Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
الرجل كان قد نذر ألا يمس كافراً ولا يمسه كافر، ولقد حدثت أنه لما امتنع على القوم فقاتلهم وقاتلوه، رفع صوته ضارعاً إلى ربه وهو يقول: اللهم إني قد حميت دينك أول النهار فاحم لحمي آخر النهار. ولما بكى نسطاس عند هذا الحديث فلم يبك وحده، وإنما بكى معه أصحابه جميعاً بكاء طويلا، حتى إذا كفكفت عبرته وهدأ عنهم البكاء مضى في صمته، ولكنهم ألحوا عليه أن يتم ما بدأ من الحديث، فقال وبم تريدون أن أتحدث إليكم؟ لقد كنت أقرأ أخبار شهدائنا وأسمع أحاديثهم فأرهبها وأكبرها وأخافها وأرغب فيها وأود لو أني حييت في تلك الأيام التي كانت ترخص فيها الحياة، ويغلو فيها الإيمان، وأود لو أني كنت واحداً من هؤلاء الناس الذين باعوا نفوسهم من الله، فقد أُتيح لي اليوم أن أعيش في بيئة الشهداء وأن أراهم وأتحدث إليهم وأسمع منهم، ولكني لم أبع نفسي من الله، وإنما بعتها من الشيطان، ولم أسفك دمي في سبيل الله، وإنما سفكت دم شهيد كريم.
ولقد سمعت أبا سفيان زعيم قريش يسأله أيما احب إليه؟ أن يقوم محمد مقامه هذا وأن يكون هو آمنا بين اهله؟ فيجيبه والله ما احب أن تصيب محمداً شوكة تؤذيه وأنا آمن بين أهلي، فيقول أبو سفيان لمن حضر من أشراف قريش: ما رأيت أحداً يحب أحداً كما يحب هؤلاء الناس صاحبهم. ثم تمتد يدي الآثمة إلى هذه الحياة الطاهرة فنطفئ سراجها، والى هذا الدم الزكي فتسفكه على الأرض مخافة من غضب صفوان، يا للهول! لقد كنت احسب أن صفوان لم يملك إلا جسمي وان نفسي ما زالت حرة. فقد علمت الآن إني رقيق حقاً، وقد علمت الآن أن سلطان السادة على الأرقاء قد يتجاوز الأجسام إلى النفوس، وقد علمت الآن أن الرجل الذي يرضى بالرق ولا يموت دون الحرية إنما يقتل نفسه قتلا. لقد قتلت نفسي يوم آثرت الحياة وقبلت أن أكون سلعة في يد أولئك التجار.
قال رجل من أصحابه إن كان صريعك هذا شهيداً كريماً، وما أراه إلا كذلك، فان رفيقه الذي قتله بنو الحارث بن عامر لم يكن أقل منه كرامة، ولعل مصرعه أن يكون أشد من مصرع صاحبه ترويعاً للنفس وتمزيقاً للقلب، لم يبسطوا عليه بالشر يد مولى من مواليهم أو عبد من عبيدهم، وإنما كانوا ظماء إلى دمه، حراصاً على أن يخمدوا جذوته بأيديهم خرج به جمعهم إلى التنعيم فلما أراد قتله استأذنهم في أن يتقرب إلى ربه بالصلاة قبل أن يخطو آخر خطواته في الحياة، فأذنوا له فصلى ركعتين، ثم قال لهم لولا أني أخاف أن
стр. 3467
تظنوا بي الجزع لزدت. ثم ينهض إليه أحدهم فيقتله ويعودون عنه وانهم ليتحدثون من أخلاقه وخصاله بما كان خليقاً أن يصرفهم عن قتله لولا أن قلوبهم قست فهي كالحجارة أو أشد قسوة. لقد كانوا يقولون انهم جعلوا سجنه عند امرأة منهم، وان هذه المرأة كانت تتحدث إليهم من أمره بالأعاجيب، كانت تراه مغلولا يأكل من الفاكهة والثمر ما ليس لأهل مكة عهد به في مثل هذا الوقت. لا تدري كيف سيق إليه. ولقد أنبأتهم انه حين أظله اليوم الذي كان يراد قتله فيه طلب إليها موسى يتهيأ بها للموت. فأرسلتها إليه مع طفل صغير يدرج، ثم لم تلبث أن راعها ما فعلت، وان امتلأ قلبها رعباً، وان قالت لنفسها ما يمنع هذا الأسير أن يقتل هذا الصبي فيثأر بنفسه قبل أن يدركه الموت؟ وأقبلت عليه مسرعة فإذا هو قد اجلس الطفل على فخذه وهو يداعبه ويلاعبه، وأكبر الظن أنه إنما كان يودع فيه طفلاً له بعيداً. فلما رأى المرأة مقبلة وقد أخذها الروع ابتسم لها ابتسامة الحزن، ونظر إلى الطفل نظرة الحب، وقال للمرأة: أشفقت على هذا الصبي من الغدر، ليس الغدر من أخلاقنا
أفمثل هذا الرجل كان خليقاً أن تقدمه قريش فتقتله لو أن قريشاً تعرف الحق، أو تقدر الخير، أو ترجوا لله وقارا، أو تحس في قلوبها أثراً من آثار الرحمة والبر؟ قال قائل منهم ما أرى إلا أن لهؤلاء الناس من أهل يثرب شأناً. فلو أنهم يقيمون أمرهم على شيء من باطل هذه الحياة الدنيا لما استقبلوه بهذا الحزم، ولما احتملوا في سبيله هذا الأهوال، ولما رخصت عليهم نفوسهم ودماؤهم وأموالهم وأهلهم إلى هذا الحد. والله أني لأسمع ما يقال وأرى ما يحدث فلا أشك في أن أهل هذه الأرض يستقبلون عصراً كذلك العصر الذي استقبله أهل بلادنا حين انبعث فيهم رسل المسيح. هذا الأيمان الذي زين في بعض القلوب حتى زهدها في كل شيء، وهذا اليقين الذي سيطر على بعض النفوس حتى هون عليها كل شيء، هذه المعجزات التي تساق إلى الناس في يسر وسذاجة وما كانوا ينتظرونها ولا يرجونها فلا تغرهم ولا تطغيهم ولا تدفعهم إلى أشر ولا بطر
كل هذا دليل واضح على أن السماء لم تقرب من الأرض قربها في هذه الأيام، وعلى أن أخبار السماء لم تتصل بالأرض اتصالها في هذه الأيام، وعلى أن الله يريد بالناس شيئاً لم نكن نقدر انه كائن ولكن أو أنه قد آن. أما إني لاحق بهؤلاء الناس إن استطعت إلى ذلك سبيلا. قال الآخرون: ما ايسر ذلك وما أعسره! وأين لمثلنا أن يفلت من سادة قريش، وإن
стр. 3468
من حول مكة من أهل البادية لأرصاداً على من أقبل من يثرب أو قصد إليها من الأحرار فكيف بالرقيق؟ قال نسطاس وهو ينتحب فكروا في ذلك ودبروا: وتهيأوا لذلك واستعدوا، فأنتم أهل لهذه الكرامة إن كان الله قد قضاها لكم؛ أما أنا فقد كتب عليّ الشقاء، وما أرى أن بحار الأرض لو سلطت على التنعيم تستطيع أن تغسل عن آثر هذا الدم الزكي الذي سفكته هذه اليد الآثمة، ثم قام عنهم يعدو مشتداً في العدو، فلم يروا له بعد ذلك أثراً، ولم يسمعوا عنه بعد ذلك خبرا.
طه حسين
стр. 3469
المسلمون أمس واليوم
للأستاذ احمد أمين
في نحو ثلاثة وعشرين عاما استطاع محمد رسول الله ﷺ بما منح من قوة العقيدة. وصدق العزيمة. وبعد النظر وتأييد الله أن يحول العرب من جماعات مختلفة اللغة، مختلفة الدين، مختلفة الرأي، مختلفة الأهواء، تشعر بالضعة إذا قارنت نفسها بمن حولها، وبالذلة إذا رأت من في جوارها، ولا يفكر الفرد فيها إلا في نفسه، فان اتسع أفقه ففي قبيلته، فان فكر في قبيلة أخرى ففي الانتقام والأخذ بالثار، وشن الغارة للسلب والنهب - إلى أمة واحدة، متحدة اللغة، متحدة الدين، متحدة الرأي، يشعر الفرد فيها أنه من أمة أعزها الله بالإسلام. وفضلها به على الأنام. وجعلهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله. وليس ذلك بالكثير في تاريخ الأمم.
فان مات محمد ﷺ ولم يتعد إصلاحه جزيرة العرب، فقد أعد أمة لإصلاح غيرها، ولسيادة الناس خير إعداد - حتى إذا وجهها قادتها نحو الفتح، أتوا بما حير علماء السياسة والاجتماع والتاريخ إلى اليوم - بسطوا سلطانهم على جزء كبير من العالم في أقل من عشر سنين، ولم يكن فتحهم تخريباً وتدميراً، إنما كان فتحاً منظماً أحكمت قواعده وأصوله - واستمروا ينتقلون من فتح إلى فتح، ومن ظفر إلى ظفر، مما يجعل الباحث يقتنع بأن نجاحهم لم يكن حظاً أتيح لهم، ولا مصادفة وقعوا عليها - إنما كان نتيجة مبادئ صحيحة اعتنقوها، ونفوس قوية ضمت صدورهم عليها - ومع ما عرض لهم من خلاف فيما بينهم كان من طبيعته أن يودي بأمثالهم من حروب داخلية ومنازعات سياسية وخلافات دينية، تغلبوا على كل ذلك، ولم يمنعهم من الظفر بعدوهم واستمرارهم في فتوحهم.
ثم هم ساهموا في كل شأن من شؤون المدنية، إن نظرت إلى الدين فقد دعوا إلى دينهم فدخل الناس فيه أفواجاً في هدوء من غير عنف، ولم يمض قرنان على فتحهم حتى كان أكثر البلاد المفتوحة على دينهم، ثم هو لا يزال ينتشر إلى اليوم مع انعدام الدعاة، وعدم حماية الدعوة، وان نظرت إلى اللغة رأيتهم هيئوا لغتهم لكل جديد ووسعوها - وهي البدوية الأصل والمنشأ. حتى أحاطت بكل مرافق المدنية إذ ذاك، وحتى زاحمت الفارسية
стр. 3470
في فارس، والرومانية في الشام والقبطية في مصر، وسارت مع الدين جنباً لجنب، كلما ظفر الدين ظفرت اللغة، وكسبت لغتهم قادة الفكر في كل هذه الأمم المفتوحة. فأصبحوا يمنحونها خير أفكارهم وأفكار أممهم، وظلت اللغة العربية تسود حتى نسى كثير من الأمم لغتهم الأصلية، وأحلوا محلها العربية، ولو لم يعتنقوا الإسلام - وان نظرت إلى النظم والتشريع فكذلك، فقد أقلم المشرفون أنفسهم وكانوا حيث حلوا مرنين يقفون موقف المتفهم للموجود من نظم وقوانين ثم يقرون ما لم يتعارض وأصول دينهم، ويغيرون ما تعارض، ووقف الفقهاء في كل قطر يوسعون مذاهبهم حسب الحاجة، وحسب الإقليم الذي حلوه، وخلفوا من كل ذلك قوانين لا تزال إلى اليوم محل إعجاب المنصفين من المتشرعين
وان التفت إلى العلم رأيت أنهم في كل فرع من فروع العلم أخذوا بحظ وافر، لم يمنعهم دينهم أن يأخذوا عن وثنيي اليونان فلسفتهم، ولا عن النساطرة طبهم، ولا عن اليهود ما يروون من أخبار أنبيائهم وعلمائهم، وأبلوا في العلم بلاء لا يقل عن بلائهم في الحرب، فحيث حلوا رأيت علماً كثيراً وجداً عجيباً؛ ثم خلفوا من كل ذلك ثروة فيها غاية ما وصل إليه العلم لعهدهم. فهموا ما كان من علم قبلهم وتداولوه بالشرح والنقد وضموا إليه ما أوحته نظرات دينهم من علوم إسلامية، ومذاهب دينية، وزادوا في ثروة من قبلهم بما بذلوا من جهد وأنفقوا من مال ونفس.
فلئن لم يكونوا سادة العالم فقد كانوا سادة في العالم، وان لم يكونوا رأسه المفكر فقد كانوا رأساً من الرؤوس، لا عبيداً ولا أذناباً، ووقفوا في بعض أيام تاريخهم من العالم موقف المعلم، يرحل من أراد العلم من الأوربيين إليهم، وينقلون إلى اللاتينية كتبهم، ويدرسون في جامعاتهم علمهم - وفي السياسة العالمية وقفوا موقف الموازن، يسمع لقولهم ويحسب حسابهم، وتعقد المعاهدات المحترمة معهم.
ثم دار الزمن دورته وأصبح سادة الأمس عبيد اليوم ورؤوس الأمس أذناب اليوم، وشباب الأمس هرم اليوم، وقضى على حضارتهم ما قضى على حضارة اليونان والرومان، والآشوريين والبابليين، وقدماء المصريين، إلا فرقاً واحداً وهو أن حامل لواء الحضارة الإسلامية لا يزال حياً وان كان شيخاً فانياً، وان الشيخ إن لم يصب بالعقم فقد يلد طفلاً يمر بأدوار الحياة ومنها الشباب، وان الأمم إن لم تمت فلها أيام، فقد يكون للإسلام فجر
стр. 3471
وضحى، وعصر وغروب، ولكن لا يلبث الليل حتى ينجلي عن صبح آخر فيه كل صفات الصباح، من نور وضياء، وإشراق يدفع للحركة، ونسيم يبعث الحياة.
وبالفعل يظهر أن هذا الشيخ الفاني قد مات أو كاد، وأن الله فالق الإصباح ومخرج الحي من الميت لم يصبه بالعقم، ووهبه ما وهب زكريا (إذ نادى ربه نداء خفيا، قال رب اني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا. وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك وليا. يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا. يا زكريا إنّا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا)
ولكن إن ورث (يحيى) من زكريا علماً وحكمة فإني أخشى أن يرث (يحيانا) تركة قد أثقلت بالديون وأفعمت بالمغارم، فهل من سبيل إلى أن يرث من آبائه الأبعدين لا من آبائه الأقربين؟ يحدثنا علماء الوراثة بأن ذلك جائز في قوانينهم، وأن بعض الأبناء يرث من جده الأبعد لا من أبيه الأقرب، إن كان ذلك كذلك فخير له، فأن أباه أشعث أغبر، لوحته الهموم، وأحنت ظهره الأحداث، أما جده البعيد فجميل المُحيا، مشرق الجبين، صارعه الدهر، فصرع الدهر، وأرادت أن تنال منه الأحداث فنال منها، ولكن أنى لنا ذلك، ومربوه من جنس أبيه، فان لم تفسده الوراثة أفسدته البيئة وأفسده المربي وأفسده الموالي من ورائه يكيدون له، ويضعون الخطط تلو الخطط لاغتياله، لا يكون ذلك حتى يرزق (يحيى) بالمثل الصالح، والمربي الصالح، يفتح عينيه ليرى ما حوله، ويضع له البرامج ليعده أن يكون سيداً مع السادة ورأساً بجانب الرؤوس، يبنى صرح المدنية مع بناته، ويشيد العالم مع مشيديه، فأن كان العالم لا يسع إلا مدنية واحدة شارك فيها، وإن كان يسع مدنيتين فاكثر، أسس هو مدنية تتفق وروحه، وعقليته ونفسيته، ودينه وخصائصه.
من نحو خمسة قرون فقد المسلمون مركزهم العالمي، وأصبحوا حيث حلوا عنوان الذل والعبودية، وحلفاء الفقر والمسكنة، ولم يكن تأخرهم راجعاً إلى بيئتهم كما يذهب بعض الباحثين، فهم يسكنون بيئات تختلف حرارة وبرودة، وتختلف خصباً وجدباً، وتختلف جفافاً ورطوبة، وهم من ذلك في مستوى واحد من الضعة والتأخر، على أن الأمر لو كان يرجع إلى البيئة ما تداول عز وبؤس، ونعيم وشقاء، وسيادة الأشراف وصعلكة العبيد، ولكانوا على حال واحد أبداً، لأن البيئة تلازمهم أبداً - كما أن الأمر لا يرجع إلى ما يجري في
стр. 3472
عروقهم من دم، فدمهم الذي يجري فيهم اليوم هو من نوع الدم الذي كان يجري في عروقهم أمس، وقد بطلت نظرية أن الله اختار من عباده جميعاً شعباً واحداً عهد إليه تنظيم العالم وسيادته هو الشعب التيوتوني أو الشعب الآري، فليس من أمة إلا وهي خليط من دماء مختلفة ولو كان كذلك لما عزوا وذلوا، وعلوا وسفلوا، وليس أمر المسلمين كذلك يرجع إلى دينهم فدينهم قديماً كان هو سبب سعادتهم وهو الذي انتشلهم من بؤس، وأعزهم من ذل - والدين متى كان صالحاً أسسه كالإسلام كان باعثاً على الأصلاح لا الفساد، وعلى النهوض لا الانحطاط، إنما هو ككل دين يختلف باختلاف العين التي تنظر إليه، فان صلحت العين صلح ما تنظر إليه، وان ساءت ساء، بل قد رأينا في تاريخ الأمم عيناً صحيحة وديناً مريضاً استطاعت العين لصحتها أن تصلح منظره وتجمل شكله
على إني لا أرى أن المسلمين تأخروا وانحطوا بالمعنى الحرفي الذي يفهم من الكلمة أعني الرجوع إلى الوراء، بل كل ما في الأمر أنهم وقفوا حيث كانوا من خمسة قرون، وغيرهم سائرون، وناموا وغيرهم أيقاظ، فلما بدأوا ينتبهون رأوا الشقة بعيدة واللحاق يتطلب عزماً قوياً وجهداً بالغا
مظاهر هذا الوقوف وإن شئت فسمه الركود متجلية في كل مرفق من مرافق الحياة - ففي اللغة وهي أداة الثقافة، وآلة العلم ووسيلة الرقي العقلي - وقفنا حيث انتهى الأمر بالدولة العباسية، ولم نساير الزمن ولم نخط معه خطواته، تغير وجه الحياة، واخترعت ألوف الآلات، ومعاجم لغتنا - كما هي - لا نعترف إلا بما كان، وتهمل ما هو كائن وما سيكون، فلا هي توسعت في مدلول الكلمات العربية ووضعت منها أسماء للجديد، ولا هي سمحت بالكلمات الأجنبية أن تدخل من غير تعديل أو بتعديل، والخلاف محتدم، والنزاع قائم، ومركزنا كما هو لم نتقدم فيه شبراً - مع أنا واجهنا هذا الأمر منذ احتكاكنا بالمدينة الحديثة، وحرنا في تصرفاتنا فحينا ندرس كثيراً من المواد في مدارسنا بلغة أجنبية وحيناً تأخذنا العزة القومية فنحولها إلى العربية، والنقص كما هو والموقف كما هو
وفي التشريع تغير العالم في معاملاته، فأنتجت المدنية الحديثة أنواعاً من المعاملات عديدة، وأنواعاً من الجرائم جديدة، ونظماً في الحكم والقضاء، فأبى رجالنا إلا أن يقفوا حيث هم، أبوا أن يفتحوا أعينهم لأنواع الشركات إلا ما نص عليه في الكتب القديمة من شركة
стр. 3473
مفاوضة ووجوه وعنان، وأبوا أن ينظروا إلى نظام الجمارك إلا ما ورد في كتب الفقه في باب العاشر، وأبوا أن ينظروا في جرائم الكيوف والاختلاس والتزوير إلا ما جاء في باب التعزير فكان من الزمن أن تركهم فيما هم فيه، وسلب من يدهم أوسع أبواب التشريع، وهي ما يتعلق بالمسائل المدنية والعقوبات واستند من قانون نابليون إذ أبى، بالعلماء أن يمدوه بالفقه أو لم يترك في يدهم إلا الأحوال الشخصية إلى حين
وكان موقفنا في الأخلاق موقفنا في اللغة والتشريع، فالمدنية الحديث كان لها من الأثر ما غير قيم الأخلاق، وقلب أوضاعها وطبعها بطابع جديد، ذلك أن أكبر أسس المدنية الحديثة وأهم أركانها الصناعة - ومن أجل هذا قومت الأخلاق من جديد على أساس الصناعة، ورتبت قائمة الأخلاق ترتيباً يتفق والصناعة، فخير الأخلاق النظام، والنظافة، والصدق في المعاملة، والمحافظة على الزمن، والاقتصاد وما إلى ذلك وجعلت هذه الصفات في المنزلة الأولى، ووضع للعمال نظم لحمايتها وترقية شؤونهم من نقابات وجمعيات، وقلبت القائمة التي وضعت في القرون الوسطى رأساً على عقب، فالحياء والتواضع والسماحة ونحوها قل أن تعد فضائل، وإذا سمح بعدِّها ففي ذيل القامة لأنها لا تتناسب مع أخلاق القوة وأخلاق الصناعة، فليس خير الصناع أشدهم حياء وأكثرهم تواضعاً، ولكن خيرهم أقواهم وأمهرهم، وأحفظهم على نظام، وأشدهم مراعاة لموعد وهكذا - وجاء العلم فخدم هذا النظر لأنه رقى الصناعات رقياً عظماً بفضل ما يقدمه لها كل يوم من مكتشف جديد، وبجانب هذا تحكم العلم في تقويم الأخلاق. فغير الأنظار القديمة وجعل المقياس سعادة الناس ورفاهيتهم في الحياة الدنيا، ولم يعبأ بالتقدير المأثور عن السلف، فنظر من جديد إلى الموسيقى والألعاب وسائر الفنون، وحكم بالحسن على ما كان يحكم عليه من قبل بالقبح، وعد كثيرا مما كان قبل إثماً وحراماً وجريمة محمدة وخيراً وفضيلة، ورأى أن ما في حياة القرون الوسطى من رهبنة واعتكاف في الأديرة والتكايا ونحو ذلك، عيشة كسل وخمول لا تتفق وخير الناس (فمن لم يعمل لا يأكل) جرى كل هذا والمسلمون حائرون بين تقاليدهم القديمة وما تقدمه المدنية الحديثة من نظر جديد - والزمن لا ينتظرهم في حل الإشكال واختيار أحد الطريقين، فلما ترددوا جرفهم طوعاً أو كرهاً من غير أن ينظرهم حتى يبتوا فيما يتفق وأخلاق المدنية الحديثة مع تقاليدهمم ودينهم وتاريخهم وما لا يتفق.
стр. 3474
ويطول بنا القول لو عددنا كل مرفق من مرافق الحياة وأبنّا ما أصابه من ركود فنجتزئ بما ذكرنا من أمثلة للدلالة على باقيها.
ثارت أوربا في التاريخ الحديث ثورات سياسية وثورات صناعية، كان من نتائجه تغيرها تغيراً كبيراً في القرن التاسع عشر فمن الناحية السياسة حلت الديمقراطية محل الأرستقراطية بما يتبع ذلك من تغير في النظم والتشريع، ومن الناحية الصناعية حلت المصانع الكبيرة والشركات، والسكك الحديدية والتلغرافات والتليفونات والكهرباء محل المظاهر الساذجة من صناعات يدوية وحمل على الخيل والبغال، واستنارة بالشمع والزيوت، وما إلى ذلك وهذا التغير السياسي والصناعي هو ما نسميه بالمدنية الحديثة. وتبع هذا التغير الداخلي في أوربا، تغير آخر خارجي، فقد اتجهت أفكار قادة الرأي فيهم إلى غزو آسيا وأفريقيا وكان الباعث لها على ذلك جملة أمور، أولها اقتصادي وهي أن تجد لها في الشرق مواد أولية لتغذية صناعتها، وثانيها وطني، وهو أن كل أمة من أمم أوروبا فشت فيها النزعة الوطنية وامتلأت نفوس أهلها حمية، ودفعها ذلك لأن تتطلب كل أمة قوة المظهر داخلاً وخارجاً، ومن أهم ذلك التوسع في الاستعمار وبسط النفوذ، والفخر بلون الخرائط - وثالثها - وهو أقل من الأولين شأناً الدافع الديني فقد دفع قوماً من أوروبا لنشر الدعوة المسيحية في البلاد الإسلامية واستعانوا بالسلطة على حمايتهم
على كل حال - حمل الأوربيون إلى أسيا وأفريقيا مدنيتهم مع فتحهم، وكان لابد لهم أن ينظموا الحال فيهما بما يتفق والنظام السائد عندهم ففي التشريع لابد أن تسود المبادئ القانونية السائدة في أوربا حتى تسهل التجارة ويأمنوا على معاملتهم للشرقيين، ولابد من انتشار المدنية الحديثة بآلاتها وأدواتها حتى تروج في الشرق البضائع الأوربية، ولابد أن يتعلم طائفة من المفتوحين على النمط الأوروبي الحديث، وأن يكونوا هم المتولين المناصب الكبيرة حتى يمكن التفاهم معهم في تسيير الشؤون، وهكذا كان من أثر انتشار هذه المدنية بين المسلمين نتائج كثيرة أهمها فيما يظهر لي أمران - الأول - اختلال التوازن بين الأمم الشرقية عامة والأمم الإسلامية خاصة، وأكبر ما تمنى به أمة اختلال توازنها، ذلك أن المدنية الحديثة بما استتبعها من تغير في مظاهر الحياة الاجتماعية ومن تعديل في قيم الأخلاق، كانت نتيجة لثورات داخلية شبت فيه، وآمال وآلام جاشت في
стр. 3475
صدره وتجارب جربها وأخطأ فيها فأصلح خطأه وهكذا كانت حركاته سلسلة متصلة تسلم حلقة منها إلى حلقة، ونسير في التدرج فيها سيراً طبيعياً، أما في الشرق فجاءته هذه المدنية لا من داخل نفسه بل من خارجها، وفرق كبير بين ما دعت إليه الطبيعة وما دعا إليه التقليد - ولاختلال هذا التوازن مظاهر كثيرة فان نظرت إلى القضاء فقضاء شرعي في الأحوال الشخصية يطبق نظم المدنية الإسلامية وقضاء أهلي يطبق نظم أوربا ممصرة وقضاء مختلط يخالفهما، وفي الحياة الاجتماعية نرى قرى لم يتأثر أهلها بالمدنية الحديثة في قليل من شؤونهم ولا كثير، ومدناً تأثرت إلى حد كبير بها حتى في أدق أمورها، ولعل خير ما يمثل مظاهرنا المختلفة المضطربة اختلاف ملابسنا وتعدد أشكالها مما لا يعرف له نظير في أوربا.
وفي التعليم أنواع تتبع الأنماط الإسلامية في عصورها، وأنماط تتبع المدنية الحديثة في مظاهرها وأشكالها، وهكذا فأن أنت نظرت إلى أية أمة أوربية في كل مظاهر الحياة من لغة وتعليم وملبس ومظهر اجتماعي رأيت فيها وحدة رغم الاختلافات السطحية، وان أنت نظرت إلى حياة المسلمين في كل مرفق من هذه المرافق لم تجد هذه الوحدة ووجدت الخلاف في الصميم، نرى نزعات تتجه نحو تاريخهم ودينهم ومدنيتهم القديمة ونزعات تتجه نحو المدنية الحديثة ولا رابطة تربط هذه النزعات - وترى ناحية من نواحي المدنية الحديثة تطغى وتكثر ولا يماثلها ما يقابلها فيطغى - مثلاً - في الشرق لهو أوربا من خمر ورقص وحياة مترفة وهي كثيرة في أوربا كثرة تفوق بمراحل ما في الشرق، ولكنها في أوربا تتعادل وتتوازن، فلهو كثير يزنه جد كثير، وإجرام يوازنه حزم - وعلى هذا النمط يختل التوازن وتفقد الأمة قوتها الحيوية - ولا يمكن أن تصلح هذه الحال إلا إذا توافر جماعة من خير الأمة على دراسة الموقف الاجتماعي للمسلمين والشرق دراسة عميقة مسلحة بما وصل إليه علم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ، ثم يضعون بعد هذه الدراسة الأكاديمية خططاً للسير في هذا الظرف العصيب ظرف الانتقال، يعرفون الداء ويصفون الدواء، يعلمون مدنيتهم القديمة والمدنية الحديثة، ومعايب كل، ومزايا كل، ويعلمون الحالة النفسية لأممهم وما يناسبهم وما لا يناسبهم ويبينون (خطة الانتخاب) يعرفون مناحي اختلال التوازن وأسبابها ويرسمون طريقة (إعادة التوازن).
стр. 3476
والأمر الثاني من نتائج انتشار المدنية الحديثة بين المسلمين أمر يناقض الأول ويكاد يسير سيراً عكسياً معه، ذلك أن انتشار التعاليم الجديدة للمدنية الحديثة واضطرار الأوربيين لتأليف فرقة من المسلمين يتكلمون لغتهم، ويتعلمون مناهجهم، ويتشربون مبادئهم، أمكنت هذه الطائفة من الاطلاع على المبادئ التي تدعو إلى الديموقراطية، وتبث روح الوطنية، فكان من ذلك أن أشربوا روح الثورة - نظروا إلى أممهم بالعين التي نظرت إلى هذه المبادئ فأيقنوا بحقهم في الحياة، وحقهم في الاستقلال، وحقهم أن يساهموا في بناء صرح المدنية، وأن يشاركوا في تحمل أعباء الإنسانية - وزادهم عقيدة في ذلك ما رأوا من أن أوربا تحكم آسيا وأفريقيا على قاعدة مختصرة موجزة واضحة طبيعية، وهي أنها تتجه في تسيير آلات الحكم إلى منفعتها هي، فحيث اتفقت مصلحة آسيا وأفريقيا مع أوربا نفذت المصلحة المشتركة، وحيث اختلفت مصلحة آسيا وأفريقيا مع مصلحة أوربا، فطبيعي أن تنفذ مصلحة أوربا، وقد ينظر في تقدير المصلحة النظر الضيق القريب لا النظر الواسع البعيد - كان من جراء هذا وذاك وجود الاصطدام وشعور الشرق بالغبن، وقيام الطائفة المتعلمة على النمط الحديث ببث روح الوطنية - وعملت هذه الحركة في النفوس سنين وتكفل الزمن بأن يظهر كل حين وآخر حادثة تفتح عيونهم وتقوى شعورهم، فكان القلق في كل مكان في الشرق، في مصر، في تونس، في الجزائر، في مراكش، في فلسطين، في الشام، في العراق، في الهند، في غيرها من البلدان، قلق اقتصادي وقلق وطني وقلق ديني، هذا القلق أنتج وليداً جديداً هو ما وصفته قبل، ماذا ينتهي إليه هذا القلق؟ ماذا يكون شأن هذا الوليد؟ ما تاريخه المستقبل؟ هذه الأسئلة وأمثالها خارجة عن عنوان مقالنا وهي بعنوان (المسلمون غداً) الصق واليق، وكل ما أعمله الآن وأريد أن أقوله عن هذا الطفل أنه (لن يموت).
أحمد أمين
стр. 3477
وحي الهجرة في نفسي
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
إن التاريخ ليتكلم بلغة أوسع من ألفاظه إذا قرأه من يقرؤه على أنه بعض نواميس الوجود صورت فيها النفس الإنسانية، كيف اعتورت أغراضها، وكيف مدت في نسقها، وكيف تغلغلت في مسالكها، وما تأتي لها فجرت به مجراها، وما دفعها فانحدرت منه إلى مقارها. فهو ليس بكلام تستقبله تقرأ فيه، ولكنه أحوال من الوجود تعترضها فتغير عليك حسك بإلهامها وأحلامها، وتتناولها من ناحية فتتناولك من الأخرى، فإذا الكلمة من ورائها معنى، من ورائه طبيعة، من ورائها سبب وحكمة، وإذا كل حادثة فيها إنسانيتها وإلهيتها معاً، وإذا الوجود في ذهنك كالساعة ترسم لك حد الثانية بخطرتين، وحد الدقيقة من عدد محدود من الثواني، ثم حد الساعة إلى حد اليوم، وإذا البيان في نفسك من كل هذه الحواشي، وإذا التاريخ فيما تقرؤه مفنن في ظاهره وباطنه يفيء عليك من ألفاظه ومعانيه بظلال هي صلتك أنت أيها الحي الموجود بأسرار ما كان موجوداً من قبل.
كذلك قرأت بالأمس تاريخ الهجرة النبوية في كتاب أبي جعفر الطبري لأكتب عنه كلمة في (الرسالة) فلم أكن علم الله - في كتاب ولا في حكاية، بل في عالم انبثق في نفسي مخلوقاً تاماً بأهله وحوادث أهله، وأسرار أهله وحوادثه جميعاً، كما يرى المحب حبيبه، لا يكون الجميل في محل إلا امتلأ مكانه بعاشقه، فهو مكان من النفس والدنيا، لا من الدنيا وحدها، وفيه الحياة كما هي في الوجود بمظهر المادة. وكما هي في الجب بمظهر الروح. وتلك حالة من القراءة بالروح والكتابة بالروح متى أنت سموت إليها رأيت فيها غير المعنى يخرج معنى، ومن لا شيء تخلق أشياء، لأنك منها اتصلت بأسرار نفسك، ومن نفسك اتصلت بأسرارٍ فوقها، فيصبح التاريخ معك فن الوجود الإنساني على الوجه الذي أفضت به الحكمة إلى الحياة لتستمر بالنفس الإنسانية، لا فن علم الناس على الوجه الذي أفضت به الحوادث مما بين الحياة والموت.
نشأ النبي ﷺ في مكة واستنبئ على رأس الأربعين من سنه، وغير ثلاث عشرة سنة يدعوا إلى الله قبل أن يهاجر إلى المدينة فلم يكن في الإسلام أول بدأته إلا رجل وامرأة وغلام: أما الرجل فهو هو ﷺ ، وأما المرأة فزوجه خديجة،
стр. 3478
وأما الغلام فعلي أبن عمه أبي طالب، ثم كان أول النمو في الإسلام بحر وعبد: أما الحر فأبو بكر، وأما العبد فبلال، ثم اتسق النمو قليلاً قليلاً ببطء الهموم في سيرها، وصبر الحر في تجلده، وكأن التاريخ واقف لا يتزحزح، ضيق لا يتسع، جامد لا ينمو: وكان النبي ﷺ أخو الشمس؛ يطلع كلاهما وحده كل يوم. حتى إذا كانت الهجرة من بعد، فانتقل الرسول إلى المدينة - بدأت الدنيا تتقلقل، كأنما مر بقدمه على مركزها فضغطها فحركها، وكان خطواته في هجرته تخط في الأرض، ومعانيها تخط في التاريخ، وكانت المسافة بين مكة والمدينة، ومعناها بين المشرق والمغرب.
لقد كان في مكة يعرض الإسلام على العرب كما يعرض الذهب على المتوحشين، يرونه بريقاً وشعاعاً، ثم لا قيمة له وما بهم حاجة إليه، وهو حاجة بني آدم إلا المتوحشين، وكانوا في المحادة والمخالفة الحمقاء، والبلوغ بدعوته مبلغ الأوهام والأساطير - كما يكون المريض بذات صدره مع الذي يدعوه في ليالي القر إلى مداواة جسمه بأشعة الكواكب؛ وكانت مكة هذه صخراً جغرافياً يتحطم ولا يلين، وكأن الشيطان نفسه وضع هذا الصخر في مجرى الزمن ليصد به التاريخ الإسلامي عن الدنيا وأهلها.
وأوذي رسول الله ﷺ ، وكذب وأهين، ورجف به الوادي، يخطوا فيه على زلازل تتقلب، ونابذه قومه وتذامروا فيه، وحض بعضهم بعضاً عليه، والصفق عنه عامة الناس وتركوه إلا من حفظ الله منهم، فأصيب كبيراً باليتم من قومه، كما أصيب صغيراً باليتم من أبويه.
وكان لا يسمع بقادم يقدم من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له فدعاه إلى الله وعرض نفسه عليه، ومع ذلك بقيت الدعوة تلوح وتختفي كما يشق البرق من سحابه على السماء، ليس إلا أن يرى ثم لا شيء بعد أن يرى!
فهذا تاريخ ما قبل الهجرة في جملة معناه، غير أني لم أقرأه تاريخاً، بل قرأت فيه فصلا رائعاً من حكمة الإلهية، وضعه الله كالمقدمة لتاريخ الإسلام في الأرض، مقدمة من الحوادث والأيام تحيا وتمر في نسق الرواية الإلهية، المنطوية على رموزها وأسرارها، وتظهر فيها رحمة الله تعمل بقسوة، وحكمة الله تتجلى في غموض، فلو أنت حققت النظر لرأيت تاريخ الإسلام يتأله في هذه الحقبة، بحيث لا تقرؤه النفس المؤمنة إلا خاشعة كأنها
стр. 3479
تصلي، ولا تتدبره إلا خاضعة كأنها تتعبد.
بدأ الإسلام في رجل وامرأة وغلام، ثم زاد حراً وعبداً، أليست هذه الخمس هي كل أطوار البشرية في وجودها، مخلوقة في الإنسانية والطبيعة، ومصنوعة في السياسة والاجتماع؟ فها هنا مطلع القصيدة، وأول الرمز في شعر التاريخ.
ولبث النبي ﷺ ثلاث عشرة سنة لا يبغيه قومه إلا شراً، على أنه دائب يطلب ثم لا يجد، ويعرض ثم لا يقبل منه، ويخفق ثم لا يعتريه اليأس، ويجهد ثم لا يتخونه الملل، ويستمر ماضياً لا يتحرف، ومعتزماً لا يتحول، أليست هذه هي أسمى معاني التربية الإنسانية، أظهرها الله كلها في نبيه، فعمل بها وثبت عليها، وكانت ثلاث عشرة سنة في هذا المعنى كعمر طفل ولد ونشأ وأحكم تهذيبه بالحوادث حتى تسلمته الرجولة الكاملة بمعانيها، من الطفولة الكاملة بوسائلها؟ أفليس هذا فصلاً فلسفياً دقيقاً يعلم المسلمين كيف يجب أن ينشأ المسلم، غناه في قلبه، وقوته في إيمانه، وموضعه في الحياة موضع النافع قبل المنتفع، والمصلح قبل المقلد. وفي نفسه من قوة الحياة ما يموت به في هذه النفس أكثر ما في الأرض والناس من شهوات ومطامع؟
ثم أليست تلك العوامل الأخلاقية هي هي التي ألقيت في منبع التاريخ الإسلامي ليعب منها تياره، فتدفعه في مجراه بين الأمم، وتجعل من أخص الخصائص الإسلامية في هذه الدنيا - الثبات على الخطوة المتقدمة وإن لم تتقدم، وعلى الحق وإن لم يتحقق؛ والتبرؤ من الأثرة وإن شحت عليها النفس، واحتقار الضعف وإن حكم وتسلط، ومقاومة الباطل وإن ساد وغلب، وحمل الناس على محض الخير وإن ردوا بالشر، والعمل للعمل وإن لم يأت بشيء؛ والواجب للواجب وإن لم يكن فيه كبير فائدة، وبقاء الرجل رجلاً وإن حطمه كل ما حوله؟
ثم هي هي البراهين القائمة للدر قيام المنارة في الساحل - على نبوة محمد ﷺ ، تثبت ببرهان الفلسفة وعلوم النفس أنه روح وغاياتها المحتومة بالقدر، لا جسم ووسائله المتغلبة بالطبيعة، ولو كان رجلاً ابتعثته نفسه لتحمل الحيل لسياسته، ولأحدث طمعاً من كل مطمع، ولركد مع الحوادث وهب، ولما استمر طوال هذه المدة لا يتجه وهو فرد إلا اتجاه الإنسانية كلها كأنما هو هي.
стр. 3480
ولو هو كان رجل الملك أو رجل السياسة لاستقام والتوى، ولأدرك ما يبتغي في سنوات قليلة، ولأوجد الحوادث يتعلق عليها، ولما أفلت ما كان موجوداً منه يتعلق به، ولما انتزع نفسه من محله في قومه وكان واسطة فيهم، ولا ترك عوامل الزمن تبعد وهي كانت تدنيه. قالوا إن عمه أبا طالب بعث إليه حين كلمته قريش فقال له. يا أبن أخي، وإن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، فطن رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه بداء، وأنه خاذله ومسلِّمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال: يا عماه، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته. ثم استعبر ﷺ فبكى، يا دموع النبوة! لقد أثبت أن النفس العظيمة لن تتعزى عن شيء منها بشيء من غيرها كائناً ما كان، لا من ذهب الأرض وفضتها، ولا من ذهب السماء وفضتها، إذا وضعت الشمس في يد والقمر في الأخرى.
وكل حوادث المدة قبل الهجرة على طولها ليست إلا دليل ذلك الزمن على أنه زمن نبي، لا زمن ملك أو سياسي أو زعيم؛ ودليل الحقيقة على أن هذا اليقين الثابت ليس يقين الإنسان الاجتماعي من جهة قوته، بل يقين الإنسان الإلهي من جهة قلبه؛ ودليل الحكمة على أن هذا الدين ليس من العقائد الموضوعة التي تنشرها عدوى النفس للنفس، فها هو ذا لا يبلغ أهله في ثلاث عشرة سنة أكثر مما تبلغ أسرة تتوالد في هذه الحقبة؛ ودليل الإنسانية على أنه وحي الله بإيجاد الإخاء العالمي والوحدة الإنسانية. أفلم يكن خروجه عن موطنه هو تحققه في العالم؟
ثلاث عشرة سنة، كانت ثلاثة عشر دليلاً تثبت أن النبي ﷺ ليس رجل ملك، ولا سياسة، ولا زعامة، ولو كان واحداً من هؤلاء لأدرك في قليل؛ وليس مبتدع شريعة من نفسه، وإلا لما غبر في قومه وكأنه لم يجدهم وهو حوله؛ وليس صاحب فكرة تعمل أساليب النفس في انتشارها، ولو كأنه لحملهم على محضها وممزوجها؛ وليس رجلاً متعلقاً بالمصادفات الاجتماعية، ولو هو كان لجعل إيمان يوم كفر يوم؛ وليس مصلح عشيرة يهذب منها على قدر ما تقبل منه سياسة ومخادعة؛ ولا رجل وطنه تكون غايته أن يشمخ في أرضه شموخ جبل فيها، دون أن يحاول ما بلغ إليه من إطلاله على الدنيا إطلال السماء
стр. 3481
على الأرض؛ ولا رجل حاضره إذ كان واثقاً دائماً أن معه الغد وآتيه، وإن أدبر عنه اليوم وذاهبه؛ ولا رجل طبيعته البشرية يلتمس لها ما يلتمس الجائع لبطنه؛ ولا رجل شخصيته يستهوي بها ويسحر؛ ولا رجل بطشه يغلب به ويتسلط؛ ولا رجل الأرض في الأرض، ولكن رجل السماء في الأرض.
هذه هي حكمة الله في تدبيره لنبيه قبل الهجرة، قبض عنه أطراف الزمن، وحصره من ثلاث عشرة سنة في مثل سنة واحدة، لا تصدر به الأمور مصادرها كي تثبت أنها لا تصدر به؛ ولا تستحق به الحقيقة لتدل على أنها ليست من قوته وعمله. وكان ﷺ على ذلك وهو في حدود نفسه وضيق مكانه يتسع في الزمن من حيث لا يرى ذلك أحد ولا يعلمه، وكأنما كانت شمس اليوم الذي سينتصر فيها، قبل أن تشرق على الدنيا بثلاث عشرة سنة - مشرقة في قبله ﷺ .
والفصل من السنة لا يقدمه الناس ولا يؤخرونه، لأنه من سير الكون كله؛ والسحابة لا يشعلون برقها بالمصابيح، ومع النبي من مثل ذلك برهان الله على رسالته، إلى أن نزل قوله تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) فحل الفصل، وانطلقت الصاعقة، وكانت الهجرة.
تلك هي المقدمة الإلهية للتاريخ، وكان طبيعياً أن يطرد التاريخ بعدها، حتى قال الرشيد للسحابة وقد مرت به أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك.
مصطفى صادق الرافعي
стр. 3482
٥ - صور من التاريخ الإسلامي
الهجرة
للأستاذ عبد الحميد العبادي
كان من أثر الاتجاه المادي الحديث في فهم حوادث التاريخ وتعليلها أن أصبح المؤرخون أشبه شيء بالفلاسفة الكلبيين القدماء الذين كانوا يجردون الإنسان من عاطفة الخير، ويعتقدون أنه أناني بطبعه، لا يصدر عنه الخير إلا رئاء ونفاقاً، ولكن من حسن حظ الحقيقة والفضيلة أن بعض أحداث التاريخ يكذب هذه الدعوى وينقضها نقضاً صريحاً، ولست أجد في التاريخ الإسلامي انقض لتلك الدعوى وأشد تكذيباً من حديث الهجرة التي وقعت زمن النبوة، سواء أكانت هجرة الحبشة أم الهجرة إلى المدينة، ففي كلتا الهجرتين تجد الإخلاص للعقيدة مجسماً محسوساً، والتنزه عن حطام الدنيا واضحاً ملموساً. وإلى القارئ أسواق المقال الآتي توضيحاً لهاتين الهجرتين في ضوء الحياة العامة التي ابتعثتهما وأدت إليهما
لقد حمل الإسلام من أول الأمر على ما كان لقريش من نظم بالية عتيقة حملة عنيفة لا مواربة فيها ولا هوادة. فكان محمد يقرع أسماع قومه بما يتنزل عليه من القرآن ناعياً عليهم وثنيتهم المنحطة، ونظامهم الاجتماعي الذي فرقهم أغنياء وفقراء وسادة وعبيداً، مهجنا تكثرهم بالاحساب والأنساب، مقبحاً طرقهم الملتوية في المعاملات من تطفيف الكيل والميزان وأكل أموال الناس بالباطل. محذراً لهم إن هم أصروا على عتوهم واستكبارهم أن يصيبهم ما أصاب الأمم من قبلهم عندما أعرضت عما بعث به إليها الرسل من أسباب الهداية والأصلاح.
لم يجب هذه الدعوة التي تكلفت بخيري الدنيا والآخرة إلا فريق قليل العدد وسيط المكانة في المجتمع القرشي. أما الملأ من قريش فرأوها دعوة صريحة إلى الفوضى وقلب الأوضاع. ورأوا في محمد ثائراً يريد هدم النظم التي درجت عليها الجمهورية المكية من قديم. ثم من يدريهم لعلهم إن هم اتبعوه التات عليهم الأمر واضطرب الحبل، فان الهدم عادة أيسر من البناء. تلك كانت حجتهم في عدم متابعته، وهي حجة الجامدين على المصلحين في كل زمان ومكان.
стр. 3483
وكان موقف قريش من محمد أول الأمر سلبياً محضاً. ولكن محمداً كان النشاط واللباقة والفصاحة وقوة الخلق مجتمعة، فوجدت قريش نفسها بازاء رجل لا كالرجال، وخصم ليس كغيره من الخصوم، فهي إن لم تعاجله عاجلها، وإن لم تقض عليه قضى عليها. لذلك أخذت تنهج في مقاومته خطة إيجابية تدرجت فيها تدرجاً. فكانت أول الأمر تستهزئ به وبدعوته وبمن اتبعه، فهو شاعر وساحر ومجنون، ودعوته إنما هي محض خداع وغرور، وأتباعه ليسوا إلا أراذلها وسفلتها، ثم جعلت تحاول إعجازه ومعاياته. إن يكن صادقاً فيما يدعى فليحول جبال مكة جناناً وأنهاراً، أو فليكن له بيت من زخرف، أو ليرق في السماء، أو فليسقط السحاب عليهم كسفاً، أو فليأت بالله والملائكة قبيلاً. ثم انتقلوا من هذه المعاياة الدالة على قصر عقولهم إلى التعريض له بالمال والسلطان. فلما أعيتهم فيه الحيل ورأوا وقوف عشيرته دونه أخذوا يفتنون أصحابه بالأذى والعذاب. فمنهم من كان يثبت على رأيه وعقيدته، ومنهم من كان يفتتن من شدة البلاء.
عند ذلك أمر الرسول أصحابه بالهجرة التي هي آخر ما يلجأ إليه المحق الضعيف في مقاومة المبطل القوي. أمرهم بالهجرة إلى أرض الحبشة فهي أرض قديمة الصلة بمكة، وبها ملك نصراني رشيد لا يضام من يلجأ إليه ويحتمي بحماه.
فخرج من مكة في شهر رجب من سنة خمس للنبوة زهاء مائة مسلم ومسلمة، وكلهم جاز البحر الأحمر من الشعيبة إلى بر الحبشة، فتلقاهم النجاشي لقاء حسناً وأذن لهم في المقام بأرضه آمنين على دينهم وأنفسهم. وقد أبى أن يخفر ذمته لهم عندما أرسلت إليه قريش في رد اللاجئين إليه. فلما تبدلت الأحوال بالحجاز وعلا شأن الإسلام به جعل هؤلاء المهاجرون يعودون إلى الحجاز. وكانت عودة بقيتهم إلى المدينة سنة سبع للهجرة أي بعد أن لبثت بأرض الحبشة نحو خمسة عشر عاماً. وقد جزت الرواية الإسلامية النجاشي عن صنيعه هذا بأن اعتقدت إسلامه، وبأن النبي ﷺ قد صلى عليه عندما بلغته وفاته.
ولما رأت قريش خروج من خرج إلى الحبشة من أصحاب محمد أرادت أن تحسم مادة الخطر فاجتمعت كلمة ملئها على حبس محمد وعشيرته من بني هاشم والمطلب في بعض شعاب مكة، وعلى أن يقطعوا كل أسباب الاتصال بينهم وبين جمهور قريش، وقد أنفذت
стр. 3484
هذا الحكم، وقضى بنو هاشم والمطلب في الشعب نحو ثلاث سنين قاسوا فيها جهداً جاهداً حتى لقد كان يسمع صوت صغارهم من وراء الشعب وهم يتضورون جوعاً. وأخيراً قام في قريش من عطفته عليهم عاطفة الرحم والقرابة فسعى في إخراجهم من الشعب فأخرجوا
على أن الرسول لم ينعم بتلك الحرية التي سيقت إليه طويلاً. ففي السنة العاشرة للنبوة أصيب بفقد عمه أبي طالب وزوجه خديجة، فخلا الميدان من النصير الذائد، وخلا البيت من الحبيب المؤنس. واصبح محمد وجهاً لوجه أمام عدون حنق عليه كان يترقب فيه الفرصة، فلما امكنت استغلها استغلالا. فجعل يأخذ عليه المذاهب ويعزى به السفهاء يتعمدونه بالأذى والهوان
عند ذلك أخذ الرسول يفكر فيما كان قد أشار به على أصحبه منذ سنين عندما اشتد تحامل قريش عليهم: أخذ يفكر هو أيضاً في الهجرة. لقد دلته تجارب سنوات عشر على أن دعوته توشك أن تذهب بمكة صرخة في واد ونفخة في رماد، وإذا ففيم المقام بواد غير ذي زرع حقيقة ومجازاً؟ فليهاجر! ذلك ما قر عليه رأيه. ولكن على ألا يتخطى حدود بلاد العرب فهو مبعوث إلى العرب أولا والى سائر الناس أخيراً. فليخرج إلى اقرب قرية عربية من مكة؛ إلى الطائف، لعل ثقيفاً تجيره حتى يبلغ رسالته. ولكن ثقيفاً لم تكن أبر به من قريش، فقد أعرضت عن سماع دعوته وضنت عليه بجوارها، ثم زادت فأغرت به سفهاءها، فما زالوا يتعقبونه حتى ألجأوه هو ومولاه زيد بن حارثة إلى حائط من حوائط ثقيف. وهنا - وقد خلا إلى نفسه وربه -. فاضت أشجانه واعتلجت في صدره همومه، فانبعث يناجي ربه (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس! يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك على غضب فلا أبالي؟ ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)
ثم نهض من مكانه يريد مكة فلم يدخلها إلا في جوار سيد من ساداتها هو المطعم بن عدي. وكف محمد مؤقتاً عن توجيه الدعوة إلى قريش واكتفى بعرض نفسه على قبائل العرب في مواسم الحج لعل قبيلة تصغي إليه فينتقل إليها ويبلغ دعوته في ظلها وسلطانها. فكانت
стр. 3485
القبائل ترد عليه بأنه لو كان صادقاً لاتبعه قومه، إلا ما كان من أمر أهل يثرب. ففي عام ١١ للنبوة لقي النبي عند العقبة ستة نفر من الخزرج فعرض عليهم الإسلام فآمنوا وصدقوا، ووعدوا أن ينشروا الدين الجديد في قومهم. تلك بيعة العقبة الأولى. فلما كان العام القابل وافى الموسم من الأوس والخزرج اثنا عشر رجلاً، لقوا النبي عند العقبة أيضاً فبايعوه على بيعة النساء، وذلك قبل أن يشرع القتال (على ألا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف. فأن وفيتم فلكم الجنة، وان غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى الله ، أن شاء غفر، وأن شاء عذب) تلك بيعة العقبة الثاني، وبعث الرسول معهم صاحباً من أصحابه ديِّناً لبقاً فطنه ليفقه القوم في الدين، وفي الوقت نفسه ليخبر أحوال يثرب العامة ويسبر غورها وينهي إلى النبي ما يصل إليه من ذلك. ذلك هو مصعب بن عمير. وقد أدى مصعب بن عمير واجبه أحسن أداء وأتمه، ثم عاد إلى مكة فاطلع الرسول على حال يثرب ومقدار نجاح الدعوة الإسلامية بها. فلما حل موسم الحج وافى مكة جم غفير من الأوس والخزرج، مسلمهم ومشركهم. فواعد المسلمون منهم رسول الله أن يلقوه عند العقبة ليلاً، وقد لقيه منهم ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان، فبايعوا الرسول بيعة العقبة الكبرى المشهورة وهي تقوم على تعهد الأوس والخزرج بالدفاع عن الرسول والحرب من دونه. يقول الطبري (فوافوه بالحج فبايعوه بالعقبة وأعطوه عهودهم، على إنّا منك وأنت منا، وعلى أنه من جاءنا من أصحابك أو جئتنا فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا) وبهذه البيعة أصبح للرسول بيثرب أنصار يؤوونه ويذودون عنه.
لكي ندرك السبب في مسارعة الأوس والخزرج إلى قبول الدعوة الإسلامية ومبايعة الرسول على الدفاع عنه، ينبغي أن نلم بحال يثرب في السنوات السابقة على الهجرة من الناحيتين الدينية والسياسية، فمن الناحية الدينية كانت اليهودية قد حرثت المدينة وأعدتالأنصار لقبول الدعوة الإسلامية، لأنهم أهل كتاب منزل ودين مشروع. وكان الأوس والخزرج يلقفون منهم معنى النبوة والرسالة والوحي ونحو ذلك من المصطلحات الدينية. ثم أن اليهود كانوا كدأبهم يتوقعون ظهور نبي منهم يجمع شملهم ويعيد إليهم سلطانهم يقهر بهم أعداءهم، وكانوا لا يعدمون أن يبوحوا بشيء من ذلك لمواطنيهم من الأوس والخزرج.
стр. 3486
قال ابن اسحق عند كلامه على استجابة الأنصار لدعوة النبي في بيعة العقبة الأولى: (وكان مما صنع الله لهم به من الإسلام أن يهود كانوا معهم ببلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم. فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم إن نبياً مبعوث الآن، قد أظل زمانه نتبعه فنقلتكم معه قتل عاد وأرم. فلما كلم رسول الله (ص) أولئك النفر دعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلموا، والله انه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام)
قد يكون تصوير حالة المدينة السياسية قبيل الهجرة أبلغ من تصوير الحال الدينية في فهم قبول الأنصار دعوة النبي والتزامهم الدفاع عنه ببلدهم. لقد كانت الحياة العامة بالمدينة مضطربة أشد الاضطراب من جراء حرب الأوس والخزرج التي سببها ما كان بين الفريقين من دماء وثارات. وكانت الغلبة بوجه عام في تلك الحرب للخزرج على الأوس، حتى لقد همت الأوس حوالي السنة العاشرة قبل الهجرة أن تجلو عن المدينة جملة، وأخذت تفاوض قريشاً في أن تأذن لها بالنزول عليها بمكة، ولكن قريشاً كانت أحرص من أن تأذن بذلك، فلما طلبت إليها الأوس أن تحالفها على الخزرج أبت أن تتورط في شيء من ذلك أيضاً. فعادت الأوس تلتمس الحلف من يهود يثرب وخاصة قريظة والنضير. وكان اليهود قد وقفوا من تلك الحرب موقف الحياد المطلق، فملا بلغ الأمر الخزرج أرسلت إلى اليهود تحذرهم عاقبة هذا الحلف إن تم، فلما أكد اليهود أنهم غير محالفي الأوس عادت الخزرج تطلب منهم رهناً أربعين غلاماً من غلمانهم يكونون بأيديهم ضماناً لهذا الحياد. فلم يسع اليهود ألا أن يسلموا إليهم الضمان الذي طلبوا. ولكن الخزرج كانت قد قدمت إلى ارض قريظة والنضير وكانت أغنى بقاع يثرب، فأقبلت تتجنى على اليهود وتخير قريظة والنضير بين أمرين كلاهما شر: فإما أن يجلوا عن يثرب وينزلوا لهم عن أرضهم، وإما أن تقتل غلمانهم. فلما رأت اليهود أن الخزرج قد لجت في طغيانها، وان حيادها لن يجر إليها خيراً، عند ذلك خرجت من حيادها وحالفت الأوس صراحة، فقتلت الخزرج الغلمان وعقدت حلفاً مع القبيلة اليهودية الثالثة بالمدينة قبيلة بني قينقاع وبذلك استحالت يثرب عسكرين تشحذ فيهما السيوف وتراش النبال استعداد للواقعة الفاصلة.
стр. 3487
وقد وقعدت الواقعة الفاصلة في يوم بعاث الذي كان قبيل الهجرة بنحو خمسين سنين. في ذلك اليوم أديل للأوس وحلفائهم من الخزرج وحلفائهم، وقتل من الفريقين يومئذ عدد كبير من سادات الناس وأشرافهم. جاء في صحيح البخاري عن عائشة: (كان يوم بعاث يوماً قدمه الله لرسوله (صلعم) في دخولهم في الإسلام، فقدم رسول الله صلعم وقد افترق ملؤهم وقتلت سراتهم) ويفسر السمهودي هذا الحديث بقوله (ومعناه انه قتل فيه من أكابرهم من كان لا يؤمن أن يتكبر، ويأنف أن يدخل في الإسلام) إلى أن يقول (وقد كان بقي معهم من هذا النمط عبد الله بن أبي بن سلول. . . وكذلك أبو عامر الراهب. . . فشقيا بشرفهما)
ورأى أهل يثرب غداة يوم بعاث أن الحرب مهلكة النفوس متلفة الأموال، وأنها يشقى بها الغالب والمغلوب جميعاً، وأنه أولى بهم أن يقيموا بيثرب حكومة تزع القوى وتأخذ بناصر الضعيف. وكان عبد الله بن أبي بن سلول الخزرجي قد رأى غدر قومه في الحرب فلم يخض غمارها معهم وامتنع من قتل من كان بيده من غلمان يهود، ولذلك اتجهت إليه أنظار القوم وهموا أن يملكوه على يثرب، وأقبلوا ينظمون له الخرز، وكان ذلك شارة الملك عندهم. ولكن يظهر أنه لم تكن هناك رغبة صادقة في تمليكه. أما الأوس فكانت تكره أن يصير الأمر إلى خزرجي مهما تكن فضائله، وأما الخزرج فقد كبر على كثير من أحيائها أن تولي رجلاً وسمها بالغدر وخذلها عند الحرب، فكان بذلك مسؤولاً إلى حد ما عن هزيمتها. وأما اليهود فلا شك في أنها كانت تستنكف أن يلي أمرها مشرك ولو كان ابن أبي نفسه.
فلما لقي حجاج الأوس والخزرج الرسول بموسم الحج وأطلعوا على سيرته وحالته وجدوا فيه ضالتهم المنشودة. فهو وحده الرجل الذي تستقيم على يده حالهم المختلة، وتجتمع على حكومته آراؤهم المختلفة، هو نبي عربي يتنزل عليه الوحي من السماء، وبذلك يحتجون به على اليهود. نعم إنه من الناحية السياسية يعتبر أجنبياً عن يثرب، ولكن حكومته لن تكون أجنبية. أليس الأنصار هم الذين سيكونون عدته ومادته؟ فأي حكومة ليثرب يمكن أن تفضل هذه الحكومة؟ إذن فليعدلوا عن تمليك ابن أبي، وليبايعوا محمداً، وليكن ذلك في غيبة ابن أبي وليكتموا ذلك الأمر عنه كتمان النبي إياه عن قريش.
تلك كانت الحال المعنوية للأنصار عندما بايعوا النبي بيعاتهم الثلاث بمكة. قال بن اسحق
стр. 3488
عند كلامه على العقبة الأولى (. . . وقالوا له (للنبي) إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فان يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم) وروي ابن إسحاق أيضاً عند كلامه على بيعة العقبة الكبرى (. . . فاعترض القول أبو الهيثم بن التيهان فقال يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها، يعني اليهود، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فقال فتبسم رسول الله ﷺ . ثم قال بل الدم الدم! والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم). فالمسألة من ناحية الأنصار لا تعدو أن تكون حلفاً سياسياً قوامه الفكرة الدينية. أما من ناحية الرسول فلم تكن كذلك. فالرسول إنما كان يريد إذ ذاك بلداً يأمن فيه على دعوته وأصحابه، وقوماً يحمون ظهره حتى يبلغ رسالته. وقد أصبح ذلك مكفولاً له بالبيعة الأخير، وإذن فلم يبقى إلا الرحيل من مكة إلى المدينة
ورأى الرسول اغتنام الوقت فأذن لأصحابه في الخروج إلى يثرب في أواخر ذي الحجة من السنة الثالثة عشرة للنبوة. فجعلت جماعاتهم عندما استهل المحرم تخرج من مكة أرسالاً وتنزل على الأنصار في دورهم. فخرج في نحو شهرين زهاء المائتين. وقد أقفرت دور برمتها بسبب الهجرة. من ذلك دور بني مظعون وبني جحش وبني البكير. قال ابن هشام (فغلقت دار بني جحش هجرة، فمر بها عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبو جهل بن هشام ابن المغيرة. . . وهم مصعدون إلى أعلى مكة، فنظر إليها عتبة ابن ربيعة تخفق أبوابها يباباً ليس فيها ساكن، فلما رآها كذلك تنفس الصعداء ثم قال:
وكل دار وان طالت سلامتها … يوماً ستدركها النكباء والحوب
ثم قال هذا عمل ابن أخي هذا، فرق جماعتنا وشتت أمرنا وقطع بيننا) ولم يبق بمكة من المسلمين إلا النبي وأبو بكر وعلي وإلا من كان مفتوناً أو محبوساً أو مريضاً أو ضعيفاً عن الخروج.
وأحست قريش الخطر الذي أصبح يتهددها من جراء تلك الهجرة وذلك الحلف الذي عقده محمد مع أهل يثرب. فاجتمع ماؤها في دار ندوتها ليقلب الأمر على وجوهه ويصدر فيه
стр. 3489
رأياً حاسماً. وهنا افترقت بها الآراء وتشعبت المذاهب، فمنهم من رأى أن ينفى من البلد، ومنهم من رأى قتله. والظاهر أن الرأي الأخير هو الذي اجتمعوا عليه آخر الأمر. وإلى هذه القصة كلها يشير القرآن بقوله (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) ثم رأوا أن يقتلوه بحيث تمتنع على عشيرته المطالبة بدمه فأمروا فتياناً من بطون قريش أن يضربوه ضربة رجل واحد وبذلك يتفرق دمه في القبائل ويرضى بنو هاشم بديته.
ولكن رسول الله كان قد نذر بذلك فأسرع إلى الخروج خفية من داره إلى دار صديقه أبي بكر وكان قد أعد عدة السفر إلى المدينة، دليلاً وظهراً وخادماً وزاداً. وخرج الرسول وابو بكر إلى غار بجبل ثور بقيا به ثلاثة أيام اهتاجت فيها قريش اهتياجاً شديداً وجعلت لمن يأتي بالنبي حياً أو ميتاً جعلاً سنياً. والى حادث الغار يشير القرآن بقوله (إلا تنصروه فقد نصره الله، إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه، لا تحزن، إن الله معنا فانزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز ذو انتقام).
توصف الأرض التي بين مكة والمدينة بأنها حزنة وعرة موحشة، ليس بها ما يرفه عن المسافر في بلاد العرب من ماء أو خضرة ثم هي يشقها طريقان: إحداهما شرقية محاذية لنجد ويجاوز طولها الثلاثمائة ميل بقليل، والأخرى غربية محاذية لساحل البحر الأحمر ويقرب طولها من مائتين وخمسين ميلا. وقد آثر الدليل الذي اتخذه أبو بكر هادياً له وللرسول أثناء السفر سلوك الطريق البحرية. غير انه كان ينحرف يمنة، ويسرة تضليلاً لمن عسى أن ترسله قريش في أثرهم. فخرج بالجماعة من جبل ثور اسفل مكة فبلغ عسفان وهنا أدرك الجماعة سراقة بن مالك طامعاً في قتل الرسول وأخذ جعل قريش، ولكنه وجد نفسه أمام أربعة أشداء فكان قصاراه أن نجا بنفسه بعد أن أعطى الرسول وأصحابه موثقاً ألاّ يدل عليهم. ثم سار الدليل بهم إلى أمج فقديد، فلما قارب بدراً مال بهم يمنة إلى العرج، ثم هبط وادي العقيق الذي يؤدي إلى المدينة. ولكن النبي أمر بأن يكون المسير أولاً إلى قباء قرية بني عمر بن عوف. فبلغها ظهر يوم الاثنين ١٢ ربيع الأول من السنة الأولى للهجرة وذلك بعد مسير ثمانية أيام. وأقام النبي ثلاثة أيام بقباء وثق فيها من
стр. 3490
حسن استقباله بالمدينة. فما كان يوم الجمعة خرج من قباء إلى المدينة يحف به ملأ بني النجار. وقد لحقه بقباء علي بن أبي طالب بعد أن أدى عن الرسول ما كان للناس عنده من الودائع. ولما اطمأن الرسول بالمدينة انفذ إلى مكة من حمل إليه أهل بيته.
ليس يسيراً على المؤرخ أن يصور مقدار المشقة التي لحقت المهاجرين الأولين من جراء هجرتهم من وطنهم إلى بلد ناء ومعشر غرباء. لقد كان أول مظهر لهذه المشقة أن تأثروا بجو المدينة الوخم لأول قدومهم فاعتلت صحتهم وأصابتهم الحمى وعراهم داء الحنين إلى وطنهم القديم، حتى لقد كان بعضهم يهذي بذلك إذا أخذه دوار الحمى. البلاذري بإسناده عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت (لما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة مرض المسلمون بها فكان ممن اشتد به مرضه أبو بكر وبلال وعامر بن فهيرة. فكان أبو بكر يقول في مرضه:
كل امرئ مصبح في أهله … والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال يقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بفخ وحولي أذخر وجليل!
وهل أردن يوماً مياه مجنة … وهل تبدون لي شامة وطفيل!
وكان عامر بن فهيرة يقول:
لقد وجدت الموت قبل ذوقه … إن الجبان حتفه من فوقه
كل امرئ مجاهد بطوقه … كالثور يحمى جلده بروقه
قال فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال: اللهم طيب لها المدينة كما طيبت لنا مكة، وبارك لنا في مدها وصاعها).
وتتمثل هذه المشقة كذلك في الفاقة الشديدة التي صار إليها المهاجرون بسبب الهجرة. فقد خلف أكثرهم أمواله بمكة فعدت عليها قريش فاغتصبتها تشفياً من أصحابها. روى صاحب أخبار مكة (انه قيل للنبي ﷺ يوم الفتح (فتح مكة) ألا تنزل منزلك بالشعب؟ قال وهل ترك لنا عقيل منزلاً. قال وكان عقيل ابن أبي طالب قد باع منزل رسول الله ﷺ ومنازل أخوته من الرجال والنساء بمكة حين هاجروا ومنزل كل من هاجر من بني هاشم، فقيل لرسول الله ﷺ فأنزل في بعض
стр. 3491
بيوت مكة في غير منزلك. فأبى رسول الله ﷺ وقال لا أدخل البيوت، فلم يزل مضطرباً بالحجون وكان يأتي المسجد من الحجون) ويروي ابن هشام أن عبد الرحمن بن أبي بكر عدا على مال أبيه بمكة بعد هجرته، فلما كان يوم بدر خرج عبد الرحمن مع قريش لقتال المسلمين فناداه أبوه: أين مالي يا خبيث؟ فأجابه عبد الرحمن:
لم يبق غير شكة ويعبوب … وصارم يقتل ضلال الشيب
ويروي ابن هشام كذلك (أن صهيباً حين أراد الهجرة قال له كفار قريش أتيتنا صعلوكاً حقيراً، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريدان تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك: فقال لهم صهيب. أرأيتم أن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا نعم! قال فأني جعلت لكم مالي. قال فبلغ ذلك رسول الله (صلعم) فقال: ربح صهيب! ربح صهيب!) ويروي ابن اسحق أنه (لما خرج بنو جحش بن رئاب من دارهم عدا عليها أبو سفيان ابن حرب فباعها من عمرو بن علقمة. . . . فلما بلغ بني جحش ما صنع أبو سفيان بدارهم ذكر ذلك عبد الله بن جحش لرسول الله (صلعم). فقال له رسول الله (صلعم) ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك اله بها داراً خيراً منها في الجنة؟ قال بلى! قال فذلك لك. فلما افتتح رسول الله (ص) مكة، كلمه أبو أحمد في دارهم فأبطأ عليه رسول الله (صلعم). فقال الناس لأبي أحمد، يا أبا أحمد! إن رسول الله (صلعم) يكره أن ترجعوا في شيء من أموالكم أصيب في الله ، فأمسك عن كلام رسول الله (صلعم) فيها) ومما يدل على شدة فقر المهاجرين لأول عهدهم بالمدينة أن الرسول عند ما خرج بهم إلى وقعة بدر في السنة الثانية للهجرة دعا الله في رواية الواقدي فقال: (اللهم انهم حفاة فاحملهم، وعراة فاكسهم، وجياع فأشبعهم، وعاله فأغنهم من فضلك)
من أجل تلك الفاقة كان المهاجرون في السنوات الأولى من الهجرة عالة على الأنصار. وذلك مظهر ثالث للحوق المشقة بهم - نعم إن الأنصار أكرموا وفادتهم كل الإكرام وواسوهم أتم المواساة، ولكن تلك الحال ليس من السهل على كرام النفوس احتمالها. يروي البلاذري أن النبي عندما أراد قسمة غنام بني النضير قال للأنصار: (ليست لإخوانكم من المهاجرين أموال، فأن شئتم قسمت هذه فيهم خاصة. فقالوا بل اقسم هذه فيهم واقسم لهم من أموالنا ما شئت. فنزلت (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) فقال أبو بكر:
стр. 3492
جزاكم الله يا معشر الأنصار خيرا، فوالله ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال الغنوي:
جزى الله عنا جعفراً حين أزلقت … بنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا … تلاقى الذي يلقون منا لملت
فذو المار موفور وكل معصب … إلى حجرات أدفأت وأظلت
من أجل تلك المشقة التي نالت المهاجرين الأولين في سبيل الله اعتبر القرآن هجرتهم هجرة إلى الله ورسوله، ومن أجلها جعل أولئك المهاجرين أرفع طبقات المسلمين درجة وأجزلهم مثوبة، وفرض مثل هجرتهم على كل مسلم عند خوف الفتنة ولحوق الضيم، قال تعالى (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم؟ قالوا كنا مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا: إلا المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، وكان الله عفوا غفورا. ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة، ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً).
أما بعد فلقد وفق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كل التوفيق عندما اتخذ هجرة الرسول من مكة إلى المدينة تاريخاً يحسب منه المسلمون سنيهم وأيامهم، ويؤرخون منه أحداثهم ووقائعهم. انه لا شك قد لحظ في الهجرة أنها بدء رسوخ الإسلام، ولكنا نلحظ فيها فوق ذلك أنها كانت مظهراً رائعاً لعناصر الحياة القوية النبيلة: حياة الألم والتضحية والإخلاص.
عبد الحميد العبادي
стр. 3493
اشراق الهلال على الوادي
للأستاذ محمد فريد أبو حديد
وقف ربيئة الروم فوق أعلى حصن (بابليون) بجوار مدينة مصر العظيمة، فنظر إلى ما دونه نحو الأهرام عابراً ببصره نهر النيل العظيم فذهب به الخيال إلى الماضي البعيد، وهمت بنفسه سورة خفيفة من الشجن المبهم، وكان الجو كله ممتلئاً بالأشجان والمخاوف لما كانت الدولة تلقاه من جميع الأنحاء من الغارات والأخطار ثم، نظر إلى الشمال نحو مدينة الشمس العظيمة (أون) حاضرة العلوم القديمة ومركز ثقافة الفراعنة، غير أنها لم تكن عند ذلك إلا بقية ضئيلة من نفسها القديمة. ثم نظر إلى الكروم والبساتين التي تكتنف الحصن من شماله حتى تصله بمدينة (أون) فلاح له من بينها غبار ثائر وجرم متحرك. وما زال يحدق في ذلك الغبار وقلبه مضطرب وعقله تساوره الذكريات، والمخاوف تتوارد عليه سراعاً. ثم صاح صيحة النذير فاجتمع حوله جنود الحصن الذين كانوا على مقربة منه يشتركون معه في النظر إلى ذلك الغبار الثائر وما لاح تحته من أجرام متلاحقة متحركة نحو شاطئ نهر النيل. وكان الجنود إلى ذلك الوقت لا يعرفون شيئاً سوى ما يذيعه لهم قوادهم وأمراؤهم، فجعلوا يذهبون مع الخيال مذاهب شتى، فقائل منهم تلك جنود من الفرس عادت لتنتقم من الهزيمة الطاحنة التي لحقت بدولتها على يد هرقل ملك الروم العظيم، وقائل أن تلك قبائل البجة التي اعتادت العيث في جنوب البلاد قد بلغت شمال الوادي لتهبط على ريفه فتسلب منه ما شاءت ثم تعود مسرعة قبل أن يستطيع الروم أن يجمعوا الجيوش للإيقاع بها، ثم قال قائل منهم ممن عركتهم الحروب (أين الفرس اليوم؟ لقد صارت دولتهم في يد جيوش عرب الصحراء كما صارت بلاد الشام. ولقد رأيت بنفسي جيش العرب يأخذ دمشق ويطرد الروم من مروج سوريا، وليس من شك في أن هذا الغبار قد أثارته حوافر خيولهم السريعة).
وأتى عند هذه اللحظة قواد الروم عندما بلغهم الصخب واللغط فنظروا حيث نظر الجنود، ثم نظر بعضهم إلى بعض نظرات صامتة في وجوه مصفرة ثم قال (جورج) كبيرهم للجنود: (هلم أيها الجنود إلى أماكنكم فليس من المباح لكم أن تقفوا إلى جوار الربيئة تشغلونه عن حراسته) فانصرف الجنود طائعين وقلوبهم غير راضية وعقولهم غير
стр. 3494
مطمئنة، ثم مضى القواد إلى ناحية من سور الحصن وجعلوا ينظرون إلى الأشباح المتحركة والغبار الثائر في ضوء الغروب الخافت.
ثم قال (جورج) القائد الأعلى للحصن (أيمكن أن يكون هؤلاء العرب قد غلبوا جنود الدولة التي أرسلت إليهم وبلغوا هذه الجهات في شهر واحد؟ وماذا فعل (إريطبون)؟ وماذا فعل تيودور؟) فقال أحد القواد، وكان أقربهم إليه: (لقد شهدت حرب هؤلاء في مواطن كثيرة، إنهم يخرجون إليك كأنهم سراب الصحراء لا تدري من أين جاءوا، ثم تراهم ينصرفون عنك حتى لا تسمع عنهم شيئاً فكأنهم غاصوا في رمال الصحراء. ثم ما يلبثون أن يعودوا إليك وأنت لا تتوقع عودتهم كأنهم أشباح لا تعوقهم مادة هذه الأرض).
ثم أرخى الليل سدوله ولم يأت بعد نبأ عن فعل تلك الأشباح المتحركة، وطلع صباح اليوم التالي فإذا بالأرض الشمالية على عهدها ليس فيها غبار ثائر ولا أشباح متحركة، فكأنما كان منظر المساء الغابر من صور الخيال واختراع الوهم. إلا أن زوال ذلك اليوم حمل إلى الحصن بقية من جرحى قرية (أم دنين) التي على شاطئ النهر وفلا من مسلحة الحصن التي هزمها الجيش البدوي المغير. غير أن ذلك الجيش لم يبق بعد ذلك طويلاً على الشاطئ بل عبر النهر واختفى في الأفق الغربي. فتعجب القائد (جورج) عندما بلغه هذا، وعرف أن قائده الذي وصف له حرب العرب كان يصفهم عن خبرة وعلم. لقد ظهر جيش العرب في شمال الحصن كأنه شبح خيال ثم اختفى كذلك كأنه شبح خيال. ولكن متى يعود؟ ومن أي جهة يطلع بعد عليهم؟
تواردت إلى الحصن بعد ذلك الإمداد الكثيرة من جميع أنحاء مصر تعزيزاً لحصن الحصون الذي يدافع عن قلب البلاد مدينة (مصر)، وأجاب قواد الأطراف على استصراخ (جورج) قائد الحصن بأن بعثوا إليه ما استطاعوا بعثه من الجنود المجهزة ليطردوا ذلك الجيش الذي لاح ثم اختفى، وتجهز المقوقس العظيم ليسير بنفسه من الإسكندرية إلى مركز البلاد، ليكون وجوده حافزاً لهمة الجنود، وليكون على مقربة من الأعداء لعله يستطيع بما أوتي من بلاغة ومكر أن يصرفهم عن البلاد.
ومرت الأيام سراعاً وراجت الأخبار المتضاربة عن الغزاة، وأتت بعض أنباء تلك الكتيبة الصغيرة من فرسان الصحراء، فإذا بالقائد الشجاع (حنا) الذي كان معبود جيش الروم
стр. 3495
بالفيوم يقتل في بعض المواقع منذ دفعته شجاعته للقاء جيش العرب. وترددت أنباء ذلك بين القواد والجنود فإذا هم في حصن بابليون حلقات يتهامسون عن هذا العدو المغير ويتساءلون عن كنهه وحقيقة أمره، وكان بين جنود الروم وقوادهم من رأى حروب الآفار والبلغار والفرس، وكان منهم من قرأ أخبار الأمم الماضية ممن أغار على دولة الرومان في القرن الماضي من اللمبرديين والوندال والقوط. وما كان أفظع تلك الأمم التي أغارت في تلك القرون على أراضي الدولة الرومانية! فقد كانوا لا يعرفون في الحرب هوادة ولا رحمة، ولا يخضعون لقانون خلقي أو ديني. فقد حكى عن (البوين) ملك اللمبرديين أنه هزم في بعض حروبه قبيلة الجبيدي وقتل رئيسهم والد (روزاموند) الجميلة، ثم اتخذ تلك الابنة الجميلة زوجة له واحتفل بزواجه منها احتفالاً وحشياً، وجعل يشرب الخمر في كأس جميلة - وأي كأس أجمل من جمجمة عدوه والد عروسه الجميلة؟ حقاً ما كان أفظعه وأفظع قومه! ولقد دخل الوندال بلاد غاله ثم بلاد أفريقية، وكان الروم يعرفون مقدم هؤلاء الوندال بما يرتفع من لهيب النيران فوق آفاقهم. فكان هؤلاء الوندال يجتاحون بلادهم كما تجتاح العواصف والحرائق السهول الفيحاء فتتركها قاعاً صفصفاً، أيكون العرب كبعض هذه الأمم؟
مضى أشهر ثم عادت كتيبة العرب من الأفق الغربي فعبرت نهر النيل مرة أخرى، وظهرت لربيئة الروم من خلال البساتين والكروم التي بين الحصن ومدينة (أون)، وكان الروم قد اجتمعوا في العدد والعدة في حصنهم العظيم (بابليون)، فما أسرع أن تدفقت جموعهم نحو الشمال لتحيط بتلك الكتيبة وتهلكها. وهل كان هؤلاء العرب ليقووا على صدمة جيش عظيم كهذا؟
وقع الاصطدام أخيراً عند مدينة (أون). وماذا دهى القوم؟ فان هي إلا جولات، فإذا بجيش الروم يتردد في سيره، ثم إذا به يرتد نحو شاطئ النهر. ثم ها هي ذي كتيبة عربية تخرج إليه من شاطئ النهر كأنها تنقذف عليه من أعماقه. وها هو ذا الجيش العظيم يتردد مرة أخرى ثم يتفكك ثم تتدافع جموعه نحو الجنوب يحاول كل فرد منهم أن يبلغ الحصن قبل أن تأخذه سيوف العرب اللامعة. ومرت الأيام بعد ذلك فإذا بالروم قد دخلوا حصنهم وأغلقوا أبوابه الضخمة، وإذا بالعرب حول الحصن العظيم يتطلعون إليه ولا يدرون كيف
стр. 3496
يسمون فوقه. وأراد المقوقس العظيم أن يعرف حقيقة أمر هؤلاء المغيرين لعله يعطيهم بعض مال فيرتدوا عنه، فقال له أحد القواد: (دع عنك هذا فما هم بمن يأتي من أجل الذهب حتى إذا ما بذل لهم ذهبوا به عنا) وجعل يقص عليه قصته مع رجل من هؤلاء العرب رآه يوماً واقفاً وحده يصلي، فهبط إليه من الحصن مع جماعة من الروم، فترك العربي الصلاة وأقبل إليهم كأنه الصخرة الثقيلة التي تنحدر من عل لا يتردد ولا يلتفت إلى شيء، فهربوا منه حتى أنهم رموا إليه بمناطقهم الذهبية ليلهوه بها فلم يلو على شيء منها، ولم ينجهم منه إلا أن بلغوا الحصن وأغلقوا بابه دونه، ورموه بالحجارة من فوقه. فارتد ولم يلتفت إلى تلك المناطق الذهبية، بل عاد إلى موضعه ليتم ما كان فيه من الصلاة وتركهم يخرجون من حصنهم لاسترجاع مناطقهم ثم يعودون على حذر
تعجب المقوقس العظيم، وأراد أن يستطلع حقيقة الأمر فبعث بجماعة من الروم رسلا إلى قائد القوم فرأوا من هؤلاء المغيرين ما لا عهد للروم به من قبل. قال الرسل: (رأينا قوماً، الموت أحب إليهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة. إنما جلوسهم على التراب وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم. ما يعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا السيد منهم من العبد. وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها أحد. يغسلون أطرافهم بالماء ويخشعون في صلاتهم).
لم يكن هذا شأن شعب من شعوب الهمج الذين افترسوا اطرف الدولة الرومانية. وهذه أول مرة يجتمع فيها إلى الاستهانة بالحياة والشجاعة التي لا تعرف خوفاً، خلق متين ونظام لا ينفك منه أحد. ومن ذا يستطيع أن يقاوم شعباً اجتمع له هذان الوصفان؟
كان أعظم ما يخشاه الروم في مصر أن يعرف شعب مصر حقيقة هؤلاء العرب، فلو أنهم عرفوا العرب لأمنوا إليهم، ولو أمنوا إليهم لأصبح الروم ولو كثر عديدهم غرباء عن الأرض قد فقدوا الناصر والتابع. غير أن شعب مصر ما لبث أن عرف الحق واتصل بهؤلاء المحاربين، فلقد كانوا في سيرهم لا يسيرون سير الجيوش المغيرة المدلة المتكبرة المفسدة، بل كان الطفل آمنا بينهم، والمرأة لا يلحقها أذى من نظرة أحدهم. إذ كانت عداوتهم لجيش الروم لا لأهل مصر، بل إن أهل مصر كانوا موضع وصية خليفتهم ووصية نبيهم الكريم، ومنذ رأى أهل مصر ذلك صاروا حلفاء لهم على أولئك الروم الذين
стр. 3497
طالما طغوا وبغوا وظلموا وعسفوا وأحرقوا وعذبوا ولم يرعوا في رعيتهم ما كان في أعناقهم من أمانة. وما هو إلا عام حتى كان العرب على انتظار تسليم الإسكندرية ذاتها بعد أن دان لهم داخل البلاد.
وكان الحاكم العربي عمرو بن العاص لا يدع فرصة لتذكير جنوده بما عليهم من الواجب نحو أهل البلاد التي حلوا بها، وكأننا به يتطلع بخياله القوي نحو ذلك اليوم الذي يمتزج فيه قومه الصحراويون بقبط مصر، وينشا من ذلك الامتزاج شعب جديد يقوم على إنشاء مدنية جديدة. وقف عمرو يخطب في قومه عند حلول الربيع وقت ذهاب العرب إلى الريف ابتغاء أن يصيبوا من خيراته لأنفسهم ولخيولهم. وقال عند ذلك في خطبته: (واستوصوا بمن جاورتموه من القبط خيرا، وإياكم والمسومات المعسولات. . . حدثني عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله ﷺ يقول (إن الله سيفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيرا، فان لكم منهم صهراً وذمة، فكفوا أيديكم وعفوا فروجكم وغضوا أبصاركم. . .))
ولقد سار العرب على وصية قائدهم الحكيم فلم يشك أحد من أهل مصر اعتداء على شرفه ولا انتهاكاً لحرمته.
ولقد كان عمرو عفيفاً في حكمه عن العسف والخبط حتى لقد وقف في وجه عمر بن الخطاب نفسه دفاعاً عن سياسته المالية الرحيمة، ثم عزل عن مصر في أيام عثمان دفاعاً عن تلك السياسة عينها. وكانت سياسة العرب على تقلب الأيام واختلاف الدول مدى القرنين الأولين من بعد الفتح سياسة اعتدال ورفق، تسمع ذلك متردداً على لسان أساقفة القبط الذين تركوا لنا في دواوينهم ذكراً من تلك الأيام.
قال أحدهم عندما عاد بنيامين بطريق القبط آمناً بعد أن هرب ثلاثة عشر عاماً من اضطهاد الروم: (الحمد لله الذي أنجاك من الكفرة (الروم)، وحفظك من الطاغية الأكبر الذي شردك فعد إلى أبنائك تراهم ملتفين حولك مرة أخرى).
ونقل عن بنيامين البطريق الأعظم للقبط انه قال يصف عودته عند فتح العرب: (كنت في بلدي وهو الإسكندرية فوجدت بها أمناً من الخوف، واطمئناناً بعد البلاء، وقد صرف الله عنا اضطهاد الكفرة (الروم) وبأسهم) (وقد فرح القبط كما يفرح الاسخال إذا ما حلت لهم
стр. 3498
قيودهم، وأطلقوا ليرتشفوا من لبان أمهاتهم).
وقال الأسقف حنا النقيوسي: (لقد تشدد عمرو في جباية الضرائب التي وقع الاتفاق عليها، ولكنه لم يضع يده على شيء من ملك الكنائس، ولم يرتكب شيئاً من النهب أو الغصب، بل أنه حفظ الكنائس وحماها إلى آخر مدة حياته).
وقد ورد في كتاب الأستاذ بتلر (فتح العرب لمصر) في وصف دخول المصريين في دولة العرب: (فقد خرجوا من عهد ظلم وعسف تطاول، وآل أمرهم بعد خروجهم منه إلى عهد من السلام والاطمئنان، وكانوا من قبل تحت نيرين من ظلم حكام الدنيا واضطهاد أهل الدين، فأصبحوا وقد فك من قيدهم في أمور الدنيا، وأرخى من عنانهم. وأما دينهم فقد صاروا فيه إلى تنفس حر وأمر طليق).
وإذا كان قبط مصر قد دخلوا في الإسلام أفواجاً حتى صار الإسلام دين الكثرة في البلاد، فما ذلك إلا ميل الطبيعة نحو وحدة قوم هم بطبيعة حياتهم ذاتها لا يستطيعون إلا أن يكونوا شعباً واحداً متجانساً. ولقد بقيت من القبط بقية عظيمة في دلالتها، عظيمة بما يجري في عروقها من دم مصر القديمة، وإذا كان دينها دين المسيح، ودين سائر أهل مصر الإسلام، فان ذلك لا يفرق بين طائفتين تجمع بينها أسباب الحياة وأواصر الاخوة. وأن الأسماء إذا اختلفت، والمظاهر إذا لاح عليها شيء من التباين، فان الدماء التي تجري في العروق ترجع إلى منبع واحد وجرثومة قديمة شهدت عصور ما قبل التاريخ.
محمد فريد أبو حديد
стр. 3499
الهجرة
رواية في فصل واحد وسبعة مناظر
للأستاذ توفيق الحكيم
إني أشهد أن محمداً نبي كريم
إني أشهد أن محمداً بشر عظيم
إني أسجد للعظمة والنور
وما صفحاتي إلا إشهاد وسجود.
توفيق الحكيم
المنظر الأول
كان النبي (ص) جالساً وحده في المسجد وأشراف قريش مجتمعون عن كثب يتهامسون. . . .
قريش - ما الرأي في محمد؟ إن عمه أبا طالب يمنعه وينصره علينا
عتبة بن ربيعة - أجل، ولا قِبل لنا بأبي طالب
أبو جهل - إني لأخشى أن يتابع محمداً بعض رؤوس القوم فيعز ويمتنع ويفشو أمره في القبائل
أبو سفيان - ما أحسبه يا أبا الحكم إلا نائلا منا إن تركناه فيما هو فيه
قريش - وما الرأي؟
عتبة (تبدو له فكرة)
يا معشر قريش! ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟
قريش - بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه
(يقوم عتبة إلى رسول الله ويجلس إليه. . . .)
عتبة (للنبي)
يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد
стр. 3500
أتيت قومك بأمر عظيم: فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم، وكفرت به من مضى من آبائهم؛ فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها.
محمد - قل يا أبا الوليد، أسمع
عتبة - يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تريد به شرفاً، سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً، ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الوحي الذي يأتيك رئيَّاً تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه.
(يسكت عتبة وينظر إلى النبي)
محمد - أقد فرغت يا أبا الوليد؟
عتبة - نعم
محمد - فاستمع مني
عتبة - أفعلُ
محمد (يلتو)
بسم الله الرحمن الرحيم، حم تنزيل من الرحمن الرحيم، كتاب فصَّلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون، بشيراً ونذيراً، فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون. وقالوا قلوبنا في أكنّة مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب، فاعمل إننا عاملون. قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ، إنما إلهكم إله واحد، فاستقيموا إليه واستغفروه، وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون. . .
؟
عتبة (ينصت ويلقي يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يسمع منه. . .)
محمد (يمضي فيها يقرؤها عليه)
ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون. قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين. وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين. ثم استوى إلى السماء وهي
стр. 3501
دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين. فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم. فان أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألاَّ تعبدوا إلا الله، قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أُرسلتم به كافرون، فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة؟ أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون. فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون. وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون. . .
(ينهي رسول الله إلى السجدة منها فيسجد. . . .)
عتبة - (مأخوذا كأنما على رأسه طائر واقع. . . . . . . . . . . .)
؟
محمد - قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك
عتبة - (يقوم إلى أصحابه صامتا)
؟
أبو جهل (لقريش ناظرا إلى عتبة مقبلا عليهم)
أحلف لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به
عتبة - (يجلس إليهم ساكناً)
أبو جهل - ما وراءك يا أبا الوليد؟
عتبة - (في صوت متغير)
ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط. والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه
(قريش يعروها دهش ويصمت الجميع)
أبو جهل - (ينتبه ويرفع رأسه ملتفتاً إلى عتبة. . .)
سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه
стр. 3502
عتبة - والله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ
قريش - أهذا رأيك فيه؟
عتبة - هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم. . .
المنظر الثاني
(بعد غروب الشمس. . . . . أشراف قريش عند ظهر الكعبة)
أمية بن خلف - هل بعثتم إليه؟
أبو سفيان - نعم، لقد بعثنا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك
أمية بن خلف - أجل، ابعثوا إليه فكلموه وخاصموه حتى تُعذروا فيه
أبو جهل - لن يستطيع اليوم أن يسحرنا بحديثه كما سحر أبا الوليد
أبو سفيان (ينظر)
ها هو ذا مقبلا سريعاً
أمية - (ينظر)
أرى في وجهه المستبشر أنه يظن أن قد بدا لنا فيه بداء
(رسول الله يحضر ويجلس إليهم مستبشراً طامعاً في إسلامهم)
أبو سفيان - (لأبي جهل)
كلمه أنت يا أبا الحكم
أبو جهل - (لرسول الله)
يا محمد! إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام. فأن كنت إنما جئت بهذا الحدث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وان كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وان كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وان كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك
(يسكت وينظر إلى النبي)
محمد - ما بي ما تقولون. ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك
стр. 3503
عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل على كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فان تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وان تردوه على أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم
قريش (تتهامس)
انه غير قابل
أبو جهل - يا محمد إن كنت غير قابل شيئاً مما عرضناه عليك فانك تعلم أنه ليس من الناس أحد أضيق بلداً ولا أقل ماء ولا أشد عيشاً منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجر لنا فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل، فان صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله وأنه بعثك رسولا كما تقول
محمد - ما بهذا بعثت اليكم، انما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فان تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وان تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم
قريش (تتهامس)
انه والله غير فاعل
أبو جهل - فإذا لم تفعل هذا لنا، فخذ لنفسك، سل ربك أن يبعث معك ملكاً يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك
أبو سفيان - وسله فليجعل لك جناناً وقصوراً وكنوزاً من ذهب وفضة، يغنيك بها عما تراك تبتغي، فانك تقوم بالأسواق كما نقوم، تلتمس المعاش كما نلتمسه
أمية - نعم، فليجعل لك قصوراً وكنوزاً حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم
محمد - ما أنا بفاعل، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً، فان تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وأن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم
стр. 3504
قريش (تتهامس)
فليرنا ما يتوعد
أبو جهل - أسقط السماء علينا كسَفا كما زعمت، فان ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل
محمد - ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل
أبو سفيان - يا محمد، أفما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به؟
أبو جهل - يا محمد، أنه قد بلغنا أنك أما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا؛ فقد أعذرنا إليك، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا
أمية - نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله
أبو سفيان - لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا
محمد (يقوم عنهم يائسا) (ويقوم معه عبد الله بن أبي أمية)
؟
عبد الله - يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن أخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل، فوالله لا أوآمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلّما ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتي بصك ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول وايم الله أن لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك
محمد - (ينصرف حزيناً آسفاً)
؟
أبو جهل - يا معشر قريش، إن محمداً قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آلهتنا، وأني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به
стр. 3505
رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم
الجميع - والله لا نسلمك لشيء أبداً، فامض لما تريد
المنظر الثالث
أبو طالب (وقد حضره الموت. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .)
أبو طالب - شربةَ ماء
العباس (على رأسه يسقيه)
؟
أبو طالب (يلتفت)
من هذا؟
العباس - أين؟
أبو طالب (يشير إلى الباب)
؟
العباس (يتوجه إلى الباب ينظر ثم يعود)
هو أبو جهل في رجال من أشراف قومه، ما أحسبهم إلا يمشون إليك في أمر محمد ابن أخيك
أبو طالب - أدخلهم عليّ
العباس (يدخلهم)
؟
أبو جهل - يا أبا طالب، انك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه فخذ له منا وخذ لنا منه ليكف عنا ونكف عنه، وليدعنا وديننا وندعه ودينه
أبو طالب (يشير إلى العباس أن يبعث إلى محمد)
؟
العباس (يخرج في طلبه ثم يعود)
لقد جاء محمد
следующие страницы →