← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

والأحوال لأنها إنما ترتبط جميعها بالمكان والزمان اللذين أبدعاها وكونا عناصرها. ولسنا نستطيع تفهمها ولا محبتها إذا كنا نجهل الزمن الذي أنشئت فيه والمكان والشروط الاجتماعية التي أحاطت تكوينها. الحق إن البلاهة المتعاظمة الصلفة إنما تبرز في القول بالإنتاجالفني المستقل. فالثمن الذي يدفع غالياُ للمؤلفات الرفيعة العالية إنما هو ثمن العلاقات التي تربطها بالحياة. وأنا كلما تبينت هذه العلاقات وكشفت قوتها أشتد هيامي بالأثر الفني أستسيغه وأستمرئه. القمار يلعب المقامرون كما يحب العشاق ويسكر الشراب مرغمين مجبرين. يلينون لقوة رائعة لا تقاوم، ويستكينون للنوازع الجامحة العمياء! وفي الناس من وقف نفسه على القمار ونذرها للعب، على نحو من يقف نفسه على الهوى وينذرها للتصابي والغرام. ولست أدري الذي ابتدع قصة ذينك الملاحين المقامرين تذيبهما نيران اللهو، كاد الملاحان يغرقان ثم طوحا بجسميهما وسط المغامرات الخطيرة، ولم ينجهم من الموت المحتوم غير الطفرة إلى ظهر حوت، فما لبثا أن انتزعا من الجيوب الزهر والفنجان، ثم راحا يلعبان! هذه القصة أصح من الحقيقة وأشد منها ثبوتاً، وكل مقامر مدنف إنما هو ملاح على طراز من ذكرنا. والواقع إن في القمار معنى من معاني الرهبة، يهز أعصاب الشجاع، ويثير في نفسه ألوان الاضطراب والقلق. فليس اختبار الحظ غبطة يسيرة معتدلة، وليس ارتشاف حياة طويلة عريضة ذات أشهر وسنين مليئة بالخوف والرجاء، بالألم والأمل - ليس ارتشافها في هنيهة من الزمن لذة ضعيفة هامدة لا تثمل، أذكر إني كنت دون العاشرة من عمري حين قرأ علينا المسيو غريبيني، أستاذ الصف التاسع، حديث الإنسان والجنية. وبالرغم من طول البعاد وتقادم العهد، فأني ما أزال أعيه وأتمثله كأنما هو حديث الأمس القريب: إن جنية ماكرة دفعت إلى طفل صغير خيطاً طويلاُ قد لف بانتظام حول نفسه ثم قالت له (هذا خيط عمرك فألمسه وحين تريد أن يمضي الزمن لتستشرف له وتحيا فيه فأشدد الخيط فأن الأيام والليالي سوف تمر أمام ناظريك وتكر متتابعة في إسراع أو بطء حسبما تشد الخيط في قوة أو فتور. وما دمت لا تجذب هذا الخيط فإنك تبقى من الوجود في الساعة التي أنت فيها) فأخذ الطفل الخيط الملفوف فجره قبل كل شئ ليفلت من طور

стр. 3432

الطفولة ويغدو رجلاً رشيداً، ثم جره ليتزوج ممن أحب، وما زال يجره حتى رأى أولاده تنمو، ونفسه تبلغ أسنى المراتب، وتنال المال الوفير والمجد الرفيع، ثم جره ليجتاز آلام الشيخوخة ويجتنب ثقل وطأتها وأمراضها. . وا أسفاه على هذا العود الأملد النظير! لقد عاش الطفل أربعة أشهر من بعدها ستة أيام على زيارة الجنية له. لعمرك قل لي ما حد القمار إذا لم يكن الفن الذي يستبق أحداث الطبيعة العاقلة، ويشد تقلبات الأقدار المتئدة التي لا تبرز إلا في سنين وسنين! أليس القمار هذا الفن العجيب الذي يجمع في لمحة من الزمن مختلف الأهواء والميول المنتثرة بين حياة الناس البطيئة الراكدة؟ بلى! إنه سر الوجود ومعنى الحياة نتذوقها في مدى قليل من الثواني القصار، فهو يطاول القدر ويسايره جنب إلى جنب ولعله يشبه صراع يعقوب مع الملك، أو ميثاق الدكتور (فوست) مع الشيطان. المال مادة القمار؛ ونقصد إنه العلة الضرورية المباشرة ومن يدري! لعل الورقة التي تستبطن، أو الكرة التي تتدحرج، تنفح المقامر اللاعب بالحدائق الجميلة، والحقول المزروعة، والأحراج الفخمة، والقصور المشيدة تشق السماء أبراجها الدقيقة. هذه الكرة المتدحرجة إنما تضم في اطوائها الأراضي الخصبة الواسعة، والدور العامرة تلمع مداخنها المنحوتة في مياه اللوار، إنما تضم كنوز الفن وعجائب الذوق، وجواهر غالية طريفة، ونفوساً كان يظن أن ليس إلى بيعها من سبيل. وعلى الجملة تضم مطارف الزينة والمجد، وشديد القوى ونافذ الأسلحة، ماذا أقول؟ إنها تضم شيئاً أثمن من هذا كله بكثير: تضم الأماني والأحلام، أفتريد بعد هذا ألاّ يلعب المقامرون وألاّ يلهو الهازلون. .؟؟ ولو أن القمار لا يبعث غير الآمال الكبار ولا يبدي إلا بسمة عينيه الخضراوين، لكان الميل إليه خفيفاً نحيفلاً، ولكنما أظافره مصنوعة من ماس، يروع، ويخلع البؤس إن شاء، والحياء حين يريد. . ومن هنا كان القمار إلهاً تقدم له فروض الطاعة ومراسيم العبادة: يكمن الخطر في الأهواء الملحة العنيفة، أرأيت غبطة شديدة ليس يصحبها خمار أو يعقبها دوار، وإنما تسكر اللذة قد خالطها الفزع، وهل يخيف شئ في الوجود أكثر مما يخيف القمار؟ إذا أعطى أدهش، وإذا أخذ فتش. منطقه يباين منطقنا، فهو أصم وأبكم وأعمى، قادر على كل شئ كالإله، له عباده وقد يسوء الذين يحبونه لذاته لا لثوابه، وأكثر ما

стр. 3433

يعبدونه حين ينزل بهم عذاباً أليماً، وقد يعريهم مما يلبسون، فيعزون النقص إليهم دونه، ثم يقولون (لقد أخطأت كثيراً في لعبي) وا رحمتاه لهم! يتهمون أنفسهم ثم لا يكفرون حمص محمد روحي فيصل

стр. 3434

العلوم ماء جديد أيضا للدكتور احمد زكي ذكرت في العدد ألا سبق من الرسالة ما كان من أمر الماء الثقيل، وقد سألني سائلون الزيادة من ذلك فها هي: - ان الماء الثقيل يختلف كل الاختلاف عن الماء العادي في خواصه: الماء العاديالماء الثقيل درجة السيحانصفر + ٣. ٨ درجة الغليان١٠٠ ١٠١. ٤٢ الوزن النوعي في درجة ٢٥١ ١. ١٠٥٦ الدرجة التي عندها يبلغ اكثر كثافته + ٤ + ١١. ٦ فمن اجل هذا، ومن اجل أن الأيدروجين في الماء الأخف يختلف عنه في الماء الأثقل اختلافا بينا، اقترح الكيمياويون الأمريكان لهذا الأيدروجين الأثقل اسما جديدا فأسموه ديوتيريوم واقترح له الأستاذ المعروف اللورد رذرفود اسما غير هذا لاعتبارات كثيرة فاسماه وكلا الاسمين ثقيل على السان العربي. ولعل الثاني أخف وطأة من أخيه، وقد اشتركا في حرفهما الأول فصار رمز هذا العنصر الجديد هو حرف يصبح الماء الثقيل أكسيد الدبلوجين. وقد قدر الباحثون مقدار الدبلوجين في الأيدروجين العادي وقدروا مقدار أكسيد الدبلوجين في الماء العادي فاختلفوا اختلافا كبيرا، وكان الاختلاف لأسباب، مثالها انهم اعتمدوا في أحد هذه التقديرات على طيف الأيدروجين، وكان أيدروجينا حضروه بطريقة التحليل الكهربائي للماء. فكان دبلوجينه لاشك قليل لان أكسيده أبطأ تحللا بالكهرباء من الماء. فخرج الحساب بنتائج واطئة المقدار. ومن هذه النتائج الواطئة النسبة ١ إلى ٢٥٠٠٠ التي ذكرتها في مقالي السابق.

стр. 3435

واتبع باحثان آخران طريقة أخرى يكفلان بها تحلل الماء كله تحللا كهربائياً كاملاً، ثم اختبروا طيف ايدروجينه الناتج، فقدروا ان به من الدبلوجين جزءا في كل ٥٠٠٠ جزء وطبق الأستاذان لويس ومكدونالد طريقة البكنومتر على المائين، العادي والنقي (هكذا أسمياهما) فخرجا على آن الماء العادي يحتوي جزءا في كل ٦٥٠٠ جزء واستخدم الأستاذ اللورد رذرفورد وأصحابه طريقة (القذائف) وفيها قذفوا عنصر الليثيوم بأيونات الدبلوجين وأيونات الأيدروجين، فوجدوا أن جسيمات (ألفا) الناتجة في حالة الدبلوجين لها مدى اكبر ٥٠ في المائة من مداها في حالة الأيدروجين. وهذه طريقة دقيقة يرجون بها أن يقدروا أكسيد الدبلوجين في الأمواه الاصطناعية والأمواه الطبيعية المختلفة، فماء العين لاشك سيختلف عن ماء النهر، وهذا عن ماء البحر، ومياه البحار الطلقة لا شك ستختلف في ذلك عن مياه البحر الحبيسة. وقد وجدوا فعلا أن ماء البحر الميت يكثر مقدار أكسيد الدبلوجين الذي به، وقد قدرت النتائج الأولى هذه الكثرة بالضعف. وهذا ما كان منتظرا لتبخر مائه تبخرا يزيد على غيره من البحار. أما الخواص الكيماوية للدبلوجين ولأكسيده فالأبحاث التي أجريت عنها لا تزال قليلة. ولكنها في مجموعها تشير إلى قلة النشاط الكيميائي في الدبلوجين وفي أكسيده. مثال ذلك انهم حللوا ماء مأخوذاً من المطر بإمراره على الحديد المحمي فوجدوا أن الجزء الأول الناتج من الأيدروجين يحتوي ٦٠٠٠: ١ من الدبلوجين، بينما الجزء الأخير يحتوي ٤٥٠٠: ١ منه. ومثال ذلك انك إذا حللت ماء محمضا بالخارصين فان المتبقي من هذا الماء تزيد نسبة أكسيد الدبلوجين فيه زيادة كبيرة. أن علمنا بالدبلوجين ومركباته لا يزال قليلا، ومناهج البحث فيه كثيرة والاحتمالات العلمية الذي سيتمخض عنها الغد لاشك جليلة. قال الأستاذ الورد رذرفورد (لقد فتح هذا الكشف لنا باب كيمياء جديدة وبليجة جديدة) احمد زكي

стр. 3436

ماء جديد حضرة الأستاذ الكبير صاحب الرسالة الغراء تحية واحترام وبعد، فقد قرانا فيما قرأناه من موضوعات شيقة آخر ما صدر من أعداد الرسالة فصلا قيما كتبه حضرة الدكتور احمد زكيفي باب العلوم بعنوان (ماء جديد) فهمنا منه أن البحث قد كشف أخيرا عن وزنين مختلفين لذرة الأيدروجين كما كشف قبلا عن مثل ذلك في الزئبق وغيره من العناصر، وانه ظهر على اثر ذلك أن الماء العادي يشمل على كم صغير جدا من ماء ثقيل شديد التركز مؤلف من ذرات الأيدروجين الثقيلة وذرات الأوكسجين وقد ذهب الدكتور الفاضل إلى أن هذه الحقيقة الأخيرة قد أظهرت خللا في الأسس المقررة لقياس الحرارة ووزن الإثقال وذهب بعض القراء إلى انه يؤخذ من مقال احمد أمين هذا - يريد احمد زكي - أن البحث الحديث قد أدى إلى نتيجة جديدة وهي إن الماء مؤلف من ذرات أيدروجين صغيرة وذرات أيدروجين كبيرة، وانه لا صحة لما كان يقال من أن السنتيمتر المكعب من الماء يزن جراما. وعندي صاحب المقال لم يخطر بباله عند كتابته انه سيؤدي إلى هذه النتائج الخطرة فهو يقول أن الماء الثقيل يتجمد في درجة ٤ تحت الصفر ويغلي على درجة ١٠١ ويعد هذا دليلا على فساد أسس علم الحرارة، ثم يسال بأسلوب يلقي الريب في ذهن القارئ عن الجرام وهل وزن السنتيمتر المكعب من الماء الخفيف أو من الماء الثقيل؟ والصحيح أن الحقائق التي كشفها البحث وأشار إليها الكاتب لا تمس مقاييس الحرارة والأوزان من قريب أو بعيد. فالعبرة فيها كانت وستبقى في الماء النقي العادي، أو أن شئت الطبيعي، سيتجمد دائما في درجة الصفر ويغلي على درجة المائة ويزن السنتيمتر المكعب منه جراما لا غير في درجة معينة من الحرارة. وما شان الماء الخفيف وحده والماء الثقيل وحده بعد ذلك في أمر الحرارة والثقل إلا نفس الشأن الذي لغيرهما من السوائل فالماء النقي العادي سيظل كما هو أساس مقاييس الحرارة والأوزان. وأما ما ذهب إليه بعض القراء من الخلط بين الأستاذ الكاتب وزميله الأستاذ احمد أمين فمرده فيما أرى إلى تناول الكاتب موضوعاته العلمية بأسلوب كأسلوب زميله الأديب الكبير

стр. 3437

واغلب الظن أن النتيجة العجيبة التي طفر بها إليها هذا البعض من تكون الماء من أيدروجين صغير الذرات وأيدروجين كبيرها تقع تبعتها على هذا الأسلوب الأدبي الممتع نفسه. . . . .؟ الإسكندرية (م. ا.)

стр. 3438

تعليق أقرأني صديق الأستاذ الزيات اعتراض الكاتب الفاضل م. ا. وأرى انه إذا كان حضرته يريد القول بان هذا الكشف الجديد لا يؤثر في وزن السنتيمتر من الماء مطلقا، أو على حسب تعبيره (من قريب أو بعيد) فهو لاشك مخطئ، لان الأمواه تختلف نسبة الماء الثقيل فيها اعني أكسيد الدبلوجين، وإذن تختلف كثافتها. ولو رجع إلى مقالي الثاني المنشور بهذا العدد من الرسالة لوجد بعملية حسابية أن هذا الاختلاف يتناول من كثافة الماء الرقم العشري الخامس، وأرجو أن يكون عالما بان من الموازين الحساسة ما يحس بزنة الرقم العشري الثامن من الجرام، ومن اجل هذا أمكن العلماء باستخدام طريقة البكنومتر، وهي تعتمد على تفريق بين الكثافات بالوزن، في تقدير ما بالأمواه من ماء ثقيل - وان كان الكاتب الفاضل يريد أن يقول أن هذا الاختلاف بسيط لا يؤثر في التجارب العلمية المعتادة فهو لاشك مصيب، فان الموازين العادية بالمدارس تزن إلى جزء من عشرة آلاف من الجرام، أي تصل إلى الرقم العشري الرابع فقط. وهذا هو عينه الذي قررته في مقالي الذي يعترض عليه. فقد قلت فيه (على ان هذه الاختلافات لا تؤثر في حوائج العلم العادية) أن الكاتب إذ كتب في الأدب قد يذهب به الخيال عن الدقة، وقد يغتفر له ذلك، أما إذا هو كتب في العلم وجب أن يكون أول ما يقصد إليه الدقة في التعبير ويزداد هذا الواجب وجبا إذ هو حاول أن يتكلم عن العلم لغير علمين، فاضطر إلى استعارة شيء يسير من لغة الأدب، وهذا ما نأخذ به دائما. ولكن على القراء كذلك واجب التدقيق عند القراءة. فصاحبنا الذي خلط بين احمد أمين واحمد زكي كان من الطبيعي أن يخلط في فهم المقال. وحضرة الفاضل م. أنفسه لاشك قرا المقال بسرعة، فانه روى على ان الماء الثقيل يتجمد في درجة أربعة تحت الصفر والذي كتبته ونشر في المقال كان (في نحو درجة أربعة) ومعناها بالطبع فوق الصفر لا تحته. احمد زكي

стр. 3439

القصص الميتة. . . بقلم الكاتب القصصي (جي دي موباسان) ترجمة الأستاذ خليل هنداوي أحببتها حتى غلب علي فيها الذهول، ولماذا أحببتها؟ أغريب شأني إذا لم تر عيناي إلا كائنا واحدا، ولم تحمل نفسي إلا فكرة واحدة، ولم ينطوي قلبي إلا على أمنية واحدة، ولم يتسع فمي إلا لاسم واحد؟ ذلك الاسم الذي يصعد من فمي تكرارا. من أعماق روحي مرارا، كأنه ينبوع متفجر. أقوله وأعيد فيه القول ثانية وثالثة كأنه صلاة اذكرها وارددها. لن أقص عليكم ما غشيني في هذا الحب، ومتى كان للحب حكايات متعددة، ورواياته في كل زمان ومكان واحدة. قد رايتها واحببتها، وهذا كل ما في روايتي. قضيت زمنا - ويا حبذا ذلك الزمن - يغمرني عطفها، وتحوطني بذراعيها، وتشبعني نظراتها، ورداؤها وكلماتها. بل فنيت فيها حتى غلب علي الذهول فأصبحت لا ادري: أذلك الليل أو النهار يحيط بي؟ وأنا في قيد الحياة أو في سجل الأموات؟ وهل أنا على أرض غير الأرض؟ والآن ماتت، فكيف سطا عليها الموت؟ لا ادري. . لا اعلم، دخلت علي أمسية ليلة من ليالي الشتاء مبللة الأثواب فنامت، فتيقضت وهي ترسل السعال ملحة فلزمت سريرها مضطرة. وبعد ذلك لا اعلم. الأطباء حشدناهم من كل صوب. فكانوا يقدمون ويكتبون ويذهبون. والعلاجات تنهال عليها وإزاءها امرأة ترعاها. يدها حارة الملمس. وجبينها متوقد. ونضرتها ساطعة، لكنها كئيبة. أكلمها فتخاطبني، ولكن ماذا قلنا؟ لا أعلم. . قد نسيت كل شيء. . كل شيء. إنها قضت ولا أزال اذكر تنهدتها الخفيفة وأنتها الضعيفة. وقد صاح من خولها (آه) ففهمت أن الأمر انقضى. لم اعد اعلم شيئا. .

стр. 3440

لمحت كاهنا يخاطبني بهذه الكلمة: أمعشوقتك؟ فخيل الي انه ينال منها، - وهو بعد موتها - يجب عليه ألا يعرف شيئا من هذا فنفيته من دارها وطلبت غيره، فخف إلى كاهن طيب السريرة. رقيق النفس، حدثني عنها فغلب علي البكاء. أمسيت لا أعرف شيئا، ولكني اذكر الأكفان والناووس الذي ووريت فيه إلى الأبد. نزلت في التراب، وجاء معها بعض صواحبها، وأخيرا انطلقت وطفت في السبل شاردا، وعدت أدراجي، وفي الغد الباكر حملت نفسي على الرحيل وبالأمس دخلت باريس. . . ومذ وقع ناظري على غرفتي. . غرفتنا وسريرنا ومتاعنا. وكل ما يخلفه الميت وراءه، شعرت بان أنفاسي تضيق، وبان كآبة تتمدد في إحناء نفسي فتزيد صدري حرجا. وتبعثني على إلقاء نفسي من النافذة. . . لم استطع البقاء طويلا في هذه الغرفة التي تتراءى لي فيها محبوبتي، فاسرعت عازما على الخروج فوقع ناظري على تلك المرآة المصقولة التي كانت تقف إزاءها ناضرة إلى وجهها وجسدها كل يوم، تتقن زينتها تجاه هذه المرآة التي كان رسمها ينعكس فيها، ولا يزال يتراءى على صفحتها فأدركتني رعشة عميقة، وعيني خلال ذلك لا تبرح المرآة العميقة الفارغة التي احتوتها - قبل اليوم - فخيل إلي أنني احب هذه المرآة فلمستها فإذا هي باردة. . . ولكن الذكرى، الذكرى!! المرآة الملتهبة المعذبة. إلا انهم سعداء، من تشبه قلوبهم هذه المرآة ترتسم عليها الضلال ثم تمحى. وتنسى كل ما ارتسم عليها وارتسم فيها. برحت مكاني وأنا غير مختار. ولا اعلم أية وجهة اسلك!؟ فدخلت المقبرة فألفيت ضريحها المنفرد يشرف عليه صليب رخامي نقش تحته (إنها أحبت وكانت محبوبة ثم ماتت. . .) إنها تحت هذا الضريح قد عبث فيها الفساد! مكثت هنالك طويلا خاشع الرأس حتى واتى المساء، ولكن خطرة غريبة صعدت من نفسي هي خطرة عاشق يائس تحدثني وترغمني على قضاء الليل بجانبها ذاكراً باكياً، ولكن الناس سينظرون إلي وسيطردوني فما عسى

стр. 3441

اصنع؟ نهضت وأبديت لمن يراني إنني ضال بين القبور، فسرت وأمعنت في السير، ولكن ما أضأل مدينة الموتى إزاء غيرها من مدن أهل الحياة، والموتى ينيف عددهم على عدد الأحياء. يتخذ القصور الشامخة والدور الباسقة والسبل الفسيحة أبناء النور، وشاربو الينابيع، وراشفو ابنة الأعناب، وآكلو سنابل الحقول، أما الموتى الذين تحدروا إلى أعماق الثرى وما زالوا ينحدرون. أولئك لا ينالون شيئا. . . رقعة من الثرى تضمهم والنسيان يطوي أسماءهم ووداعاً. في زاوية من زوايا المقبرة الآهلة بسكانها وقع ناضري على المقبرة العتيقة التي اختلط رفات أصحابها بالتراب، واتى على صلبانهم الهلاك. وغداً سيبدل الأحياء بالنازلين القدماء، نازلين محدثين. كان يغشى تلك المقبرة ورود منتشرة، وأوراق سوداء، كأنها حديقة كئيبة سامخة تغذيها لحوم الموتى. آويت إلى جذع شجرة تواريت به عن الناس. ولبثت مرتقبا قابضاً على الجذع كما يقبض الغريق على بقية من بقايا زورقه المحطم حتى مد الظلام رواقه، فغادرت مكاني وطفقت أطوف متمهلا بين اللحود ضللت كثيراً وأنا أتلمس قبرها. فكنت أسرى باسطاً يدي. وفاتحاً عيني، وواثباً بين القبور على غير هدى، فكم قبور لمحت، وكم رسوم وقفت عليها كأعمى يود أن يهتدي إلى سبيله فلمست حجارة وصلباناً. وأكاليل ذوت ازاهيرها، واكاليل من زجاج. وتلوت أسماء كثيرة بيدي ولكنني لم أجدها. لا قمر في السماء يزيح هذه الظلمة الداجية.! وياله من ليل بعث في نفسي الهول. أغشى الطريق تغمر جانبيها القبور. القبور عن يميني والقبور عن شمالي. والقبور أمامي وورائي. أعياني السير فاستويت على ضريح فسمعت خفقان قلبي وسمعت شيئا غير خفقانه. ماذا اسمع؟ أهذه وساوس تعيث في رأسي؟! وهذه أسماء تتصاعد من الأرض الطافحة بأشلاء بني الإنسان؟

стр. 3442

كم مضى علي من الزمن وأنا لابث في مكاني؟ لا أعلم: ولكن الخوف قابض على قلبي بكلتا يديه لا يبرحه. همت باكيا أصيح، وأوشكت أن اقضي نحبي. فجأة شعرت بأن لوح الضريح الذي تخذته مقعداً لي بدأ يتحرك كأن شيئا تحته يزيحه، فنعدت عنه مذعوراً وإذا باللوح يمشي. . . وصاحبه ينتصب بهيكله العظمي. أزاح بظهره المقوس لوح الضريح فألقاه على الأرض فتلوت على اللوح برغم حلوكة الليل: (هاهنا يرقد (جاك اوليفان) المتوفى في الخمسين من عمره. كان باراً بأبويه: وكان صالحا شريفاً. ومات تحت كنف الله) رأيت الميت يحدق في هذه الكلمات ثم جاء بحجر مسنون يمحوها حتى لم يبق لها من اثر. ثم اخذ ينظر مكانها وتناول عظمة من عظامه وسطر عليها بأحرف بارزة (هاهنا يرقد جاك اوليفان المتوفى في الخمسين من عمره. قد عجل موت والديه لعقوقه، وأضنى امراته. وعذب أولاده وخدع جيرانه وسرق ما استطاع ومات فقيراً). أتم الميت تسطيرها وظل يتأمل فيها، وغادرت مكاني فإذا القبور جميعها متفتحة، وسكانها جميعا بعثوا من مراقدهم، ومحوا الصفات الكاذبة التي سطرها أهلوهم على لوحات قبورهم، ونقشوا مكانها حقائقهم المجردة، فوجدت أن جميع هؤلاء الآباء الصالحين والزوجات الأمينات، والأبناء الطاهرين، والغواني العفيفات، وأن هؤلاء التجار المستقيمين، منهم العاق والبغيض، واللئيم والمرائي، والكاذب والحاسد والنمام، ومنهم السارق والخادع، والمرتكب كثيرا من الآثام. رايتهم جميعا منكبين على منازلهم يسطرون حقيقة أنفسهم التي يجهلها أو يكاد يجعلها أبناء الحياة. شعرت - إذ ذاك - بان محبوبتي خطبها خطبهم، فجعلت إليها نافضا عني الخوف، ومن حولي القبور المفتوحة. والجثث المنشورة والهياكل المنتصبة. عرفتها إذ لمحتها، ولم أتوسم وجهها المتصبب عرقا. وعرفت القبر الذي كانت هذه الجملة مسطورة عليه (إنها أحبت. وكانت محبوبة ثم ماتت). تلوت هذه الجملة الثانية (خرجت يوما لتخون حبيبها فأصابها برد أودى بحياتها) ويبدو لي انهم عثروا بي راقدا عند شروق الشمس على أحد القبور خليل هنداوي

стр. 3443

في المزرعة بقلم إيفان بونين كان ذلك الوهج الوردي الفاتر المنبعث من الغروب الداوي يغادر السماء متلكئا متباطئا. وتوارى الضوء شيئا فشيئا بين جحافل الظلام التي أخذت تخيم فوق مزارع الغلال الفسيحة المترامية. ثم أمعنت تلك الجحافل في الزحف حثيثا على القرية. . بعد أن أرسلت بعض النوافذ الصغيرة في جدر الأكواخ وميضا نحاسيا خالبا يستبي اللب. كان المساء هادئا ساكنا. قد حشدت قبل قليل قطعان الماشية في حضائرها، واحكمت دونها الرتج والإغلاق. وآب أهل القرية من عملهم المضني فتناول كل عشاءه على الحصباء قبالة أكواخهم ثم غرقوا في صمت ساهم عميق. لا صوت لغناء ولا صرخة لطفل كل شيء كان يحلم حلمه المسائي. وكان الكابتن ايفانيش وقد جلس إلى نافذته المفتوحة يحلم أيضاً. كانت (عزبته) فوق رابية آجام واطئة من الاقاقيا والليلاك تحتها انجم كثيفة ملتفة مشتبكة من القراص والحماض تنحدر إلى اسفل في اتجاه الوادي. ومن النوافذ تستطيع العين ان تقطع مسافات شاسعة فوق تلك الأيك والإحراج البالغة مكانا قصيا. كانت الحقول ساكتة صامتة تحت ذلك الغسق الشاحب، قد انقطعت فيها الحركة. والهواء جافا دافئا عليلا. والنجوم في السماء ترتجف بإستيحاء وفي غموض مبهم كأنما تخفي في باطنها أسراراً لا تدرك وأحاجي لا تحل. ليس هناك تحت النافذة إلا بضع جنادب دائبة في صريرها المتشابه من غير كلل ولا ملل، وهي في مكامنها تحت عساليج القراص وإلا صيحات السماني المتزنة الآتية من السهل النائي البعيد. كان الكابتن ايفانيش وحده، كدأبه دائما. لقد كتب له أن يعيش وحيدا يقاسي آلام الوحدة ما بقي حياً. كان أبواه لا يملكان شيئا، يعيشان في بيت الأمير (نوكايسكي) ماتا إبان طفولتهولما يبلغ من العمر سنة واحدة. قضي أيام طفولته وفتوته في بيت عمة له مخبولة وفي مدرسة أبناء الجنود. كان في شبابه ينظم الأغاني ناسجا فيها نسج ديلفك وكولتسوف. نظم في قصائده

стр. 3444

الغرامية الكثير عن (هي) المعهودة. وما كانت (هي) المعهودة إلا (آنا) ابنة موظف في مكتب (تسجيل العقود) في القرية، لكنها ما كانت تحبه كما يحبها. كان اهل القرية يقولون عنه انه يشبه (السيد) ولكن ليس فيه شيء يسترعى النظر. هو نحيف طويل بعض الشيء. قد صار يوما بتأثير الأمير ملازما في الجيش ثم ورث عن عمته نقودا واستقال من وظيفته أما (هي) فقد ذهبت لتقيم في بيت صديق لها وتزوجت واقفل هو مكتبه على قصائده الغرامية حيث ظلت وستظل إلى يوم موته. أنشأ يشتغل بالزراعة وحاول العمل في مكتب الحكومة في القرية ولكن لم يسعفه الجد. ومرت الأيام وانقضت الشهور وتعاقبت السنون، واصبح فلاحا حقيقيا: سترة طويلة تصل إلى ركبتيه وشاربان طويلان أسودان، على انه ما كان يعلم إن وجهه المنضمر المغضن بعض الشيء وما كان يعلوه من إمارات الحنو كان جميلا جذابا. انه اليوم حزين مكلوم. وجاءت إليه في الصباح خادمة (اكرافية) التقية الورعة وذكرت له بين ما حدثته به (أتذكر السيدة (آنا) يا سيدي؟ - فأجابها الكابتن ايفانيش. نعم فقالت له ماتت ودفنت في خلال أيام الصوم. وبعد هذا لبث الكابتن ايفانيش طول يومه مرتسمة على شفتيه ابتسامة مضطربة غامضة. وفي المساء، وما أهدأ ذلك المساء وما اشده سكونا، وما أعمقه كآبة - لم يتناول عشائه ولم يذهب إلى فراشه مبكرا كعادته. بل تناول في يده لفافة غليظة من تبغ اسود قوي وظل جالسا إلى نافذته واضعا ساقيه الواحدة على الأخرى. أراد أن يخرج من البيت ويذهب إلى مكان ناء، ولكنه سال نفسه: إلى أين؟!. أيذهب لصيد السمان؟ ولكن لم يبقى وقت لذلك، ثم ليس هناك من يرافقه. أيذهب؟ أم لا. . . لم يرق له صيد السمان. تنهد وخبط بيده ذقنه غير الحليق. ثم قال في نفسه (ان حياة الإنسان لقصيرة ضنينة). أترى الحقبة طويلة من يوم كان فتى في ميعة الشباب حتى الآن مدرسة أبناء الجنود - حسنا إنها ولت. . . إلى حيث لا رجعة. . . قر وسغب ولغب - أسفار إلى عمته، ما

стр. 3445

أغربها من عمة. ما اشد شذوذها وغرابة أطوارها. هو يتذكرها جيدا، حتى لكأنها الآن ماثلة أمام عينيه - عجوز بكر هيفاء نحيلة. لها شعر اشعث، اسود فاحم، وعينان دعجاوان شاردتان ذاهلتان. كان يقول عنها أهل القرية إنها قد أصابها الخبل من حادث غرامي لم توفق فيه. . . هو يتذكر كيف كانت تحفظ جيدا بعض أساطير فرنسية جريا على عادة كانت في ذلك الحين متبعة في مدرسة ليلية من طراز قديم، وكيف كانت تكررها مرة بعد أخرى. ويذكر أيضا كيف كانت تضرب على البيان لحن (بولوني أو كينيكسي). لقد كانت تلك الأغنية تبدو مخيفة غريبة، لأن السيدة العجوز كانت تغنيها من غير عاطفة ولا شعور أوه - تلك الأغنية (بولوني أو كينيسكي). . . (هي) المعهودة أيضاً كانت تحسن غنائها وعزفها على البيان. والآن أخذت النجوم في السماء تبعث بصيصا ضئيلا من نور خافت وتتلألأ تلألؤاً سحرياً لا تدركه الأفهام. وطفقت الجنادب تسبح بصريرتها تسبيحتها الواهنة الوانية، لا تلبث تفتر حتى تهتاج من جديد في هدوء المساء وسكون الطبيعة. . . هناك بيان عتيق. هناك في تلك الغرفة الداخلية. النوافذ مفتوحة لولا أن (هي) المعهودة تدخل الآن في الغرفة، خفيفة الظل كالطيف وتعزف عليها، تمس مفاتيحها العتيقة المغبرة. . . ومن ثم يذهبان معا إلى هناك. . . إلى هناك باستقامة واحدة. . . يمران من تلك الطريق الضيقة بين الجويدار الكثيف. إلى اين. . . إلى بعيد، حيث الضوء ينبعث في الأفق الغربي. كبح الكابتن ايفانيش جماح أفكاره وابتسم قائلا بصوت مرتفع (لقد ذهب الخيال معي إلى بعيد. . .) كانت الجنادب تصدح بإنشودتها في نسيم المساء الهادئ البليل ومن البستان يعبق شذا الأرقطيون المحمل بالطل. وأريج زهرة الفجر ورائحة القراص المخضل المنعشة، فتختلط كل هذه الأرواح العطرة في الفضاء وتتجه شطر الأنوف كأنما تنتوي نية أو تبغي بغية. . . هذه العطور الزكية ذكرته بمساء كان قد رجع فيه من المدينة في ساعة متأخرة؛ وكيف ظل يفكر (عنها) يخدع نفسه ويمنيها بآمال السعادة والهناء. . . ما كنت ترى في القرية نافذة تشع، ساعة ساق عربته إلى أعالي الرابية. كل شيء تحت

стр. 3446

تلك القبة السماوية الصاحية السلسبيل الزاخرة بالكواكب كان غارقا في سبات عميق. . . ليالي إبريل مظلمة دافئة من البستان كانت تفوح رائحة الكرز المزهر. والضفادع تنق وسنانة في البرك - فتبعث بموسيقى ضعيفة هزيلة من النوع الذي يسمع عادة في آخر هزيع من ليالي الربيع عندما يدنو الصباح. ظل زمناً طويلاً قبل أن يعقد أجفانه الكرى، استلقى في نومة عميقة فوق الحلفاء في الكوخ بالبستان. قد لبث ساعات يمشي الهوينى على سراب جار تحول من بعد إلى سحابة بيضاء شفافة متألقة من الأحلام البعيدة النائية. ولكن هناك جاءت من بركة ليست في الحسبان بعد حين صيحة مالك الحزين - كأنها لغز أو سحر، والظلام الحالك - الظلام الذي ضرببجرانه فيطرقات البستان الضيقة هو أيضاً بدا كاللغز أو السحر. وبعد ذلك، قبيل الفجر فتح عينيه واستنشق ملأ رئتيه نسمات البستان الندية الباردة المحملة بالعطر. ومن خلال الكوة المفتوحة قليلاً أطلت عليه نجوم الصباح اللامعة مضطربة قلقة. استفاق الكابتن إيفانيش من هواجسه واستوى قائماً. وراح يطوي أرجاء الدار ترجع الجدر أصداء خطواته، وينحني بلاط الغرفة هنا وهناك تحت قدميه مرسلاً صوتاً متزناً كأنما هو يئن تحت وطئهما أنين الألم. (ثمانون عاماً عمر هذه الدار) قال في نفسه (لأستدعين الفعلة في الخريف سيكون البرد فيها في الشتاء المقبل قارساً لا يطاق). وفيما كان يتمشى جيئة وذهاباً كان يشعر إنه أضحى الآن أعجف سمجاً - هو طويل نحيل منحني بعض الشيء. ظل كذلك يجيء ويغدو ثم رفع حاجبيه وهز رأسه وغنى الغناء (البولوني). أحس إنه يرقب خطواته الخاصة - ينظر إلى نفسه - فقدم نفسه إلى نفسه على إنها رجل آخر يهيم في أرجاء الدار - رجل حزين قد أمضه الحزن وأرمضتقلبه الكلوم. حمل كنانته وخرج من الدار. كان الضوء خارج الدار أكثر من داخلها، ولا يزال ضوء الغروب الشاحب الذي توارى خلف القرية يرسل على مزارعها بصيصاً ضئيلاً باهتاً. وبخطوات ثقيلة مرتبكة جاز رقعة من الأرض مفروشة بفراش من القراص انتهى منها إلى رابية وقف عندها. وبعد أن أشعل غليونه وقف على صخرة هناك ثم قال في نفسه (أراني جالساً كالبوم على سفح الجبل) وسيقول الفلاحون عني هناك. . . إن الشيخ لا عمل له. . . نعم لقد أمسيت عجوزاً (ألم تبت (أنا). . . حتى لكأنها لم

стр. 3447

تكن) أين ذهب كل ذلك. . . كل ذلك الماضي كم ظل محدقاً ببصره في الحقول النائية كم ظل مصيخاً بسمعه إلى هجعة الطبيعة وسكنة المساء. . . قال بصوت مرتفع (كيف يمكن ذلك؟!) كل شيء سيبقى على حاله. الشمس تشرق. الفلاحون يخرجون إلى الحقول حاملين على أكتافهم محاريثهم عاليها سافلها، وسوف لا أرى من ذلك شيئاً - وليس هذا فحسب، بل ولن أكون في هذا المكان أبداً ولو مرت ألوف السنين، لن أعود إلى الدنيا مرة أخرى، لن أجلس جلستي هذه على هذه الرابية. . لبث زمناً طويلا جالساً جلسته تلك، مطرقاً يسحب شاربيه الأشيبين ويعبث بشعراتهما. ترى كم من السنين كان الرجل الذي أمامه الآنشيئا خطيراً - بارزاً. . . لقد كان ذات مرة صبياً صغيرا - وكان شاباً يافعاً - ثم هو في يوم قائظ لافح من أيام الصيف قصد بعربته الصغيرة إلى الانتخابات. . . ماراً من طريق عريض رحب ما اعرض ذلك الطريق!. . . ابتسم الكابتن ايفانيش إلى نفسه من أفكاره التي تتواثب من شيء إلى آخر. لكن ذلك كله كان منذ زمن بعيد. . . ممعن في البعد. . . كذلك. أواه! ماذا يرى الآن أمامه يا لهول ما يرى! قد بلغ زمنا هو كما يقول الناس يصل فيه كل شيء نهايته، سبعون، ثمانون عاماً لا يقدر الإنسان أن يعمر أكثر من هذا - ما هي الحياة البشرية - طويلة كانت أم قصيرة قال في نفسه: (إن حياتي طويلة على كل حال) هناك في ظلمة السماء أضاءت نجمة وخرت إلى الأرض. رفع عينيه الحزينتين الكليلتين، وظل يحدق في السماء. وفيما هو يرسل بنظراته في أعماق تلك اللانهاية المظلمة الهادئة الزاخرة بالكواكب، تنهد الصعداء وشعر بالحزن يذهب عن نفسه، لقد عاش هادئاً مطمئناً وسيموت هادئاً مطمئناً. كالورقة في تلك الأيكة تجف وتسقط متى يحين أوانها، إيه، لكل أجل كتاب. لا تكاد الحقول المترامية ترى في ظلمة الليل الحالكة. اشتدت الظلمة وزاد لآلاء النجوم. وبين الفينة والفينة تسمع صيحات السماني، وأخذت تنبعث من العشب الندي رائحة

стр. 3448

منعشة، استنشق الهواء بخفة، وبسهولة ملأ رئتيه، ما أشد اتصاله بهذه الطبيعة الهادئة الساكنة! بغداد ترجمة ع. الحمدي

стр. 3449

٤ - شهر بالغردقة للأستاذ الدمرداش محمد مدير إدارة السجلات والامتحانات بوزارة المعارف عند آبار البترول في الشمال من محطة الأحياء المائية وراء الأفق جبل عال تراه من المحطة إذا كان الجو صافياً ناتئاً بالبحر ببروز كبير. كان لهذا الجبل شأن كبير في قديم الزمان عند القدماء: من مصريين ورومان، فامتدت إليه همتهم وقصدوه من وادي النيل عبر الصحراء طلباً في سائل أسود كثيف ذي رائحة شديدة ينضح من جدار الجبل عند سطح الماء - هذا الجبل هو جبل الزيت، وهو سائل هو زيت البترول ولا يزال الجبل ينز بالزيت إلى يومنا هذا. وفي القرن الماضي عثر على الزيت في مغارات بالقرب من دمشة (جمسا) جنوبي جبل الزيت بنحو عشرين كيلو متراً، فدل هذا على وجود الزيت في باطن الأرض بكميات كافية للاستغلال التجاري، فتقدمت لاستغلاله شركة شل الإنكليزية، واستحوذت من الحكومة المصرية على منطقة امتياز في هذه البقعة، وبدأت العمل في مستهل هذا القرن، ثم حفرت أربعة وثلاثون بئراً مكثت تجود بالزيت حتى سنة ١٩٢٧، ثم نضب معينها فهجرتها الشركة وتحولت إلى غيرها. ويظهر إن هذا النجاح حفز حكومتنا السنية للبحث عن البترول، فاختارت بقعة جنوبي دمشة بخمسين كيلو متر تعرف بابي شعر، فأنشأت فيها في أوائل هذا القرن أيضاً مرفأ حسناً، وجعلت حوله رصيفاُ لإرساء السفن. مدت عليه سكة حديد ضيقة تربطه بالداخل لمسافة طويلة، ثم أقامت بالقرب من الرصيف المخازن والمساكن لإيواء الموظفين والعمال وجلبت إليهم الفناطيس والماكينات والسيارات والأنابيب، وكلها من أجود أنواع الصلب المتين، ثم أخذت في حفر بئر وقبل أن تتمها بدأت في حفر بئر ثانية على مسافة من الأول وقبل إكمالها توقفت عن العمل فصرفت العمال والموظفين وشونت الماكينات والأدوات وتركت الأبراج قائمة على الآبار إلى اليوم، وقد زرنا أبا شعرة عصر أحد الأيام وهو قريب من محطة الأحياء المائية، فاستقبلنا بالقرب

стр. 3450

من المرفأ الخفير القائم بالحراسة من قبل مصلحة المناجم، وقال هنا في هذا المخزن عربات الترولي وفي ذاك المخزن ست عربات لوري، وهناك الوابورات (ملقحة) وعلى يمينكم بيت المدير والإدارة وعلى يساركم منازل الموظفين والعمال، وعلى رأس السكة فنطاس الزيت، وخلف التل البئر الأولى وفي الوهدة أمامكم البئر الثانية. ثم تقدمنا فتبعناه فشاهدنا برجاً عظيماً من الحديد قد أقيم فوق البئر ولا زالت الأحبال والعدد هناك كما تركها العمال منذ عشرين عاماً ونيف. وكنت أتخيل الحارس وهو يعد محتويات أبي شعر كأنه الترجمان في منطقة سقارة أو الهرم وهو يرشد السائحين إلى مقابر الفراعنة وآثار الغابرين. وكنت أسائل نفسي في حيرة عن السبب أو الحكمة التي أملت هذا التصرف الغريب وعن العقلية التي أوحت بترك كل هذه الأدوات والعدد وثمنها لا يقل عن سبعين ألفا من الجنيهات كما قال الحارس ملقاة هكذا وسط الرمال طوال هذا الزمن حتى كادت تبلى ما دامت الحكومة قد قطعت الأمل من وجود البترول في هذه المنطقة. وفي عام ١٩١٤ استحوذت شركة شل (أيضاً) على شقة طويلة من ساحل البحر جنوبي أبو شعرة بعشرة كيلو مترات (فقط) في منطقة الغردقة، ثم حفرت فيها الآبار وأقامت عليها الأبراج وشيدت المعامل والمنازل وما إلى ذلك كما سيأتي وصفه. وقد توجهنا لزيارة هذه الآبار عصر أحد الأيام برفقة صديقنا الدكتور محمود أبو زيد مفتش مصلحة المناجم وهو مندوب الحكومة لدى الشركة وله الأشراف على تنفيذ اشتراطات العقد بينها وبين الحكومة، وقد استقبلنا لدى وصولنا إلى الشركة وكيل المدير وهو إنكليزي، وبعد تبادلنا التحية أجاز لنا الزيارة، فتوجهنا إلى المعمل الفني ثم إلى منطقة الآبار، ويدير المعمل عالمان لهما دراية خاصة بالجيولوجيا الصناعية فيقدم لهما عينات من أنواع التربة التي تخرج أثناء عملية حفر الآبار فيبحثانها بحثاً مستفيضاً من حيث التكوين والعصر الجيولوجي التي تكونت أثناءه ونوع الحيوانات التي كانت تعيش فيها وهكذا، ثم يعمل بذلك رسم تمثيلي لكل بئر يدل على الترتيب الطبقي للقشرة الأرضية في مكان البئر ونسبة السمك لكل طبقة وغير ذلك من البيانات الدقيقة. ومن هذا الرسم والشواهد الجيولوجية

стр. 3451

المحلية يكون في مكنتهما أن يقدما للشركة بيانات صحيحة لدرجة كبيرة من الأمور الآتية ١ - صلاحيات المنطقة من حيث وجود البترول ٢ - عمق الطبقات الخازنة له ٣ - نوع البترول ٤ - اتجاه البحث عند المشروع في اختيار مكان حفر البئر التالية. ولهذا المعمل على صغره وسكون الحركة من حوله أهمية كبرى في نظر الشركة وذلك لعظم النفقات التي يتكلفها حفر البئر الواحدة، فقيمة ذلك تتفاوت بين ستة آلاف وعشرة آلاف من الجنيهات. وللقارئ أن يتصور فداحة الخسارة التي قد تصيب الشركة إذا سارت في حفر الآبار على غير هدى كأن تقوم بالحفر في منطقة رحل عنها البترول أو كانت الطبقة الخازنة له قليلة العمق ينضب معينه منها بعد وقت وجيز. وقد انتهزت فرصة وجودي بالمعمل وسألت أحد العاملين عن رأيه في مسألة أصل زيت البترول، وهي من المسائل العلمية التي لم تقرر بعد بصفة قاطعة فأجاب انه في جانب النظرية التي تقول بأن البترول ناتج من انحلال مواد نباتية وحيوانية معاً. خرجنا من المعمل قاصدين الآبار، وتقع في منطقة الاستنباط الأساسية عند سفح تل من حجر جيري - المحطة نمرة ١ - وفي هذه النقطة حفرت الشركة أول بئر لها، وفد قيل لنا ان خروج الزيت منها كان بكميات عظيمة مكثت مدة تتدفق ليل نهار على هيئة نافورة، حتى أنها أغرقت من الأرض حولها مساحة كبيرة - ثم توالى بعد ذلك حفر الآبار شمالاً وجنوباً حتى بلغ عددها التسعين - وفي السنوات الأخيرة قل الناتج منها قلة ظاهرة دعت الشركة إلى الانتقال إلى المحطة نمرة (٢) وهي تقع في شقة جبلية قريبة من البحر على مسافة كيلو مترين تقريباً جهة الشرق من المحطة الأولى. وعدد ما حفر من الآبار حتى وقت الزيارة بلغ سبع عشرة بئراً كلها تجود بزيت غزير. وعملية حفر الآبار من العمليات الهندسية الدقيقة، وقد شاهدنا بئراً في دور الحفر في المحطة الثانية وقد أقيم عليها برجاً من الحديد لا يقل ارتفاعه عن عشرين متراً تتدلى من قمته أحبال من الصلب معلقة في بكرات ووقف في البرج حول البئر المهندس والعمال

стр. 3452

وكانوا يدخلون في جوف الأرض أنبوبة طويلة من الصلب، ومصدر الحركة من البرج طارة كبيرة من الخشب تديرها ماكينة قوية وقودها الزيت الثقيل. وعلى خبرة المهندس وبراعته يتوقف نجاح حفر البئر فمثقاب ثقيل صاعد هابط وأنابيب ترسل في جوف الأرض إلى عمق ألفين وربما ثلاثة آلاف من الأقدام الواحدة تلو الأخرى في استقامة رأسية، وإشارات المهندس يتلوها أفعال وأعمال بأوضاع مختلفة مؤتلفة. والمثقاب دائب الحركة داخل الأنابيب، وفتات الصخور والرمال ترتفع من باطن الأرض إلى سطحها بطرق ميكانيكية وبصيرة المهندس تلحظ ما هو جار في الأعماق فتصلح أي انحراف يطرأ على اتجاه الأنابيب أو تسد بالسمنت ما قد يحدث من الثغرات في جدرانها حتى لا يتدفق فيها ماء الرشح أو يتسرب منها الرمل فتفسد البئر، ويستمر العمل جارياً هكذا مدة ثلاثة شهور أو أربعة وأحياناً عشرة حتى يصل المثقاب إلى طبقة البترول، وهنا يسير العمل بحذر شديد وبعناية كبيرة، وتتجلى في هذا الدور ألمعية المهندس في توقيه ما قد يحدث أحياناً من انبثاق الزيت وهو تحت ضغط هائل من الأعماق السحيقة إلى وجه الأرض بشدة عظيمة تخرب البئر وتقذف الأنابيب والأدوات في الهواء إلى علو كبير، وتغرق الأرض بكميات كبيرة من الزيت يذهب معظمه هباء وتكون الخسارة افدح لو اتصلت النار بهذا الزيت فنشب حريق هائل قد يلتهم باقي الآبار ومستودعات البترول ومباني الشركة. للمهندسين طرائق مختلفة لاجتناب هذه الكارثة - فإذا اجتاز الحفر هذه الخطوة الدقيقة ووصل المثقاب إلى الزيت نفسه رفع المثقاب وأدليت مكانه مضخة ماصة كابسة تستقر وسط الزيت على عمق لا يقل في المتوسط عن ٦٠٠ متر، هذا إذا كان ضغط الغازات في باطن الأرض عاديا، أما إذا كان الضغط كبيرا فان الزيت يستمر متدفقا داخل الأنابيب من نفسه مدة طويلة حتى يهبط ضغطه، وعندئذ تدار المضخة بواسطة محركات قوية فيخرج الزيت على هيئة سائل كثيف لونه اسمر داكن مشبع بغازات فوارة ومختلط بدقائق الماء الملح وبعض المواد الصلبة والأملاح فيرسل في أنابيب إلى أجهزة خاصة لتنقية مما فيه فتنفصل عنه أولا الغازات الخفيفة التي ينتفع ببعضها محليا كوقود ثم تفصل عنه الأملاح بغسله بالماء الغذب في أحواض مقفلة ثم يفصل عنه الماء بطرق كهربائية في مصنع كبير مشيد بالقرب من الآبار، ومن جهازات التنقية يذهب الزيت إلى

стр. 3453

مستودع كبير بالقرب من الميناء لتخزينه بها حتى شحنه في السفن للسويس لتكريره وفصل مركباته عن بعضها كزيت الإضاءة وزيت الوقود والبنزين وغير ذلك - ويبلغ الناتج اليومي من البترول الخالص في حقل الغردقة ٦٠٠ طن يصيب الحكومة منه نحو ٦٠ طنا وذلك قيمة الضريبة. يتبع الدمرداش محمد

стр. 3454

العالم المسرحي والسينمائي فن التنكر - وعلاقته بالإضاءة المسرحية تحدثنا في الأسبوع الماضي عن فن التنكر من الوجهة العامة بحيث لوضحنا أهميته وخطره للممثل الذي يريد أن يتقن عمله المسرحي الإتقان الفني المنشود ليستطيع ان يخرج الشخصية التي يمثلها الإخراج الصحيح المطلوب من الممثل الكفء. وقد رأينا سعة الدائرة التي يشملها هذا الفن حتى ليتطلب الإلمام به دراسة شاملة دقيقة بعضها يتصل بعلم النفس، وبعضها يتصل بعلم التشريح والطب، وبعضها يتصل بدراسة الأجناس المختلفة المبعثرة على سطح هذه الأرض. ونتحدث في هذا الأسبوع عن فن التنكر من إحدى نواحيه الفنية اعني من حيث علاقته بالإضاءة المسرحية. فالأصباغ والأدهنة التي يستخدمها الممثل في تنكره تتألف من الوان مختلفة متعددة، ومن الثابت أن الألوان لها علاقة وثقى بالضوء، وشتان ما بين الأضواء الصناعية والضوء الطبيعي الذي يكسب الأشياء مظهرا خاصا ولونا خاصا لا يمكن أن يكون لها تحت الأشعة الصناعية، وليس ثمت ضوء صناعي يظهر الأشياء بنفس المظهر الذي يكون لها تحت أشعة الشمس في وضح النهار، لذلك كان لزاما علينا أن درس هذه العلاقة بين اللون والضوء حتى نستطيع في المسرح أن نعطي الضوء المناسب وقد أدخلت في السنوات الأخيرة تحسينات كثيرة على الإضاءة المسرحية سواء من الوجهة الفنية أو الآلية، وتكاد تكون لكل مخرج طريقته الخاصة به ونظرياته التي يبتكرها تارة أو يستنبطها من تجاربه المتوالية تارة أخرى. ولسنا بصدد شرح هذه النظريات، فنتركها إلى البديهيات التي لا محل فيها للاختلاف. والان نضع هذا السؤال: كيف نرى الأشياء ونميز ألوانها المختلفة؟ حاسة النظر هي التي تودي لنا هذه الغاية بواسطة الضوء. وهذا ثابت من الحقيقة المعروفة إذ لا يمكن أن نرى شيئا من الأشياء إلا إذا سلطنا عليه ضوء طبيعيا أو صناعيا، فإذا لم يكن هناك هذا الضوءلم نستطع رؤية شيء. وادخل غرفة مظلمة وحاول أن تميز ما فيها فلن تستطيع مهما كنت حاد البصر، مع أن الغرفة ملأى بما فيها من أثاث وأدوات وغيرها. وعود من الثقاب تستطيع بلهبه، الذي يشع ما نسميه بالضوء تمييز ما في هذه الغرفة. واكثر ما في

стр. 3455

هذا العالم من الأشياء لا يشع ضوءاً ذاتيا، وتسمى بذلك بالأجسام غير مضيئة، والبعض الآخر له القدرة على الإشعاع الذاتي وتسمى بالأجسام المضيئة. وهذه الأجسام كالشمس والمصباح واللهب ترى بواسطة الضوء الذي تشعه، ويتألف هذا الضوء من ذرات مضيئة يصل بعضها إلى شبكة العين فيؤثر فيها هذا التأثير الخاص أما الأجسام غير المضيئة فأنها تتراءى للعين لعلة واحدة وذلك بسبب مالها من الخاصية في عكس الأضواء التي تنصب عليها من الأجسام المضيئة. وعلى ذلك فان الأشياء التي تراها إنما تبين لناظريك عن طريق الضوء الذي تعكسه على شبكة العين. وتتوقف درجة وضوحها ومداها على طبيعة وحجم الأجزاء العاكسة للضوء فيها، وعلى مقدار الضوء المتسلط عليها، وعلى المدى الذي بينها وبين العين والأجسام المضيئة تبدو كأنها تزداد حجما كلما زاد ضوئها بريقا وقوة، وإذا نظرت إلى شيئين متساويين في الحجم أحدهما مضيء والثاني مظلم بدا الأول اكبر حجما من الثاني. ومن المسلم به إن الضوء الأبيض، كما يسمونه في الاصطلاحات العلمية، يتألف من جميع الألوان الموجودة في الطبيعة أو التي يمكن خلقها صناعيا، ومن الميسور تفريق هذه الألوان بعضها عن بعض، كما انه من الميسور مزجها من جديد فيعود للضوء لونه الأصلي. وهذه الألوان المختلفة يمكن تقسيمها إلى ستة الوان رئيسية هي: الأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضروالأزرق والبنفسجي. ولكل من هذه الألوان طبيعته، ولكل منها موجته وخواصه إلى غير ذلك مما لسنا بصدده. ولكن يهمنا هنا أن نقرر أن جميع الألوان ليست إلا نتاجا للضوء في انعكاسه من سطح المنظور على شبكة العين. فالأشياء التي نراها ليست لها الوان ذاتية في الحقيقة، ولكنها تكتسب ألوانها التي نراها ونصفها من طريق الانعكاس الضوئي. أو نقول بعبارة أخرى، إن اللون ينتج من الضوء الواقع على الشي المنظور. وما نسميه بالألوان الطبيعية للأشياء يرجع إلى الحقيقة المقررة من أن كل منظور يعكس على العين لونا من الألوان الموجودة في الضوء الأبيض المسمى بالضوء الكامل لانه يتألف من جميع الألوان والأجسام غير المضيئة خاصة تمييز أو امتصاص الضوء المتسلط عليها. وهذه الخاصية لها قوة الاختيار، أي إنها تمتص بعض الوان الضوء وتعكس البعض الآخر. وعلى ذلك فلون شيء من الأشياء يرجع في حقيقته إلى طبيعة اللون الضوئي الذي لم يمتصه المنظور وعكسه على العين. فمثلا، إذا امتص

стр. 3456

المنظور كل الضوء المتسلط عليه بدا المنظور اسود اللون وإذا عكس كل الضوء بدا ابيض اللون. فالمنظور الذي يبدو احمر اللون تحت الضوء الأبيض يكون قد امتص سائر الألوان الضوئية ولم يعكس منها إلا الأشعة الحمراء، فطبيعة اللون الذي يبدو للمنظور تتوقف على الضوء الساقط عليه، فإذا فرضنا إن الأشعة التي يعكسها المنظور معدومة في الشعاع الساقط عليه أو قليلة المقدار بداالمنظور قاتما أو غير تام الوضوح. ومن المعروف انه لا يمكن الحكم على الوان الأشياء حكما صادقا تحت الأشعة الصناعية. وذلك لان هذه الأشياء تكون في هذه الحالة معرضة لضوء لا تحتوي على كل الألوان الضوئية، ولذلك لا يمكن لهذه الأشياء أن تعكس جميع الألوان التي تعكسها تحت الضوء الطبيعي والضوء اللون ضوء ناقص، أي انه ينقصه لون أو جملة الوان من تلك التي يحتويها الضوء الأبيض الكامل. وهذه الكلمة الموجزة عن طبيعة الضوء إنما تعيننا على فهم الإضاءة الصناعية المستخدمة في المسرح وعلى الاستفادة منها بحيث نتسلط عليها كل التسلط ونوجهها الوجهة التي ننشدها لنخرج منها على خشبة التمثيل ما نشاء من الصور والأخيلة التي نريد أن نبرزها للتفرج. ولما كان التنكر المسرحي أساسه أصباغ وأدهنة ملونة، يستخدم كل لون منها لغاية مخصوصة محدودة، فان العلاقة بين فن التنكر والإضاءة المسرحية تبدو واضحة جلية. محمد علي حماد

стр. 3457

العدد ٤٢ - بتاريخ: ٢٣ - ٠٤ - ١٩٣٤

стр. 3458

العام الهجري ١٣٥٣ منذ أسبوع قلب الدهر المسجل صفحة ثلاث وخمسين وثلثمائة وألف من تاريخنا المجيد المشرق. قلبها هذه المرة وهو حافل حاشد يرصد فلك الإسلام، ويرقب حركة العرب، ويجمع الأُهبة لتسجيل ما يتوقع من أحداث الأمة المبعوثة، والبطولة الموروثة، والعروبة الناهضة! وكان منذ تفجرت في وجوهنا الأهوال، واغبرت في عيوننا الآمال، وأخلد إلى الجِمام سلطاننا الجاهد، يقلب الصفحة بعد الصفحة، فلا يجد ما يسجل غير أنَّات العاني، ونشجات الباكي، وخلجات الجناح المهيض، حتى أوشكت حياتنا الخالفة أن تكون لَحّقا من البؤس والهُون لكتاب آبائنا الجليل المحكم! ولكن الأمة العربية التي تمتد جذورها في أعماق الأزل لابد من ربيعها وإن طال الخريف! فالحياة المتجمعة في الأصل الثابت أخذت تشيع في الجذع وتنتشر في الفروع، والظلال الحاسرة في العهد الجديب جعلت تمتد إلى القفر وتنبسط في الربوع، وأشبال الفاتحين الذين غيروا وجه الأرض، وحرروا موازين العدل، قد هبوا ينفضون عن المعدن الكريم غبار الزمن، ويمسحون عن الجوهر الحر عبث العوادي، ويعودون إلى مكانهم من رأس القيادة وصدر العالم! ففي مصر تضطرب الحياة الجديدة في البراعم النابتة، وتضطرب نوازي الكمال في النفوس الهامدة، ويفيض نبل الإحساس في صدور الناس فيكفكفه وا أسفاه طغيان الغاضب، وتكدره وا حسرتاه بقايا العهد الذليل! وفي فلسطين تدافع العروبة جراد أوربا المحاق، وتصارع الاستعمار المسلح الخاتل، وتطلب عز الحياة بعز الممات وشرف التضحية. وفي سورية يقظة عاملة فطنة، تداور خصمها بالصبر، وتواثب جشعه بالحزام، وتقابل نفعه بالجذر، وتصارح هوجه بالنخوة. وتتجهز للمستقبل الباسم القريب بجهازه وفي العراق (أمة تنشئ الحياة، وتبني الملك، وتلحق الزمن) وتصل ما انقطع بين ماضٍ ضخم وحاضرٍ نزوع، وتنبض بالحيوية العربية المتجددة نبضان القلب الفتي الطموح

стр. 3459

وفي الجزيرة موطن الأسرار ومهبط الوحي ومشرق الدين ومنبت العبقرية تخطر العروبة في مطارف العز بين سرير الإمام وعرش المَلِك! وإذا نزت بين الأخوين نوازي الخلاف فذلك حفاظ ينتهي إلى السلم، تعود إلى السلامه، وإن في إصاختهما إلى دعوة الداعين إلى الصلح في أقطار العرب لدليلا على اتجاه الميول إلى الوحدة، وإصغاء القلب إلى الجماعة وفي الجزائر ومراكش قلوب تذوب من حرارة الظلم، ورءوس تدور من خَدَر السياسة، وشهداء في سبيل الوطن والدين يخطون لأبنائهم بدمائهم وصية المستقبل! وسائر المسلمين في تركية وإيران وأفغانستان والهند والصين وأندوسيا وروسيا ويوغوسلافيا يشعرون بالتطور الجديد، وينظرون إلى الأفق، ويتمنون أن يعود الإسلام كما بدأ مرفوع الراية، مجموع الرأي، مسموع الكلمة! والأمر في الجملة يدل على نور ينبثق من جديد في أمة محمد، وروح ينبعث في مملكة الرشيد، وشعور يتألف من هذه الروح وذلك النور فيجمع قلوب الاخوة المتفرقين على هوى واحد! حسبُنا مطلع العام الهجري موقظا للشعور وحافز للهمم وهادياً إلى شرف الغاية. يستقبله المسلم الذاكر فتعاوده ذكريان تجددان دينه وتثبتان يقينه وتقومان خلقة: ذكرى هجرة الرسول في سبيل الدين، وذكرى مقتل الحسين في سبيل الحق! فأما هجرة الرسول فقصيدة من قصائد البطولة القدسية لا يفتر عن إنشادها الدهر! استمدت وعيها من روح الله، ونسجها من خلق الرسول، وسيرها من صدق العرب! واستقرت في مجامع الأجيال مثلا مضروبا لقواد الإنسانية، يلهمهم الصبر على مكاره الرأي، والاستمساك في مزالق الفتنه، والاستبسال في مواقف المحنة، والاستشهاد في سبيل المبداء، والاعتقاد الصادق بفوز الفكرة بلَّغ الرسول ما أنزل إليه من ربه وقد تألبت عليه جهالة العصبية، وحماقة الشرك، وسفاهة الحسد، وعداوة المنافسة، وحرمان الفقر، وخذلان القلة، فما استكان ولا وهن؛ ثم نبْت ففار مكة على الغراس الإلهي فهاجر به تحت عين الله إلى طيبة! وهنالك؛ الصبر والصدق والأيمان والرجولة، أثمر غرس الدعوة، وتم نور الله، وأصبحت القلة ملة، وصارت كل قرية من القرى الثلاث قارَّة وأما مقتل الحسين فلا يزال صكاً دامياً في سجل التأريخ، يثبت أن العربي الحر لا تلهية

стр. 3460

عن نداء الواجب زهرة الحياة، ولا ترده عن طلب الحق كشرة الموت. فإذا انتفع العرب والمسلمون بهاتين الذكريين، وجعلوهما كما هما في رأس العام رمزين على الجهاد الواصب في سبيل العقيدة، والاستشهاد المروع في سبيل الحق، عاد أمرهم يجري مع الشمس، ويسري مع الروج؟ ويتغلب أخيراً مع الحق! احمد حسن الزيات

стр. 3461

من حديث الشهداء للدكتور طه حسين لم يذكر في تلك الليلة ماضيهم الحلو، وحاضرهم المر، ويستمتعون فيها عن أوطانهم تلك النائية التي كانوا ينعمون فيها بلذات الحياة، ويستمتعون فيها بخفض العيش، ويسيرون سيرة الأحرار لا يعرفون لأحد غير قيصر وعماله عليهم سلطاناً، وقد يعرف لهم غيرهم كثيرا من السلطان والبأس، وقد يقدم إليهم غيرهم كثيرا من آيات الطاعة والإذعان. ولم يسمروا بهذه الأحاديث التي تعودوا أن يسمروا بها إذا فرغوا من أعمالهم وانصرفوا إلى راحتهم ولقي بعضهم بعضا حين ينقضي النهار ويتقدم الليل، والتي كانوا يستعيدون بها حياتهم تلك الجميلة المشرقة، ويستحضرون بها مواطن لذاتهم ونعيمهم، هناك حيث لا يشتد القيظ حتى ينضج الجلود ويصهر الأجسام، وحيث لا تقع العين على الجبال الجرد والوهاد المقفرة، وحيث لا تضيق الأرض بالناس ولا يضيق الناس بالأرض، وحيث يستقبل الناس أيامهم راضين باسمين، ويستقبلون لياليهم لاهين عابثين. كلا ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به من ذكر الفاتنات المفتونات اللاتي كن يحولن حياتهم أحلاماً ويجعلن جدهم لعباً، ويسرين عنهم كل هم، ويغرين بهم كل نعيم، يخلبنهم بالفظ واللحظ، ويعذبنهم بالذل والتيه، ويسعدنهم بالقرب والوصل، كلا ولم يسمروا في تلك الليلة بأحاديث قيصر وقصره، ولا بأنباه الحاكم وحاشيته، ولا بقصص الحرب بين الفرس والروم، وأين هم الآن من قيصر وقسطنطينية؟ وأين هم الآن من تلك الثغور الباسمة القوية التي كانت تبسم لأهلها كأنها الجنات، وتعبس لأعدائها كأنها الجحيم. وأين هم الآن من الفرس والروم؟ وأين تكون مكة من ميادين الحرب بين الفرس والروم؟ كلا. ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به أحياناً من أحاديث ساداتهم ومواليهم، ومما كان يتصلبينهم من التنافس والجهاد، ومما كان يدبر بينهم من الكيد والمكر، ومما كان يجتمع لهم من الغنى والثراء، ومما كان يلم بهم من الحوادث والخطوب كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به أحياناً من أحاديث هذه القوافل التي تفصل من مكة إلى الشام، فتمضى معها نفوسهم تسايرها في تلك الطرق البغيضة التي يذكرون طولها وثقلها حين قطعوها عناة أذلاء يساقون إلى مكة عبيداً أرقاء، والتي كانت تعود إلى مكة قافلة من الشام تحمل من أرض قيصر أنباء

стр. 3462

مختلطة وأحاديث مشوهة مضطربة، ولكنهم كانوا يتلقفونها ثم يتناولونها بالتأليف والتصنيف، وبالتحليل والترتيب، حتى يكونوا منها شيئاً مستقيماً أو كالمستقيم: ثم يتخذون منه علما بأمور أوطانهم تلك التي لم يبق لهم اليها سبيل. كلا. لم يسمروا في تلك الليلة بشيء من هذا، لأن أحاديث مكة شغلتهم عن كل هذا، وما لها لا تشغلهم وصاحبهم نسطاس قد اشترك فيها وأثار كثيرا منها، وها هو ذا قد اتخذ مكانه بينهم كئيباً كاسف البال، محزوناً بادي الحزن، قد اضطربت نفسه أشد اضطراب. وهو يتحدث إليهم في صوت متقطع مظلم كأنما أسبغ الحزن والندم واليأس عليه ظلمة كثيفة متراكمة لا تنكشف عن شيء. وما له لا يكتئب ولا يبتئس، وماله لا يحزن ولا يندم، وما له لا يفزع ولا يجزع، وقد سفكت يده المسيحية دما بريئا ولما ينتصف النهار: أو كان هؤلاء النفر جماعة من نصارى الروم دفعوا إلى بعض أطراف الصحراء وعدت عليهم بعض القوافل فاتخذتهم تجارة، وتقلبت بهم ظروف الرق حتى انتهوا إلى ملك جماعة من سادة قريش. وكان نسطاس أنقاهم ضميراً. وأصفاهم قلباً، وأعظمهم حظاً من الدين. وكان لهذا كله أصبرهم على ما ألم به من كرب، وأحسنهم احتمالا لما سلط عليه من محنة، ورضى بهذا النكبة التي كان ينظر إليها على أنهااختبار له، وابتلاء لأيمانه، وامتحان لثقته، وتهيئة لنفسه لتحيا حياة السعداء إذا انقضت إقامتها في هذا العالم الشقي البغيض. ولكنه أظهر في تلك الليلة غير ما تعود أن يظهر لأصحابه من الجلد والصبر، ومن الإباء والاحتمال، وهم يعرونه ويرفقون به في العزاء، وهم يلومونه ويعنفون عليه في اللوم، وهم يأتون نفسه من جميع أنحائها يريدون أن يصرفوها عن هذا الحزن العميق، وأن يصرفوا عنها بعض الهم الثقيل، ولكنهم لا يبلغون منه شيئاً ولا يزيدونه إلا إغراقاً في الحزن وغلواً في اليأس، وربما بلغوا بأحاديثهم قرارة نفسه فأثاروها ودفعوه إلى الحديث فإذا هو يتكلم بكلام تقطعه العبرات وتبلله الدموع. وكان نسطاس ملكاً لصفون بن أمية، وكان قد أنفذ في ذلك اليوم أمره في أسير من أسرى الأنصار يقال له زيد بن الدثنة دفعه إلى صفوان وأمره أن يخرج به من الحرم، حتى إذا بلغ به النعيم قتله ثم عاد، ولم يكن مثل هذا العمل يحبب إلى نسطاس، ولكنه لم يكن خليقاً أن يدفعه إلى مثل هذا اليأس المهلك لولا أنه عرف من أمر أسيره وصريعه، ومن أمر أصحابه ما عرف، ولولا أنه رأى من أمر زيد ما رأى،

стр. 3463

وسمع من أمر خبيب ما سمع، وانتهت إليه أحاديث أولئك الذين أدركهم الموت قبل أن يحملهم إلى مكة ويبيعهم لقريش غدر الغادرين من هذيل. ولكنه عرف ما عرف، ورأى ما رأى، وسمع ما سمع. فذكر أموراً كان يقرؤها في الكتب، وأحداثاً كان يهلع لها حين يسمع أبناءها من الوعاظ. ذكر أولئك الشهداء الذين قتلوا في المسيحية تقتيلا، والذين امتحنوا بما كتب الله عليهم من ضروب المحن وفنون الكيد فلم تضعف نفوسهم ولم تهن عزائمهم ولم يفرطوا في دينهم ولم يجد الشك إلى نفوسهم سبيلا. ذكر أولئك الشهداء الذين أقاموا مجد المسيحية على أشلائهم وغذوه بدمائهم، وقووه بضعفهم، وأعزوه بما احتملوا في سبيله من الذل، وأيدوه بما لقوا في سبيله من الأذى والآلام. ذكر أولئك الشهداء الذين كان يكبرهم ويجلهم، ويرى أنهم شفعاؤه وشفعاء أمثاله عند الله، وانهم قدوته الصالحة وأسوته الحسنة ومثله الأعلى، وانه أسعد الناس لو استطاع أن يظفر ببعض ما ظفروا به من عذاب الدنيا ونعيم الآخرة؛ ومن ذل الدنيا وعز الآخرة؛ ومن هذا الموت الهين السريع الذي تتبعه حياة باقية سعيدة متصلة لا حد لما فيها من نعيم. ذكر هؤلاء الشهداء وذكر أنه لم يزد حين أطاع أمر مولاه صفوان على أن قتل واحداً منهم، واقترف ذلك الإثم الذي اقترفه الظالمون الذين اضطهدوا الشهداء وفتنوهم؛ ثم قدموهم قرباناً إلى آلهتهم وأوثانهم في الزمن القديم. هنالك اضطربت نفسه اضطراباً، وزلزل قلبه زلزالا، ورأى حياته كلها وقد استحالت إلى شر منكر، ورأى ما قدم من الخير وقد استحال إلى فساد، ورأى ما احتمل من الآلام وقد أصبح هباء. وهنالك ملك الندم عليه أمره، وملأ اليأس عليه قلبه، وعجز أصحابه عن أن يمسوا نفسه بما كانوا يقدمون إليه من تسلية أو عزاء. على انه لم يكن يحس في نفسه شيئاً من الموجدة على مولاه صفوان، ولم يكن يضمر شيئاً من البغض، إنما كانت موجودته كلها وحقده كله قسمة بين نفسه وبين امرأة من قريش، وهي سلافة بنت سعيد بن سهم زوج طلحة ابن عبد الله بن عبد العزى. كان واجداً على نفسه أشد الموجدة، مبغضاً لها أشد البغض لأنها أثمت بقتل هذا الرجل الشهيد، وكان حانقاً على سلافة حاقداً عليها لأنه هي أصل هذا الشر، ومصدر هذا الإثم، ومنشأ هذا البلاء وكان يقول لأصحابه: لولا أن هذه المرأة الآثمة نذرت ما نذرت، وأذاعت ما أذاعت من أهل البادية، لما دفع صفوان إلى ما دفع إليه، ولما ظفر صفوان بما ظفر به، ولما اشترى

стр. 3464

اسيره، ولما أنفذت أمره فيه. قال أصحابه وما نذر سلافة وماذا أذاعت في الأعراب؟ قال أتذكرون يوم حشدت قريش لحرب صاحبها في يثرب كيف كان أشراف مكة موتورين يأكل قبلهم الغيظ، وتملأ نفسهم الحفيظة، وتضطرب أمامهم أشباح الخزي يذكرون هزيمتهم حين لقوا صاحبهم لأول مرة ففعل بهم الافاعيل، وترك من أشرافهم صرعى لم يثوبوا إلى أهلهم ولم يستمتعوا بتجارتهم تلك الرابحة التي أنقذها أبو سفيان. ويشفقون أن يتراءى لهم الموت فلا يثبتوا له ولا يقدروا على النظر إليه فيفروا منهزمين كما فروا من قبل. ويتركوا صرعى من أشرافهم كما تركوا مثلهم من قبل. هنالك اجمعوا أمرهم على أن يتقووا بالنساء ويتقوا بهن الهزيمة والعار، فاختاروا منهن أعلاهن قدراً وارفعهن شأناً وأنبههن ذكراً وأقدرهن على دفع الرجال إلى غمرات الموت. وكانت سلافة بين هؤلاء النساء، خرجت مع زوجها وبنيها الثلاثة، وعادت مع المنتصرين أيما ثكلى قد فقدت زوجها وفقدت بنيها. ثم سكت نسطاس كأنما يستحضر هولا يروع النفوس ويخلع القلوب. ثم عاد إلى حديثه في صوت هادئ بعيد فقال: إن كانت لوقعة مروعة حقاً تلك التي كانت عند يثرب. لقد عادت قريش تتحدث بالأعاجيب، لقد عادت تتحدث بالإخوان يسعى بعضهم إلى بعض بالموت. لقد عادت تتحدث بالأمهات يدفعن أبناءهن إلى أن يقتل الرجل منهم أخاه. لقد عادت تتحدث بأم مصعب فما كان لها أن تظهر عليه حزناً أو جزعاً لأنه كان من خصم قريش وأصحاب محمد، لقد عادت قريش منتصرة تتحدث بأمر سلافة هذه وقد فقدت زوجها وتلقت ابنيها أحدهما بعد صاحبه يبلغها وقد أصابه السهم فتضع رأسه على حجرها وتسأله يا بني من أصابك؟ فيقول ما أدري، ولكن سمعت قائلاً يقول: خذها وأنا بن الأفلح. ثم أصابني السهم، يقول ذلك ثم يجود بنفسه بين ذراعيها. هنالك نذرت سلافة لئن قدرت على قاتل ابنيها لتشربن في قحف رأسه الخمر، وهنالك أذاعت في أهل البادية وأعراب الحجاز أن من جاءها برأس ابن الأفلح هذا فله مائة من الإبل. هذا أصل الشر وهذا مصدر البلاء. قال قائل وأي شيء لا يفعله الأعراب في سبيل جزور فضلاً عن عشرة من الابل، فضلاً عن مائة من الإبل؟ قال نسطاس: والغدر أيسر ما يفعله الأعراب ليبلغوا أيسر من هذا المال.

стр. 3465

أقبل جماعة من هذيل على صاحب يثرب فزعموا له انهم قد آمنوا به وأسلموا له، وان دينه قد فشا فيهم، وسألوه أن يرسل معهم من يفقههم في الدين ويعلمهم شرائعه. يظهرون الإخلاص ويضمرون الغدر، لا يبتغون إلا أن يظفروا بنفر من أهل يثرب يبيعونهم من قريش لتصيب بهم ثأراً وليصيبوا بهم مالاً. ويريد الله لأمرٍ قضاه أن يختار نبي يثرب ستة من أصحابه وأن يؤمر عليهم عاصم بن ثابت بن الأفلح الذي كانت تبتغيه سلافة، وان يرسل هؤلاء النفر من أصحابه مع أولئك الغادرين. فما هي إلا أن يقربوا من مكة حتى يظهر الخفي ويصرح الشر ويتبين الغدر. وإذا الذين كانوا يعلنون إيمانهم يستصرخون فيأتيهم الصريخ من هذيل. وإذا أصحاب محمد يرون الغدر فينحازون إلى الجبل ويعاهدهم أعداؤهم على ألا يقتلوهم ولا يمسوهم بأذى أن هم ألفوا بأيديهم. فأما عاصم واثنان من أصحابه فيقسمون لا ينزلون على عهد كافر أبداً. ويقاتلون حتى يقتلوا. وأما الآخرون فيحبون الحياة ويلينون لها، فيستأسرون ولا يكادون يفعلون حتى يروا الغدر، فيأبى أحدهم أن يتبع الغادرين وإذا هو مقتول، ويبقى الآخران أسيرين يحملان إلى مكة ويباعان فيها. فيشتري أحدهما صفوان ويأمرني به فأتم له ما قدر له من نعيم، ويتم لي ما قدر لي من شقاء. ثم يجهش نسطاس بالبكاء ويغرق فيه حينا. ثم يعود إلى حديثه في صوته ذلك الهادئ البعيد، فيقول لقد عرفت ورأيت من أنباء هؤلاء الناس ما لم أكن أقدر أن أعرف أو أرى. ولولا أن الشقاء مقضي علي ومقدور لي، لكان فيما عرفت قبل أن أقترف الإثم صارف لي عن اقترافه، وماذا كنت أخاف لو عصيت صفوان ولم أسفك هذا الدم الحرام؟ وأيهما أهون عليّ؟ وأيهما كان خليقاً أن أوثره؟ الموت بيد صفوان أم الشقاء الأبدي الذي دفعت إليه؟ لقد فرحت هذيل بمقتل عاصم بن ثابت، وقالت مائة من الإبل تدفعها إلينا القرشية حين نأتيها بهذا الرأس، ثم أقبلوا إليه يريدون أن يحتزوا رأسه؟ ولكن ماذا سمعت وماذا تسمعون، هذه ظلة من الدبر تقوم دونه فتحميه وتمنعهم أن يصلوا إليه، فيقول بعضهم لبعض: دعوه حتى يأتي الليل فسنصرف عنه هذه الدبر، وسيخلص لنا رأسه. حتى إذا كان الليل هموا أن يسعوا إليه ليحتزوا رأسه؛ ولكن ماذا سمعت وماذا تسمعون؟ لم يبلغوه ولم يمسوه، وإنما أقبل السيل فاحتمله، ومضى به إلى حيث لا تبلغه يد. ولقد حدثت أن هذا

стр. 3466

الرجل كان قد نذر ألا يمس كافراً ولا يمسه كافر، ولقد حدثت أنه لما امتنع على القوم فقاتلهم وقاتلوه، رفع صوته ضارعاً إلى ربه وهو يقول: اللهم إني قد حميت دينك أول النهار فاحم لحمي آخر النهار. ولما بكى نسطاس عند هذا الحديث فلم يبك وحده، وإنما بكى معه أصحابه جميعاً بكاء طويلا، حتى إذا كفكفت عبرته وهدأ عنهم البكاء مضى في صمته، ولكنهم ألحوا عليه أن يتم ما بدأ من الحديث، فقال وبم تريدون أن أتحدث إليكم؟ لقد كنت أقرأ أخبار شهدائنا وأسمع أحاديثهم فأرهبها وأكبرها وأخافها وأرغب فيها وأود لو أني حييت في تلك الأيام التي كانت ترخص فيها الحياة، ويغلو فيها الإيمان، وأود لو أني كنت واحداً من هؤلاء الناس الذين باعوا نفوسهم من الله، فقد أُتيح لي اليوم أن أعيش في بيئة الشهداء وأن أراهم وأتحدث إليهم وأسمع منهم، ولكني لم أبع نفسي من الله، وإنما بعتها من الشيطان، ولم أسفك دمي في سبيل الله، وإنما سفكت دم شهيد كريم. ولقد سمعت أبا سفيان زعيم قريش يسأله أيما احب إليه؟ أن يقوم محمد مقامه هذا وأن يكون هو آمنا بين اهله؟ فيجيبه والله ما احب أن تصيب محمداً شوكة تؤذيه وأنا آمن بين أهلي، فيقول أبو سفيان لمن حضر من أشراف قريش: ما رأيت أحداً يحب أحداً كما يحب هؤلاء الناس صاحبهم. ثم تمتد يدي الآثمة إلى هذه الحياة الطاهرة فنطفئ سراجها، والى هذا الدم الزكي فتسفكه على الأرض مخافة من غضب صفوان، يا للهول! لقد كنت احسب أن صفوان لم يملك إلا جسمي وان نفسي ما زالت حرة. فقد علمت الآن إني رقيق حقاً، وقد علمت الآن أن سلطان السادة على الأرقاء قد يتجاوز الأجسام إلى النفوس، وقد علمت الآن أن الرجل الذي يرضى بالرق ولا يموت دون الحرية إنما يقتل نفسه قتلا. لقد قتلت نفسي يوم آثرت الحياة وقبلت أن أكون سلعة في يد أولئك التجار. قال رجل من أصحابه إن كان صريعك هذا شهيداً كريماً، وما أراه إلا كذلك، فان رفيقه الذي قتله بنو الحارث بن عامر لم يكن أقل منه كرامة، ولعل مصرعه أن يكون أشد من مصرع صاحبه ترويعاً للنفس وتمزيقاً للقلب، لم يبسطوا عليه بالشر يد مولى من مواليهم أو عبد من عبيدهم، وإنما كانوا ظماء إلى دمه، حراصاً على أن يخمدوا جذوته بأيديهم خرج به جمعهم إلى التنعيم فلما أراد قتله استأذنهم في أن يتقرب إلى ربه بالصلاة قبل أن يخطو آخر خطواته في الحياة، فأذنوا له فصلى ركعتين، ثم قال لهم لولا أني أخاف أن

стр. 3467

تظنوا بي الجزع لزدت. ثم ينهض إليه أحدهم فيقتله ويعودون عنه وانهم ليتحدثون من أخلاقه وخصاله بما كان خليقاً أن يصرفهم عن قتله لولا أن قلوبهم قست فهي كالحجارة أو أشد قسوة. لقد كانوا يقولون انهم جعلوا سجنه عند امرأة منهم، وان هذه المرأة كانت تتحدث إليهم من أمره بالأعاجيب، كانت تراه مغلولا يأكل من الفاكهة والثمر ما ليس لأهل مكة عهد به في مثل هذا الوقت. لا تدري كيف سيق إليه. ولقد أنبأتهم انه حين أظله اليوم الذي كان يراد قتله فيه طلب إليها موسى يتهيأ بها للموت. فأرسلتها إليه مع طفل صغير يدرج، ثم لم تلبث أن راعها ما فعلت، وان امتلأ قلبها رعباً، وان قالت لنفسها ما يمنع هذا الأسير أن يقتل هذا الصبي فيثأر بنفسه قبل أن يدركه الموت؟ وأقبلت عليه مسرعة فإذا هو قد اجلس الطفل على فخذه وهو يداعبه ويلاعبه، وأكبر الظن أنه إنما كان يودع فيه طفلاً له بعيداً. فلما رأى المرأة مقبلة وقد أخذها الروع ابتسم لها ابتسامة الحزن، ونظر إلى الطفل نظرة الحب، وقال للمرأة: أشفقت على هذا الصبي من الغدر، ليس الغدر من أخلاقنا أفمثل هذا الرجل كان خليقاً أن تقدمه قريش فتقتله لو أن قريشاً تعرف الحق، أو تقدر الخير، أو ترجوا لله وقارا، أو تحس في قلوبها أثراً من آثار الرحمة والبر؟ قال قائل منهم ما أرى إلا أن لهؤلاء الناس من أهل يثرب شأناً. فلو أنهم يقيمون أمرهم على شيء من باطل هذه الحياة الدنيا لما استقبلوه بهذا الحزم، ولما احتملوا في سبيله هذا الأهوال، ولما رخصت عليهم نفوسهم ودماؤهم وأموالهم وأهلهم إلى هذا الحد. والله أني لأسمع ما يقال وأرى ما يحدث فلا أشك في أن أهل هذه الأرض يستقبلون عصراً كذلك العصر الذي استقبله أهل بلادنا حين انبعث فيهم رسل المسيح. هذا الأيمان الذي زين في بعض القلوب حتى زهدها في كل شيء، وهذا اليقين الذي سيطر على بعض النفوس حتى هون عليها كل شيء، هذه المعجزات التي تساق إلى الناس في يسر وسذاجة وما كانوا ينتظرونها ولا يرجونها فلا تغرهم ولا تطغيهم ولا تدفعهم إلى أشر ولا بطر كل هذا دليل واضح على أن السماء لم تقرب من الأرض قربها في هذه الأيام، وعلى أن أخبار السماء لم تتصل بالأرض اتصالها في هذه الأيام، وعلى أن الله يريد بالناس شيئاً لم نكن نقدر انه كائن ولكن أو أنه قد آن. أما إني لاحق بهؤلاء الناس إن استطعت إلى ذلك سبيلا. قال الآخرون: ما ايسر ذلك وما أعسره! وأين لمثلنا أن يفلت من سادة قريش، وإن

стр. 3468

من حول مكة من أهل البادية لأرصاداً على من أقبل من يثرب أو قصد إليها من الأحرار فكيف بالرقيق؟ قال نسطاس وهو ينتحب فكروا في ذلك ودبروا: وتهيأوا لذلك واستعدوا، فأنتم أهل لهذه الكرامة إن كان الله قد قضاها لكم؛ أما أنا فقد كتب عليّ الشقاء، وما أرى أن بحار الأرض لو سلطت على التنعيم تستطيع أن تغسل عن آثر هذا الدم الزكي الذي سفكته هذه اليد الآثمة، ثم قام عنهم يعدو مشتداً في العدو، فلم يروا له بعد ذلك أثراً، ولم يسمعوا عنه بعد ذلك خبرا. طه حسين

стр. 3469

المسلمون أمس واليوم للأستاذ احمد أمين في نحو ثلاثة وعشرين عاما استطاع محمد رسول الله ﷺ بما منح من قوة العقيدة. وصدق العزيمة. وبعد النظر وتأييد الله أن يحول العرب من جماعات مختلفة اللغة، مختلفة الدين، مختلفة الرأي، مختلفة الأهواء، تشعر بالضعة إذا قارنت نفسها بمن حولها، وبالذلة إذا رأت من في جوارها، ولا يفكر الفرد فيها إلا في نفسه، فان اتسع أفقه ففي قبيلته، فان فكر في قبيلة أخرى ففي الانتقام والأخذ بالثار، وشن الغارة للسلب والنهب - إلى أمة واحدة، متحدة اللغة، متحدة الدين، متحدة الرأي، يشعر الفرد فيها أنه من أمة أعزها الله بالإسلام. وفضلها به على الأنام. وجعلهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله. وليس ذلك بالكثير في تاريخ الأمم. فان مات محمد ﷺ ولم يتعد إصلاحه جزيرة العرب، فقد أعد أمة لإصلاح غيرها، ولسيادة الناس خير إعداد - حتى إذا وجهها قادتها نحو الفتح، أتوا بما حير علماء السياسة والاجتماع والتاريخ إلى اليوم - بسطوا سلطانهم على جزء كبير من العالم في أقل من عشر سنين، ولم يكن فتحهم تخريباً وتدميراً، إنما كان فتحاً منظماً أحكمت قواعده وأصوله - واستمروا ينتقلون من فتح إلى فتح، ومن ظفر إلى ظفر، مما يجعل الباحث يقتنع بأن نجاحهم لم يكن حظاً أتيح لهم، ولا مصادفة وقعوا عليها - إنما كان نتيجة مبادئ صحيحة اعتنقوها، ونفوس قوية ضمت صدورهم عليها - ومع ما عرض لهم من خلاف فيما بينهم كان من طبيعته أن يودي بأمثالهم من حروب داخلية ومنازعات سياسية وخلافات دينية، تغلبوا على كل ذلك، ولم يمنعهم من الظفر بعدوهم واستمرارهم في فتوحهم. ثم هم ساهموا في كل شأن من شؤون المدنية، إن نظرت إلى الدين فقد دعوا إلى دينهم فدخل الناس فيه أفواجاً في هدوء من غير عنف، ولم يمض قرنان على فتحهم حتى كان أكثر البلاد المفتوحة على دينهم، ثم هو لا يزال ينتشر إلى اليوم مع انعدام الدعاة، وعدم حماية الدعوة، وان نظرت إلى اللغة رأيتهم هيئوا لغتهم لكل جديد ووسعوها - وهي البدوية الأصل والمنشأ. حتى أحاطت بكل مرافق المدنية إذ ذاك، وحتى زاحمت الفارسية

стр. 3470

في فارس، والرومانية في الشام والقبطية في مصر، وسارت مع الدين جنباً لجنب، كلما ظفر الدين ظفرت اللغة، وكسبت لغتهم قادة الفكر في كل هذه الأمم المفتوحة. فأصبحوا يمنحونها خير أفكارهم وأفكار أممهم، وظلت اللغة العربية تسود حتى نسى كثير من الأمم لغتهم الأصلية، وأحلوا محلها العربية، ولو لم يعتنقوا الإسلام - وان نظرت إلى النظم والتشريع فكذلك، فقد أقلم المشرفون أنفسهم وكانوا حيث حلوا مرنين يقفون موقف المتفهم للموجود من نظم وقوانين ثم يقرون ما لم يتعارض وأصول دينهم، ويغيرون ما تعارض، ووقف الفقهاء في كل قطر يوسعون مذاهبهم حسب الحاجة، وحسب الإقليم الذي حلوه، وخلفوا من كل ذلك قوانين لا تزال إلى اليوم محل إعجاب المنصفين من المتشرعين وان التفت إلى العلم رأيت أنهم في كل فرع من فروع العلم أخذوا بحظ وافر، لم يمنعهم دينهم أن يأخذوا عن وثنيي اليونان فلسفتهم، ولا عن النساطرة طبهم، ولا عن اليهود ما يروون من أخبار أنبيائهم وعلمائهم، وأبلوا في العلم بلاء لا يقل عن بلائهم في الحرب، فحيث حلوا رأيت علماً كثيراً وجداً عجيباً؛ ثم خلفوا من كل ذلك ثروة فيها غاية ما وصل إليه العلم لعهدهم. فهموا ما كان من علم قبلهم وتداولوه بالشرح والنقد وضموا إليه ما أوحته نظرات دينهم من علوم إسلامية، ومذاهب دينية، وزادوا في ثروة من قبلهم بما بذلوا من جهد وأنفقوا من مال ونفس. فلئن لم يكونوا سادة العالم فقد كانوا سادة في العالم، وان لم يكونوا رأسه المفكر فقد كانوا رأساً من الرؤوس، لا عبيداً ولا أذناباً، ووقفوا في بعض أيام تاريخهم من العالم موقف المعلم، يرحل من أراد العلم من الأوربيين إليهم، وينقلون إلى اللاتينية كتبهم، ويدرسون في جامعاتهم علمهم - وفي السياسة العالمية وقفوا موقف الموازن، يسمع لقولهم ويحسب حسابهم، وتعقد المعاهدات المحترمة معهم. ثم دار الزمن دورته وأصبح سادة الأمس عبيد اليوم ورؤوس الأمس أذناب اليوم، وشباب الأمس هرم اليوم، وقضى على حضارتهم ما قضى على حضارة اليونان والرومان، والآشوريين والبابليين، وقدماء المصريين، إلا فرقاً واحداً وهو أن حامل لواء الحضارة الإسلامية لا يزال حياً وان كان شيخاً فانياً، وان الشيخ إن لم يصب بالعقم فقد يلد طفلاً يمر بأدوار الحياة ومنها الشباب، وان الأمم إن لم تمت فلها أيام، فقد يكون للإسلام فجر
следующие страницы →