← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

فضيلة. . .! للأستاذ الأديب عباسي والفضائل كالرجال: منها المائع المسترخي، ومنها الشديد الصلب الذي لا يثنى، ومنها المقرور مفرط القر، ومنها المشبوب مفرط الحر، ومنها مرهف الحد نافذ الشفرة، ومنها كثير الفلول كليل السطوة، ومنها الذليل المستعبد ومنها الأبي المستكبر، ومنها الواضح البين، ومنها الذي ليس له أول ولا آخر. وتستطيع أن تمضي بالمقارنة إلى آخر ما يحضرك من صور للرجال ونماذج. ولا عبرة بما يوحيه اللفظ من معاني القداسة والاشتقاق من الفضل. فأنت تعرف جيدا من الفضائل كالرجال أيضا تخضع لملابسات الحياة وتعنو الزمن، وتنال من دهرها تقديرا عادلا حينا، وتقديرا جائرا أحيانا أخرى. وفي عصور النضال العنيف والجهاد المحرج يقسر الناس على التفطن إلى جميع مناحي الحياة دقيقها وجليلها ويحملون على تناول موادها تناولا سريعا مرتجلا لا إشفاق فيه - غالبا - على ماضي تليد ولا مستقبل موموق بعيد والذي يربح المعركة للقوم من هذه المواد هو الذي لاشك يربح البقاء والخلود. ولعل الشرق في هذا الوقت الحافل بجميع ضروب النزاع المليء بأقرب الاحتمالات وابعدها، هو احوج ما يكون إلى أن يكر راجعا إلى هذا الكتاب القديم الذي دونت فيه فضائلنا، ويطمس بالقلم العريض هذه الأسطر المجرمة التي تسيء إلى رجولة الشرقي، وتنقص من حيويته الفردية ثم حيويته الاجتماعية، وعملية التنقيح في الاخلاق والفضائل هذه عملية قديمة خبرها اليونان والرومان والعرب وغيرهم، وخبروا أخيرها اصدق مختبر. ولعل اشد عصور هذه الأمم سوادا هي العصور التي كان فيها الرقيب في غفوة عنها، فشبت بعض هذه الفضائل من رقدتها ونشبت تنهش في الحياة وتوالي تمزيقها إلى ان أحالتها في النهاية رسما لجسم، وبقية من جثة. والحياء - كما تعلم - من اقدم ما خط في كتابنا الأخلاقي - الحياء لا بمعنى صرف النظر وتحويل الفكر عن الشهوات والملاذ الدنيئة - بل الحياء بمعنى إعطائك سيفك لخصمك ليقتلك به، أو الارتماء على فجوة بين حائطين ليعبر عليك إلى غايته من هو دونك، أو السير وراء الناس من بعد تلتقط بقايا الزاد وفتات الأطعمة.

стр. 3397

إن سبيل النجاح سبيل واضح لا يخطئه النظر الصائب والاستعداد الصادق. فإذا رمت السير فيه غير مرفوع الرأس موفور الثقة بالنفس، فأحر بك أن تجدك في آخر الطريق أو موطئا للإقدام. ان الزحام على طيبات الحياة لا يدعك تسير في رفق وعلى مهل. وخجلك الذي تخجل واستكانتك التي تستكين، ليس لهما إلا نتيجة واحدة تعرفها لاشك تمام المعرفة. وهي لا ريب الحرمان والخيبة على حين قد تكون وأنت المحروم اكثر الناس استعداداً وأحقهم بالفوز تقول كتابة فرنسية: ما من حياة إلا ويمكن ان تكون ضررا على حياة أخرى أو اكثر. فإذا صدقت كاتبتنا فيما تقول - وما أخالها إلا صادقة - فما معنى ذلك؟ معناه أن نجاحك في سعي أو سبقك إلى غاية هو في الواقع حرمان لواحد أو اكثر ممن عداك. فهو - لذلك - مدفوع بغريزته إلى مزاحمتك وإقامة العراقيل في وجهك ليصرفك عن النجاح في هذا المسعى أو السبق إلى تلك الغاية. وهو غالبا لا يكتفي بان يوقفك حيث أنت بل تراه لا يحجم ولا يتجمجم أن يدفعك خطوة أو خطوات إلى الوراء، فذلك اضمن لفوزه واكفل بنجاحه. ونحن لا ندعو إلى إطراح الخجل أو المزاحمة بالمناكب لنقف عند هذا الحد من تقوية الأنانية الفردية واحتجان معظم الخير للنفس. ولكن يقيننا الذي لا يتسرب إليه الشك هو إن من احسن نيل الحق خاص وأجاد في مدافعة الأخصام عنه يحسن أيضا المدافعة عن حق عام والمزاحمة في نصرته. والمرء في أمم الغرب العريقة يزج في أتون من الخصام العنيف والنضال الشديد فما يزال ينحي ويذود عن نصيبه الموموق وحقه المشروع حتى يناله. فإذا دعا داعي النصيحة العامة والبذل المطلق كان صاحبنا هذا في أول الملبين وطليعة المستجيبين. وما ذلك إلا إن فضائل الصبر والاحتمال يصيبها المرء من هذا النضال مضافا إليها استشعاره الرضى كل الرضى عن هذا البلد الذي يظلله ويهيئ له من فرص النجاح على قدر استعداده، هي مما يحبب إليه هذا البلد ويدعوه إلى المسارعة في البذل له والتضحية من اجله وليس من باب المصادفة المحضة أن تجد الإنكليزي اكثر الخلق مطالبة بحق خاص، وأكثرهم في ذات الوقت مطالبة بحق عام. ثم لا تحسبن انتفاء الحياء والخجل يولد الغرور ويشجع على القحة كما قد يتبادر إلى الذهن. والصواب أن نقول: إن انتفاء الحياء بالمعنى الذي أردت هو قتل للغرور

стр. 3398

واستئصال للقحة. وذلك إن ظهور الجميع بمظهر الصراحة والثقة بالنفس لا يدع للدعى مضطربا يضطرب فيه أو مجال يصول فيه، إذ لا يبقى حينها رائجا إلا سوق الجدارة والاقتدار. ولو انتفى المزاحمون لراح هؤلاء الأدعياء المغرورون يملأون الدنيا صياحا وصخبا وادلالا بقوتهم وسمو مواهبهم: زد على هذه المحاذير أن الحيي بانزوائه قد يحرم المجتمع الذي نعيش فيه كثير من الثمار الطيبة والجني اليانع الذي قد لا يخصب خصبه المطلوب في غير نفسه. وحبذا لو درس أصحابنا الخجلون هؤلاء شيئا من صحائف الطبيعة الناطقة، ولقنوا بعض دروسها العلمية. إذا لكانوا يشفون من مرضهم المخامر هذا. لينظروا إلى الزهرة ترفع جيدها لتستقبل الشمس، وليلاحظوا الرياح تذروا النبتة لا تتشبث جهد التشبث في أديم الارض، وليلحظوا أيضا الزهرة الجميلة لا يفوح عطرها يأتي عليها منجل الحاصد وتلقى بين ما يلقى أمام البهائم. ثم ينظروا إلى ذلك الطائر الجميل يتخذ من رواء ريشه وجمال زينته وسيلة للتشبث بأسباب الحياة. وليصغوا أيضا إلى ذلك الطائر عينه يملا الأرض برجع صوته الرخيم، لا ليشنف اسماعهم، بل ليكون له مما تصوغه حنجرته الصغيرة وسيلة يستبقي بها النوع ويستديم الذرية. إن المرونة الخلقية لا باس بها، ولكن ليس إلى الحد الذي يصبح عنده الإنسان كالإسفنج تعتصر كل ما فيه من حياة دون أن يأسى أو يتألم، فيحاول المدافعة عن نفسه بالتي هي احسن أو بالتي هي اشر. الحرير لا باس به لباسا للمترفين، ولكنه بئس اللباس للمحاربين. فلنكن إذاً الشوكة تدمي الأنامل وتؤذي الملمس لا الوردة تنثر غلائلها أو الشهد يستساغ منهله. شرق الأردن أديب عباس

стр. 3399

الشطرنج كيف اخترع؟ - تطوراته بين الأمم القديمة لعبة الشطرنج من أدق اللعب الفكرية وأهمها وانفعها. بل هي معيار لقوة الذكاء والمهارة والحذر والدهاء والإقدام، لأنها دقيقة في وضعها، دقيقة في لعبها، تروض الإنسان على التحذر وسعة الحيلة وتدفعه إلى المجازفة إذا ما تبين له بريق أمل من الفائدة. إن هذه الرقعة التي يلعب عليها اللاعبون بقطع من الخشب مصورة ذات أسماء موضوعة، إنما هي ملعب الحياة، ومضمار السباق والرهان فيها، بل هي سر الحياة والعظمة، والموت والمهانة والزراية، ففيها يعلو الصغير إلى منصة العرش، وفيها تخطو الفرس ثلاثا فتعلو على الشاه فنلقيه بحافرها، هذه وغيرها كلها مشاهد في لوحة هذه الحياة التي تعتورها دائما ظروف شاقة لا يحتملها غير ذي الصبر والجلد الذي يفسح له من الآمال مجالا، ويجعل بين حدي الفشل والنجاح اتصالا. لا يوجد من الأسانيد التاريخية القديمة شي محقق يدل على تاريخ وجود هذه اللعبة الفكرية كما حققت هذا (دائرة المعارف الفرنسية) وكل ما عرفوه عنها راجع إلى العهد الذي ذاعت فيه، فقد كان للقدماء العاب شتى بالطبع يلهون بها في فراغهم لترويج نفوسهم. وقد تشاهد منقوشة على الآثار المصرية القديمة ولكن لم تعرف لها قواعد. (وقد قيل في أساطير الأولين ان أول من اخترع لعبة الشطرنج هو (بالاميد) إبان حصار طروادة وقد صدرت جريدة خصيصة بهذه اللعبة اسمها (بالاميد)). وللشطرنج أسماء قديمة تباين اسمه العصري، فقد كانوا يطلقون عليه في أوربا في القرون الوسطى، عندما كانت اللغة اللاتينية ذائعة في ذلك الحين اسم (لودوس لاترنكولوروم) وكانوا في الهند يسمونه قديما (شطرونجا) وأطلقوا عيه في القرن السادس اسم (شاتورانجا) وتسربت هذه اللعبة إلى فارس وبلاد العرب وغيرها من مختلف البلاد. ولعل أول عهد لأوربا بها كان القرن السادس عشر وأخذت تذيع فيه إلى حد أن تألفت فيها مجامع ومدارس وجرت مسابقات بين البلاد وعقدت مؤتمرات خصيصة بها وغامر فيها الغاوون بضياعهم ورؤوس أموالهم حتى لقد فقد واحد كل ما ملكت يداه في سبيل لعبة واحدة فلم يحزن لانه أضاعها بغلطة فكرية. ولعبة الشطرنج في ذاتها، فكرية تبعد الناس عن كل

стр. 3400

موبقة وتصرفهم عن كل إثم، فأنت ترى الجالس أمام الرقعة مقصور النظر والفكر عليها، لا مطمع له إلا أن ينهمك في المغامرة ليغلب بجد، ويدفع عن حياض فكره بحق. وللاعبين حيل غريبة في التغلب، فان الدهاء لابد أن يكون الآلة العاملة مع الفكرة، مثال ذلك إن اللاعبين في أوربا في القرن الخامس عشر كان أحدهما إذا لاعب الثاني ليلا جعل الضوء إلى يساره، وإذا ما لاعبه نهارا اجتهد في أن يجعل خصمه إزاء الضوء حتى يضلل بصره. وقد كانت هذه الطريقة التي جرى عليها (فنسان) و (دي لوسينا) وهما من اشهر اللاعبين الأوربيين في ذلك الحين. وقد كان للعرب القدح المعلى في هذه اللعبة، وكانوا يسمون الملك؟ (شيخاً) وهو الذي اسماه الفرس (شاها) وجرت تسميته حتى الآن. وقد روي (الصفدي) انه رأى غير مرة في دمشق سنة ٧٣١ هـ شخصا يعرف (بالنظام العجمي) وهو يلعب الشطرنج غالبا في مجلس (الصاحب شمس الدين) ورآه أول مرة يلعب مع (الشيخ أمين الدين سليمان) رئيس الأطباء فغلبة مستدبرا ولم يشعر به حتى ضرب (شاه مات) بالفيل. وحكى له عنه انه يلعب غائبا على رقعتين وقدامه رقعة يلعب فيها حاضرا ويغلب في الثلاث. وكان الصاحب يدعه في وسط الدست ويقول له عد لنا قطعك وقطع غريمك فيسردها جميعها كأنه يراها. واجمع بعض من المؤرخين على ان السبب في اختراع لعبة الشطرنج راجع إلى عهد الملك (تلمبيت) ملك الهند الذي أحزنه أن يضع (شيربابك) أحد ملوك الفرس (النرد) وهو رموز على السنين والحساب، والأشهر، والأيام، والأسابيع، والقضاء والقدر، إلى غير ذلك. فعمد حكيمه (صوصة) إلى اختراع لعبة تفوق تلك وتعد فخارا للهند. فاخترع لعبة (الشطرنج) التي اجمع حكماء ذلك العصر ومفكروه على تفضيلها. فلما آن عرض اختراعه على الملك اعجب به وطلب منه أن يتمنى عليه ما شاء من جزاء، فتمنى عدد تضعيفه حبات قمح، فأنكر عليه الملك هذا الطلب التافه فالح المخترع في إجابة طلبه، فحسب أهل ديوان الملك هذا التضعيف ثم قالوا له إن ما عندنا من القمح هو دون الطلب، فدهش، ثم أوضحوا له الأمر فاعجب به لان تضاعف الأعداد إلى البيت السادس عشر أسفر عن اثنين وثلاثين

стр. 3401

ألفا وسبعمائة وثمانية وستين حبة من القمح. فكيلت قدحا، ثم ضوعفت أجزاؤها إلى البت العشرين. فكانت ويبة، ثم ضوعفت هذه الأرادب فكانت في البيت الأربعين مائة وأربعة وسبعين ألفا وسبعمائة واثنين وستين إردبا وثلثي الإردب. ولما كان الإردب ستة وتسعين قدحا فان هذا القدر يملا شونة، ثم ضوعفت الشونة في البيت الخمسين فكانت الجملة ألفا وأربعا وعشرين شونة، وهذا القدر يعادل فسيح مدينة، ثم ضوعفت المدينة إلى البيت الرابع والستين وهو آخر بيوت رقعة الشطرنج، فكانت النتيجة ستة عشر ألفا وثلثمائة وأربعة وثمانين مدينةوهو ميزان الرقعة جميعها. فان جمع من البيت الأول إلى الثالث والستين كان الحاصل مساوياً لما في البيت الرابع والستين لا ينقص عنه غير حبة بر واحدة، ثم جمع ما في الرقعة جميعها فكان اثنين وثلاثين ألفا وسبعمائة وثماني وستين مدينة. فعجب الملك ومن حضر مجلسه العجب كله. أبو بكر طاهر مؤمن

стр. 3402

مهجور اللغة روي إن ابن زيدون قام على جنازة بعض حرمه والناس يعزونه على اختلاف طبقاتهم فما سمع يجيب أحدا بما أجاب به غيره، قال الصلاح الصفدي: واقل ما كان في تلك الجنازة ألف رئيس ممن يتعين عليه ان يشكر له، فيحتاج في هذا المقام إلى ألف عبارة مضمونها الشكر. وورد إن ابن نباتة الخطيب المصري أملى مجلدة معناها من أولها إلى آخرها (أيها الناس اتقوا الله واحذروه فإنكم إليه ترجعون) وكان الحريري صاحب المقامات كلما جمع بين الحارث بن همام وأبي زيد السروجي وأراد أن يفرق بينهما بقوله (فلما اصبح الصباح) أتى بعبارة تغايرها لفظا في كل مقامة. وليس في هذا كله ما يدعو إلى الغرابة وان دل على البراعة، فان اللغة العربية تمتاز في سائر اللغات بكثرة الترادف في الألفاظ والتعدد في الصيغ، يذكرون إن للخمر فيها مائتي اسم وللجمل خمسمائة وللسيف الفا، وهذا مما يساعد الكتاب على التوسع في العبارة، ويعيبهم على التفنن في أساليب الكلام، ولكن العجز قعد بكتابنا عن أن يحفظوا على اللغة هذه الميزة وان ينتفعوا بها في كتاباتهم، فهم يصيغون عباراتهم على نمط واحد، ويجرون في أساليبهم على طريقة متفقة، وتجدهم يستعملون ألفاظا محدودة، وأبنية متكررة ويميلون إلى الترهل واللين، حتى أصبحت ثروتنا اللغوية يكتنفها الإبهام والغموض، وأصبحت أساليبنا في الكتابة ضعيفةواهية لا تلمح فيها أثراً للفن والجمال. وكتابنا معذورون في هذا ماداموا لا يشتغلون بمتن اللغة، فقل منهم من يهتم بكتاب اسمه (القاموس) أو (اللسان) أو (أساس البلاغة) وقل منهم من يعرف شيئا اسمه (فصيح ثعلب) (فقه اللغة) أو غير ذلك من كتب اللغة، يكتفي الواحد منهم يأخذ لغته من الصحف والمجلات، وبمعرفة جمل من الألفاظ من نوع (فحسب، ومهما يكن من شيء) ليجعل نفسه في عداد الكتاب ثم لا يستحي من اتهام اللغة العربية بالعقم ونضوب المادة ورميها بالتأخر والقصور!! أنا لا أرجو من الكتاب أن يترسموا طريق ابن زيدون في كتابته، ولا أن يذهبوا مذهب ابن نباتة في أسلوبه، ولا أن ينهجوا منهج الحريري في سجعه وتكلفه، إنما أدعوهم إلى التمكن من فقه اللغة ومتنها، والارتفاع بالقواميس والمعاجم فان هذا مما يساعدهم على تلوين

стр. 3403

الخطاب وإحياء كلم اللغة الميتة، فكم في لغتنا من الألفاظ مهجورة، وكم في قواميسنا من مفردات مهملة، مع إنها تصلح للاستعمال والتداول على اسلات الأقلام، فمثلا كلمة (يتمعج) بمعنى يلتوي ويتثنى لا تجد الكتاب يستعملونها مع إنها سهلة النطق والرسم وقد تكون أولى من مرادفاتها في الاستعمال، ومثلها كلمة (يعمس في الأمر) بمعنى يتجاهله ويتغافل عنه إلى غير ذلك من الكلمات التي نحن في حاجة إلى إيحائها والتي في تداولها تغزير لمادة الكتاب. وإحياء مهجور اللغة معناه ان تستعمل كل كلمة غريبة مجهولة وان تجريها على أي وجه كان، وتدرحها في أي عبارة كانت، وإنما هذا مقام يحتاج إلى البراعة والدقة، وورد عن ابن شهيد الأندلسي انه قال (جلس إلي يوما يوسف الإسرائيلي، وكان افهم تلميذ مر بي وأنا أوصي رجلا عزيزا علي من أهل قرطبة وأقول له: إن للحروف أنساباً وقرابات تبدو في الكلام، فإذا جاور النسيب النسيب، ومازح القريب القريب، طابت الألفة وحسنت الصحبة، وإذا ركبت صور الكلام من تلك، حسنت المناظر وطابت المخابر، أفهمت؟ قال أي والله!! قلت له وللعربية إذا طلبت، وللفصاحة إذا التمست، قوانين من الكلام، من طلب بها أدرك، ومن نكب عنها قصر! أفهمت؟ قال نعم، قلت: وكما تختار مليح اللفظ ورشيق الكلام فكذلك يجب ان تختار مليح النحو وفصيح الغريب وتهرب من قبيحه قال: اجل، قلت: أتفهم شيئا من عيون كلام القائل؟ لعمرك أني يوم بانوا فلم أمت … خفاتا على آثارهم لصبور غداة التقينا إذ رميت بنظرة … ونحن على متن الطريق نسير ففاضت دموع العين حتى كأنها … لناظرها غصن يراح مطير فقال: أي والله! وقعت (خفاتا) موقعا لذيذا ووضعت (رميت) و (متن الطريق) موضعا مليحا، وسرى (غصن يراح مطير) مسرى لطيفا، فقلت له: أرجو انك تنسمت شيئاً من نسيم الفهم، فاغد عليّ بشيء تصنعه الخ. وفي هذه الحكاية يشرح لنا ابن شهيد كيف يكون استعمال الغريب وأحياء المهجور من الألفاظ، فيرى أن تختار الكلمات الصالحة، وان يراعى في وضعها القرابة والنسب، حتى تحسن الصحبة وتطيب الألفة، وهو رأي صحيح ولكنه يحتاج في تنفيذه كما قلنا إلى

стр. 3404

البراعة والدقة، فلعل الكتاب يستجيبون لدعوتنا، ولعلهم يراعون هذا في كتاباتهم فيكونوا قد بروا بلغتهم وخدموا أساليبهم؟ الزقازيق محمد فهمي عبد الطيف

стр. 3405

الألوان والصور في شعر ابن الرومي الشعر تمثيل وتصوير، قبل أن يكون لفظا منمقا وكلاما مزوقاً، وكما تعجبنا دقة الراسم حينما يبرز الأضواء والظلال، والألوان والشكول، لصورة من الصور، فكذلك تعجبنا يقظة حواس الشاعر حين يصور لنا في منظومه وأبياته ما يرسمه الراسم بريشته وألوانه وحين يبدي لنا الشاعر حور العيون، وسحر الجفون، وحمرة الخدود، وبروز النهود، بتمثيل وتصوير لا بريشة وألوان، كلا الفنانين ممثل للحقيقة إلا أن الراسم يصوغها شكولاً وألوانا، والشاعر ينقلها شعورا ووجدانا قد يجتمع - وهذا نادر - للراسم خيال الشاعر، وللشاعر دقة الراسم، فان كل شيء من ذلك فقد استوى كل منهما على عرش الفن - فأي الرجلين كان ابن الرومي؟ كان ابن الرمي رساما فنانا، ومصورا ماهرا، مرهف الحواس شديد التأثر بالطبيعة كأن أعصابه أسلاك كهرباء وعينيه عدسة الكامرا ينطبع عليها مختلف المناظر والصور. وكأن أذنه - ميكرفون - موكل بالتقاط دقيق الأصوات وجليلها. وكان ابن الرومي أيضا شاعرا مطبوعا واسع الخيال، خصب الشعور، مشبوب العاطفة. ولئن حق لأبي العلاء أن نسميه شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء. فمن حق ابن الرومي ان يكون شاعر المصورين ومصور الشعراء لأن في شعره دقة المصور وتعدد الوانه، وروعة خيال الشاعر وسمو عواطفه. وهو حين يصف قينة شادية، يستهويك من شعره عاطفة مشبوبة وخيال خصب، ثم تصوير دقيق وإتقان للألوان الطبيعية. وقينة إن منحت رؤيتها … رضيت مسموعها ومنظرها شمس من الحسن في معصفرة … ضاهت بلون لها معصفرها في وجنات تحمر من خجل … كأن ورد الربيع حمرها وللمشاهد الطبيعية الفاتنة، ومجالي الربيع الموقنة، لوحات ساحرة في شعر ابن الرومي ونحب أن نعرض عليك لوحة من هذه اللوحات لترى صدق قولنا. قال يصف روضة وجادها من سحابة ديم … ورد أنوارها وعصفرها وساق من حولها جداولها … فشق أنهارها وفجرها فارتدت الماء من جوانبها … فزانها ربنا ونضرها

стр. 3406

أمامها بركة مرخمة … ترضى إذ ما رأيت مرمرها أعارها البحر من جداوله … لجا غزير المياه أخضرها أفلا ترى انك في كل بيت، حيال زهرة تقطفها، وريحانة تنشقها، وبركة إطارها من مرمر ومياهها أشبه بمياه بحر اخضر؟ ثم أن حاسة اللون عند ابن الرومي حاسة زاكية متوفرة: وهي في شعره بمنزلة علبة الألوان عند الرسام. لا تقوم صورة إلا بها، ولا تأخذ حظها من الحياة والحركة إلا بأصباغها. فحين يصف لك الكأس تترقرق فيها الخمر لا يشبهها بحصباء من الدر على ارض من الذهب، وإنما يوكل بها حاسة اللون الزاكية اليقظة فلا تكاد تعرض إلا للونها البراق وشعاعها الخفاق. وقد يكون حظ ابن الرومي من تألق الخمرة ولهيبها. اكبر من حظ أبي نؤاس من نشوتها ودبيبها صفراء تنتحل الزجاجة لونها … فتخال ذوب التبر حشو أديمها لطفت فقد كادت تكون مشاعة … في الجو مثل شعاعها ونسيمها ولقد عرض قوس قزح لعيون الشعراء ما عرض، فلم نر شاعرا قبل ابن الرومي أو بعده استطاع أن يصور ألوانه الطبيعية في أبياته تصوير الرسام له في لوحته وألوانه. فأنت تحت سحاب مطرز بالألوان، مرصع الأردان ما دامت تقرأ له هذه الأبيات وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفا … من الجو دكنا والحواشي على الأرض يطرزها قوس السحاب بأخضر … على احمر في اصفر اثر مبيض كأذيال خود أقبلت في غلائل … مصبغة والبعض اقصر من بعض واحب أن تلتفت إلى البيتين الأخيرين فان فيهما من جودة التصوير ومهارة تثبيت الألوان ما يعجز عنهما شاعر غيره. وابن الرمي حين يصف القيان الشوادي والجواري الفواتن يدرن الكؤوس ويملكن النفوس، ويبرز لنا أعضائهن عضوا عضوا ويعرض علينا أجسامهن عرضا، حتى لا تفوتنا بضاضة الإهاب ولا شفافة الثياب من جوار كأنهم حوار … يتسلن من حياة عذاب لابسات من الشفوف لبوسا … كالهواء الرقيق أو كالسراب

стр. 3407

فترى الماء ثم والنار والآ … ل بتلك الابشار والأسلاب وكما كانت حاسة اللون اليقظة تصور اختلاف الوان الطبيعة وتباين شكولها فلا تفوتها خافقة أو بارقة. كذلك كانت أذنه السامعة المرهفة تلتقط أدق الأصوات وأخفى النغمات. وهو حين يصف لنا صوت المغنية وحيد، لا يصف غنائها فحسب، بل ينقل لنا بأذنه الحساسة رقيق نغماتها ولطيف نبراتها وعذوبة صوتها نقلا يشبه نقل الميكرفون. مد في شأو صوتها نفس كا … ف كأنفاس عاشقيها مديد وارق الدلال والغنج منه … وبراه الشجا فكاد يبيد! فنراه يموت طورا ويحيى … مستلذ بسيطه والنشيد فيه وشيى وفيه حلى من النغ … م مصوغٌ يختال فيه القصيد ما هذا شعر! إن هو إلا حاك يحكى واسطوانة تغنى ولو أردنا أن نعرض عليك أشعاره في وصف الأقزام والمحدودين لحسبت نفسك أمام شريط سينمائي تطالعك فيه هذه الصور المضحكة. ولكن من الخير أن تكتفي بصورة واحدة من هذا الشريط وهي صورة الأحدب قصرت أخادعه وطال قذاله … فكأنه متربص أن يصفعا وكأنما صفعت قفاه مرة … وأحس ثانية لها فتجمعا فقد شخص لناظر القارئ وفي هذين البيتين صورة طبق الأصل للأحدب يعجز عن تصويرها امهر المصورين. وجملة القول في شعره انه كان تعرض له الصورة أيا كان نوعها فلا يصورها بحاسة واحدة تنما يوكل بها حواسه كلها. فترسم عينه أشكالها وألوانها وأضوائها وظلالها ولمحاتها وخلجاتها، وتنظم أذنه صوتها وجرسها، وينقل الأنف عرفها وريحانها، واللمس وقعها وأثرها. أي أن جميع حواسه تنهض في تصوير هذه الصورة حتى تبرزها موفورة الحظ من الحياة، وفي هذه الأبيات يصف فيها شمس الأصيل وهي تجنح عن روضة، غنى عن الشرح وقد رنقت شمس الأصيل ونفضت … على الأفق الغربي ورسا مزعزعا ولاحظت النوار وهو مريضة … وقد وضعت خداً على الأرض اضرعا وقد ضربت في خضرة الروض صفرة … من الشمس فاخضر اخضرارا مشعشعا

стр. 3408

وأذكى نسيم الروض ريعان ظله … وغنى مغنى الطير فيه فسجعا وغرد ربعي الذباب خلاله … كما حثحث النشوان صنجا مشرعا لئن حفل شعر أبي تمام والبحتري بالكنايات الظريفة والاستعارات الطريفة، فأبن الرومي في الشعر التصويري الملون نسيج وحده حلب كمال الحريري

стр. 3409

الأدب العربي والأدب الغربي على ذكر رواية خسرو وشيرين لا ريب إن الأدب العربي مقصر دون الأدب الغربي في كثير من النواحي. برغم ماله من الميزات الخاصة وبرغم عراقته وحداثة الأدب الغربي بالنسبة إليه. فقد سار الأدب الغربي بخطى واسعة وتطور في عصوره. على حين سار الأدب العربي دائماً على نمط يكاد يكون واحداً. وكبا بعد العصر العباسي الزاهي كبوة لم يقل منها إلا اليوم. وكان من عهدها إلى العصر الحديث في حكم العدم إذا قيس بآداب الأمم الرفيعة. ولا ريب إن الأدب العربي يكسب كثيرا - وقد كسب بالفعل كثيرا - بلقاحه بالأدب الغربي، وهذا اللقاح يتأتى عن طرق ثلاثة: الأول اطلاع أدباء العربية على الأدب الغربي. فان لذلك اكبر الأثر في نفوسهم وفي كتاباتهم وان لم يشعروا لم يتعمدوا إدخال ما قرءوا فيما يكتبون. والثاني ترجمة الآثار الغربية المشهورة من نثر وشعر إلى لغة الضاد. فان ذلك يؤثر في أبناء العربية الذين لم يطلعوا على آداب غيرها تأثيرا يكاد يدنيهم ممن اطلعوا عليها. والثالث إدخال الأشكال والمواضيع الشعرية الغربية في الأدب العربي إذا كانت غير موجودة فيه. فان ذلك يزيد اللغة ثروة وقوة، يقدر الأدب العربي على مجاراة آداب الغرب والشعر العربي خاصة خلو من كثير من الأشكال والمواضيع التي يتناولها الشعر الغربي كالدراما والملحمة والشعر المرسل والقوافي المنوعة والأوزان المتداخلة في القصيدة الواحدة. فالشعر العربي فضلا عن كون مواضيعه محدودة قوامه الوحدة في الوزن والقافية، والأحكام في القواعد، والصنعة والرصانة في الأسلوب، وعلى المعنى ان يخضع لكل هذا فلا يخرج إلا مصقولا في قالبه. بينما الشعر الغربي اكثر مرونة واقل قواعد واسهل في يد الناظم واقدر على التحول والتنوع وزنا وقافية اتباعاً لمعاني القصيدة المتتابعة، ومن ثم

стр. 3410

استطاع الشاعر الغربي أن يودع شعره من دقيق المعاني وعميق الأفكار وخاصها وجزئيها ما يشق على الشاعر العربي الذي لا طاقة له بغير ذكر العام والكلى، فكلما جاد الشعر العربي راع أسلوبه وأحكمت ديباجته ورافقت موسيقاه، وكلما جاد الشعر الأوربي دقت معانيه ولطفت أخيلته وتجسم وصفه وتصويره وعبر عن الخوالج النفسية البعيدة الغور. وبالجملة كانت نتيجة الوحدة في العروض والقافية في الشعر العربي إن كان شعر أسلوب، ونتيجة التنوع والمرونة في عروض الشعر الغربي وقافيته إن كان شعر معنى. وإذا كان شعراء العربية الأقدمون قد قنعوا بذلك الضرب المقيد الموحد من الشعر وأدوا به معانيهم وأغراضهم العامة، فلن يقنع به عصرنا، هذا إذا كنا نريد للشعر العربي مجاراة الشعر الأوربي، ونريد أن يؤدي من لطيف الأوصاف للمشاهد الطبيعية والحالات النفسية ما يؤديه ذلك الشعر، ولابد لنا - كما اقتبسنا من الغرب القصة القصيرة والطويلة والرواية التمثيلية والمقالة في عالم النثر - أن نقتبس في عالم الشعر الأوضاع والأشكال التي توسع أفق شعرنا العربي وتزيده قوة وخصبا والواقع إن القافية الموحدة التي تنظم القصيدة من أولها إلى آخرها غير معروفة في الشعر الغربي، وقد قال ملتون في مقدمته لملحمته المشهورة (الفردوس المفقود) انه عول على نضمها شعرا مرسلا وعلى نبذ القافية نبذا تاما لأنها اثر من اثار الهمجية، وكثيرا ما عاقت الشعراء عن تسجيل سامي المعاني، وبرغم مغالاة ملتون في قوله هذا - إذ للقافية روعتها ولزومها في كثير من ضروب الشعر - فلا شك في إن القافية كثيراً ما تقف عقبة في سبيل نظم دقيق المعاني وجليلها لابد من رياضة الوزن العربي والقافية العربية على المرونة والسهولة والتنوع في القصيدة الواحدة تبعا للمعاني، كي يساعدا الناظم البارع على بيان أغراضه، فلا يعتمد الاعتماد كله على المعاني والتشبيهات ونحوها، بل يعتمد أيضاً على جرس الألفاظ وموسيقى الوزن ووقع القوافي وتجاوبها واختلافها لإبراز أوصافه وإحياء صورته التي يريد في خلد القارئ، فقد برع الشعر الغربي في هذا الضرب من الملائمة بين المعنى واللفظ والوزن ولاسيما في أشعار الوصف فبذ بتصويره ريشات المصورين في كثير من الأحيان ولا بد من التخلي عن بعض القيود والقواعد وإدخال بعض السهولة والحرية واقتباس ما يمكن

стр. 3411

اقتباسه من الأوضاع والأشكال الشعرية الغربية على أننا يجب أن نذكر أولا ما سنقتبسه لن يلغي القافية الموحدة والوزن الموحد من العربية الغاء، بل تظل هذه الطريقة العربية الخاصة قائمة، لها ميزتها من الرصانة والفخامة، ولها مناسباتها التي تستعمل فيها فتؤدي غرضها أحسن الأداء، لن نهجر طريقتنا إلى طريقة غيرنا بل ناخذ مما عند غيرنا ما يزيد لغتنا وشعرنا سعة وثروة، ويجب أن نذكر ثانية إن الناظم الغربي إنما يستخدم تلك الحرية والمرونة في شعره ليؤدي بها أغراضا خاصة، تجسيم وصف، أو تمثيل حركة، أو تقليد صوت، أو اسلاس قصص، فيجب ألا نهجر القافية والوزن الموحدين إلا أن يؤدي تنويع الوزن والقافية مثل تلك الأغراض، وإلا كان الأمر مجرد تسهيل للنظم يغض من قيمة الشعر الفنية ويورث الناظم الكسل وقلة التعب في معالجة القصيد واكبر اعتراض يقام أمام إدخال هذه الأساليب الشعرية الغربية نبوها على السمع الذي اعتاد الوحدة في الوزن والقافية العربيين. وهو اعتراض وجيه غاية الوجاهة: فان اقتباس تلك الأساليب إن أدى إلى فساد موسيقى الشعر العربي التي هو قوامه كان وبالا وكان علينا أن نقلع عنه مهما كان له من فوائد، ولكن هذه العقبة يمكن تذليلها بوسيلتين: الأولى التدرج في التحرر من قيد الوزن والقافية تحررا يسير بطيئا مع الزمن ولا يفاجئ الآذان كبير مفاجأة، فان التطور دون الطفرة جدير بتعويد الآذن على اختلافات العروض والقوافي في القصيدة الواحدة، حتى تستطيب تلك الاختلافات وتلتذها وتصير لها فيها متعة كالمتعة التي نجدها في النظم الواحد، وقدما اخترعت الموشحات والأبيات المختلف شطراها طولا فكانت خرقا في الطريقة السائدة وكانت بلا ريب نابية على الأسماع في أول الأمر، ولكنها بمرور الزمن صارت مألوفة ولم يعد أحد من كبار الشعراء يتحرج من اللجوء إليها في بعض أغراضه. والوسيلة الثانية هي أن يتصدى لإدخال هذه الأساليب في شعرنا العربي كبار الشعراء الذين عالجوا القريض سنين طوالا، مارسوا اللغة واستوعبوا ثروتها واستنبطوا أسرارها وحذقوا عروضها، فهم وحدهم بخبرتهم ودربتهم وتمكنهم قادرون على أن يدخلوا في اللغة ما يلائمها وينبذوا ماعداه، ويصقلوا ما يدخلون بصقا لها حتى يصير جزء منها ويثبت فيها وينمو ويثمر، أما أن يتصدى لذلك الناشئون المتحمسون للتجديد على غير بصيرة فلن يأتوا

стр. 3412

إلا بكل غث لا يؤدي أغراض الشعر الغربي ولا يبقى على جمال الشعر العربي ولا يكتب له بقاء. والقافية اشد من الوزن قبولاً للتلقيح بالأساليب الغربية، والشعر المرسل خاصة يكون ذا مستقبل باهر في العربية إذا عالجته الأيدي القديرة، وقد مارسه الأستاذ فريد أبو حديد غير مرة ونجح فيه نجاحا غير قليل، ونشر في الرسالة ترجمة لفقرات من (عطيل) امتازت بالسلاسة ولم ينقص من قدرها في نظري سوى إن الأستاذ أختار لها بحر الرمل، وليس هذا ولا الخفيف المنظومة فيه رواية خسرو وشيرين بأليق البحور لبدء معالجة الشعر المرسل. بل اكثر البحور العربية استعدادا لذلك البحر الطويل الذي هو بطوله وفخامة موسيقاه واتادها اقدر على الاستغناء عن القافية وأحق بان يترجم إليه الشعر المرسل الغربي المعروف (بالبلانك فيرس) وان يحل عندنا محل ذلك الضرب الذي يختص عند الغربيين بشعر الدرامات والملاحم، ولا ريب ان ترجمة روايات شكسبيروأمثالها إليه أولى من ترجمتها نثرا. ولقد كان شوقي في أواخر أيامه اقدر الناس على ولوج هذه الأبواب لو أراد، لولا شديد اعتداده بالوزن والقافية الموحدين، فانه كان قد مارس قرض الشعر نحو نصف قرن حتى حذق صناعته، وكانت له موهبة في الأسلوب عالية، فبلغ في النهاية غاية الجزالة والسلاسة، وكان له من الوقت متسع للتجريب والمحاولة، ولو عمل على إخصاب اللغة ببدء هذه الأساليب الغربية فيها لخدمها خدمة اجل كثيرا من خدمته أياها بمعالجة النظم التمثيلي في أخريات أيامه، ورواياته التمثيلية ذاتها شاهدة بذلك: فان ميزتها الكبرى والوحيدة براعة الديباجة، أما إذا قيست بمقياس التأليف التمثيلي وقوبلت بالمؤلفات الغربية التي كان يقلدها ويترسمها فلن تكون شيئا مذكورا على انه إذا كانت العربية قد فقدت شوقيا وحافظا الذين عالجاها حقبة وتمكنا منها، فما يزال لها من كبار الشعراء المجربين من هم قادرين على توسيع افقها ومضاعفة ثروتها بطرق هذا الباب من الاقتباس والابتكار، فلعلهم يتقدمون، ولعل مجهودات الأستاذ فريد أبي حديد تكون الخطوة الأولى في هذا السبيل. فخري أبو سعود

стр. 3413

بديع الزمان الهمذاني للدكتور عبد الوهاب عزام رحيله عن نيسابور فارق بديع الزمان نيسابور سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة. نعرف هذا من قوله وهو يمدح خلف بن احمد أن سنه خمس وعشرون سنة. وهو مولود سنة ثمان وخمسين. ثم هو يكتب من سرخس إلى الشيخ أبي الطيب سهل بن محمد فيذكر ان الخوارزمي كتب إلى الأمير يسأله ألا يقبله في حضرته ويذم الخوارزمي ويرد عليه دعواه الغلب في مناظرته، ويهدده بالعودة إلى مساجلته. والخوارزمي مات في رمضان سنة ثلاث وثمانين ويفهم من هذه الرسالة انه ذهب إلى مرو كذلك، يقول عن الخوارزمي، ان اللسان الذي اخرس لسانه، والبنان الذي انبس بيانه، لم تكسبهما مرد مجادة، ولا كستهما سرخس بلاده. وهما معي لم يفارقاني: ولم يسم الأمير الذي نزل بحضرته في سرخس، والظاهر انه أحد أمراء السامانية. وقد اكرم الأمير مثواه كما قال في آخر الرسالة نفسها عن الخوارزمي: (وإما مسألة الأمير ألا يخرطني في سلكه ولا يمكنني من بساط ملكه فقد شملتني على رغمه أطراف النعم، وبلتني سحائب الهمم، وللراغم التراب، وللحاسد الحائط والباب) وفي سنة ثلاثة وثمانين مات الخوارزمي! يقول الثعالبي (وأجاب الخوارزمي داعي ربه فخلا الجو للهمذاني، وتصرفت به أحوال جميلة، وأسفار كثيرة) وفي رسائل بديع الزمان رسالة كتبها إلى من هنأه بمرض الخوارزمي يقول فيها: (فكيف يشمت بالمحنة من لا يامنها في نفسه، ولا يعدمها في جنسه، والشامت إن افلت، فليس يفوت) وفي ديوانه قصيدة يرثى بها الخوارزمي ويرد على من قال: (قد خلا الجو للهمذاني) يقول فيها: حنانيك من نفس خافت … ولبيك من كمد ثابت أبا بكر اسمع. وقل كيف ذا … ولست بمسمعة الطائت؟ تحملت فيك من الحزن ما … تحمله ابنك من صامت حلفت لقدمت عن معشر … غبيين عن خطر المائت

стр. 3414

يقولون أنت به شامت … فقلت الثرى بفم الشامت وعزت علي معاداته … ولا متدارك للفائت وقال الأنام خلا الجو لي … لعمري ولكن على عانت ابيض ولكن إلى عاقر … واصفر ولكن على ساكت اكثر البديع أسفاره بعد مفارقة نيسابور. يقول الثعالبي: (ولم يبق من بلاد خراسان وسجستان وغزنة بلدة إلا دخلها وجنى وجبى ثمرتها، واستفاء خيرها وميرها، ولا ملك ولا أمير ولا وزير ولا رئيس إلا استمطر منه بنوء، وسرى معه في ضوء، ففاز برغائب النعم، وحصل على غرائب القسم) ويقول الهمذاني في رسالته إلى القاسم الكرجي: (فإني وإن كنت في مقتبل السن والعمر، قد حلبت شطري الدهر، وركبت ظهري البر والبحر، ولقيت وفدى الخير والشر، وصافحت يدي النفع والضر) وفي رسالة أخرى: (وإني أيد الله القاضي، على قرب العهد بالمهن قطعت عرض الأرض وعاشرت أجناس الناس.) وليس يمكن بما عندنا من الرسائل غير المرتبة أن نتتبع أسفاره في خراسان وسجستان وغزنة، ولكننا نعرف انه فارق خراسان لما وقع بها من الحروب، والظاهر إنها الحروب التي وقعت في أواخر الدولة السامانية، ونعرف إن الأتراك قطعوا الطريق عليه وهو ميمم سجستان كما قطع الأعراب طريقه وهو قاصد نيسابور من جرجان: (ولما وقع بخراسان ما وقع من حرب، وجرى ما جرى من خطب، واضطربت الامور، واختلفت السيوف، والتقت الجموع وظفر من ظفر، وخسر من خسر، كتبني الله في الأعلين مقاما، ثم ألهمني من الامتداد عن تلك البلاد، والإقلاع عن تلك البقاع. واعترضتنا في الطريق الأتراك. واحسن الله الدفاع عن خير الأعلاق وهو الرأس، بما دون الأعراض وهو اللباس. فلم نجزع لمرض الحال مع سلامة النفوس، ولم نحزن لذهاب المال مع بقاء الرؤوس. وسرنا حتى وردنا عرصة العدل، وساحة الفضل، ومربع الحمد، ومشرع المجد، ومطلع الجود، ومنزع الاصل، ومشعر الدين، ومفرع الشكر، ومصرع الفقر، حضرة الملك العادل أبي احمد خلف بن احمد الخ) هذا هو الذي مدحه في ست من مقاماته، وبعض رسائله مدحا لم يبذل لغيره مثله، ولكن بديع الزمان لم يعفه العتب الموجع حين آنس منه الإغضاء عنه.

стр. 3415

ثم ذهب الهمذاني إلى غزنة حاضرة الدولة الغزنوية ومدح السلطان محموداً بأبيات. ولا نجد في رسائله تفصيل مقامه في غزنة ولقائه السلطان. ولكننا نجد له رسائل كثيرة إلى الفضل بن احمد الاسفرائيني وزير السلطان يذكر بعض خطوب هذه الدولة، ويهنئ ببعض فتوحاتها. والأبيات التي مدح بها السلطان مثبتة في الديوان، وفي اليتيمة وأولها: تعالى الله ما شاء … وزاد الله إيماني أأفريدون في التاج (م) … أم الاسكندر الثاني؟ أم الرجعة قد عادت … إلينا بسليمان أظلت شمس محمود … على انجم سامان في هراة ثم سار إلى هراة ليرحل عنها كما رحل عن غيرها، ولكن كتبت له الإقامة بها حتى الممات. يقول في رسالته إلى الشيخ أبي نصر انه سار من سجستان إلى بوشنج، وانه لما سكنت الحرب وانفتحت السبل إستأذن الأمير في المسير إلى هراة. ويقول في رسالة أخرى (ويا سبحان الله ما علمت إن هراة تنسيني صرصر والصرات، حتىانستني دجلة والفرات، على ظهر الغيب نظر الريب. فكيف بنا إذا دخلناها وحللناها فسقاها الله من بلد، وأهلها من عدد.) وذلك إن بعض الهرويين أرسل إليه مرحبا قبل دخوله المدينة، ويظهر من رسائله انه لم يغتبط بالإقامة في هراة أول عهده بها، ولا أزمع المقام فيها، يقول في رسالته إلى الشيخ أبي النصر (كتابي أطال الله بقاء الشيخ، والماء إذا طال مكثه، اظهر خبثه، وإذا سكن متنه، تحرك نتنه). كذلك الضيف يسمج لقاؤه، إذ طال ثواؤه، ويثقل ظله، إذا انتهى محله. قد حلبت اشطر خمسة اشهر بهراة ولم تكن دار مثلى لولا مقامه. ونجده: في رسالة أخرى يشكو حيفا أصابه في هراة. (والله، أطال الله بقاء الشيخ الرئيس، ما سكنت هراة اضطرارا، ولا فارقت غيرها فرارا. وإنما اخترتها قطنا ودارا، واخترته سكنا وجارا، لتكون ارفق لي من سواها، ولأزداد به عزا وجاها. فان كان قد ثقل مقامي، فالدنيا أمامي، وان كان قد طال ثوائي، فالانصراف ورائي. لست والله ذباب الخوان ولا وتد الهوان. والشام لي شام، مادام يكرهني هشام،

стр. 3416

وهراة لي دار، ما عرف لي فيها مقدار، وقرى الضيف غير السوط والسيف الخ) فهذا يدل على انه غير مطمئن إلى هراة وإن أختارها سكنا. ونجده في الديوان يقول من قصيدة مدح فيها ابن عدنان رئيس هراة. قد طال مكثي في هراة فهل لكم … في أن أوليكم قفا الأعراض ولو أنني ماء الحياة لملني … ورداه وتنكبوا أحواضي أحسنتم يا للكرام ضيافتي … عند الورود فاحسنوا إنهاضي ولكن بديع الزمان، على هذا ألقى عصا التسيار في هراة واتخذها موطنا وأمضى بها بقية عمره. فما الذي بدّل رأيه وحبب إليه المدينة؟ يقول الثعالبي: (ومازال يرتاد للوصلة بيتا يجمع الأصل والفضل، والطهارة والستر القديم والحديث حتى وفق التوفيق كله وخار الله له في مصاهرة أبي علي الحسين بن محمد الخشنامي. وهو الفاضل الكريم الأصيل الذي لا يزاد اختبارا إلا زيد اختيارا. فانتضمت أحوال أبي الفضل بصهره، وتعرفت القرة في عينه والقوة في ظهره. واقتنى بمعونته ومشورته ضياعا فاخرة، وعاش عيشة راضية. وفي رسائل الهمداني تصديق خبر الثعالبي، فهو يقول في إحدى رسائله من هراة (والله لولا يد تحت الحجر، وكبد تحت الخنجر، وطفلة كفرخ يومين، قد حببت إلى العيش، وسلبت عن رأسي الطيش، لشمخت بأنفي عن هذا المقام (ص١٦٢) وهو يتكلم في رسائل هراة عن الزرع والاكرة والخراج وديونه على الناس والسفاتج (والشأن أن أعيشعيش الجعل، بين السرقين والعمل، وأنا على ذلك محسود. . . أرأيت رجلا يندم أن ولده آدم، أو يألم أن يسعه العالم، يحسد في قرية يشتريها وفي رسالة إلى بعض وزراء السلطان محمود: ومما أبث الشيخ الجليل، إن مبلغ خراجي بهراة ألفان. وعلى المخف من الجريان ثلاثة مدورة، بيض مقشرة، وعلى المثقل تسعة وعشرة. وودت لو أمكن التبلغ بأقل من هذا فافعل ولكن أفواها فاغرة، وأضراسا طاحنة، وعيالا وأذيالا، الله وكيلهم وأنا ربهم واكيلهم. وإن أمكن تحويل هذا المقدار من الخراج ببوشنج لتتوفر حقوق بيت المال، وأصان عن مجازفات العمال، وتبعات الحال، فتلك غاية الآمال وفي رسالة إلى والده: وقد رسمت لموصل كتابي هذا أن ينقده مائة دينار بشرط أن يخرج، وان يرتب له عمارة شتوية تسعه والشيخ الفاضل العم، فليتفضلا وليقوما ويرحلا، ويستصحب الأخ أبا سعيد، وليأتني بأهله

стр. 3417

أجمعين فما يعجبني لقاء ليس له بقاء، ولا وصل بعده فراق، فان لم يمكن استصحاب القوم فلا يتأخر بنفسه، فسيرد على خمسمائة نير وألف أكار، وأحوال منتظمة، وأسباب مستقيمة). ومن اجل هذه الثروة قصده الناس واستماحوه. وفي رسائله واحدة كتبها إلى مستميح عاوده مرارا: عافاك الله: مثل الإنسان في الإحسان مثل الأشجار في الأثمار. سبيل من أتى بالحسنة أن يرفه إلى السنة. وأنا كما ذكرت لا املك عضوين من جسدي، وهما فؤادي ويدي. أما الفؤاد فيعلق بالوفود، وأما اليد فتولع بالجود. ولكن هذا الخلق النفيس، لا يسعه الكيس، الخ. وفاة بديع الزمان كان الهمداني يتعجل العمر ويستكثر السنين فهو يتكلم عن الشيب في مدحه خلف ابن احمد وهو في سن الخامسة والعشرين ويرحب بالشيب ويفضله على الشباب وهو في سن الثلاثين: فجزى الله الشيبة خيراً، إنها لاناة، ولا رد الشبيبة إنها لهناة وبئس الداء الصبا وليس دواؤه إلا انقضاؤه، وبئس المثل النار والعار وونعم الرائضان الليل والنهار. وأظن الشباب والشيب لو مثلا لكان الأول كلبا عقورا، والأخر شيخا وقورا، ولأشتعل الأول نارا وانتشر الآخر نوراً. والحمد لله الذي بيض القار وسماه الوقار. وعسى الله ان يغسل الفؤاد كما غسل السواد. أن السعيد من شابت جملته، والشقي من خضبت لحيته) وفي رسالة أخرى: وأسال الله خاتمة خير وعاجل وفاة. إن بطن الأرض أوسع من ظهرها وأرفق بأهلها.) فهذا ينم عن طبع مكتئب وصدر يضيق بالحياة وكأن وفاته في سن الأربعين كان استجابة العمر لهذه السجايا. في رسائله رسالتان يذكر فيهما مرضه، يقول في إحداهما (وقد عملت في أمر الدواء ما أشرحه له شفاها. وجملة الأمر أني أؤمل النفع في تناوله، وحالي الآن صالحة) ويقول في الأخرى (ولكني وقيذ أوجاع، أنتقل من حمى إلى صداع. وأخشى أن يأخذ مني لفح الهواء مأخذه، فلذلك لا ابرز عن البيت، وأنا فيه حي كميت. وعلى كل حال فإذا خفت وطأة الهواء، وحان وقت المساء، لعبت لعباتي إلى حضرته، متزوداً من طلعته إن شاء الله تعالى) وما أدري متى أصابه هذا المرض وهل كان مرضه الأخير أو غيره.

стр. 3418

ويقول الثعالبي (وحين بلغ أشده وأربى على الأربعين سنة ناداه الله فلباه، وفارق دنياه سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة.) ويقول جامع الرسائل في عنوان رسالة (وله في تهنئة فتح الجابية بباب بلخ. وهذا آخر كتاب أنشأه. ومات يوم الجمعة الحادي عشر من جمادى الأول سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة.) يتبع عبد الوهاب عزام

стр. 3419

غلطة نحوية للآنسة سهير القلماوي لا تستغربوا هذا العنوان، وأستحلفكم أن لا تستتفهوه، فسترون بعد حين أن للغلطات النحوية شأناً وأي شأن. ستدركون عظمة الغلطة النحوية وخطورتها، ولن يكلفكم هذا الإدراك ما كلفني. ستقرءون المقال وستؤمنون بعده إن للغلطة النحوية الواحدة قدراً، وأنه لقدر لو تعلمون عظيم ما كادت تنتهي من محاضرتها حتى عادت إلى أستاذها تستطلع رأيه، وتحاول أن تلمح في تقاطيع وجهه قيمة جهدها الذي بذلته. لقد كانت تحسب حساباً كبيراً لنقده، وخاصة لابتسامته الساخرة التي يلاقي بها جهداً بذل في غير موضعه واستنتاجاً سخيفاً متكلفاً بعيداً عن الصواب، وعن طبيعة الأشياءكما يقول. وما وصلت حتى بادرها بقوله: أهنئك، قالت أشكرك، قال أريد مقابلتك، قالت ومتى تشاء؟ قال أأنت قادمةً لعمل في دار الكوكب غداً؟ قالت لا. قال إذا قابليني بعد غد فسأكون هناك، قالت حسن، إلى بعد غد وجلست تفكر بعدها ماذا يريد منها يا ترى؟ لم يدعها في حياتها قط إلا لعمل ذي شأن، أو لمسألة ذات خطر. ثم هو يتعجل تلك المقابلة، ما سر هذه العجلة؟ أكانت المحاضرة سخيفة إلى هذا الحد؟ ولم هنأها إذا؟ ولم تره في ظرف من ظروف حياته يقول غير ما يعني، أكان هازئاً؟ ولكنها لم تلمح منه إلا الجد ليلتها، ثم هي توقن إنه لن يستهزئ بها مهما يكن، في مكان وفي ظرف كهذين، وأخيراً هي تحس في شيء من الإخلاص أن المحاضرة كلفتها جهداً، وإنها وإن لم تكن خالية من المآخذ، إلا إنها بكل تأكيد لا تستحق إستهزاءاً علنياً ومقابلة مستعجلة. وأحس قلبها إن الأمر أهون مما تظن، ولكن متى خضع العقل للقلب؟ لقد ظل العقل في عمله يقدر ويحسب، يستبعد ويستقرب، يرجح وينفي، كل هذا وهو متعب مكدود، فأفسد عليها يوماً كانت أعدته لراحته الكاملة. ظلت يوماً وبعض يوم تفكر، وتقلب الاحتمالات التي أمكن أن يخترعها عقلها في مثل هذا الظرف، وبدأت تحس إن تفكيرها في الموضوع أصبح آلياُ دائرياً، يبدأ ليعيد، ثم يبدأ من جديد وهكذا، وانتهت أخيراً بإبعاد كل احتمال أن تكون المقابلة خاصة بالمحاضرة، فلو كان ثمت متعجل في شأنها لقاله لها يومها، وإلا لأنتظر فرصة أخرى فهي لا تتغيب عنه كثيراً

стр. 3420

وما جاء صباح الأحد حتى استعدت للذهاب إلى المقابلة، وما كانت تستعد حتى سألها والدها ان تصحبه في نزهه كان يسرها جداً أن تصحبه فيها، ولكنها اعتذرت بضرورة ذهابها لمقابلةأستاذها، وسألها هل ستبطئين عنده، فتكلفت شيئا من عدم الاكتراث تخدع به نفسها، وقالت لا أدري، لأني لا أعرف لماذا يريد مقابلتي. ولكن نفسها لم تنخدع بهذا المظهر المتكلف وبدأ عقلها سيرته الآلية من جديد، وسخطت على نفسها، ما الذي يثير حب استطلاعها إلى هذا الحد؟ وفي استهزاء مؤلم اكمل صوت في قلبها و (خاصة إذا كان الأمر أهون مما تتوهمين) فثار عقلها واسترد سيرته الإلية في حمية جديدة. وجاءتها ابنة خالتها تعرض عليها الذهاب إلى أختها لترى هناك صديقة عزيزة عليها، وكانت تود رؤية هذه الصديقة فهي لم ترها منذ سنين، ولعلها لا تراها سنين أخرى، ولكنها اعتذرت ثانية، فسألتها ابنة خالتها: ولكن ألا تعرفين لأي شئ يريدك، وكأنها أحست تطفلاً فأكملت حتى تستطيعي أن تلحقي بي هناك إذا كان الأمر لا يستغرق طويلاً. قالت بعدم اكتراث، لست أدري ماذا يريد، فلا أستطيع أن أعدك باللحاق بك. وبدأ عقلها سيرته من جديد، وبدأت نفسها تضحك منها وتعيد (الأمر أهون مما تتوهمين). وأخيراً وصلت دار (الكوكب) وصعدت الدرج في اتزان عجيب تحاول أن تؤخر المعاد ما استطاعت حتى لا يستشف أستاذها عجلتها وحب استطلاعها. ودخلت حجرته فحيته وحياها، ثم جلست تنتظر. وتكلم في مواضيع مختلفة، وهي تحاول في جهد أن تتبع كلامه وأن تخفي عجلتها واشتياقها لمعرفة ما جاءت من أجله وجاء ذكر المحاضرة فأثنى عليها، ثم قال: ولكني اترك ما بها لغيري من أساتذتك، لأن لي معك الآن أمراً من أخطر الأمور. وخفق قلبها ولم تستطع حفظ مظهر الاتزان الذي تكلفته منذ الصباح، ودون أن تدري قالت في لهفة ظاهرة وما هو!؟ قال يا فريد آتني بعدد الرسالة الماضي. فأرتفع الصوت الهازئ في نفسها يضحك ويقول (الأمر أهون مما تتوهمين) قال غلطة تكبرك بكثيرما قرأتها حتى كلمت الأستاذ الزيات بشأنها تلفونيا. وارتفع صوت العقل وقال ألم اقل لك إن الأمر خطير ولكن العقل ما كاد يزهى حتى قال أستاذها متابعا كلامه - غلطة نحوية كبيرة. إما أنتقلعي عنها، وإما أن تطلعي على الناس بمذهب جديد هو عدم التفريق في الجمع السالم بين مذكر ومؤنث، ومن يدري قد تجدين من

стр. 3421

يؤيدك. . . . . . . واستمر في كلامه (غلطة نحوية) كانت كلوح ثلج نزل على رأسها الملتهب يوما وبعض يوم. وكأنه لمح شيئا من غيظ تخفيه بسكوتها بعد أن لم تجد آمن منه ستاراً. فقال: ألا تستحق هذه الغلطة انتقالك من العباسية إلى عابدين؟ وهمت أن تقول له إن هذا الانتقال ايسر ما كلفتها تلك الغلطة، ولكنه اسمر يحاول إغاظتها: دوني في مذكرتك ان أستاذك استدعاك من العباسية إلى العابدين من اجل غلطة نحوية. وضحك في سخرية مثيرة للغيظ، فقالت محاولة إخفاء غيظها - سادون! أستاذي: - غلطة نحوية كلفتني هذا. فليت شعري ماذا سيكلفني هذا المقال؟ ولكني أؤكد لك لا في تملق كما تقتضيه حال الخائفة من عقابك، وإنما أؤكد في صدق وإخلاص أن لولا يقيني برحب صدرك ما خططت حرفا في هذا المقال. سهير القلماوي

стр. 3422

تعتزل الحب! للأديب حسين شوقي الكونتس (س) سيدة في العقد الخامس من عمرها، أما جنسيتها فلا تهم كثيرا لأنها غنية جدا، والمال جواز سفر دولي تستقبل به بالترحاب في كل مكان، إن الكونتس (س) وهي سيدة صالونات - تلم إلماما تاما بجميع اللغات الحية كأنها سكرتيرة ممتازة بعصبة الأمم. توفي زوجها حديثا فحزنت عليه لأنه كان رجلا طيب القلب، وديعا مطيعا لها مثل كلبها الصيني الصغير (بيبي) وكانت فضلا عن ذلك تتخذه حجابا لستر غزواتها الغرامية الكثيرة، وكانت الكونتس نهمة في الحب، بل شيوعية، لا تبالي إن قضت ليلتها مع أمير من الأمراء أو مع سائق سيارتها، وتمضي الكونتس (س) زمنا طويلا في معاهد الجمال، لتصلح أولا فأول الآثار التي يحدثها الزمن في وجهها، ولكن هذه الآثار كانت تزداد يوما عن يوم حتى قلقت الكونتس على مصيرها، لما ينتظرها وراء ذلك من شيخوخة محتمة. . لذلك فكرت في اعتزال الحب، كما فعلت المحظية المصرية الشهيرة تاييس التي روى قصتها الكاتب العظيم اناطول فرانس، أجل! ستفعل الكونتس ما فعلته تاييس قبلها، وتقيم هي أيضا في كوخ بصحراء مصر النائية. وفي صباح يوم من الأيام، وبعد أن شاهدت الكونتس في الليلة تمثيل تاييس بالأوبرا، قالتلوصيفتها ماري: ماري، إنني صممت على أن اعتزل المجتمع. اعدي الأمتعة، سوف نرحل إلى مصر حيث نعيش في الصحراء في عبادة وتقشف مثل تاييس المحظية المصرية التي اعجب بتضحيتها كل الإعجاب. . .! فابتسمت الوصيفة ولم تجب، لأنها مقتنعة إن سيدتها غير جادة في قولها، وإنها إذا ذهبت إلى مصر فإنما تذهب لتهرب من برد العواصم الأوروبية القارس، ثم عادت الكونتس فقالت: حقا! إنني سئمت المجتمع وما فيه من خدع وخيبة أمل! ولا سيما بعد خيانة صديقي جان، الراقص بفندق (بلاس) آه! إنني كنت احبه حباً عميقاً، كما كنت مفتونة بشبابه الغض، كيف استطاع أنيكذب علي وهو في مثل هذه السن الصغيرة؟

стр. 3423

الوصيفة - ولم لا يكذب المرء وهو صغير في السن يا سيدتي! إنني كذبت في طفولتي أضعاف أضعاف كذبي الآن! كم سرقت الكرز من حديقة الجار، فإذا سألت عنه اتهمت الغربان! الكونتس_هذا شئ آخر، هذه كذبة الطفولة البريئة، إني اقصد كذب الشباب، إن الشباب يصعب عليه في نظري إن يكذب، لأنه ليست في وجهه تجاعيد تستطيع أن تخفي الأكاذيب. الوصيفة_وكيف عرفت خيانة السيد جان يا سيدتي! الكونتس_من عشيقته نفسها! الوصيفة_عجباً! وما فائدة عشيقته أن تفضح أمر صديقها؟ الكونتس (مستضحكة) _لتنتقم يا بنيتي! إن الوغد كان يخونها مع عشيقة أخرى ثالثة! ثم أعدت الوصيفة الأمتعة للسفر إلى مصر كمشيئة الكونتس، ولكن لشد ما كانت دهشتها حين قالت لها سيدتها لدى عودتها إلى المنزل ظهراً: ماري! إننا لا نسافر إلى مصر، إنني أولمفي الأسبوع القادم وليمة عشاء تكريما للمثال العبقري هنري دي. . . فابتسمت الوصيفة وقالت: وما سن هذا المثال العبقري يا سيدتي؟ الكونتس (في إعجاب) - خمسة وعشرون ربيعا! ثم ضحكتا ضحكا عاليا على هذه الملاحظة، ولكن الوصيفة عادت فقالت في حسرة: يا للأسف على رحلة مصر إنها لن تتحقق! وقد كانت شديدة النفع لما اشعر به من ألم في المفاصل! حسين شوقي

стр. 3424

بعد النوى أيها الرحل عن قلبي العميد … سوف يشقى بالنوى حتى تعود ويح للعشاق في وادي الهوى … من عذاب فادح العبء شديد أين من عيني وجه مشرق … رائع الطلعة كالصبح الوليد أين من أدنى صوت ساحر … كل صوت دونه عندي زهيد وحديث للهوى مستعذب … هو في الأسماع قرآن مجيد وغناء كم هفت روحي له … مثلما يهفو لمغناه الطريد يطفئ الوجد ويشفى مهجة … من بتاريخ الجوى كادت تبيد يا حبيبي لم تروِّعك النوى … مثلما روعت الصب الوديد أنت في الريف قرير ناعم … رافل في عيشك الحالي الرغيد بين أهل جمعوا فيك المنى … وبك ازدان لهم هذا الوجود وتمنوا بسط أكبادهموا … لك تمشي فوقها أين تريد وشباب أنت فيهم كوكب … ضوءه ضاف على الدنيا مديد كلما عدت تراءى جمعهم … للورى حولك كالدر النضيد تهبط الحقل فيغدو نبتهُ … لك ما بين ركوع وسجود ويهب الطير من أوكاره … حائما حولك في كل صعيد ويغني أينما سرت به … كل لحن رائع الحسن فريد ويفيق الدوح من غفوته … بعد ما أيقظه رجع النشيد فترى الأغصان في نشوتها … قد غدت شطرك تهفو وتميد وأنا في مصر نهبٌ للجوى … سادر في ظلمة الوجه شريد وإذ ما عاد بي الليل إلى … مضجع عن أعين الناس بعيد دفع الشوق بفكري عنوة … في ظنون ماله عنه محيد وظنون الحب إذ ما عصفت … بفؤادي فهي شيطان مريد أيها الغائب عن عيني وفي … قلبي المضني له عرش وطيد أدرك الغارق في بحر النوى … قبل أن يصرعه الموج العنيد فريد عين شوكه

стр. 3425

من الأدب الإنكليزيالحديث وقفة الوداع للورد بيرون لما وقفنا للوداع، نبكي واجمين، وقد انسحق قلبانا، من هول الفراق، نال وجنتيك الشحوب والبرودة، وكانت قبلتك مثلوجة، حقاً لقد تنبأت تلك الساعة بويل اليوم. سقط ندى الصباح قارصا على جبيني، فكان نذير ما اشعر به الآن، لقد ضاعت كل عهودك، وظهرت لي قضيتك، كلما سمعتهم يلغطون باسمك، أحسست بنصيبي من عاره. يذكرون اسمك أمامي، فيقع على سمعي وقع جرس الموت، وتعتريني هزة غريبة، ويلي! لم أحببتك كل هذا الحب؟ انهم لا يعرفون إنني أعرفك، أنا الذي عرفتك جيدا، سأتحسر عليك زمنا طويلا، حسرة بعيدة القرار. التقينا سرا، فآلمني إن قلبك استطاع إن ينسى غدر نفسك، وإذا قدر لي أن التقي بك، بعد أعوام طوال، كيف أحييتك؟ بالصمت والدموع!

стр. 3426

المطبعة لروبرت. هـ. ديفيز أنا المطبعة، أمي الأرض، قلبي من فولاذ، أطرافي من حديد، وأصابعي من نحاس، انشد أغاني العالم، القي خطب التاريخ، وأردد الحان الزمان، أنا صوت اليوم، ومتني الغد، أقص حكايات السلم والحرب على السواء، أحرك القلوب في خفوقها وخفوتها. أوحى للعامل المضي في منتصف الليل، أن يرفع رأسه محدقا في الفضاء البعيد غير خائف ليتلمس الأمل المواسي الخالد، ملايين من البشر تصغي إلى، حينما أتكلم يفهمني الجميع. أملأ دماغ الغبي بأفكار تعليه، أنا النور والمعرفة والقوة. اجمل انتصارات العقل على المادة، في الشروق وعند الظهيرة وفي الغسق، تقصد إليك أولادي، وأنت على نور الشمعة بين أضواء الفقر الخافتة أو نعم الثراء. أنا قهقهة العالم ودموعه؛ وسوف لا أموت حتى يستحيل كل شيء ترابا. أنا المطبعة.

стр. 3427

دعاهما الصبي فلبياه لروبيرت بيرنس في صباح يوم جميل من آذار، وقد لونت الطبيعة كل شيء بلون بهيج ضاحك، وعلمت الأطيار الغناء، والخراف اللعب وكشفت عن فتنة الصبايا ونضارتهن، استيقظ (جوان) الشاب مبكر جدا، وارتدى ثياب يوم الأحد مسرعا، لان (جيني) الصبية الجميلة، التي احبها (جوان) وعبدها، سترافقه إلى رياض المدينة، حيث يقضيان ساعة في اللهو والرقص والغناء. دق ناقوس الكنيسة الخاشع، فتلمس الشاب طريقه وسار بخطوات المشتاق إلى منزل الحبيبة، قرع النافذة (أسرعي يا عزيزتي) عندها صاحت (جيني) صيحة الجزوع الضجور (من هنا؟) أنا يا حبيبتي، لا أحد سواي، اقبلي على مهل ولا تخافي عيون الرقباء. ان أبي وأمي غارقان في رقادهما، وأخي بعيد يرعى غنمه، وأنت. ألا تزال أمينا على وعدك، وهل تبرهن أبدأ على وفائك! بحق ما في السماء من قوى، ساكون أبدا المحب العابد، ولن أضيع لحمامتي عهدا، ولن اغفر ذماما، ابعدي عنك هذه الشكوك وأسرعي يا حبيبتي. وسارا ملتصقين بين الورود والرياحين، يضحكان ويعبثان حتى انتهيا إلى غدير يترنم في اسفل الوادي، فجلسا على حافته يتشاكيان الجوى، ثم استرخت الأكف للعناق، وكانت ساعة حالمة تساقيا فيها كؤوس الحب مترعة صافية، لقد دعاهما الصبي فلبياه.! شرق الأردن ترجمة بشير الشريقي المحامي

стр. 3428

نجوى يتيم ما لفؤادي ذاب … وما به وجد وللدجى قد شاب … ولم أنم بعد ما للأسى قد فاز … في كبدي الحرى وما لدمعي ثار … من مقلتي ثرا أمن بكا الأطيار … تستقبل الفجرا أم لزمان جار … قد ألف الغدرا أحنو إلى التذكار … وليس من ذكرى خيال أمي غاب … وألفي المهد عدا مع الأحقاب … ولم يزل يعدو فتشت في فكري … عنك فخيبت مت ولم أدري … إني قد عشت ما ضر بالدهر … لو لفني الموت خلفت في الأسر … قلبي ينفت يندب في السر … حليفه الصمت في زمن لعاب … من طبعه الحقد يروح بالأوصاب … وبالجو يغدو تمضي بي الأفكار … في هدأة الأغلاس تسائل الأقدار … وتنبش الآماس عل بها تذكار … لساكن الأرماس والدهر للآثار … مخرب دراس منقلب غدار … قاس شديد البأس دهر حديد الناب … ليس له عهد مزمجر صخاب … كأنه الرعد الله للأيتام … ماذا يلاقونا من عنت الأعوام … كم ذا يعانونا

стр. 3429

غافون بالأحلام … بالدمع لاهونا وهذه الأيام … لا تعرف اللينا تسقيهم الآلام … والذل وألهونا وتدهق الأكواب … لهم وتشتد واليتم مثل الصاب … ما مثله ورد أي طرفي الذراف … مالك لا تهدا فالحلم الرفاف … أشرق وامتدا والزمن المخلاف … لا ينجز العهدا من طبعه الإجحاف … إن خشي اشتدا في هزله مسراف … لا يعرف الجدا دعني من التسكاب … فهمي المجد وخافقي وثاب … قد شاقه الخلد دمشق أمجد الطرابلسي

стр. 3430

في الأدب الفرنسي زهرات من حديقة أبيقور الحقيقة هذه الحكمة اليونانية القائلة (أعرف نفسك بنفسك) هي لعمري طيش شديد وجهالة كبرى!! فلن نستطيع أبداً أن نعرف نفوسنا ولا نفوس غيرنا من البشر. وأنه لينبغي التيقن من ذلك والأيمان به، فأن خلق العالم أدنى صحة وأقل استحالة وأكثر إمكاناً من فهمه وعرفانه. لقد شك بها (هجل) بعض الشك، ومن القريب المحتمل أن يخدمنا العقل في يوم من الأيام بإبداع كون جديد، فأما الكشف عن مفهوم هذا الكون وتبين كنهه فذلك ما لا سبيل إليه، ولا قدره لأحد عليه. والأولى بنا أن نسئ استعمال العقل ونمعن في الجور وسوء التصرف به، بدلاً من أن نتخذه آلة لتحري الصواب ومعرفة الحقيقة. وحتى استخدامه للحكم والقضاء كما يتطلب العدل ويرتضيه الناس فأنه ضعيف ضئيل لا يجدي نفعاً كبيراً، وإنما يصلح العقل للتسلي بتلك الملاهي، وهي أكثر تعقيداً وغموضاً من الشطرنج، المسماة ميتافيزيك. علم الأخلاق. علم الجمال، ولعله جدير بالرضى والإعجاب حين يقتطف من هنا وهنالك قليلاً من النتوء أو بعضاً من الوضوح في الأشياء، ثم يتمتع بألوانها وأصباغها من غير أن يفسد تلك اللذة البريئة الخالصة بالتفكير الكلي الشاملوالاندفاع وراء الحكم والقضاء. أدب الحياة مادام معنى الجمال لا يدرك مستقلاً عن حدود الزمان والمكان فأني لا أشرع في استساغة آثار الفكر والتلذذ بمنتوجات العقل إلا حين أكشف عن وجه اتصالها بالحياة ولصوقها بها، وهذه الصلة هي التي تجذبني إليها وتأسرني عن قراءتها. فجرار هيارليك الضخمة حببت إلي (الإلياذة) كثيراً، وإذا كنت أتذوق (المهزلة الإلهية) وأسيغ حلاوتها جيداً، فلأني أعرف حياة فلورنسا، وأدرك الحال التي كانت عليها هذه المدينة في القرن الثالث عشر. أنا لست أفتش في الفنان إلا عن صورة الإنسان! وما عسى أن تكون القصيدة الجميلة الرائعة غير البقية الباقية من جثمان الشاعر؟ إليك هذا القول العميق يرسله جيتيه (الآثار التي تخلد دون غيرها هي آثار الظروف والأحوال) لكن الآثار الفنية لا يمكن أن تكون إلا آثار الظروف

стр. 3431

والأحوال لأنها إنما ترتبط جميعها بالمكان والزمان اللذين أبدعاها وكونا عناصرها. ولسنا نستطيع تفهمها ولا محبتها إذا كنا نجهل الزمن الذي أنشئت فيه والمكان والشروط الاجتماعية التي أحاطت تكوينها. الحق إن البلاهة المتعاظمة الصلفة إنما تبرز في القول بالإنتاجالفني المستقل. فالثمن الذي يدفع غالياُ للمؤلفات الرفيعة العالية إنما هو ثمن العلاقات التي تربطها بالحياة. وأنا كلما تبينت هذه العلاقات وكشفت قوتها أشتد هيامي بالأثر الفني أستسيغه وأستمرئه. القمار يلعب المقامرون كما يحب العشاق ويسكر الشراب مرغمين مجبرين. يلينون لقوة رائعة لا تقاوم، ويستكينون للنوازع الجامحة العمياء! وفي الناس من وقف نفسه على القمار ونذرها للعب، على نحو من يقف نفسه على الهوى وينذرها للتصابي والغرام. ولست أدري الذي ابتدع قصة ذينك الملاحين المقامرين تذيبهما نيران اللهو، كاد الملاحان يغرقان ثم طوحا بجسميهما وسط المغامرات الخطيرة، ولم ينجهم من الموت المحتوم غير الطفرة إلى ظهر حوت، فما لبثا أن انتزعا من الجيوب الزهر والفنجان، ثم راحا يلعبان! هذه القصة أصح من الحقيقة وأشد منها ثبوتاً، وكل مقامر مدنف إنما هو ملاح على طراز من ذكرنا. والواقع إن في القمار معنى من معاني الرهبة، يهز أعصاب الشجاع، ويثير في نفسه ألوان الاضطراب والقلق. فليس اختبار الحظ غبطة يسيرة معتدلة، وليس ارتشاف حياة طويلة عريضة ذات أشهر وسنين مليئة بالخوف والرجاء، بالألم والأمل - ليس ارتشافها في هنيهة من الزمن لذة ضعيفة هامدة لا تثمل، أذكر إني كنت دون العاشرة من عمري حين قرأ علينا المسيو غريبيني، أستاذ الصف التاسع، حديث الإنسان والجنية. وبالرغم من طول البعاد وتقادم العهد، فأني ما أزال أعيه وأتمثله كأنما هو حديث الأمس القريب: إن جنية ماكرة دفعت إلى طفل صغير خيطاً طويلاُ قد لف بانتظام حول نفسه ثم قالت له (هذا خيط عمرك فألمسه وحين تريد أن يمضي الزمن لتستشرف له وتحيا فيه فأشدد الخيط فأن الأيام والليالي سوف تمر أمام ناظريك وتكر متتابعة في إسراع أو بطء حسبما تشد الخيط في قوة أو فتور. وما دمت لا تجذب هذا الخيط فإنك تبقى من الوجود في الساعة التي أنت فيها) فأخذ الطفل الخيط الملفوف فجره قبل كل شئ ليفلت من طور

стр. 3432

الطفولة ويغدو رجلاً رشيداً، ثم جره ليتزوج ممن أحب، وما زال يجره حتى رأى أولاده تنمو، ونفسه تبلغ أسنى المراتب، وتنال المال الوفير والمجد الرفيع، ثم جره ليجتاز آلام الشيخوخة ويجتنب ثقل وطأتها وأمراضها. . وا أسفاه على هذا العود الأملد النظير! لقد عاش الطفل أربعة أشهر من بعدها ستة أيام على زيارة الجنية له. لعمرك قل لي ما حد القمار إذا لم يكن الفن الذي يستبق أحداث الطبيعة العاقلة، ويشد تقلبات الأقدار المتئدة التي لا تبرز إلا في سنين وسنين! أليس القمار هذا الفن العجيب الذي يجمع في لمحة من الزمن مختلف الأهواء والميول المنتثرة بين حياة الناس البطيئة الراكدة؟ بلى! إنه سر الوجود ومعنى الحياة نتذوقها في مدى قليل من الثواني القصار، فهو يطاول القدر ويسايره جنب إلى جنب ولعله يشبه صراع يعقوب مع الملك، أو ميثاق الدكتور (فوست) مع الشيطان. المال مادة القمار؛ ونقصد إنه العلة الضرورية المباشرة ومن يدري! لعل الورقة التي تستبطن، أو الكرة التي تتدحرج، تنفح المقامر اللاعب بالحدائق الجميلة، والحقول المزروعة، والأحراج الفخمة، والقصور المشيدة تشق السماء أبراجها الدقيقة. هذه الكرة المتدحرجة إنما تضم في اطوائها الأراضي الخصبة الواسعة، والدور العامرة تلمع مداخنها المنحوتة في مياه اللوار، إنما تضم كنوز الفن وعجائب الذوق، وجواهر غالية طريفة، ونفوساً كان يظن أن ليس إلى بيعها من سبيل. وعلى الجملة تضم مطارف الزينة والمجد، وشديد القوى ونافذ الأسلحة، ماذا أقول؟ إنها تضم شيئاً أثمن من هذا كله بكثير: تضم الأماني والأحلام، أفتريد بعد هذا ألاّ يلعب المقامرون وألاّ يلهو الهازلون. .؟؟ ولو أن القمار لا يبعث غير الآمال الكبار ولا يبدي إلا بسمة عينيه الخضراوين، لكان الميل إليه خفيفاً نحيفلاً، ولكنما أظافره مصنوعة من ماس، يروع، ويخلع البؤس إن شاء، والحياء حين يريد. . ومن هنا كان القمار إلهاً تقدم له فروض الطاعة ومراسيم العبادة: يكمن الخطر في الأهواء الملحة العنيفة، أرأيت غبطة شديدة ليس يصحبها خمار أو يعقبها دوار، وإنما تسكر اللذة قد خالطها الفزع، وهل يخيف شئ في الوجود أكثر مما يخيف القمار؟ إذا أعطى أدهش، وإذا أخذ فتش. منطقه يباين منطقنا، فهو أصم وأبكم وأعمى، قادر على كل شئ كالإله، له عباده وقد يسوء الذين يحبونه لذاته لا لثوابه، وأكثر ما

стр. 3433

يعبدونه حين ينزل بهم عذاباً أليماً، وقد يعريهم مما يلبسون، فيعزون النقص إليهم دونه، ثم يقولون (لقد أخطأت كثيراً في لعبي) وا رحمتاه لهم! يتهمون أنفسهم ثم لا يكفرون حمص محمد روحي فيصل

стр. 3434

العلوم ماء جديد أيضا للدكتور احمد زكي ذكرت في العدد ألا سبق من الرسالة ما كان من أمر الماء الثقيل، وقد سألني سائلون الزيادة من ذلك فها هي: - ان الماء الثقيل يختلف كل الاختلاف عن الماء العادي في خواصه: الماء العاديالماء الثقيل درجة السيحانصفر + ٣. ٨ درجة الغليان١٠٠ ١٠١. ٤٢ الوزن النوعي في درجة ٢٥١ ١. ١٠٥٦ الدرجة التي عندها يبلغ اكثر كثافته + ٤ + ١١. ٦ فمن اجل هذا، ومن اجل أن الأيدروجين في الماء الأخف يختلف عنه في الماء الأثقل اختلافا بينا، اقترح الكيمياويون الأمريكان لهذا الأيدروجين الأثقل اسما جديدا فأسموه ديوتيريوم واقترح له الأستاذ المعروف اللورد رذرفود اسما غير هذا لاعتبارات كثيرة فاسماه وكلا الاسمين ثقيل على السان العربي. ولعل الثاني أخف وطأة من أخيه، وقد اشتركا في حرفهما الأول فصار رمز هذا العنصر الجديد هو حرف يصبح الماء الثقيل أكسيد الدبلوجين. وقد قدر الباحثون مقدار الدبلوجين في الأيدروجين العادي وقدروا مقدار أكسيد الدبلوجين في الماء العادي فاختلفوا اختلافا كبيرا، وكان الاختلاف لأسباب، مثالها انهم اعتمدوا في أحد هذه التقديرات على طيف الأيدروجين، وكان أيدروجينا حضروه بطريقة التحليل الكهربائي للماء. فكان دبلوجينه لاشك قليل لان أكسيده أبطأ تحللا بالكهرباء من الماء. فخرج الحساب بنتائج واطئة المقدار. ومن هذه النتائج الواطئة النسبة ١ إلى ٢٥٠٠٠ التي ذكرتها في مقالي السابق.

стр. 3435

واتبع باحثان آخران طريقة أخرى يكفلان بها تحلل الماء كله تحللا كهربائياً كاملاً، ثم اختبروا طيف ايدروجينه الناتج، فقدروا ان به من الدبلوجين جزءا في كل ٥٠٠٠ جزء وطبق الأستاذان لويس ومكدونالد طريقة البكنومتر على المائين، العادي والنقي (هكذا أسمياهما) فخرجا على آن الماء العادي يحتوي جزءا في كل ٦٥٠٠ جزء واستخدم الأستاذ اللورد رذرفورد وأصحابه طريقة (القذائف) وفيها قذفوا عنصر الليثيوم بأيونات الدبلوجين وأيونات الأيدروجين، فوجدوا أن جسيمات (ألفا) الناتجة في حالة الدبلوجين لها مدى اكبر ٥٠ في المائة من مداها في حالة الأيدروجين. وهذه طريقة دقيقة يرجون بها أن يقدروا أكسيد الدبلوجين في الأمواه الاصطناعية والأمواه الطبيعية المختلفة، فماء العين لاشك سيختلف عن ماء النهر، وهذا عن ماء البحر، ومياه البحار الطلقة لا شك ستختلف في ذلك عن مياه البحر الحبيسة. وقد وجدوا فعلا أن ماء البحر الميت يكثر مقدار أكسيد الدبلوجين الذي به، وقد قدرت النتائج الأولى هذه الكثرة بالضعف. وهذا ما كان منتظرا لتبخر مائه تبخرا يزيد على غيره من البحار. أما الخواص الكيماوية للدبلوجين ولأكسيده فالأبحاث التي أجريت عنها لا تزال قليلة. ولكنها في مجموعها تشير إلى قلة النشاط الكيميائي في الدبلوجين وفي أكسيده. مثال ذلك انهم حللوا ماء مأخوذاً من المطر بإمراره على الحديد المحمي فوجدوا أن الجزء الأول الناتج من الأيدروجين يحتوي ٦٠٠٠: ١ من الدبلوجين، بينما الجزء الأخير يحتوي ٤٥٠٠: ١ منه. ومثال ذلك انك إذا حللت ماء محمضا بالخارصين فان المتبقي من هذا الماء تزيد نسبة أكسيد الدبلوجين فيه زيادة كبيرة. أن علمنا بالدبلوجين ومركباته لا يزال قليلا، ومناهج البحث فيه كثيرة والاحتمالات العلمية الذي سيتمخض عنها الغد لاشك جليلة. قال الأستاذ الورد رذرفورد (لقد فتح هذا الكشف لنا باب كيمياء جديدة وبليجة جديدة) احمد زكي
следующие страницы →