ولكنهم زادوا وأصبحت ناقصا يريد الهمذاني أن يقول أن بني ميكال كانوا كما قيل فيهم ولكن هذه الرئيس من بينهم قصر عن شأوهم. ونجد الهمذاني في نيسابور يكتب إلى الشيخ العميد مستنجزا وعده في توليته بعض الأعمال: (فهل للشيخ أن يلطف بصنيعته لطفا يحط عنه دون العار، وسمة التكسب والافتقار، ليخف على القلوب ظله، ويرتفع عن الأحرار كله، ولا يثقل على الأجفان شخصه بإتمام ما كان عرضه عليه من اشغاله، ليعلق باذياله، وليستفيد من خلاله، فيكون قد صان الفضل عن ابتذاله، والأدب عن إذلاله، واشترى حسن الثناء بجاهه كما يشتريه بماله) وفي نيسابور أملي المقامات. وسيأتي الكلام فيها. يتبع عبد الوهاب عزام

стр. 3333

من طرائف الشعر يريد الحب أن نضحك للأستاذ إيليا أبو ماضي تعالى نتعاطاها … كلون التبر أو اسطعْ ونسقي النرجس الواشي … بقايا الروح في الكأس فلا يعرف من نحن … ولا يبصر ما نصنعْ ولا ينقل عند الصب … ح نجوانا اسلي الناس تعالى نسرق اللذا … ت ما ساعفَنا الدهر وما دمنا وما دامت … لنا في العيش آمال فان مر بنا الفجر … وما أيقضنا الفجر فلا يوقضنا علم … ولا يوقضنا مال أراد الله أن نعش … قَ لما أوجد الحسنا وألقى الحب في قلب … ك إذ ألقاه في قلبي مشيئته وما كانت … مشيئته بلا معنى فان أحببتِ ما ذنب … ك أو أحببت ما ذنبي؟ دعي اللاحي وما صنَّفَ … والقالي وبهتانهَ وللجدول أن يجري … وللزهرة أن تعبقْ وللأطيار أن تشتا … قَ أيَّاراً وألوانه وما للقلب وهو القل … ب أن يهوى وأن يعشق تعالى أن رب الحب … يدعونا إلى الغاب لكي يمزجنا كالما … ء والخمرة في الكأس ويغدو النور جلباب … ك في الغاب وجلبابي فكم نصغي إلى الناس … ونعصي خالق الناس؟ يريد الحب أن نضحكَ … فلنضحك مع الفجر وأن ترقص فلنرقص … مع الأمواج في النهر

стр. 3334

وأن نهتف فلنهتف … مع البلبل والقمري فمن يعلم بعد اليوم … ما يحدث أو يجري؟ تعالى قبلما تسكُ … ت في الروض الشحارير ويذوي الحور والصفصا … ف والنرجس والآس تعال قبلما تطمر … أحلامي الأعاصير فتستيقظ لا فجر … ولا خمر ولا كاس -

стр. 3335

إليه! أحب ولو لم أحظ منك بنائل … وحسبي من حبي تعلل آمل كتمت شكاتي عنك حتى حسبتني … بما رحت ألقى في الهوى غير حافل وبي من تباريح الهوى ما أعادني … بزفرة محزون وأنة ثاكل لكَم بت ظمأنا لريقك صاديا … فأُوردْتُ دون العذب مرّ المناهل وقد كانت الدنيا كأرحب ما ترى … فصيرتها بالهجر كفة حابل أعدلاً تبيت الليل جذلان هانئاً … وأقطع هذا الليل جمَّ البلابل لشد الذي لاقيت من عنت الهوى … وأن كان في بردي له صبر باسل وأقسمت لا أشكو صدودك بعد ما … تبينت أن القول في غير طائل فكن كيفما تبغي فلست مباليا … أأشفقت أم أثقلت بالهم كاهلي محمد برهام

стр. 3336

كيف تشكو؟ كيف تشكو إلىَّ زيداً وعمرا … إنما كل ما أتوه صوابُ إن دنياك قوةٌ فكن الذئ … ب وإلا تخاطفتك الذئاب إن عيش القوى رغد هنيٌّ … وحياة الضعيف فيها عذابُ لا تقل لي الضميرُ والعهد والعدْ … ل كلام منمق مستطاب فارْم عنك القشور وانفذ إلى اللب … بّ يطالعك بالمفيد اللباب في قرار الكأس التي ضمت الشه … د تفاني سم زعاف مذاب ووراء العيون تطفحُ بالبش … ر قلوب بالغدر ملأى صلاب فادَّرع للحياة عزما من الفو … لاذ وانهد فالعيش ظفر وناب حمص (سوريا) صفي قرنفلي

стр. 3337

ذكرى العيد فراقٌ إلى غير اللقا لا يرده … بكاء ولا وجد ولا حر أنفاس ولا نظرة قبل الوداع أفدتها … ولا دمعة تذري لدى الراحل الناسي حلفت يمينا بالصبابة والهوى … لقد ضيعتْ أوفى محب من الناس وخلَّت فؤاداً لم يخفَّ لغيرها … طعينا ولا يشفيه طبٌ ولا آس خفوقا وقد شدت عليه أضالعي … وليس له من بينهن مواس كنجم بدا في حندس الليل مفرداً … يطل على جيش من الليل فراس وخلفت نفسي في الأسى لا تريمه … ووجدٍ مُلِحٍ ظلمه فادح قاسٍ كشاةٍ أضلت صحبها وتخلفت … بيداء تعدوا بين هم ووسواس كذلك ذكرى العيد من قاتل الهوى … وكان نديمي كل عيد وإيناسي إذا العيد لم يحمل إليَّ حديثها … ونشراً زكيا دونه عابق الآس فما العيد إلا مأتم متجدد … يهدم قلبي أو يقطع أنفاسي شرق الأردن حسني فريز

стр. 3338

الشعراء الرمزيون ١ - بول فرلين ١٨٤٤ - ١٨٩٦ للأستاذ خليل هنداوي شخصية هذا الشاعر شخصية غريبة، قد اصطلحت عليها أعاصير الحياة، وانحطت عليها الآلام، وهي خلال ذلك تبعث بالألم، وتنشد الشقاء خاليا من الحان الشقاء. كانت حياته الأولى حياة هادئة كالسماء الصافية لا يغشى أديمها شيء. ثم بدأت سحائب سوداء قاتمة تحتشد من كل صوب لتحجب هذا الصفاء، واستطاعت أن تحجبه، واستطاعت أن تعكر عليه صفاءه. وتجعل حياته الجميلة مأساة عاشت مع نفسه. وترددت أنفاسه في هذه المأساة التي عصفت به وعصف بها! رحم الله أبا نواس. فقد كان يدعو الندامى والشاربين إلى أن يغبطوه على سكره كلما شرب، لأنه يرى في سكرته نشوتين، ويقول لنداماه: تسكرون انتم سكرة واحدة، وأنا اسكر سكرتين. لي نشوتان وللندمان واحدة! وكذلك كان (بول فرلين). فسكره كان متصلا، وذهوله الروحي كان متصلا، يقتله السكر الأول ولكن السكر الثاني يحييه. ولعله كلما توغل في السكر القاتل زادت محبة الحياة عنده في السكر المحيي، فألح عليه أصدقاؤه أن يتحرى المرأة فتحرى فوجدن وشفع له جمال نفسه عن دمامة وجهه. ولكنه لم يجد الشفاء المرتجى في المرأة، فذهب يتحرى، ولعله تمثل أن شفاء نفسه في صديق يفهمه، ولعله اعتقد انه وجده في الشاعر الرمزي (ارتور راميورد) فمال إليه ميلا غريبا. . وفتحت قصائده مغاليق نفسه، فاتصلا بضعة اشهر ثم انفصلا، ولعل أمر انفصالهما كان كأمر اتصالهما، لان الأرواح قد تتجاذب وقد تتدافع. ولكن هذا الانفصال لم يكن إلا إلى حين، لان (فرلين) الضعيف كتب إلى صديقه يدعوه، فلبى الصديق نداءه، وعاد إليه يقضيان - في بلجيكا - حياة تضل فيها الظنون، وتحلق فيها الأوهام. ولكن أمد هذه الصداقة لم يطل. وليته مات موتاً، ولكنه انقطع انقطاعا. فأن (فرلين) عقب سكرة عنيفة قد اقتفى اثر صديقه في الطريق. وأطلق عليه رصاصة جرحته جرحا بليغا. شاء ذلك (فرلين) السكير. وشاءت ذلك نفسه الذاهلة الغلبة على نفسه الواعية،

стр. 3339

ولعل مبعث ذلك كله هو الخمر! فلبث عامين يتخبط في سجن (بروكسل). حتى إذا انطلق من السجن عاد إلى ميدان الحياة يغامر فيه، ويطلب لنفسه منفسحا، فشغل مناصب علمية في أقطار مختلفة، ثم لجأ إلى باريس. لا يحمل إلا قلبه الشاعر! وقلب الشاعر أرجوحة تترجح بين الشقاء والهناء، فعزاه عن خطوبة انه طفق يرى كوكب مجده يسطع ويتألق، وان أصدقاءه المعجبين به يشيعون ويظهرون، فلتفن كل آلام الحياة أمام هذا الأمل المشرق، ولتقو ما شاءت أشواك الألم ما ظللت هذه الزهرة حية لا تقدر على خنقها. أما مجده الشعري الذي خلقه من بعده، فهو يتجلى في مذهبه الرمزي الذي لم يتكلفه تكلفاً. وإنما كان برموزه يساير روحه التي تأنس بالغموض والإبهام، وتأوي إلى عالم ملؤه الأوهام والأحلام. جرب (فرلين) جل المذاهب الشعرية الشائعة في عصره، فسمع الحان (الرومانتيكيين) وطرب لها، ولكنه فر عاجلا وأبى أن يظهر مرارته بهذه الألحان، فأتى المدرسة (البرناسية) ووجد فيها ضالته، فنظم قصائد كثيرة خالية من ميول النفس واهوائها، وهو القائل: (أليست من رخام (فينوس ميللو))؟ فقد فرض على قلبه أن يكون من رخام أيضاً يوم يتلمس هذا الجمال الرخامي. ولكن (فرلين) المتقلب لا يجد أن هذه المذاهب تستطيع أن تتسع لنفسه الفياضة، فهو يحس - في نفسه ميولا غامضة تتمشى، ونزوات مبهمة تتهادى، فأي فن رخامي يقدر على بيانها؟ فمال عن المدرسة (البرناسية) ومشى وراء الشاعر (بودلير) مشية المحترس فاخذ من (بودلير) كثيراً. وولد شعر (بودلير) في نفسه كثيراً وأيقظ في نفسه كوامن كان يحسها، ولكن لا يجد إلى الإفصاح عنها سبيلا. وبعد أن رأينا (فرلين) يصارع أصحاب الشعر العاطفي الشخصي نراه غدا أوضح الشعراء شخصية وعاطفة في شعره، ونرى قصائده الأخيرة إنما هي رسالات حقيقية يمكننا أن نعتمد عليها في درس شخصية الشاعر، تلك الشخصية المعقدة الجوانب التي اجتمعت فيها مذاهب متباينة وميول من الحياة متنافرة، وصدر من اجتمعت فيه هذه المذاهب وهذه الميول نراه طوراً كالرخام تمر به وتضج وتثور فلا يحسها، وطوراً تمر به مر النسيم

стр. 3340

فيتأثر ويهيج، و (فرلين) الرخامي القلب الذي كان يصف الأشياء وصفا متجردا عن الأهواء يصبح شاعراً محللا نفسياً، نزل إلى أعماق النفوس، وصف الكآبة العميقة المتمددة في حناياها، ووصف التأملات المشوشة يوم تعبس، وأحلامها المتبدلة حين تطرب. كل ذلك وصفه بعبارات تتمشى مع حركات النفس، وتنسجم مع ألحانها متوافقة متلائمة، ووراء هذه العبارات إحساس حي دقيق، ولكنه إحساس لا يظهر فيه الشقاء واضحاً منتصراً غالباً على كل شيء، ولكنه ذلك الإحساس المفعم بالظلمة والمغشي بالإبهام، كأنما يسري الساري فيه في جو مبطن بالضباب، والشاعر بين حقيقة حياته المظلمة الممقوتة وبين تلك التعازي التي كان يرسلها فنه وإحساسه أحلاماً جميلة ملونة، كان يمشي بفنه، ويحلق في افقه، مبدعا ذلك الشعر الذي دعاه معاصروه بحق (بالشعر الرمزي) وأضافوا لحنه الجديد إلى ألحانهم الشعرية. (وفرلين) بعد هذا كله أبدع شعراً جديداً البسه مطارف فن جديد، وخلق للشعر لغة جديدة اجمع النقاد على أنها أسمى لغة شعرية، ولم يكن (فرلين) بنفسه إلا أنشودة جديدة مرت على أوتار قيثارة الشعر. مختار من شعره - ١ -

стр. 3341

أغنية الخريف تجرح تلك الأنات الطويلة التي ترسلها قيثارة الخريف. . . وتبعث في نفسي الكلال والفتور تدق الساعة! فتطفح نفسي بالذكريات القديمة! فتبهت ملامح وجهي، وتضيق أنفاسي! وتذرف عيناي الدموع. استسلم إلى رياح الخريف! فتحملني مثلما تبتغي. . كما تحمل الزهرة الذاوية! - ٢ -

стр. 3342

القمر الأبيض هذا هو القمر اللجيني يسطع في الغابة، وتحت كل فرع، ومن كل غصن يتعالى صوت هاتف (يا محبوبتي!) هذا هو الغدير الرقراق كالمرآة المصقولة، تسبح فيه خيالة الصفصافة السوداء حيث تبكي الريح ألا فلنحلم. . . هذه هي ساعتنا والهدوء الشامل قد غمر الكون، كأنما تنزل من اللانهاية المشرقة ألوانها إلا إنها الساعة المنتظرة. . . - ٣ -

стр. 3343

منظر والبلبل القائم على الغصن يخال نفسه ساقطا في الماء يخشى على نفسه الغرق وهو في ذروة السنديانة (سيرانو) تموت ظلال الشجر على صفحة الساقية التي غمرها الضباب كما يموت الدخان. بينما الحمائم في الفضاء تبث الشكاوي وترسل النجاوى بأمان أيها المسافر! إن هذا المرأى الحائل ليبعث في نفسك الحؤولة ويغادرها تحت الظلال العالية، كاسفة كئيبة آمالك الغرق التي تموت، - ٤ -

стр. 3344

من السجن السماء - هنالك - لامعة زرقاء. . وشجرة - هنالك - تهتز غصونها في الفضاء الناقوس تتهادى دقاته في الأجواء والعصفور يرسل شكواه نشيدا وغناء إلاهي! إلاهي! إن الحياة - هنالك - يحفها الهدوء والسكينة وهذه النأمة الخفيفة - هي أصوات المدينة، يا أيها الساكن - هنالك - تبكي البكاء الطويل! قل: ماذا تصنع أنت بشبابك الجميل - ٥ -

стр. 3345

جرين إليك هذه الثمار، وهذه الأزهار! إليك هذه الأوراق، وهذه الأغصان! إليك قلبي، الذي لا يخفق إلا من أجلك، لا تمزقه بالله يداك الناعمتان البضتان ولتقبل هديتي الوضيعة عيناك الجميلتان! وصلت إليك! وعلى جبيني تتألق قطرات الندى التي جمدتها ريح الصباح تألمي لي! فأن شقائي الذي يسكن تحت قدميك، يحلم بتلك الثواني العزيزة التي ستزمع الأرواح. دعي رأسي على صدرك الساطع، ترى فيه أصداء قبلاتك الأخيرة، دعيه يسترح من العاصفة الثائرة وذريني يطبق جفني الكرى حيث أنت تهجعين. . . - ٦ -

стр. 3346

كآبة تهوى الكآبة على قلبي كما تهوى على المدينة ماء السماء! فما عسى تكون هذه الكآبة التي غمرت قلبي! وما هذا الشقاء؟ آه! أن وقع المطر على الأرض والسقوف يبهج الفؤاد الذي اعتاده سأم. . . آه يا أغنية الشتاء! تهبط الكآبة والشقاء القاتم، بدون سبب على هذا القلب الساهم. فعلى أي عهد ضائع أكتئب؟ ألا أن هذا الحداد بغير سبب. ألا أن هذا هو العذاب الأكبر! يكتئب فؤادي وينتابه الأسى، دون أن يعتاده حب أو يهيجه بغض وهو لا يعلم - بعد ذلك - لحزنه سبباً! دير الزور خليل هنداوي

стр. 3347

٥ - في البحوث الروحية للأستاذ عبد المغنى على حسين خريج جامعة برمنجهام لهذه البحوث جانب علمي وجانب ديني. أما الجانب الديني فقتله بحثا جهابذة من المصريين، وأما الجانب العلمي فأمنية هذا القلم الضعيف أن يبسط ما تم منه، ويتتبع عن كثب ما يستجد فيه، ومن وراء هذا القلم نفس تتمنى لو أن بمصر معهدا لهذه البحوث، فلعل الأماني تحققها الأيام. وللبحوث الروحية أيضا جانب تاريخي، إذ الظاهر الروحية لم يخل منها عصر من العصور، عرفها سقراط، وأندفعت بتأثيرها جان دارك، ومارسها الكهنة والسحرة، دع جانبا وحي الأنبياء ومعجزاتهم، وكرامات الأولياء، وما أدى ويؤدي إليه التصوف. ليست الظواهر الروحية بمكتشف جديد، وإنما الجدي هو أن يفلحها العلم الحديث بمحراثه التجريبي البطيء الأكيد. هل الحياة بعد الموت إحدى الحقائق الكونية، أم كل ما يقال عنها توهم وإيهام؟ وإذا كانت تلك الحياة حقيقة واقعة فما القوانين الطبيعية التي تربطها بهذه الحياة؟ وما العلاقة بين الجسم المادي الذي نعيش به هنا والجسم الروحي الذي نعيش به بعد الممات؟ وكيف ينشأ وينسلخ هذا من ذاك؟ سيخيل إلى القارئ أن المبحث عبث، والمطلب مستحيل، ولكن عددا من رجال العلم قد أوغلوا في هذه السبيل، ووصلوا إلى نتائج حاسمة، ونبشوا في صخرة الموت الصماء ثغرة يضع انفه فيها كل يوم باحث جديد، وقد تتسع يوما ما لكل الأنوف. الجسم البشري يتألف من كهاب سالبة وموجبة، والتمثال الحجري يتألف من نفس تلك الكهارب. ولكن الجسم البشري يحس ويتصور ويتذكر ويفكر ويريد. فما السر في أن كهارب الجسم البشري حية عاقلة، وكهارب التمثال ميتة خاملة؟ هناك رأيان. أحدهما أن ظواهر الحياة في الجسم الحي ليست سوى نتائج طبيعية لترتيب كهاربه على نسق خاص، أو هي، بصيغة أخرى، نتائج آلية لتركيب الكيميائي. ذلك أن المادة بمفردها تكون ذات خواص معينة، فإذا اتحدت بمادة أخرى نتج مركب تختلف خواصه عن خواص المادتين اختلافا بيناً. فالأيدروجين مثلا غاز خفيف، تصعب اسلته، والأوكسجين غاز يتوهج فيه القبس المتقد،

стр. 3348

ولكن إذ اتحد الأوكسجين بالأيدروجين نتج الماء، وشتان بين خواص الماء وخواص كل من الأيدروجين والأوكسجين. وخذ مثالا آخر: الكلور غاز يعافه الانف، متلف، مهلك، سم زعاف، والصوديوم فلز نشيط قوي الفعل، ولو وضع الإنسان حبة منه في فمه لنسف حلقه نسفا، ولكن إذا اتحد الكلور بالصوديوم نتج جسم لطيف، يصلح المعدة، والدم، هو الملح الذي به نأتدم، وبدونه لا نستمرئ الطعام. فأصغر تعقيد كيميائي في تركيب المواد يحدث اكبر تغيير في خواصه، فلعل كل ظواهر الحياة، على غرابتها، ليست سوى خواص طبيعية وكيميائية للمركب المعقد المسمى بالبروتوبلاسم هذا الرأي الكثرة من علماء البيولوجيا. وأصحاب هذا الرأي لا يرون البعث من الممكنات، وعندهم أن الرجل إذا مات، وتفككت ذرات جسمه، فصعد بعضها في الجو بهيئة غاز، ورسب الباقي في التربة بشكل ملح، وشتت الريح الغاز فيالقارات الخمس، وأسلمت التربة الملح إلى جذور النبات، فقد عاد الرجل كأن لم يكن، وبعثه من جديد رجع بعيد، وليس له روح إلا بقدر ما يكون للملح روح بعد تحليله إلى الكلور والصوديوم. ومن زعماء هذا الرأي سر آرثر كيث، أستاذ البيولوجيا وعضو المجمع العلمي البريطاني، فهو يقول: - (. . . إذا كنا نخلد فإنما نخلد في أبنائنا وذرارينا. . . قبل أن نتساءل عن كنه الحياة وإمكان استمرارها بعد الممات، يحسن أن نقول ما هو الموت. إذا وجد الطبيب قلب مريضه سكت، ولم يبق لتنفسه مد وجزر، قرر أن الموت حل بساحته. ولكن ليس هذا بصحيح، إذ لو هيأ الطبيب في الحال جهازاً يدفع دماً طازجا مشبعا بالأوكسجين في الأوعية الدموية لمخ الميت، لاستعاد هذا وعيه وذاكرته، وقدر على التفكير، ونطق بالكلام، وبقى كذلك ما بقى في عروق مخه دم صبيح. فإذا أوقف الدم عشر دقائق دخلت خلايا المخ في موت لا حياة بعده، ولكن خلايا القلب تظل حية، بحيث لو اقتطع وأحيط بوسائل خاصة عاد يدق كما كان يفعل بين ضلوع صاحبه، أما خلايا الشرايين فتعيش بعد الوفاة أربعين ساعة. الموت لا يحدث دفعة واحدة بل بالتدريج، وخلايا الجسم تموت فرادى كما يموت السكان في قرية جائعة - الضعيف يموت أولا والقوي يعيش بعده إلى حين. لو كان الموت كما يقول سر أليفر لدج هو خروج روح من الجسم لحدث دفعة لا بالتدريج. . . لا يستطيع

стр. 3349

البيولوجي أن يسلم بوجود روح للإنسان أو للحيوان، وعنده أن الروح والجسم شيء واحد لا يتجزأ). هذا رأي في تعليل ظواهر الحياة. أما الرأي الآخر فزعيمه سر أليفر لدج، ومجمله أن كل حيوان، ابتداء من الأميبا (حيوان أحادي الخلية بدأ يتميز من الجماد بالشعور والإرادة) يتألف من كيان مادي وكيان اثيري، وينفرد الثاني إذا ما تحطم الاول، وتستمر الحياة بعد ذلك بهيئة لا تدركها حواسنا الخمس. هذان رأيان نقيضان فأيهما الصحيح؟ العلم الحديث لا يقف عند حد الإدلاء بالآراء، بل سر قوته ونجاحه هو اختبار الآراء بالتجارب العملية، فهو لا يقيم وزنا لآراء تأبى الامتحان العملي، ولو فعل لتصدعت الرؤوس بآلاف الآراء الجامحة. فقبل أن يصبح الرأي حقيقة علمية يجب أن تحققه التجارب العملية. نظرة في هذين الرأيين الرأي الأول (رأي العدميين) لا سبيل إلى إثباته عمليا إلا بصنع خلية حية من مواد كيمياوية عادية وهذا لم يحدث بعد. نعم. نسمع في الحين بعد الحين أن كيميائيا احدثه، ولكن الخبر يذاع اليوم ويموت غدا، فهو مبالغة أو اختلاق. أما الرأي الثاني فتوجد اليوم ظواهر تؤيده، نذكر هنا مثالا منها: مستر (فرانك لي) وسيط يعمل بجمعية للبحث الروحي بلندن، وله خاصة الكشف البصري، فهو يرى الأرواح كالأشباح. ولكنه يزيد عن أمثاله من الوسطاء بأنه رسام ماهر، فعندما يرى الروحويصفها، يتناول القلم والورق ويرسمها. للتحقق من صدقه يفاجئه الباحثون كل يوم بأشخاص ليست لديهم معرفة. ولكنه برغم ذلك يرسم صوراً صحيحة لأرواح أقربائهم. ويجد القارئ هنا رسمين لروحين من عمل مستر (لي)، وبجانب كل رسم صورة عادية من صور المتوفي أيام حياته. ويلاحظ أن الشبه متوفر بين الأصل ورسم الوسيط. كيف يمكن أن يرى الروح إنسانا كائنا من كان، ليس الأمر من الغرابة كما يبدو. نحن نرى من الأشعة ما يقع منها بين الأحمر والبنفسجي. ولكن هل هذه هي كل ما في الكون من أشعة؟ لا. لقد كشف العلم عن سلسلة طويلة من موجات أطول من الحمراء، وسلسلة أخرى اقصر من البنفسجية - أشعة يعج بها الفضاء من حولنا ولا نراها. ويمكنك أن تدخل حجرة

стр. 3350

حالكة الظلمة، وتملأ فضاءها بتلك الأشعة، ومع ذلك لا تميز عينيك غير الظلمة الحالكة. يفترض سر أليفر لدج أن الروح بعد الموت تعيش في جسم أثيري. فلعل هذا الجسم الأثيري يشع من الموجات ما لا يؤثر في العصب البصري للشخص العادي ولكنه يؤثر في عصب شخص شاذ هو الوسيط. لعل العالم المرئي لنا هو واحد من عوالم كثيرة تحف بنا من كل جانب وبيننا وبينها حجاب رقيق.

стр. 3351

القصص قصة مصرية صدمة الغرور أتم كامل تسريح شعره بعد أن نضحه بماء الكلونيا ووضع طربوشه فوق رأسه. ثم نظر في المرآة المثبتة في خزانة ملابسه نظرة اختبار وتأمل، فحسن في عينه كل شيء إلا نظام المنديل الحريري المدلى من جيب سترته، فأخذه في يده وجمع أطرافه إلى وسطه وأعاده بعناية ورفق إلى مكانه. ارتدى بعد ذلك معطفه، وامسك بعصا دقيقة وخرج من المنزل الصغير، بعد أن أوصى الخادم أن يعد طعام الغداء مع شيء من الزيادة وكثير من العناية، لان ضيفا سيأتي لزيارته اليوم وسيعود إلى المنزل معه. سار كامل في طريقه إلى عمله بمكتب (التلغراف) في تؤده ونظام، ترتسم على شفتيه نصف ابتسامة يتكلفها دائما ليكون عظما علا الأقل - في نظر نفسه - وكان حريصاً كعادته على أن يقتصد في نظراته وتحياته في الطريق، وعلى أن يظل منتصب القامة واضعا يده اليسرى في جيب معطفه، وممسكا بالأخرى قفازيه وعصاه الثمينة، ويرفعها ويهبط بها على نظام ثابت، وبين مسافات متساوية. مبتعدا بحذائه اللامع عن آثار المطر القليل في الشارع. وصل المكتب فحيا الوكيل وحيا زملائه بابتسامة كاملة لم تنفرج لها شفتاه، ثم جلس إلى عمله يستقبل البرقيات ويعنونها ويضعها في أغلفتها ويسلمها بإصلاتها إلى السعاة الموزعين. يفكر كامل في نفسه كل التفكير ويتأنق في ملبسه كل التأنق، فهو يشفق أن تقتحمه نظرة أرستقراطية تقع منه على ضعف في التجانس بين قميصه الحريري وبين بذلته أو رباط عنقه. ولذلك يأخذ نفسه بكثير من الدقة في اختيار الألوان وفي انسجام كل مجموعة من ملابسه على ذوق مناسب للفصل وللوقت. يرعى ذلك كله وأن يعمل في مدينة صغيرة من مدن الوجه البحري قلما تقع فيها العين على اكثر من اللباس العادي النظيف الذي يمتاز بالبعد عن الكلفة والإمعان في البساطة.

стр. 3352

ويحرص على هذا كله برغم ما يقتطع من مرتبه الشهري الذي لم يزد على سبعة جنيهات ونصف جنيه من يوم أن عين في وظيفته. وهو راض بذلك يعيش منه في جو من الغرور وخيال العظمة يعزله عن وسطه وزملاءه ويجعله أحيانا مبعث دهشتهم وأحيانا موضع نكاتهم. قلبه يحمل إلى جانب ذلك حبا يملكه كأقوى ما يمتلك الحب، وهوى يعذبه كأشد ما يعذب الهوى. فإذا به وهو ممسك بصورة محبوبته يقلبها بين يديه في مناجاة ذليلة، وضعف ينسى فيه نفسه ويتخيل الحبيبة كل شيء، طالما أوصد على نفسه باب حجرة نومه الصغيرة. واخرج الصورة من حرزها الحريز في خزانته ولبث ينظر إليها في ذهول حتى يغيب عن وجوده عن حجرته، ويعود في ذكرياته إلى أيام الدراسة ثم إلى أيام العمل الأولى في القاهرة. فيرى نفسه وقد ذهب محملا بالأماني غارقا في الأحلام إلى منزلها ليزور والدها واخوتها، حاملا إليهم تحيات أسرته الصديقة كان ينتهز لذلك فرصا كثيرة. وكان يقابل هناك بكثير من الحفاوة للصلات القديمة المتينة التي تربط العائلتين. وكانت تأتي (هي) لتحيته فيقوم لها وقد سرت في جسمه هزة سريعة ينهزم لها قلبه، وينعقد لسانه، وتتسمر عيناه، إلا أن الابتسامة التي كانت تنطبع على شفتيه دون وعي كانت تحجب عن الأنظار كثيراً من ذلك. ثم يجلس مفكك الأوصال كما يعتدل في فراشه المريض الناقه بعد أدوار الحمى القاسية. ويمضي الزمن سريعا سريعا فيستأذن ويخرج مهيض الجناح ملتاع القلب. يذكر ذلك وفي يده الصورة فينهال عليها بفمه الملتهب يقلبها في حرارة، ويرفع نظره عنها ويثبته في السقف وهو لا يرى منه شيئا. ثم يرسل تنهدة عميقة، ويقوم في تراخ فيفتح صوانه ويضع الصورة حيث كانت. ثم يعود إلى سريره يستلقي عليه في فتور وإعياء. هذه الصورة عزيزة عليه يحتفظ بها ويحرص عليها كل الحرص لأنها لم تصل إلى يده إلا بعد عناء شديد، شاركته فيه أمه عندما سافرت لرؤيته في مصر، فأعملت حيلتها في تبادل الصور بين الاسرتين، ولم تظفر بها إلا بعد جهد ورجاء في الزيارة الثانية. وقد تشجعت - بعد إلحاح أبنها الشديد - على أن تشير في سرعة وغموض إلى أملها في أن تتصل بينهما أواصر صلة قريبة. وكم اطمأن قلبها عندما لمحت حمرة الخجل تشيع في وجه (رسمية) وابتسامة المجاملة تبدو على ثغر والدتها!

стр. 3353

كل هذه الذكريات كانت تطيف بكامل كل يوم قبل أن يأوي إلى فراشه، وعندما يخلو إلى الصورة العزيزة يناجيها ويتنهد من أقصى رئتيه، لا يستطيع التفكير في مصير أمله الغامض. لم يسافر إلى مصر من عهد أن نقل منها، وقد أرسل خطابا إلى (عمه) رأفت بك والد رسمية يعرفه فيه حاله، ويتجه بتحية إلى الأسرة جميعها. وورد إليه منه رد رقيق يتمنى له فيه الراحة ويبدي استعداده لخدمته فيما يريد. وقد استحى بعد ذلك أن يكتب إليه مرة أخرى، ثم هو لا يعرف طريقا يقربه من غرضه. فوق انه لا يعتمد على شيء لهذا الغرض إلا على الصداقة القديمة بين أبيه وبين رأفت بك. وهو لا يثق كل الثقة في أنها تكفي بعد أن بعدت الشقة واصبح رأفت بك موظفا كبيرا، نشأت رسمية على حياة راقية وآمال واسعة. كما انه لا يثق من مساعدة أبيه له لنفس هذه الاعتبارات، ولذلك يؤثر إلا يكاشفه بالأمر في رغبة ورجاء استبقاء على أمله أن يتبدد من اقرب الناس إليه. كانت تؤلمه هذه الخواطر حين ينتهي في تفكيره إليها فيحاول أن يبعده عنه فلا تببتعد، فيعلق نفسه بخيوط من الأماني. لعله يوما أن يكتسب عطف رأفت بك، ولعله يوما أن ينعم بحب رسمية. أليس شابا مستقيما؟ أليس وسيما أنيقا؟ وتحمله هذه التعلات من مكانه فإذا به أمام المرآة ينظر إلى نفسه ثم يبتسم لها ويعود إلى فراشه. ويسلم أفكاره إلى الهواجس ثم إلى النوم حتى الصباح. حان موعد قيام القطار فدوى صفيره في الفضاء، ثم انطلقت أنفاسه المحبوسة، وتحرك في خفة وهدوء، وارتفعت أصوات المودعين، واخذ القطار يبتعد عن الرصيف شيئا فشيئا، واخذ المودعون والمسافرون يلوحون بمناديلهم في الهواء. ثم أغلقت النوافذ، وتتابعت المناظر من خلال الزجاج في سرعة عظيمة. وجلس الدكتور أمين ممسكا بيده المجلة العلمية التي ابتاعها واخذ يقلب صفحاتها ليعرف موضوعاتها وكتابها. ثم وضعها إلى جانبه وسبخ في خياله. هو اليوم يعود إلى القاهرة منقولا إليها بعد أن فارقها من سنتين،. فارق فيهما حريته الواسعة وأصدقاء الدراسة، واندمج فيهما بالتقاليد الاجتماعية، التي ينفر منها، ولكنه لا يجد مفرا من الخضوع لها. سيعود إليها الآن شبه غريب فقد تفرق زملاءه، واصبح هو مقيدا بعمله وواجباته. ولكن

стр. 3354

القاهرة هي القاهرة على كل حال، ولابد أن فيها كل امرئ راحته وسعادته. اتسعت أحلامه وذكرياته فقام من مكانه ومد يديه إلى الإمام ثم إلى الخلف في بطئ واسترخاء مالئا رئتيه من الهواء المنعش البارد كمن يود أن يستجمع نشاطه المتفرق. ثم سار في بهو العربة الخالي ينظر أحيانا إلى الركاب اللاهين في أحاديثهم أو صحفهم، أو المسلمين أنفسهم إلى سنة خفيفة من نوم أو تفكير، سار مرات في ذهاب وجيئة لم يتعد العربة التي هو فيها، ثم خطر له أن يجتاز مركبات الدرجة الأولى إلى عربة الأكل ليتناول فيها فنجانا من الشاي. فسار سيرا وئيدا في ممرات العربات التي يسودها سكون لا تسمع فيه قرقعة العجلات، ولا صفير القاطرة. وانقلب تفكيره وخياله إلى حال من العظمة والشعور بالكبرياء. وسمح لآماله أن تسبق الزمن فتراه طبيبا شهيرا جمع إلى ذيوع الصيت ثروة ضخمة تؤهله أن يكون دائما من رواد هذه العربات الفاخرة دون أن يكون دخيلا عليها. ثم تسرب فكره وخياله إلى نواحي العظمة الأخرى فتصور الضياع والقصور، وتخيل رحلة لذيذة في الصيف إلى خارج القطر يمثل فيها مصر في مؤتمر دولي طبي. وكان قد استند قليلا إلى إحدى النوافذ وإذا بيد تنزل على كتفيه في ملاطفة وتنبيه، فالتفت سريعا وملأت وجهه ابتسامة شاكرة، ثم مد يده مسلما في احترام ولين. - إلى أين أنت مسافر يا دكتور؟ - إلى مصر يا بك فقد نقلت إليها للعمل في المصلحة - عال. إذن ننتظر منك أن تزورنا كثيرا. فأنت من الآن طبيبنا الخاص. أليس كذلك؟ - بكل سرور يا بك، ولي الشرف - العفو يا دكتور. وكيف حال عمك؟ ألم تزوره حديثا؟ - كنت عنده في الأسبوع الماضي وهو في صحة جيدة ولو انه يعلم بهذا النقل لأوصاني أن أزور سعادتكم وأن أحمل إليكم أطيب تحياته. - وكيف حال كامل ابنه فإني لم أره منذ أن نقل من القاهرة بعد تعيينه بمصلحة التلغراف. - بخير يا بك. وسأمر عليه اليوم لأراه. - إذن أنت لا تسافر فوراً إلى مصر في هذا القطار؟ - سأتخلف عنده ساعتين، وأصل أن شاء الله مصر في هذا المساء.

стр. 3355

- والى أين كنت تسير الآن؟ - كنت أريد الذهاب إلى عربة الأكل أتناول فنجانا من الشاي - إذن تفضل. وعمل ترتيبك على أن تنزل عندنا إلى أن تنظم مسكنك الجديد، فاهم؟ سأنتظرك في المساء. لا اقبل منك اعتذاراً. أن لعملك عندي منزلة كبيرة. وأنت دكتورنا الصغير العزيز - ها. ها. ها! بلغ كامل سلامي. - متشكر يا بك، أن شاء الله وقف القطار واستقبل كامل ابن عمه في حفاوة وترحيب وكان قد انتهى من عمله حين كانت الساعة الواحدة بعد الظهر. فسار به إلى المنزل، وتحدثا في الطريق عن النقل، فهنأه به كامل تهنئة حارة، وبادله الدكتور التهنئة على أناقته ومظهره الفخم الذي يبدو فيه من أبناء الطبقة الراقية بلغا المنزل وكان الخادم على استعداد لتقديم الطعام. فأمره كامل بأعداده، وساعده في ترتيبه على مائدته البسيطة. ودعا ابن عمه أمين الذي في حجرة النوم مشتغلا بالتفرج على ملابس كامل العديدة الجميلة الصنع واللونفذهب إليه واخذ مكانه من المائدة وبدأ الحديث. . - برافو كامل أنت لا تزال محتفظا برشاقتك المعروفة عنك برغم بساطة البلد الذي تعيش فيه. فمجموعة ملابسك تعتبر من أبدع ما يملكه هاو للأزياء الحديثة. - أبدا، أنها في منتهى البساطة. ويظهر أن للعادة حكما لا يستطيع الإنسان أن يتغلب عليه ولو عاش في الأرياف أو في الصحراء. - (على فكرة) رأفت بك كان مسافرا إلى مصر في القطار الذي وصلت فيه. وقد عرفني أثناء مروري في العربة وسأل عنك. وكلفني أن احمل سلامه إليك. - رأفت بك: وكيف عرفك؟ وماذا قال لك؟ - يظهر أن ذاكرة الرجل قوية. فقد مرت سنتان لم أره فيهما، ولكنه رآني مع عمي كثيرا قبل ذلك. وقد هنأني تهنئة رقيقة يوم ظهور نتيجة الدبلوم. وقد سألني اليوم عن عمي. وطلب مني بإلحاح أن انزل عنده في مصر حتى أهيئ لي سكنا، وقال انه في انتظاري الليلة. - في انتظارك الليلة؟ إذن أنت لا ترغب في البقاء معي ولو يوما واحداً؟

стр. 3356

- بكلأسف. فأنا مضطر إلى الذهاب إلى المصلحة غدا صباحا ولذلك سأسافر بقطار الساعة الثالثة. ولا تنس إنني وعدت رأفت بك بالذهاب إلى منزله هذا المساء - إنها فرصة سعيدة جدا، إلا تعرف؟ - فرصة لا باس بها وأن كان لا يهمني كثيرا الاختلاط بالطبقات الأرستقراطية، بل إني أضيق بالعادات والتقاليد الخاصة بها. وأحاول أن أتكلفها لئلا يفوتني شيء منها، فتقابل تصرفاتي بابتسامة أشفق منها على نفسي. ولذلك فأني في الغالب سأعتذر للبك بعد لليلتين بحصولي على مسكن وانتقل إلى أحد الفنادق - كيف ذلك؟ أني أريد أن أكلفك بهمة هذا المنزل. مهمة شريفة جداً. يتوقف على قضائها مستقبلي، واقل تتوقف عليها حياتي، وقد خدمتني الظروف أجل خدمة بما حدث بينك اليوم وبين رأفت بك مما جعلك تقبل النزول في بيته، فتكون ضيفا كريما مسموع الرأي، مجاب الإرادة. فهل أنت مستعد أن تقدم لابن عمك وصديقك هذه المكرمة الميسورة لك؟ - لا افهم. إنما ثق أني على أتم الاستعداد لخدمتك فأنت أخي قبل كل شيء، فما هي هذه المهمة وكيف يتوقف قضاؤها على بقائي في منزل رأفت بك. أأنت تريد العودة إلى القاهرة؟ - هذا طلب ثانوي سيكون له وقته القريب أو البعيد. اسمح لي دقيقة. . . وقام كامل فغسل يديه بسرعة وجففهما ثم دخل إلى حجرة النوم وعاد ومعه الصورة في غلافها. اقترب من أمين وقد امتقع لونه وعلت أنفاسه ورفع بين إصبعين من يده المرتعشة. فامسك أمين عن الأكل وحملق بعينيه وفغر فاه وقال بصوت ملؤه الغرابة والدهشة: (رسمية! بنت رأفت بك، أنت بتحبها!؟ مين جاب لك الصورة دي؟). . . (آه يا عفريت). جلس كامل وهو لا يكاد يعي ما يسمع أو ما يقول ثم أجاب - الصورة مهداة إلى أمي. وليست لي بالذات، أما إني احبها فلست ادري إن كان الحظ أو سوء المصير هو الذي أوقد نيران هذا الحب في قلبي، فهو يستعر به ولا تنبئ عنه إلا هاته الزفرات. وهل كاشفت أحد بهذا الحب؟

стр. 3357

أبداً لم أجد الفرصة أو لم أجد شجاعة. حتى إني أحس الآن بألم في نفسي كأني استبحت حرمة دفينة حين صرحت لك، ولكنه الأمل، فعزائي الآن بيديك. وإنما أمي تعرف عنه كل شيء، وأظنها أبدت الرغبة ذات مرة في زواجي من رسمية، وأخبرتني ولست ادري أكان حقا أم قصدت سروري. أخبرتني أن رغبتها صادفت ارتياحا من الجميع. إذن المسألة أصبحت سهلة. وماذا يمكنني أنا أن أقدمه إليك في هذا الأمر؟ - ماذا يمكنك؟ يمكنك كل شيء. تستطيع أن تعرف الميول الحقيقة نحو الفكرة. وميول رسمية بصفة خاصة. وتستطيع أن تكون صريحا في ذلك. وان تستعمل حيلتكوتأثير شخصيتك. وعندك الفرصة سانحة لتمكنك من قضاء وقت طويل أثناء إقامتك في المنزل. - على كل حال ثق أنني سأجرب نفسي في هذا الموضوع، وأنني سأتخذ ما ليس من طبعي من التبسط في التفاصيل، وسيساعدني على ذلك أن مثل هذا الحديث عند الطبقة الراقية مألوف لا غضاضة فيه. وإن كنت لا أكتمك ظني أن لأمثال هذه الطبقات ميولا وآمالا قد لا تدخل في تقديرنا فلا نعمل لها حسابا. إنما يمكنك أن تعتمد عليّ في ذلك إلى ابعد حد. - إذن أضع كل أملي فيك. حياتي ومستقبلي بين يديك، عاملني كأخ، ولا تنس أن قلبي يتفطر، وأنني لن أرى الراحة حتى أرى بواكير خدمتك. وسأظل مدينا لك بروحي مدى الحياة. لماذا أمسكت عن الأكل؟ كل فإن المسافر يجب أن يأكل كثيرا متشكر، لقد امتلأت. أين ماء الغسل؟ سافر الدكتور ومضت أيام، فأرسل إليه كامل خطابا يستثير فيه اشفاقه، ويرجو منه إفادته عما عمل وما رأى وما سمع، ومضى أسبوع، وأرسل كامل كتابا أخر يعتب فيه اشد العتب، احتدت فيه عاطفته أول الأمر ثم لانت وتوسلت وتذللت وطلبت رداً. . . أي رد واتى الرد أخيراً. نشر كامل الخطاب بين يديه في سرعة ورجفة وقرأ. . عزيزي كامل أحييك وأتمنى لك الصحة والراحة. جاءني خطاباك وقد كاشفتها بحبك، فامتعضت وزمت شفتيها في احتقار وتبرم. ولم أشأ أن اجرح شعورها بعد ذلك، اجتهد أن تنسى عاطفتك

стр. 3358

الجامحة، وثق انك تستطيع ذلك، ويمكنك أن ترسل الصورة إلى الوالدة، أو تتخلص منها على أي حال. فهذا يساعدك على ما ذكرت، وإني لك على الدوام المخلص أمين ومنذ شهر، عاد كامل في نهايته من أجازته المرضية الطويلة. وإذا به يتلقى في البريد الدعوة الآتية: (محمد رأفت بك، والدكتور أمين سامي يتشرفان بدعوة حضرتكم إلى حفلة عقد قران الآنسة رسمية كريمة الأول على الثاني في الساعة السادسة من مساء الخميس ٢٥ الجاري بمنزل الأول في الزمالك ويسرهما أن يشفعا هذه الدعوى بأطيب الأماني) وجمد كامل في مكانه من ألم الصدمة. ولكن سؤالا سريعا وجوابا حاسما، طافا بمخيلته في غير شعور أيذهب؟ مستحيل! محمد فريد عبد القادر

стр. 3359

٣ - شهر بالغردقة للأستاذ الدمرداش محمد مدير إدارة السجلات والامتحانات بوزارة المعارف - ما هذه يا دكتور كرسلاند؟ - هذه حدائقي المرجانية - عجبا وما هذه الألوان الجميلة؟ - هذه ألوان المرجان نفسه - ولكن عهدي بالمرجان - أن يكون شعبا صلبة من مادة جيرية بيضاء أو حمراء - ما تقوله يصدق على بيوت المرجان بعد إخراجها من الماء وتعرضها للهواء والشمس - إذن أرجو أن تزيدنا علما بهذه الكائنات العجيبة - بكل سرور - المرجان كائن حي هلامي الجسم صغير جداً من فصيلة الحيوانات الدنيئة، وله القدرة على بناء بيت له من مادة جيرية يفرزها جسمه، وهذا البيت يعيش فيه الحيوان ويرتكز عليه وهو يتكاثر بطريقتين: طريق التوالد أي التلقيحوطريق الانقسام، أي أن الواحدة تصير اثنتين بطريقة تشبه الأزرار في النبات، وشانه في ذلك كثير من أنواع هذه الفصيلة - فالمرجان في تكاثره يشبه النباتات والحيوانات العليا معا، فهو مثل النباتات في أن كلا منهما يحتاج إلى رواكز ينمو عليها، كما انه ينتشر في الأماكن المتباعدة بطريقة تكاد تشبه طريقة الانتشار بالبذور، وهو مثل الحيوانات العليا في انه ينقسم إلى ذكر وأنثى - وتكاثر المرجان من الأمور المدهشة العجيبة، فالجزر تحت أقدامنا والشاطئ من السويس إلى المحيط الهندي والحاجز المرجاني العظيم شرقي قارة استراليا وكثير من جزائر المحيط الهندي والهادي ما هي إلا تكوينات مرجانية من نوع الخمائل التي ترونها الآن والتي تثير فيكم الإعجاب والدهشة - فمتى حان وقت اللقاح قذف الذكر من فمه سائلا لبنيا خفيفا ينتشر في الماء، فإذا وصل السائل المذكور إلى الأنثى واختلط بالبويضات في جوفها حصل التلقيح وأخذت البويضات في النمو على شكل كرات صغيرة جداً لا ترى بالعين العادية، وبعد تمام نموها تطرحها الأنثى في الماء بكميات عظيمة، فتعوم فيه بحركة ضعيفة بواسطة أهداب على جسمها تدفعها إلى الإمام، وبعد أيام أو أسابيع تستقر هذه الأجنة في

стр. 3360

قاع البحر بالمكان الملائم لنموها فتلتصق سريعا بالقاع، ثم تتطور فيتميز لها فم تحيط به اذرع لدفع الغذاء إلى الفم، ثم يتكون للحيوان هيكل جيري يأخذ في النمو سريعا فتقوى اذرعه ويكبر تجويفه حتى إذا اكتمل نموه بدأت عمليتا التوالد والتكاثر على نحو ما قدمنا فتتسع قاعدته وتطول شعبه، وتتفرع بالتزر كما يزرع نفسه في الأماكن المجاورة بالتوالد. وهنا اقتلع الدكتور كرسلاند من الماء شعبة مرجانية زرقاء فانساب منها سائل هلامي شفاف له قوام كثيف ثم قال: إن هذا السائل عبارة عن أشلاء مئات الحيوانات المرجانية، تسقط عن هياكلها الجيرية بعد أن فارقت الحياة لأنها لا تقوى على البقاء خارج الماء، وأما هذه الشعبة - انظروا إلى الثقوب فيها فهي قرية أو مستعمرة مرجانية، وعما قليل يضيع لونها الأزرق وتصير سمراء ثم بيضاء - إنها قصفة تنكسر، بسهولة، وهذه المرجان لا يغرنكم شكله الجميل، فهو حيوان مفترس، فالكائنات البحرية الصغيرة التي يسوقها سوء الطالع بالقرب من اذرعه تلاقي حتما حتفها، فعلى الأذرع تنتشر ابر دقيقة تنتهي عند قواعدها بأكياس صغيرة تحتوي على سم شديد الفعل، فمتى انغرزت الإبر في جسم الحيوان شلته عن الحركة فيقف جامد فتمتد إليه الأذرع وتلصقه بها، ثم تدفعه رويدا إلى الفم، فمتى وصل إليه انفتح بالقدر اللازم لابتلاع الفريسة، ثم يطبق عليها وتبدأ عملية الهضم داخل التجويف، والمرجان من أكلة اللحوم فهو لا يتغذى بالنبات، وهو يتنفس مثلنا بالأوكسجين يأخذه من الماء ونحن نأخذه من الهواء. والمرجان موجود في معظم بحار العالم، ولكن النوع الذي يبني الجزر والحواجز العظيمة لا يعيش إلا في البحار الاستوائية قليلة العمق، حيث يتوافر دفء الماء وصفاؤه، ومن صفات المرجان انه يموت إذا انكشف عنه الماء أو غطته رواسب كطمى الأنهار. والمرجان نوعان: نوع صلب وهو هذا، ونوع لين يكاد يشبه العشب البحري وله ملمس كالجلد، ثم أن النوع الصلب على اشكال، فمنه الريشي أي ذو الشعب، وهو أكثرها انتشارا وأجملها منظراً، ومنه ألوان كثيرة بديعة كالأرجواني والأصفر والأخضر والأسمر، ومن أشكاله أيضا النوع المخي وهو على هيئة تلافيف المخ، والنوع الطبقي وهو على هيئة أطباق صغيرة، والنوع الخيمي وهو على هيئة عيش الغراب. ثم إن الدكتور كرسلاند بعد أن خطا بضع خطوات ونحن نتبعه وقف متفرسا وقال انظروا

стр. 3361

في الماء: انظروا إلى هذا الأسماك الصغيرة التي تعيش بين الشعب، أليست جميلة حقا؟ إن وصفها يحتاج إلى بلاغة اكبر الكتاب وخيال اعظم الشعراء وريشة امهر المصورين - انظروا إلى حركاتها الرشيقة وهي تتسلل بين الشعب - فهذه اسماك لا يزيد طولها على سنتيمتر ونصف ذات ألوان بديعة براقة بين أزرق وأخضر وبرتقالي وأصفر وأحمر وأرجواني وأسمر، وبعضها نصف جسمه بلون والنصف الأخر بلون، وبعضها مخطط بخطوط واضحة محدودة: أزرق وأبيض، أو أصفر وأسود، وبعضها جسمه رفيع وبعضها جسمه مبطط يكاد أن يكون شفافا. ثم انظروا إلى هذه المحارة العظيمة، أنها من النوع ذوي المصراعين، إنها كذلك تعيش مختبئة هكذا بين المرجان - ثم أن السماكين يخشونها ويحاذرون أن تزل قدم فيسقط أحدهم بين فكيها، فإذا انطبق المصرعان على القدم فانه لا يخرج منهما إلا مهصورا مهشما. ثم انظروا إلى هذا (السجق) الأسود والأبيض، انه كذلك من سكان هذه المنطقة، والصيادون يسمونه خيار البحر، وهو حيان وديع لا يؤذي أحداً، ثم انه يكون عديم الحركة، فهو لا يسعى للقوت بل يكتف بدفع ماء البحر مع الرمل إلى جهازه الهضمي وهو عبارة عن قناة بطول جسمه، فيدخل الماء من طرف ويخرج من الطرف الاخر، والحيوان يكفيه ما في هذا الماء والرمل من موادعضوية حيوانات صغيرة لتكون غذاء له. ثم انظروا إلى هذه السمكة التي تحاول مسرعة أن تختفي منا بين المرجان الأخضر - أنها (الدرمة) أو السمك البالوني - أن لونها يكاد يكون كلون البيئة التي تعيش فيها: - ظهر أخضر وبطن أبيض - ثم أنظروا إلى رأسها الكبير، وخصوص الفم، إلا ترون أن لها منقارا كمنقار الببغاء - ثم انه أمر (خير الله) كبير صيادي المحطة باقتناصها، فبعد دقائق كان يسحبها من الماء، ولم تكد تخرج منه حتى انتفخ جسمها وصار كالكرة الكبيرة (البالون) ثم قال هكذا طبيعتها كلما خرجت من الماء فهذا هواء الجو تضغطه في جسمها فإذا عادت إلى الماء زفرته فيتقلص جسمها كما كان - ثم قال لا تلمسوها بأيديكم لان جسمها مغطى بأهداب بيضاء من مادة لاذعة تحدث في اليد تخديراً. ثم انه أنطلق ونحن في أثره اقبل على بقعة غنية بأنواع المرجان فقال هنا تعيش حيوانات بحرية كثيرة، والجهاد للحياة بينها على اشده، فهي لا تنفك في هجوم ودفاع - إن الغذاء

стр. 3362

هنا وافر ولكن المنطقة مفتوحة للبحر فلا يجد فيها السمك الضعيف الحماية الكافية لصد هجمات السمك القوي فهو يعمد إلى الخديعة والحيلة - انظروا إلى هذا الثقب، إن حيوانا لا شك انه مختبئ هنا - ثم أنه ادخل في الثقب طرف عصاه فقفز منه شيء متحرك لم نميز فيه شيئاً - فمد الدكتور يده إلى الماء بخفة وحذر وانتشله منه فكانت دهشتنا كبيرة إذ رأينا سرطاناً بحريا (أبو جلمبو) في حجم الليمونة قد نما على ظهره عشب مائي غطى منه الرأس والأرجل حتى أنه إذا وقف على الأرض أو تعلق بالعشب أو اختبأ في ثقب فأنك لا تفرق بينه وبين قطعة من العشب إلا بعد جهد وأنعام نظر. ثم أنه تقدم ونحن وراءه وقال: في كل خطوة مخلوق عجيب، وفي كل شبر كائن غريب، ولا حصر لعجائب مخلوقاته. فتبارك الله العظيم! ثم ركبنا اللنش فعاد إلى المحطة وقد أنتصف النهار. وفي المقال التالي سنتكلم إن شاء الله عن منابع الزيت ومناجم الفوسفات. الدمرداش محمد -

стр. 3363

العالم المسرحي والسينمائي فن التنكر - لناقد (الرسالة) الفني فن التنكر - أو الماكياج، من أدق الفنون التي تتطلب من الممثل مهارة خاصة، أو خبرة واسعة، ودراية تامة، ذلك لان الممثل يعتمد على تعبيرات وجهه وما يكون لها من التأثير في نفس المتفرج في إبراز الشخصية التي يمثلها، وفي تلوين بعض المشاهد بلون العاطفة التي تناسبها من الغضب أو الرضا، اليأس أو الرجاء، الحب أو البغض، إلى غير ذلك من شتى الانفعالات النفسانية التي تختلج في القلب، ويلجأ الممثل في إظهاره إلى رنة الصوت وطبيعة اللهجة التي يتحدث بها، وبما يأتيه من الحركة المناسبة، هادئة كانت أم عنيفة، ثم بما يلوح على وجهه من الملامح التي تعبر عن هذه العاطفة، ومن هذا المجموع، من الصوت والحركة وملامح الوجه، يستطيع الممثل أن يحدث في نفس المتفرج الأثر الذي يريد، وينقل إليه إحساس الشخصية التي يحيا في تضاعفيها على المسرح. على أن الوجه وما ينطبع عليه من تعبيرات شتى، ما يلوح على صفحته مما يترجم عن خلجات النفس وعواطف القلب، اكبر معوان للممثل في فنه. والممثل القدير قد يعطيك بنظرة ساهمة، أو لمحة خاطفة، مالا تؤديه عشرات الجمل، بل قد يشرح الممثل المؤلف والقصة كلها بهذه النظرة، أو هذه الملامح التي تنطبع على صفحة وجهه في مشهد من مشاهد القصة. اذكر أني يوم قرأت (شمشون) للمؤلف الفرنسي المعروف هنري برنشتين، أستكثر على الزوج أن يضحي ثروته ومركزه الذي ناله بكده وجده، وكان حمالا فأصبح من كبار رجال المال والنفوذ؛ استكثرت عليه أن يضحي كل جهوده حياته في سبيل الانتقام من عشيق زوجته. وطويت الرواية وأنا أقول إن برنيشتين لا يزال يجعل العنف المسرحي غرضا من أغراضه، وشاهدت هذه القصة بعد ذلك من فرقة فرنسية على أحد مسارح القاهرة، ورأيت الممثل الذي قام بدور الزوج في المشهد الرائع الذي يتضمن في تضاعيفه القصة كلها، تراه في هذا الموقف بين اثنتين: أما أن يكف عن طريقته في الانتقام من عشيق امرأته، وإما أن تجرفه العاطفة معه فيسقطان إلى الهاوية معا، وقف الزوج مشدوها لا

стр. 3364

يتحرك، ينتابه ألف عامل وتمر بقلبه ألف عاطفة، وفجأة ينظر إلى غرفة داخلية كان قد احتبس فيها خصمه، ينظر إلى الغرفة فتلمح في نظرته وترى على وجهه من معاني الحقد والثار والغضب ما يفزعك، ثم يصدر أمره إلى أحد رجاله بان يمضي إلى النهاية، النهاية التي فيها الخراب والدمار، وفي هذه النظرة الحاقدة، وفي هذه الملامح التي غمرت الوجه لحظة أو بعض لحظة، ملامح الغضب الكمين والرغبة في الثأر والانتقام الفظيع برّر الممثل ما أخذه الناقد على المؤلف، بل شرح الممثل المؤلف وأعان المتفرج على أنه يفهم كيف أرتضى الزوج أن يهدم حياته كلها في سبيل هذا الانتقام. وأنت إذ تمضي في الطريق ترى عشرات الوجوه، بل المئات بعضها سمح طلق تحس الراحة والطمأنينة بالتطلع اليه، وبعضها قاس عنيف تنفر منه، بعضها تحس أن وراءه طبيعة طيبة وقلبا كريما، وبعضها الآخر تحس أن وراءه خبثا كمينا وشرا مستطيرا، وقد ترى إنسانا لا تعرفه ولم تحتك به في عمل أو حديث، ولا صلة لك به، ثم تهمس في أذن صديقك انظر! هذا رجل ابله، أو هذا رجل طيب، أو هذا رجل شرير، إلى غير ذلك من المعاني التي توحيها إليك ملامح الوجه الذي رأيته. ومن العبارات المألوفة أن تقول عن شخص معين في حديث يدور حوله إن وجها يدل على الطيبة وكرم الأخلاق أو أن ملامح وجهه تدل على أنه شرير خبيث ولن تجد لغة من اللغات تخلو من هذه العبارات التي تتردد على الألسنة والأفلام، فتمر بالسمع أو يقع عليها النظر وكأنها بديهة لا نقاش فيها ولا جدال، وفي العربية من مثل هذا شيء كثير، وفي شعرها ونثرها قديمه وحديثه مطولات في وصف الوجوه على مختلف ما تنبئ عنه ملامحها وقسماتها، وهذا هو الشاعر العربي لم ينس أن يستهل القول في مديح من أراد وصفهم بأنهم (بيض الوجوه. . .). وهذا الحطيئة لما أراد أن يهجو نفسه، هجا وجهه!! ولسنا نمضي في هذا إلى النهاية، فإننا لا نكتب بحثا في الأدب، وكل ما أردناه من هذا الاستطراد أن نقول أن لوجه المرء وما يرتكز عليه من ملامح، أو يمر عليه من تعبيرات، أهمية كبيرة في إعطاء الناظر فكرة خاصة عن صاحبه، سيئة كانت أم حسنة، سواء أكانت هذه الفكرة عن طبيعة الشخصية ذاتها في سائر أطوارها، أم عنها في ظرف خاص ووقت معين، ومن هنا كانت هذه الأهمية الكبرى التي يعلقها فن التمثيل على قوة تعبير الممثل

стр. 3365

بوجهه، ولهذا كان لفن التنكر خطره الذي لا ينكر، فإذا أجاده الممثل أعانه إلى مدى كبير على خلق شخصية دوره خلقا صحيحا مستقيما مع طبيعة الدور، وأعانه على إعطاء المتفرج فكرة حقيقية عن الشخصية التي يقوم بها كما أرادها المؤلف، وكما تفرضها طبيعة القصة، وإذا اخطأ الممثل في تنكره المسرحي ولم يعط الوجه - مستعينا بما لديه من الأدهنة والألوان وغيرها من أدوات التنكر المعروفة - الصورة التي يجب أن يكون عليها، فقد يؤدي به ذلك إلى الفشل المحتوم والسقوط الذي لا مفر منه، بل هذه هي النتيجة التي لا محيص عنها، وضع على وجه اقدر الممثلين وأكفئهم قناعا كثيفا وأخرجه أمام الجمهور المتفرج فلن يرى فيه إلا دمية تتحرك وجثة تروح وتجئ، بعد أن حجبت منيع الحياة، ومرآة القلب والشعور. وفن التنكر من أدق الفنون واشقها، يتطلب خبرة واسعة ودراية كبيرة، حتى ليضطر الممثل الذي يريد أن يحيط به إحاطة تامة أن يدرس تشريح الوجه من الوجهة الطبية ويلم بكل التفاصيل التي تتعلق بهذه الناحية إلماما شاملا. وعليه أن يدرس أيضا إلى جانب هذا مختلف التغيرات التي تطرأ على وجه الإنسان في شتى أطوار حياته وكلما تقدمت به السن. فوجه أبن العشرين ليس كوجه أبن الأربعين أو الستين، كما أن علائم المرض والصحة تترك أثرها على الوجه، وهناك بعض الأمراض تترك آثارا مادية تدل عليها كالجدري مثلا. وإلى اختلاف السن، هناك اختلاف البيئة والمركز الاجتماعي والمعروف أن لكل حرفة طابعا خاصا يميز صاحبها، ولا تخطئ النظرة الدقيقة الخبيرة هذا الطابع على الوجه، وما أظن أن من العسير أن تميز الفلاح من بين المئات ولأول نظرة وفي مقدورك أن تشير إلى أحد المارة فتقول أنه عامل، وتكون مصيبا في قولك صادقا في فراستك، كما تستطيع أن تحكم على معين أنه من الدهماء أو من أوساط الناس أو أثريائهم من ملامح وجهه، ومن العبارات المألوفة قولنا (هذا الشخص تلوح على وجهه آثار النعمة) والتعاسة والشقاء يتركان على الوجه آثار لا تخطئها العين في تلك التجاعيد والغضون ومسحة الألم التي تنبئ عما وراءها من كدر العيش ومرارة الحياة، كما أن السعادة والهناء يخلفان هذه البسطة في الملامح والسماحة في تعبيرات الوجه، تتوجها كلها الابتسامة
следующие страницы →