← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

في الماء: انظروا إلى هذا الأسماك الصغيرة التي تعيش بين الشعب، أليست جميلة حقا؟ إن وصفها يحتاج إلى بلاغة اكبر الكتاب وخيال اعظم الشعراء وريشة امهر المصورين - انظروا إلى حركاتها الرشيقة وهي تتسلل بين الشعب - فهذه اسماك لا يزيد طولها على سنتيمتر ونصف ذات ألوان بديعة براقة بين أزرق وأخضر وبرتقالي وأصفر وأحمر وأرجواني وأسمر، وبعضها نصف جسمه بلون والنصف الأخر بلون، وبعضها مخطط بخطوط واضحة محدودة: أزرق وأبيض، أو أصفر وأسود، وبعضها جسمه رفيع وبعضها جسمه مبطط يكاد أن يكون شفافا. ثم انظروا إلى هذه المحارة العظيمة، أنها من النوع ذوي المصراعين، إنها كذلك تعيش مختبئة هكذا بين المرجان - ثم أن السماكين يخشونها ويحاذرون أن تزل قدم فيسقط أحدهم بين فكيها، فإذا انطبق المصرعان على القدم فانه لا يخرج منهما إلا مهصورا مهشما. ثم انظروا إلى هذا (السجق) الأسود والأبيض، انه كذلك من سكان هذه المنطقة، والصيادون يسمونه خيار البحر، وهو حيان وديع لا يؤذي أحداً، ثم انه يكون عديم الحركة، فهو لا يسعى للقوت بل يكتف بدفع ماء البحر مع الرمل إلى جهازه الهضمي وهو عبارة عن قناة بطول جسمه، فيدخل الماء من طرف ويخرج من الطرف الاخر، والحيوان يكفيه ما في هذا الماء والرمل من موادعضوية حيوانات صغيرة لتكون غذاء له. ثم انظروا إلى هذه السمكة التي تحاول مسرعة أن تختفي منا بين المرجان الأخضر - أنها (الدرمة) أو السمك البالوني - أن لونها يكاد يكون كلون البيئة التي تعيش فيها: - ظهر أخضر وبطن أبيض - ثم أنظروا إلى رأسها الكبير، وخصوص الفم، إلا ترون أن لها منقارا كمنقار الببغاء - ثم انه أمر (خير الله) كبير صيادي المحطة باقتناصها، فبعد دقائق كان يسحبها من الماء، ولم تكد تخرج منه حتى انتفخ جسمها وصار كالكرة الكبيرة (البالون) ثم قال هكذا طبيعتها كلما خرجت من الماء فهذا هواء الجو تضغطه في جسمها فإذا عادت إلى الماء زفرته فيتقلص جسمها كما كان - ثم قال لا تلمسوها بأيديكم لان جسمها مغطى بأهداب بيضاء من مادة لاذعة تحدث في اليد تخديراً. ثم انه أنطلق ونحن في أثره اقبل على بقعة غنية بأنواع المرجان فقال هنا تعيش حيوانات بحرية كثيرة، والجهاد للحياة بينها على اشده، فهي لا تنفك في هجوم ودفاع - إن الغذاء

стр. 3362

هنا وافر ولكن المنطقة مفتوحة للبحر فلا يجد فيها السمك الضعيف الحماية الكافية لصد هجمات السمك القوي فهو يعمد إلى الخديعة والحيلة - انظروا إلى هذا الثقب، إن حيوانا لا شك انه مختبئ هنا - ثم أنه ادخل في الثقب طرف عصاه فقفز منه شيء متحرك لم نميز فيه شيئاً - فمد الدكتور يده إلى الماء بخفة وحذر وانتشله منه فكانت دهشتنا كبيرة إذ رأينا سرطاناً بحريا (أبو جلمبو) في حجم الليمونة قد نما على ظهره عشب مائي غطى منه الرأس والأرجل حتى أنه إذا وقف على الأرض أو تعلق بالعشب أو اختبأ في ثقب فأنك لا تفرق بينه وبين قطعة من العشب إلا بعد جهد وأنعام نظر. ثم أنه تقدم ونحن وراءه وقال: في كل خطوة مخلوق عجيب، وفي كل شبر كائن غريب، ولا حصر لعجائب مخلوقاته. فتبارك الله العظيم! ثم ركبنا اللنش فعاد إلى المحطة وقد أنتصف النهار. وفي المقال التالي سنتكلم إن شاء الله عن منابع الزيت ومناجم الفوسفات. الدمرداش محمد -

стр. 3363

العالم المسرحي والسينمائي فن التنكر - لناقد (الرسالة) الفني فن التنكر - أو الماكياج، من أدق الفنون التي تتطلب من الممثل مهارة خاصة، أو خبرة واسعة، ودراية تامة، ذلك لان الممثل يعتمد على تعبيرات وجهه وما يكون لها من التأثير في نفس المتفرج في إبراز الشخصية التي يمثلها، وفي تلوين بعض المشاهد بلون العاطفة التي تناسبها من الغضب أو الرضا، اليأس أو الرجاء، الحب أو البغض، إلى غير ذلك من شتى الانفعالات النفسانية التي تختلج في القلب، ويلجأ الممثل في إظهاره إلى رنة الصوت وطبيعة اللهجة التي يتحدث بها، وبما يأتيه من الحركة المناسبة، هادئة كانت أم عنيفة، ثم بما يلوح على وجهه من الملامح التي تعبر عن هذه العاطفة، ومن هذا المجموع، من الصوت والحركة وملامح الوجه، يستطيع الممثل أن يحدث في نفس المتفرج الأثر الذي يريد، وينقل إليه إحساس الشخصية التي يحيا في تضاعفيها على المسرح. على أن الوجه وما ينطبع عليه من تعبيرات شتى، ما يلوح على صفحته مما يترجم عن خلجات النفس وعواطف القلب، اكبر معوان للممثل في فنه. والممثل القدير قد يعطيك بنظرة ساهمة، أو لمحة خاطفة، مالا تؤديه عشرات الجمل، بل قد يشرح الممثل المؤلف والقصة كلها بهذه النظرة، أو هذه الملامح التي تنطبع على صفحة وجهه في مشهد من مشاهد القصة. اذكر أني يوم قرأت (شمشون) للمؤلف الفرنسي المعروف هنري برنشتين، أستكثر على الزوج أن يضحي ثروته ومركزه الذي ناله بكده وجده، وكان حمالا فأصبح من كبار رجال المال والنفوذ؛ استكثرت عليه أن يضحي كل جهوده حياته في سبيل الانتقام من عشيق زوجته. وطويت الرواية وأنا أقول إن برنيشتين لا يزال يجعل العنف المسرحي غرضا من أغراضه، وشاهدت هذه القصة بعد ذلك من فرقة فرنسية على أحد مسارح القاهرة، ورأيت الممثل الذي قام بدور الزوج في المشهد الرائع الذي يتضمن في تضاعيفه القصة كلها، تراه في هذا الموقف بين اثنتين: أما أن يكف عن طريقته في الانتقام من عشيق امرأته، وإما أن تجرفه العاطفة معه فيسقطان إلى الهاوية معا، وقف الزوج مشدوها لا

стр. 3364

يتحرك، ينتابه ألف عامل وتمر بقلبه ألف عاطفة، وفجأة ينظر إلى غرفة داخلية كان قد احتبس فيها خصمه، ينظر إلى الغرفة فتلمح في نظرته وترى على وجهه من معاني الحقد والثار والغضب ما يفزعك، ثم يصدر أمره إلى أحد رجاله بان يمضي إلى النهاية، النهاية التي فيها الخراب والدمار، وفي هذه النظرة الحاقدة، وفي هذه الملامح التي غمرت الوجه لحظة أو بعض لحظة، ملامح الغضب الكمين والرغبة في الثأر والانتقام الفظيع برّر الممثل ما أخذه الناقد على المؤلف، بل شرح الممثل المؤلف وأعان المتفرج على أنه يفهم كيف أرتضى الزوج أن يهدم حياته كلها في سبيل هذا الانتقام. وأنت إذ تمضي في الطريق ترى عشرات الوجوه، بل المئات بعضها سمح طلق تحس الراحة والطمأنينة بالتطلع اليه، وبعضها قاس عنيف تنفر منه، بعضها تحس أن وراءه طبيعة طيبة وقلبا كريما، وبعضها الآخر تحس أن وراءه خبثا كمينا وشرا مستطيرا، وقد ترى إنسانا لا تعرفه ولم تحتك به في عمل أو حديث، ولا صلة لك به، ثم تهمس في أذن صديقك انظر! هذا رجل ابله، أو هذا رجل طيب، أو هذا رجل شرير، إلى غير ذلك من المعاني التي توحيها إليك ملامح الوجه الذي رأيته. ومن العبارات المألوفة أن تقول عن شخص معين في حديث يدور حوله إن وجها يدل على الطيبة وكرم الأخلاق أو أن ملامح وجهه تدل على أنه شرير خبيث ولن تجد لغة من اللغات تخلو من هذه العبارات التي تتردد على الألسنة والأفلام، فتمر بالسمع أو يقع عليها النظر وكأنها بديهة لا نقاش فيها ولا جدال، وفي العربية من مثل هذا شيء كثير، وفي شعرها ونثرها قديمه وحديثه مطولات في وصف الوجوه على مختلف ما تنبئ عنه ملامحها وقسماتها، وهذا هو الشاعر العربي لم ينس أن يستهل القول في مديح من أراد وصفهم بأنهم (بيض الوجوه. . .). وهذا الحطيئة لما أراد أن يهجو نفسه، هجا وجهه!! ولسنا نمضي في هذا إلى النهاية، فإننا لا نكتب بحثا في الأدب، وكل ما أردناه من هذا الاستطراد أن نقول أن لوجه المرء وما يرتكز عليه من ملامح، أو يمر عليه من تعبيرات، أهمية كبيرة في إعطاء الناظر فكرة خاصة عن صاحبه، سيئة كانت أم حسنة، سواء أكانت هذه الفكرة عن طبيعة الشخصية ذاتها في سائر أطوارها، أم عنها في ظرف خاص ووقت معين، ومن هنا كانت هذه الأهمية الكبرى التي يعلقها فن التمثيل على قوة تعبير الممثل

стр. 3365

بوجهه، ولهذا كان لفن التنكر خطره الذي لا ينكر، فإذا أجاده الممثل أعانه إلى مدى كبير على خلق شخصية دوره خلقا صحيحا مستقيما مع طبيعة الدور، وأعانه على إعطاء المتفرج فكرة حقيقية عن الشخصية التي يقوم بها كما أرادها المؤلف، وكما تفرضها طبيعة القصة، وإذا اخطأ الممثل في تنكره المسرحي ولم يعط الوجه - مستعينا بما لديه من الأدهنة والألوان وغيرها من أدوات التنكر المعروفة - الصورة التي يجب أن يكون عليها، فقد يؤدي به ذلك إلى الفشل المحتوم والسقوط الذي لا مفر منه، بل هذه هي النتيجة التي لا محيص عنها، وضع على وجه اقدر الممثلين وأكفئهم قناعا كثيفا وأخرجه أمام الجمهور المتفرج فلن يرى فيه إلا دمية تتحرك وجثة تروح وتجئ، بعد أن حجبت منيع الحياة، ومرآة القلب والشعور. وفن التنكر من أدق الفنون واشقها، يتطلب خبرة واسعة ودراية كبيرة، حتى ليضطر الممثل الذي يريد أن يحيط به إحاطة تامة أن يدرس تشريح الوجه من الوجهة الطبية ويلم بكل التفاصيل التي تتعلق بهذه الناحية إلماما شاملا. وعليه أن يدرس أيضا إلى جانب هذا مختلف التغيرات التي تطرأ على وجه الإنسان في شتى أطوار حياته وكلما تقدمت به السن. فوجه أبن العشرين ليس كوجه أبن الأربعين أو الستين، كما أن علائم المرض والصحة تترك أثرها على الوجه، وهناك بعض الأمراض تترك آثارا مادية تدل عليها كالجدري مثلا. وإلى اختلاف السن، هناك اختلاف البيئة والمركز الاجتماعي والمعروف أن لكل حرفة طابعا خاصا يميز صاحبها، ولا تخطئ النظرة الدقيقة الخبيرة هذا الطابع على الوجه، وما أظن أن من العسير أن تميز الفلاح من بين المئات ولأول نظرة وفي مقدورك أن تشير إلى أحد المارة فتقول أنه عامل، وتكون مصيبا في قولك صادقا في فراستك، كما تستطيع أن تحكم على معين أنه من الدهماء أو من أوساط الناس أو أثريائهم من ملامح وجهه، ومن العبارات المألوفة قولنا (هذا الشخص تلوح على وجهه آثار النعمة) والتعاسة والشقاء يتركان على الوجه آثار لا تخطئها العين في تلك التجاعيد والغضون ومسحة الألم التي تنبئ عما وراءها من كدر العيش ومرارة الحياة، كما أن السعادة والهناء يخلفان هذه البسطة في الملامح والسماحة في تعبيرات الوجه، تتوجها كلها الابتسامة

стр. 3366

المشرقة التي تدل على راحة البال وخلو الفؤاد مما يشغله من أكدار الدنيا. وأنت تعرف بعد كل هذا أن للإقليم تأثيره في ملامح الإنسان، بل قد تتعدد السحن والوجوه في الإقليم الواحد والوطن الواحد، فالأوربي غير الآسيوي؛ وفي أوربا الإنجليزي غير الفرنسي، والألماني غير الإيطالي، كما أن فيآسيا الصيني والياباني غير الهندي والتركي والسوري، وفي أفريقيا المصري غير السوداني وهكذا. كذلك يختلف أبناء الوطن الواحد، فالقاهري غير الصعيدي أو الإسكندري مثلا، وقس على ذلك مئات الفروق التي تجدها في هذه الدنيا العريضة، والممثل بحكم مهنته معرض لان يقوم بتمثيل شخصية من هذه الشخصيات المنتشرة على رقعة الأرض، وقد يكون من المستحيل أن تتطلب منه أن يدرس كل هذه الشخصيات الدراسة التفصيلية التي تعينه على تنكره وتكييف ملامح وجهه، بما يعطي الشخصية الطابع الأصيل لها، ولكن من الميسور لديه أن يدرس الشخصية التي سيمثلها الدراسة التي تؤهله لإعطاء المشاهدصورة منها، مستعينا على ذلك بأدوات التنكر التي تحت يده. من هذا يستطيع المرء أن يكون فكرة عامة عن دقة هذا الفن، فن التنكر، وعن العناية التي يتطلبها العمل المسرحي من الممثل حتى يستطيع أن يصور على وجهه الوجه الآخر، وجه الشخصية التي يتقمصها ويؤديها أمام النظارة. ونستطيع بعد هذا أن نتحدث عن فن التنكر من الناحية الفنية العملية مستعينين في ذلك ببعض الصور والرسوم التي تشرح ما نقول. محمد علي حماد -

стр. 3367

النقد الينبوع للدكتور احمد زكي أبو شادي من جد الحياة أن نضحك. ومن جد الحياة أن نعمل ونشقى، وبين الضحك والعمل، تنساب الأيام وتتراكم الأعوام، ويفنى قديم ويعيش جديد، ويقضي قوم وينشأ آخرون. ومن جد الحياة أن يرسم الإنسان نفسه في وقت ضحكه، ومن جد الحياة أن يرسم الإنسان نفسه في وقت عمله، وأن يصور خلجات قلبه القلب، وجموح نفسه الوثابة، ومطامع روحه الهائجة، أو نمثل حياتنا التي هي مسرح نضال بين عواطفنا وعقولنا. فنحن أما عمل لذيذ مفرح، نتمثل فيه الماضي، ونرسم صورته الحائلة بصورة لماعة رائعة، ونخلد فيه ذلك الشبح الباهت بطيف براق فاتن. فيه سحر الحياة وفتونها، وفيه غموضها واسرارها، وفيه جمالها وبهائها، وفيه موسيقاها المتزنة، وأنغامها المتناسقة. إننا نخلق من القتام نوراً، ومن الموات حياة، أو ننتج نتاجا فنيا. إننا نشيد هذه العواطف والاحساسات، التي أوحت بها إلينا الحياة، والتي صبغها الأسى بلونه الأحمر الدامي، أو أيقضها الأمل بعطره وشذاه، أو حركها الأباء والشمم، والغيظ والشفقة، والغضب والرحمة، تلك العواطف التي تتلاعب بعقولنا وأرواحنا، والتي تتحد في دائرة، سمها إن شئت حياة. وان شئت حركة الكون. والفنان إنما خلق ليسجل هذا الشعور الذي يصور وحدة الكون، ولا يستطيع تسجيلها إلا إذا أحس بالكون ذاته، ولا يستطيع أن يحس بالكون إلا إذا كان نفس صافية، تنطبع عليها المشاهد، وتظهر على صفحتها الرؤى، وقد تشابك بعضها ببعض. وقد ارتبطت بروح واحد هو روح التناسب. فهي كالنغمة الموسيقية، مترابطة مؤتلفة متزنة. وعمل الفنان في هذا المجال. هو أن يقف أمام دولاب الزمن الذي يدعس كل شيء فينتشل من تحته رؤى ومشاهد. وعواطف واحساسات، ونوعا من الشعور المبهم الغامض. ونوعا من الإدراك الناقص. اجدر بها أن تبقى لأنها تمثلنا. لأنها قريبة منا شديدة الصلة بنا. إننا نحتفظ بها لنبقى نحن. فهي تخلدنا ونحن تخلدنا فنشعر بها في أدمغتنا، ثم نصورها بألفاظنا وكلماتنا. فنحس أنها قد أتت بسامة فتانة. نحس بنورها المشرق على نفوسنا فيبعث مواتها.

стр. 3368

ويحي رميمها، وقد لا نرسمها بالكلمات، فأن اللغات أضيق من أن تشرح ما في النفوس، قد تستعين بالرسم أو النقش أو الموسيقى أو غير ذلك، فعملنا في سبيل إحيائها ورسمها هو الفن وجزاؤنا منها هو الخلود. فهل الفن الذي يتنفس عنه رجال الفنون في بلادنا من هذا القبيل؟ وهل لي أن أقول واسأل عن الشعر الذي يفيض من قرائح شعراء الزمن أيكون تلك الأداة المادية التي تصور تلك الصور الفتانة التي تمتلك علينا تفكيرنا. وتستبد بنفوسنا؛ أو تلك العواطف المتبدلة المتغيرة التي تستنفد حياتنا، أيكون تلك الأداة المادية التي لها موسيقاها وتوقيعها، والتي نسعى لان نظهر لعيوننا نوعا من الشعور الغامض والإدراك الناقص، لا يدركه إلا القلب الشعري الذي يستمد قوته من الإلهام والعلم والعقل والخيال، كأنه أدراك شامل لما تحويه لحظة من لحظات النعيم أو الشقاء، وبإبراز هذا الشعور الغامض وهذا الإدراك الناقص، في صورة واضحة ناطقة، تامة كاملة فيها حياة وفيها حركة. واذا كان الشعر العصري كما يقول الدكتور أبو شادي في مقدمة ينبوعه (هو لسان حياة العصر، والحياة العصرية ذات صلات شتى بالماضي، وذات تطلع إلى المستقبل، فليس غريبا في الثورة الروحية والفكرية الحاضرة أن يأتي هذا الشعر مزيجا منوعا، لا في مصر وحدها بل في العالم الأدبي بأسره) ويضرب على ذلك المثل بالشاعر الألماني العظيم (إننا لا نجاريه في قوله ولا نجاريه في استشهاده بالشاعر الألماني العظيم، فبينما يشرح ذلك الألماني النبيل عواطفه المتدفقة في نفسه، أو يشرح نفسه الواسعة الفياضة، بأنواع من النظم، نرى الدكتور، لا يرتفع في شعره عن أن ينظم في بعض مناسبات خاصة. وفرق كبير جداً بين هذا الشعر الذي يكاد يكون (شعرا صحفيا) وبين شعر هين المختلف المتناسق، الذي نرى اختلافه في أغراضه وسعتها، والذي تراه يتناسق في الصفات الأولى، التي تتصف بها نفس ذلك الشاعر العبقري، أما أن يجد الدكتور احمد زكي أبو شادية حجة على الناس في مناسباته التي صاغ كل شعره من اجلها فهذه حجة غير واردة كما يقول رجال القانون في بلادنا، ولا ادري أن كانوا يقولون كذلك في مصر. وأنا عالم كل العلم بأن أقوالي قد لا تفيد مع الدكتور الشاعر، لأنه قد قطع عليَّ الطريق في

стр. 3369

مقدمة ديوانه فقال (وإذا كنت أؤمن إيمانا عميقا، بأن الفنون الجميلة من أقوى عوامل السلام ورسول الإنسانية المشتركة. فلست اعني بذلك أن تقديرها شامل في الظروف الحاضرة. فكم تتباين الأذواق، وعلى حد تعبير (بردنز لاهو برمان) (لا يرتقب أن يجيد عزف موسيقى بتهوفن إجادة المتذوق المعجب بها، من ليست لديه إثارة من عواطف بتهوفن) كذلك شأن الشعر وغيره من الفنون الجميلة). والأستاذ أبو شادي يشير إلى أن (ليس محتوما على غير مريديها - أي أشعاره - أن يطلعوا عليها حتى أكون معرضا لمؤاخذتهم إياي) والشاعر يحدث الناس في صراحة ما بعدها صراحة فيقول (نوازع وجدانية، صوفية تحبب ذلك إلى - أي نشر أشعاره - كأنما أنا مكلف برسالة أؤديها) وأبو شادي يقول (إن الشاعر ككل فنان يعمل على تخليد صورة الحياة الفانية، وذكرياتها في النسق الذي يستطيع به استرجاعها لروحه العالمية) وأنا متفق مع الدكتور في هذه الفكرة إلى ابعد حد، مؤمن بالنوازع الوجدانية الصوفية التي تحفز الشاعر العبقري على إذاعة بنات شعره، ولكنني أكاد أكون كافراً بفكرته الأخرى فكرة النقد واطلاع الناس على الشعر. إن هذا الشعر الذي نشره صاحبه قد خرج من يده واصبح ملكا للناس، لقد تنازل لهم الشاعر عنه، فسيقرئون وسيفهمون وقد لا يفهمون كثيراً، وسيؤخذون وينقدون، فما دخل الشاعر هنا، لقد صار هذا الكلام في حكم التاريخ وسيتكلم الناس عنه بما يرضي صاحبه وبما يكره. وأنا باسم هذا الحق المكتسب قد استعرضت الكتاب، ووقفت على مقدمته، وبعد أن قرأت الينبوع من الجلد إلى الجلد بما فيه من مقدمة وتصدير وإلمامه، ودراسات مختلفة. وبما فيه من شعر اختلفت ألوانه، وتباينت أمزجته، وبعد أن أنعمت النظر بما فيه من صور جميلة ملونة تستهوي كثيرا من الناس، وأنعمت النظر مرة أخرى في عنوان الكتاب، وصورته الفنية التي تزين غلافه. آمنت بفكرة واحدة، جسمتها في ذهني قراءة ديوان أبى شادي الجديد. آمنت أن من النادر أن ينتج لإنسان كما يتصور الإنتاج، وأخذت أطبق هذا الحدس على

стр. 3370

نفسي. هل الشعر الذي انظم عقوده، يوافق ما أريد أن افهم من الشعر، ثم رجعت اسأل مرة أخرى، إلا يخطئ الإنسان في تصوير الصورة التي تقوم في ذهنه، ومن ثم سألت نفسي، هل الشعر الذي يفيض من ينبوع أبي شادي يشبه في شيء الشعر الذي يشير إليه في مقدمته،؟ وأنا حائر بين الفكرتين، أو أنا أؤمن بأن لأبي شادي اكثر من شخصية واحدة في الشعر، كما أن له اكثر من شخصية في مناحي الحياة، فقد يكون من الوجهة الشعرية، نظرياً وعملياً، وعمله لا يتفق مع نظرياته، كما نه في الأعمال لا يتمسك بمهنة أو فكرة واحدة، فهو طبيعي وشاعر يحرر وينشر ويقرأ ويطالع ويهتم بالوظيفة والنظم وتربية الحيوان، أكاد أتمثله بصورته الرمزية، والجاهرة أمامه والمبضغ في يد والريشة في الأخرى والآلة الموسيقية إلى جانبه، وفتاة الإلهام تنضو عليه، والنحل من حوله وله أزيز وطنين، ويتمثل أمامي وعيناه في الأفق البعيد واحدة تنظر إلى الشرق ولا ترتفع عن الشرق. وواحدة في الغرب تذهب بنظرها عنه ثم تعود إليه كأنها أبصرت ما يريبها، ولسانه يردد بين هذه النظرات الحائرة شعره المقفى الموزون هو ناظر إلى بلد آبللوخياً، وشاخص ببصره إلى عمرو بن كلثوم يردد معه أقوالا تشبه قوله: قفي قبل التفرق يا ظعينا … نخبرك اليقين وتخبرينا وأنا شاك في أن يكون أبو شادي مجددا ملتوي التجديد، لقد وقف على أدب الغرب ما في ذلك شك، وعرف من أدبالغرب كل غث وسمين، فماله قد ضيق على نفسه كل هذا التضييق وهو يحاول بين العسر وذاك، أن يضع لنفسه مزاجا خاصاً. يتمثل لك فتكاد تنفر منه، لضعفه في التعبير، وتقصيره في التصوير. ثم هو لا شيء من وجهة التفكير. اقرأ معي الينبوع وهي قطعة من الديوان سمي الديوان باسمها يتمثلها في صورة (سكس ابيل) اقرأها جملة. فماذا ترى. . . أنا إلا أرى فيها نظرة صوفية، ولا افهم منها فكرة فلسفية عميقة، هي فكرة عادية بسيطة، من الفكر التي يسميها (بول فاليري) فكرة غير شعرية،. وهي بعد هذا كله، شهوانية مفرطة في الشهوة، تتمثل في بطن أملس، انتصب فوقه جبلان وفي أسفله واد عميق، ربما كانت الفكرة طيبة، ربما كنت تهم علماء الغريزة، ربما كانت تهم رجال النسل، ولكن المادة الصرف، المادة المنتجة الملموسة، المادة التي

стр. 3371

تشبع شهوة الجسم، أو التي تنتج الجسم، المادة التي لا روح فيها. هذه المادة النجسة التي ترى في كثير من النساء، قد لا تعجب ذا النفس الشاعرة، وقد لا تروق في عينيه كثيرا. وأعوذ بالله أن أكون كمن حاول عزف مقطوعة لبتهوفن فما استطاع لأنه لم يتأثر بالمؤثرات التي دفعت بتهوفن إلى تأليف قطعته. لو أن يكون الدكتور كذلك المصور الذي أتيت إليه ليرسمني فشوهني، فلما عاتبته في ذلك. قال هذا تصوير فني وأنا عوذ بالله من أن يكون كلامي لغواً من ناشئ ارعن، يقلق على الدكتور صفاء نفسه. وما عرفته وغيره من إخواننا المصريين، لا أباة على النقد، يثيرون من اجله المعارك. ويتسارعون بسببه إلى الخصام والنزاع. وأنا بعد هذا الذي قمت أسال نفسي. إذا كنت على اتفاق والدكتور من حيث النظرة إلى الشعر كفن من الفنون العالية، أفلا يجدر بي أن اتفق معه على اللغة التي يدون بها هذا الشعر؟ إلا يصدق معي الدكتور أن العلة هي اللغة التي يشتكي منها الشعراء، فهي التي تؤلمهم عند التعبير، وتضيق عنهم أو يضيقون بها عند التصوير، فيداورونها ويتلاعبون بها حتى تأتي طيعة راضية لا تحس فيها ضعفاً، وهل يرى الدكتور معي أن لغته في شعره، ابسط من أن تسمى لغة شعرية، بل أكاد أحس بضعفها في كل بيت من أبيات الينبوع التي تبلغ ألفي بيت ونيفا التمس من الدكتور، أن يقرأ معي قطعة أخرى أو قطعتين. وقعت يدي عليهما من غير تفتيش أو تنقيب. الأولى دنيالفي جب الأسود. أقرا هذا البيت وافهم منه شيئا: جعلوا المليك محرماً … لسوى الميك دعا المسود أظن أن في هذا الكلام ركاكة وتعقيدا. وأظن أن الزمن ليس زمن عبد القاهر الجرجاني. لنعيد النظر في بيت الشعر والفاظه، ولكننا نقول: أن ضعف هذا البيت وغيره من أبيات هذه القطعة اظهر من أن يظهر بل ما تقول في هذا البيت الهزيل من القطعة ذاتها. وكثير على شاكلته؟ أنا في أمان يا مليك … بفضل ربي من ملك أتدري أية مناسبة بين حكمة من ملك ومليك. ما الذي هزها. فأنت مختالة تضع نفسها في آخر البيت لتكمل القافية

стр. 3372

أو قوله في قصيدة العودة صفحة (٣٠) وقفنا في جوار اليم سكرى … كسكر الناظرين إلى الرحيق نرى في البر ألوان التناجي … وفي البحر المشارف والعميق البحر المشارف والعميق، وسكر الناظرين إلى الرحيق، لا يكملها إلا قوله وأبنا أوبة المحزون لكن … بنا طرب من الأدب الحقيقي أو قوله وتمضي الغانيات على تثن … تثنى النور في الجو الصفيق الحق أن الجو الصفيق والأدب الحقيقي. والبحر المشارف والعميق والرحيق إذا زف بعضها إلى بعض خرج شيء ليس في الحسبان هو قصيدة العودة. أنا لا أريد أن اذهب إلى كثير من شعر الديوان فبعض يجزي عن بعض، بل لا أريد أن أطيل الحوار في قضية يراها الدكتور قضية ذوق، وأنا أراها أدبية عربية، تهم الناطقين بالضاد جميعا، فما كانت الكلمات تتلاعب بالشاعر، فتسخره ولا يسخرها، وأنا أومن إيمانا واثقا أن كلمات الشعر يجب أن تكون كالكلام المنزل، لو رفعت كلمة من بيت فلن تجد في اللغة بأجمعها كلمة تحل مكانها وتؤدي المعنى الذي كانت تؤديه الأولى، بل أنا افرق كثيراً من أن توضع الكلمة في غير موضعها فيبخس حقها، ويبخس المعنى حقه بل ما رأى الدكتور في قرط جميل من الماس الفاخر تعلقه أنثى في اسفل ذقنها؟ إنها تشوه جمالها، ويضيع قدر الماس الثمين، فما للدكتور يسوق الكلام فيمواضعه وفي غير مواضعه، بل ما يلجئه إلى كثرة الإنتاج هذه، وللقليل الناضج خير من الكثير الفج، وأنا أرجو أن أكون مخلصا كل الإخلاص في قولي، جريئا كل الجرأة في تعبيري، فقد كفى هذا التبلبل في الأدب العربي، وينهض ولكن ليقعد، ويسير ولكن، إلى الوراء، ينتج الأديب أو الشاعر، ويظن انه فوق النقد، ولو عرف أن النقد سيتناوله في عنف وفي قسوة ما انتج إنتاجا كهذا، ولحاول أن يكون مدققا اكثر مما دقق. حلب (المرتيني)

стр. 3373

العدد ٤١ - بتاريخ: ١٦ - ٠٤ - ١٩٣٤

стр. 3374

مصر في الصباح للدكتور طه حسين ولابد من الكتابة عن (مصر في الصباح) بعد أن كتب صديقي الزيات عن الحالة الحاضرة، فهما عنوانان طالما ترددا في أفواه ثلاثة من الشبان، ظلوا أعواما طوالا يلتقون كل يوم إذا كان الضحى، ثم لا يفترقون حتى يتقدم الليل. وكانوا إذا التقوا أخذوا في فنون من الحديث والقراءة وتناشد الشعر، والاختلاف إلى الدرس، وإطالة المقام في دار الكتب. ودفعوا إلى الوان من الهزل، وضروب من العبث، حتى كانوا مضرب المثل عند اللذين يعرفونهم واللذين لا يعرفونهم من الأزهريين. وكان هؤلاء الشبان الثلاثة قد اتفقوا على الضيق بالدرس الأزهري القديم، والابتهاج بما لم يكن مألوفا في بيئات الأزهر من درس الأدب والعناية به، وقراءة الصحف والإغراق فيها، ومن التطلع إلى ما كان يقوله ويأتيه المثقفون الممتازون، أولئك الذين كانوا يدبجون الفصول في الصحف، يمسون بها السياسة والأخلاق وشؤون الاجتماع. وأولئك الذين كانوا يخطبون في المحافل والمجامع ويتحدثون في الأندية، وتنشر الصحف خطبهم ومحاضراتهم، ويتناقل الناس أحاديثهم ومحاورهم، وتذكر أسمائهم فتمتلئ بها الافواه، وتبتسم لها الشفاه، وتشرق لها الوجوه، ويشتد بها الإعجاب، ويتخذ الشبان أصحابها مثلا عليا لما شئت مما يطمع فيه الشباب من بعد الذكر وارتفاع الشان، والظفر بما يظفر به عظماء الرجال من الإكبار والإجلال. وكان هؤلاء الشبان الثلاثة إذا التقوا وفرغوا من قراءة في كتاب، أو استماع لدرس، أو إنشاد الشعر، أو نظروا أمامهم إلى هؤلاء العظماء المثقفين، فاجلوا واكبروا، ونظروا من حولهم إلى شيوخهم الأزهريين فتفكهوا وتندروا، وأطلقوا ألسنتهم بالفكاهة والنادرة، ولعل من الناس من كان يجلس إليهم ويسمع منهم، ثم ينتقل فيذيع ما سمع، ويملا به هذه الحلقات التي كانت تنحلق من حول الصحن وعند القبلة القديمة أو القبلة الجديدة، وكانت أصداء ذلك ترد عليهم فيفرحون، وكان إنكار ذلك يبلغهم فلا يرتاعون، حتى اقبل ذلك اليوم الذي دار فيه الملاحظون في الازهر، يجمعونهم من دروس الظهر جمعا، ويدفعونهم إلى مجلس الشيخ الأكبر دفعا، ثم يسالون، فمنهم من يجهر ومنهم من يجمجم، ثم ينهرون، فمنهم من يبسم ومنهم من يعبس، ثم يعلن الشيخ إليهم انهم

стр. 3375

مطرودون، وان درسهم الذي كانوا يحبونه موقوف ممنوع، وان شيخهم الذي كانوا يكبرونه مكلف أن يدرس المغنى لابن هشام بدل الكامل للبرد، منفى من الرواق العباسي، مقرون إلى اسطوانة من هذه الأساطين داخل المسجد يختارها له (رضوان). هنالك ضاق الشبان الثلاثة بعض الضيق، وفرقوا بعض التفريق، ثم يلبثوا أن استأنفوا الحياة ومضوا فيها باسمين، يطمحون إلى ما كانوا يطمحون إليه، يسخرون مما كانوا يسخرون منه، حتى ضرب الدهر بينهم بضرباته، كما قال حافظ ﵀ في ترجمة البؤساء، وقد كانوا يعجبون بهذه الجملة إعجاباً شديداً، ويرددونها ترديدا متصلا. وهنالك مضى كل منهم في سبيله، واخذوا لا يلتقون إلا من حين إلى حين، فإذا التقوا كانت ساعات اللقاء أضيق من أن تسع ما كان يضطرب في نفوسهم من الخواطر والآراء والأحاديث. وكانوا في حياتهم تلك، كما كانت الشعوب الأولى في حياتها، أصحاب حس وشعور، وأصحاب قلوب تتأثر، ونفوس تتغنى، وكانت عقولهم غافلة أو كالغافلة، فكانوا ينشئون الشعر وينشدونه، وقلما يفكرون في النثر، فان فكروا فيه قلما يحاولونه، فإن حاولوه فقلما يجيدون. وكانوا لا يخطر لهم موضوع إلا تناولوه مسرعين، فنظموا فيه الشعر وتنافسوا في الاجادة، ولم يتحرجوا من أن ينقد بعضهم بعضا. وكانوا يبلغون من ذلك ما يريدون يجيدون قليلا، ويسيئون كثيرا، ويرضون دائما. وكانوا يحسون انهم ضعاف في النثر، وانهم في حاجة إلى أن يأخذوا منه بحظ، وكان الزيات يحاول أن يقوم من صاحبيه مقام الأستاذ، لانه كان احب منهما للصحف، واكثر منهما عكوفا عليها وإغراقا في قراءتها، ويجب أن نعترف بالحق، فقد كان أوسع منهما صدرا للتجديد، يحب الكتاب المحدثين وما كانوا يحدثون من الآداب، على حين كان صاحباه يكلفان من الأدب بقديمه، بل بأقدمه. كان الزيات يكلف بالمتنبي بين الشعراء القدماء، وكان صاحباه يسخران منه ومن المتنبي، ويكرهان أن يسمعا له حين ينشد شعره البديع. كان الزيات يقرأ المثل السائر، وكان صاحباه لا يعترفان بمن بعد الجاحظ من الكتاب. كان الزيات يؤثر شوقي، وكان صاحباه يؤثران حافظا، ويتعصبان للبارودي، ويسرفان في تقديم الكاظمي عليهم جميعا. كان الزيات إذن يقيم نفسه من صاحبيه مقام الأستاذ في النثر، وكانا لا يتحرجان من أن يقرا له بهذه الأستاذية، فإذا أراد أن يزعمها لنفسه في الشعر كان الجدال والنضال، وكان تذاكر الغرزمة

стр. 3376

وآثار الغرزمة، وكان انتحال الشعر الرديء وحمله عليه وأضافته إليه، وكان انحاله هو للشعر الرديء وحمله على صاحبيه وإضافته إليهما، وكان إنشاد لمثل هذين البيتين: بموسم عاشوراء قد عمت البشرى … وضاءت لنا الأكوان مذ علت الذكرى ونادى المنادي أيها الناس يمموا … ضريح الحسين الشهم تنجوا من الأخرى ولست ادري أي الثلاثة قال هذا الشعر الرائع، أو لعله شائع بينهم جميعاً. ولعل ثالثهم محموداً أن يكون قد حفظ هذا الشعر فيما حفظ من آثار هذا العصر، فقد كان إليه تخليد هذه الآثار التي لم تكن تستحق اقل من الخلود. وفي ذات يوم اقبل الزيات يقترح على صاحبيه التفكير فيما ينبغي لهم في العناية من النثر، ويبين لهما ولنفسه أسباب هذه العناية ومذاهبها، ويرى أن ليس إلى ذلك من سبيل إلا أن يفعل الثلاثة كما يفعل الطلاب في المدارس، حين يعالجون الإنشاء، ويعرض عليهما وعلى نفسه هذين الموضوعين: (الحالة الحاضرة)، و (مصر في الصباح). وكان يقول ذلك جاداً كل الجد، مؤمنا كل الإيمان، وكان صاحباه يسمعان له في موقف بين الجد والهزل، يريدان أن يكتبا ويعلمان انهما لن يستطيعا. فيقدمان ثم يضطران إلى الإحجام، ويستران ضعفهما بالهزل والعبث، ثم يفزعان إلى الشعر فينظمان منه ما شاء الله لهما أن ينظما بين الجيد والسخيف. وكانت الأيام تمضي وتمضي، والأصدقاء يلتقون ويتحدثون في النثر، والزيات يقترح الكتابة في الحالة الحاضرة ومصر في الصباح. وصاحباه يسألانه عن مصر في الصباح كيف هي؟ وماذا يقول فيها فلا يحير جواباً، فيتمثل ثالثنا بهذا البيت الذي كان يغيض الزيات ويحفظه: شيخ لنا من ريبعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس وقد فتح الله على الزيات بعد خمسة وعشرين عاما فكتب في الحالة الحاضرة. ولم يفتح الله عليه ولا على صاحبيه بعد خمسة وعشرين عاماً ليكتبوا عن مصر في الصباح. ولكنه قد كتب على كل حال، فمازال إذن قائما من صاحبيه مقام الأستاذ، ولن يستطيع صاحباه منذ يوم الاثنين الماضي أن يصدماه بهذا البيت: شيخ لنا من ريبعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس

стр. 3377

وإني لأخشى أن يستطيل هو على صاحبيه، وقد عجزا ربع قرن عن أن يكتبا في الحالة الحاضرة، أو يصورا مصر في الصباح، فيصدمهما بهذا البيت بعد أن كان يخافه ويضيق به، ويكره استماعه منهما. ولست ادري أأشفق ثالثنا من هذا النذير فاستعد لهذه الساعة الخطرة التي يلتقي فيها الأصحاب لتصفية الحساب، أم شغل بكتبه وأسفاره عن كل هذا الحديث. أما أنا فاعترف باني فكرت بهذه الساعة، وقدرت إنها ستكون عصيبة محرجة، وأشفقت من هذا الحرج، وحاولت أن احتاط له، واستعد لهجمة الزيات، واربا بنفسي عن أن اسمع منه هذا البيت الذي كنا نخوفه به، فاصبح خليقاً أن يخوفنا به: شيخ لنا من ربيعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس فحاولت منذ أسبوع أن اطرق هذا الموضوع، وان اكتب عن مصر في الصباح، فإذا بلغت من ذلك ما أريد أمنت الزيات وحالفته على صديقنا الثالث، كما كنت أحالف صديقنا الثالث عليه، ثم ذهبنا إلى صاحبنا نسعى إليه مبتسمين، حتى إذا بلغنا مجلسه لم نبدأه بتحية ولا مصافحة ولا حديث، وإنما وضعنا الرسالة بين يديه وفيها الحالة الحاضرة للزيات، وفيها مصر في الصباح لطه حسين. ثم ابدرناه معاً بهذا البيت: شيخ لنا من ريبعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس ثم انصرفنا عنه راجعين وتركناه يغلي كالمرجل. ولكن الله الذي فتح على الزيات فألهمه وصف الحالة الحاضرة لم يفتح علي ولم يلهمني وصف مصر في الصباح. ذلك إن الزيات راغ وزاغ وعدل عما كان يراد منه من وصف تلك الحالة الحاضرة قبل نيف وعشرين سنة إلى وصف هذه الحالة الحاضرة التي نبغضها اشد البغض ونضيق بها اعظم الضيق. وأي الكتاب لا يقدر على أن يصف الحالة الحاضرة الآن؟ وأي الكتاب لا يقدر على أن يجيد في هذا الوصف ويأتي فيه بالأعاجيب؟ ومن يدري؟ لعلي احسن إذا ذهبت إلى صديقنا الثالث فالتقيت في روعة أن الزيات قد ذكر اسمه القديم فراغ وزاغ، ووصف ما لم يكن يراد على وصفه. وإذن فهو مازال عاجزا كصاحبيه، وإذن فما زلنا ننتظر من يصف الحالة الحاضرة ويصور مصر في الصباح.

стр. 3378

أما أنا فلم اشك في أن مصر في الصباح موضوع خطير لابد من الكتابة فيه، ولكن أي مصر، أهي مصري أنا أم مصر الزيات أم مصر صديقنا محمود؟ فقد كانت لنا أمصار ثلاث مختلفة فيما بينها اختلاف غير قليل. كانت مصري أنا تبتدئ في ربع من ربوع حوش عطى، وتنتهي إلى الأزهر الشريف مارة بمشهد الحسين والحلوجي بعد أن يقطع السالك إلى هذا المشهد الكريم إحدى طريقين: حارة الوطاويط، أو شارع خان جعفر. وأما مصر محمود فكانت تبتدئ في الظاهر في حارة ضيقة قريبة من بيت الشيخ الانبابي ﵀، وتنتهي إلى الأزهر الشريف مارة بما شئت من الطرق التي تستقيم إن أردت لها أن تستقيم، وتلتوي إن أحببت لها الالتواء. وأما مصر الزيات فكانت تبتدئ في حارة ضيقة على قلعة الكبش، ثم تنحدر إلى شارع لا اذكر اسمه، ولكنه ينتهي إلى مسجد السيدة زينب. ثم تصل بعد ذلك إلى الأزهر من طرق تستطيع أن تستقيم وتستطيع أن تلتوي، تستطيع أن تقصر وتستطيع أن تطول. فأي هذه الأمصار الثلاث اصف؟ وعن أي الأمصار الثلاث اتحدث؟ فاما مصري أنا فقد كانت حلوة لذيذة في الصباح، ولكنها لم تكن تعجب الزيات، ولم تكن تلذ لمحمود. كان يوقضني فيها مع الفجر صوتان: أحدهما صوت المؤذن الذي كان يدعو إلى الصلاة في جامع بيبرس، والآخر صوت جارنا الشيخ الذي كان شافعيا موسوسا، ينفق نصف ساعة في إقامة الصلاة: ال. . . ال. . . الله الله. . ال. . الله اكبر، ثم يبدو له فيخرج من الصلاة أو يستأنف الدخول فيها: أل. . أل. . الله. . الله. . أل. . . الله اكبر ثم يمضي في صلاته حتى يتم الفاتحة أو يكاد وإذا هو يخرج ويستأنف الدخول فيها. وما يزال يقبل ويدبر، ثم يبدأ ويعيد، ثم يقيم الصلاة ويستأنف أقامتها حتى إذا أشفق من فوات الوقت عزم امره، وهجم على صلاته فاقتحمها اقتحاما ثم مضى إلى درسه في الأزهر الشريف. استغفر الله فقد نسيت صوتا ثالثا كان يوقظني في السحر لا في الفجر صوت ذلك الشيخ الظريف الذي لم يكن عالما ولا شيء يشبه العالم، وإنما كان تاجرا اعرض عن التجارة، وانقطع للفكاهة والضحك في النهار، وللصلاة والنسك في لليل. فإذا اقبل السحر خرج من غرفته يهمهم ويجمجم ويضرب الأرض بعكاز غليظ، ويبعث في الجو صوتا هائلا رائعا يحمل جملاً متقطعة من الورد الذي كان يبدأه في غرفته ليتمه، ثم يستأنفه في مسجد

стр. 3379

الحسين، حتى إذا صلى الصبح عاد هادئا مطمئنا قد خف وقع عكازه على الأرض، وخف ارتفاع صوته في الجو، لان الذين كانوا نياما في السحر قد اصبحوا إيقاضاً حين ارتفعت الشمس. استغفر الله، وقد نسيت أصواتاً أخرى، كانت تنبعث بعد أن ينقطع صوت المؤذن: فهذا سائق عربة قد اقبل يحل خيله أو يحل حماره الذي عقله تحت النافذة. وهذه (حمدة) التي كانت تبيع الوان الفاكهة على اختلافها باختلاف الفصول تفرضها علينا نحن المجاورين فرضا. فأما اشترينا وأما تعرضنا لغضبها، وويل لمن كان يتعرض لغضب (حمدة) فقد كان عنيفا مخيفا يضطرب له الربع ويزلزل له حوش عطى زلزالاً!! على هذه الأصوات كنت استقبل مصرا، وكانت تستقبلني مصر في الصباح، فإذا هبطت من الربع ومضيت إلى مدخل حوش عطى، فهذا صاحب القهوة قد افاق، وهو يحك عينه من بقية النعاس، ويهيئ (الجوزة) للحاج فيروز، فإذا مضيت قليلا فهذه الحوانيت تستيقظ شيئا فشيئا، وهؤلاء باعة الفول والبليلة والطعمية قد ازدحم من حولهم الناس، حتى إذا تقدمت بعض، الشيء عطفت ذات الشمال ان كنت مستعجلا، فمضيت من حارة الوطاويط، حيث اقذر مكان خلقه الله، وحيث اعظم الناس حظا من البؤس رجالا ونساءً، قد جلسوا في اقبح شكل وأبشعه يسألون الناس. وان كنت مستانياً عطفت ذات اليمين، فمضيت من خان جعفر، وانتهيت على كل حال إلى شارع الحسين، ثم المفارق الأربعة ثم انغمست في شارع الحلوجي، ثم دفعت إلى باب المزينين. هذه مصري التي كان الزيات يريدني على أن أصورها له في الصباح واقسم لو فعلت لنفر مني وهزأ بي وازور عني ازورارا. ولكني واثق الآن باني حين أتحدث إليه عنها أثير في نفسه عواطف يحبها وأحلاماً يرضاها وابلغ من استحسانه ما اقصر عنه من غير شك لو أني صورت له مصر في الصباح هذه التي تبتدئ من داري في الزمالك، وتنتهي عند الكوكب في عابدين. ان الزيات ليحسن اعظم الإحسان لو انه وصف لنا مصره في الصباح، تلك التي كانت تبتدئ من قلعة الكبش، وتنتهي إلى الازهر، وانما محمودا ليحسن اعظم الإحسان لو انه وصف لنا مصره في الصباح، تلك التي كانت تبتدئ في ظاهر القاهرة المعزية، كما كان يقول، وتنتهي إلى الأزهر، فأما مصرهما الأخرى هذه التي تبتدئ في شبرا وتنتهي عند

стр. 3380

الرسالة، أو عند قبة الغوري، فلسنا في حاجة إليها الان، وقد يحتاج إليها أبنائنا بعد ربع قرن، كما نحتاج نحن إلى أمصارنا تلك العزيزة في أيامنا هذه. طه حسين

стр. 3381

مختار مريض للأستاذ مصطفى عبد الرازق لقيت مختارا أول ما لقيته في باريس عندما ذهب إليها لإكمال دراسته في (مدرسة الفنون الجميلة). كنا جماعة من الشبان المصريين نسمر في بعض قهوات (الحي اللاتيني) والحي اللاتيني يومئذ مجمع الطلاب ومسرح الشباب، فهبط علينا فتى اسمر اللون رقيق الجسم، فيه وداعة وفيه حياء، تعرف من سحنته ومن سمته ومن حديثه انه ريفي، وتلمح في نظراته التائهة أن استعداده الفطري يوجه بصره إلى مرمى بعيد، ذلك الفتى هو (محمود مختار) وقد اخذ يعرض علينا أوراقا كان يرسم فيها أبطالاً من العرب كخالد بن الوليد وغيره ممن حفظ التاريخ فعالهم ولم يحفظ مثالهم. وكنا كلما اجتمعنا بعد ذلك بمختار في الحي اللاتيني، طالعنا بثمرات عمله، وحدثنا في فنه الذي يكب عليه، ويوجه كل همه إليه، فأحببنا مختارا لما في شمائله من البساطة والتواضع والصفاء، وأحببناه لشغفه بفنه الجميل، ولما توسمنا فيه من مخايل النبوغ. ثم غمر الفن مختاراً واستحوذت عليه الأوساط الفنية، وغمرتنا في الحياة شؤون اخر، فافترقنا زماناً، وسمعت ذكر مختار حين برزت آثاره الفنية في الميدان، وعرضت في معارض الفن في باريس، فنالت من أسنى الجوائز وشهد لها بالبراعة كبار النقاد. وسمعت ذكر مختار حين صور لنهضة مصر تمثالا تجمع فيه للوثوب أبو الهول حتى كاد ينتفض انتفاضا، فهتفت مصر كلها باسم النابغة مختار. رأيت النابغة مختاراً فإذا الشاب النحيف الأمرد، قد استوى رجلا مفتولا اصلع الهامة، طويل اللحية، عريض الصوت ضخم الملامح، طبعه الفن بطابعه، وألقى عليه من حب الجمال وفهمه جاذبية أيهل الجمال، ديمقراطي النزعة، أرستقراطي الذوق، يعجبك حديثه وجدله، وإن كان حديد الطبع سريع الرضا والغضب، في نفسه فيض من الصبى والمرح، كأنما هو على مر السنين يزيد. منذ ذلك العهد تكررت فرص لقائنا في السفر والحضر، فشهدت مختارا في عمله جاهدا مثابرا مجدا، حتى حسبته لا يعرف اللهو، وشدت مختارا لاهيا مرحا، حتى ظننته لا يدري

стр. 3382

مالجد، وبلوته صديقا وفيا، ووطنيا مخلصا، وعرفت من جانب حياته دلائل بر وشهامة، وصبر وكرامة، في شدة الحياة وفي رخائها. ولقد يخيل إلى الناس أن مختارا لم تنله في حياته شدة. ذلك بأنه صبور على أحداث الحياة، لا يغيره عسر ولا رخاء. ولعلك لو اطلعت على مختار اليوم وهو في سرير المرض لوجدته باسما صبورا. ولو انه كان يقوى على الضحك لملا الدنيا كعادته ضحكا برغم أوجاعه ووحدته الموحشة. الأستاذ مختار، هو صاحب (نهضة مصر) أول تمثال في تاريخنا الحديث صنعه مصري، وهو الذي أبدع للفلاحة المصرية تماثيل لا يستطيع إبداعها إلا فنان ماهر، أنبته الريف المصري، وغذاه بمائه وهوائه. لقد قالوا إن في تمثال النهضة مآخذ: منها انه ضئيل فوق قاعدته الضخمة: وان حجاب الفتاة وتناسب أعضائها، وموقع يدها من أبى الهول لا يحقق ما يشتهي الفن. ليكن كل ما يقولون صحيحا! فهل سلم من النقد اثر من آثار المجهود الإنساني في القديم والحديث؟ إن الأنظار ستصقل على مر السنين هذا التمثال العظيم القائم في ميدان المحطة رمزا وطنيا خالصا لمصر، وسيبقى اسم مختار في ديوان مجدنا القومي عنوانا لنهضة الفن الجميل في وادي النيل. بذل مختار شبابه وقوته للفن ولمجد مصر من ناحية الفن. وقد يكون المرض الذي يعانيه الآن من آثار جهده المضيء. في بعض حجرات (المستشفى الفرنسي) بالعباسية، يقيم مختار منذ اشتدت به العلة، وصار في حاجة إلى علاج يقظ متواصل، والى راحة لا يجدها المريض إلا في المستشفيات، وإذا كان عواد مختار قليلين، فقد يكون هو في شغل بأوصابه عن كثرة الزوار وقلتهم، وعن وفاء الناس وتقصيرهم، لكن علينا جميعا أن نحف بكل ما في قلوبنا من عطف وبر سرير ذلك المريض العزيز، تحية لعبقريته وتكريما لمجده الفني، وابتهالا إلى الله العلي ينجيه من براثن الداء، ويكتب له العافية والشفاء.

стр. 3383

مقبرة عائمة للدكتور احمد زكي ليست هذه حكاية من صنع الخيال، ولكنها واقعة صدق، أرويها عن راوية صادق ورجل مسئول: سكيم وحكيم شابان من أهل الإمبراطورية السماوية المقدسة التي يسميها أهل هذه الدنيا غير المقدسة ببلاد الصين، نشآ في قرية من قرى مديرية (كانتون) ولازماها حتى بلغا سن الشباب الأول، سن العشرين، هذا باحتساب دوران الأرض واختلاف الليل والنهار، فانك كنت تراهما فتحسبهما بلغا الثلاثين أو فاتاها، وتحدق في وجهيهما الكالحين مليا فتجدهما مثقلين بهموم الأربعين والخمسين. وتلك المسحة الحزينة الكلحاء تجدها حيثما ضربت في بلاد الله فالتقيت بصبي شاب أو شيخ، دائما أبداً ذلك الوجه النحيل الشاحب المسكين الذي تكاد تقطر منه الصفرة والألم. اشترك سكيم وحكيم مع شباب أمتهم في حمل ذلك الوجه الكالح والحزين، وزاده كلاحة وحزنا فروض ثقيلة يفرضها الآباء من يوم يخلقون، فالابن دائما في طاعة أبويه ومن متاعهما، لقن صغيرا انه إنما خلق لخدمتهما وترفيهما وكسب معاشهما، وان وجوده في هذا العالم لا يبرره إلا التضحية لها بالنفس والنفائس. وذات مساء ذهبا إلى حانوت القرية الصغير يشتريان من الأفيون أطيبه وأنضجه، ويتخيران منه أكثره تسكينا للطبع الثائر وتخديرا للمزاج الحاد، فقد كان اتفق في تلك الليلة أن أبويهما لم يكونا على أطيب حال وارحب بال، فالتقيا هنالك بعد غيبة أيام قليلة ملاتهما بالشوق الكثير، فرحب حكيم بسكيم، ورحب سكيم بحكيم، وتساءلا مليا في أدب كثير عن صحة أبويهما، ولما بلغا من ذلك ما طمأن بالهما وأقر خوفهما، انتقلا يصفان الزمن السيئ ويشكوان ضيق الحال، ويتأسفان على ما حاق بالقرية من الفقر والجوع وكان إلى جانبهما رجل من أهل الصفرة كذلك، إلا انه سمين بدين، وقد اضطجع على فراش من فرش الحانوت يهيئ لنفسه تدخيني الأفيون، وكان يستمع للشابين وشكاتهما، فلما بلغا من الحديث ما بلغا، شاء أن يتدخل فيأخذ بطرف من حديثهما فقال: - نعم صديقي، إن في الزمن سوءاً، وان في الحال ضيقا، وكيف تقنع الروح فتهدا وتخلد للسلام والمعدة فارغة؟

стр. 3384

فابتدره الصديقان: - هذا حق. هذا حق لا مراء فيه ثم أخذا يتساران: - إن هذا الغريب المحترم لابد ان يكون فيلسوفا كبيرا لانه يتكلم بلغة الحكماء وجرى الحديث بينهما وبين الحكيم المحترم، وبعد تحية تتلوها تحية، وشكوى منهما يتلوها تامين منه، وبعد ان ذكرا للغريب مرارا انهما وضيعان وحقيران لا يساويان خردلتين، تراءى للفيلسوف أن يفتح لهما عيبة حكمته ويدلهما على أقوم السبل واقر بهما للعناية بآبائهما الأشياخ حتى تنفرج الأزمة الحاضرة فذكر لهما جزيرة في ناحية من نواحي البحر المحيط يسكنها شياطين شقر من الهولانديين يقومون فيها بزراعة الطباق في مساحات مديدة واسعة، ويستخدمون فيها الشبان فيعطونهم أجور لا تتحقق إلا في الاحلام، هذا بشرطين: أولهما أن يكون الشاب قادرا ماهرا، وثانيهما ان يكون له الحظ المجدود الذي ييسر له الخدمة لدى هؤلاء الشقر. وذكر لهما انهما لابد مجدودان لأنهما وقعا غي سبيله، وانه هو أيضاً مجدود باستطاعته إسداء الخير لهما على هذا النحو. وكان في حديث هذا الفيلسوف عذوبة، كانت كلماته ملساء تنزلق في سهولة من بين شفتين ملساوين، ولا بدع فصاحبنا كانت تفرض عليه صناعته حذق الكلام وموادعة القلوب ومصانعة الإفهام، فهو رجل من الرجال المغامرين، الذين كانوا يجوسون خلال الريف يتصيدون الشباب البريء الساذج يبعثون به إلى وكلائهم بالموانئ ليرحلوهم في طلب العمل وراء البحر إلى حيث تشتري الأبدان اغتصابا لقاء كراء دنيء وعيش رقيق. ولما كان في طبع الصيني ارتياب، وفيه كذلك حب المساعرة والممارسة، لم يطمئن سكيم ولم يطمئن حكيم إلى قبول الدعوى في الليلة الأولى من عرضها، وآثرا انتظار الغد، فالغد الذي يليه وانتهيا أخيراً إلى أن بلعا الطعم كما بلعه قبلهما ألوف وبثمن بخس، بخمسة وثلاثين دولارا فضة، باعا الجسم والروح وفي صبيحة يوم كان سكيم وحكيم يدقان بأقدامهما تراب الطريق إلى ميناء (كانتون) وهو ميناء في الشرق الأقصى في ذكر اسمه غناء عن سوء وصفه وشناعة الأمور التي تجري فيه، ولما بلغاه سيقا كالغنام في قطيع كبير من الضحايا إلى سفينة صينية عتيقة عرفت البحار طرازها منذ خمسة قرون. وكانت

стр. 3385

سيئة النظام فاسدة التقسيم عاطلة من كل أدوات الراحة ووسائل العيش، لا أقول الرفيه، ولكن اللازم للتميز بينه وبين عيش الأنعام وسائر الحيوان. دخل شباب الصين إلى السفينة الصغيرة وكانوا خمسين ومائة رجل فملأوا طابقيها حتى ضاقا بهم، ولكن لم يظهر عليهم انهم ضاقوا بهما، وكيف يضيق الصيني بشيء وهو من أمة يرى الرجل فيها صنوف الكرب تحل به بأهله، وألوان الخسف والعذاب تنزل بغيره وبأهل غيره، وهو يحدق إلى هذه والى تلك بعين تنظر ولا ترى، ومقلة إن أدركت من الصور مبناها فقد فاتها معناها. وتحركت السفينة باسم عزريل مجراها والى جهنم مرساها. وبتحركها بدأت تتحرك الأمور. فالبحر أخذ يدور فدارت معه نفوس الراكبين - في الأمم المتحضرة يذهب دوار البحر بوقار الناس، وهم يعلمون ذلك من أنفسهم فيحرصون على حرمتها فيتقون ما يقع لهم من ذلك بالتخفي والتستر، أما أصحابنا فلم يعرفوا للوقار اسما ولا لحرمة النفس معنى، ولو انهم علموا من ذلك ما علم غيرهم لما أغناهم علمهم شيئا، فلم يكن في السفينة موضع فاضل، فكيف بمكان ساتر، وما حاجة الصيني العامل المسترق للستر والخفاء، فمضت أيام ثلاثة، اختلط فيها الإنسان والمتاع والمكان، بمقذوفات الحلوق في جو امتلأ فسادا وتنضح سماً. وصحا الجو في اليوم الرابع فرفع الرجال رؤوسهم وقاموا إلى وجبة من سمك وأرز، الارجلين بقيا بلا حراك على ظهر السفينة. ومن اجل هذين اجتمع ربان السفينة بوكيله اجتماعاً سريعاً فقررا أن الرجلين يحتضران، وانه لابد ألا يموتا في السفينة فيجلبا لها الشؤم والخراب. وكان من عادة أمثال هذه السفن أن ترسى على شواطئ غير أهلة طلبا للوقود الرخيص الذي يفر إليها هربا من الضريبة. وفي أول إرساءة انزل الرجلان ففرحا لذلك فرحا كبيرا، ولكنهما ما لبثا أن أدركا انهما نزلا إلى ارض لا أنس فيها ولا عون بل فيها المرض المتصل والمرض البطيء. فبكيا واستغاثا يطلبان العودة إلى السفينة، ورفعا أيديهما عبثا بالرجاء والدعاء. وأقلعت السفينة بدونهما. وعلم الرجال الذين بها ان هذا مآل كل من يسقط منهم هذه السقطة، ولكن لم يتحرك فيهم بنان باحتجاج أو لسان بكلمة دفاعا عن هذين البائسين، وكيف يقع من أحدهم شيء فيه إفساد لمغامرة مالية تعود على نفسه وأهلة بالنعمة والثراء؟ وما هذه بأول مرة بردت فيها المنافع الذاتية الدم الإنساني في موقف

стр. 3386

كان من طبعه أن يغلي فيه ويفور. سارت السفينة مع الريح جنوبا، وكان يهب من الشمال شديدا، فسرعان ما بلغت أرخبيلاً يقع إلى الجانب الأدنى من بوغاز (مالقة) فانقلب اتجاه الريح فاصبح حاراً لافحا، وبدأ العطش يأخذ من الرجال فاستنفذوا صهريج ماء كامل. وفتحوا الصهريج الثاني وبفتحته انفتحت طاقة من جهنم. ففي مساء ذلك اليوم مرض ثلاثة من الرجال مرضا مفاجئا، وماتوا موتا سريعا فلم يمهلوا ربان السفينة ليفعل بهم ما اعتاد ان يفعله بالمرضى إذا قل فيهم الرجاء. فاستاء الربان وتشاءم وتربص شرا. وقذف الرجال الأحياء بالرجال الأموات من فوق ظهر السفينة إلى البحر، إلى أفواه القروش التابعة، ووحوش الأقيانوس السابحة، وكان في وجوههم جزع، وفي عيونهم رعب، وكانت في الجثث بشاعة وشناعة. في الصين يعيش الناس في فقر مدقع وجهالة سوداء، وهذان يلدان القذارة فإذا حلت الهيضة (الكوليرا) بهم راعتهم اشد الروع فان كانوا على الأرض فروا منها وتفرقوا سراعًا في كل صوب، وفرقوا معهم عدوى المرض في كل ناحية، وان كانوا حيث لا مفر ولا منجاة استسلموا استسلاما كاملا، واشتد بهم الخوف فجمدوا عن الحركة وهذا ما حدث لسكيم وحكيم وأصحابهما على تلك السفينة المشئومة، فانهم جميعهم جلسوا القرفصاء ودلوا وجوههم بين أرجلهم يحدقون في الأرض تحديقا شديدا كأنما يريدون خرقها بانظارهم، وهم إنما يفكرون فيمن تكون عليه النوبة التالية، وبأي اسم يهتف الهاتف عن قريب. ولم يطل تفكيرهم طويلا، فما انتصف النهار التالي حتى أجاب الهاتف منهم ستة رجال، وما جاءت العشية حتى زاد هؤلاء عشرة آخرين. وجاء النهار مرة أخرى وجاءت شمسه، وأخذت تصب على السفينة أشعة لا من ضياء لطيف ولكن حمما من النار، وكان من حولها البحر هادئا ساكنا كأنه صفحة الزجاج، تشقه السفينة بصدرها فيسمع انشقاقه واضحا في هذا السكوت الرهيب. وزاد جدول المرضى وطال، وتحرك الريح فزادت سرعة السفينة، وما لبثت أن تراءت لها شواطئ جزيرة (سومطرا) وكان البحارة خمسة فمات منهم ثلاثة. ومات اكثر الركاب أو كانوا في سبيل الموت، وأحدق الأحياء إلى الأرض البعيدة، إلى الأمل النائي، إلى الحياة

стр. 3387

من بعد أن ذهب رجاؤهم في الحياة. وكان من بينهم نفر ذهب الرعب بصوابهم فزادوا الحال خبالا وعلم الربان أن السلطات لن تسمح بدخوله المرفأ الذي كان يطلبه على هذا الحال، فنكب عنه، وسار بحذاء الشاطئ يطلب مرسى آخر، وبعد ساعات وصل إلى ميناء صغير لهولاندا. وازدحم الرجال على ظهر السفينة، وفي عيونهم بريق الأمل، وفيها كذلك بريق الدموع. ولكن كان الربان اضطر إلى ان يستعين على قيادة السفينة بأيد تعوزها الخبرة وينقصها المران، فلم يستقم سيرها، وظهر كانتا لا تعرف إن تميل ولا إلى أين تقصد، أو كأنها تدري ولكن لأمر ما تخشى وتخاف. فأثار ذلك الريبة في موظفي الميناء فخرج إليها ضابط هولاندي في قارب ومعه بعض الجند، فلما بلغ صاح مترجمه الصيني إلى رجال السفينة يسأل ما بها. فصمت الجميع ونطقت الجثث المترامية على ظهرها. فصرخ الضابط: (إنها الكوليرا. الكوليرا السوداء. لا سماح بالنزول وإلا هلك من في الجزيرة جميعا. يا مترجم. صح بهم أن لا أمل في النزول. وانهم إن أبو نسفت السفينة بمن بها). فكان بالسفينة هرج، وفيها مرج شديد، واصطفت تلك الوجوه الجوفاء الشاحبة تطل على القارب تبكي وترجو في ذعر ودهش من ان تبلغ القسوة هذا المبلغ من الإنسان. وتحول الضابط بنظره عنها وفي قلبه إحساس قوي اليم بأنه إنما حكم بالموت على هؤلاء التعسين، ولكنها الأوامر لم يكن باستطاعته مخالفتها، وغير ذلك فلم يكن في الميناء محجر صحي ينزل هؤلاء الأشقياء فيه واجتمع الربان بوكيله، واعتزما أن يعبرا البوغاز إلى الشاطئ الآخر يحاولون النزول على شاطئ الملايا كان هذا آخر أملهم فتمسك الرجال به تمسك الغريق بقطعة خشب عائمة، فقام من استطاع منهم بالمعونة لنصل السفينة سريعا إلى منزل الخلاص. وجاء الليل فمرض الوكيل وذهب. وجاء دور حكيم فدافع المرض بقدر ما في جسمه من قوة، ومر بكل أدوار الوباء وآلامه. ونظر إلى صديقه سكيم والداء يملؤه، يرجوا ويسترحم ويطلب تخليصه، ولكن سكيما فر، فحكيم لم يكن في تلك الساعة صديق طفولته وصباه الذي كان يعرف، ولكنه رجل يزفر الموت في أنفاسه وجمع القبطان رجاله، وذكر

стр. 3388

لهم ان الخير في تجريد السفينة مما عليها من الأشلاء، وفي تنظيفها من مظاهر الوباء، وفي التخفي وفي التستر لكي يسمح لهم بنزول الشواطئ. فبدءوا في رمي الجثث إلى البحر بسواعد تضطرب، وفرائص ترتعد. وجاء دور الجثث التي لم تمت بعد، فنظر إليها الرجال ولم يمدوا إليها يدا، ونظروا إلى الربان يستنبئون، فصاح بهم: لابد من إزالة كل اثر فقذفوا بأجساد لا تزال بها حرارة الحياة. وكان حكيم لم يمت بعد، فاسترحم واستغاث. ومرت رعدة شديدة في ظهر سكيم لما رآه يقذف إلى الماء. ولكنه لم يفعل شيئاً. دبر الربان ودبر القدر، فحدث ما لم يكن ينتظر. سكنت الريح وكان تيار الماء قويا في هذه المنطقة فحمل السفينة معه، وحمل معها الجثث التي قذفت بها، فسارت حولها في موكب مريع، وازدحم الرجال على السفينة ينظرون إلى الرجال الذين يرقصون في الماء. ونظر سكيم فيما نظر صديقه حكيما يصعد في البحر وفي فمه صياح وفيه إزباد وارغاء، ثم يغطس غطسة فسرتها ست من زعانف سوداء، أكلت (القروش) حتى شبعت، ومع ذلك بقيت على المائدة بقية صحبت السفينة حتى بلغت ميناء (كلانج). وكان البرق قد طير خبر السفينة إلى (سنغافورة) فخرج رجال الميناء يطلبونها. فأقبلت تتهادى في ثقة من النزول هذه المرة لأنها تخلصت من آثار الوباء أو خالت أنها تخلصت منه، ولكن حال الرجال التي حملت كانت تنم عن كثير، وغير هذا فقد دخلت تجرر في أذيالها على الماء من بقايا الأموات وثائق حية تعلن التهمة للرياح الأربع فأحاط بها الجند من كل ناحية، وساقوها إلى جزيرة العزل، أما الأموات فدفنوهم مع كثير من الجير، وأما البقية القليلة الباقية فمركزوهم في نطاق مضروب، ومرضوهم فمات منهم ثلاثة، وخرج الباقون بعد حين في ذهول كبير، إلى الدنيا بلا خوف، إلى الأرض الجامدة الواسعة الامينة، يستقبلون حياة جديدة وأملاً جديداً. وكان كلما نظر ناظر منهم إلى خلفه اقشعر. احمد زكي

стр. 3389

الانقلاب الجمهوري في إسبانيا ١ - إسباني ما قبل الحرب بقلم الأستاذ محمد عبد الله عنان تعاني إسبانيا الجمهورية منذ قيامها أزمات ومتاعب متوالية، وتتعاقب فيها القلاقل والاضطرابات المختلفة. وقد استطاعت حكومة السينور ليرو الأخيرة التي قامت بعد أزمة وزارية طويلة أن تسيطر على الموقف نوعاً. ولكن استنادها إلى العناصر الفاشية والمحافظة يثير سخط الأحزاب الاشتراكية والمتطرفة ويذكى النضال الخالد بين الجبهة الثورية. وتتنازع إسبانيا فوق ذلك قوتان أخريان: هما قوة الملوكية، وقوة الكثلكة. وقد قامت الجمهورية الإسبانية الفتيه على أنقاض الملوكية والقوى الدينية التي تحركها. ولكن فلول الملوكية مازالت تنبث في إسبانيا وتعمل في الداخل والخارج لإثارة الصعاب في وجه الجمهورية، وما زالت قوى الكثلكة رغم انهيارها تحاول النهوض والعمل لاسترداد نفوذها وسلطانها. وما زالت الجمهورية قويه تقبض على ناصية الحوادث، ولكن الخلاف الذي يضطرم دائماً بين العناصر الجمهورية والحرة، وبينها وبين العناصر المتطرفة والثورية من جهة أخرى، يزيد في متاعبها ويعرضها لأخطار شتى. قامت الجمهورية الإسبانية منذ ثلاث أعوام، في إبريل سنه ١٩٣١ نتيجة لنضال ديمقراطية ثائرة تضطرم منذ أعوام طويلة. ولكن الديمقراطية الإسبانية قديمة ترجع إلى اكثر من قرن. وقد ظفرت إسبانيا بدستورها الحديث سنة ١٨١٢، أثناء الحروب البونابارتية، وهو الدستور الذي وضعته جمعية وطنيه في قادس، ووعد فرديناند ملكها المنفي يومئذ باحترامه، ولكنه لما عاد إلى إسبانيا بعد ذلك بعامين على اثر انتهاء الحروب البونابارتية، عمل على توطيد الملوكية المطلقة وانتقاص الحريات والحقوق الدستوريه، فعاد الشعب الإسباني إلى الثورة في سنة ١٨٢٠، واضطر فرديناند إلى الاعتراف بالدستور كرة أخرى ن ولكنه لم يلبث أن عاد إلى انتهاكه، وعاونته الجنود الفرنسية التي أمده بها لويس الثامن عشر على تنفيذ سياسة الحكم المطلق. وكانت معظم الشعوب الأوربية تنزع يومئذ إلى الحركات التحريرية، ولكن الملوكيات القديمة لم تقف جامدة أمام هذه النزعة، ومنذ سنة ١٨١٥ عقدت المعاهدة المقدسة بين العروش الأوربية القديمة في روسيا، والنمسا، والمجر،

стр. 3390

وألمانيا، للتعاون على إخماد النزعات والحركات الشعبية الحرة التي بثتها مبادئ الثورة الفرنسية، وإذكاها مبالغة الملوكية القديمة في الاستئثار بالسلطان والحكم المطلق، وفي تجاهل الرغبات والأماني الشعبية. وفي اواخر عهد فرديناند (نحو سنة ١٨٣٠) اضطرام النضال بين فرديناند وأخيه الدون كارلوس على مسألة وراثة العرش. وكان فرديناند حتى سنة ١٨٢٩ عقيما لا ولد له.، ثم ولدت له بعد ذلك ابنة، فعمد في الحال إلى تغيير قانون الوراثة ليحرم أخاه كارلوس من ارتقاء العرش وليبقى العرش لابنته. ولما توفي سنة ١٨٣٣، اعترف (الكورتيز) (البرلمان) بابنته ايزابيلا ملكة لإسبانيا وبوالدتها وصية على العرش، واعترفت إيزابيلا بعد ذلك بالدستور الإسباني الجديد الذي وضع سنة ١٩٣٦، على مثل دستور قادس. ولكن عهدها كان فياضا بالاضطراب والقلاقل، وتوالت فيه الحكومات الضعيفة العاجزة وفسدت النظم والادارة، وفيه فقدت إسبانيا معظم أملاكها الأمريكية على اثر الحركات التحريرية التي قامت في أمريكا الجنوبية وانتهت بتحرير شعوبها من النير الأسباني، وقيام الجمهوريات الأمريكية الجديدة، واستمرت إسبانيا عصرا تعاني غمر الاضطراب والفوضى، ولكن الديمقراطية استطاعت خلال ذلك ان تنمو وان تقوى، وبذلت يومئذ لتحطيم الملوكية عدة محاولات عنيفة، ووقعت من جراء ذلك حوادث دموية كثيرة. واشتد ساعد الحركة الجمهورية إلى حد روعت معه الملوكية، واستمرت أداة الحكم على ضعفها وانحلالها، والعرش فيما بين ذلك يهتز توجساً وفرقاً، حتى غدا الموقف مما يستحيل استمراره. ولم تقوى الملكة ايزابيلا على مواجهة هذه الصعاب والخطوب كلها، ففرت إلى فرنسا، ثم تنازلت بعد ذلك عن العرش لولدها الفونسو الثاني عشر. وكان الفونسو وقتئذ طفلا في نحو العاشرة، فلبث العرش الإسباني خاليا مدى حين، وأقيمت حكومة مؤقتة تحيط بها الصعاب والأزمات من كل ناحية ثم كان عرض العرش الإسباني على ليوبولد الألماني من أمراء آل هوهنزلرن، ومعارضة نابليون الثالث في ذلك، وقيام تلك الأزمة الخطيرة التي التمست سببا لاضطرام الحرب بين فرنسا وألمانيا في سنة ١٨٧٠ فعدلت إسبانيا عن ترشيح ليوبولد. وانتهى الأمر باختيار امديس أمير سافوا ملكا لإسبانيا، فجلس على عرشها نحو ثلاثة أعوام يعمل في ظروف صعبة، ثم استقال وغادر البلاد وخلا العرش كرة أخرى، وهنا اضطرمت البلاد بثورة تحريرية قوية، واستطاع

стр. 3391

الأحرار أن يعلنوا قيام الجمهورية، وان يقيموا الحكم الجمهوري مدى عام (سنة ١٨٧٤)، وكان هذا أول ظفر حقيقي للديمقراطية الإسبانية، ولكنه كان ظفرا خلبا، لان العناصر الرجعية لبثت قوية تعمل لاسترداد سلطانها. وكانت إسبانيا تعاني في نفس الوقت مصائب الحرب الأهلية، لان الدون كارلوس وأنصاره انتهزوا فرصة الاضطراب العام ليحاولوا انتزاع العرش فوقعت الحرب الكارلية الثانية (سنة ١٨٧٢)، ولبثت نحو أربعة أعوام تمزق أوصال الأمة، ثم انتهت أخيرا بسحق قوى الدون كارلوس وفراره إلى فرنسا. وعندئذ أعلن الفونسو الثاني عشر، وكان عندئذ طالبا يدرس في إنكلترا - انه ملك إسبانيا الوحيد، واستمر أنصاره في الداخل يدبرون له سبيل العودة، حتى استطاع أن يعود وان يجلس على عرش إسبانيا سنة ١٨٧٥، وهو فتى لا يجاوز السابعة عشرة، وكان الفونسو الثاني عشر رغم حداثته يتمتع بخلال ومواهب طيبة، فاستطاع بمعاونة وزيره الشهير شاروفاس دل كاستيلو ان يقمع الفوضى وان يعيد الأمن والنظام، وان يقوم بإصلاحات واسعة المدى. وتنفست إسبانيا في عهده الصعداء، وتمتعت بفترة من السكينة والرخاء. ولكن الموت لم يمهله فتوفي شابا في السابعة والعشرين من عمره سنة ١٨٨٥، وترك أرملته حاملا، فوضعت بعد وفاته ولدا سمي بالفونسو الثالث عشر، واعن منذ مولده ملكا لإسبانيا وعينت أمه الملكة ماريا كرستينا وصية للعرش. كان الفونسو الثالث عشر خاتمة لتلك السلسلة الحافلة من ملوك قشتالة الذين لبثوا قرونا يحاربون العرب والإسلام في إسبانيا والذين قضوا بعد طول الجهاد على الإسلام والحضارة الإسلامية في إسبانيا. وكان وريث ملوكية عريقة كانت مدى حين تفوق جميع الملوكيات أل أوربية في العظمة والبهاء، وتبسط سلطانها ما وراء المحيط على قارة بأسرها. ولكنه لم يرث من ذلك التراث العريق الباذخ سوى بقية واهنة مضعضعة. كانت الملوكية الإسبانية في الواقع تطوي مرحلتها الأخيرة في بطئ، وشاء القدر أن يكون مصرعها على يد الفونسو الثالث عشر آخر ملوك قشتالة. تولت الملكة ماريا كريستينا زمام الأمور حتى يبلغ ولدها اشده. وكانت مهمة شاقة، لان الأمور لم تكن قد استقرت بعد، ولكن الملكة الأرمل استطاعت أن تعمل في جو من العطف سواء في الداخل أو في الخارج، فهدأت الخواطر وتحسنت الأحوال نوعا. وكان اعظم

стр. 3392

الحوادث في هذا العهد نشوب الحرب الإسبانية الامريكية، وفقد إسبانيا لباقي مستعمراتها، وكان سبب نشوبها الخلاف بين إسبانيا وأمريكا على جزيرة كوبا، وتطلع أمريكا إلى انتزاعها من إسبانيا. ونشبت الحرب بين الدولتين سنة ١٨٩٨، وهزمت إسبانيا وحطمت قواها البحرية، وفقدت كوبا وباقي مستعمراتها في الهند الغربية، وفقدت أيضاً جزائر الفلبين الغنية في الهند الشرقية، ولم يبق لها شيء من تراثها العريض فيما وراء البحار وكبدتها الحرب نفقات باهظة أنضبت مواردها وأثقلت كاهلها مدى حين. وفي مايو سنة ١٩٠٢ توج الملك الفونسو الثالث عشر، وهو في السادس عشر من عمره، وتولى زمام الحكم، وبدأ بذلك عهد جديد من الملوكية الإسبانية استطال مدى ثلاثين عاما، وكان عهد الفصل في تاريخها. وأبدى الفونسو منذ ولايته همة ونشاطا، بيد انه لم يمض نحو عام حتى توفي السنيور ساجستا رئيس الوزراء وزعيم الأحرار، وكان سياسيا بارعا يتمتع بكفايات جمة، فاضطربت شؤون الحكم، وانتقلت السلطة إلى المحافظين، وتعاقبت منهم في الحكم خمسة وزارات في نحو ثلاثة اعوام، واخذ الملك الجديد يواجه كل الصعاب التي واجهها إسرافه. وكان الفونسو الثالث عشر يبدي منذ البداية ميولا رجعية قوية ويلتمس الوسائل المختلفة لمقاومة النزعات الحرة والحريات الدستورية، ويعتمد في تنفيذ سياسته على العناصر الرجعية المحافظة وبجمعها حوله، وكان ذلك سببا في بث السخط حول العرش وحول شخصية حتى انه دبرت يوم زواجه من الأميرة فكتوريا أوجيني ابنة آخي الملك إدوارد السابع، أول محاولة لاغتياله (سنة ١٩٠٦)، وبدأت من ذلك الحين سلسلة من الاعتداءات شاء القدر أن ينجو منها جميعا. وكانت الحركات والنزعات الديمقراطية والثورية أثناء ذلك تنمو وتشتد وخصوصا في مقاطعة قطلونية. وكانت قطلونية فوق ذلك مسرح حركة انفصالية قوية ومهد معركة مضطرمة بين الوطنيين القطلان والراديكاليين المركزيين بزعامة السنيور ليرو. وعاد الأحرار إلى منصة الحكم منذ سنة ١٩٠٥ على يد زعيمهم موريه واستمروا بضعة أعوام؛ ولكن الملك ما لبث أن عاد إلى محالفة المحافظين، وكانت المسالة المراكشية تشغل إسبانيا منذ حين، وكانت قد سويت مع فرنسا في سنة ١٩٠٤ بمعاهدة فرنسية إسبانية، اعترف فيها بحقوق إسبانيا، وحددت المنطقة الإسبانية تحديدا يرضي أمانيها. ولكن المسالة المراكشية استمرت شغلا

стр. 3393

شاغلا للسياسة الإسبانية، بل غدت كما سنرى كابوس السياسة الإسبانية مدى أعوام طويلة، وكانت عاملاً جوهرياً في تطور الحوادث في إسبانيا، وفي تذرع العناصر الرجعية بإقامة حكم الطغيان الشامل الذي لبث عدة أعوام يخمد أنفاس الشعب الإسباني، ثم انتهى بذلك الانفجار الحاسم الذي حطم صرح الملوكية القديمة، وحقق في إسبانيا آمال الديمقراطية كاملة شاملة. وخلف المحافظون الأحرار في منصة الحكم على يد زعيمهم السنيور مورا، وفي ذلك الحين اشتدت الحركة الثورية في قطلونية، واضطرمت الحرب في مراكش في نفس الوقت لأن بعض قبائل الريف هاجمت الخط الحديدي الذي يربط المناجم الاسبانية؛ وقررت الحكومة أن تعبئ الجنود الاحتياطية القطلونية، فثارت قطلونية احتجاجا على ذلك، ونظم إعتصاب عام في برشلونة امتد إلى باقي أنحاء الولاية (يوليه سنة ١٩٠٩) وانفجر بركان الثورة فقبضت العسكرية على زمام السلطة، وقمعت الثورة بمنتهى القسوة، واعدم الزعيم الثوري فرانشيسكو فيرر؛ فازدادت البلاد سخطا، واضطرت الوزارة المحافظة إلى الاستقالة، وعاد الأحرار إلى الحكم أولاً على يد السنيور موريه، ثم بعد استقالته على يد السنيور كاناليخاس (فبراير سنة ١٩١٠). واستمرت الوزارة الحرة في الحكم حتى مقتل رئيسها كاناليخاس في نوفمبر سنة ١٩١٢. وامتاز هذا العهد بحادثين في منتهى الخطورة، أولهما: اضطرام المعركة بين الحكومة الحرة والكاثوليك، بسبب اضطهاد الحكومة للكاثوليك وسخط الفاتيكان من اجل ذلك؛ والثاني قيام الخلاف بين إسبانيا وفرنسا بسبب المسالة المراكشية. وكانت فرنسا تزداد توسعا في مراكش حتى شعرت إسبانيا أنها تهدد منطقتها ومصالحها وانتهزت ألمانيا هذه الفرصة للتنويه بمصالحها في مراكش، وأرسلت الطرد (بانتير) إلى مياه أغادير بحجة حماية مصالحها، واضطرت فرنسا إلى أن ترضي ألمانيا بتحقيق بعض مطالبها في الكونغو، واضطرت من جهة أخرى أن تحترم سياسة إسبانيا على المنطقة الإسبانية وكان ذلك فوزا للوزارة الحرة، ولكن اشتدادها في إخماد الحركة الثورية في قطلونية انتهى بمقتل رئيسها (نوفمبر سنة ١٩١٢)، فخلفتها وزارة محافظة برئاسة السنيور داتو لبثت في منصة الحكم حتى ديسمبر سنة ١٩١٥، وفي عهدها نشبت الحرب الكبرى. وأعقبتها وزارة حرة برئاسة الكونت رومانونيس، فاستمرت حتى

стр. 3394

أوائل سنة ١٩١٧. ولزمت إسبانيا الحياد أثناء الحرب، واستفادت من حيادها فوائد تجارية واقتصادية جمة وتمتعت بفترة من الرخاء الحسن، وكان الرأي العام الإسباني يتراوح بين تأييد الحلفاء وتأييد ألمانيا. فالأحرار وأحزاب اليسار تميل مع الحلفاء، والأحزاب المحافظة ورجال الدين يميلون مع ألمانيا. وكان السلام الذي تمتعت به إسبانيا خلال الحرب نعمة سابغة وعاملا كبيرا في استقرار شئونها وأحوالها. وفي أواخر سنة ١٩١٧ تحركت أحزاب اليسار (الأحزاب الاشتراكية) كرة أخرى، ودبرت إعتصابا عاما في جميع إسبانيا. وكانت الديمقراطية ترمي بهذه المحاولة إلى تحطيم النظام القائم، وإقامة جمهورية أسبانية ديمقراطية، ولكنها أخفقت في تدبيرها واستطاعت العسكرية ان تسحق الثورة في مهدها. وكانت العسكرية تتطلع دائما إلى فرض نفوذها وسلطانها على شؤون الحكم، وكانت ترى من حقها بعد أن أنقذت الملوكية والنظام القائم من ثورات الديمقراطية غير مرة، أن تستاثر هي بالسلطة، وان توجه سياسة البلاد طبقا لرأيها، وقد استطاعت في الواقع ان تحقق هذه الغاية إلى حد كبير على يد الوزارة المحافظة التي قامت يومئذ برياسة السينور جارسيابريثو، وتولى فيها وزارة الحربية رجل من رجال العسكرية هو الجنرال لاتشيرفا، ولكن هذا الطغيان العسكري لم يطل يومئذ أمده لما أبداه لاتشيرفا من عجز وصلف؛ فسقطت هذه الوزارة المسيرة؛ والفت وزارة حرة برئاسة الكونت رومانيوس (ديسمبر سنة ١٩١٨)؛ وعلى يد هذه الوزارة التحقت إسبانيا بعصبة الامم التي كانت يومئذ معقد كثير من الآمال والأماني. ولكن الوزارات الحرة كانت تصطدم دائما بعثرات وصعاب جمة سوداء من جانب العرش، وقد كان يؤثر دائما جانب الطغيان والقمع ويعتمد على مؤازرة العناصر الرجعية والعسكرية والدينية، أو من جانب العسكرية وقد كانت ترهق بضغطها كل حكومة لا تذعن بإرادتها ووحيها. فسقطت وزارة رومانيونس، وخلفتها وزارة محافظة برياسة السينور مورا، ثم وزارة محافظة أخرى برئاسة السينور توكا، وكانت هذه الوزارة الأخيرة وزارة قوية مستنيرة، ولكنها اصطدمت بإرادة العسكرية ولم تذعن لها، فاستقالت مرغمة، ولكن المحافظين استمروا في الحكم أيضا أولا على يد السينور سلازار ثم على يد زعيمهم السينور داتو الذي ألف الوزارة الجديدة في مايو سنة ١٩٢٠. وكانت إسبانيا ترزح يومئذ تحت خطبين عظيمين: أولهما اضطرام الثورة في قطلونية، وثانيهما

стр. 3395

اضطرام الحرب في مراكش؛ وكانت حوادث قطلونيةدائما كابوس السياسة الداخلية، كما كانت حوادث مراكش كابوس السياسة الخارجية، فحاولت وزارة داتو أن تقمع الثورة في قطلونية وانساقت كالعادة إلى القسوة والتطرف متأثرة بإرادة العسكرية والعرش، لكنها لم تفلح في إخماد الهياج، وانتهى الأمر بمقتل رئيسها (مارس سنة ١٩٢١)؛ فعاد السينور سالازار إلى تأليف الوزارة الجديدة؛ وهنا تطورت حوادث مراكش تطورا خطيرا نرجئ شرحه إلى الفصل القادم. محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 3396

فضيلة. . .! للأستاذ الأديب عباسي والفضائل كالرجال: منها المائع المسترخي، ومنها الشديد الصلب الذي لا يثنى، ومنها المقرور مفرط القر، ومنها المشبوب مفرط الحر، ومنها مرهف الحد نافذ الشفرة، ومنها كثير الفلول كليل السطوة، ومنها الذليل المستعبد ومنها الأبي المستكبر، ومنها الواضح البين، ومنها الذي ليس له أول ولا آخر. وتستطيع أن تمضي بالمقارنة إلى آخر ما يحضرك من صور للرجال ونماذج. ولا عبرة بما يوحيه اللفظ من معاني القداسة والاشتقاق من الفضل. فأنت تعرف جيدا من الفضائل كالرجال أيضا تخضع لملابسات الحياة وتعنو الزمن، وتنال من دهرها تقديرا عادلا حينا، وتقديرا جائرا أحيانا أخرى. وفي عصور النضال العنيف والجهاد المحرج يقسر الناس على التفطن إلى جميع مناحي الحياة دقيقها وجليلها ويحملون على تناول موادها تناولا سريعا مرتجلا لا إشفاق فيه - غالبا - على ماضي تليد ولا مستقبل موموق بعيد والذي يربح المعركة للقوم من هذه المواد هو الذي لاشك يربح البقاء والخلود. ولعل الشرق في هذا الوقت الحافل بجميع ضروب النزاع المليء بأقرب الاحتمالات وابعدها، هو احوج ما يكون إلى أن يكر راجعا إلى هذا الكتاب القديم الذي دونت فيه فضائلنا، ويطمس بالقلم العريض هذه الأسطر المجرمة التي تسيء إلى رجولة الشرقي، وتنقص من حيويته الفردية ثم حيويته الاجتماعية، وعملية التنقيح في الاخلاق والفضائل هذه عملية قديمة خبرها اليونان والرومان والعرب وغيرهم، وخبروا أخيرها اصدق مختبر. ولعل اشد عصور هذه الأمم سوادا هي العصور التي كان فيها الرقيب في غفوة عنها، فشبت بعض هذه الفضائل من رقدتها ونشبت تنهش في الحياة وتوالي تمزيقها إلى ان أحالتها في النهاية رسما لجسم، وبقية من جثة. والحياء - كما تعلم - من اقدم ما خط في كتابنا الأخلاقي - الحياء لا بمعنى صرف النظر وتحويل الفكر عن الشهوات والملاذ الدنيئة - بل الحياء بمعنى إعطائك سيفك لخصمك ليقتلك به، أو الارتماء على فجوة بين حائطين ليعبر عليك إلى غايته من هو دونك، أو السير وراء الناس من بعد تلتقط بقايا الزاد وفتات الأطعمة.

стр. 3397

إن سبيل النجاح سبيل واضح لا يخطئه النظر الصائب والاستعداد الصادق. فإذا رمت السير فيه غير مرفوع الرأس موفور الثقة بالنفس، فأحر بك أن تجدك في آخر الطريق أو موطئا للإقدام. ان الزحام على طيبات الحياة لا يدعك تسير في رفق وعلى مهل. وخجلك الذي تخجل واستكانتك التي تستكين، ليس لهما إلا نتيجة واحدة تعرفها لاشك تمام المعرفة. وهي لا ريب الحرمان والخيبة على حين قد تكون وأنت المحروم اكثر الناس استعداداً وأحقهم بالفوز تقول كتابة فرنسية: ما من حياة إلا ويمكن ان تكون ضررا على حياة أخرى أو اكثر. فإذا صدقت كاتبتنا فيما تقول - وما أخالها إلا صادقة - فما معنى ذلك؟ معناه أن نجاحك في سعي أو سبقك إلى غاية هو في الواقع حرمان لواحد أو اكثر ممن عداك. فهو - لذلك - مدفوع بغريزته إلى مزاحمتك وإقامة العراقيل في وجهك ليصرفك عن النجاح في هذا المسعى أو السبق إلى تلك الغاية. وهو غالبا لا يكتفي بان يوقفك حيث أنت بل تراه لا يحجم ولا يتجمجم أن يدفعك خطوة أو خطوات إلى الوراء، فذلك اضمن لفوزه واكفل بنجاحه. ونحن لا ندعو إلى إطراح الخجل أو المزاحمة بالمناكب لنقف عند هذا الحد من تقوية الأنانية الفردية واحتجان معظم الخير للنفس. ولكن يقيننا الذي لا يتسرب إليه الشك هو إن من احسن نيل الحق خاص وأجاد في مدافعة الأخصام عنه يحسن أيضا المدافعة عن حق عام والمزاحمة في نصرته. والمرء في أمم الغرب العريقة يزج في أتون من الخصام العنيف والنضال الشديد فما يزال ينحي ويذود عن نصيبه الموموق وحقه المشروع حتى يناله. فإذا دعا داعي النصيحة العامة والبذل المطلق كان صاحبنا هذا في أول الملبين وطليعة المستجيبين. وما ذلك إلا إن فضائل الصبر والاحتمال يصيبها المرء من هذا النضال مضافا إليها استشعاره الرضى كل الرضى عن هذا البلد الذي يظلله ويهيئ له من فرص النجاح على قدر استعداده، هي مما يحبب إليه هذا البلد ويدعوه إلى المسارعة في البذل له والتضحية من اجله وليس من باب المصادفة المحضة أن تجد الإنكليزي اكثر الخلق مطالبة بحق خاص، وأكثرهم في ذات الوقت مطالبة بحق عام. ثم لا تحسبن انتفاء الحياء والخجل يولد الغرور ويشجع على القحة كما قد يتبادر إلى الذهن. والصواب أن نقول: إن انتفاء الحياء بالمعنى الذي أردت هو قتل للغرور

стр. 3398

واستئصال للقحة. وذلك إن ظهور الجميع بمظهر الصراحة والثقة بالنفس لا يدع للدعى مضطربا يضطرب فيه أو مجال يصول فيه، إذ لا يبقى حينها رائجا إلا سوق الجدارة والاقتدار. ولو انتفى المزاحمون لراح هؤلاء الأدعياء المغرورون يملأون الدنيا صياحا وصخبا وادلالا بقوتهم وسمو مواهبهم: زد على هذه المحاذير أن الحيي بانزوائه قد يحرم المجتمع الذي نعيش فيه كثير من الثمار الطيبة والجني اليانع الذي قد لا يخصب خصبه المطلوب في غير نفسه. وحبذا لو درس أصحابنا الخجلون هؤلاء شيئا من صحائف الطبيعة الناطقة، ولقنوا بعض دروسها العلمية. إذا لكانوا يشفون من مرضهم المخامر هذا. لينظروا إلى الزهرة ترفع جيدها لتستقبل الشمس، وليلاحظوا الرياح تذروا النبتة لا تتشبث جهد التشبث في أديم الارض، وليلحظوا أيضا الزهرة الجميلة لا يفوح عطرها يأتي عليها منجل الحاصد وتلقى بين ما يلقى أمام البهائم. ثم ينظروا إلى ذلك الطائر الجميل يتخذ من رواء ريشه وجمال زينته وسيلة للتشبث بأسباب الحياة. وليصغوا أيضا إلى ذلك الطائر عينه يملا الأرض برجع صوته الرخيم، لا ليشنف اسماعهم، بل ليكون له مما تصوغه حنجرته الصغيرة وسيلة يستبقي بها النوع ويستديم الذرية. إن المرونة الخلقية لا باس بها، ولكن ليس إلى الحد الذي يصبح عنده الإنسان كالإسفنج تعتصر كل ما فيه من حياة دون أن يأسى أو يتألم، فيحاول المدافعة عن نفسه بالتي هي احسن أو بالتي هي اشر. الحرير لا باس به لباسا للمترفين، ولكنه بئس اللباس للمحاربين. فلنكن إذاً الشوكة تدمي الأنامل وتؤذي الملمس لا الوردة تنثر غلائلها أو الشهد يستساغ منهله. شرق الأردن أديب عباس

стр. 3399

الشطرنج كيف اخترع؟ - تطوراته بين الأمم القديمة لعبة الشطرنج من أدق اللعب الفكرية وأهمها وانفعها. بل هي معيار لقوة الذكاء والمهارة والحذر والدهاء والإقدام، لأنها دقيقة في وضعها، دقيقة في لعبها، تروض الإنسان على التحذر وسعة الحيلة وتدفعه إلى المجازفة إذا ما تبين له بريق أمل من الفائدة. إن هذه الرقعة التي يلعب عليها اللاعبون بقطع من الخشب مصورة ذات أسماء موضوعة، إنما هي ملعب الحياة، ومضمار السباق والرهان فيها، بل هي سر الحياة والعظمة، والموت والمهانة والزراية، ففيها يعلو الصغير إلى منصة العرش، وفيها تخطو الفرس ثلاثا فتعلو على الشاه فنلقيه بحافرها، هذه وغيرها كلها مشاهد في لوحة هذه الحياة التي تعتورها دائما ظروف شاقة لا يحتملها غير ذي الصبر والجلد الذي يفسح له من الآمال مجالا، ويجعل بين حدي الفشل والنجاح اتصالا. لا يوجد من الأسانيد التاريخية القديمة شي محقق يدل على تاريخ وجود هذه اللعبة الفكرية كما حققت هذا (دائرة المعارف الفرنسية) وكل ما عرفوه عنها راجع إلى العهد الذي ذاعت فيه، فقد كان للقدماء العاب شتى بالطبع يلهون بها في فراغهم لترويج نفوسهم. وقد تشاهد منقوشة على الآثار المصرية القديمة ولكن لم تعرف لها قواعد. (وقد قيل في أساطير الأولين ان أول من اخترع لعبة الشطرنج هو (بالاميد) إبان حصار طروادة وقد صدرت جريدة خصيصة بهذه اللعبة اسمها (بالاميد)). وللشطرنج أسماء قديمة تباين اسمه العصري، فقد كانوا يطلقون عليه في أوربا في القرون الوسطى، عندما كانت اللغة اللاتينية ذائعة في ذلك الحين اسم (لودوس لاترنكولوروم) وكانوا في الهند يسمونه قديما (شطرونجا) وأطلقوا عيه في القرن السادس اسم (شاتورانجا) وتسربت هذه اللعبة إلى فارس وبلاد العرب وغيرها من مختلف البلاد. ولعل أول عهد لأوربا بها كان القرن السادس عشر وأخذت تذيع فيه إلى حد أن تألفت فيها مجامع ومدارس وجرت مسابقات بين البلاد وعقدت مؤتمرات خصيصة بها وغامر فيها الغاوون بضياعهم ورؤوس أموالهم حتى لقد فقد واحد كل ما ملكت يداه في سبيل لعبة واحدة فلم يحزن لانه أضاعها بغلطة فكرية. ولعبة الشطرنج في ذاتها، فكرية تبعد الناس عن كل

стр. 3400

موبقة وتصرفهم عن كل إثم، فأنت ترى الجالس أمام الرقعة مقصور النظر والفكر عليها، لا مطمع له إلا أن ينهمك في المغامرة ليغلب بجد، ويدفع عن حياض فكره بحق. وللاعبين حيل غريبة في التغلب، فان الدهاء لابد أن يكون الآلة العاملة مع الفكرة، مثال ذلك إن اللاعبين في أوربا في القرن الخامس عشر كان أحدهما إذا لاعب الثاني ليلا جعل الضوء إلى يساره، وإذا ما لاعبه نهارا اجتهد في أن يجعل خصمه إزاء الضوء حتى يضلل بصره. وقد كانت هذه الطريقة التي جرى عليها (فنسان) و (دي لوسينا) وهما من اشهر اللاعبين الأوربيين في ذلك الحين. وقد كان للعرب القدح المعلى في هذه اللعبة، وكانوا يسمون الملك؟ (شيخاً) وهو الذي اسماه الفرس (شاها) وجرت تسميته حتى الآن. وقد روي (الصفدي) انه رأى غير مرة في دمشق سنة ٧٣١ هـ شخصا يعرف (بالنظام العجمي) وهو يلعب الشطرنج غالبا في مجلس (الصاحب شمس الدين) ورآه أول مرة يلعب مع (الشيخ أمين الدين سليمان) رئيس الأطباء فغلبة مستدبرا ولم يشعر به حتى ضرب (شاه مات) بالفيل. وحكى له عنه انه يلعب غائبا على رقعتين وقدامه رقعة يلعب فيها حاضرا ويغلب في الثلاث. وكان الصاحب يدعه في وسط الدست ويقول له عد لنا قطعك وقطع غريمك فيسردها جميعها كأنه يراها. واجمع بعض من المؤرخين على ان السبب في اختراع لعبة الشطرنج راجع إلى عهد الملك (تلمبيت) ملك الهند الذي أحزنه أن يضع (شيربابك) أحد ملوك الفرس (النرد) وهو رموز على السنين والحساب، والأشهر، والأيام، والأسابيع، والقضاء والقدر، إلى غير ذلك. فعمد حكيمه (صوصة) إلى اختراع لعبة تفوق تلك وتعد فخارا للهند. فاخترع لعبة (الشطرنج) التي اجمع حكماء ذلك العصر ومفكروه على تفضيلها. فلما آن عرض اختراعه على الملك اعجب به وطلب منه أن يتمنى عليه ما شاء من جزاء، فتمنى عدد تضعيفه حبات قمح، فأنكر عليه الملك هذا الطلب التافه فالح المخترع في إجابة طلبه، فحسب أهل ديوان الملك هذا التضعيف ثم قالوا له إن ما عندنا من القمح هو دون الطلب، فدهش، ثم أوضحوا له الأمر فاعجب به لان تضاعف الأعداد إلى البيت السادس عشر أسفر عن اثنين وثلاثين
следующие страницы →