← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين. فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم. فان أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألاَّ تعبدوا إلا الله، قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أُرسلتم به كافرون، فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة؟ أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون. فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون. وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون. . . (ينهي رسول الله إلى السجدة منها فيسجد. . . .) عتبة - (مأخوذا كأنما على رأسه طائر واقع. . . . . . . . . . . .) ؟ محمد - قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك عتبة - (يقوم إلى أصحابه صامتا) ؟ أبو جهل (لقريش ناظرا إلى عتبة مقبلا عليهم) أحلف لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به عتبة - (يجلس إليهم ساكناً) أبو جهل - ما وراءك يا أبا الوليد؟ عتبة - (في صوت متغير) ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط. والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه (قريش يعروها دهش ويصمت الجميع) أبو جهل - (ينتبه ويرفع رأسه ملتفتاً إلى عتبة. . .) سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه

стр. 3502

عتبة - والله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ قريش - أهذا رأيك فيه؟ عتبة - هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم. . . المنظر الثاني (بعد غروب الشمس. . . . . أشراف قريش عند ظهر الكعبة) أمية بن خلف - هل بعثتم إليه؟ أبو سفيان - نعم، لقد بعثنا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك أمية بن خلف - أجل، ابعثوا إليه فكلموه وخاصموه حتى تُعذروا فيه أبو جهل - لن يستطيع اليوم أن يسحرنا بحديثه كما سحر أبا الوليد أبو سفيان (ينظر) ها هو ذا مقبلا سريعاً أمية - (ينظر) أرى في وجهه المستبشر أنه يظن أن قد بدا لنا فيه بداء (رسول الله يحضر ويجلس إليهم مستبشراً طامعاً في إسلامهم) أبو سفيان - (لأبي جهل) كلمه أنت يا أبا الحكم أبو جهل - (لرسول الله) يا محمد! إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام. فأن كنت إنما جئت بهذا الحدث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وان كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وان كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وان كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك (يسكت وينظر إلى النبي) محمد - ما بي ما تقولون. ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك

стр. 3503

عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل على كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فان تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وان تردوه على أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم قريش (تتهامس) انه غير قابل أبو جهل - يا محمد إن كنت غير قابل شيئاً مما عرضناه عليك فانك تعلم أنه ليس من الناس أحد أضيق بلداً ولا أقل ماء ولا أشد عيشاً منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجر لنا فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل، فان صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله وأنه بعثك رسولا كما تقول محمد - ما بهذا بعثت اليكم، انما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فان تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وان تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم قريش (تتهامس) انه والله غير فاعل أبو جهل - فإذا لم تفعل هذا لنا، فخذ لنفسك، سل ربك أن يبعث معك ملكاً يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك أبو سفيان - وسله فليجعل لك جناناً وقصوراً وكنوزاً من ذهب وفضة، يغنيك بها عما تراك تبتغي، فانك تقوم بالأسواق كما نقوم، تلتمس المعاش كما نلتمسه أمية - نعم، فليجعل لك قصوراً وكنوزاً حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم محمد - ما أنا بفاعل، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً، فان تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وأن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم

стр. 3504

قريش (تتهامس) فليرنا ما يتوعد أبو جهل - أسقط السماء علينا كسَفا كما زعمت، فان ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل محمد - ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل أبو سفيان - يا محمد، أفما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به؟ أبو جهل - يا محمد، أنه قد بلغنا أنك أما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا؛ فقد أعذرنا إليك، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا أمية - نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله أبو سفيان - لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا محمد (يقوم عنهم يائسا) (ويقوم معه عبد الله بن أبي أمية) ؟ عبد الله - يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن أخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل، فوالله لا أوآمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلّما ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتي بصك ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول وايم الله أن لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك محمد - (ينصرف حزيناً آسفاً) ؟ أبو جهل - يا معشر قريش، إن محمداً قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آلهتنا، وأني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به

стр. 3505

رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم الجميع - والله لا نسلمك لشيء أبداً، فامض لما تريد المنظر الثالث أبو طالب (وقد حضره الموت. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .) أبو طالب - شربةَ ماء العباس (على رأسه يسقيه) ؟ أبو طالب (يلتفت) من هذا؟ العباس - أين؟ أبو طالب (يشير إلى الباب) ؟ العباس (يتوجه إلى الباب ينظر ثم يعود) هو أبو جهل في رجال من أشراف قومه، ما أحسبهم إلا يمشون إليك في أمر محمد ابن أخيك أبو طالب - أدخلهم عليّ العباس (يدخلهم) ؟ أبو جهل - يا أبا طالب، انك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه فخذ له منا وخذ لنا منه ليكف عنا ونكف عنه، وليدعنا وديننا وندعه ودينه أبو طالب (يشير إلى العباس أن يبعث إلى محمد) ؟ العباس (يخرج في طلبه ثم يعود) لقد جاء محمد

стр. 3506

(يدخل رسول الله) أبو طالب (للنبي) يا ابن أخي، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك محمد - نعم يا عم، كلمة واحدة يعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم أبو جهل - نعم وأبيك وعشر كلمات محمد - تقولون، لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه (يصفق القوم بأيديهم) أبو جهل - أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلها واحداً؟ إن أمرك لعجب أبو سفيان (يتهيأ للانصراف مع بعض القوم) والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئاً مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه (يتفرقون ويخرجون) أبو طالب (للنبي بعد خروج قريش) والله يا ابن أخي ما رأيتك سألتهم شططا محمد (ناظرا إليه طامعاً في إسلامه) أي عم، فأنت فقلها، أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة أبو طالب - يا ابن أخي، والله لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعاً من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها. . . . (يقترب منه الموت) العباس أخي. . . . أبو طالب - من هذا؟ العباس - أين؟ أبو طالب - (يغمض عينيه ويحرك شفتيه) ؟ العباس (ينحني عليه، ويصغي إليه بأذنه ثم يهمس إلى رسول الله. . .) يا ابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها محمد - لم أسمع

стр. 3507

المنظر الرابع (بيت النبي في مكة) بلال - (يدخل باكياً) ؟ جارية - ويحك يا بلال. ما بك؟ بلال - قاتلهم الله الجارية - ما يبكيك يا بلال؟ بلال - قاتلهم الله الجارية - من هم؟ بلال - أغروا أحد سفهائهم فاعترض رسول الله وحثا على رأسه التراب الجارية - التراب؟ بلال - نعم الجارية - قريش؟ بلال - نعم. هي قريش صنعت هذا الجارية - نعم، اليوم بلال - واحزناه عليك يا أبا طالب. من ذا يمنع اليوم النبي وينصره؟ الجارية - (ترى إحدى بنات النبي مقبلة) صه ودع البكاء عنك يا بلال بلال - (يرى النبي مقبلا) رسول الله. . . (ثم يكفكف دمعه سريعاً) محمد - (يدخل والتراب على رأسه) ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب ابنته - (تبكي) ؟

стр. 3508

(ثم تأتي بماء وتغسل عن النبي التراب. . . .) محمد - لا تبكي يا بنية، فان الله مانع أباك المنظر الخامس (في الطائف. النبي في نفر من سادة ثقيف وأشرافهم على مقربة من حائط لعتبة بن ربيعة وأخيه شيبة وهما فيه ينظران) عتبة - (يهمس) ما جاء به إلى الطائف؟ شيبة - ما أحسبه إلا جاء يلتمس النصرة من ثقيف والمنعة بهم من قومه عتبة - قريش؟ شيبة - نعم، ما كان أحد يمنعه وينصره على قريش إلا عمه أبو طالب، فلما هلك عمه نالته قريش من الأذى بما لم تكن تطمع به في حياة عمه عتبة - وهل تحسب ثقيفاً ناصرة إياه؟ شيبة - إن لم تنصره ثقيف فلا ناصر له عتبة - (يلتفت إلى ناحية القوم) انظر يا شيبة. انه جلس إلى أشراف ثقيف يدعوهم إلى ربه الذي يحدث عنه. وما أرى في وجوه القوم إلا استهزاء به وبما يقول شيبة - (ينظر) سمع. هذا مسعود بن عمرو يدنو منه مسعود - (يدنو حقيقة من النبي) أني أمرط ثياب الكعبة ان كان الله أرسلك عتبة - (لشيبة همساً) أسمعت؟ شيبة - (هامساً) سمعت عتبة - (همساً)

стр. 3509

أرى وجهه قد تغير شيبة - هذا أيضاً عبد ياليل بن عمر يدنو منه عبد ياليل (يدنو من النبي) أما وجد الله أحداً يرسله غيرك؟ عتبة - (هامساً) انهم يغلظون له شيبة - صه. هذا حبيب بن عمرو يدنو منه كذلك ليقول له شيئاً حبيب - (للنبي) والا لله اكلمك أبداً، لئن كنت رسولاً من الله كما تقول لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام. ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك محمد - (يقوم وقد يئس منهم) عتبة - انظر يا شيبة، انه قد قام شيبة - ما أراه إلا بائساً حزيناً عتبة - انه يريد أن يقول لهم شيئاً، اسمع محمد - (للقوم) إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني عتبة - (هامساً) ماذا يريد بهذا؟ شيبة - لعله يكره أن يبلغ قومه عنه خذلان ثقيف له فيذئرهم ذلك عليه (صياح وأصوات). عتبة - ما هذا الصياح؟ (ينظر) انظر هؤلاء ناس وعبيد تصيح به شيبة - (ينظر) ما أحسب إلا أن القوم قد أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به.

стр. 3510

عتبة - انظر لقد اجتمع عليه الناس وهو لا يستطيع منهم فرارا شيبة - ما أرى إلا أنه سيلقى منهم أذى كثيرا عتبة - أنه مقبل علينا شيبة - أنهم يسدون عليه السبيل (الصياح يقترب) عتبة - لقد ألجأوه إلى حائطنا شيبة -، أجل، ها هو ذا يسقط إعياء (النبي قد عمد حقيقة إلى ظل حيلة من عنب فجلس فيه وقد رجع عنه من كان يتبعه من سفهاء ثقيف. . .) عتبة - أي هوان يلقى هذا الرجل من أهل الطائف! شيبة - أتحركت له رحمتك يا عتبة؟ عتبة - (ينظر إليه) اسمع. إصغ. انه يقول شيئاً محمد - (وقد اطمأن قليلاً بعد ذهاب الناس عنه. . .) اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتهجمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ أن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي. ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك. لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك عتبة - (همساً لأخيه شيبة) أسمعت؟ شيبة (مأخوذا) نعم! عتبة - أيمكن أن يكون مثل ذلك الرجل كذاباً؟ شيبة - ويحك يا عتبة!

стр. 3511

عتبة (ينادي غلامه همساً) يا عداس! عداس - لبيك! عتبة - خذ قطفاً من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه عداس (؟ يسارع إلى ما أمر به) شيبة (ينظر إلى وجه أخيه) ما حملك على هذا؟ عتبة (ينظر إلى النبي) انظر يا شيبة، إن عداساً قد أقبل بالطبق ووضعه بين يديه عداس (للنبي) كل! محمد (يضع يده في الطبق) بسم الله! (ثم يأكل) عداس (ينظر في وجه النبي) والله أن هذا لكلام ما يقوله أهل هذه البلاد محمد - ومن أهل أي البلاد أنت؟ وما دينك؟ عداس - نصراني. وأنا رجل من أهل نينوى محمد - من قرية الرجل الصالح يونس بن متي عداس - وما يدريك ما يونس بن متي؟ محمد - ذاك أخي. كان نبياً وأنا نبي عداس - (يكب على رسول الله يقبل رأسه ويديه وقدميه. . .) ؟ عتبة - (هامساً لشيبة)

стр. 3512

أرأيت؟ شيبة - نعم عتبة - وما تقول في هذا؟ شيبة - أما غلامك فقد أفسده عليك عداس (يقبل عليهما) ؟ عتبة - ويلك يا عداس، مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ عداس - يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي شيبة - ويحك يا عداس، لا يصرفنك عن دينك، فان دينك خير من دينه عداس - إن مثل هذا لا يمكن أن يحتمل ما لقي إلا في سبيل الحق، ولا أن يثبت على دينه بعد كل هذا إلا أن يكون دينه دين الحق المنظر السادس (دار الندوة التي تجتمع فيها قريش للمشاورة. إبليس في ثياب شيخ نجدي جتيل يدخل الدار وهي خالية فتلقاه حية تظهر في الحائط) الحية - (تصيح به) إبليس في لبوس شيخ من نجد؟ إبليس - لا تصيحي أيتها الصئيلة الحية - ماذا جئت تصنع في دار الندوة؟ إبليس - أريد محمدا الحية - تريد به الهلاك إبليس - أريد لنفسي الحياة الحية - ماذا صنع بك؟ إبليس - سيغير وجه الأرض! الحية - كيف؟ إبليس - نور يخرج من قلبه يضيء الأرض

стр. 3513

الحية - وما يضيرك هذا؟ إبليس - يعمي بصري هذا النور الحية - أطفئه من قلبه إبليس - لا سلطان لي على مثل هذه القلوب الحية - قلب لا ككل القلوب، إني لأذكر أمره، لقد أتاه الملكان وهو صغير بطست من ذهب مملوءة ثلجاً فأخذاه فشقا بطنه واستخرجا قلبه، فشقاه فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها ثم غسلا قبله وبطنه بذلك الثلج حتى أنقياه. . . إبليس - العلقة السوداء! الحية - تلك رسولك في كل قلب إبليس - تبا له، تبا له الحية - كما كنت أنا رسولك إلى أول قلب إبليس - حواء؟ الحية - ذاك يوم ملعون إلى أبد الآبدين إبليس - أتندمين؟ الحية - ماذا جنيت من كل هذا؟ إبليس - قلت لك: تلك حياتي الحية - حياة ملعونة في كل زمان إبليس - ويل للنفاق! ويل للنفاق! الحية - نفاقك إبليس - بل نفاق من يلعننا الحية - كنت أود أن تفتن غيري إبليس - أود أن أفتن هذا الرجل الحية - انك تقول أن لا سبيل لك عليه إبليس - تبَّاً لي! الحية - أنه ليس كغيره من الناس

стр. 3514

إبليس - تبا له! الحية - لقد وزنه الملكان وهو صغير بعشرة من أمته فوزنهم، ثم وزناه بمائة من أمته فوزنهم، ثم وزناه بألف من أمته فوزنهم: فقالا والله لو وزناه بأمته كلها لوزنها إبليس - صه. انهم قادمون الحية - من هم؟ إبليس - ادخلي جحرك. ولأتخذن لغة القوم (الحية تختفي ويقف إبليس بباب الدار ويدخل أشراف قريش) أبو سفيان (لابليس) من الشيخ؟ ابليس - شيخ من أهل نجد، سمع بالذي اتَّعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، عسى ألا يعدمكم منه رأي ونصح أبو جهل - أجل فادخل (إبليس يدخل معهم ويجتمعون في دائرة. . .) أبو سفيان - تكلم يا أبا الحكم أبو جهل - إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيا أمية بن خلف - احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله: زهير أو النابغة ومن مضى منهم، من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم إبليس - لا والله ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا في غيره أبو سفيان (يتفكر قليلا) نخرجه من بين أظهرنا فتنفيه من بلادنا، فإذا أخرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه، أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت

стр. 3515

إبليس - لا والله ما هذا لكم برأي. ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم في بلادكم بهم فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد. دبروا فيه رأياً غير هذا أبو جهل (بعد تفكير) والله إن لي فيه لرأياً ما أراكم وقعتم عليه بعد أبو سفيان - وما هو يا أبا الحكم؟ أبو جهل - أرى أن نأخذ من كل قبيلة شاباً فتى جليداً نسيبا وسيطا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفاً صارماً ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه، فانهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعاً فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم إبليس (مبتهجاً) القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي لا رأي غيره (يتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له. . .) المنظر السابع (ليلة الهجرة. . . . النبي في داره. . .) جبريل (للنبي) لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه (يرتفع الملك) علي بن أبي طالب (يدخل هامساً) ألمح في عتمة الليل رجالاً قد اجتمعوا على بابك، ما أحسبهم إلا يرصدونك حتى تنام فيثبون عليك محمد - نم على فراشي والتف ببردى هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه، فانه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم (علي يفعل ما أمره به النبي)

стр. 3516

أبو جهل - (يهمس بين الرجال على باب النبي) أكره أن يفلت منا الليلة كما أفلت مني يوم احتملت الحجر أري فضخ رأسه في المسجد أمية (هامساً) وكيف أفلت منك يومئذ؟ أبو جهل (هامساً) ما أدري والله. لقد أقبلت نحوه حتى إذا دنوت منه رجعت مرعوباً وقد يبست يداي على حَجري حتى قذفته من يدي، فقد عرض لي دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فهم بي أن يأكلني أمية - سحرك والله يا أبا الحكم أبو جهل - إن كان قد سحرني يومئذ فما أحسبه يستطيع ذلك الليلة معكم جميعاً أمية - أرى أنه قد نام أبو سفيان (يتطلع إلى مكان النبي) انه نائم في برده الأخضر الذي ينام فيه أبو جهل - إن محمداً يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وان لم تفعلوه كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم ناراً تحرقون فيها (رسول الله يخر عليهم آخذا حفنة من تراب في يده. . .) محمد - نعم أنا أقول ذلك، أنت أحدهم (ينثر ﵊ التراب على رؤوسهم حتى لم يبق منهم رجلا إلا وقد وضع على رأسه تراباً وهو يتلو:) يس والقرآن الحكيم انك لمن المرسلين، على صراط مستقيم، تنزيل العزيز الرحيم، لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون. لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون. إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون. وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون. (ينصرف النبي وهم كالنائمين لا يبصرون. . . .)

стр. 3517

؟ راع (يمر بهم) ؟ قريش (لا تراه) الراعي (لقريش) ما تنتظرون ههنا؟ الجميع (كأنما افاقوا يهمسون) محمدا الراعي - خيبك الله! قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه تراباً وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ الجميع (يضع كل منهم يده على رأسه) حقا هذا تراب، ما هذا التراب؟ (يتطلعون إلى فراش النبي وفيه علي في برد رسول الله) أبو جهل (متطلعاً) والله إن هذا لمحمد نائماً عليه برده الراعي (كالمخاطب لنفسه) إن محمداً قد هاجر أيها الغافلون. . .!) (جميع الحقوق محفوظة توفيق الحكيم)

стр. 3518

السفارات النبوية للأستاذ محمد عبد الله عنان مضت خمسة أعوام على هجرة النبي العربي ﵇ إلى المدينة قبل أن تهدأ ثائرة قريش أو تفتر عن مخاصمته ومهاجمته: وأنفق النبي هذه الأعوام الخمسة على أهبة الدفاع يرد محاولات قريش لغزو معقله وملاذ دعوته، أولاً في بدر ثم في أحد ثم في موقعة الخندق. فلما وهنت قوى قريش بعد الخندق، استطاع النبي أن يعني بالتفكير في العمل الإيجابي لمغالبة خصومه وبث دعوته. ولم تكن الدعوة الإسلامية قد تجاوزت يومئذ وديان مكة والمدينة؛ ولم تثبت دعائمها إلا في المدينة بين عصبة المهاجرين والأنصار؛ ولم يك ثمة ما ينبئ بأن هذه البداية الضئيلة إنما هي الحجر الأول في صرح الدولة الإسلامية العظيمة التي قامت بعد ذلك بعشرين عاماً فقط على أنقاض دولتين من أعظم دول التاريخ هما الدولة الفارسية والدولة الرومانية الشرقية. وكان فشل قريش في موقعة الخندق حاسماً في تطور هذه الخصومة التي أضرمت قريش لظاها مذ أذاع النبي رسالته. ومنذ الخندق استطاع الإسلام أن يفتتح غزواته للأمم والأديان القديمة؛ ففي أواخر العام الخامس وأوائل العام السادس للهجرة قام النبي بعدة غزوات محلية لبعض القبائل والبطون المعادية وفي أواخر العام السادس نظم النبي بعوثه أو سفاراته لأكابر الملوك والأمراء المعاصرين. وفي العام الثامن كان فتح مكة وخضوع قريش؛ وكان ظفر الإسلام حيثما استهل رسالته وانبعثت أشعته الأولى وكانت السفارات النبوية بين حوادث هذا العهد حادثاً فريداً؛ وكانت دليلاً جديداً على ما تجيش به نفس الرسول العربي من سمو في الشجاعة وقوة في الإيمان برسالته. ولم يكن الإسلام يومئذ قوة يُخشى بأسها فيدعو قيصر وكسرى إلى اعتناق دعوته؛ ولكن محمدا أرسل للبشر كافة بشيرا ونذيرا. وكما كانت الغزوات النبوية المتواضعة سبيلا للذود عن الإسلام ووسيلة لتأييد كلمة، فكذلك كانت السفارات النبوية سبيلا لأداء رسالته وإبلاغ صوته إلى الملوك والأمراء الذين يحكمون العالم القديم يومئذ. ففي شهر ذي الحجة سنة ست من الهجرة (إبريل سنة ٦٢٨م) بعث النبي كتبه وسفراءه إلى ثمانية من أولئك الملوك والأمراء هم قيصر قسطنطينية، وقيروس حاكم مصر الروماني، والحارث بن أبي شمر

стр. 3519

الغساني النصراني عامل قيصر في الشام، وكسرى (خسرو) ملك فارس ونجاشي الحبشة، وثلاثة من أمراء الجزيرة المحليين هم هوذة بن علي صاحب اليمامة، والمنذر بن ساوي صاحب البحرين، وجيفر بن جلندا وأخوه صاحبا عمان. وقد كان هؤلاء (ملوك العرب والعجم) الذين يسودون الجزيرة العربية يومئذ أو يتصلون بها بأوثق الصلات. وكان أهمهم وأعظمهم بلا ريب قيصر الروم وملك فارس، وقد كانا يقتسمان سواد العالم القديم يومئذ؛ ويبسط أولهما حكمه على الشام وما إليها جنوباً حتى شمال الحجاز، ويبسط الثاني حكمه على شمال شرقي الجزيرة، ويدين له كثير من أمراء العرب بالولاء والطاعة. وكان الأول زعيم الأمم النصرانية، والثاني زعيم الأمم الوثنية نظمت هذه السفارات وأرسلت إلى مختلف الأنحاء، لكل ملك وفد أو رسول ولكل كتاب نبوي. وكانت مهمتها جميعاً واحدة. وتقدم الرواية الإسلامية إلينا صور الكتب المرسلة، وهي جميعاً في صيغ واحدة أو متماثلة؛ وفيها جميعاً يدعو النبي ملوك عصره إلى الإسلام والإيمان برسالته. وكان سفير النبي إلى هرقل قيصر الدولة الرومانية الشرقية دحية بن خليفة الكلبي؛ واليك نصل الكتاب النبوي إلى قيصر حسبما ورد في السيرة وفي الصحيحين: (من رسول الله إلى هرقل عظيم الروم؛ سلام على من اتبع الهدى - أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم: أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فان توليت فان عليك إثم الاريسيين؛ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون). وكان هرقل (الأول) قد تسلم عرش قسطنطينية قبل ذلك بثمانية عشر عاما بعد حوادث وخطوب جمة، وقضى معظم عهده في حروب طاحنة مع الفرس. وكان الفرس قد غلبوا على مصر وسوريا وآسيا الصغرى، وهددوا قسطنطينية نفسها، فاستطاع هرقل أن يردهم عن أقطار الدولة، وان يطاردهم حتى قلب بلادهم، وان يسحق قواتهم في موقعة نينفة الحاسمة (ديسمبر سنة ٦٢٧). وفر كسرى الثاني ملك الفرس المعروف بكسرى ابرويز من عاصمته المدائن، ثم قبض عليه ولده شيرويه (سيروس) وقتله وجلس على العرش مكانه، وعقد الصلح مع هرقل. وعاد قيصر إلى قسطنطينية ظافراً يحمل صندوق (الصليب المقدس) الذي كان الفرس قد انتزعوه من بيت المقدس. ثم سار في خريف هذا العام (سنة

стр. 3520

٦٢٨) حاجاً إلى بيت المقدس سيراً على الأقدام ومعه الصليب ليرده إلى موضعه بالقبر المقدس؛ فبينا هو ببيت المقدس يؤدي مراسم الحج، إذ وفد عليه حاكم بصرى (بوسترا) ومعه دحية الكلبي؛ فقدم إليه كتاب النبي، واخبره بمضمون سفارته. وتقول الرواية الإسلامية أن هرقل استقبل سفير النبي بأدب وحفاوة، وسأله عن بعض أحوال النبي وأحوال رسالته؛ بل تذهب إلى القول بأن هرقل هم باعتناق الإسلام لولا أن خشي نقمة البطارقة، وانه صارح دحية برغبته وخشيته. وهذه مبالغة بلا ريب. ونستطيع أن نتصور ما أثارته سفارة النبي في نفس قيصر من بواعث الإنكار والدهشة؛ ولعله لم يكن قد سمع عن محمد ورسالته من قبل قط؛ بيد انه رد السفير النبوي ببعض المجاملات والأقوال الودية. ولما عاد هرقل إلى عاصمته وصلته رسالة أخرى تلقاها عامله على الشام المنذر بن الحارث الغساني من النبي على يد رسوله شجاع بن وهب يدعوه فيها إلى الإسلام، ويحذره عواقب المخالفة فبعث بها المنذر توا إلى هرقل وسأله أن يسير لمحاربة ذلك الذي اجترأ على هذا الوعيد فلم يوافقه هرقل على ذلك، ورد شجاع كما رد دحية ببعض المجاملات والتحيات ووصلت سفارة النبي إلى مصر في الوقت نفسه يحملها حاطب ابن بلتعة اللخمي. وتجمع الرواية الإسلامية على أن هذه السفارة كانت موجهة إلى (المقوقس عظيم القبط) وتقدم إلينا صورة الكتاب النبوي الذي أرسل إليه مستهلا بهذه العبارة: (بسم الله الرحمن الرحيم؛ من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط) وهو في نص الكتاب الذي وجه إلى هرقل وفي نفس عباراته مع تغيير يسير في بعض الروايات؛ وفيه يدعى المقوقس كما دعى هرقل إلى اعتناق الإسلام. وهنا يجب أن نقف قليلاً عند شخصية المقوقس هذا الذي تعرفه الرواية الإسلامية دائماً بأنه عظيم القبط. فقد كانت مصر يومئذ ولاية رومانية استردها هرقل من الفرس بعد أن لبثوا فيها عدة أعوام ورد إليها سلطة قسطنطينية، وعاد يحكمها الولاة الرومانيون كما كانت من قبل؛ ولم يكن لأهلها القبط أي نوع من الاستقلال. والظاهر أن هذه الحقائق لم تكن مجهولة في المدينة حيث تدل رسالات النبي وكتبه على أن الأحداث والأوضاع السياسية التي كانت تسود الجزيرة العربية وما يجاورها من الممالك كانت معروفة من النبي وصحبه. وقد كان حاكم

стр. 3521

مصر الروماني في نحو الوقت الذي نتحدث عنه هو الجبر (كيروس) وهو في نفس الوقت حاكم مصر وبطريقها الأكبر. وقد استطاع البحث الحديث أن يلقي كثيراً من الضياء على شخصية (المقوقس) وأن يتعرف فيه شخصية (كيروس) نفسه؛ وإذا فالمرجح أن المقوقس الذي تردد الرواية العربية اسمه إنما هو (كيروس) حاكم مصر الروماني بيد أن هناك نقطة ما تزال غامضة هي أن (كيروس) لم يعين حاكماً لمصر إلا في سنة ٦٣١م، أعني بعد إرسال السفارات النبوية بأكثر من عامين؛ ولا يمكن أن تفسر هذه الثغرة في التواريخ إلا بأن السفير النبوي قد انفق الوقت في قطع الطريق ثم في الانتظار أو أن (كيروس) كان معينا قبل ذلك لحكم مصر بصفة غير رسمية ثم عين بصفة رسمية، بيد أن الواقدي يقدم إلينا حلا لهذا المشكل، فيقول أن سفارة النبي إلى (المقوقس) كانت في السنة الثامنة من الهجرة لا في أواخر السنة السادسة، وأواخر السنة الثامنة من الهجرة توافق أواسط سنة ٦٣٠م، فإذا أضفنا إلى ذلك موعد المسافة من المدينة إلى مصر استطعنا أن نضع مقدم السفير النبوي في أوائل سنة ٦٣١م. وعلى أي حال فالمرجح والمعقول هو أن السفارة النبوية لم توجه في مصر لأحد غير الحاكم العام، وقد كان هذا الحاكم العام هو (كيروس). ومما يؤيد هذا الحقيقة هو أن السفير النبوي قصد إلى الإسكندرية ليؤدي مهمته وقد كانت الإسكندرية يومئذ مقر الحاكم العام الروماني اخترق حاطب بن بلتعة اللخمي مصر في شرقها إلى غربها وقصد إلى الإسكندرية ليؤدي سفارة النبي ورسالته، واخذ إلى (كيروس) في مجلسه المشرف على البحر؛ فاستقبله بترحاب وحفاوة، وتلقى منه الكتاب النبوي وناقشه في مضمونه، وسأله عن النبي ودعوته. وهنا تقول الرواية الإسلامية أيضاً كما قالت في شأن هرقل، أن المقوقس (كيروس) أفضى إلى حاطب بأنه مؤمن بصدق رسالة النبي، وانه يود لو تبعه لولا خشيته من القبط؛ ثم صرف حاطباً بكتاب منه إلى النبي وهدية يذكرها في الكتاب. واليك نصه كما يورده ابن عبد الحكم اقدم مؤرخ لمصر الإسلامية: (لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط. سلام، أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت وما تدعو إليه. وقد علمت أن نبياً قد بقى وقد كنت أظن أنه يخرج بالشام. وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة؛ وأهديت إليك بغلة لتركبها والسلام). وفي بعض الروايات أن الهدية

стр. 3522

تضمنت فوق ذلك حماراً وشيئاً من العسل والمال. والجاريتان هما مارية القبطية وأختها شيرين. وقد أسلمتا على يد النبي؛ وتزوج النبي بمارية ورزق منها بولده إبراهيم الذي توفى طفلا؛ ووهب أختها شيرين لأحد أصحابه المقربين إليه. وفي زواج النبي بمارية، وفي مولد ولده إبراهيم، دليل مادي قاطع على انه كانت ثمة مخاطبات وعلائق حقيقية بين النبي وعظيم مصر يومئذ، أعني (كيروس) الحاكم الروماني هكذا كانت النتائج التي انتهت إليها الكتب والسفارات النبوية إلى قيصر وعامليه على مصر والشام، وقد كانت نتائج سلبية، ولم تكن حاسمة في شيء. بيد أنها كانت بلا ريب ذات أثر معنوي عميق في البلاط الروماني وفي الكنيسة وأما الكتب والسفارات النبوية إلى الناحية الشرقية من الجزيرة فقد لقيت مصاير أخرى. وكانت ثلاثا أهمها سفارة فارس، وكان سفير النبي إلى ملك فارس عبد الله بن حذافة السهمي، فقصد إلى المدائن ومعه الكتاب النبوي. وتقدم الرواية الإسلامية أيضاً نص هذا الكتاب فيما يلي: (بسم الله الرحمن الرحيم - من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم الفرس - سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله، ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأدعو بدعاء الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حياً، ويحق القول على الكافرين؛ فاسلم تسلم، فان أبيت فان إثم المجوس عليك). وكان ملك الفرس يومئذ كسرى الثاني (أو كسرى ابرويز)؛ فلما قرئ عليه كتاب النبي مزقه، وأهان السفير وطرده؛ وبعث إلى عامله على اليمن باذان الفارسي أن يبعث إلى محمد من يتحقق خبره أو يأتيه به؛ فصد بالأمر. بيد أنه حدثت في تلك الأثناء بالمدائن حوادث خطيرة، فان شيرويه (سيروس) ولد كسرى ثار عليه وقتله وانتزع الملك لنفسه. ويضع الواقدي تاريخ هذا الانقلاب في العاشر من جمادى الأولى سنة سبع (سبتمبر سنة ٦٢٨م). فإذا صح هذا التعيين فان الرواية الإسلامية تكون معقولة متناسقة فيما تقوله من أن الذي استقبل سفير النبي وتلقى كتابه هو كسرى ابرويز، ولكن أغلب الروايات على أن مقتل كسرى كان في فبراير سنة ٦٢٨ (ذي القعدة سنة ست) أعني قبل قيام البعوث النبوية بنحو شهر؛ وإذاً فالمرجح أن الذي استقبل السفير النبوي هو شيرويه ولد كسرى. أما حادث إرسال كسرى لعامله على اليمن أن يتحقق خبر محمد أو يأتيه به فالمرجح أنه وقع قبل

стр. 3523

البعوث النبوية وقبل مصرع كسرى ببضعة أشهر لما نمى إلى كسرى من ظهور الدعوة الإسلامية وتقدمها وفي السنة الثامنة من الهجرة (٦٣٠م) قصد إلى البحرين سفير آخر هو العلاء الحضرمي، ومعه كتاب نبوي إلى أميرها المنذر ابن ساوى؛ وقصد إلى عمان، عمرو بن العاص الذي أسلم قبل ذلك بأشهر قلائل، ومعه أيضاً كتاب نبوي إلى أميريها جيفر وعباد ابني الجلندي زعيمي بني الأزد. وفي الكتابين يطلب النبي إلى هؤلاء الأمراء اعتناق الإسلام أو أداء الجزية. بيد أنهما حسبما تنقل الرواية الإسلامية قد صيغا في أسلوب يخالف أسلوب الكتب السابقة. فمثلا تنقل إلينا كتاب النبي إلى أمير البحرين فيما يأتي: (من محمد النبي رسول الله إلى المنذر بن ساوى - سلام عليك - فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو - أما بعد فإن كتابك جاءني به رسلك، وأن من صلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا فانه مسلم له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين؛ ومن أبى فعليه أداء الجزية). ففي الكتاب خيار بين الإسلام ودفع الجزية لم يرد في الكتب السابقة، وهو بهذه الصفة ذو صبغة عملية؛ ثم هو يدل على أمر آخر هو أنه رد على استفهام وجهه أمير البحرين إلى النبي عن أحكام الإسلام. وقد تضمن الكتاب الذي أرسل إلى أميري عمان شرح بعض أحكام الإسلام أيضاً. وكان لهاتين السفارتين نتيجة عملية، فان أمير البحرين، وأميري عمان آمنوا برسالة النبي واعتنقوا الإسلام، وأدوا الجزية عن رعاياهم غير المسلمين. وأرسلت سفارة ودعوة أخريان على يد سلبط بن عمرو إلى أمير آخر من أمراء هذه الأنحاء هو هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة؛ وكان نصرانياً، فرد على النبي بكتاب خشن يطلب فيه مشاركة النبي في أمره وسلطانه شرطا لدخوله في دعوته. بقى أن نتحدث عن سفارة النبي إلى الحبشة، وهي السفارة الوحيدة التي أرسلت إلى ما وراء البحر. وقد كان إرسالها في ختام السنة السادسة أو فاتحة السنة السابعة في نفس الوقت الذي أرسلت فيه سفارتا قيصر وكسرى. وكان بين الحبشة والنبي وأنصاره قبل ذلك علائق ودية منتظمة. والى الحبشة لجأ كثير من أنصار النبي أيام الهجرة فراراً من اضطهاد قريش، وأقاموا بها تحت حماية النجاشي ورعايته، ومنهم جعفر بن أبي طالب عم النبي، فلما نظمت السفارات النبوية إلى (ملوك العرب والعجم)، أرسلت سفارة إلى ملك

стр. 3524

الحبشة (النجاشي) على يد عمرو بن أمية الضمري في ذي الحجة سنة ست أعني في نفس الوقت الذي أرسلت فيه سفارة قيصر؛ ووجه النبي إلى النجاشي كتابين، يدعوه في أولهما إلى الإسلام؛ ويطلب إليه في ثانيهما أن يرسل إلى المدينة من عنده من المسلمين اللاجئين. وقد صيغت دعوة النبي إلى النجاشي في أسلوب خاص يخالف في روحه وألفاظه ما تقدم من الدعوات. واليك نص هذه الدعوة حسبما يقدمها إلينا ابن إسحاق في السيرة: (بسم الله الرحمن الرحيم - من محمد رسول الله إلى النجاشي الاصحم ملك الحبشة، سلم أنت؛ فإني أحمد الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، واشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه الله من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته، وان تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله؛ وقد بعثت إليك ابن عمي جعفراً ونفراً معه من المسلمين، فإذا جاءوك فاحترمهم ودع التجبر، فإني أدعوك وجنودك إلى الله، فقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصحي والسلام على من اتبع الهدى). وقد كان النجاشي نصرانياً، وكانت النصرانية تسود الحبشة منذ القرن الرابع. وفي الكتاب النبوي شرح لموقف الإسلام نحو النصرانية ونظريته في خلق المسيح؛ وهو موقف ليس فيه إنكار ولا خصومة جوهرية إلا من حيث الوحدة والتوحيد؛ والكتاب النبوي ينوه بهذه الوحدة. وبعث النبي إلى النجاشي أيضاً يكلفه بأن يعقد زواجه من أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت من المسلمين اللاجئين، وكانت زوجة لصحابي يدعى عبيد الله هاجر بها إلى الحبشة ثم ارتد هنالك عن الإسلام وتنصر، وتوفي مرتداً. وتقول الرواية الإسلامية أن النجاشي لبى دعوة النبي وأسلم، وبعث إليه بكتاب يؤكد فيه إسلامه، وانه حقق رغبته في تزويجه من أم حبيبة نيابة عنه، وبعثها إليه مع من كان عنده من المسلمين في سفينتين كبيرتين. بيد أنه يلوح لنا أن القول بإسلام النجاشي مبالغة يمكن أن تحمل على ما أبداه النجاشي من أدب ومجاملة في استقبال السفارة النبوية؛ والمرجح أن النجاشي لم يسلم؛ ولو أسلم النجاشي يومئذ لكان الإسلام قد غمر الحبشة كلها ولكانت النصرانية قد غاضت منها. بيد أن الإسلام لم ينتشر في الحبشة إلا بعد ذلك بعصر، وكان انتشاره في الجهات الشرقية والجنوبية فقط. ونلاحظ أخير أن البعوث والسفارات النبوية لم تقتصر على من تقدم من الملوك والأمراء.

стр. 3525

فقد أوفد النبي بعوثاً وكتباً أخرى إلى عدة من زعماء الجزيرة المحليين، لتحقيق نفس الغاية في ظروف وتواريخ مختلفة، أسفر بعضها عن نتائج عملية مرضية، ودخل بعض هؤلاء الزعماء في الإسلام كانت هذه السفارات والكتب النبوية عملا بديعاً من أعمال الدبلوماسية، بل كانت أول عمل قام به الإسلام في هذا الميدان. وليس أسطع من هذه السفارات دليلاً على ما كانت تجيش به نفس النبي العربي من فيض في الإيمان والشجاعة؛ ذلك النبي الذي لم يكن قد نجا بعد من اضطهاد قومه، ولم يكن له سلطان يعتد به أو قوى يخشى بأسها، يقدم في ثقة وشجاعة على دعوة قيصر الدولة الرومانية وعاهل الدولة الفارسية، وباقي الملوك والأمراء المعاصرين على اعتناق دعوة لم تكتمل بعد في مهدها، على أن هذه الدبلوماسية الفطنة التي لجأ إليها النبي في مخاطبة ملوك عصره لم تذهب كلها عبثاً كما رأينا. ولا ريب أن النبي لم يكن يتوقع أن يلبي أولئك الملوك الأقوياء دعوته، وهو ما يزال يكافح في بثها بين عشيرته وقومه. بيد أن إيفاد هذه البعوث كان عملا متمما للرسالة النبوية. وكان العالم القديم الذي يتوجه إليه النبي العربي بدعوته يقوم يومئذ على أسس واهية تنذر بالانهيار من وقت إلى آخر؛ وكانت الأديان القديمة قد أدركها الانحلال والوهن وفسدت مثلها العليا؛ فكانت الدعوة الإسلامية تبدو في جدتها وبساطتها وقوتها ظاهرة تستحق البحث والدرس. ولم يكن عسيراً أن يستشف أولو النظر البعيد، ما وراء هذه الدعوة الجديدة من قوى معنوية تنذر بالانفجار في كل وقت. وقد كان الانفجار في الواقع سريعاً جدا، فلم تمض أعوام قلائل على إيفاد هذه البعوث حتى كان الإسلام قد غمر قلب الجزيرة العربية، وانساب تيار الفتح الإسلامي إلى قلب الدولتين الرومانية والفارسية، واخذ العرب أبناء الدين الجديد وحملة الرسالة المحمدية يعملون بسرعة خارقة على إنشاء الدولة الإسلامية الكبرى وقد تناول البحث الغربي حوادث السفارات النبوية فيما تناول من حياة النبي العربي، وكان جل اعتماده في شأنها على الرواية الإسلامية؛ وهنالك من كتاب السيرة الغربيين من يبدي ريباً في أمر هذه السفارات، أو يبدي بالأخص ريباً في صحة الكتب والرسائل النبوية. ومن هؤلاء الكتابالمستشرقان الألمانيان فايل وميلر؛ فإن فايل يلاحظ مثلا أن في بعض الكتب النبوية (كتاب النبي إلى كيروس) آيات قرآنية لم تكن قد نزلت وقت إرسالها مما

стр. 3526

يدل على أنها قد وضعت فيما بعد، ويرتاب ميلر في أن رسالة قد وجهت من النبي إلى هرقل، ولكنه مع ذلك يقدم ملخصاً لحوادث السفارات النبوية كما وردت في السيرة أما نحن فلسنا نرى من الوجهة التاريخية ما يبعث على الشك في صحة هذه السفارات النبوية، بل نلمس بالعكس كثيراً من الأدلة والقرائن على صحة معظم الوقائع التي اقترنت بها. وقد تبالغ الرواية الإسلامية في بعض الوقائع حسبما أشرنا إليه فيا تقدم ولكن في تعيين الرواية الإسلامية للتواريخ والأشخاص والأمكنة، وفي اتفاقها على كثير من الوقائع، وفي موافقة الرواية الكنسية والبيزنطية لكثير منها خصوصاً فيما يتعلق برسالة النبي إلى قيصر وكيروس - في ذلك كله ما يؤيد صحة كثير من هذه الأحداث الدبلوماسية الإسلامية الأولى. وإنما يتطرق الشك في نظرنا إلى النصوص والصيغ التي تقدمها الرواية الإسلامية للكتب النبوية. ذلك أنها لم ترد جميعا في رواية ابن إسحاق اقدم مؤرخي السيرة؛ وقد ورد بعضها بعد ذلك في كتاب الواقدي الذي لم يصلنا منه سوى شذور قليلة، وفي كتاب ابن عبد الحكم المصري، ثم في الصحيحين (صحيح البخاري وصحيح مسلم) وفي الطبري وغيره من الروايات المتقدمة ولكنها ترد بصيغ وألفاظ مختلفة مما يحمل الشك في صحة هذه النصوص. وأكبر الظن أن هذه النصوص قد وضعت، ورويت فيما بعد باعتبار أنها تمثل أقرب الصور التي صيغت فيها الكتب النبوية، وقدمها كتاب السيرة على أنها أرجح النصوص المحتملة. بيد أن هذا الشك في صيغ الكتب النبوية لا يتعدى الحقائق التاريخية التي تنهض الأدلة والقرائن على صحة الكثير منها لقد كانت السفارات النبوية حادثاً سياسياً عظيماً في حياة النبي العربي. محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 3527

خالد بن الوليد القائد الذي لم يهزم قط للدكتور عبد الوهاب عزام كان شرف قريش قبل الإسلام لبني عبد مناف وبني مخزوم، وكان شرف بني مخزوم إلى المغيرة بن عبد الله بن مخزوم حتى آثر بعض ذريته اسم المغيري على اسم المخزومي. وكان هشام بن المغيرة يسمى رب مكة، ولما مات أرخت قريش بموته، وكان ابنه أبو جهل زعيماً من زعماء قريش. والوليد بن المغيرة أخو هشام كان أكبر رجل في مكة. وكان يلقب الوحيد، وريحانة قريش. ولما كلم زعماء قريش أبا طالب في أمر النبي عرضوا عليه أن يأخذ عمارة بن الوليد ويسلم إليهم محمدا فقالوا كما روي ابن هشام: (يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولدا فهو لك). وقال المفسرون في قوله تعالى: (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم). إن المشركين عنوا الوليد بن المغيرة في مكة وعروة بن مسعود الثقفي في الطائف. وقالوا في الآيات (ولا تطع كل حلاف مهين) - إلى أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين) والآيات: (ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالاً ممدودا وبنين شهودا، ومهدت له تمهيدا). أنها نزلت في الوليد بن المغيرة ومن أجل التنافس بين بني عبد مناف وبني مخزوم كانت عداوة هؤلاء للإسلام. روي ابن هشام قول أبي جهل، (تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك مثل هذه؟) كان للوليد بن المغيرة عشرة بنين أو ثلاثة عشر، أسلم منهم ثلاثة عمارة وهشام وخالد. وأم خالد لبابة بنت الحارث بن حزم الهلالية أخت ميمونة أم المؤمنين، ولبابة الكبرى زوج العباس، وكانت لبابة الكبرى منجبة أنجبت سبعة من بني العباس يقول فيهم الراجز: ما ولدت حليلة من بعل … في جبل نعلمه أو سهل كسبعة من بطن أم الفضل … أكرم بها من كهلة وكهل!

стр. 3528

وحسب أختها إنجابا أنها ولدت خالدا. اتفق الرواة على أن خالداً مات سنة إحدى وعشرين، وقال القسطلاني: وكان له بضع وأربعون سنة. فمولده حول خمس وعشرين قبل الهجرة أو اثنتي عشرة قبل البعثة. وكان خالد قائد فرسان قريش، وذاع صيته بما فعل في أُحد إذ فجئ المسلمين من خلفهم حين ترك رماتهم مواقفهم فهزم المسلمون بيقظة خالد ومهارته. وهو يومئذ دون الثلاثين. وقد شارك فيما كان بين المسلمين وقريش من حرب إلى غزوة الحديبية، وكان يومئذ قائد الفرسان، وتقدم بهم من مكة إلى كراع الغميم ليرد المسلمين إسلام خالد روي ابن إسحاق عن عمرو بن العاص: (خرجت عامدا إلى رسول الله ﷺ لأسلم فلقيت خالد بن الوليد، وذلك قبيل الفتح وهو مقبل من مكة مقبل فقلت: أين يا أبا سليمان؟ فقال والله قد استقام الميسم، وان الرجل لنبي، أذهب والله فأسلم، فحتى متى؟ قلت والله ما جئت إلا لأسلم. فقدمنا المدينة على رسول الله فتقدم خالد ابن الوليد فأسلم وبايع، ثم دنوت فقلت يا رسول الله أني أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخر. فقال رسول الله يا عمرو: بايع، فان الإسلام يجب ما كان قبله، وان الهجرة تجب ما كان قبلها فبايعته ثم انصرفت). دخل خالد في جند المسلمين يومئذ وسرعان ما شارك في الغزوات وأبلى فيها. فلم يمض على إسلامه شهران حتى شهد غزوة (مؤتة) في جمادى الأولى من السنة الثامنة. وكانت موقعة نائية نازل فيها المسلمون أضعافهم من العرب والروم. وتهافت القواد الثلاثة الذين ولاهم الرسول واحداً بعد الآخر: زيد بن ثابت، فجعفر بن أبي طالب، فعبد الله بن رواحة، فاختار الناس خالداً فدافع العدو وانحاز بالمسلمين حتى نجا، بهم وقفل إلى المدينة فلقي الناس القافلين يعيرونهم: يقولون يا فرار، فقال الرسول صلوات الله عليه، بل هم الكرار، وسمى فعل خالد فتحاً، ولقبه سيف الله. في البخاري أن رسول الله قال: (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم) ولا ريب أن من الفتح أن يخلص خالد هذا الجيش القليل من سورة جيش عرمرم جمع الروم والعرب فلا يقتل منه إلا اثنا عشر. ولا

стр. 3529

ريب أن بعضهم قتل قبل تولي خالد القيادة (وروى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وصبرت في يدي صفيحة لي يمانية) فإنما أنقذ خالد جنده إذ دفع بنفسه في نحر العدو حتى دقت في يده تسعة أسياف وإنها لبطولة. وبعد قليل سار المسلمون لفتح مكة، وكان خالد قائد المجنبة اليمنى وفيها جماعة من أسلم وغفار وسليم ومزينة وجهينة وغيرها من القبائل، وأمره الرسول أن يدخل مكة من أسفلها، فكان بينه وبين قريش قتال يسير قتل فيه نفر من الفريقين وبعثه رسول الله بعد الفتح إلى بني جذيمة داعياً إلى الإسلام، فقتل جماعة منهم حين لقوه بالسلاح، فلما نمى الخبر إلى الرسول قال: (اللهم إني ابرأ إليك مما صنع خالد) وودى القتلى. واعتذر خالد بأن عبيد الله بن حذافة السهمي قال له: أن رسول الله أمرك بقتالهم لامتناعهم عن الإسلام. ومهما يكن فقد أخذ المسلمون على خالد تعجله في قتال القوم. ولكن لم تذهب هذه الهفوة بحسن بلائه. ثم بعثه الرسول فهدم العزى في بطن نخلة، وكانت في سدانة بني سليم، (ولا نجد ذكر خالد في موقعة حنين، إلا ما روى ابن إسحاق أن الرسول وجد امرأة مقتولة فأرسل إلى خالد أن رسول الله ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفاً. ولما كانت غزوة تبوك بعث الرسول خالداً إلى أكيدر بن عبد الملك أمير دومة الجندل فأسره وجاء به إلى الرسول فصالحه ولما وضعت الحرب أوزارها بين المسلمين والعرب وأرسل الرسول دعاته إلى أرجاء الجزيرة بعث خالداً إلى بني الحارث بن كعب في نجران فاستجابوا لدعوته وأقام فيهم يعلمهم الإسلام، وكتب إلى الرسول بإسلامهم، فكتب إليه الرسول أن يقدم مع وفدهم. وفي ابن هشام وصبح الأعشى نص الكتابين. في حروب الردة ولما سير أبو بكر الجيوش لحرب المرتدين رمى بإبن الوليد أقرب الأعداء إلى المدينة: طليحة بن خويلد الأسدي ومن شايعه، ثم مالك ابن نويرة اليَربوعي. فسار خالد إلى متنبئ بني أسد فأدار عليه في (بزاخة) حرباً أكذبت دعوته وأذابت غشه. ثم يمم مالك ابن نويرة

стр. 3530

وكان قد مالأ سجاح المتنبئة، فلما جاء البطاح وجد القوم قد تفرقوا حيث سراياه، فرجعت بأسارى منهم مالك ابن نويرة. ثم قتل الأسارى. ونقم الناس من خالد بعد أن شهد بعض الجند أنهم أجابوا أذان المسلمين بالأذان إعلاماً بإسلامهم. وروي بعض المؤرخين أن خالداً أمر بإدفاء الأسارى في ليلة باردة، وإدفاء الأسارى قتلهم في لغة كنانة، فسارع الجند إلى قتلهم، وما أراد خالد القتل. وزاد ارتياب الناس بخالد حين تزوج أم تميم بنت المنهال امرأة مالك. وجاء إلى أبي بكر أبو قتادة الأنصاري مفارقا خالدا، ومتمم أخو مالك مستعدياً عليه. ورأى عمر أن يقاد خالد بمن قتل. فقال أبو بكر: هيه يا عمر، تأول خالد فأخطأ! فارفع لسانك عن خالد. ثم كتب إلى خالد يستقدمه فقدم وأبان عن عذره فقبل منه الخليفة. قال الطبري: (وأقبل خالد بن الوليد قافلا حتى دخل المسجد وعليه قباء له عليه صدأ الحديد متعجراً بعمامة له قد غرز في عمامته أسهما، فلما أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطمها. ثم قال أرئاء؟ قتلت امرأ مسلما ثم نزوت على امرأته. والله لأرجمنك بأحجارك. ولا يكلمه خالد بن الوليد، ولا يظن إلا أن رأى أبي بكر على مثل رأي عمر فيه، حتى دخل على أبي بكر. فلما أن دخل عليه أخبره الخبر واعتذر إليه فعذره أبو بكر وتجاوز عما كان في حربه تلك. وان في عفو أبي بكر عن خالد لبرهاناً على أن فعلته لم تكن بحيث ظن عمر. وكان أبو بكر وجه عكرمة بن أبي جهل ابن عم خالد إلى بني حنيفة قوم مسيلمة المتنبئ في اليمامة وأتبعه شرحبيل بن حسنة فتعجل عكرمة الحرب قبل أن يؤازره شرحبيل فهزم، وعنفه أبو بكر وبعثه مدداً للمحاربين في عمان، فلما فرغ سيف الله من بني أسد وتميم سيره أبو بكر إلى اليمامة، فرأى أن يؤمن طريق جيشه بإبعاد القبائل الموالية لمسيلمة وسجاح، فكتب إلى بني تميم فطردوهم من الجزيرة، وتقدم خالد لطيته فإذا شرحبيل قد سبقه إلى الحرب وباء بالهزيمة. وكانت بين خالد وبين مسيلمة موقعة عقرباء الطاحنة التي تهافت فيها أنجاد المسلمين. وكادت تقضي بالفلج لبني حنيفة، ولكن خالدا أمر الناس أن يمتازوا ليعرف بلاؤهم، فتميز الناس وأحسنوا البلاء. وحمى الوطيس، وما طل النصر بلاء الأبطال حتى رأى خالد أن الحرب دائرة ما دام مسليمة قطبا لها، فبرز ودعا إلى المبارزة، وارتجز ونادى بشعار المسلمين يومئذ: (يا محمداه!) وصمد إلى مسيلمة يحطم

стр. 3531

الصفوف إليه، وآزره أطال جنده فلم ينثن إلا ومسيلمة قتيل. فقضى للمسلمين بالنصر وجاء بنو حنيفة مستسلمين فصالحهم خالد، وجاءه أمر أبي بكر بقتلهم فأعلمه أن عهده قد سبق. وحفظ للقوم ذمتهم. فتح العراق لم يكد يفرغ خالد من مسيلمة حتى وجهه أبو بكر لفتح العراق لحرب الفرس: الأسد الذي كانت القبائل تخشاه وتتحاماه، وأمره الخليفة أن يبدأ بالأبلة ثم يفتح إلى الشمال صوب الحيرة، كما أمر عياض بن غنم أن يبدأ بالمضيح في الشمال ثم يتجه إلى الجنوب شطر الحيرة، كذلك وأي القائدين سبق إلى الحيرة فهم الأمير على صاحبه كتب خالد إلى هرمز والى الأبلة يدعوه إلى الإسلام وينذره الحرب، ثم التقى الجمعان قرب كاظمة في موقعة ذات السلاسل، فبارز خالد هرمز فقتله فحقت الهزيمة بقتله، ثم سار خالد يقود جيشين من الجند والرعب، فكانت مواقع المذار، والولجة، وأليس، ومغيشيا، وخالد يسير من نصر إلى نصر، ويوالي الكتب والأخماس إلى أبي بكر، فلما جاءته البشرى بفتح مغيشيا قال: (يا معشر قريش. عدا أسدكم على الأسد فقلبه على خراذيله، عجزت النساء أن ينشئن مثل خالد!) خالد في الحيرة بعد شهرين من دخوله العراق، وها هو في الثاني عشر من ربيع الأول سنة اثنتي عشرة يكتب كتاب الصلح لرؤساء الحيرة (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عاهد عليه خالد بن الوليد عدياً وعمراً إبني عدي، وعمرو بن عبد المسيح، وإياس بن قبيصة وحيري بن أكال، وهم نقباء أهل الحيرة، ورضى بذلك أهل الحيرة وأمروهم به - عاهدهم على مائة وتسعين ألف درهم تقبل في كل سنة جزاء عن أيديهم في الدنيا رهبانهم وقسيسهم إلا من كان منهم على غير ذي يد حبيساً عن الدنيا تاركاً لها، وعلى المنعة، وإن لم يمنعهم فلا شيء عليهم حتى يمنعهم. وإن غدروا بفعل أو قول فالذمة بريئة منهم). تتابعت القرى على الصلح بعد الحيرة. ومن الحيرة وجه خالد كتبه إلى أمراء الفرس ومرازبتهم يدعوهم إلى الإسلام، وينذرهم الحرب. وصار خالد أمير العراق كلها ففتح الحيرة (لعهد أبي بكر فمد فتوحه إلى الشمال في الأرض التي عهد إلى عياض فتحها،

стр. 3532

طوى الأرض إلى الأنبار فاعتصم الناس بالحصون وخندقوا. فنحر أضعاف الإبل وألقاها في الخندق وعبر عليها، فاضطر أهل المدينة إلى المصالحة، ثم سار إلى عين التمر وقد اجتمع له بها العرب والفرس. وخرج للقائه عقبة ابن أبي عقبة في جموع من تغلب وأياد والنمر فانقض خالد على عقبة وهو يسوي صفوفه فاحتضنه وأسره وكفاه عناء الصفوف والزحوف فانهزم جنده، فهل عرفنا قبل خالد قائدا يخطف القواد، ليكفي الجند عناء الجلاد؟ ثم توجه تلقاء عين التمر فنزل من فيها على حكمه. أين عياض بن غنم؟ في دومه الجندل تكالبت عليه الأعداء وأخذت عليه الطريق فاستغاث خالداً فأجابه: (من خالد إلى عياض، إياك أريد). لبث قليلا تأتك الجلائب … يحملن آسادا عليها القاشب كتائب يتبعها كتائب وسار إلى دومة الجندل فاجتمعت لحربه كلب وغسان وبهراء وتنوخ، وعلى الناس رئيسان أكيدر بن عبد املك الذي أسره خالد في غزوة تبوك، والجودي بن ربيعة، قال الأكيدر: (أنا أعلم الناس بخالد. لا أحد أيمن طائراً منه ولا أجد في حرب، ولا يرى وجه خالد قوم أبدا قلوا أو كثروا إلا انهزموا عنه، فأطيعوني وصالحوا القوم) فلما أبوا قال: لن أمالئكم على حرب خالد، وتركهم لينجو بنفسه، ولكنه طاف يبغي نجوة من هلاك فهلك. أخذ خالد عليه الطريق وقتله جزاء غدره بما كان بينه وبين المسلمين من عهد، ثم أتى دومة الجندل ففتحها وتألب أهل الفرس وأهل العراق على المسلمين حين علموا غيبة خالد، فرجع وهزم أعداءه في مواقع الحصيد والخنافس والمضيح والثنى والزميل. ثم توجه إلى الفراص وهي بلدة على الفرات عندها حدود العراق والشام والجزيرة، وملتقى دولتي الفرس والروم. فلم يرهب خالد جموع الفرس والروم والعرب ومزقهم كل ممزق حتى روى الرواة أنه قتل في المعركة والطلب مائة ألف. كانت الموقعة منتصف ذي القعدة من السنة الثانية عشرة. فقد طوى خالد وادي الفرات ما بين الأبلة والفراض في أقل من أحد عشر شهراً وانتصر في خمس عشرة موقعة لم يهزم في واحدة، أبت ذلك شجاعته، وكفايته واقتحامه الغمرات، وقتله القواد وصيته الذي ملأ جنده يقينا وعدوه رعبا.

стр. 3533

من الفراض إلى مكة في أثني عشر يوما ورحل خالد قافلا إلى الحيرة في الخامس والعشرين من ذي القعدة. وولى على الجيش عاصم بن عمرو، وأظهر للناس أنه سيسير في الساقة وأسر إلى خاصته أنه على عزيمة، الحج ثم طوى الفيافي ما بين الفراض إلى مكة فأدرك الحج، فلا محالة قد قطع هذه الصحاري المترامية في أثني عشر يوما. قال الطبري: (وخرج خالد حاجا لخمس بقين من ذي القعدة مكتتماً بحجه ومعه عدة من أصحابه يعتسف البلاد حتى أتى مكة بالسمت، فتأتى له من ذلك ما لم يتأت لدليل ولا رئبال. فسار طريقاً من طرق الجزيرة لم ير طريق أعجب منه ولا أشد على صعوبته منه. فكانت غيبته عن الجند يسيرة فما توافى إلى الحيرة آخرهم حتى وافاهم مع صاحب الساقة الذي وضعه. فقدما معاً وخالد وأصحابه محلقون لم يعلم بحجة إلا من أفضى إليه بذلك من الساقة. . . وكتب أبو بكر إلى خالد يأخذ عليه مسيره إلى الحج وترك الجند بغير إذن، ويأمره بالمسير إلى الشام مددا لمن بها من الغزاة. وأن يترك نصف الجيش مع المثنى ويسير بنصفه، فسار في صفر من السنة الثالثة عشرة. وكان رحيل خالد من العراق إلى الشام معجزة من معجزات المسير، وأعجوبة من أعاجيب المخاطرة، فقد قطع بالجيش الجرار صحراء ليس بها ماء يقطعها الراكب المخف في خمسة أيام قطعها في خمس ليال ولا ماء إلا ما في أجواف الإبل: أعطشها وسقاها وكظم أفواهها، فكان ينحرها في مراحل الطريق فيرتوي الناس والخيل. وقد خرج خالد من مفازته على بهراء فصبحهم بالقتال وهم لا يحسون جيشاً من الجن يسلك إليهم هذه المفازة، وحارب قبائل من العرب في طريقه حتى بلغ ثنية العقاب على مقربة من دمشق فنشر عليها راية سوداء من رايات الرسول صلوات الله عليه. ثم حارب غسان في مرج راهط وصار إلى بصرى ففتحها، ثم أدرك المسلمين في معسكرهم على اليرموك أو أجنادين. فما ظنك بهذا النصر السائر، والفتح المسافر، الذي يطوي البلاد والصحارى والقبائل في عزمات الجند القليل؟ خالد في الشام

стр. 3534

وافى خالد المسلمين معدين لمنازلة جحافل كثيفة من الروم والعرب، ووجد الجيوش مقسمة بين القواد الأربعة الذين بعثهم أبو بكر إلى الشام، أبي عبيدة بن الجراح، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، فأراد أن يلقى الروم بجيش مجتمع ورأى موحد فخطب الناس: (إن هذا يوم من أيام الله لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي. أخلصوا جهادكم، وأريدوا الله بعملكم، فان هذا يوم له ما بعده. ولا تقاتلوا قوماً على نظام وتعبية - على تساند وانتشار. فان ذلك لا يحل ولا ينبغي. وإن من وراءكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا، فاعملوا فيما لو تؤمروا به بالذي ترون أنه الرأي من واليكم ومحبته. قالوا فهات، فما الرأي؟ فقال فيما قال (هلموا فلنتعاور الإمارة فليكن عليها بعضها اليوم والآخر غداً، والآخر بعد غد حتى يتأمر كلكم. ودعوني إليكم اليوم). تأمر خالد على الجيش كله وفيه قواد أسن منه وأقدم إسلاما، ولكن اعتداد خالد بنفسه وثقة الناس به ألقت إليه بالمقاليد ذلك اليوم، فقسم الجيش كراديس ستة وثلاثين، وجعل على كل كردوس قائداً، ثم جعل قواداً على القلب والجناحين. ثم أدار المعركة طول النهار وبعض الليل، وأصبح في فسطاط قائد الروم قد ملك النصر كله وبلغ من العدو ما تمنى. كتب كتاب الفتح باسم خالد. وبعد قليل جاء المسلمين نعي أبي بكر وولاية عمر. هل عزل عمر خالدا لا ريب أن عمر كان ينقم من خالد هنات في حروبه، وأنه أشار على أبي بكر بالاقتصاص منه لمالك بن نويرة، وما كانت تعجبه جرأته واستبداده في تقسيم الغنائم والأرزاق. وكان خالد معتداً برأيه كتب إليه أبو بكر يأمره ألا يعطي شيئاً فأجابه خالد: (إما أن تدعني وعملي وإلا فشأنك بعملك، هذا وأشباهه أسخط عمر على خالد وما كان عمر ليداهن في دينه وقد كثرت الأقوال فيما فعل عمر بخالد وينبغي أن نذكر أن خالداً لم يول على الشام من قبل أبي بكر ولا عمر ولكنه بعث مددا لغزاة الشام. فعمر ما عزل خالدا عن ولاية الشام أو قيادتها ولكن خالداً أمر نفسه يوم أجنادين وتيمن الناس به، فكان حرياً أن يكون أحد القواد. فلما جاء كتاب عمر بضم خالد إلى أبي عبيدة قال الناس ما قالوا في عزل

стр. 3535

خالد. وقد خطب عمر مرة فاعتذر عما فعل، فقال أبو عمرو بن حفص بن المغيرة (عزلت عاملاً استعمله رسول الله ﷺ ، ووضعت لواء رفعه. فقال إنك قريب القرابة حديث السن مغضب لابن عمك). ولكن خالدا لا يعزل نفسه العظيمة، ولا كفايته التي لا تعوض فلما اجتمع القواد على دمشق يحاصرونها نزل خالد على الباب الشرقي فاقتحمه اقتحام الأبطال ودخل المدينة عنوة فسارع الرؤساء إلى أبي عبيدة يصالحونه فالتقى عنوة في وسط المدينة خالد الفاتح والقواد الآخرون. فكتب كتاب الفتح باسم خالد. فلما جاءت عمر الأنباء قال: أمر خالد نفسه، يرحم الله أبا بكر هو كان أعلم بالرجال مني. ولم يزل خالد مشاركاً في فتوح الشام كافياً لما يعهد إليه من حرب أو ولاية بقية حياته هذه سنة إحدى وعشرين من الهجرة وخالد العظيم في سن الخامسة والأربعين على فراش الموت في حمص وأمامه مجد عشرين سنة مظفرة لم تنكس له راية، ولا أعيا عليه فتح، ولم يختلف عليه اثنان من جنده، فاستمع البطل العظيم والقائد الباسل يقول: (لقد طلبت القتل في مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي. وما من عملي شيء أرجى عندي بعد أن لا اله إلا الله من ليلة بتها وأنا متترس. والسماء تهلني بمطر إلى صبح حتى نغير على الكفار - ثم قال: (إذا أنا مت فانظروا في سلاحي وفرسي فاجعلوه عدة في سبيل الله). ثم أوصى وصية، فمن اختار أميناً على انفاذها؟ عمر بن الخطاب! إن النفوس العظيمة لتختلف إلا في العظمة التي تؤلف بينها، والتي تأبى أن تصيخ إلى سفساف الأمور. اختلف الرجلان على أمور، وجمعتهما همة عالية ومطالب عظيمة. لقد بكى خالدا الإسلام والمسلمون حتى عمر: سمع عمر البكاء على خالد فقال: ما على نساء الوليد أن يسفحن على خالد دموعهن. . وسمع راجزا يذكر خالدا فقال والأسف ملء فؤاده: (رحم الله خالداً). عبد الوهاب عزام

стр. 3536

من ذكرياتي للأستاذ عبد العزيز البشري تفضلت (الرسالة) فدعتني إلى أن اجري بحديث في العدد الذي ترصده لرأس السنة الهجرية. ولم يجد طول التعذر بالمرض ولقس النفس وحرج الصدر. لقد أمر أصحاب (الرسالة) وكيف لي بعصيان أصحاب (الرسالة)؟. إذن فلأعص نفسي ولأنشز على وهني في طاعتهم والاستجابة لهم. وحسبي الله ونعم الوكيل ففيم كتب وماذا أكتب إذن؟ أقول في الأدب! سيقول فيه أصدقائي الدكتور طه، والأستاذ أحمد أمين، والأستاذ الزيات، وغيرهم من صفوة الأدباء. ولست احب لنفسي أن أكون فسكلا لا أبلغ السبق، إن أنا بلغته، إلا بعد جميع الجياد! إذن أكتب في السيرة النبوية الكريمة، ونحن على شرف عام هجري جديد، يتجرد لذكراه هذا العدد العتيد! لا والله، ولن أخدع في هذا أيضاً بعد الذي كتب هيكل في (حياة محمد) وطه (على هامش السيرة) لقد أصبح عليّ، بعد هذا، أن أتقرى السبل فأختار أعبدها لي، وأوعرها عليهم جميعاً، وهم ولا شك تاركي أجوز وحدي فأكون المجلي في حلبتي على كل حال. سأحدث القراء عن بعض ما شهدت بنفسي مما يرجع إلى أكثر من خمس وثلاثين سنة. ولست أحسب أن أكثر أدباء العصر شهدوه لقصر أسنانهم. فمن قد علت به السن منهم فلعله ممن لم يكن هبط بعد القاهرة في طلب أواسط العلم وأعاليه. فمن تهيأ له منهم أن يكون في القاهرة، وهؤلاء من القليل أقل، فلعله كان في شغل من تحصيل العلم والاكباب على الدرس عن شهود هذا والاحتفال له. فان كان قد وقع لبعضهم هذا عفواً فهو عنده دون أن يجمع له همه ويطوي عليه قلبه، ويختزنه في نفسه اختزان البعير الطعام في جوفه ليجتر منه وقت حاجته. لقد قدر لي، والحمد لله، أن اسمع من عظماء المغنين المرحومين عبده الحمولي، والشيخ يوسف المنيلاوي، ومحمد عثمان، والشيخ محمد الشنتوري، والسيد أحمد صابر، وعبد الحي حلمي، وإبراهيم القباني، واحمد حسنين، وأحمد فريد، ومحمد سالم. ومن الهواة السيد عبد السلام الدنف. وان أسمع من المنشدين ومن في حكمهم الشيخ سلامة حجازي، والشيخ

стр. 3537

احمد المحروقي، والشيخ عبد الله الأودي، ومن صدور القراء السيد الصواف، والمشايخ حنفي برعي، وأحمد ندا، وعلي الفلاحة، واللبان، وأبا السعود، وعلي يوسف، وعلي الجنيد، والمناخلي، والعيسوي. والشيخة أسمهان، كما سمعت هؤلاء المعاصرين الأحياء، وصل الله في أعمارهم يمتع بهم الأبناء والأحفاد، كما متع بسلفهم الآباء والأجداد. ولست أحاول في كلمات ارتجلها للرسالة ارتجالا، وأرسلها من عفو الحديث إرسالا، أن أتحدث عن هؤلاء جميعاً. وما كان هذا المقام ليحتمل هذا كله ولا بعضاً من بعضه. بل ولست أحاول أن أستغرق بالحديث واحداً من هؤلاء، فأدل على منجمه ومنشئه وخلقه وسيرته، ولون صوته، ومأتي فنه، وعمن أخذ، وكيف ذهب، وماذا أجد في الفن بصنعته. فذلك مما يستهلك الكثير من الصحائف ومن الوقت والعزم معاً، ولكنني أكتفي بذكر اثنين من أحداث أربعة شهدتها بنفسي. ولو قد حدثني بها محدث لا تهمته بالغلو إذا لم أعدل به إلى التزيد. وأحدها، كان من محمد عثمان، وهذا أدخره للمحاضرة التي ألقيها في شأنه، والثاني من الشيخ أحمد ندا. وهو من أشياء أضيفها إلى المقال الذي كتبته فيه عقب موته. أما الحادثان اللذان أطالع بهما قراء (الرسالة) اليوم فأحدهما يتصل بعبده أفندي الحمولي، والثاني بالشيخ علي الجنيد، عليهما رحمة الله. وقبل أن أسترسل بالحديث أرجو أن الفت الشباب إلى شيء واقع دائر شديد الدوران بين الناس. ذلكم أن الإنسان بطبعه أثر شديد الأثرة، فهو لا يحب بل ولا يكاد يطيق أن يبرعه أحد في سبب من أسباب الحياة. ومن هذه الخلة أصاب الحسد مدخله من نفوس الناس، ولهذه الأثرة، أو لهذا الحسد مظاهر شتى وآثار تختلف وتتفق وتلتقي وتفترق. ومن أغربها في طباع المصريين، بوجه خاص جحود فضل القائمين في الحياة. فان لم يكن إلى هذا سبيل فهنالك الذرائع المختلفة لتهاون أقدارهم، والحط من حظوظهم في أقطار الفضائل والنعم. فإذا أعيا هذا على الناس أيضاً راحوا يشيدون بفضائل من تقدموا، وينحلونهم من الأسباب ما يبرعون به القائمين في مزاياهم، ويجهرونهم به في جمال خلق، أو جمال فن، أو جمال صوت. وكلما علت بالمرء السن تزيّد في هذا وأسرف لا حد المعاصريه من أهل الفضل ومن أصحاب الفنون وحدهم، بل مكايدة أيضاً لهؤلاء الناشئين الذين يستقبلون الحياة (وتحنيسا)

стр. 3538

لهم لما ظفروا به من دونهم، وليس إلى عودتهم من سبيل. فكأنهم يقولون لهم: إننا لن نأسى على أدبارنا، وإنكم لن تفرحوا بإقبالكم. لأنكم لن تصيبوا من الطيبات ما أصبنا، ولن تظفروا من متع الحياة ببعض ما ظفرنا. ولقد أدركنا طرفا من حياة ملك المغنين المرحوم عبده الحمولي، فكان إذا أطرب وأفلق تبادر القعديون وقالوا: وأين هذا مما كان يصنع المقدم أو البيطار؟. وكانت الوردانية إذا جلجلت بصوتها الحنان قالوا: إن هذا إلا مزعة من صوت ألماس!. كذلك أدركنا صدراً كبيراً من عهد حنفي برعي وأحمد ندا، وسمعنا منهما العجب العاجب ولكن يأبى القعد لنا إلا تكديراً وانطواء على الحسرة لما فاتنا من صوت القيسوني، وكان صوته يقف الطير في جو السماء!. وغير هذا من فنون المبالغات تكدر صفو الناشئين، وتبطرهم على ما أزل الله لهم من ألوان النعم! وإنني قضاء لحق التاريخ أقرر أن من الأصوات القائمة الآن ما لا يقل في قوته وحلاوته وصفاء جوهره عن خير ما سمعنا من ثلث قرن خلا. على انه إذا كان مما يوهن من تلذيذ الناس بسماع الغناء وشدة الطرب عليه تلك الخلة التي أسلفت عليها القول، فقد جد على ذلك عنصران كان لهما، في هذا الباب، خطر عظيم: أحدهما شدة اشتغال الجمهرة بالأحداث السياسية ونحوها، فلم تعد تجتمع لهذا ببعض ما كان يجتمع له السلف، إلى ما ورثت هذه الأسباب من كدر في النفوس هيهات أن يأذن لها بالخلوص للطرب على الغناء. وأما الثاني فهذه العنيفة المشبوبة في الفن نفسه بحكم التطور والتحول من القديم إلى جديد يراد. وهيهات أن تستريح الأذن إلى ما لم يقر من بعد له قرار. ولعل الحال لو استقرت، والنفوس لو صفت، لخرج لنا من هم خير ممن تقدمت بهم الأيام. ومهما يكن من شيء فقد حرم هذا الجيل من نعمة تلك الأثرة والتنغيص على من دونهم من النبت إذا صح أن يدعى ذلك نعمة! والفضل كله للرجل العظيم (أديسون) مخترع الفونغراف، فقد دون الأصوات، وسجلها على وجه الزمان! والآن وأنا مقبل على ما أنا بسبيله، أشعر أنني قد تورطت في اختيار هذا الموضوع أشنع التورط. ولعل ما هربت منه كان أرفق بنفسي مما استعصمت به، وخاصة بعد هذا الذي قدمت من الكلام. ولقد قال أصحاب قواعد السلوك إن الرجل المربي خليق به ألا يروي ما

стр. 3539

يقع له من نوادر الحوادث وغرائبها لئلا يسرع الناس إلى النيل من مروءته، وإحالة أمره إلى التزيد والخلق طلبا للمكاثرة بشدة الأغراب. على أن مما يلين لي هذه الرواية ويشد من متني في قصتها أن لا يزال في الأحياء آلاف ممن شهدوا أمثال ما شهدت، بل وممن شاركوني فيه بالذات. فلنمض لحديثنا والله تعالى المستعان. عبده الحمولي: لم يكن يتهيأ لفتى حدث مثلي أن يسمع عبده الحمولي في سهولة ويسر. فلقد كان، في العادة، لا يغني إلا في بيوت الطبقة (الأرستقراطية). ودون أبوابها لؤم الحجاب وعصى الأحراس، فما من سبيل إلا في الغفلة من أعينهم، أو بالرشوة في أيديهم، أو في أعجاز الليل بعد منصرف السادة المدعوين، وعلى بعض هذا أذن الله أن اسمع ملك المغنين بضع عشرة مرة. وبعد فعبده، وتاريخ عبده، وفن عبده، وصنعة عبده، وبدع عبده، كل أولئك غني عن التعريف والتبيين. ولكنني أبادر فأقرر أن صوت هذا الرجل على جلالته، وحلاوته، ووفائه بكل مطالب النغم في جميع الطبقات، لم يكن بالموضع الذي يتمثل لأوهام من لم يسمعوه من أهل هذا الجيل. بل إن من القائمين من لعله يجهره في هذا المعنى من الجمال. ولكن لا يذهب عنك أن وراء هذا الحس المرهف، والذوق الدقيق، والفن الواسع، والكفاءة الكفيئة والقدرة القادرة على التصرف في فنون النغم في يسر ولباقة وقوة ابتكار ورعاية لوجوه المقامات المختلفة. والتوفيق إلى كل ما يغمز على الكبد. ألا لقد جمع الله أحسن هذا كله لعبده الحمولي. فلم ينته أحد فيه ممن سمعنا منتهاه إذا استثنيت صاحبه المرحوم محمد عثمان على اختلاف غير قليل بين فني الرجلين. وإني لأذكر أنني سمعته مرة عند مطالع الفجر، وكان ذك في دار المرحوم السبكي بك في شارع الطرقة الشرقي. ولعله كان قد مسه طائف من الشجي، فكاد يحيل العرس مناحة من كثير ما تبادر لنغمه الشجي من دموع الناس. أما الحادثة التي أؤثرها بالرواية فلقد كانت في دار رجل من خؤولتنا أولم لتزويج ابنه، وداره تقع في حي الناصرية، وكان صديقاً حميماً للمرحومين عبد الحمولي والشيخ يوسف المنيلاوي، وكان أثيراً عندهما كريم المحل منهما، وقد دعاهما كليهما ليغنيا معا في عرس

стр. 3540

ابنه، فلبيا الدعوة خفيفين. وأنت بعد خبير بأن (أفراح) أولاد البلد لا يحجب عنها الناس، ولا يدفعهم من دونها شرط ولا أحراس. وكذلك اكتظ السرادق بالمئآت إن لم أقل بالآلاف من أصناف خلق الله. ويستوي عبده إلى (التخت)، ويتدلى في الميدان يحمي ظهره الشيخ يوسف وأحمد حسنين، ونصر الحصاوي، عليهم رحمة الله، وشيخ المغنيين الآن الأستاذ محمد أفندي السبع، نعمه الله بأطيب الحياة، ومعهم السيد أحمد الليثي بعوده، (أو الجمركشي؟ لا أذكر) وأمين أفندي بزري بنايه، وإبراهيم أفندي سهلون بكمانه، ومحمد أفندي العقاد بقانونه، فغنوا وعزفوا ما شاء الله أن يغنوا ويعزفوا حتى ختموا ما يدعى (بالوصلة) الأولى، ولست أذكر ما تغنوا فيه من الأصوات. ثم استراحوا برهة من الزمن عادوا بعدها إلى شأنهم. وما برح عبده، رحمة الله عليه، يضطرب بين الليل والعين. ثم ينقلب إلى المواليا فيرجع فواصله ترجيعا. حتى إذا فعل في هذا كله الأفاعيل، وصنع مالا ترتقي إلى صفته الأقاويل، أقبل يغني، والجماعة معه (الدور) المشهور وهو من نغمة العراق: (لسان الدمع أفصح من بياني … وأنت في الفؤاد لابد تعلم هويتك والهوى لجلك هواني … ولكن كل دا ما كانش يلزم) إلى آخر ما يدعى في عرف أصحاب الغناء (بالمذهب). ثم أمسك القوم لحظة خرج بعدها عبده منفرداً، وقفى العقاد على أثره بقانونه. وقال الجبار: (أديني صابر على ناري)!!!! لست بمستطيع يا معشر القراء أن أقول لكم كيف قالها الرجل ولا كيف صنع. لأنني أنا نفسي لا أدري، ولا احسب أحداً من الخلق دري كيف قال الرجل ولا كيف صنع!. ولكنني أستطيع أن أقول لكم إن طائفاً عنيفاً جداً من الكهرباء سرى في هذا الحشد كله لم يسلم عليه أحد: جمد الناس جميعاً، وتعلقت أنفاسهم، وشل كل مناط للحركة فيهم، فما تحس منهم إلا أبصاراً شاخصة وأفواهاً مفغورة. لو اطلعت عليهم لخلتك في متحف يجمع دمى منحوتة لا أناسي يترقرق فيها ماء الحياة، حتى القائمون بالخدمة، لقد مسهم هذا الطائف فجمدوا وثبتوا: وحتى رداف عبده لقد جرى عليهم من هذا ما جرى على سائر الناس!!! ولقد ظلت هذه الحال زهاء عشرين ثانية، اعني قرابة ثلث الدقيقة، وينفجر البركان الأعظم يتطاير عنه الحمم، وترى الخلق يموج بعضهم في بعض، لا يدري والله أحد أين مذهبه.
следующие страницы →