Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
من ذكرياتي
للأستاذ عبد العزيز البشري
تفضلت (الرسالة) فدعتني إلى أن اجري بحديث في العدد الذي ترصده لرأس السنة الهجرية. ولم يجد طول التعذر بالمرض ولقس النفس وحرج الصدر. لقد أمر أصحاب (الرسالة) وكيف لي بعصيان أصحاب (الرسالة)؟. إذن فلأعص نفسي ولأنشز على وهني في طاعتهم والاستجابة لهم. وحسبي الله ونعم الوكيل ففيم كتب وماذا أكتب إذن؟
أقول في الأدب! سيقول فيه أصدقائي الدكتور طه، والأستاذ أحمد أمين، والأستاذ الزيات، وغيرهم من صفوة الأدباء. ولست احب لنفسي أن أكون فسكلا لا أبلغ السبق، إن أنا بلغته، إلا بعد جميع الجياد!
إذن أكتب في السيرة النبوية الكريمة، ونحن على شرف عام هجري جديد، يتجرد لذكراه هذا العدد العتيد! لا والله، ولن أخدع في هذا أيضاً بعد الذي كتب هيكل في (حياة محمد) وطه (على هامش السيرة)
لقد أصبح عليّ، بعد هذا، أن أتقرى السبل فأختار أعبدها لي، وأوعرها عليهم جميعاً، وهم ولا شك تاركي أجوز وحدي فأكون المجلي في حلبتي على كل حال.
سأحدث القراء عن بعض ما شهدت بنفسي مما يرجع إلى أكثر من خمس وثلاثين سنة. ولست أحسب أن أكثر أدباء العصر شهدوه لقصر أسنانهم. فمن قد علت به السن منهم فلعله ممن لم يكن هبط بعد القاهرة في طلب أواسط العلم وأعاليه. فمن تهيأ له منهم أن يكون في القاهرة، وهؤلاء من القليل أقل، فلعله كان في شغل من تحصيل العلم والاكباب على الدرس عن شهود هذا والاحتفال له. فان كان قد وقع لبعضهم هذا عفواً فهو عنده دون أن يجمع له همه ويطوي عليه قلبه، ويختزنه في نفسه اختزان البعير الطعام في جوفه ليجتر منه وقت حاجته.
لقد قدر لي، والحمد لله، أن اسمع من عظماء المغنين المرحومين عبده الحمولي، والشيخ يوسف المنيلاوي، ومحمد عثمان، والشيخ محمد الشنتوري، والسيد أحمد صابر، وعبد الحي حلمي، وإبراهيم القباني، واحمد حسنين، وأحمد فريد، ومحمد سالم. ومن الهواة السيد عبد السلام الدنف. وان أسمع من المنشدين ومن في حكمهم الشيخ سلامة حجازي، والشيخ
стр. 3537
احمد المحروقي، والشيخ عبد الله الأودي، ومن صدور القراء السيد الصواف، والمشايخ حنفي برعي، وأحمد ندا، وعلي الفلاحة، واللبان، وأبا السعود، وعلي يوسف، وعلي الجنيد، والمناخلي، والعيسوي. والشيخة أسمهان، كما سمعت هؤلاء المعاصرين الأحياء، وصل الله في أعمارهم يمتع بهم الأبناء والأحفاد، كما متع بسلفهم الآباء والأجداد.
ولست أحاول في كلمات ارتجلها للرسالة ارتجالا، وأرسلها من عفو الحديث إرسالا، أن أتحدث عن هؤلاء جميعاً. وما كان هذا المقام ليحتمل هذا كله ولا بعضاً من بعضه. بل ولست أحاول أن أستغرق بالحديث واحداً من هؤلاء، فأدل على منجمه ومنشئه وخلقه وسيرته، ولون صوته، ومأتي فنه، وعمن أخذ، وكيف ذهب، وماذا أجد في الفن بصنعته. فذلك مما يستهلك الكثير من الصحائف ومن الوقت والعزم معاً، ولكنني أكتفي بذكر اثنين من أحداث أربعة شهدتها بنفسي. ولو قد حدثني بها محدث لا تهمته بالغلو إذا لم أعدل به إلى التزيد. وأحدها، كان من محمد عثمان، وهذا أدخره للمحاضرة التي ألقيها في شأنه، والثاني من الشيخ أحمد ندا. وهو من أشياء أضيفها إلى المقال الذي كتبته فيه عقب موته. أما الحادثان اللذان أطالع بهما قراء (الرسالة) اليوم فأحدهما يتصل بعبده أفندي الحمولي، والثاني بالشيخ علي الجنيد، عليهما رحمة الله.
وقبل أن أسترسل بالحديث أرجو أن الفت الشباب إلى شيء واقع دائر شديد الدوران بين الناس. ذلكم أن الإنسان بطبعه أثر شديد الأثرة، فهو لا يحب بل ولا يكاد يطيق أن يبرعه أحد في سبب من أسباب الحياة. ومن هذه الخلة أصاب الحسد مدخله من نفوس الناس، ولهذه الأثرة، أو لهذا الحسد مظاهر شتى وآثار تختلف وتتفق وتلتقي وتفترق. ومن أغربها في طباع المصريين، بوجه خاص جحود فضل القائمين في الحياة. فان لم يكن إلى هذا سبيل فهنالك الذرائع المختلفة لتهاون أقدارهم، والحط من حظوظهم في أقطار الفضائل والنعم. فإذا أعيا هذا على الناس أيضاً راحوا يشيدون بفضائل من تقدموا، وينحلونهم من الأسباب ما يبرعون به القائمين في مزاياهم، ويجهرونهم به في جمال خلق، أو جمال فن، أو جمال صوت.
وكلما علت بالمرء السن تزيّد في هذا وأسرف لا حد المعاصريه من أهل الفضل ومن أصحاب الفنون وحدهم، بل مكايدة أيضاً لهؤلاء الناشئين الذين يستقبلون الحياة (وتحنيسا)
стр. 3538
لهم لما ظفروا به من دونهم، وليس إلى عودتهم من سبيل. فكأنهم يقولون لهم: إننا لن نأسى على أدبارنا، وإنكم لن تفرحوا بإقبالكم. لأنكم لن تصيبوا من الطيبات ما أصبنا، ولن تظفروا من متع الحياة ببعض ما ظفرنا.
ولقد أدركنا طرفا من حياة ملك المغنين المرحوم عبده الحمولي، فكان إذا أطرب وأفلق تبادر القعديون وقالوا: وأين هذا مما كان يصنع المقدم أو البيطار؟. وكانت الوردانية إذا جلجلت بصوتها الحنان قالوا: إن هذا إلا مزعة من صوت ألماس!. كذلك أدركنا صدراً كبيراً من عهد حنفي برعي وأحمد ندا، وسمعنا منهما العجب العاجب ولكن يأبى القعد لنا إلا تكديراً وانطواء على الحسرة لما فاتنا من صوت القيسوني، وكان صوته يقف الطير في جو السماء!. وغير هذا من فنون المبالغات تكدر صفو الناشئين، وتبطرهم على ما أزل الله لهم من ألوان النعم!
وإنني قضاء لحق التاريخ أقرر أن من الأصوات القائمة الآن ما لا يقل في قوته وحلاوته وصفاء جوهره عن خير ما سمعنا من ثلث قرن خلا. على انه إذا كان مما يوهن من تلذيذ الناس بسماع الغناء وشدة الطرب عليه تلك الخلة التي أسلفت عليها القول، فقد جد على ذلك عنصران كان لهما، في هذا الباب، خطر عظيم: أحدهما شدة اشتغال الجمهرة بالأحداث السياسية ونحوها، فلم تعد تجتمع لهذا ببعض ما كان يجتمع له السلف، إلى ما ورثت هذه الأسباب من كدر في النفوس هيهات أن يأذن لها بالخلوص للطرب على الغناء.
وأما الثاني فهذه العنيفة المشبوبة في الفن نفسه بحكم التطور والتحول من القديم إلى جديد يراد. وهيهات أن تستريح الأذن إلى ما لم يقر من بعد له قرار. ولعل الحال لو استقرت، والنفوس لو صفت، لخرج لنا من هم خير ممن تقدمت بهم الأيام.
ومهما يكن من شيء فقد حرم هذا الجيل من نعمة تلك الأثرة والتنغيص على من دونهم من النبت إذا صح أن يدعى ذلك نعمة! والفضل كله للرجل العظيم (أديسون) مخترع الفونغراف، فقد دون الأصوات، وسجلها على وجه الزمان!
والآن وأنا مقبل على ما أنا بسبيله، أشعر أنني قد تورطت في اختيار هذا الموضوع أشنع التورط. ولعل ما هربت منه كان أرفق بنفسي مما استعصمت به، وخاصة بعد هذا الذي قدمت من الكلام. ولقد قال أصحاب قواعد السلوك إن الرجل المربي خليق به ألا يروي ما
стр. 3539
يقع له من نوادر الحوادث وغرائبها لئلا يسرع الناس إلى النيل من مروءته، وإحالة أمره إلى التزيد والخلق طلبا للمكاثرة بشدة الأغراب. على أن مما يلين لي هذه الرواية ويشد من متني في قصتها أن لا يزال في الأحياء آلاف ممن شهدوا أمثال ما شهدت، بل وممن شاركوني فيه بالذات. فلنمض لحديثنا والله تعالى المستعان.
عبده الحمولي:
لم يكن يتهيأ لفتى حدث مثلي أن يسمع عبده الحمولي في سهولة ويسر. فلقد كان، في العادة، لا يغني إلا في بيوت الطبقة (الأرستقراطية). ودون أبوابها لؤم الحجاب وعصى الأحراس، فما من سبيل إلا في الغفلة من أعينهم، أو بالرشوة في أيديهم، أو في أعجاز الليل بعد منصرف السادة المدعوين، وعلى بعض هذا أذن الله أن اسمع ملك المغنين بضع عشرة مرة.
وبعد فعبده، وتاريخ عبده، وفن عبده، وصنعة عبده، وبدع عبده، كل أولئك غني عن التعريف والتبيين. ولكنني أبادر فأقرر أن صوت هذا الرجل على جلالته، وحلاوته، ووفائه بكل مطالب النغم في جميع الطبقات، لم يكن بالموضع الذي يتمثل لأوهام من لم يسمعوه من أهل هذا الجيل. بل إن من القائمين من لعله يجهره في هذا المعنى من الجمال. ولكن لا يذهب عنك أن وراء هذا الحس المرهف، والذوق الدقيق، والفن الواسع، والكفاءة الكفيئة والقدرة القادرة على التصرف في فنون النغم في يسر ولباقة وقوة ابتكار ورعاية لوجوه المقامات المختلفة. والتوفيق إلى كل ما يغمز على الكبد. ألا لقد جمع الله أحسن هذا كله لعبده الحمولي. فلم ينته أحد فيه ممن سمعنا منتهاه إذا استثنيت صاحبه المرحوم محمد عثمان على اختلاف غير قليل بين فني الرجلين.
وإني لأذكر أنني سمعته مرة عند مطالع الفجر، وكان ذك في دار المرحوم السبكي بك في شارع الطرقة الشرقي. ولعله كان قد مسه طائف من الشجي، فكاد يحيل العرس مناحة من كثير ما تبادر لنغمه الشجي من دموع الناس.
أما الحادثة التي أؤثرها بالرواية فلقد كانت في دار رجل من خؤولتنا أولم لتزويج ابنه، وداره تقع في حي الناصرية، وكان صديقاً حميماً للمرحومين عبد الحمولي والشيخ يوسف المنيلاوي، وكان أثيراً عندهما كريم المحل منهما، وقد دعاهما كليهما ليغنيا معا في عرس
стр. 3540
ابنه، فلبيا الدعوة خفيفين.
وأنت بعد خبير بأن (أفراح) أولاد البلد لا يحجب عنها الناس، ولا يدفعهم من دونها شرط ولا أحراس. وكذلك اكتظ السرادق بالمئآت إن لم أقل بالآلاف من أصناف خلق الله.
ويستوي عبده إلى (التخت)، ويتدلى في الميدان يحمي ظهره الشيخ يوسف وأحمد حسنين، ونصر الحصاوي، عليهم رحمة الله، وشيخ المغنيين الآن الأستاذ محمد أفندي السبع، نعمه الله بأطيب الحياة، ومعهم السيد أحمد الليثي بعوده، (أو الجمركشي؟ لا أذكر) وأمين أفندي بزري بنايه، وإبراهيم أفندي سهلون بكمانه، ومحمد أفندي العقاد بقانونه، فغنوا وعزفوا ما شاء الله أن يغنوا ويعزفوا حتى ختموا ما يدعى (بالوصلة) الأولى، ولست أذكر ما تغنوا فيه من الأصوات. ثم استراحوا برهة من الزمن عادوا بعدها إلى شأنهم. وما برح عبده، رحمة الله عليه، يضطرب بين الليل والعين. ثم ينقلب إلى المواليا فيرجع فواصله ترجيعا. حتى إذا فعل في هذا كله الأفاعيل، وصنع مالا ترتقي إلى صفته الأقاويل، أقبل يغني، والجماعة معه (الدور) المشهور وهو من نغمة العراق:
(لسان الدمع أفصح من بياني … وأنت في الفؤاد لابد تعلم
هويتك والهوى لجلك هواني … ولكن كل دا ما كانش يلزم)
إلى آخر ما يدعى في عرف أصحاب الغناء (بالمذهب). ثم أمسك القوم لحظة خرج بعدها عبده منفرداً، وقفى العقاد على أثره بقانونه. وقال الجبار: (أديني صابر على ناري)!!!!
لست بمستطيع يا معشر القراء أن أقول لكم كيف قالها الرجل ولا كيف صنع. لأنني أنا نفسي لا أدري، ولا احسب أحداً من الخلق دري كيف قال الرجل ولا كيف صنع!. ولكنني أستطيع أن أقول لكم إن طائفاً عنيفاً جداً من الكهرباء سرى في هذا الحشد كله لم يسلم عليه أحد: جمد الناس جميعاً، وتعلقت أنفاسهم، وشل كل مناط للحركة فيهم، فما تحس منهم إلا أبصاراً شاخصة وأفواهاً مفغورة. لو اطلعت عليهم لخلتك في متحف يجمع دمى منحوتة لا أناسي يترقرق فيها ماء الحياة، حتى القائمون بالخدمة، لقد مسهم هذا الطائف فجمدوا وثبتوا: وحتى رداف عبده لقد جرى عليهم من هذا ما جرى على سائر الناس!!!
ولقد ظلت هذه الحال زهاء عشرين ثانية، اعني قرابة ثلث الدقيقة، وينفجر البركان الأعظم يتطاير عنه الحمم، وترى الخلق يموج بعضهم في بعض، لا يدري والله أحد أين مذهبه.
стр. 3541
ولا تسل كيف قدت الحناجر من الشهيق، ولا كيف بريت الأكف بالتصفيق. وخرج الأمر ساعة عن عرس مقام إلى مستشفى مجانين. رفعت فيه الحوائل وفتحت الأبواب، ونحى عنه احراسه من الشرط والحجاب
والى هنا أراني قد أطلت بما لم يدخل في صدر حسابي. ولعلي بهذا أمل وأضجر. وعلى كل حال فقد تعبت وجهد بي فلأقف إذن عند عبده الحمولي. أما حديث الجنيد فأرجئه إلى كرة أخرى، وأرجو ألا أوفق إلى مثل هذا أبدا.
عبد العزيز البشري
стр. 3542
شرقاً وغربا
للدكتور محمد عوض محمد
في يوم قديم من أيام هذا الزمن السرمدي، جلس يافث وسام إبنا نوح، في ظل شجرت من الأثل، ليستريحا ساعة من النهار. وإلى جانبهما جدول يجري، له خرير هادئ وديع، وانسياب معتدل، ليس بالسريع ولا البطيء. ولأغصان الأثل حفيف دائم، فيه رنة حزن بادية. كأنها انتحاب الثاكل أو أنين السقيم.
كان العالم حديث عهد بالطوفان الهائل الذي غمره، ورحضه رحضاً عنيفاً قاسياً لكي يطهر مما به من رجس، ويصفو مما به من كدر، ويعود نقياً بريئاً نظيفاً. . .
يا للعجب! أكلما تدنس وجه الأرض، وغشيته الأقذار، انتابته هذه الكارثة وأرسل إليه طوفان ليغمره ويطهره،؟ لقد عادت الأرض بعد هذا الطوفان طهراً، كأنما خلقت خلقاً جديداً، وعاد ثغرها باسما، وجبينها ناصعا، ووجهها زاهراً. لكن - تباركت اللهم - ألم يكن الثمن غاليا، والقربان جسيما؟ أما من سبيل غير هذه لكي تطهر الأرض مما تمتلئ به الأدران وما قد يغشاها من الرجس؟ وإلا فهل من سبيل لأن يسود هذا العالم الصفاء والطهر، فلا ينغمس في الأقذار ذلك الانغماس المروع، الذي لا مفر معه من كارثة ماحقة، تعيد إليه الصفاء والنقاء؟
لابد أن يكون هنالك سبيل غير هذه السبيل، وطريق لإصلاح العالم غير تلك الطريق. . . فهل لهذه العيون الحائرة من قبس من النور القدسي يهديها تلك السبيل؟
كانت هذه الخواطر تتردد في فكر سام ويافث، وهما جالسان: ينظران إلى تدفق الجدول، أو يحدقان في السحاب المنتشر في السماء، أو يصغيان لحفيف الأثل، أو يرسلان الطرف بعيداً إلى قمم عالية يغشاها الثلج الأبدي. وهما في الحقيقة لا يريان ولا يسمعان من هذا كله شيئاً، إذ شغلهما ما أهمهما من هذه الأفكار المتدافعة تدافع الموج. فكان كل منهما يقطب جبينه حيناً، ثم يقلب في الفضاء نظرات حائرة، لا تكاد تعرف لها قرارا. . .
وأخيراً تكلم يافث:
أي سام! لقد حم الفراق، ولم يبق بد من أن يتخذ كل منا في هذا العالم سبيله،. فعلام عولت؟. . . إن هذا الطوفان الذي غمر الأرض، وعم الغور والنجد، قد طهر كل ركن من
стр. 3543
أركان البسيطة، وأزال ما قد علق بها من رجس، لكنه قد اكتسح أناساً، وأهلك خلقاً كثيراً. . ولقد أتى أمر الإله بأن ننتشر في الأرض، وأن نضرب فيها طولاً وعرضاً، وأن نتناسل ونتكاثر وأن نملأ الأرض بذرياتنا: وقد حم الفراق، وستذهب في ناحية وأذهب في أخرى، فعلام عولت؟
قال سام:
إن الفراق أليم، والضرب في البيداء أليم، وقطع السهول والحزون أليم، ولكن أشد من هذا ألماً ذلك الظلام الحالك الرهيب الذي يكتنف الأيام المقبلة والسنين، ويتجاوزها إلى الأجيال والقرون، وإني كلما أرسلت بصري باحثاً مستطلعاً، أرتد إلى البصر خاسئاً حسيراً، قد أجهده الضلال، وسط ظلام دامس، متراكم بعضه فوق بعض، لا يعرف له آخر ولا يدرك له حد.
سوف نتكاثر ونتناسل، ونملأ بذرارينا الأرض؛ حتى يعمر الخراب، وتمتلئ الأقطار؛ ثم - من بعد هذا كله - تنهمر السيول من السماء، وتتفجر الأنهار من جوف الثرى، ويعم العالم طوفان مخرب مدمر، يفتك بالناس، ويهلك الحرث والنسل. . . أمن أجل هذا نلد ونتكاثر، لكي نسلم ذرارينا إلى هذا المصير الحزين، كلما دارت الأيام دورتها؟
قال يافث
لقد استفحل خطب العالم، وتكدست فوق البسيطة أدران أفسدت الثرى والهواء، واستحالت معها الحياة. فلم يكن بد من أن يجتاح الأرض هذا الطوفان، فيملأ كل مكان، ويغسل كل بقعة من البقاع مما علق بها من الدنس. . . فلماذا يجزنك الجزاء الحق، والقضاء الذي لا مفر منه؟ ونفسي تحدثني أن هذا الجزاء الصارم لا يكون إلا مرة. وأكبر ظني أن العالم بعد أن رحض هذا الرحض العنيف، لن ينغمس في الحمأ، ولن يغرق في الموبقات بمثل تلك الصورة البشعة التي استوجب ذلك الجزاء، سيكون في الناس أبداً من تدفعه نفسه الأمارة بالسوء إلى مجاهل الشرور. لكن العالم في أمان ما غلب خيره على شره، وحقه على باطله. وإن عليّ وعليك واجباً ألا نلد لعمارة هذا العالم غير الأنفس النقية والذرية الصالحة، التي ترهب الإله وتلزم سننه؛ ولئن صلح نسلي ونسلك، فما أجدر العالم أن يغلب طهره على رجسه، وصالحه على فساده. الأمر إذن راجع إليك والي فعلام عولت؟
стр. 3544
قال سام:
من هذا العبء الباهظ أفرق، ومن تأمل ذلك الواجب المضني تملكني رعدة الحائر، وجزع العاجز. . . لست أدري يا يافث كيف يولد الشر، ومن أين ينبغ الرجس! لقد يكون العالم وما به الأكل بر كريم، ثم ينقلب في عشية أو ضحاها: فإذا الشر قد طغى وساد، والبر أوشك أن يمحى من الأرض!
أن الدم الذي يجري في عروقي - علم الله - لطهور. وأخلق بنسلي ألا يرث مني سوى الخير والهدى. ولكن من لي بأن أضمن له ألا يحيد عما ورثه، وألا تجمح به النفس الهوجاء. فينزل به السخط ويحل البلاء ويجتاحه طوفان كالذي شهدناه؟
قال يافث:
لقد مالت الشمس نحو الأفق، وتوشك أن تتوارى خلف تلك الجبال، تاركة خلفها سحباً عسجدية صفراء. إن مغرب الشمس قد استهواني يا سام! وكأنما فيه قوة قوية تجذبني أبداً إلى الغرب! ولقد طالما جلست في هذه الأثلات أتأمل الغروب، وأفكر في هذا الكون البديع الذي يميل نحو ذكاء، وفي كل مرة كنت أحس دافعاً شديداً يدفعني إلى الغرب!
إلى الغرب إذن سأمضي، وفي الغرب سأحيا، وتحيا ذريتي ونسلي. وهنالك فلنحاول أن ننشر اليمن والعمران. .
أنا أيضا لست أدري. كيف تولد الشرور، والأصل في العالم البر، ولا أدري كيف ينمو الرجس، وأساس الكون الطهر. على أني - وأن أجهدت في هذا خاطري - ليس بضائري أن أعيا به، وأن يقصر عن إدراكه فكري. فسواء لدى أكان الشر مما يخرج من الأرض أم يهبط من السماء، فان عليّ وعلى ذريتي أن نعد العدة لسحقه، وأن نهيئ الأسباب لحربه. فلا تكاد شجرته أن تنبت حتى تجتث من أصولها، ولا يكاد رأسه أن يرتفع حتى يلقي ضربة فاقرة. وأني أحسن أن فيّ وفي نسلي قوة كامنة ستسير بالناس حتما إلى الخير، وتردهم - ولو بعد لأي - عن كل منكر. وما هذه القوة سوى قوة الفكر البشري: الفكر الباحث الذي يتناول الأشياء بالنظر وبالتأمل، ولا يزال مسترسلا في البحث وفي التحقيق حتى يسلمه الإمعان في التفكير إلى سبيل الرشاد. ويريه ما انطوي عليه العالم من أسرار، وما خفي فيه من الحقائق. . . وسيخطو العالم خطوات بعيدة يوم يعلم الناس القوى التي
стр. 3545
تمسك الأجرام لتربط الأكوان، وما كمن في الأرض من كنوز، وما جرت به الأنهار من خيرات. هنالك تعم السعادة، ويقضي على الشرور.
إلى الغرب إذن سأمضي، وهنالك سأغرس شجرة العلم، لكي تؤتي زهرها يانعاً، وثمرها شهياً رائعاً. وأنت يا سام، علام عولت؟
قال سام:
الآن يشرق القمر بدراً كاملا: وهو احسن ما يكون حين يطلع في المشرق، إذ لا يرتفع فوق الأفق إلا أذرعا. . لست أدري هل تخدعني عيناي. لكني أراه وقت الشروق أكبر حجما، وأملح وجها، وألطف نورا. وما زلت منذ درجت يستهويني الشروق، وتعجبني الشمس والنجوم ساعة تطلع على العالم. ولقد طالما جلست أرقبها إلى جانب هذا الجدول الجاري. فتوحي إلى بما يطمئن له القلب الثائر، والطرف الحائر. الشرق هو المبتدأ، والغرب هو المنتهى، فهنيئاً لك الغرب يا يافث! أما أنا، فان هوى نفسي في الشرق. لا أبغي به بديلا.
في الشرق إذن سأحيا. وتحيا ذريتي ونسلي، وهنالك فلنأخذ في نشر أسباب العمران.
ولست أدري هل أقدر أن أسلك وذريتي السبيل التي رسمت، والنهج الذي تريد أن تنهج. ولئن قدرت أن أسلك سبيلك تلك، فما أدري أمنجيتي وذريتي من الويل، وهاديتي ونسلي إلى الرشاد، إن عهدي بالفكر البشري أنه كثير الضلال، كثير الخبط في بيداء لا تفضي إلى خير. وقلما يصيب الحق إلا بعد أن يتيه في الباطل دهراً طويلاً. وما أشد خوفي يوم يطلع أبنائي على ما ثوى في الطبيعة من قوة، وما كمن فيها من كنوز. عند ذلك قد يلهيهم التكاثر أو يتملكهم الجشع، ويتناحرون من اجل مادة قد لا تغني عنهم شيئاً. . . كلا، ليس العلم أو الفكر بالذي ينقذ الناس، فان طريقه طويلة وعرة. . .
الآن تنكشف الغشاوة عن عيني وأرى السبيل واضحة جلية. إن أبنائي سيولون وجوههم شطر الدين، وبالدين سيبلغون بالعالم أقصى مراتب السعادة والطهر.
وسيبلغون حقائق الدين بالألهام، وبالوحي ينزل من السماء، لا بالبحث والحفر والتنقيب في الأرض. فذلك هو الهدى الذي ليس بعده هدى، والنجاة التي لا تعدلها نجاة. ولقد يتناحر الناس من أجل الدين، ويكيد بعضهم لبعض، ويصيبهم من هذا أذى كثير، غير أنه دم
стр. 3546
طاهر يسفك من أجل مأرب طاهر، لم تدنسه المادة، ولم يلوثه الطمع. . .
أجل وإني لأرى الساعة كيف ينبغ من أبنائي رسل مبشرون ومنذرون وكيف ينتشر أبنائي في العالم، فيرفعوا علم الدين، وينشروا الهدى، ويحطموا الأصنام، ولقد أسمع الساعة صوتاً ينبعث من أرض كنعان، فيملأ الأرض حبا ورحمة، ثم أسمع بعد فترة صوتاً قوياً رزيناً ينبعث من الصحراء فيملأ الأرض عدلاً وأمنا، فيتردد صداه من المشرق إلى المغرب فإذا الأوثان تتكسر، والشرك يمحى، والأغلال المذلة تتحطم، وصروح الباطل تندك.
لا خوف إذن على العالم من طوفان يمزقه، أو لهيب يحرقه، ما دام فيه رسل تهدي، ودين ينير الظلام.
إلى الشرق إذن سأمضي، وهنالك فلتغرس شجرة الدين. أصلها ثابت وفرعها في السماء. وارفة الظلال، طيبة الثمرة
ثم سكت الاخوان، وأطرقا زمنا، ولبثا جالسين يحدقان في الكون، دون أن ينطقا بكلمة، حتى دجى الليل، ولمعت في السماء النجوم، وبرد الهواء، فنهضا وجعلا يمشيان الهوينى صامتين.
حتى إذا اقتربا من منازلهما مد الأخ الأكبر يده مصافحاً:
- فليهنئك الشرق يا سام!
- وليهنئك الغرب يا يافث!
محمد عوض محمد
стр. 3547
النجاشي العادل
للآنسة سهير القلماوي
(كلا لا تطعهم واسجد واقترب) هكذا كان ينبعث الصوت خافتا واضحا عذبا حنونا، وهكذا كان يتردد الصوت في صدر الرسول وهو وسط الكفار والمشركين والمنافقين والمستهزئين من أهل مكة. فإذا ما تغامزوا عليه، وإذا ما تآمروا على قتله، وإذا ما استهزأوا بوحيه، وإذا ما سبوه ولعنوه وتهجموا عليه، كان هذا الصوت الخافت الحنون يكرر ويعيد: (كلا لا تطعهم واسجد واقترب)
ولكن آل الرسول وآل عبد المطلب، كانوا أعزاء في قريش، وكان الرسول محمياً بعزتهم مطمئناً للوحي الذي ينزل على قلبه. أما المسلمون المستضعفون، أما العبيد وأما الإماء، فلم تكن لهم عزة ولم يكن لديهم وحي، وإنما إيمان هو كل ما يملكون. ومتى درأ الإيمان عن صاحبه العذاب؟ بل متى لم يجلب الإيمان لصاحبه عذابا؟ ورأى الرسول عذاب هؤلاء المؤمنين المستضعفين فأمرهم بالهجرة من مكة، ولم تكن هجرة في الإسلام بعد فقالوا له حائرين؟ وإلى أين نهاجر يا رسول الله؟ قال إلى الحبشة، فان بها ملكاً عادلا لا يظلم عنده أحد. وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا.
وفر قلة من المسلمين بدينهم لأول مرة ملتجئين إلى النجاشي العادل ملك الحبشة، فآواهم ونصرهم وأقاموا عنده في خير جوار لم يؤذوا ولم يسمعوا شيئاً يكرهونه، ولكن قومهم بمكة عز عليهم هذا الفرار، أو قل عنَّ عليهم أن يتلقاهم النجاشي هذا اللقاء. فأرسوا وراءهم عظيمين من عظمائهم مزودين بالهدايا الثمينة ليأتيا بهم من أرض النجاشي العادل.
وفد العظيمان على أرض الحبشة فوزعا هداياهم على أساقفة النجاشي العادل، وفي الغد قدما عليه وهو جالس على عرشه في أبهة الملك وعزته وسطوته وقدما له هداياهما وقالا له (أيها الملك أنه قد أوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، بل جاءوا بدين جديد ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا انتم. وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم لتردهم عليهم، فهم أعلى بهم عينا واعلم بما عابوا عليهم)
أنصت النجاشي العادل إلى قولهما وإذا أساقفته تصيح معهما (صدقا أيها الملك. قومهم أعلى بهم عينا. فأسلمهم إليهما) وهاج النجاشي قولهما وثار لموافقة أساقفة لهما فقال غاضبا (لا
стр. 3548
اسلم إليهما قوما بادروني ونزلوا بلادي واختاروا جواري دون سواي حتى أدعوهم فاسألهم عما يقول هذان في أمرهم)
وأرسل النجاشي خلف المسلمين فآتوه وهو على عرشه وأساقفته ناشرون مصاحفهم حوله، وتكلم عن المسلمين جعفر بن أبي طالب قال، (أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش. . . حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا. . . وامرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكشف عن المحارم. ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. . . فصدقناه وآمنا به واتبعناه. . . . فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا. . . فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا. خرجنا إلى بلادك. . . ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك) قال النجاشي العادل وقد أثر فيه قول جعفر: هل معك مما جاء به من الله من شيء؟ قال جعفر نعم، قال له فاقرأه، فقرأ جعفر (كهيعص. ذكر رحمة ربك عبده زكريا: إذ نادى ربه نداء خفيا. قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا. وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك وليا. يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا. يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا).
أنصت النجاشي لآيات الله يتولها جعفر فلم يشعر إلا والدموع تنهمر من عينيه وتبلل لحيته. النجاشي ملك الحبشة العظيم، النجاشي الذي ذاق هول الدهر، فقد غدر به قومه وقتلوا أباه وباعوه ليخلصوا منه ثم لجأوا إليه أخيرا حين احتاجوا إليه، هذا النجاشي الذي بلا الدهر واستمرأ غلظته وجفاءه، نعم هذا النجاشي يبكي لمجرد تلاوة آي الذكر الحكيم وكأنه صعب عليه أن يبكي لمجرد تلاوة آيات فالتفت إلى أساقفته وفيهم الغليظ القلب، وفيهم الجافي الطبع، وفيهم البارد العاطفة، فإذا بهم كلهم باكون وقد اخضلت لحاهم من الدمع. ولكن عظيمي مكة وقفا جامدين! لقد ألفا هذه التلاوة ولم تؤثر في أكبادهما الغليظة شيئا. (الأعراب أشد كفر ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله).
خرج العظيمان المكيان مخذولين، ولكنهما لم ييأسا، فجاءا النجاشي العادل في الغد يريدان
стр. 3549
الوقيعة بينه وبين من آووا إليه فقالا له أيها الملك: انهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيما فناداهم النجاشي وقال لهم وما تقولون في عيسى بن مريم؟ فرد عنهم جعفر ابن أبي طالب (نقول فيه الذي جاءنا به نبيناً ﷺ : هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول) وآمن النجاشي العادل بقولهم وإن لم يؤمن به أساقفته، ورجع العظيمان إلى مكة خائبين وظل المسلمون في جوار النجاشي العادل آمنين مطمئنين
وجاء النجاشي منازع له على العرش يحاربه فلم ينس المسلمين في محنته. وإنما أعد لهم سفنا وقال لهم إذا هزمت فهذه سفنكم توصلكم إلى أهلكم بمكة، وإذا انتصرت فانتم كما كنتم آمنون في جواري. وصلى المسلمون من أجل النجاشي فانتصر على عدوه، وظلوا في جواره آمنين إلى أن تهيأت لهم مكة فرجعوا إليها
وانشغل المسلمون بجهادهم عن الحبشة وملكها النجاشي العادل، وبينما هم ملتفون حول رسولهم يجاهدون من أجله وفي سبيل تعاليمه ودينه، إذا بهم ينعى إليهم النجاشي العادل. ولم ينس الرسول يده على المسلمين يوم كانوا مستضعفين فارين من وطنهم فاستغفر له وصلى من اجله.
كان المار قديماً بأرض الحبشة يرى على ضفاف النيل بقعة ينبعث منها النور فيظنها لأول الأمر وهج الشمس، فإذا ما اقترب منها عرف انه نور ينبعث من الأرض لا من السماء، فإذا ما سأل أهل البقعة عن مبعثه قالوا هذا قبر النجاشي العادل، هذا قبر أول من آوى المسلمين المهاجرين يوم كانوا مستضعفين في الأرض!
سهير القلماوي
стр. 3550
من طرائف الشعر
إلى الشواطئ المصرية
للشاعر الوجداني على محمود طه
حيَّاكِ أرضاً وازدهاكِ سماء … بحرٌ شدا صخراً وصفَّقَ ماَء
يحبو شعابَك في الضحى قبلاتِه … ويرفُّ أنفاساً بهنَّ مساَء
مُتَجَدَّدَ الصبَّوَات أودعَ حبُهَّ … شتىَّ الأشعةِ فيكِ والأنداء
وَلِعٌ بتخطيط الرَّمال كأنَّه … عرافةٌ تستطلعُ الأنباء
وَمُصَوِّر لَبِقُ الخيال يصوغ من … فنِّ الجمال السِّحرَ والأغراء
نَسَقَ الشَّواطئ زينةً وأدقَّها … صُوَراً بريَّا صفحتيه تَراءى
يجلو بريشته السماَء وإنِّما … زادتْ بريشته السماءُ جلَاء
لا الصبحُ أوضحُ من مطالعه بهِ … شمساً ولا أزهى سناً وضياَء
كلاَّ ولا الليلُ المكوكبُ أفقه … بأغرَّ بدراً أو أرقَّ سماَء
ولربَّ زاهيةِ الأصيل أحالها … سيلاً أحمَّ ولجةً حمراَء
وكأنما طوَت النهارَ ونشَّرتْ … لَهَباً وفجَّرت الصخورَ دماَء
ولربَّ عاطرةِ النسيم عليلةٍ … طالعتُ فيها الليلةَ القمراَء
رقَصَتْ بها الأمواجُ تحت شعاعها … وسرتْ تُجاذبُ للنسيم رداء
حتى إذا رانَ الكرى بجفونها … ألقتْ إِليك بسمعها إِصغاَء
تتسمعُ النوتيِّ تحت شراعه … يشدو فيبدعُ في النشيد غِناَء
هَزَّتْ ليالي الصيِف ساحرَ صوته … فشجا الشواطئَ واستخفَّ الماَء
وأثارَ أجنحةَ الطيور فحوَّمتْ … في الليل حيرى تتبعُ الأصداَء
وَُرٌ فواتنُ يا شواطئُ صاغها … لك ذلك البحر الصَّنَاعُ رواَء
فتنظّريهِ على شعابكَ مثلما … رجع الغريبُ إلى حماهُ وفاَء
كم ظلَّ يضربُ في صخورك موجضه … مما أجنَّ محبةً ووفاَء
عذراً إذا عيَّتْ بمنطقة اللُّغى … فهو العبيُ المفجمُ الفصحاَء
فخذي الحديثَ عليه واستمعي لهُ … كم من جمادٍ حدَّثَ الأحياَء
стр. 3551
وسليه كيف طوى اللياليَ ساهداً … وبلا الأحبَّةَ فيك والأعداَء
كم ليلةٍ لكِ يا شواطئُ خاضها … والرعبُ يملا حولك الأرجاَء
والسفنُ مرهفة القلاعِ كأنَّها … تطأ السحابَ وتهبط الدأماَء
حمَلَتْ لمصر الفاتحين وطَّوَحتْ … للنيل منهم جحفلاً ولواَء
ولو استطاعَ لردَّ عنكِ بلَاءهم … وأطار كل سفينةٍ أشلَاء
أو كان يبلغ للغيوب شفاعةً … هزَّ الوجود ضراعةً وبكاَء
أو كان يملكُ قدرةً حشد الدُّجى … ونضا الرجومَ وجنَّدَ الأنواَء
ودعا غوارَبه الثِّقالَ فأقبلتْ … فرمى بها قَدَراً وردَّ قضاَء
فاستعرضي سيِرَ الزمان ورددي … ما سرَّ من أبنائهنَّ وساَء
وخذي ليومكِ من قديمك سلوةً … ومن الجديدِ تعلَّةً ورجاَء
إيهٍ شواطئَ مصر والدينا منىً … تهفو إِليك بنا صباحَ مساَء
ناجيتِ أحلامَ الربيع فأقبلتْ … وأشرتِ للصيف الوسيم فجاَء
يحبوك من صفو الزمان وأنسه … ما شئتِ من بَهَجِ الحياة وشاَء
وغداً تضيءُ على جنبيك لمحة … طَبَعَ الخلودُ سماتِها الغراةَ
وترفُّ منه على ثغورك بسمةٌ … خَفَّ العبابُ لها وغَضَّ حياَء
فاستقبلي الصيف الجميلَ وهيئي … للفنِّ فيك خميلةً غنَّاَء
واستعرضي حور الجنانِ وأطلقي … لغةَ السماء وألهمي الشعراَء
стр. 3552
إسلام عمر
أسلم سعيد بن زيد بن نفيل (ابن عم عمر) وزوجته فاطمة (أخت عمر) وكان خباب بن الارت يختلف إلى فاطمة يقرئها القرآن
خباب - (يستحث فاطمة):
رتلي ما شئت فيه رتلي … وأقرئيه كل صبح ومساءْ
إنه خير كتابٍ مُنزَلِ … فيه للمؤمن أمن وشفاءْ
فاطمة:
يا بياناً جلَّ عن كل شبيه … وتعالى عن أساليب العربْ
وكتاباً كلما رتلتُ فيه … خشع القلب لديه واقتربْ
هو إن رقَّ نسيم نافحٌ … بشذا الخلد وأنفاس النعيمْ
وإذا ثار فجمر لافحٌ … يستمد الوقد من نار الجحيمْ
أعرضوا عنه ولو أصغوا إليه … لهداهم وَضَحَ الحق المبين
ولخرُّوا سجدَّاً بين يديه … وغدوا لله خير المخلصين
يعود عمر غاضباً إلى أخته وقد علم بإسلامها مع زوجها
خباب - إِن بالباب طارقا
فاطمة - من لدى بابنا؟
عمر - عمرْ
فاطمة إلى خباب -
اختبئ منه إنه … ملك الموت قد حضر
خباب وهو مسرع:
نجنِّي رب واكفني … شر ما يخبئ القدَرْ
تفتح فاطمة فيدخل عمر ويظهر سعيد
عمر إلى فاطمة: لمَ أبطأت في لقائي؟
فاطمة - عذراً
عمر - (هائجاً) أي عذرٍ يصدكم عن لقائي؟
وعلام اتبعتِ رأيَ سعيدٍ … وهو غرُّ مُسَفَّه الآراء
стр. 3553
فعصيتم مَناةَ واللات والعزَّ … ى ودين الأبوَة القدماء
واتبعتم محمداً في هواهُ … وغدوتم من صحبه الأوفياء
سعيد - (في رفق) يا ابن عمي
عمر - (ثائراً)
لستُ ابن عمك حتى … تتعرَّى من لبس هذا الرداء
سعيد - (مستنكراً)
أوَ أعصي محمداً سيد الخل … ق جميعاً وصفوة الأنبياء
والرسول الذي هدانا إلى الحق … بتلك الشريعة الغراء
عمر - (يهم بضربه)
فيم هذا العنادُ يايها الوغ … دُ وذاكَّ العقوق للآباء؟
فاطمة في وجه عمر -
أنت أسرفت في إساءة زوجي … وهو ثبت الجنان جَمّ الحياء
فامضِ لا ترتفعْ يداك عليه … وكفى ما أتيت من إيذاءِ
فيشج رأسها قائلاً:
اتركيني لا جاد ربعَك غيثً … ودعيني أجزيه شر الجزاء
تشعر فاطمة بدمها يسيل فتبكي
أماه قد شجَّ رأسي … أخي وأجرى دمائي
ولم يلنْ لأنيني … ولم يُرعَ لبكائي
كم كنتُ أرجوه عوني … في النكبة الهوجاءِ
فكان مبعث هميَ … وكان كل شقائي
يا ويح ما أنا فيه … من محنةٍ وبلاء
أكلُّ من أصطفيه … يخيب فيه رجائي؟
فيثوب عمر إلى رشده وهو يضمد جرح أخته
ثورةٌ ثبت بعدها لرشادي … فاصفحا عني قساوتي واضطهادي
وتناسي يا أخت ما كان مني … من أذى صبَّه عليك عنادي
стр. 3554
لا تظني بيَ الظنون فأني … لك عند الخطوب أكرم فادِ
أنا مهما قسوتُ عونُك في الكر … ب وحصن يحميك من كل عاد
فاطمئني إلى سريرة نفسي … واستريحي إلى حنان فؤادي
فيهدأ الجميع ثم يسألها:
وأريني صحائف الدين أقرأ … بعض ما هاج سائر الحساد
فاطمة بل لتمحو سطورها
عمر - لا وربي … ولو إني لها من الأضداد
فيقول بعد ما ملكت عليه قبله
صحف كلَّها جلال رهيب … وبيان يسمو عن الأندادِ
وكتابٌ يعنو لروعة ما فيه … قساةُ القلوب والأكباد
وضياء يشع في حالكِ الشكَ … فيجلوه بالشعاع الهادي
فيقبل خباب متهللاً:
هيه يا ابن الخطاب
عمر - (مشدوهاً) من ذاك؟
ثم يراه فيقول خبَّاب؟ … ومن أي موضعٍ أنت غادي
خباب: -
كنت في صحبة ابن عمك أتلو … صحف الوحي والهدى والرشاد
ثم أقبلتَ فاخفيُت مَروعاً … من حسامٍ لديكَ غرثانَ صادي
وها قدْ أتيُتك لما هدأ … تَ وثبتَ إلى نفسك الراضية
عساكَ تصيخ إلى ما أقو … لُ وتمنحني أذْنك الصاغية
تحدث عنك النبّي الكر … يمُ وأعينه ثرَّةٌ هاميه
ونادى إله الورى أن يعزَّ … بك الدين في مكة العاصية
فهلا تمزق ثوب الضلا … لِ وهلا تفيق من الغاشية
فتتبع دين الرسول القوِ … يمَ وتنبو عن الفئة الباغية
عمر إلى من حوله:
стр. 3555
بلى سوف أهجر هذا الضلا … لَ وأنزع أسماله البالية
وألبس يا قوم ثوب الهدى … وحلة دينكم الزاهية
فيتهلل الجميع ويقول سعيد:
أجاب الإله دعاء الرسو … لِ وحقق دعوته الغالية
فقم فاعتنق دينه المرتضى … لنكبت أعداءه ثانية
(في نفسه)
لسوف يذوقون منك العذا … بَ ويُلقوْن في نارك الحامية
يخرج عمر ميمما مجلس الرسول مع صحبه فيطرق الباب:
صحابيّ - طارقٌ جاء
آخر - (وهو يسعى إلى الباب) من يدق علينا؟
عمر - عمْر
فيعود مذعورا - ما على لقائك أقْدِمْ
ثم يهيب بصحبه:
إيذعروا فقد أتى ماردُ القو … مِ وفي سيفه المنيّةُ تجثم
فيهربون ويخاطبهم حمزة غاضباً
أدخلوه فان أراد اهتداء … بعد ما لج في الضلالة أكرم
وإذا جاء بيننا يشهر السيف … ويسعى إلى النكاية حُطِّم
فيمنعهم النبي
بل دعوني ألاقِه أنا وحدي … فهو أحنى مما ترون وأرحم
يفتح له وينتحي به -
فيم يا ابن الخطاب جئت إلينا
عمر - (خاشعاً) جئت أسعى إلى الرسول لأسَلم
فيكبر النبي ويهتف أحد الصحابة -
الله أكبر عَّز الدين وانتصرت … جماعةٌ صمدوا للذل واصطبروا
فيعلم الصحابة بإسلام عمر ويقبلون فرحين مهنئين
стр. 3556
أحدهم -
يا مرحبا بحسام الله يمنعنا … من بعد ما فت فينا الخسف والصَّغَر
آخر -
يرجو بك الدين أن تسعى لنصرته … فحقق اليوم ما يرجوه يا عمرُ
وانصر رجالا أباح الأهل حرمتهم … فلم يصيبهمو في دينهم خوَرُ
عمر -
سيروا بمكة أني شاَء رائدكم … واستكثروا في بقاع الأرض وانتشروا
وأطلعوا راية الإسلام خافقة … فدون من رامها الصمصامة الذكر
من صدكم بالأذى مزقت أضلعه … ولو يكون له في أهله خطرُ
فليزدجر بخطابي كل ذي رشد … وليمتثل للردى من ليس يزدجرُ
فريد عين شوكة
стр. 3557
الحركة الأدبية في ألمانيا بعد الحرب
للأستاذ ران
مدرس اللغة الألمانية بالجامعة المصرية
- ١ -
في سنة ١٩١٨ انهارت دعائم ألمانيا على اثر حرب اضطلعت بضرامها ضد عصبة متحالفة تفوقها قوة ومنعة. ومنذ سنة ١٩١٨ إلى سنة ١٩٢٤ جازت ألمانيا غمر أعوام تفيض بالأزمات الداخلية والخارجية، فمن حروب أهلية، إلى صنوف من الذلة في السياسة الخارجية، إلى تدهور العملة، إلى جوع وقحط؛ وفعلت هذه كل شيء لتدفع الشعب المنكود إلى وهاد اليأس. وفي سنة ١٩٢٤ استحالت شئون السياسة الخارجية إلى شيء من التحسن، وثبتت العملة، واندفعت ألمانيا في دهشة الصديق والعدو، إلى تقدم اقتصادي سريع، ولبثت حالتها المادية والمعنوية حتى وقوع الأزمة الاقتصادية الكبرى ظاهرة الثبات والاستقرار.
يقابل هذين العهدين من تاريخ ألمانيا السياسي، عهدان أدبيان مما بعد الحرب. فإلى سنة ١٩٢٣، كانت تسود الثورة الأدبية والفوضى. وفي سنة ١٩٢٤ بدأ عهد من الاستجمام والدعة والرجعة. وإذا كنا نلخص أحوال هذين العهدين - مما يلي الحرب - فإنا سنقتصر طبعاً على ذكر الأسماء والحركات التي ظهرت في هذه الحقبة ذاتها؛ وسنغضي عن ذكر كثير من الشعراء والكتاب الأحياء المعروفين، إذ قد ظهر معظمهم قبل الحرب؛ وما صنع عهد ما بعد الحرب سوى أن ثبتهم في مراكزهم، ومن هؤلاء ريكارد اهوخ، وجرهاردها وبتمان، وتوماس وهينرنخ مان، وغيرهم.
- ٢ -
تعرف الحركة الأدبية الثورية في العهد الأول مما يلي الحرب عادة بأنها حركة (التعبير) وكان (التعبير) في الأصل أساساً لبرنامج جماعة من الرسامين ثاروا على فكرة (التأثير) في الرسم فاستعار الأدب من الرسم هذه الكلمة علماً له. وهي في الأدب كما في الرسم علم للثورة. وقد كانت بادئ بدء برنامج عصبة صغيرة من الشعراء والأدباء الذين حاولوا -
стр. 3558
شأن كل جيل - أن يمكنوا لطابعهم الخاص وآرائهم الخاصة، وان ينحرفوا في عنف أو هوادة عما للجيل المنصرم من مظاهر الطموح إلى الجمال. ومن هؤلاء بعض الشعراء الشبان الغنائيين الموهوبين (مثل الزه لاسكار شيلر، وارنست شتاتلر، وجود فريد بن، وفرانتس فرفل، وبخر وغيرهم) والى جانبهم بعض النقدة المنتجين الأقوياء مثل كارل اينيشتين ولودفج روبينر، وفردينايد هراديمويف. وظهر إلى جانب هؤلاء خلال هذه الحقبة أيضاً جماعة من القصصيين وكتاب المسرح مثل جستاف مايرنك مؤلف قصة (جولم) وماكس برود مؤلف (طريق تيشوبراه إلى الله) وكارل شتر نهايم، وليونهارد فرنك، وجورج كايزر، وارنست تولر، وفالتر هازنكلفر. بيد أن أهم ظاهرة في الحركة هو أنها كانت وما زالت غنائية في اتجاهها. بل إن (التعبير) كان يعني شهر النضال في سبيل الهام حر وطابع مطلق من كل قيد، أو بعبارة أخرى كان يعني ثورة العواطف والغرائز على أغلال عالم آلي مسير، وعلى الاتجاهات الفنية التي تصفدها قواعد العقل: تلك هي المبادئ التي دفعت بالحركة الأدبية سريعاً إلى الفوضى في الشكل والموضوع
كان الكاتب (المعبر) كأنه (فرتر) مبعوث، ولكن هؤلاء الثوار الجدد كانوا بالأخص يخالفون (فرتر) القديم في ميولهم الفنية كل المخالفة، على أن الميول الثورية أيام (فرتر) كما هي في ظل (التعبير) لم تكن تقف عند الفن. فقد كان البحث يتجه إلى طابع فني جديد، وكان يطمح إلى حق التدخل في أعمق ظروف الحياة الخاصة، ولكن الحركة كانت تتجه بعواملها الثورية بالأخص إلى تحطيم النظم الحكومية والاجتماعية والأخلاقية القائمة؛ كان هذا هو الجيل الذي ازدهر في معركة الطوائف قبل الحرب، وفي جحيم الحرب، وفي أحياء العمال، وفي ميدان الحرب؛ وما يكاد يعرف عالما غير عالم البطش والروعة؛ عالما يهوي الضعيف فيه إلى حضيض البؤس، ويبدو القوي عنيفا مطلق الهوى. وعلى هذا المنوال نشأت العواطف الأساسية لهذا الجيل، وهي عواطف رأفة ورثاء لضحايا هذا العالم، وعواطف طفولة، وعدم مسئولية نحو نظام اقتصادي عنيف ونظام سياسي قاهر أكثر عنفاً، وبالاختصار عواطف ثورة واستهتار. كذلك كان هذا الجيل يؤمن بالعاطفة الإنسانية التي شوهتها التقاليد والعرف. وبالخبر المحض الذي غاض في غمر من الكسل والخبث. وكانوا ككل الثوار الخياليين لا يرون في الحاضر ولا في التاريخ شيئاً غير بطش
стр. 3559
الدولة الجهنمية، وظلم الضعفاء، واضطهاد العقل والروح من طبقات سيدة لا ضمير لها ولا وازع.
وقد بدا لهم كما بدا لفوتر، أن الدين والعلم والفن قد زيفت لصالح الطبقات الغالبة. بيد أن هنالك فرقاً بين تكييف آلام الحياة في الماضي وبين تكييفه الجديد، وهي آلام تهم حركة (التعبير) فقد كان فرتر القرن الثامن عشر أيضاً يقطع علائقه مع مجتمع العصر وثقافته، ولكن بقيت له اللغة القومية، وكان يقيس خمول المجتمع بمقدار ما يضطرم في صدره من فيض البيان وعنفه، ذلك البيان الذي تلقاه من جيل إلى جيل. وكان يتلقى صلات الماضي البعيد المجيد، كما يتلقى من حاضره ما لم يغشه الفساد. وكان فرتر يرى نفسه في مرآة اللغة القومية النقية المخصبة، فإذا أخرسه الألم، أمدته بما يقول فيما يعاني. وقد بدت هذه اللغة القومية للشاعر الفتي الذي ظهر في نهاية الحرب مهيضة منهوبة، وألفاها طعمة للسادة الخاملين والطبقات الوسطى الراضية المسترقة، قد استحالت على يدهم إلى أداة خاملة خالية من المعاني
ولسنا نجد ما نقوله عن الطابع الشعري، فقد بدا شكله لهذا الجيل الفتي عليه العفاء مثلما بدت ظروف الدولة والمجتمع، وبدا له الجد والوقار كأنهما وضع مجرد منافق والجمال كأنه امتياز وضيع لرفاهة التجار الاغنياء، وان رنين العواطف قد غدا رنين لغط مجرد، أو غدا بلسما مخدرا
وقد اندفع الشعراء الغنائيون الجدد، بعوامل ترجع إلى الأحقاد الاجتماعية وإلى بعض مثل الجمال، سراعا إلى معترك من الفوضى اللفظية والفنية، ونشأ في ذلك المعترك رغم تناقصه مذهب لعبادة القبيح
وبدأ أولئك الغنائيون (المعبرون) بالخروج على كل قواعد النظم والروى وتنسيق العبارات، بل على قواعد اللفظ ذاته، وانتحلوا لأنفسهم لغة خاصة لم تكن اكثر من سلسلة طويلة من الزفرات المتقطعة والغمغمة والصياح، قد ضحى فيها اختياراً بكل منطق خارجي، وكل جمال ونبل في اللفظ، ويستحيل علينا أن نقدم هنا أمثلة، مثلما يستحيل علينا أن نترجم كتابات الفرنسيين أنصار الحقيقة المغرقة، أو شعراء اكسفورد المحدثين. ونضطر أن نحيل القارئ إلى الشعراء والكتاب الذين سبق ذكرهم. ففي هذا الضرب من
стр. 3560
الشعر كله في هذه اللغات، ينعدم كل تنسيق منطقي أو صوغ للجمال. بيد أن لهذا الأسلوب مزاياه في التأثير بما يقوم عليه من العناصر اللفظية الخاصة بكل لغة، وهي مؤثرات يفهمها كل إنسان يعرف هذه اللغة، دون أن يعني بشرحها أو ترجمتها
وقد ذهبت الثورة على المبادئ والقواعد المرعية إلى حد اقصد إلى معالجة القبيح الشاذ. نعم استعمل أولئك الشعراء الروى والقافية ولكن دون شكل ولا قاعدة، بل حولوا الوزن والتناسق إلى خلل وتنافر. ولم يكن شعر هذا العصر يمتاز فقط بالتحلل والغموض، ولكن يمتاز أيضاً بنوع من الضيق والقبح والشناعة. وليس هذا فقط فيما يتعلق بحرية التعبير، بل هو كذلك يتعلق بالميل إلى ذلك التبسط العنيف القبيح، والى ذلك اللفظ الضعيف المغصوب، فقد كان هذا الميل هو طابع الإنشاء
ويرد أنصار (التعبير) على ذلك بأسباب يرجع بعضها إلى الطموح إلى الجمال، فيقولون إن الأمر يتعلق بتجارب لفظية وصور فنية للأشياء أهملت ولم تطرق من قبل، ويرجع البعض الآخر إلى العاطفة وفلسفة التاريخ حيث يقولون أن البيان الذي أتى به عصر محطم ممزق يجب أن يقوم على شيء من الخلل والقبح والهوس، وان ميلاد عصر جديد، أو إنسان جديد كامل يقع دائماً في غمار الألم والقبح. ثم يقولون إن عين العصر الحاضر كعين ساكن جهنم في أسطورة أفلاطون لابد أن ترى اليوم قبيحاً، ما يراه عصر جديد، أنقى الانطباع والجمال.
- ٣ -
وما كان ذلك كله ليرضي غير طائفة قليلة من المفكرين الخبثاء أو الذين لا خلاق لهم. ولو لم تكن الحرب وما بعد الحرب لبقيت الحركة محصورة في هؤلاء. ولكن هذه المحاولات التي كانت تقصد إلى عدم المساس بالأذواق والمظاهر الشعبية في الفن والأدب بل تقصد إلى إثارتها، استطاعت بسبب انحلال العصر واضطرابه أن تغزو أوساطاً عظيمة
ذلك أن الرجل العادي الذي فقد صوته في جحيم الخنادق وذعر الهزيمة؛ ألفى في هذه الموسيقى الثورية المضطربة بيانه الطبيعي وبدا الأسلوب الجديد الذي صيغ سراعا في صوت الملاك، أو صوت الحيوان، ولكن لم يصغ قط في صوت الإنسان الأمثل، في نظر الجموع، أنشودة أولئك المساكين الذين كانوا يرقدون نصف عراة في الخنادق لا يفكرون
стр. 3561
في غير حياتهم، أو أنشودة أولئك المشردين المنبوذين الذين كانوا أيام الجوع يبتهجون بافتراش الغبراء وأكل الأعشاب. وقد كانت الجماهير الزاخرة، ولا سيما جمهرة المتعلمين تعتقد أن الزمن سيدور دوره. وكان الاعتقاد عميقاً سائداً بأن البراءة ستأتي أو سيأتي عصر تنهض فيه الأحوال الأخلاقية والاقتصادية. وهكذا حظيت هذه العوامل التي بعثت الخيال الجديد بظلامه وخفائه وحماقته بتأييد الجمهور. ولعل الرسالة كانت أقوى من فهم الشعراء أنفسهم وأقوى من ثروتهم اللقطية؛ وكان ثمة اعتقاد بأنها رسالة رسل أو أنبياء. ألم يكن ثمة دليل على عمق الرسالة حين تحطم الإناء تحت ثقل ما فيه؟
- ٤ -
ولقد كان ذلك الخيال الذي أقامته حركة (التعبير) ضد (التأثير) والذي كان يعم من الوجهة النظرية لصوغ الحالة النفسية من جديد، وينكر كل استقلال خارجي، بل كل شرعية خارجية وكل شكل وضعي، يلتقي مع ذلك بحاجة للوسط الذي يعني بالفلسفة، هذا إلى تلك الحساسية الدقيقة التي أذاعتها في الطبقة الوسطى فلسفة (فرويد) النفسية والتي اتجهت نحو تصوير الغرائز المضطربة والمثل النفسية
وكانت الفلسفة الألمانية الرسمية، منذ فاتحة هذا القرن تتجه بلا ريب إلى معارضة الفكرة الواقعية، أولاً على يد الأشكال المعتدلة للفلسفة الكانتية ومنذ سنة ١٩١٠ ظهرت حركة واضحة تميل نحو فلسفة واقعية روحية (وقوامها فلاسفة مثل، مينونج وهوسرل، وبعض تلاميذ مدرسة ديكرت، وحركة الأحياء الهجلية، وهنز دريش وغيرهم) بيد انه قلما كان يفرق أحد بين الواقعية والآلية، فكانت كل هذه الميول تتجه إلى إنكار الشكل والمقدار سواء في الطبيعة أو البيولوجيا أو الاجتماع.
وكانت الحركة الوطنية قبل الحرب بل وأثناء الحرب أيضاً، تعضد هذا الاتجاه، وكانت ترى في تراث أجست كونت وجون ستوارت ميل، ثقافة خصيمة تجب محاربتها. ولكن بتقدم الميول الروحية ارتد المفكرون إلى الفلاسفة الألمان القدماء: ايكهارت، بيمي، وفختى، وشلنج، وهجل
ومن اليسير أن نبرهن على أن دعاة نظرية (التعبير) قد استقوا من هذه الميول، سواء من الوجهة الشخصية. أو الوجهة المادية. بيد أن الحركتين كانتا تسيران جنباً إلى جنب في
стр. 3562
محاربة الآراء الغربية كما وضعت غالباً، وكانتا تطاردان نفس العدو في مواطن كثيرة. فمثلا نعرف جميعاً أن حركة (التأثير) التي تقاومها حركة (التعبير) كانت تتصل أوثق صلة (بالواقعية) الفرنسية وكانت الرواية والقطع المسرحية الألمانية التي أثار عليها (التعبير) أيضاً حربه العوان، في العشرة أعوام الأولى من القرن الحالي، تستقى إلى حد كبير من التعاليم الطبيعية الجبرية والاجتماعية
بيد أن الفلسفة والفن الجديد كانا يلتقيان في تمثيل (الواقعية) أما حركة (التعبير) فكانت تجعل من (الوضعية) وصوغ العبارة محور فنها، وكان الفلاسفة الجدد من جانبهم يمثلون الميل إلى تصوير العالم في صورة تفيض فيها الجوانب المادية، وتتأثل فيها العناصر المعنوية: أعني الفكرة والروح والحياة، أو تكون لها قواما
- ٥ -
ثم إن هذه الرجعية الروحية في الفلسفة قد اتخذت صورا ومناحي شتى فبدت أحياناً في الأشكال الصارمة لنظرية المعرفة والمنطق. وأحياناً في ميدان الاجتماع، وطورا في ميدان النظريات الفنية، وأحياناً في مباحث الخفاء. وهكذا استطاعت أن تمد الفن الجديد لا بنظرياته العلمية فقط، بل استطاعت أيضاً أن تمده بالصورة العالمية التي ينشدها
ولقد ظهرت هذه الآثار واضحة في الرواية والقطعة المسرحية اللتين أخرجتهما حركة (التعبير) فكلتاهما انحدرت إلى غمار الخيال المغرق. وفي عوالم محطة أو ممزقة مهلهلة يبدوا فهيا الشغف بما وراء الطبيعة، وما وراء النفس والعناصر الشيطانية الخبيثة. فأما الرواية، فقد عالجت الحوادث الخارقة، وقصص الأشباح، وأشخاص الهائمين في العالم. والعلم بالاتصال بالله؛ وكذا تشبهت الرواية بالأدب الروسي في معالجة قصص المجرمين الذين يتصفون بالصلابة الخارقة أو يزعمون الإلهام من الله، والقضاة ذوي الكبر والقلوب الغليظة، والمذنبين التائبين الذين هم أصفى قلوبا ونفوسا. وأما الرواية المسرحية فقد رسمت صور الشقاء للمعدمين الأطهار، ورسمت على العموم صورة الكفاح المتناقض بين الفكرة المستنيرة والمادة المظلمة، وشرحت الأسباب القديمة المعادة لعقوق الابناء، ومعركة الضمير التي تضطرم في صدور الشبيبة الديموقراطية السلمية التي تتنبأ للعالم بمستقبل عظيم زاهر في ظل النظام الجديد، وصورة المناظر المغرقة لمدنية عظيمة ذات معترك من
стр. 3563
الحقيقة والظاهر، والغنى، والفقر، والتسول، والمال، والرذيلة، والعالم الخفي، والعالم الأنيق، كذلك عادت الرواية المسرحية إلى معالجة موضوع القصص الدينية القديمة. ومن الصعب أن نقول إلى أي حد ترجع هذه الصور والمسائل إلى أثر الفلسفة والتيوسوفية، والى أي حد تمثل فقط الحقيقة المروعة لأيام الحرب وما بعد الحرب، وعلى أي حال فقد كانت الحقيقة هي أعظم غذاء لهذه الآثار كلها. فلما تغيرت هذه الحقيقة في سنة ١٩٢٤ غاضت هذه الآثار كما يغيض الطيف. أما في دوائر الأدب الرفيع فقد اضمحلت الحركة منذ سنة ١٩٢٢، وكانت في الواقع ظاهرة الفراغ. ذلك أن الدأب على تصوير ضعف الأخيار وبؤسهم، وكونهم يكافحون في عالم قاس أضحى نغمة قديمة مضحكة بغيضة وغدا الاشتقاق من العالم الخفي ومجتمع الفقر والرذيلة فناً سهلاً وغدا يشف من ثمرات كل عام عن ضعف ذهني سيئ. أما الرجال الذي عنوا بمعالجة مشاكل هذا العصر فقد توفروا على دراسة الاقتصاد والتاريخ والفلسفة. ومن ثم فقد انهارت دعائم هذه الحركة التي قامت فطيرة مغرقة. وكان أسلوبها الذي غفل عن الصقل والغاية أحب الأساليب إلى العاجزين. وهكذا سرعان ما غدت حركة (التعبير) لا تعني شيئاً سوى (الفقر الأدبي).
- ٦ -
بيد أن العصر الجديد (منذ سنة ١٨٢٤) عاد فأخذ يتلمس طريقه إلى التقاليد القديمة في حذر بل في روعة. ولما توطدت دعائم الظروف الاقتصادية عاد العمل والحياة فاستقاما ببطء، وعادت الأرزاق الدنيوية تسترد مكانتها وقوتها بعد أن غدا الحصول عليها ممكناً. وغاض الشعور بأن كل شيء يضطرب ويهتز؛ وأخذ الإنسان ينظم شأنه في العالم، وكان لذلك أثره في تقدم الآداب ما بين سنتي ١٩٢٤ و ١٩٣٠.
عاف الإنسان الأحلام، وأخذ يقدر الحقائق ويقدر أساتذة الكتاب. وسئم الإنسان الاتهامات الخطيرة وكذلك الوعود التي ليست أقل منها خطورة وعاد يروض نفسه على تذوق العواطف الطبيعية وعلى تقديم الجهود المحدودة ولكن السليمة. أجل، سئم الإنسان إغراق العصر الذاهب وقبحه، وأخذ يقدر احتشام العاطفة وقيمة البيان، وقضى على ذوي الغي والقصور وعاد الإنسان يطلب الصقل والتهذيب.
وإن الإنسان ليشعر في هذه الأعوام الأخيرة إلى أي حد كان أولئك الناس يغرقون في
стр. 3564
استعمال العبارات الجريئة؛ ولقد غاضت الرغبة كما غاضت الجرأة في تحري الصور الجديدة أو العنيفة أجل، كان عصر الرجعة، وعصر استرداد التقاليد الأدبية التي خلفتها القرون ولم يكن عصراً ضعيفاً ولكنه أيضاً لم يكن مضطرباً ولم يكن يتلمس طريقه في الظلام.
ولم يكن هذا الجيل أيضاً من الوجهة الخارجية جيلاً جديداً حل مكان الجيل القديم، ولكنه كان طائفة من عمر الجيل المنصرم نضجت في سكينة أو كانت أقدم وأطول عمراً. ونحن نمثل لتلك الطائفة بقصصيين مثل هانز كاروسا، والبرخت سيفر، ويوسف بونتن، ويوسف روت وأرنولد تسفايج. . فهؤلاء فياضون بالرجولة، بل انهم يبدون أحياناً شخصيات هائمة: وهم قديرون على أن ينسجوا من حوادث الحياة اليومية صوراً ينفذون إلى أعماقها ويصوغون منها اللآلئ التي توجد في كل حقيقة وفي أصغر حقيقة. وهم كتاب حقيقة، ولكن جردوا من كل النظريات الفلسفية والاجتماعية. هم كتاب قصص، وكتاب قصص فقط، لا يتجنبون المدهش الخارق ولكن ليس لديهم ما يحول دون قصده وتحريه. فإذا قصدوه تناولوه بحذر، بل بإحجام كشيء تتأثر له حقاً، ولكنه ليس مما يجب أن يكون لنا. فمثلا كتب كاروسل مذكرات عن الحرب، ولكن كل ما يورده فيها من خطوب الحرب لا يكاد يبدو بين ثنايا القصص ووصف الحوادث اليومية
كذلك كان حال الشعر في هذه الفترة؛ ونستطيع أن نمثل لها برتشارد بلنجر أو بفيلكس براون. وقد عيب على هؤلاء أنهم يغرقون في التعلق بالطبيعة، بيد أنهم لجأوا في التعبير إلى ذلك البيان الفني الذي ازدهر جيلا بعد جيل، وفيهم يشعر الإنسان بأثر شعراء المدرسة القديمة مثل جورج، وهوفمانشتال، وريلكة. ولقد كان لأولئك الشعراء القدماء شيء من لون النبوة، ولكن الشعراء الجدد تنقصهم الصياغة الفنية وكذلك كل ما يدخل في عالم التصوف أو الدين. وشعرهم صور قصيرة، ولكنهم يجانبون ذلك الغي الواضح، ويبدو في شعرهم هوى الفن والعناية بصقل العاطفة، والحرص على صوغ البيان.
وإن هؤلاء لأنبل من يمثل هذه الفترة، ولكن يوجد إلى جانبهم من يمثل الحقيقة، الخشنة، فمثلا توجد طائفة من القصصيين مثل برنو فرنك والفريد نويمان، ترعى قصص المخاطرات والعجائب، وهؤلاء يهتمون بالوقائع قبل الشكل. بيد أنهم رغم التعلق بالخوارق
стр. 3565
والمدهشات، كتاب حقيقة، لأنهم ليسوا ككتاب القصص (المعبرين) يبحثون عن المدهش في عالم من الخفاء، بل يلتزمون جانب الواقع، ويستمدون المدهش من شغف خالص بالواقع، ويستخرجون من الواقع قصصهم وغالباً أشخاصهم العنيفة المدهشة
ونستطيع ان نضع بين هؤلاء اميل لدفيج، فهو يميل إلى الخوارق والمدهشات، ولكنه يصوغها في أسلوب عادي، بل أحياناً في أسلوب ركيك مبتذل.
وينتمي إلى هذه الحقيقة الخشنة، أيضاً كتاب قصص الحرب المتأخرين، الذين نالوا حوالي سنة ١٩٣٠ شهرة عالمية، ونذكر من هؤلاء رين، وجليزر، وريمارك. فان كتبهم إنما هي وثائق، ولكنها ليست رفيعة من ناحية الفن الأدبي
ويجدر بنا أن نشير أيضاً إلى كاتب مستقل اللون ولكن يتصل بحركة التعبير، وهو الفرد ديبلن، وهو طبيب اجتماعي في برلين، ففي كتابه المسمى (برلين ميدان اسكندر) يصور وقائع حياة عامل نشأ في بيئة المدينة على نمط سينمائي، متأثراً في ذلك بأسلوب جيمس جويس
- ٧ -
وإنا لنصارح القارئ بأن ما أوردناه عن الحياة الأدبية الألمانية بعد الحرب لا يكفي إلا لشرحها بصورة موجزة جدا. فإذا كانت حركة التعبير قد اضمحلت وعفت بسرعة، وإذا كانت النزعة الجديدة إلى الحقيقة برغم ما أنتجت من مواهب قليلة لم ترتفع إلى اكثر من مستوى متوسط، فليس علينا أن نعتقد أن الحياة الأدبية في هذه الفترة كانت ضئيلة. ولقد تحدثنا فيما قبل عما وجه من الاهتمام ولا سيما من جانب الطبقات الوسطى إلى مسائل هذا العصر الفلسفة والسياسة، وقلنا أن حركة التعبير لم تصمد لأن مناهجها لم ترق في عين المفكرين الحقيقيين، وأنها اتخذت للتعبير عن الأزمة الفكرية التي هزت أركان بلاد العالم كلها بلا استثناء، وهزت الرأي العام الألماني حتى بعد سنة ١٩٢٤ بما اقترن بها من الضغط السياسي والاقتصادي.
ولقد كانت المصائب المادية التي ترتبت على الهزيمة سبباً في أن هذه الأزمة العقلية وقعت في ألمانيا قبل أن تقع في غيرها من أمم أواسط أوربا وغربها وفي أنها ربما كانت أعم وأعمق أثراً. اجل لقد حولت هذه الهزيمة ألمانيا في بضعة أشهر من أقوى دولة في أوربا
стр. 3566
وأحسنها نظاماً إلى بلد يمزقه الجوع والحرب الأهلية، وقد بينا أن حركة التعبير إنما كانت ثمرة لما وقعبألمانيا من تحطيم جميع الملكيات والضمانات وانهيار الطبقات، وتحطم جميع مثلها الوطيدة، وهي ريح لم يقف عصفها بالجندي المحارب، ولكنها شملت جميع السكان قاطبة. كذلك كانت هذه المصائب سببا في حمل جميع الطبقات خلال هذه الأعوام، على الاهتمام بالدين والفلسفة والسياسة. ولما أن ثقلت هموم الحياة، لم يبق للفن سوى القليل، وهذا هو السر في كون هذه الصورة التي قدمناها من قبل تبدو ضئيلة عجفاء، كذلك الحركة العلمية عانت من هذه الظروف، فقد كانت من قبل تجد في ألمانيا تحت تصرفها احسن القوى، ولكن أولئك الرجال ألفوا أنفسهم عندئذ يواجهون تلك المسائل الفكرية والسياسية التي لا تدع بعد مجالا للعمل الهادئ المنظم، وغدا من الضروري قبل أن يستأنفوا عمل الجيل القديم ويسيروا به أن ينظموا أراءهم العلمية وأن يجربوها من جديد. كذلك تطور كثير مما يتلقاه الطالب في الجامعة من العلم الوضعي ولم يبق ذا أهمية علمية فقط، بل غدا أيضاً ضروريا لمعالجة المسائل الماسة التي أتى بها الحاضر. صحيح أن الألماني الفتى كان يهضم العلم كما كان يهضمه من قبل، ولكن لا ليسير في البناء بادئ بدء، بل ليجد لنفسه مكانه الخاص في ذلك المعترك الفكري
كانت تقوم في كل مكان جماعات عاملة تضطرم جميعاً بهذه المسائل التي لا نهاية لها؛ واقترنت بقيامها حركة أدبية معينة؛ كذلك لا يكاد يوجد اليوم في فرنسا أو إنكلترا كاتب كبير لم يشترك بكتاب وضع أو أكثر في معالجة المسائل التي شغلت ذلك العصر. كذلك اشترك جميع الكتاب الألمان الذين ظهروا قبل الحرب بهذه الوسيلة في معالجة مسائل ما بعد الحرب؛ وكان ذلك نذير التجدد والفتوة. كذلك تحول كثير من هؤلاء الكتاب من روائيين متشككين إلى نوع من العطف والاشتراك في الشعور مع معاصريهم ونذكر بعض هؤلاء؛ فقد عنى (هرمان هيسه) مثلا بمشكلة الشباب وعنى (يعقوب فاسرمان) بجموح الطبقات الوسطى الجديدة وغطرستها وعنى (اوتوفلاكه) بأزمة الزواج، وعنيت (ريكاردا هوخ) بشرح صور الإخلاص والتصوف الألماني بطريقة جديدة. واخرج توماس مان، القصصي الشهير ما قبل الحرب، عددا من القصص الصغيرة التي لا موضع للكلام عنها هنا، وهي في مستوى إنتاجه قبل الحرب. بيد انه إلى جانب ذلك تحدث إلى أمته حديث
стр. 3567
المربي، وقد عرفته من قبل وصافا للأسر الذاهبة والشخصيات الضعيفة. وتحدث بشجاعة ولكن بتحيز دائماً عن (ضرورات العصر) مشيرا بذلك إلى المسائل الشائكة الخاصة بنظام الدولة والمسائل الخارجية وكذلك معنى النفسية الجديدة؛ وتحدث بالأخص عن تقاليد الفن والحياة؛ عن تراث القرن التاسع عشر كله من جيته إلى فاجنرونيتشه ثم إلى الروس. وفي سنة ١٩٢٤ ظهرت روايته التهذيبية الكبيرة (جبل الساحر) وهي رواية في الظاهر فقط، ولكنها في الأصل صورة لأوربا في أحوال صمتها ومرضها ونقاهتها، وضعت في شكل مناقشة بين جماعة من الشخصيات الأوربية ذهبت بسبب المرض أو غيره إلى آكام دافوس (في سويسرا).
- ٨ -
كذلك اشترك في هذا الجدل علماء مثل ماكس فيرومكس ترلنش. بيد أنه قد اضطلع بأعظم قسط من هذا الجدل طائفة من الشخصيات ليست من رجال العلم ولا من رجال الفن، ولكنهم كفلاسفة مستقلين استخلصوا جميع التقاليد، وتحدثوا عن طوالع العصر على نحو ما فعل تاين في فرنسا عقب كارثة سنة ١٨٧٠. ومن الحيف أن نصف هؤلاء الرجال بأنهم فنانون أو علماء، فقد فسروا العلوم الطبيعية والتاريخية في عصرهم بطريقة فلسفية سياسية. ومثل هذه الجهود لا يمكن أن تخلو من العيب، فهي تتطلب كثيرا من المعارف الشخصية وقوة التناسق، والنظر إلى الحقائق ومقدرة كبيرة على التنبؤ: بيد أنه إذا كان الشخص المستقل يبالغ في تقدير كفايته في هذا الميدان، فكذلك يجب ألا ننسى أن مرحلة التطور لا يمكن أن تحل دون أن تبذل هذه الجهود للتطلع إلى كل شيء
ونستطيع أن نذكر ماكس شيلر، ولدفيج كلاجي، بين الذين أسسوا فلسفة جديدة في علم طبائع الإنسان
وقد كان كتاب أزوالد شبنجلر (انحلال الغرب) أشد ما يمثل هذه الطائفة. وهو كتاب أسوأ ما فيه عنوان. وقد اعتبر مع ما فيه من العيوب أعظم حادث أدبي في الحركة الأدبية الألمانية بعد الحرب
وفي هذا الكتاب يدرس شبنجلر قوانين النمو والانحلال في التاريخ، ويشرح بصفة عامة الأشكال التاريخية بأسلوب الدرس المقارن في العلوم الطبيعية في أصول الاصطلاحات
стр. 3568
الخاصة بالنبات والحيوان، ويتناول في بحثه كل ما يتصل بمصير الإنسان وطالعه، سواء من ناحية الدولة أو من ناحية المجتمع، وكذا من ناحية الفنون والعلوم الرياضية بنوع خاص. ويعتقد شبنجلر أنه قد استطاع بهذا العرض أن يطلع مواطنيه على المكان الذي يستأنف من التاريخ سيره، وعلى واجبات العصر الذي سيلي، ومصاير القرن الآتي. بيد أن شبنجلر لم يكن بالطبع أستاذاً في جميع العلوم التي تناولها بحثه، ويستطيع الإنسان دون جهد أن يحصي عليه الخطأ في كل خطوة. وقد أنكر العلم والفلسفة كتابه، ولكنه يعتبر مع ذلك إنجيلا لعصره وفيه مزايا لا تنكر. وإذا كانت روحه ثقيلة الوطأة، فأنه في ذاته مسهل الآراء، مبسط العلم، ذو بيان سلس قوي. كذلك يعتبر الكتاب من الناحية المعنوية قوي الحجة ينم عن أبدع الخواص الألمانية. وقلما أنكر على الألمان انهم يعرفون كيف يواجهون القدر المحتوم مواجهة الأبطال، فكتاب شبنجلر ينفس من أوله إلى آخره هذا الرضوخ الرفيع الرائع للقدر
والى جانب شبنجلر نجد الكونت كايزرلنج مؤسس أكاديمية الحكمة في (دارم شتات) وهو محلل قدير لحضارات العالم وأديانه وفي مذكرات سياحاته: وفي دراساته عن أمريكا وعن الشعوب الأوربية نجد نوعا من دائرة معارف تتناول كل المسائل التي تهم الألمان بنوع خاص والأوربيين بنوع عام، منذ أن قربت السياسة الحديثة والاقتصاد الحديث بين تقاليد القارات العظيمة ورسالاتها وهذه الدراسات صورة قوية لكفاح الشباب الألماني ضد مؤثرات العالم الخارجي. ففي مئات الكتب وفي آلاف الجماعات، يتجه البحث إلى بيان أصل الإنسان، وما له من ماضيه الخاص، وما كسبه من الأمم الأخرى. وقد ظهر أثر هذه البحوث في المسائل السياسية وكان يشتد كلما تقادم العهد على الحرب، وذلك في نفس الوقت الذي تطورت فيه الحركة الأدبية من التعبير إلى الحقيقة، وأخذ الاهتمام يتجه من التحليل والمباحث الدينية والمثل الخيالية إلى ناحية الماضي القومي والى ناحية الشئون السياسية والعملية
ولا يسمح المقام بأن نصف هذه الحركة في دقائقها ولا أن نتتبعها إلى يومنا، ذلك أنا لا نستطيع أن نغضي عن العنصر السياسي تمام الإغضاء. فمن الواجب أن نبين مثلا أي قوى غنمتها المثل الخصيمة للديموقراطية، وكيف أن التقاليد الأدبية، والتصوف الأدبي
стр. 3569
الجديد، مالت إلى جانب الأحزاب غير الديموقراطية.
وقد كان مما له أهمية سياسية أن الطوائف الحرة ذاتها كانت تتلقى المؤثرات الأدبية الرفيعة القوية التي تهيئها لإنشاء مجتمع جديد غير ديموقراطي متدرج في الطبقات وإلى نظم جديدة للدولة.
ولا يسعنا قبل كل شيء أن نغض عن الأثر الذي خلفه شتيفان جورج، وهو شاعر كبير ذو مكانة هامة نبغ قبل الحرب، ولكنه لم يرتفع إلى ذروة التأثير في الطبقة الرفيعة إلا منذ الحرب، ولو شئنا أن نصف آثاره المنظورة وغير المنظورة لاقتضى ذلك فصلا بأسره، وآثاره فنية وأخلاقية وسياسية، فلنتصور شاعراً مضطرم الشاعرية ذا أسلوب صارم في نفس الوقت، كأنه في دائرة فنه نوع من القسس يعمل بروح القس. أجل لنتصور قسا كأولئك القسس الذين عاشوا منذ أربعة آلاف عام في مصر، وكان لهم إلى جانب التأثير الكهنوتي، أثر سياسي. ولقد لبث أثر شتيفان جورج السياسي خفياً غير منظور. أما أثره الفني والأخلاقي فيبدو بالعكس منذ عشرة أعوام في كتب تلاميذه. ونذكر على سبيل التمثيل كتاب جوندولف عن جيته وكتاب برترام عن نيتشة
- ٨ -
ولا يدرك سوى أولئك الذين عاشوا خلال هذه الحركات المتباينة وعملوا معها. كيف أن العصر لم يكن خاملاً ولا مندثراً، وليس من الحق أن نصر على أن العصر كان خلواً من الآثار الأدبية الرفيعة. وإذا كان هذا العصر ينقصه التناسق وتنقصه العبقريات الأدبية الممتازة، فذلك يرجع إلى أنه عصر جدل شاق بين المثل القديمة والمثل الجديدة. وفي غمار هذا الجدل الذي اشترك فيه كل إنسان سر طرافته، بل وسر عظمته، وسنرى في المرحلة المقبلة. إذا كان عصر تعليم وغرس لجني جديد.
كتبت للرسالة خاصة
(ترجمها) (ع)
стр. 3570
الموسيقى عند العرب
للأستاذ قدري حافظ طوقان
مقدمة
قد يعجب البعض وقد يؤدي هذا العجب إلى القول: ما علاقة صاحب هذا المقال بالموسيقى؟ وهل هذا الفن يقع في دائرة اختصاصه حتى يتمكن من الكتابة فيه؟ وما هي الفائدة التي ستعود على القراء إذا عرفوا أن للعرب أو للمسلمين فضلا فيه؟ ولماذا كل هذا الاهتمام بتراث السلف الذين مضوا بخيرهم وشرهم؟ أما آن الأوان للاهتمام والانعكاف على شيء جديد حاضراً لنفع ممتع؟ أجوبتي على هذه الأسئلة ستكون بالجملة! فإجابة على السؤالين الأولين أقول إن الموسيقى هي من بحوث الصوت، والصوت فرع من فروع علم الطبيعة، وعلم الطبيعة هذا في العلوم التي نشتغل بها ونهتم بماضيها وحاضرها، بتطورها ونموها. وأما الجواب على الأسئلة الباقية فيمكن أن يتخلص في أن الأمة التي تريد أن تصل إلى ما تصبو إليه من تقدم وسؤدد يجب أن تهتم بماضيها، وأن تربطه بحاضرها، وان تأخذ من الحضارة الحالية ما فيها من عناصر صالحة وبالقدر الذي يتلاءم ونفسيتها وتقاليدها بحيث لا يضيع شيء من مميزاتها، وان تضيف هذا إلى ما في حضارتها من عناصر خالدة، بذلك تستطيع أن تخرج حضارة جديدة تمد سلسلة التاريخ الفكري للعالم، وبذلك تكون قد قامت بواجبها نحو تاريخها وتراثها ونحو المدنية والبشرية
نبذة في أطوار الموسيقى
الموسيقى من الفنون الجميلة ومن أهم العوامل التي تترجم عن نفسية الأمة وطبائعها، وهذا الفن طبيعي في البشر، فالإنسان يرغب في الموسيقى يطرب منها وترتاحنفسه لها، وهي لغة العواطف، وقد تكون هي الوحيدة من بين الفنون التي يطرب لها الحيوان. هذا الميل الغريزي في الإنسان دفعه إلى الاعتناء بها فاهتم لها المصريون من قديم الزمن وبلغوا فيها شأواً بعيداً، وأبدع فيها اليونانيون وأحلوها محلها من الاعتناء والاهتمام، وكذلك الرومان فانهم اعتنوا بها فأخذوها عن اليونان وزادوا عليها؛ وفي الشرق اهتم لها الصينيون واليابانيون وبرعوا فيها واخترعوا آلات كثيرة من ذوات الأوتار، وظهر منهم من انتقد
стр. 3571
الموسيقى الأوروبية، هذا في الشرق الأقصى، أما الفرس فاحتقروها في بادئ الأمر وترفع أعيانهم عن تعاطيها، ولكن لم يلبث هذا الاحتقار وهذا الترفع أن حل محلها العناية والاعتبار، فألفوا أنغاماً بديعة التوقيع واخذ عنهم العرب كثيراً، يدلنا على ذلك تسمية الألحان العربية بأسماء فارسية كما أخذوا أيضاً عن البيزنطيين، وهؤلاء (البيزنطيون) وأهل فارس بدورهم أخذوا عن الموسيقى العربية. ولم يكتف العرب بذلك بل ترجموا كتب الموسيقى لليونان والهند ودرسوها، وبعد أن نقحوها هي وغيرها زادوا عليها، فألفوا في ذلك المؤلفات القيمة، وجمعوا بين ألحانهم والحان اليونان والفرس والهنود، واستنبطوا ألحاناً جديدة لم تكن معروفة فضلا عما اخترعوه من الآلات. ولا يظنن القارئ أن في وسعي أن اسرد تفصيلا تاريخ الموسيقى العربية والأدوار التي مرت عليها فهذا ما لا طاقة لي به، وسأعمل جهدي في هذا المقال أن أعطي فكرة بسيطة عن الموسيقى العربية من حيث قواعد أنغامها وترتيب ألحانها ومن حيث وزنها الموسيقي وآلاتها القديمة والكتب المؤلفة فيها. . .
الأنغام والألحان والوزن الموسيقي
إن كلمة موسيقى مأخوذة عن اليونانية، ومعناها تأليف الألحان، والموسيقى (علم يعلم به النغم والإيقاع وأحوالها وكيفية تأليف اللحون وإيجاد الآلات الموسيقية)
إن الأصوات الموسيقية درجات أو أبراج متتابعة، الواحدة فوق الأخرى إلى عدد غير متناه، والأبراج الأصلية عند العرب تبتدئ بالياكاه، فعشيران، فعراق، فرست، فدوكاه، فسيكار، فجهاركاه، ويقال لها ديوان، وفوق هذا الديوان ديوان آخر له أبراج النوى؛ فالحسيني، فالاوج، فالماهور، فالمحير، فالبزرق، فالماهوران، وما ارتفع عن ذلك فهو جواب لما يقابله في الديوان الذي تحته وهكذا. وبين هذه الأبراج فسحات يختلف بعضها عن بعض في الكبر؛ وقد قسمها العرب إلى كبيرة، وتتألف من أربعة أرباع، وصغيرة مؤلفة من ثلاثة أرباع، ويحتوي الديوان على أربعة وعشرين ربعاً، وتختلف الألحان، العربية واختلافها يرجع لأسباب، منها طبقة النغم واختلاف الإيقاع وتعويض الأبراج وتضعيف الألحان، وبعض هذه يحتاج إلى قليل من الشرح، فطبقة النغم هي الانتقال في سلم برج من الأبراج صعوداً ونزولا مع حفظ المساحات التي يتغير النغم بتغيرها،
стр. 3572
وتعويض الأبراج هي تعويض بالأبراج بارباع، وتضعيف الألحان هو الإيقاع على برج يكون جواباً لما تحته، والصعود والنزول على سلمه بحيث يبقى الجواب طبقة للنغم، ولهذا يتضاعف الصوت. وكان للعرب عشرة أنغام يبتدئ كل منها على برج من أبراج الديوان فتفرع منه أنغام فرعية، هذا من جهة الأنغام والالحان، وأما من جهة الوزن الموسيقي فاكتفي بالقطعة الآتية، وقد أخذتها من المجلد التاسع عشر من مجلة المقتطف. (الوزن الموسيقي هو مجموع ضربات منفصلات بعضها عن بعض بأوقات محدودة في القياس، وطبقا للنسبة والمكان فيمكن الإنسان أن يوقع مقطعين بسيطين بضربتين فقط، لكن الوقت يختلف بين أجزائها فمرادفة المقاطع تكون إما متساوية أو غير متساوية، فالمتساوية هي مراجعة الضربات بطريقة لا نشعر بها مراجعة الأوتار بشرط أن يطول الوقت عند نهاية كل مجموع من الضربات أكثر من غيره، فلو حدث اختلاف بين المجموعات ولو بضربة واحدة شذ القياس وفسدت المساواة، ومجموع الضربات المتساوية الأوقات يسمى الوزن المجموع، وغير المتساوية المقسوم. وإذا قصر الوقت بين الضربات المتساوية حتى لا يمكن قسمتها بعد ذلك يسميها الفارابي (الهزج السريع)، وإذا تضاعف الوقت بين الضربات يسميه (الهزج الخفيف)، أو كانثلاثة أضعاف (فالهزج الثقيل الخفيف) وهو يقابل الوتد المجموع، أو أربعة أضعاف، (فالهزج الثقيل) وما زاد على ذلك من الأوقات فنضع له الأسماء التي نختارها بشرط أن تختص بالوزن المجموع. وهذا كله يقابل تقسيم الأوقات في الموسيقى الإفرنجية. . .)
العرب عمليون
وقد طبق العرب مبادئ علم الطبيعة على الموسيقى، وكانوا دائماً في نظرياتهم الموسيقية عمليين، فلا يقبلون نظرية إلا بعد التثبت منها عملياً، ويعترف فارمر أن علماء العرب لم يأخذوا بآراء الذين سبقوهم (حتى ولو كان نجم السابقين مضيئاً وعالياً) إلا بعد أن يتثبتوا منها عملياً، والمعترف به عند علماء الفرنجة أن ابن سينا والفارابي وغيرهما من علماء المسلمين زادوا على الموسيقى اليونانية وادخلوا عليها تحسينات جمة، وان كتاب الفارابي لا يقل عن (إن لم يفق)، الكتب اليونانية الموسيقية. وثبت أن العرب أجادوا في بحوث التموجات الكرية للصوت. وفوق ذلك فقد زاد زرياب، وتراً خامساً بالأندلس وكان للعود
стр. 3573
أربعة أوتار على الصنعة القديمة التي قوبلت بها الطبائع الأربع فزاد عليها وتراً خامساً أحمر متوسطا، ولون الأوتار وطبقها على الطبائع وهو الذي اخترع مصراب العود من قوادم النسر فكانوا قبله يضربون بالخشب.
الآلات الموسيقية
لا نستطيع أن نسرد كل الآلات الموسيقية التي كانت معروفة عند العرب، ولهذا نذكر أهمها، ولكن قبل ذلك نود أن نلفت النظر إلى أن العرب اعتنوا بصناعة آلات الموسيقى، وكانوا ينظرون لهذه الصناعة نظرهم إلى الفن الجميل، وقد كتبت عدة رسائل في ذلك واشتهرت مدينة أشبيلية بها. وقد جمع المسلمون آلات غناء كثير من الأمم كالفرس والأنباط والروم والهند واستخرجوا من ذلك آلات تلائم أذواقهم وميولهم، أضف إلى ذلك ما أضافوه واخترعوه من شتى الآلات، فمن الآلات التي كانت معروفة عندهم: الارغانون، والبزق، والطبلة، والدف، والشلياق، والقيثارة، والطنبور والعنق والرباب والمعزفة والشهروذ (وقد اخترع الأخيرة حكيم بن أحوص السفدي ببغداد) والعود، وله خمسة أوتار أعلاها البم والثاني المثلث والثالث المثنى والرابع الزير والخامس الحد، وتترتب هذه الأوتار بصورة مخصوصة بحيث يعادل كل وتر ثلاثة أرباع ما فوقه، والمسافة التي بينهما تعدل ربعاً، ويقال أن الفارابي اخترع الآلة المعروفة بالقانون، فهو أول من ركبها هذا التركيب، ولا تزال عليه إلى الآن، وهو الذي اصطنع آلة مؤلفة من عيدان يركبها ويضرب عليها وتختلف أنغامها باختلاف تركيبها، يحكى انه كان مرة في مجلس سيف الدولة فسأله هل تحسن صنعة الغناء؟ فقال نعم (ثم اخرج من وسطه خريطة ففتحها واخرج منها عيداناً وركبها ثم لعب بها فضحك منها كل من كان في المجلس، ثم فكها وركبها تركيباً آخر ثم ضرب عليها فبكى كل من كان في المجلس، ثم فكها وغير تركيبها وضرب عليها ضرباً آخر فنام كل من كان في المجلس حتى البواب فتركهم نياماً وخرج. . .). واصطنع الزلام آلة موسيقية من الخشب تعرف بالناي أو المزمر الزلامي، وأدخل زلزل عود الشبوط كما ادخل الحكم الثاني تحسيناً على تركيب البوق
كتب العرب في الموسيقى
стр. 3574
للعرب مؤلفات قيمة في الموسيقى بلغ بعضها الذروة، وكانت (ولا تزال) من المصادر المعتبرة جدا في تاريخ الموسيقى وتطورها، وقد يكون كتاب مروج الذهب للسعودي وكتاب الأغاني للأصفهاني من أكثر الكتب بحثا وكتابة في اشتغال المسلمين والعرب في الموسيقى، وفي أشهر موسيقييهم وما يتصل بهؤلاء من طريف الحوادث ولذيذ الأخبار. ويرجع أن الكندي أول من كتب في نظرية الموسيقى، وكتبه فيها هي: الرسالة الكبرى في التأليف، كتاب ترتيب الأنغام، كتاب المدخل إلى الموسيقى، رسالة في الإيقاع، رسالة في الأخبار عن صناعة الموسيقى. وكتب في ذلك أيضاً منصور ابن طلحة بن ظاهر والرازي وقسطا بن لوقا البعلبكي والسرخسي، وللأخير كتاب الموسيقى الكبير، وكتاب الموسيقى الصغير، وكتاب المدخل إلى علم الموسيقى، وللفارابي كتاب الإيقاعات، وكتاب أخر اسمه كتاب الموسيقى، وهو من أشهر الكتب، ويقول عنه سارطون (إنه أهم كتاب ظهر في الشرق يبحث في نظرية الموسيقى) ولثابت بن قرة رسالة في فن النغم، ولأبي الوفاء مختصر في فن الإيقاع، وأبدع ابن سيناء في الكتابة عن الموسيقى وله فيها مؤلفات منها: الفن الثامن من كتاب الشفاء وهو الموسيقى، وفيه ست مقالات ولكل منها فصول، والفن الثالث من الجملة الثالثة من كتاب الشفاء، وكتاب الموسيقى. وهذا الكتاب يدور على مواضيع الأصوات والأبعاد والأجناس والجموع والإيقاع والانتقال والصنج والشاهرورد والطنبور والمزمار ودسانين البربط وتأليف الألحان. وللشيخ شمس الدين الصيداوي كتاب في الموسيقى تستخرج منه الأنغام، اكثره شعر، وفيه كلام على بحور الشعر والأوزان ودوائر البحور، ولصفي الدين عبد المؤمن البغدادي كتاب الرسالة الشرفية في النسب والتأليفية، وهو مقسوم إلى مقالات وفصول. ولصفي الدين الأموي كتاب الأدوار في الموسيقى وينقسم إلى خمسة عشر فصلا، وفيه صورة عود وصورة آلة قائمة الزويا تسمى نزهة، واشتهر هذا الكتاب كثيراً وبقى قروناً كثيرة المعين الذي استقى منه المؤلفون في الموسيقى. ولمحمد بن محمد بن احمد الذهبي الجزيري ابن الصباح شرح على كتاب في علم الموسيقى ومعرفة الأنغام، وكذلك لأبن زيلا وابن الهيثم وأبي الصلت أمية، والنقاش والباهلي وأبي المجد وعلم الدين قيصر ونصير الدين الطوسي مؤلفات قيمة، بعضها عديم المثال. وظهر في الأندلس عدد لا يستهان به ممن كتبوا في الموسيقى وأجادوا في ذلك
стр. 3575
إجادة أوصلت هذا الفن إلى درجة عالية، فمن الذين اشتغلوا وكتبوا فيها: ابن فرناس والمجريطي والكرماني وأبو الفضل ومحمد بن الحداد وابن رشد وابن السبعين والرقواطي وغيرهم، وأنشأ صفي الدين عبد المؤمن الأموي مدرسة لتعليم الموسيقى وتخرج منها عدد غير قليل من العلماء الذين استطاعوا أن يتقدموا خطوات بعلم الموسيقى، اشتهر منهم شمس الدين بن مرحوم ومحمد بن عيسى ابن كرا، وهناك كتب عديدة لم يذكر فيها اسم مؤلفيها ككتاب الميزان وعلم الأدوار والأوزان وهو مبني على كتاب الأدوار المار ذكره ومقسوم إلى ستة أبواب في ماهية الموسيقى وماهية النغم المطلق والأوتار والمواجب ومعرفة الشدود والأوزان وأسماء الدساتين والإيقاع. وفي كتاب رسائل إخوان الصفا بحث في الموسيقى موجود في الرسالة الخامسة من القسم الرياضي، وهذه الرسالة مقسمة إلى أربعة عشر باباً وهي تبدأ بصفحة ١٣٢ وتنتهي بصفحة ١٨٠، ومن يرغب في الاطلاع على ما كتب في كل باب فليرجع إلى الكتاب المذكور ففيه تفصيل وكفاية، وإذا أردنا أن نعدد الذين نبغوا في فن الموسيقى وكتبوا فيه حتى القرن الرابع عشر للميلاد يطول بنا المطال وقد يخرج مقالنا هذا عن القصد.
نابلس
قدري حافظ طوقان
следующие страницы →