← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

الموسيقى الأوروبية، هذا في الشرق الأقصى، أما الفرس فاحتقروها في بادئ الأمر وترفع أعيانهم عن تعاطيها، ولكن لم يلبث هذا الاحتقار وهذا الترفع أن حل محلها العناية والاعتبار، فألفوا أنغاماً بديعة التوقيع واخذ عنهم العرب كثيراً، يدلنا على ذلك تسمية الألحان العربية بأسماء فارسية كما أخذوا أيضاً عن البيزنطيين، وهؤلاء (البيزنطيون) وأهل فارس بدورهم أخذوا عن الموسيقى العربية. ولم يكتف العرب بذلك بل ترجموا كتب الموسيقى لليونان والهند ودرسوها، وبعد أن نقحوها هي وغيرها زادوا عليها، فألفوا في ذلك المؤلفات القيمة، وجمعوا بين ألحانهم والحان اليونان والفرس والهنود، واستنبطوا ألحاناً جديدة لم تكن معروفة فضلا عما اخترعوه من الآلات. ولا يظنن القارئ أن في وسعي أن اسرد تفصيلا تاريخ الموسيقى العربية والأدوار التي مرت عليها فهذا ما لا طاقة لي به، وسأعمل جهدي في هذا المقال أن أعطي فكرة بسيطة عن الموسيقى العربية من حيث قواعد أنغامها وترتيب ألحانها ومن حيث وزنها الموسيقي وآلاتها القديمة والكتب المؤلفة فيها. . . الأنغام والألحان والوزن الموسيقي إن كلمة موسيقى مأخوذة عن اليونانية، ومعناها تأليف الألحان، والموسيقى (علم يعلم به النغم والإيقاع وأحوالها وكيفية تأليف اللحون وإيجاد الآلات الموسيقية) إن الأصوات الموسيقية درجات أو أبراج متتابعة، الواحدة فوق الأخرى إلى عدد غير متناه، والأبراج الأصلية عند العرب تبتدئ بالياكاه، فعشيران، فعراق، فرست، فدوكاه، فسيكار، فجهاركاه، ويقال لها ديوان، وفوق هذا الديوان ديوان آخر له أبراج النوى؛ فالحسيني، فالاوج، فالماهور، فالمحير، فالبزرق، فالماهوران، وما ارتفع عن ذلك فهو جواب لما يقابله في الديوان الذي تحته وهكذا. وبين هذه الأبراج فسحات يختلف بعضها عن بعض في الكبر؛ وقد قسمها العرب إلى كبيرة، وتتألف من أربعة أرباع، وصغيرة مؤلفة من ثلاثة أرباع، ويحتوي الديوان على أربعة وعشرين ربعاً، وتختلف الألحان، العربية واختلافها يرجع لأسباب، منها طبقة النغم واختلاف الإيقاع وتعويض الأبراج وتضعيف الألحان، وبعض هذه يحتاج إلى قليل من الشرح، فطبقة النغم هي الانتقال في سلم برج من الأبراج صعوداً ونزولا مع حفظ المساحات التي يتغير النغم بتغيرها،

стр. 3572

وتعويض الأبراج هي تعويض بالأبراج بارباع، وتضعيف الألحان هو الإيقاع على برج يكون جواباً لما تحته، والصعود والنزول على سلمه بحيث يبقى الجواب طبقة للنغم، ولهذا يتضاعف الصوت. وكان للعرب عشرة أنغام يبتدئ كل منها على برج من أبراج الديوان فتفرع منه أنغام فرعية، هذا من جهة الأنغام والالحان، وأما من جهة الوزن الموسيقي فاكتفي بالقطعة الآتية، وقد أخذتها من المجلد التاسع عشر من مجلة المقتطف. (الوزن الموسيقي هو مجموع ضربات منفصلات بعضها عن بعض بأوقات محدودة في القياس، وطبقا للنسبة والمكان فيمكن الإنسان أن يوقع مقطعين بسيطين بضربتين فقط، لكن الوقت يختلف بين أجزائها فمرادفة المقاطع تكون إما متساوية أو غير متساوية، فالمتساوية هي مراجعة الضربات بطريقة لا نشعر بها مراجعة الأوتار بشرط أن يطول الوقت عند نهاية كل مجموع من الضربات أكثر من غيره، فلو حدث اختلاف بين المجموعات ولو بضربة واحدة شذ القياس وفسدت المساواة، ومجموع الضربات المتساوية الأوقات يسمى الوزن المجموع، وغير المتساوية المقسوم. وإذا قصر الوقت بين الضربات المتساوية حتى لا يمكن قسمتها بعد ذلك يسميها الفارابي (الهزج السريع)، وإذا تضاعف الوقت بين الضربات يسميه (الهزج الخفيف)، أو كانثلاثة أضعاف (فالهزج الثقيل الخفيف) وهو يقابل الوتد المجموع، أو أربعة أضعاف، (فالهزج الثقيل) وما زاد على ذلك من الأوقات فنضع له الأسماء التي نختارها بشرط أن تختص بالوزن المجموع. وهذا كله يقابل تقسيم الأوقات في الموسيقى الإفرنجية. . .) العرب عمليون وقد طبق العرب مبادئ علم الطبيعة على الموسيقى، وكانوا دائماً في نظرياتهم الموسيقية عمليين، فلا يقبلون نظرية إلا بعد التثبت منها عملياً، ويعترف فارمر أن علماء العرب لم يأخذوا بآراء الذين سبقوهم (حتى ولو كان نجم السابقين مضيئاً وعالياً) إلا بعد أن يتثبتوا منها عملياً، والمعترف به عند علماء الفرنجة أن ابن سينا والفارابي وغيرهما من علماء المسلمين زادوا على الموسيقى اليونانية وادخلوا عليها تحسينات جمة، وان كتاب الفارابي لا يقل عن (إن لم يفق)، الكتب اليونانية الموسيقية. وثبت أن العرب أجادوا في بحوث التموجات الكرية للصوت. وفوق ذلك فقد زاد زرياب، وتراً خامساً بالأندلس وكان للعود

стр. 3573

أربعة أوتار على الصنعة القديمة التي قوبلت بها الطبائع الأربع فزاد عليها وتراً خامساً أحمر متوسطا، ولون الأوتار وطبقها على الطبائع وهو الذي اخترع مصراب العود من قوادم النسر فكانوا قبله يضربون بالخشب. الآلات الموسيقية لا نستطيع أن نسرد كل الآلات الموسيقية التي كانت معروفة عند العرب، ولهذا نذكر أهمها، ولكن قبل ذلك نود أن نلفت النظر إلى أن العرب اعتنوا بصناعة آلات الموسيقى، وكانوا ينظرون لهذه الصناعة نظرهم إلى الفن الجميل، وقد كتبت عدة رسائل في ذلك واشتهرت مدينة أشبيلية بها. وقد جمع المسلمون آلات غناء كثير من الأمم كالفرس والأنباط والروم والهند واستخرجوا من ذلك آلات تلائم أذواقهم وميولهم، أضف إلى ذلك ما أضافوه واخترعوه من شتى الآلات، فمن الآلات التي كانت معروفة عندهم: الارغانون، والبزق، والطبلة، والدف، والشلياق، والقيثارة، والطنبور والعنق والرباب والمعزفة والشهروذ (وقد اخترع الأخيرة حكيم بن أحوص السفدي ببغداد) والعود، وله خمسة أوتار أعلاها البم والثاني المثلث والثالث المثنى والرابع الزير والخامس الحد، وتترتب هذه الأوتار بصورة مخصوصة بحيث يعادل كل وتر ثلاثة أرباع ما فوقه، والمسافة التي بينهما تعدل ربعاً، ويقال أن الفارابي اخترع الآلة المعروفة بالقانون، فهو أول من ركبها هذا التركيب، ولا تزال عليه إلى الآن، وهو الذي اصطنع آلة مؤلفة من عيدان يركبها ويضرب عليها وتختلف أنغامها باختلاف تركيبها، يحكى انه كان مرة في مجلس سيف الدولة فسأله هل تحسن صنعة الغناء؟ فقال نعم (ثم اخرج من وسطه خريطة ففتحها واخرج منها عيداناً وركبها ثم لعب بها فضحك منها كل من كان في المجلس، ثم فكها وركبها تركيباً آخر ثم ضرب عليها فبكى كل من كان في المجلس، ثم فكها وغير تركيبها وضرب عليها ضرباً آخر فنام كل من كان في المجلس حتى البواب فتركهم نياماً وخرج. . .). واصطنع الزلام آلة موسيقية من الخشب تعرف بالناي أو المزمر الزلامي، وأدخل زلزل عود الشبوط كما ادخل الحكم الثاني تحسيناً على تركيب البوق كتب العرب في الموسيقى

стр. 3574

للعرب مؤلفات قيمة في الموسيقى بلغ بعضها الذروة، وكانت (ولا تزال) من المصادر المعتبرة جدا في تاريخ الموسيقى وتطورها، وقد يكون كتاب مروج الذهب للسعودي وكتاب الأغاني للأصفهاني من أكثر الكتب بحثا وكتابة في اشتغال المسلمين والعرب في الموسيقى، وفي أشهر موسيقييهم وما يتصل بهؤلاء من طريف الحوادث ولذيذ الأخبار. ويرجع أن الكندي أول من كتب في نظرية الموسيقى، وكتبه فيها هي: الرسالة الكبرى في التأليف، كتاب ترتيب الأنغام، كتاب المدخل إلى الموسيقى، رسالة في الإيقاع، رسالة في الأخبار عن صناعة الموسيقى. وكتب في ذلك أيضاً منصور ابن طلحة بن ظاهر والرازي وقسطا بن لوقا البعلبكي والسرخسي، وللأخير كتاب الموسيقى الكبير، وكتاب الموسيقى الصغير، وكتاب المدخل إلى علم الموسيقى، وللفارابي كتاب الإيقاعات، وكتاب أخر اسمه كتاب الموسيقى، وهو من أشهر الكتب، ويقول عنه سارطون (إنه أهم كتاب ظهر في الشرق يبحث في نظرية الموسيقى) ولثابت بن قرة رسالة في فن النغم، ولأبي الوفاء مختصر في فن الإيقاع، وأبدع ابن سيناء في الكتابة عن الموسيقى وله فيها مؤلفات منها: الفن الثامن من كتاب الشفاء وهو الموسيقى، وفيه ست مقالات ولكل منها فصول، والفن الثالث من الجملة الثالثة من كتاب الشفاء، وكتاب الموسيقى. وهذا الكتاب يدور على مواضيع الأصوات والأبعاد والأجناس والجموع والإيقاع والانتقال والصنج والشاهرورد والطنبور والمزمار ودسانين البربط وتأليف الألحان. وللشيخ شمس الدين الصيداوي كتاب في الموسيقى تستخرج منه الأنغام، اكثره شعر، وفيه كلام على بحور الشعر والأوزان ودوائر البحور، ولصفي الدين عبد المؤمن البغدادي كتاب الرسالة الشرفية في النسب والتأليفية، وهو مقسوم إلى مقالات وفصول. ولصفي الدين الأموي كتاب الأدوار في الموسيقى وينقسم إلى خمسة عشر فصلا، وفيه صورة عود وصورة آلة قائمة الزويا تسمى نزهة، واشتهر هذا الكتاب كثيراً وبقى قروناً كثيرة المعين الذي استقى منه المؤلفون في الموسيقى. ولمحمد بن محمد بن احمد الذهبي الجزيري ابن الصباح شرح على كتاب في علم الموسيقى ومعرفة الأنغام، وكذلك لأبن زيلا وابن الهيثم وأبي الصلت أمية، والنقاش والباهلي وأبي المجد وعلم الدين قيصر ونصير الدين الطوسي مؤلفات قيمة، بعضها عديم المثال. وظهر في الأندلس عدد لا يستهان به ممن كتبوا في الموسيقى وأجادوا في ذلك

стр. 3575

إجادة أوصلت هذا الفن إلى درجة عالية، فمن الذين اشتغلوا وكتبوا فيها: ابن فرناس والمجريطي والكرماني وأبو الفضل ومحمد بن الحداد وابن رشد وابن السبعين والرقواطي وغيرهم، وأنشأ صفي الدين عبد المؤمن الأموي مدرسة لتعليم الموسيقى وتخرج منها عدد غير قليل من العلماء الذين استطاعوا أن يتقدموا خطوات بعلم الموسيقى، اشتهر منهم شمس الدين بن مرحوم ومحمد بن عيسى ابن كرا، وهناك كتب عديدة لم يذكر فيها اسم مؤلفيها ككتاب الميزان وعلم الأدوار والأوزان وهو مبني على كتاب الأدوار المار ذكره ومقسوم إلى ستة أبواب في ماهية الموسيقى وماهية النغم المطلق والأوتار والمواجب ومعرفة الشدود والأوزان وأسماء الدساتين والإيقاع. وفي كتاب رسائل إخوان الصفا بحث في الموسيقى موجود في الرسالة الخامسة من القسم الرياضي، وهذه الرسالة مقسمة إلى أربعة عشر باباً وهي تبدأ بصفحة ١٣٢ وتنتهي بصفحة ١٨٠، ومن يرغب في الاطلاع على ما كتب في كل باب فليرجع إلى الكتاب المذكور ففيه تفصيل وكفاية، وإذا أردنا أن نعدد الذين نبغوا في فن الموسيقى وكتبوا فيه حتى القرن الرابع عشر للميلاد يطول بنا المطال وقد يخرج مقالنا هذا عن القصد. نابلس قدري حافظ طوقان

стр. 3576

العُلوم ويسألونك عن الأهلة للدكتور احمد زكي الأهلة مواقيت كذلك ارتآها العرب، وكذلك ارتآها الأقوام من قبل ومن بعد. دارت الأرض فاختلف الليل والنهار، وانتظم دورانها فثبت يومها فكان وحدة الزمن الطبيعية الأولى. ودار القمر حول الأرض فصغر في ظلمات الليالي مرآه حتى انعدم. وكبر حتى استكمل فاستدار، وعرف الناس ثباته على ذلك، وثبات ما يمضي بين انعدامة وانعدامة، أو استدارة واستدارة، فاتخذوا من ذلك وحدة زمنهم الطبيعية الثانية فأسموها شهراً. ثم طلعت الشمس عليهم من المشرق، وأخذ يُشمل مطلعها حتى بلغ الغاية في الاشمال، ثم أخذ يُجْنِب حتى بلغ الغاية في الاجناب، وأختلفت بذلك الفصول فاحترْت حتى بلغت غاية الحر، ثم ابردت حتى بلغت غاية البرد، ودام هذا الاختلاف وثبت وانتظم، فوجد الناس فيه وحدة زمنهم الطبيعية الثالثة الكبرى فأسموها العام وكان لابد لوحدات القياس أن تتناسب، وكان لابد أن تقسم بعضها بعضا، وان تنقسم بعضها ببعض، فلما تلمسوا ذلك عند اليوم والشهر والعام، وجدوها لا تنقسم انقساماً صحيحاً، وحاولوا التأليف بينها فاستطاعوه بين اليوم والعام بالبسط والكبس، فكانت السنة البسيطة، وكانت السنة الكبيسة، واستعصى عليهم تأليف ما بين الشهر والعام، ما بين القمر والشمس، فانفردا كل بتقويم، فكان التقويم القمري، وكان التقويم الشمسي، وتنافس التقويمان، وكانت الشمس أصل الحياة فاتفق تقويمها وحوائج العيش فشاع وذاع، واستقر التقويم القمري حيث كان لابد أن يستقر، فكان لتوقيت الصوم والحج وصنوف العبادات وبالرغم من أن التقويم الشمسي يعتمد على اليوم والعام فحسب، فانه لم يستطع أن يغفل الوحدة الثانية المتوسطة التي خلقها القمر، أعني الشهر، أرغمه عليها ألفة الناس لها وحاجتهم إلى وحدة تقع من حيث طولها بين اليوم القصير والعام الطويل. كذلك خلَّف القمر في لغات الأمم أثرا من معنى ما استُخدم فيه من قياس الزمن. فقد اسماه

стр. 3577

الإنجليز (مون واسماه الارلنديون (ماي والألمان (مُند والغوطيون (مينا والإغريق (ميني والهنود القدماء (ماس واسم الشهر في الإنجليزية (منث وفي الألمانية (مونات وفي الفرنسية (موا وفي الغوطية (مينوبس وفي اللاتينية (منسيس وفي الإغريقية (مين وفي الهندية (ماس فبين اسم القمر واسم الشهر في اللغات تطابق تام أو تشابه كبير. ويظهر أن هذه الأسماء جميعها مشتقة من اللغة الهندية (ما) ومعناها (يقيس) وذلك أن القمر به يقاس الزمن، من هذه اللفظة نفسها لاشك يرجع اشتقاق الكلمات الإفرنجية التي معناها (مقاس) وهي بالإنجليزية وبالفرنسية وبالألمانية وباللاتينية وبالإغريقية ومن اللفظة الأخيرة (المتر) المعروف دوران القمر ومن المشهور المعروف أن القمر يدور حول الأرض، فإذا هو وقع بينها وبين الشمس، أضاءت الشمس منه النصف الذي يليها، فأظلم بذلك النصف الذي يلي الأرض فلا يرى الإنسان من القمر شيئاً، وهذا هو المحاق أو أول الشهر. ثم يسير القمر سيرته، فإذا بلغ الموضع المقابل للموضع الأول توسطت الأرض بينه وبين الشمس أو كادت، وعندئذ تضيء الشمس منه النصف الذي تراه الارض، فيظهر لنا كأن القمر كله يضيء وما هو بذلك، وهذا بدر التمام. وبين المحاق والتمام ينزل القمر منازل بين هذين، فيها يضيء الشمس منه أنصافاً لا ترى الأرض منها إلا أبعاضا هي الأهلَّة، فإذا زاد هذا البعض على نصف دائرة قارب البدر التمام فارتأته العين منقوصاً قليلا. ويسير البدر من التمام إلى المحاق فتتكرر الظواهر السالفة معكوسة، وبذا يتم الشهر وفي الأهلة يرى الإنسان الجزء المعتم من القمر كأن نورا ضعيفاً ينيره، وذلك أن الأرض تعكس ضوء الشمس إلى القمر كما يعكس القمر ضوءها إلى الأرض، فلو أن للقمر أهلا يسكنونه لأسموا أرضنا هذه قمرا، إلا أنه أقمر وأسطع كثيرا من قمرهم، فقد يبلغ المعكوس منا إليهم خمسين ضعفاً والأرض تدور حول الشمس في مستو، والقمر يدور حول الأرض في مستو غيره، إذ لو دار الثلاثة في مستو واحد لانكسفت الشمس في كل محاق، وانخسف القمر لكل تمام. ويميل المستوى الذي يدور فيه القمر عن المستوى الذي تدور فيه الأرض بنحو خمس

стр. 3578

درجات ومن يرقب الأهلّة يعلم أن قرني الهلال لا يستويان على الأغلب. قال ابن المعتز انظر إليه كزورق من فضة … قد أثقلته حمولة من عنبر فالهلال على الأكثر زورق مائل، تارة يميل بصدره إلى الشمال، وتارة يميل بعجزُه إلى الجنوب، وهو في هذا كله يتبع الشمس ويداورها، فنوره من نورها، وهما قل أن يغربا من الأفق في مكان واحد، فإذا هما فعلا أو قاربا ذلك، وقعت الشمس عند غروبها في أسفل الهلال تماماً فاستقام الزورق. ثم يجري الدوران باختلاف المغربين فيعود الزورق فيمتلئ عنبراً ثقيلاً والقمر يتم دورته حول الأرض في ٣٢ , ٢٧ يوما، وهذا شهره الحقيقي، ولكن أهل الأرض لا يروضون منه ذلك، فالشهر عندهم هو ما بين المحاق والمحاق، والقمر بعد جريانه ٣٢ , ٢٧ يوما واستتمام دورته يجد أن الأرض خدعته عن بلوغ المحاق؛ لأنها أيضاً تسير فيختلف موضعها من الشمس، فلكي يتوسط القمر بينهما لابد للمتعب المجهود أن يسير ٢. ٢١ يوماً فيبلغ المحاق، وبذلك يكون الشهر ٥٣ , ٢٩ والقمر يدور حول نفسه، فكان المرجو من ذلك أن نرى كل جوانبه، ولكن الواقع غير هذا، فإنا لا نرى منه غير جانب واحد، نرى وجهه ولا نرى قفاه، وذلك أن القمر يدور حولنا ويدور كذلك حول نفسه، حول محوره، ويستغرق في الدورتين زمناً واحدا، فهو يدور حول الأرض مرة واحدة في الشهر، ويدور حول نفسه مرة واحدة في الشهر كذلك، فنحن دائماً نرى منه وجهاً واحداً. نعم قد يتذبذب القمر في دوراته فيرينا أذنه اليمنى، ثم يرينا أذنه اليسرى، وقد يطرق فيرينا شيئاً من أم رأسه، وقد يرفع رأسه فيُبيِن عن أدنى لحيته، وهو في كل هذا لا يُظهر غير ستة أعشار سطحه، أما أربعة الأعشار الباقية فقد شاء القدر أن لا تراها عين إنسان. وسترى في العدد القادم ماذا في القمر نفسه من أشياء. احمد زكي

стр. 3579

القصور الذاتي للدكتور على مصطفى مشرفة من صفات المادة الملازمة لها والتي تكاد تكون دليلا عليها ما يسمى، القصور الذاتي، وهو نوع من الجمود أو الخمول، به تقصر المادة بذاتها وبدون مؤثر خارجي عن ان تأتي حراكا، ونحن نحس بوجود هذا الجمود إذا حاولنا تحريك جرم من الأجرام - ككتلة من الحجر مثلا - فأننا نشعر بمقاومة كأنما المادة تأبى علينا مجهودنا وتريد أن تترك وشأنها. وربما بدا لأول وهلة أن المادة إنما تميل بطبعها إلى السكون وتجنح إليه وتؤثره على الحركة، ولكن قليلا من الخبر يدلنا على أن المادة المتحركة تقاوم كل محاولة لإيقافها كما تقاوم المادة الساكنة كل محاولة لتحريكها. فإذا شك أحد القراء الكرام في كلامي هذا فما عليه إلا أن يتحقق من صحته بنفسه، بأن يتعرض لجسم متحرك كحجر منطلق في الهواء مثلا - محاولا إيقافه أو تغيير اتجاه سيره، ونصيحتي في هذه الحال أن يختار جسماً صغيراً ذا سرعة ضئيلة وإلا عظمت التضحية في سبيل العلم فالقصور الذاتي هو قصور عن السكون إذا كان الجسم متحركاً، كما أنه قصور عن الحركة إذا كان الجسم ساكناً، وفي الواقع هو قصور عن التغير وميل إلى بقاء الحال على ما هو عليه، فهو إذن نوع من المحافظة. ولنا أن نعكس هذا التشبيه فنقول إن المحافظة هي نوع من القصور الذاتي أو الجمود، فالخطيب المصقع الذي ينادي أن حافظوا على عاداتكم الموروثة وتمسكوا بتقاليدكم وتقاليد آبائكم ربما كان لا يعبر عن أكثر من القصور الذاتي لمجموعته العصبية! وعلى قدر عظم كمية المادة يكون قصورها. فالكتلة الكبيرة من الحديد مثلا أعظم قصورا من الكتلة الصغيرة منه، وبالعكس، ولذلك أتخذ القصور الذاتي دليلا على مقدار الكتلة ومقياساً له. وقد كان يظن حتى أواسط القرن الماضي أن القصور الذاتي خاصية من خواص المادة وحدها تتميز بها عن سواها، إلا أنه وجد أن الضوء يشاركها هذه الخاصية. فالضوء إذا اعترضه حائل في طريقه دفعه وضغط عليه كما تفعل المادة المتحركة، ويبلغ ضغط الضوء العادي للشمس نهارا على سطح الأرض نحو ثقل نصف كيلو جرام عن كل

стр. 3580

كيلومتر مربع، أو نحو ثقل نصف ملليجرام عن كل متر مربع. وشأن الضوء في ذلك شأن سائر الأشعة الأخرى كالأشعة الحرارية والأشعة التي تلي البنفسجية وما إليها، وكلما زادت شدة الضوء وكذلك كلما قصرت موجته زاد قصوره الذاتي، وبالتالي زاد ضغطه على السطح التي تعترضه في سبيله. وكما أن للمادة قصوراً ذاتياً به تحاول المحافظة على حالتها من حركة أو سكون، كذلك لها قصور ذاتي به تحاول المحافظة على حالتها الكهربائية وتقاوم كل تغيير في هذه الحالة. فالجهاز الكهربائي الذي نستخدمه في التقاط أمواج الراديو مثلا له هذا القصور الكهربائي، وهو خاصية أساسية فيه عليها تتوقف قابليته للاهتزاز الكهربائي تحت تأثير الهزات الأثيرية، كما تهتز الأرجوحة تحت تأثير هزات الصبي لها. بل إن الفضاء العاري عن المادة له صفة القصور الذاتي، بها يقاوم كل تغيير في حالته الكهربائية، وعلى وجود هذه الصفة يتوقف إمكان انتقال الأمواج الكهربائية فيه. فليس بغريب إذن أن يظهر القصور الذاتي في الإنسان؛ في حركاته الجسدية وفي صفاته الذهنية. فالقصور هو نوع من الصابورة به تكتسب سفينة الوجود الاستقرار وحسن الاتزان، وهو في الوقت ذاته عبء على كاهل الطبيعة يعوقها عن الحركة المطلقة ويجنح بها إلى الجمود. علي مصطفى مشرفة

стр. 3581

من صور المدنية الإسلامية التجارب العلمية عند المسلمين نكاد أن نصور لأنفسنا صورة كاملة لمعظم النواحي الفكرية من المدنية الإسلامية، ولكن الناحية العلمية المحضة مجهولة بالنسبة لسائر تلك النواحي، فقل من أقدم على إثارة أبحاثها والغوص إلى أعماقها، وذلك لقلة ما بين أيدينا من الآثار في هذه الناحية بل لفقدانها، فلم يصل إلينا من هذه الآثار إلا أسماؤها وما تغني الأسماء عنا شيئا! نعم يمكننا أن نستدل بهذه الأسماء - التي كثيراً ما نجدها في أمثال كتاب طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة وتاريخ الحكماء للقفطي وغيرهما - على ما عالجوه في تلك العصور من المواضيع العلمية في الطبيعيات والرياضيات وما يلحق بهما. على انه إذا كان لدينا شيء من هذه الآثار فأنى نجد من يستطيع أن يقدم على معالجة هذه المواضيع والناس على شطرين، فأما مثقفون ثقافة عربية حديثة يملون وينفرون من النظر في أشباه تلك الكتب (الصفراء) كما يسمونها لقلة عنايتهم بها واستبعادهم حصول الفائدة من مثلها لأنها (قديمة) ولأنها (شرقية)، وإما مثقفون ثقافة شرقية قديمة وهم بعيدو عهد عن النظر في المواضيع العلمية الخالصة، ولا تكاد تجد منهم من يقدر على فهمها وإعطائها حقها من العناية. فما أحوجنا إلى أولئك الذين سماهم الأستاذ احمد أمين الحلقة المفقودة، أعني الذي يجمعون بين الثقافتين الشرقية والغربية ويؤلفون مزيجاً من الحضارتين القديمة والحديثة. قد كان الناس إلى عهد غير بعيد، ولا يزال بعضهم على ذلك، يعتقدون أن العلم بمعناه الحديث وأساليبه الحاضرة من حيث استناده على الحس والمشاهدة والتجربة والاستنباط هو من مولدات هذه العصور ومن مميزات المدنية الحديثة، ولكننا إذا تتبعنا الحركة العلمية في المدنية الإسلامية وجدنا فيها ما يملأ النفس إعجاباً وإكباراً بأولئك العلماء الذين كانوا مثلا أعلى للنشاط العلمي بجميع معانيه، فلقد كانت الفكرة العلمية نامية لديهم وبالغة من التجريد والتعميم درجة غير قليلة، فكانوا يقولون كما يظهر من آثارهم بالقوانين وبشمولها واطرادها ويسلكون في استنباطها واستخراجها الطرق المعروفة اليوم والتي تستند إلى المشاهدة والتجربة، وليس استعمال التجارب أداة للتحقيق العلمي مقصوراً على العصور

стр. 3582

الحديثة، فالمدنية الإسلامية كانت مجلية في هذا الميدان، فلم يقصر علماؤها كبني شاكر محمد واحمد والحسن، وأبي الريحان البيروتي وغيرهم في القيام بالتجارب العلمية الكثيرة وتقليبها على وجوهها، ولم تعوز تجاربهم تلك دقة الملاحظة لشروط الحادث الطبيعي وظروفه والعوامل المؤثرة في تغييره ولم يفتهم إحكام القياس وجودة الاستنباط. وهانذا ناقبل تجربة لأبي الريحان البيروني في رسوب الأجسام وطفوها على وجه الماء، تلك التجربة المؤدية إلى فكرة كثافة الأجسام وهي تطبيق للقانون المشهور الآن باسم قانون أرخميدس، والتجربة بعينها يجرونها اليوم في مخابر التعليم من غير تغيير يذكر. ولعل القارئ يعجب إذا قلت له أن هذه التجربة يجدها مذكورة في أحد كتب التوحيد وهو شرح المقاصد لسعد الدين النفتازاني، ولكن سرعان ما يزول بعض تعجبه إذا عرف أن كتب التوحيد كانت مبنية على الفلسفة، والفلسفة بمفهومها القديم تشمل جميع أنواع العلوم، فكانوا يقسمونها إلى ثلاثة أقسام، الفلسفة الدنيا وهي الطبيعيات، والفلسفة الوسطى وهي الرياضيات، والفلسفة العيا وهي الآلهيات، فمباحث التوحيد مؤسسة على هذه الأقسام الثلاثة للفلسفة، ولهذا فان كثيراً من الأبحاث الطبيعية منبثة في كتب التوحيد، وموضوع هذه التجربة من جملة تلك المباحث المشردة في تضاعيف تلك الكتب. قال التفتازاني في آخر الجزء الأول من كتابه المذكور: (. . وبحسب تفاوتها - يعني الأجسام - في الخفة والثقل. . تتفاوت فيما يتبع ذلك من الحجم والحيز والطفو على الماء والرسوب فيه، ومن اختلاف أوزانها في الماء بعد التساوي في الهواء، مثلا: حجم الأخف (أي الأقل كثافة) يكون أعظم من حجم الأثقل (أي الاكثف) مع التساوي في الوزن كمئة مثقال من الفضة ومئة مثقال من الذهب، (والفضة كما نعلم أقل كثافة من الذهب). (وإذا كان في إحدى كفتي الميزان مئة مثقال من الحجر وفي الأخرى مئة مثقال من الذهب أو الفضة أو غيرهما من الأجسام التي جوهرها أثقل من جوهر الحجر (أي أكثف منه) فلا محالة يقوم الميزان مستوياً في الهواء، وإذا أرسلنا الكفتين في الماء لم يبق الاستواء، بل يميل العمود إلى جانب الجوهر الاثقل، وكلما كان من جوهر أثقل (أي أكثف) كان الميل أكثر، ويفتقر الاستواء إلى زيادة في الحجر حسب زيادة الثقل مع أن وزن الجوهر ليس إلا مئة مثقال مثلاً) (وقد حاول أبو ريحان تعيين مقدار تفاوت ما بين الفلزات وبعض الأحجار

стр. 3583

في الحجم وفي الخفة والثقل بان عمل إناء على شكل الطبرزد مركبا على عنقه شبه ميزاب منحن كما يكون حال الأباريق وملأه ماء وأرسل فيه مئة مثقال من الذهب مثلا وجعل تحت رأس الميزاب كفة الميزان الذي يريد به معرفة مقدار الماء الذي يخرج من الإناء، وهكذا كل من الفلزات والأحجار بعد ما بالغ في تنقية الفلزات من الغش وفي تصفية الماء، وكان ذلك من ماء جيحون في خوارزم في فصل الخريف، ولا شك أن الحكم يختلف باختلاف أحوالها بحسب البلدان والفصول، فحصل معرفة مقدار الماء الذي يخرج من الإناء بمئة مثقال من كل من الفلزات والأحجار (أي بوضع مئة مثقال من كل منها في الماء) وعرف بذلك مقدار تفاوتها ما يخرج من الماء بوضع كل مئة مثقال منها في الماء)، والثقل (يعني به الكثافة) فان ما يكون ماؤه أكثر (أي الماء الذي يخرج بوضع الجسم في الماء) يكون حجمه أكبر وثقله أخف بنسبة تفاوت الماءين وإذا اسقط ماء كل من وزنه في الهواء كان الباقي وزنه في الماء، مثلا لما كان ماء مئة مثقال من الذهب خمسة مثاقيل وربع مثقال كان وزنه في الماء أربعاً وتسعين مثقالا وثلاثة أرباع المثقال، والماء الذي يخرج من الإناء بإلقاء الجسم فيه إن كان أقل من وزن الجسم فالجسم يرسب فيه، وان كان أكثر منه فيطفو، وإن كان مساوياً له فالجسم ينزل في الماء بحيث يماس أعلاه سطح الماء. وقد وضع أبو ريحان ومن تبعه جدولا جامعاً لمقدار الماء الذي يخرج من الإناء بمئة مثقال من الذهب والفضة وغيرهما ومقدار أوزانهما عند كون الفلزات السبعة في حجم مئة مثقال من الذهب، والجواهر في حجم مئة مثقال من الياقوت الاسمانجوني، ولمقدار اوزانها في الماء بعدما يكون مئة مثقال في الهواء، وهو هذا الجدول (فهذا الجدول يحتوي على ثلاثة جداول أحدهما لأوزان الماء الذي يخرج بإرسال مئة مثقال من كل من هذه الأجسام في الماء، وثانيها لأوزان هذه الأجسام عندما تكون حجومها متساوية، ومساوية لحجم مئة مثقال من الذهب إن كانت من الفلزات، ولحجم مئة مثقال من الياقوت الاسمانجوني إن كانت من الجواهر، وثالثها لأوزان هذه الأجسام في الماء عندما يكون وزن كل منها في الهواء مئة مثقال). (١) جدول في أوزان ما يخرج من الماء بوضع مئة مثقال من الأجسام المذكورة المثاقيل الدونق الطسوجات

стр. 3584

ذهب ٥ ١ ٢ فضة ٩ ٤ ١ زئبق ٧ ٢ ١ الاسرب ٨ ٥ ٠ الصفر ١١ ٢ ٠ الفلزات النحاس الاحمر ١١ ٢ ١ النحاس الاصفر ١١ ٤ ٠ الحديد ١٢ ٥ ٢ الرصاص ١٣ ٤ ٠ الياقوت الاسمانجوبي ٢٥ ١ ٢ اللعل ٢٧ ٥ ٢ الزمرد ٣٦ ٢ ٠ اللاجورد ٣٧ ١ ٠ اللؤلؤ ٣٨ ٣ ٠ الجواهر العقيق ٣٩ ٠ ٠ الشبه ٣٩ ٣ ٠ البلور ٤٠ ٠ ٠ الياقوت الأحمر ٢٦ ٠ ٠ (٢) جدول في أوزان الفلزات والجواهر إذا كانت الفلزات في حجم (١٠٠) مثقال من الذهب والجواهر في حجم (١٠٠) مثقال في الياقوت الاسمانجوني ذهب ٥ ١ ٢ فضة ٩ ٤ ١ زئبق ٧ ٢ ١ الاسرب ٨ ٥ ٠ الصفر ١١ ٢ ٠ الفلزات النحاس الاحمر ١١ ٢ ١ النحاس الاصفر ١١ ٤ ٠ الحديد ١٢ ٥ ٢ الرصاص ١٣ ٤ ٠ الياقوت الاسمانجوبي ٢٥ ١ ٢ اللعل ٢٧ ٥ ٢ الزمرد ٣٦ ٢ ٠ اللاجورد ٣٧ ١ ٠ اللؤلؤ ٣٨ ٣ ٠ الجواهر العقيق ٣٩ ٠ ٠ الشبه ٣٩ ٣ ٠ البلور ٤٠ ٠ ٠ الياقوت الأحمر ٢٦ ٠ ٠ (٢) جدول في أوزان الفلزات والجواهر إذا كانت الفلزات في حجم (١٠٠) مثقال من الذهب والجواهر في حجم (١٠٠) مثقال في الياقوت الاسمانجوني مثقال دانقطسوج ذهب ١٠٠ ٠ ٠ فضة ٥٤ ١ ٢ زئبق ٧١ ٢ ١ الاسرب ٥٥ ٢ ٢

стр. 3585

الصفر ٤٦ ٢ ٠ الفلزات النحاس الأحمر ٤٥ ٣ ٠ النحاس الأصفر ٤٥ ٠ ٠ الحديد ٤٠ ٣ ٣ الرصاص ٣٨ ٢ ٢ الياقوت الاسمانجوبي ١٠٠ ٠ ٠ الياقوت الأحمر ٩٧ ٠ ٣ اللعل ٩٠ ٢ ٣ الزمرد ٦٩ ٣ ٠ اللاجورد ٦٩ ٥ ٢ الجواهر اللؤلؤ ٦٥ ٣ ٢ العقيق ٦٤ ٤ ٢ الشبه ٦٤ ٢ ١ البلور ٦٣ ٠ ٣ وأما الجدول الثالث وهو الذي يبين وزن كل جسم في الماء فيحصل بطرح وزن ما يخرج من الماء بغمس كل جسم في الماء، من الوزن الأصلي في الهواء اعني مئة مثقال، ولما كان وزن ما يخرج من الماء بغمس كل جسم من الأجسام المذكورة مبيناً في الجدول الأول فيطرح هذا الوزن من (١٠٠) مثقال فيخرج وزن ذلك الجسم في الماء، مثلا: وزن الذهب في الماء (٩٤) مثقالا و (٤) دوانق و (٢) طسوجان ومما يلاحظ أن المؤلف قد استعمل لفظي الثقل والوزن بمعينين مختلفين فجعل الثقل بمعنى الكثافة كما هو ظاهر من سياق كلامه، وهذا مما يدل على ما في اللغة العلمية من دقة في التعبير. هذا وإن من الجدير بالعناية والنظر في أمر هذه التجربة أنه اشتهرت نسبتها - أو على الأقل نسبة النظرية التي تستند إليها هذه التجربة - إلى ارخميدس، وقصته في اكتشافها مشهورة تكاد تكون مضرب المثل في الإلهام أو الحدس العلمي، ومع ذلك فلم يشر إلى هذا

стр. 3586

الأمر المتقدمون من علماء المسلمين ممن بحثوا هذا المبحث أو ممن ترجموا لارخميدس. وإذا رجعنا إلى ترجمته في كتاب تاريخ الحكماء للقفطي والفهرست لابن النديم مثلا وجدنا ما ترجم من كتبه إلى العربية ليس شيء منه من باب الطبيعيات وإنما هي في الرياضيات، فكل هذا يدعونا إلى التساؤل كيف انتقل هذا القانون أو هذه النظرية إلى المسلمين؛ أهو عن طريق ارخميدس ولم يذكر بين كتبه المعربة ما يشبه هذه المباحث! أم عن طريق غيره من الفلاسفة ممن نقلوا عنه ذلك؟ وإذا كان كذلك فلم لم يكن لارخميدس ذكر في هذا النقل! أم أن المسلمين أنفسهم توصلوا إليها؟ ولم ينقل إلينا مثل هذا الاكتشاف! وعلى كل نترك التحقيق والبت في هذا الأمر إلى من هم أوسع تحقيقاً واغزر علماً ومهما كان الأمر فان مما يسترعي النظر في هذه ما فيها من الدقة في تعيين المكان (خوارزم)، والزمان (فصل الخريف)، والماء المستعمل في التجربة (ماء جيحون)، تلك العوامل التي تؤثر في نتيجة التجربة كما أشار التفتازاني نفسه إلى ذلك حيث قال: (ولا شك أن الحكم يختلف باختلاف المياه واختلاف أحوالها بحسب البلدان والفصول) ولا شك في الحقيقة أن كثافة الماء تختلف تبعاً لهذه العوامل التي ذكرها. ومن جهة أخرى فان أبا ريحان (بالغ في تنقية الفلزات من الغش وفي تصفية الماء) لتكون النتائج أدق واضبط، ولم يكن في الكميات أقل ضبطا منه في الكيفيات وهو لتعيين الأوزان يستعمل المثقال والدانق (سدس المثقال) والطسوج (ربع الدانق) ومن ذلك نعلم أن فكرة إرجاع الكيفيات في الحوادث الطبيعية إلى الكميات كانت معروفة شائعة لديهم وهي الفكرة التي يرتكز عليها علم الطبيعة اليوم والتي كانت وسيلة لرقيه السريع وبلوغه تلك المنزلة الرفيعة التي ارتقى إليها في هذا العصر، فجرى بمن يؤلف بالعربية في علوم الطبيعة أن يشير إلى أمثال هؤلاء العلماء ممن نستطيع أن نفاخر بهم في الميادين العلمية، والذين كثيراً ما ينسب إلى غيرهم من متأخري علماء الفرنجة ما هو أحق أن ينسب إليهم لما لهم من السبق في تحريه واكتشافه أو في التحقيق عن صحته واثباته، فقد اصبحنا ومالنا من ماضينا سوى الافتخار باسمه والإشادة بذكره، فإذا توخينا تلمس ما في هذا الماضي من مآثر حقيقية في كل منحى من مناحي التفكير أحجمنا وكلت أبصارنا عن النظر في مثل تلك الآفاق الواسعة التي تثبت بحق ما كانت تقوم عليه الحضارة الإسلامية من سعة في التفكير لم يكن الدين (على ازدهاره إذ

стр. 3587

ذاك) ليضيق بها ذرعاً، بل أن هذه الحركة فيما أرى كانت تغذيها وتدفع الناس إليهما روح الإسلام نفسه، ذلك الدين الذي يجب أن نتصوره بأوسع مما هو مصور في الحقيقة في مخيلتنا والذي قد تضيق كلمة دين - إذا نحن اطلقناها عليه - مفهومة في، نفوسنا لما نتصوره من لوازم عديدة لهذه الكلمة حينما نذكرها بسبب ما مرت عليه من أدوار مختلفة في خلال التاريخ البشري. فهو في الحقيقة أوسع من أن يسمى ديناً بالمفهوم الحالي لهذه الكلمة، وانما هو الطريقة المثلى في الحياة في جميع نواحيها وشعبها، وناهيك بما أنتجته الحضارة الإسلامية من إبداع في الأدب والعلم والتشريع دليلا على سمو هذا المنهاج الحيوي الأقوم. دمشق محمد مبارك بكالوريوس في العلوم

стр. 3588

القصص من أقاصيص العرب وضاح الشاعر بقلم احمد حسن الزيات - ١ - في اليمن الخضراء، وفي صنعاء ذات الظل والماء، نشأ وضاح أزهر اللون، أصهب الشعر، مليح القسمات، رقيق الأديم، ثم ترعرع بين خمائل الأودية ومروج السهول وأزاهير الربى فازداد رواء وجهارة. وإذا كان الجمل يكتسب لون الصحراء. والسمك يستفيد مرونة الماء، والطاووس يستعير أفواف الروض؛ فان اليمانيين لم تصلهم بطبيعتهم ولا بيئتهم صلة، فهم سمر الوجوه ضئال الجسوم قصار القدود، وأرضهم مشرقة الأجواء مونقة المناظر خصبة التربة. لذلك رابهم وضاح بقدر ما راعهم، فقالوا إنه من أبناء الفرس الطارئين على اليمن في عهد ابن ذي يزن، ولكن الحكم سفه هذا الرأي وقضى بعربيته لا يعنيك ولا يعنيني أن نكشف عن دخيلة هذا الشاب فنصف تاريخ أسرته وحقيقة ثروته وطبيعة عمله، إنما يعنينا من وضاح ذلك الفتى الطرير الذي أشقاه شعره وأبأسه شعوره وقتله جماله. نريد أن ننقل عن لوح القدر هذه الصفحة الدامية التي كتبت لهذا البائس وجرت عليه في غير رفق ولا هوادة. كان وضاح الجميل الشاعر كالبلبل يعرف في نفسه جمال الريش وجمال الصوت، فهو لا ينفك في حذر من الصائد، وخوف من القفص، فكان يغشى المواسم والأسواق وهو مقنع منتقب خيفة الحاسد وحذر المرأة!! ولكن المرأة كانت تعترضه بكل سبيل، وتترقبه في كل مرصد، وتتراءى له في كل مكان: تحت النخيل، وفي الأسواق، وعلى الماء، وهو لا يزداد إلا تمنعاً وترفعاً ووحشة، لأنه محبوب ومن طباع المحبوب الادلال؛ ولأنه مطلوب ومن غرائز المطلوب الهرب، ولم يجد

стр. 3589

مع ذلك فيمن رأى من النساء روحا جذابة ولا قوة غلابة ولا جمالا أبرع من جماله، على أن وضاحاً خلق للحب وكتبت عليه فيه الشهادة! فعيناه على غير علمه ترتادان الحبيب، وقلبه من قلقه وانتظاره يضطرب في حنايا صدره، وعواطفه من اضطرامها وانبساطها تكاد تسيل، وكان يفر من ضوضاء صنعاء ومتاجرها وقوافلها، إلى سكون الصحراء الرهيب، وهدوء الطبيعة الموحش، فيضي سحابة نهاره جالساً في روضة، أو مستلقياً على غدير، أو نائماً في مغارة؛ كأنه نبي من أنبياء بني إسرائيل - ينتظر الرسالة. - ٢ - ففي صباح يوم من أيام الربيع مشرق الأديم عنبري النسيم منضور الخمائل استهوته الطبيعة فأخذ يضرب في الأرض حتى متع النهار، وإذا هو على ماء من امواه (الخصيب) من قرى اليمن، وفي الخصيب شد الجمال إطنابه وشاد الحب معبده. والعرب يقولون لك: إذا بلغت ارض الخصيب فهرول! فجلس وضاح ينضح ظمأه ويرفه عن نفسه إلى أن طاف به الكرى فنام. تنبه وضاح ساعة الأصيل على صوت رخيم الحواشي، متسق النبرات في رنين الفضة. فنظر فرأى حورية من حواري الحقول قد حسرت عن ساقها وغمست رجلا في الغدير ووضعت رجلا على الحافة وهي منحنية على الماء، تجمع ثوبها بيد وتملأ سقاءها بيد. فرجف قلبه وبرق بصره وخيل إليه أن عينه لم تقع من قبل على فتاة، فنهض يملأ من هذا المنظر الرائع عينيه فلفتتها حركته. فرفعت بصرها إليه في سكون طرف وفتور لحظ. وكأنها همت بالنكوص لولا أن رأت منه ما رأى منها. فوقفت جامدة لا تتحرك، وشاخصة لا تطرف، بل أحست من نفسها الهفوان إليه حين تقابل النظران وتجاذب القلبان وتمشى إليها مشية الحباب في حياء ووناء ورقة. حياها فردت التحية، واستنسبها فانتسبت كندية، واستسماها فقالت (روضة) ثم جرى بين المحبين حديث الشباب الحيي المضطرب الحائر. . ويكاد نصه يكون واحداً على اختلاف الألسنة والأزمنة فلا نثبته، وكيف يثبت كلام الناظر للناظر، وتدفق الخاطر في الخاطر، وعناق القلب للقلب، وامتزاج النفس بالنفس، ولحن اللسان للسان؟؟ كانت روضة كما تشتهي كل فتاة أن تكون، فهي كما صورها وضاح في شعره (كاعب

стр. 3590

وضيئة الطلعة لطيفة التكوين مصقولة الجبين يزينه شعر أثيت أشقر كذنب الكميت، زجاء الحاجبين كأنهما شقا بقلم، تقوساً على مثل عين الظبية، ساجية الطرف، ذلفاء الانف، عبلة الذراعين لا ترى فيهما عظما يحس ولا عرقا يجس، طفلة الكفين تعقد ان شئت منهما الأنامل، ممشوقة القد قد أفرغت في قالب الحسن. وجد كل منهما في الآخر مشابه في زهرة الوجه وصهبة الشعر وهجنة النسب بالدم الفارسي. فتعارفا بلحظة، وتفاهما بلفظة، وتآلفا تألف الاخدان كأنما كانا على موعد! طوت شمس الطفل الغاربة مطارفها العسجدية عن السهول والحقول فلم يبق منها الاهلاهل على رؤوس التلال وشعاف الجبال وأعراض النخيل، وأخذ الرعاة يروحون بالقطعان إلى الحظائر، وآن للراعية الحسناء كذلك أن تؤوب! فقامت روضة متنافلة، وودعته متخاذلة: وسارت وراء قطيعها تتهادى في مرطها المفوف ونطاقها المحبوك وخمارها الأسود كأنها آلهة الرعاة أو تمثال الحسن تلاقيا مرة أخرى في سرة الوادي المعشب وقد عملت فيه يد الطبيعة فازَّرته بعميم النبت، وطرزته بألوان الزهر، وضمختة بعبير الخزامي وريا البشام وأرج الرند. فجلسا ساعة تحت دوحة يتساقطان عذب الحديث، ويتناشدان حلو الغزل، ويتساقيان كؤوس الهوى، ثم نهضا يسيران صاعدين تارة في مدارج السيل، وهابطين تارة إلى قرارة السهل، يجنيان الكمأة ويقطفان البهار ويلتقطان الجزع المفصل. فلما نفضت الشمس على الأفق الغربي تبر الأصيل توادعاً ثم تواعدا على اللقاء وتعاهدا على الوفاء بعد أن شق عليها رداءه وشقت عليه هي برقعها استدامة للحب وبقيا على الهوى! - ٣ - ظل العاشقان في غفلة الزمان والإنسان يتلاقيان كل يوم على خلاء، حتى نم على هواهما شعر وضاح، فتنبئه الغافل وتحرش العاذل وتحذر الأهل، فحالوا بينها وبين لقائه وتوعدوه. فكان وضاح يأتي كل يوم على عادته فيجلس في الأماكن التي إعتادها، ويرتاد الغياض التي ارتادها؛ ويستروح النعامي والخزامي فلا يجد قراراً في مكان، ولا جمالا في طبيعة، ولا روحاً في أرج، فيدنو من الحصيب يترصد غفلة القوم ويتنسم ريح روضة ويقول: يهددوني كيما أخافهم … هيهات أنى يهدد الأسد؟

стр. 3591

حتى لقي ذات مساء عبدها الذي كان يرعى عليها رائحاً بالقطيع إلى مزاحه، فجعله رسالة إليها يطلب فيها أن توافيه على الكثيب متى غفت العين وهدأت القدم، فوافته في إحدى أترابها، فجلسا على الحصباء يتشاكيان حرقة الجوى وتحكم الهوى وتعقب الرقيب، وأخذت روضة تحكي لوضاح كيف استفاض الخبر وخاض فيه الناس، وكيف حجبها أخوتها وراقبوها بعين لا تغفل، وذكرت له والدمع يتقاطر من عينيها أنهم صمموا على رفض خطبته ومنع تزويجه، وقرروا تزويجها من موسر كثيف الظل جافي الخلقة، وحذرته أن يدنو من الحي فان قومها يأتمرون به. غلى جوف وضاح وعصفت في رأسه الحمية، ونزت بقلبه الصبابة، وعقد نيته على معالجة الأمر بالحزم، ومواجهة الخطر بالصراحة، وقرر زيارتها في دارها بعد هذا الحوار البديع الذي خلده وضاح في هذه القصيدة: قالت: ألا لا تلجن دارنا … إن أبانا رجل غائر قلت: فإني طالب غرة … منه وسيفي صارم باتر قالت: فان القصر من دوننا … قلت: فإني فوقه ظاهر قالت: فان البحر من دوننا … قلت: فإني سابح ماهر قالت: فحولي اخوة سبعة … قلت فإني غالب قاهر قالت: فليث رابض دوننا … قلت فإني أسد عاقر قالت: فان الله من فوقنا=قلت فربي راحم غافر قالت: لقد أعييتنا حجة … فأت إذا ما هجع السامر واسقط علينا كسقوط الندى … ليلة لا ناه ولا زاجر وفي الليلة التالية كان وضاح في طريقة إلى الخصيب، وكان أخوة روضة وعمومتها يرصدون سبيله ويطلبون لقاءه، بعد أن عملوا من الرقيب اجتماع الكثيب، وكانت الحبيبة على علم بخروج القوم وقدوم المحب المخاطر فطرقت مضعجها الهموم، وتخالجت قلبها الوساوس، وأخذها عليه المقيم المعقد. لم يطل انتظار الجماعة للفرد فتلاقوا وراء الوادي: ثم كان عتاب على الأشعار الجارحة، وسباب على الشهرة الفاضحة؛ وقتال انتهى بطعنة تلقاها المحب في موضع حبه. ثم خلا

стр. 3592

المكان إلا من جريح يئن، وفرس يحمحم؛ وتحامل على نفسه وضاح فضمد جرحه وركب جواده وقفل راجعاً إلى أهله. قضى المسكين شهرين على فراش الألم يتضور من ضربان الجرح وهذيان الحمى وثوران الحب. ولكن الجرح كان قريب الغور فاندمل، والحمى كانت عارضة فأقلعت، والحب؟ هذا هو المرض المخامر والداء العياء، فليس له غير الله من آس ولا طبيب، لذلك نصحوا لوضاح أن يحج البيت فشد إليه رواحله. وسنلقاه هناك بعد قليل. - ٤ - أذن مؤذن الحج للمرة الثمانين بعد الهجرة، فسالت فجاج الجزيرة بالقباب والهوادج، وشرقت دروب الحجاز ومسالكه بالناس رجالاً وعلى كل ضامر، واكتظت بطاح مكة ورباعها بالحجيج من الشام والعراق واليمن، ودوي الفضاء المشرق بأصوات التهليل والتلبية، وروي الثرى المكروب من دماء البدن والضحايا، وتعطر الجو القائظ بأنفاس الحسان الغيد، وفاضت أندية مكة النبيلة بالقصف والعزف والغزل، وخرج الشعراء من بني الأنصار والمهاجرين في مطارف الخز وبرود الوشى على النجائب المخضوبة، يتعرضون للغواني المحرمات، ويقطفون من فوق شفاهها اللعس ألفاظ الدعاء، قبل أن ترفع إلى السماء، وهناك على الربوة العالية ضرب الفسطاط الرفيع العماد، وفرشت الطنافس، ونصبت الأرائك، وصفت النمارق، ونضدت الوسائد، وقامت الجواري والولائد، وعلقت السدول والستائر، وبرزت من خلالها زوج الخليفة في زينتها وفتنتها ترسل النظر تارة إلى الأفق البعيد، وتارة تتصفح به الوجوه المختلفة والأزياء المتعددة، والناس يتحامون جانبها ويتهيبون ظلالها لهيبة الملك وشراسة الجند وجلال الخلافة. حتى الشعراء من شباب الهاشميين وخلفاء ابن أبي ربيعة لم يجرؤا أن يمدوا إلى جمالها الفاتن عيناً ولا لساناً، لأن الخليفة كتب (يتوعد الشعراء جميعاً أن ذكرها أحد منهم أو ذكر أحد ممن تبعها) ولكن الملكة تريد على رغم الملك أن تكون من عرائس الشعر، وأن تظهر في ديوان الشاعر، كما ظهرت في ديوان الملك. والشعر في الحجاز كان حينئذ للمرأة، يصف حالها ويعرض جمالها فتصل من طريقه إما إلى الزواج وإما إلى الشهرة. فتراءت الملكة للناس وسهلت للغزالين الحجاب.

стр. 3593

وكان وضاح يومئذ مشغولا عن الشعر والشعراء بنفسه، فهو يطوف بالبيت ويتعلق بستور الكعبة، ويسأل الله انه يشعب قلبه بالسلوة. حتى إذا خرج الحجيج إلى عرفات وتطاولت الرقاب، وتطلعت العيون، وأومأت الأصابع إلى موكب الملكة الحاشد، جذبه جلال الحاجة النبيلة وجمال وصائفها فدنا من فلكها، فوجد كهنة الحب وشياطين الشعر يسايرون ركابها ويراقبون سناها. فمشى بجانب الشاعر كثير، ووقعت عين الملكة عليه فراعها جماله، وعلقتها حباله. فأشارت بطرف العين إلى جاريتها غاضرة فأثبتت معرفته. فلما أفاض الناس من عرفات، وانحدروا إلى مرمى الجمرات، وقفت بجانبه فتاة فتانة ناهد، وأسرت إليه وهو يرجم الشيطان أن الملكة تريد لقاءه في مخيمها على (منى) اضطرب وضاح لهذه الإرادة وخشي عاقبة هذه الدعوة، وتردد طويلا في الذهاب إلى هذا الموعد، لان هذا الحب الملكي اكبر من عواطفه، ولان قلبه الجريح لا يزال يقطر في لفائفه، ولأن خيال (روضة) يعتاده في جميع مواقفه، ولكنه عربي!! والعربي طماع طماح مخاطر. فلماذا لا يبذ الشعراء ويكبت الأعداء بالسبق إلى جمال الملكة ومال الخليفة؟؟ أمسى المساء، وكان هلال ذي الحجة قد توارى بضوئه الشاحب خلف الجبل، وأخذت الأضواء المنبعثة من بواقي المشاعل والمصابيح والكوانين تكافح ظلمة الغسق، والقي الناس أرواقهم على الرمال مجهودين بعد نهار قائظ احمرت حواشيه من دماء القرابين، وضرب الكرى على آذان العامة فلم يبق يقظان إلا ذوو الحس الرقيق ممن جرهم جمال الليل إلى جمال السمر، وإلا نفسان شاعرتان بسط الحب عليهما جناحه، وأزال ما بينهما من فروق، ورفع ما يفصلهما من حواجز، حتى التقى ابن آدم ببنت حواء وجهاً لوجه، وأقبلت الملكة على وضاح اليمن تناقله الحديث، وتساجله الشعر، وتنصب له شرك الفتنة في مطاوي اللفظ، وتسدد إلى قلبه سهم الغواية في مرامي اللحظ، وحسبنا أن نروي من هذا الحديث المشفق العذب هذا الحوار: - وكيف حال روضة بعدك يا وضاح؟ - على شر حال وا أسفاه! زوجوها من موسر مجذوم فأعداها بالجذام!! - وما حالك أنت من بعدها؟ - أما قبل هذه الليلة فكنت لا انتفع بنفسي ولا اشعر بوجودي

стр. 3594

- ومنذ الليلة؟ - منذ الليلة عرفت نعيم السماء بعد ما عرفت في الخصيب نعيم الأرض - إذن ستحبني؟؟ - نعم ولو خيرت ما اخترت - وستنسب بي في شعرك؟ - نعم ولو كره الخليفة - أذن اصحبني إلى دمشق فامدح الخليفة. وسأرفدك لديه واقوي أمرك عنده - ٥ - وعلى نهر بردى وفي القصر المشيد زكت شجرة الحب حتى عرشت على كل حائط؛ وسطعت فوحتها في كل انف، وتهدلت أغصانها المزهرة على سرير الخليفة، ودنت قطوفها المجرمة من فم المجنون وليلاه؛ فاكلت منها حواء وجرت إلى الخطيئة آدم! وآدم دائماً هو الذي يكفر عن الخطيئة!! ظل وضاح ابن الطبيعة الطليقة سجيناً في الخليفة قصر لا يبصر سماء ولا أرضاً، ولا يرى غديراً ولا روضاً، ولا يسمع حركة ولا صوتا ,. ولا يشعر بمجرى الحياة إلا حينما تخرجه الملكة من مخبئة ساعة يغفل الرقيب وتغفو العين المريبة. فتطارحه أحاديث الغزل. وتسقيه من سلاف الهوى عللا بعد نهل. ثم ترده عند الخوف إلى مأمنه. ومضت على تلك الحال حقبة من الدهر ورفت عليهما ظلال الأمن فيها. ولكن وجه الجريمة وقاح لابد من سفوره. وريحها ذفر مهما كتمته فلا مناص من ظهوره. والخطيئة لا يطهرها إلا عقوبة أو ضحية! فأهدى إلى الخليفة ذات يوم جوهر نفيس فراقه حسنه. وأحب أن يطرف به الملكة. فبعث به إليها مع خادم له ومعه كلمة رقيقة. فمضى الغلام بالتحفة إلى مجلس الملكة فلم يجدها، وعلم أنها في بعض الغرف فدخلها عليها مفاجأة، وكانت قد أحست بخطاه دون الباب فبادرت إلى إخفاء وضاح فأدخلته في صندوق وأغلقته. وحينئذ دخل الغلام فرأى أواخر جسمه تغيب تحت الغطاء. فأدى إلى الملكة الرسالة ودفع إليها الجوهر، ثم قال لها بلهجة الخبيث الماكر: ألا تهبين لعبدك يا مولاتي حجرا من هذا الجوهر؟ فأجابته الملكة بلهجة

стр. 3595

العزيز الممتعض: (كلا يا بن اللخناء ولا كرامة) ولعلها لو كانت تحسن قراءة الوجوه لحشت فمه بهذا الجوهر حتى لا ينطق. أو لعلها فهمت لحن قوله، ولكن نفسها الملكة الأبية أنفت الخشوع، لهذا العبد فآثرت نقمة زوجها على نغمة خادمه وهي مع ذلك قوية الثقة في شفاعة الجمال ووساطة الحب! ومهما تكن الدوافع إلى هذا الجواب فأن الخادم قد ارتد إلى سيده بجلية الأمر. ولكن الأمر نزل من خليفة معاوية في بال واسع. فأمر بالغلام فوجئت عنقه. ثم لبس نعليه ودخل على زوجه وهي جالسة تمشط في تلك الغرفة. فجلس على الصندوق وقد علم وصفه من الغلام، ثم قال بلهجته الهادئة الرزينة: - ما أحب إليك هذا البيت من بين بيوتك. فلم تختارينه؟ - اختاره واجلس فيه لأنه يجمع حوائجي كلها فأتناولها منه كما أريد من قرب ألا تهبين لي صندوقاً من هذه الصناديق؟ - كلها لك يا أمير المؤمنين! - ما أريدها كلها. وإنما أريد واحداً منها - خذ أيها شئت - أريد هذه الذي جلست عليه - خذ غيره فأن لي فيه أشياء احتاج إليها - ما أريد غيره!. - إذن خذ يا أمير المؤمنين فأشار إلى الخدم فحملوه إلى مجلسه. ثم أمر العبيد فحفروا تحت بساطه بئراً بلغوا بها الماء. ثم دعا بالصندوق أو الناووس وقال له: (انه بلغنا شيء. . إن كان حقاً فقد كفناك ودفناك ودفنا ذكرك وقطعنا أثرك إلى آخر الدهر. وان كان باطلا فقد دفنا الخشب، وما أهون ذلك!!) ثم قذف به في البئر! وهيل التراب، وسويت الأرض، ورد البساط، وأخذ الخليفة مجلسه. واستمر الفلك يدور دورانه الأبدي المنتظم كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا … أنيس ولم يسمر بمكة سامر!!

стр. 3596

الزيات

стр. 3597

مسيلمة بات مسيلمة والكرى لم يطرق جفنه، يفكر في محمد اليتيم كيف انتصر، وصارت له عصبة وقوة، وكيف سر أعداءه وقد بدا لا عدة ولا عدد، وها هو ذا يريد أن يكتسح جنوب الجزيرة بعد شمالها، فتنفرد مضر بالرياسة. لا ورب الشعرى ما تذل ربيعة، ولا ينبغي لها ذلك، وان كان قد دعا لنفسه، فلم ينفرد بالرسالة؟ أولست مثله؟ ولي لسان كلسانه وقومي كقومه بل أشد شوكة. انهم أعراب غلاظ شداد لا يعصوني ما أمرتهم، تدفعهم النعرة إلى نصرتي ظالماً أو مظلوما - والله لأوقدنها نارا ولأكون صاحبها. دخل عليه صديقه (مجاعة) عند انبثاق النور، واشد ما أدهشه أن رآه جالساً القرفصاء قد دفن وجهه! بين ركبتيه، فنادى مسيلمة فرفع إليه رأسه في صمت وسكون وقد بدت من وجهه عينان أدماهما الأرق فسأله مجاعة؛ - ما بك يا أخي؟ أسوء إعتراك؟ - بل الخير كل الخير - وكيف صممت عن دعائي وقد ناديت مرارا؟ - ما كنت واعيا - وما شغلك؟ - كنت في فكر أقض مضجعي، وأطار نومي، وما أحسب أحداً غيري يقوي على احتماله - وأخوك الذي أذهب ميعة شبابه بجانبك، وأخلق ديباجته مقتحماً الأهوال بين يديك؟ ألما تجده لسرك أهلا؟ - كلا ما ذهبت إلى ذلك، وما أردت أن أثقلك بما ينقض ظهرك، وأشركك في كأس مرة - ما دمت تشرب منها، فكيف تبخل علي بها؟ وهبها كأس المنية - بارك الله فيك من عشير، إذن فأصغ إلي - أنت تعلم العداوة التي بين أهلنا ربيعة وبين مضر، وكم أوقدنا الحرب نمدها بأفلاذ أكبادنا ونرميها بزهرات اولادنا، ولم نرض في حال بالذل وسوم الخسف - وماذا فعلت مضر بنا؟ هل أغارت على حينا؟ هل أرسلت شياطينها على عيرنا؟ هل حمت البيت دوننا؟ هل وترتنا في أهلنا أين. ماذا فعلت؟ - ما فعلت من ذلك شيئا. ولكنها أوقدت نارا وأخال أن ألسنتها ستمتد إلينا، فيهبط العرش

стр. 3598

على الفرش ويذهب الولد والوالد - وما هذه الداهية؟ - ألم تعلم أن محمدا ظهر أمره، وزهر نجمه، وكنا حسبناه شرارة ما تضيء إلا لتخمد، وخطباً ما ينزل إلا ليهون. ولكن خاب فألنا، فالركبان يتناقلون أنه استحوذ على ما بين مكة والمدينة؟ والناس يدخلون في دينه أفواجاً، وأخشى على اليمامة. منزلنا العتيد ومهد الجدود، أن يأخذها منا على غرة فنذل بعد عزة، ونبوء بالخسران المبين. - وما بدا لك أن تفعل؟ - إن الحديد بالحديد يفلح، والدعوة بمثلها تقابل، له الشمال ولنا الجنوب. ليت شعري لم يكون النبي من مضر ولا يكون لربيعة نبي؟ قرب سمعك مني. لابد من الحيلة لقومك حتى يستقتلوا ويطيعوا، ولابد من السيطرة على قلوبهم حتى ينصاعوا، ولا يكون ذلك إلا بغزو عقولهم وخدعة عيونهم فلا يرون إلا ما نرى ولا يسمعون إلا ما نسمع. - أذن فاعمل كيدك حتى تأينا بآيتك التي تبهر وتسحر - ما تظنني عن هذا غافلا - بل إن فكري ليحلق في آفاق أبعد، وكيف أنصب قدرا قبل تهيئة الاثافي، ومثلي الذي جاب الآفاق وجال في الأسواق، ونفذ إلى ما وراء الحيرة والأنبار، واقتحم سواد فارس واجتمع بأوشابها، فوقف على ألاعيب فتيانها وكيد دهاتها واختلط بتجار الهند وعرف حكمتهم واستجلى شعوذتهم - لا يخلو من كيد وحيلة، فكم خدعة عندي يحسبها الأعراب معجزة، وكذبة يظنونها حقا! - يا لك من داهية يا أبا ثمامة! وما وراءك بعد؟ - سأزعم النبوة كمحمد، وأدعي المعجزة، ولابد من ردء يصدقني ويشد أزري. وأظن فيك - بعد ما بلوتك - ذلك الرجل - قد أجبت سؤلك. ما دام في ذلك مرضاة لحمى الجدود، وبر لرفاتهم، فماذا تريد أن أفعل؟ - تذيع في الناس أمري، وظهور رسالتي، وتحشدهم إلى دارك بعد غد. ليشهدوا آياتي أليس الموعد بقريب؟ - بلى، سيتم ذلك على أحسن حال. إلى اللقاء هب الناس على دار (مجاعة بن مرارة)، وكانت رحبة الفناء ضمت ألوفاً من الأعراب

стр. 3599

وكلهم يشيع في وجهه السرور، ويهنئ صاحبه، لأن الله حباهم نبياً من أنفسهم، عزيز عليهم، به رجحت كفتهم، وأنقذوا من نير مضر وسورة سلطانهم، وها هم أولاء يجتمعون ليشاهدوا آياته، فتملئ قلوبهم إيماناً وفي الأصيل وقف مسيلمة على دكان بصدر المجلس وقد اختفت قسمات وجهه تحت لثامه الغليظ فلم تبد منه إلا عينان خبيثتان تدوران في الجمع الحافل، وتلحظان فيض العاطفة على الوجوه، وتقرءان في العيون الأيمان والسخرية. وكان ممتقع اللون، يرفض جبينه عرقاً، يهوله ما يقدم عليه من خطب ويخشى العاقبة. ثم ثبت يده على عكازه التي اعتمد عليها واستفتح كلامه حامداً الله الذي حمى اليمامة وأعزها بنبيها، وأفاض في الثناء على أهلها وثباتهم، وناشدهم أن يعينوه بقوة على محمد شريكه في الرسالة، ليستخلصوا نصيبهم من بين يديه. ثم أعلن أنه سيعرض عليهم معجزاته الناطقة برسالته، لتطمئن قلوبهم. تنفس الجمع الحاشد، ونظر بعضهم إلى بعض متلهفين إلى ما يأتي به من خوارق ومعجزات، وكان مسيلمة قد اختفى وراء ستر نصبه بينه وبين الحائط، فرجع وفي يده قارورة داخلها بيضة، كان قد أطال انقاعها في الخل حتى لان قشرها الأعلى، فمدها فامتدت كالعلك فأدخلها قارورة ضيقة الرأس، وتركها حتى جفت ويبست، وكلما انضمت استدارت حتى عادت سيرتها الأولى قال: هاكم آية من آياتي نزل بها عليّ الرحمن، ترتفع عن قدرة البشر. بيضة كبيرة، غير مقشورة، في قارورة. أجيبوني بآبائكم، من أدخلها فيها غير ربكم. أم هل فيكم من يفعل من ذلكم شيئا؟ وناول القارورة أحد الجلوس، فتقاذفتها الأيدي، متأملين المعجزة العجيبة، والبدعة الغريبة. ثم دار بعينيه في دار (مجاعة) فرأى زوجاً من الحمام مقصوص الريش، واقفا على عود في حائط كانت الأعوان قد هيأته لتلك الفرصة، فالتفت إلى مجاعة وقال له: - إلى كم تعذب خلق الله بالقص؟ ولو أراد الله للطير خلاف الطيران ما خلق لها أجنحة، وقد حرمت عليكم قص أجنحة الحمام فقال مجاعة كالمتعنت -: فسل الذي أعطاك في البيض هذه الآية أن ينبت لك جناح هذا الطائر الساعة.

стр. 3600

- فان أنا سألت الله ذلك، فطار وأنتم ترونه، أتعلمون إني رسول الله إليكم؟ - أجل: أجل - أريد أن أناجي ربي، وللمناجاة خلوة فانهضوا عني، وإن شئتم اختليت به وراء الستر ودعوت الله ثم خرجت به اليكم وافي الجناحين ولما خلا بالطائر أخرج ريشا كان قد هيأه، فأدخل كل ريشة مما كان معه في جوف ريش الحمام المقصوص من عند المقطع - ولما أتم جناحيه خرج به وأرسله على رءوس السامر فرفرف عليهم - فصاحوا معجبين، ونهض منهم خلق كبير، يبايعه ويشهد الله على ما في قلبه، وانفض السامر وقلوبهم شتى، ولكنهم جميعاً أخذوا يفيضون فيما رأوا وما سمعوا. وفي غداة اليوم التالي دخل مجاعة على مسيلمة، فرآه مشرق الوجه، فما لمحه مسيلمة حتى اندفع إليه قائلاً: - ماذا كان من أمر القوم بعد ما رأوا الأعاجيب أمس؟ - منهم المصدق ومنه المكذب ومنهم دون ذلك. ولا يخفى عنك أن فيهم من رأى اعجب من آياتك في سياحاته وتجاراته على أيدي الكهان والسحرة وغير هؤلاء. - وماذا ترى؟ - محمد جاء بقرآن ليعقل به ألسنة العرب ما بقيت في افواههم، وليسلبهم بسحره ألبابهم، ولا أرى إلا أن تصنع كلاماً ككلامه. - ما أبعد روق الشامخ على الطرف! كلما صعدته إليه ارتد البصر حسيرا، هذا يا صاح يعقد لساني - ولا أكتمك شيئاً - انه جل عن أن يبدعه قلب من لحم، ولسان من عضل، وإنما هو آية كخلق الله تعجبنا وتطربنا، كما تشهدنا على عجزنا. - ولكن قومك يطلبون منك آية كقرآن محمد، وهم لد الخصام. وما دمت زعمت مشاركته في رسالته - فهات كتابك مثله بيمينك، وإلا عبثت بك العيون. - حق ما تقول، إذن نحاول، ولكن أين الظهير؟ - ربما تكون العناية قد لحظتنا، فقد قدم علينا صباح اليوم رجل من المدينة على دين محمد حسن السمت، سليم الطوية، قد هم فتيان من العشيرة أن يقتلوه، ولكن استبقيته لعلنا نستفيد منه في أمرنا. فيزعم أنه صاحب الرجل، وقد حفظ كلامه، وقرأ بعينه صفحة جهاده. - وكيف نملك قلبه؟

стр. 3601

- بالمال؟ - وما يدريك الوصول إليه؟ - بلوته فوجدته رطب العود قريب الغور - وماذا نأخذ منه؟ - يسمعنا قرآنه فنقيس على الآيات مثلها، ونصب في القوالب ما يملؤها، - كيف والعرب صيارف كلام، يقلبون الكلمة ويحكونها كالدينار لا يخدعهم وشمها، أو يخطف بصرهم وسمها - اجتهد أن تكن مزيفاً ماهراً، فهذا ما لابد منه مادمت تصر على رأيك. - نعم لابد من صنعاء، ولكن ألا ينفعنا في سبيل آخر، فنلقي إليه أن يزعم أن محمداً أخبره بأني شريكه في رسالته، وقد بعثه إلي بذلك النبأ. - نعم ما رأيت، وأظن أن الإبل والشاء كفيلة بأن تركبه الصعبة وهو الذلول كما أعلمتك. اجتمع نفر من بني حنيفة في ساحة من القرية تحن شجرة ليستروحوا بفيئها ساعة الهجير، وهم أخلاط في أسنانهم ونزعاتهم، ابتدأ أحدهم يقول: - بالأمس قدم رسول محمد فأعلن على رؤوس الأشهاد أن مسيلمة شريكه في رسالته - فهنيئاً لليمامة بصاحبها. آخر - الآن لزمته الحجة، فتثاءب شيخ من الجلوس وقال: وما يدريكم أن الرجل رسول محمد، وأنه أرسله لذلك الشأن، وكيف جاء اليوم وقد ظهر أمر محمد من سنين، أبعد ما جاهد وكابد، وصار له النقض والإبرام، يعلن شركة مسيلمة؟ فهل كان الأمر والخطوب به مكتنفة، والأعداء له متربصة، فيستعين بشريكه، ويحمله نصيبه في جهاده. ما أحسب ذلك إلا خدعة. فدارت عيون القوم وقد انبسط فريق منهم لهذا الكلام الذي أجلى المبهم فكان كالبرق في الظلمات وانقبض آخرون. ولكن الشيخ أخذ يقول: وما ذلكم الكلام الذي ينحله الله؟ أأعجبكم قوله في الضفدع: (يا ضفدع بنت ضفدعين. نقي ما تنقين، نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين،). أي عجيبة أبانها في الضفدع، وأي حكمة اظهرها؟ أمرها

стр. 3602

بالنقيق فهل رآها أمسكت عنه؟ ولعله أعجب بنغماتها فأثارت أشجانه، وحركت بيانه، فصار يستوحيها، ويطلب المزيد من هديرها. - إن أنكرت بيانه يا عم فكيف تنكر آياته الشاهدة التي لمستها أعيننا. أتراها قد خانتنا فأرسل منها الكذب إلى نفوسنا وخيل إلينا. قد كنت في ذلك السامر يا ابن أخي، فهاج سخريتي بكذبه الفاضح، أرأيت البيضة والقارورة يزعم أن الله أدخلها! فلم أدخلها وراء أظهرنا ولم لم يخرجها أمامنا؟ ورأيت الحمام المقصوص كيف زعم أن الله ينب له ريشا في ساعة. ما باله لم يسأله ذلك أمام أعيننا؟ وهل لا يجيب الله داعيه إلا بخلوة؟ فتحوا أعينكم يا قوم فلا تضلوا انه لعمري ليس بمتنبئ صادق ولا بكذاب حاذق. - أصوات: مه مه! أيها الشيخ لقد كبرت. ولئن كان كما تزعم لنتبعنه، فكذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر - قد محضت لكم نصيحتي وأنا شيخ كبير قد تقلب وجرب. وأخشى أن تسندوا باطلا فيقع عليكم، أو تشعلوا نارا فتكونوا وقودها، - فنظرة إلى محمد وقرآنه تجدون اللبن الصريح. ولعمري إن نفسي لتنزع إلى دينه كما ينزع الفطيم إلى ثدي أمه. ولكني أخشى. . . - فتيان ينهضون - لقد خرف الشيخ آخرون باقون معه - لا ضير عليك من هؤلاء فأنهم سفهاء يتبعون أول ناعب. فتى يتحدث إليه - قديما ظننت في مسيلمة البركة فأحضرت له وليدي ليباركه غداة يوم فدعا له بطول العمر فما جاء الأصيل ألا وقد كفنته بثوبه الأصفر آخر - وجارنا أمسى له بغلامه فمسح له رأسه، فما مضت أيام ثلاثة حتى لف فيه القرع - وأمتنا المريضة ذهبت إليه لتستشفي فكأنها ذهبت إلى حتفها - وأنا أعتقد ضلاله. ولكن يكبر على نفوسنا أن نمد أيدينا لمحمد، كما يكبر علينا أن نحاربه أو نؤذي قومه. ونخاف الفتنة إذا ما غزانا فلا ندري أنحارب معه اخوتنا، ونقضي على بني عمومتنا، أم نحاربه وهو أقرب إلى قلبنا، أم نمسك ونعتزل فيظن بنا الجبن

стр. 3603

والعار، ونصير مضغة الألسنة في حينا؟ الشيخ - حقاً أنها لحيرة يا بني. فلننتظر ما تأتي به المقادير، ويفعل الله ما يريد. سمع مسيلمة بقدوم خالد إليه فاستنجد ببني حنيفة، فتبعه أربعون ألفاً لعزته وعصبته، وفر قوم من وجهه، وكرهوا أن يشهدوا مقارعة الباطل للحق، وقبعوا في واد ظاهر القرية وأخذوا يتجسسون الأخبار فرأوا قادماً عليهم - مم قدمت يا فتى؟ - من القرية. - أشهدت خالداً وصحبه؟ - كنت بين ظهرانيهم. - ما عندك فيه؟ - انه ليعسوب قريش وفتاها، ولئن طاولته الكواكب لأحسب أنه ينزلها من منازلها، ما تقولون في عقل سديد، وقلب شجاع، وأمر مطاع. - وكيف رأيت صحبه؟ - شباب مكتهلون، أشداء على أعدائهم، رحماء بينهم، أبصرتهم موهنا متثنية أصلابهم على كتابهم، فسمعت منهم دوي النحل، وأزيز المرجل، وشهدتهم في المعمعة ينظرون الشزر ويقذفون الجمر. فرأيت النار المحرقة، ليستعجلوا حتفهم مرضاة لرِبهم طامعين، في الجنة والحرير، والملك الكبير. - وما فعل مسيلمة بهم؟ - قارعهم فلما أثخنوه جراحا ولى ظهره واستقبل (عقرباء) وتحصن بحديقته - تلك حديقة الموت، وهل حسب القصر يضم جيشا - انه لغمر. هو ما تقول - فتقدم خالد إليهم بجيشه، ووضع السيف في رقابهم. فهلك مسيلمة ومشيخة قومه ونادى مناد: الله أكبر - وما فعل قومك بعد؟ - دخلوا في دين محمد أفواجاً وسموا مسلمين. وقد تركت أكابرهم يتحملون إلى أبي بكر ليبايعوه ويشهدوه على إسلامهم.

стр. 3604

- الآن نكون معهم. أبو بكر - ويحكم، ما هذا الذي استنزل منكم ما استنزل؟ - يا خليفة رسول الله لقد كان الذي بلغك مما أصابنا، كان أمر لم يبارك الله له ولا لعشيرته فيه - هل فيكم من يحفظ من أسجاعه؟ - أجل - يا ضفدع بنت ضفدعين. . . - ويحكم. ان هذا لكلام ما خرج من إل ولا بر، فأين يذهب بكم؟ - بربك حسبنا عدلا. كان ما كان، واليوم تبنا وأنبنا واشهد بأنا مسلمون. احمد احمد التاجي

стр. 3605

٥ - شهر بالغردقة للأستاذ الدمرداش محمد مدير إدارة السجلات والامتحانات بوزارة المعارف والتنظيم الإداري في منطقة الآبار يبلغ درجة عظيمة من الاتقان، والدخول فيها لغير موظفي الشركة غير مسموح، والتدخين فيها ممنوع والقائمون بالعمل فيها ثلاث فئات، طبقة الموظفين الكبار الصناع، وهم خليط من الإنجليز والفرنسيين والأرمن، ثم طبقة الصناع والعمال وغالبيتهم من المصريين من أهالي قنا وقفط، ويقيمون في قرية منازلها نظيفة منسقة في طرفها الشمالي مسجد كبير شيده العمال على نفقتهم الخاصة، ويقوم بالإمامة فيه عالم من الأزهر سمعته يوم الجمعة يلقي الخطبة بعبارة مهذبة جلية، وبالقرب من المسجد كنيسة للأقباط، وفي الجهة الغربية من القرية مدرسة أولية يتعلم فيها أولاد العمال وصغار الموظفين، وبالقرية حانوتان كبيران تباع فيهما أنواع الحاجات المنزلية بأثمان معتدلة، وسكان القرية نحو ٦٥٠ نسمة منهم ٤٥٠ من الصناع والعمال. وبالغردقة طبيب ومأمور تابع لمصلحة الحدود لفض المنازعات، ويقيم بها أيضاً مفتش سواحل البحر الأحمر، وهو موظف مصري كبير تمتد سلطته من جنوبي القصير حتى السويس، مركزه دقيق فهو يقوم بالحكم في أربع مناطق نفوذ لشركات أجنبية قوية، ففي القصير وسفاجة شركتان للفوسفات الأولى طليانية والثانية إنجليزية، وفي الغردقة ودمشة شركتان للبترول وهما إنجليزيتان، ومن أهم واجباته صون النظام العام داخل هذه الشركات والمحافظة على الأرواح والأملاك في سفاجة في طريق معبدة تارة تحاذي البحر في انبساط وطورا تحيد عنه إلى سفوح الجبال فتعلو وتهبط وتنحني وتنثني - في هذا الطريق درجت بنا السيارة في الصباح جهة الجنوب قاصدة سفاجة إحدى مواني الفوسفات على البحر الأحمر فوصلناها ضحى، بعد أن قطعنا سبعين كيلومترا في ثلاث ساعات، وسفاجة كالغردقة - كل منهما مركز لشركة أجنبية، فهناك البترول وهنا الفوسفات، وهناك (فيللات) مشيدة ومساكن منسقة وهنا أيضاً (فيللات)

стр. 3606

ومساكن، وهناك الرأس أجنبية واليد مصرية، وهنا الحال كذلك وتقع سفاجة فوق البحر على سفح جبل عال من الجرانيت وأمامها جهة الشرق جزيرة طويلة مرتفعة، وهي كالغردقة طلقة الهواء خفيفة الروح ولسفاجة مرفأ حسن نصبت فوقه الروافع القوية ومدت عليه سكة حديدية، وعلى مقربة منه تقوم مخازن الشركة ومصانعها ومكاتبها ومقطرات الماء (الكوندسة) نزلنا نقطة بوليس مصلحة الحدود وبعد راحة قصيرة ذهبنا إلى المرفأ حيث كان في انتظارنا سفينة شراعية من مراكب الصيد فسارت بنا صوب الجزيرة في بحر مضطرب، وبعد ساعة أرست أمام شاطئ مرجاني، فانصرف بعضنا إلى الجزيرة للرياضة وصيد الطيور، ومكث البعض الآخر في القارب يلهو بصيد السمك بالشص، وانتجعت ناحية في المركب قرب مقدمها، وجلست أسرح البصر في البر والبحر - كان المنظر بهيجاً حقاً يملأ النفس انشراحاً وحبورا، فجهة الغرب سفاجة بمنازلها ناصعة البياض، ومن خلفها الجبل قائم كالستار الأسود فبدت البلدة أشد ما تكون وضوحاً وتحديداً ومن تحتها البحر يمتد في زرقة نضرة إلى الأفق جهتي الشمال والجنوب، وفي محاذاة البحر شاطئ متجعدا متعرجا في نتوء وانحناء، ومن وراء الشاطئ سلسلة جبال العرب تسمو في عظمة تتضاءل مع مد النظر حتى تصير هي والبحر خطين متوازيين يلتقيان والسماء، وجهة الشرق جزيرة سفاجة في صفرة شديدة تنعكس صورتها في الماء فيبدو أخضر قاتماً، والقارب فوق الماء كالأرجوحة يعلو ويهبط في رفق وهوادة، والموج يلطم جانبيه في توقيع كالنقر على الدف ونسيم بليل عليل يخدر الأعصاب ويثقل الجفون ويجعل النوم أشهى ما يكون - فاتكأت بظهري على (برميل) كان بجانبي والنوم يغالبني، فكنت أغفو تارة وأصحو أخرى، وقد مرت على ساعة هكذا وأنا في سعادة ما بعدها سعادة. كان شريكي في (البرميل) أحد نوتية القارب جمعت سحنته كل مميزات عرب الحجاز من سكان السواحل، فوجه طويل نحيف تحيط به لحية شعثاء خفيفة وعينان صغيرتان براقتان في حاجر بارز فوقه حاجب غزير الشعر، وبشرة نحاسية صقيلة وجسم ناحل دقيق، وصاحبي رقيق الحال لا يستر جسمه سوى أسمال من بقايا ثوب عتيق أطرافها وخاط فتوقها على غير انتظام بغرز طويلة، فكانت معرضاً لأنواع الخيوط وألوانها، كان جالساً

стр. 3607

القرفصاء وقد بسط في حجره جلدة سمك مقددة امسكها بإحدى يديه واستعان باليد الأخرى على تمزيقها قطعا كان يحشى بها فمه ويلوكها ثم يبلعها من غير أدم، وبعد أن أكل الجلدة حتى ذيلها ورأسها وزعانفها مد يده إلى ناحية من المركب فاخرج منها علبة دخان قبض منها بين إصبعيه قبضة صغيرة من دخان أغبر، دس فيها قطعة صغيرة من مادة حجرية بيضاء، ثم ضغطها وألقاها في فمه، وبعد أن مضغها ألقاها في حلقه كذلك فقلت ماذا تفعل يا أخي؟ فأجاب غير مكترث: - هذه سمكة آكلها وهذا تبغ أمضغه - وهل أشبعتك هذه الجلدة؟ - الحمد لله تكفي فقلت في نفسي مكرراً عبارته الحمد له الذي لا يحمد على النعمة والحرمان سواه، وقبيل الظهر أقلعت بنا السفينة عائدة إلى سفاجة في بحر هائج وريح قوية، فكانت نزهة بحرية لم تخل من مجازفة وبعد الظهر توجهنا إلى مكتب مدير الشركة فاستقبلنا بحفاوة وأخذ يصف لنا أعمال الشركة فقال: هنا المرفأ والمطاحن والإدارة، وفي وادي الحويطات على بعد ٢٢ كيلومتراً من هنا مناجم الفوسفات، والفوسفات كما تعلمون صخر تكون منذ عصور جيلوجية بعيدة من تراكم عظام حيوانات فقرية برية وبحرية من أسماك وزواحف، ومع مرور الزمن الطويل تحولت هذه العظام إلى مادة متماسكة مندمجة يقال لها في علم الكيمياء فوسفات الكلسيوم، ويوجد الفوسفات ضمن طبقات العصر الطباشيري في بعض جهات القطر المصري، كسفاجة والقصير، واسنا، وفي بعض الواحات، والفوسفات لا توجد نقية بل مختلطة بصخور أخرى، وتختلف نسبتها في الصخر الخام من ٣٠ في المائة إلى ٧٥ في المائة، على أن النوع الذي يطلب عادة في التجارة هو الذي يحتوي على ٦٠ في المائة - ونستعين بالطرق الميكانيكية على استنباط الفوسفات من المناجم ونستخدم كذلك عدد كبيراً من العمال في عمليات الحفر، وفرز أحجار الفوسفات وفصلها عن المواد الأخرى، وفي شحنها من المناجم إلى المطاحن. وبين سفاجة ووادي الحويطات سكة حديدية تنقل في

стр. 3608

الذهاب الماء العذب والزاد للعمال والموظفين، وتنقل في العودة الفوسفات ثم انه دعانا لمصاحبته إلى المطاحن، وهي بناء كبير من طبقات قد ركبت فيها ماكينات على هيئة اسطوانات كبيرة، داخلها كرات ملساء من الصلب يلقى فيها حجر الفوسفات بعد تجفيفه بنشره في الهواء تحت أشعة الشمس، فيتبخر ما به من الرطوبة فإذا دارت الاسطوانات طحنت الكرات الفوسفات وجعلته كالدقيق الناعم (البودرة) وبعد تعيين نسبة الفوسفات الخالص في عينات الدقيق المختلفة ثم مزجها بالقدر اللازم توضع في أكياس ذات سعة محدودة وترسل للمخازن حيث (تشون) للتصدير. ثم بعد ذلك جلنا حول المطاحن وشاهدنا الفوسفات وهو منشور قبل نقله إليها وهو على هيئة صخر أبيض اللون يميل إلى الصفرة، ولا تزال ترى فيه بقية من أسنان الأسماك التي كونته وبعضها صغير شديد الاندماج كبير لا يختلف كثيرا عن أسنان الحيوانات البحرية التي تعيش الآن، وقال المدير إنهم أحياناً يعثرون على بعض أجزاء من عظام الحيوانات القديمة حافظة شكلها ثم انتقلنا إلى مقطرات الماء العذب من ماء البحر، ثم زرنا مكان توليد القوة التي تدير المطاحن والدوافع، وتنير المدينة بالكهرباء والفوسفات سماد لبعض المزروعات، وهو شائع الاستعمال في كثير من الجهات، على أنه في حالته الطبيعية لا يصلح سماد لقلة ذوبانه في الماء ولذلك يصدر للخارج لتحويله إلى مادة تذوب يقال لها (سوبر فوسفات) ومعظم الناتج من مناجم سفاجة يصدر لليابان لهذا الغرض وسكان سفاجة نحو خمسمائة منهم أربعمائة من العمال والصناع وكلهم تقريباً من المصريين وفي الأصيل عدنا إلى الغردقة فبلغناها قبيل العشاء. الدمرداش محمد

стр. 3609

النقد شهرزاد للدكتور محمد حسين هيكل بك وأقصد بشهرزاد التي أتحدث الآن لقراء الرسالة عنها، مسرحية توفيق الحكيم الأخيرة تلوتها للمرة الأولى فاغتبطت، وتلوتها للمرة الثانية فأعجبت، ثم جعلتها بعد ذلك سمير أويقات السأم، أتلو فيها بعض صحف من منظرها الثالث أو من منظرها الأخير، فأستريح للتلاوة وأبرأ من سأمي ترى أيرجع الفضل في ذلك إلى فن الأستاذ توفيق الحكيم، هذا الفن الذي يقصد به لوجه الفن وحده، أم يرجع لما ينطوي عليه اسم شهرزاد من سحر قديم، سحر رد الملك شهريار عن قتل العذارى ألف ليلة وليلة، وأوحى بموسيقى شهرزاد الرائعة، وأصبح علامة على ما يجري في الظلام وتحت ستر الليل، وجعل المتحدثين يسكتون عن الكلام المباح كلما جل الأمر ودهي الخطب. أريد أن أقنع بأن الفضل في اغتباطي ثم في إعجابي يرجع إلى فن الأستاذ توفيق الحكيم، هذا الفن الحديث الذي يجاري أحدث أطوار الفن في أوربا، مما تتبعنا نحن ولم نتمثل. وأقصد بنا نحن الذين تمثلوا الفن القصصي أو للفن المسرحي أو ما سواهما من صور الفن الغربي قبل الحرب. أما ما بعد الحرب فقد تتبعنا إلى حد أطوار الفن، ولكن ما دهمنا من مشاغل طغى على تمثيلنا إياها، وقد تنقل الفن بعد الحرب في أطوار شتى كان الأستاذ توفيق الحكيم مأخوذاً في تيارها أثناء مقامه بباريس، فلا عجب أن يتمثلها بل أن تتمثله، ولا عجب وله في الأدب المسرحي ما له من مواهب أن تدفعه ليخرج للناس مسرحيتيه أهل الكهف وشهرزاد. وأنت تقرأ شهرزاد وتعيد قراءتها وتغتبط وتعجب ثم تسائل نفسك: ماذا فيها وما هي الفكرة التي تنطوي عليها؟ وقفت أمام سؤالك نفسك ولا تكاد تحير جواباً. بل لعلك تجد الجواب إذ تطرب بعد ذلك لسماعك لحناً من الموسيقى تهتز له جوانب فؤادك، وتشيع له الغبطة في أنحاء نفسك، ثم تسأل: ماذا في هذا اللحن وما هي الفكرة التي ينطوي عليها؟ وتستطيع أن تجيب بعد ذلك لا شيء ولا فكرة، وإنما هو الفن يغذي النفس بالغذاء الروحي الذي تصبو

стр. 3610

إليه في الساعة التي تنال فيها هذا الغذاء. وتستطيع أن تجيب بأن في هذا اللحن كل شيء وأسمى فكرة، وأنه يتناول أجل ما في الحياة من معان وصور. وذلك شأن مسرحية شهرزاد، فلا شيء ولا فكرة فيها وفيها كل شيء وكل فكرة. فالملك شهريار الذي قتل زوجه الأولى وقتل معها العبد الذي وجده في أحضانها قد أقام يقتل عذراء في كل ليلة انتقاماً لنفسه من غدر النساء، حتى تزوج شهرزاد، لكنه لم يقتلها لأنها بدأت تقص عليه أحسن القصص ولا تتم قصتها إذا كان الصباح. وتعود إليها إذا جن الليل، حتى انقضت ألف ليلة وليلة، وشهرزاد لم تكن إلى يومئذ تبلغ العشرين. كيف لها إذن أن تعرف كل هذا الذي تقصه؟ وكيف تراها وهي تعرف ذلك كله لا تريد أن تبوح لشهريار بسرها وسر الطبيعة وسر الكون كله. هذه مسرحية توفيق الحكيم من أولها إلى آخرها، هي كما ترى لا شيء ولا فكرة فيها. ولكن لا، ففيها كل شيء وكل فكرة، استمع إليه حين يصور هذه الفكرة الأساسية التي تنتظم المسرحية كلها على لسان شهريار حين يثور بشهرزاد لأنها تلح عليه في أن الحياة ليس بها ما يستحق العلم، وأنها لا سر فيها، وأنها هي - شهرزاد - ليست إلا امرأة ككل النساء ذات أم وأب وماض معروف، يثور شهريار ويتحدث كمن به مس، وكمن يتحدث إلى نفسه فيقول: قد لا تكون امرأة، من تكون؟ إني أسألك من تكون؟ هي السجينة في خدرها طول حياتها تعلم بكل ما في الأرض كأنها الأرض! هي التي ما غادرت خميلتها قط، تعرف مصر والهند والصين! هي البكر تعرف الرجال كامرأة عاشت ألف عام بين الرجال، وتدرك طبائع الإنسان من ساميه وسافله، هي الصغيرة لم يكفها علم الأرض فصعدت إلى السماء تحدث عن تدبيرها وغيبها كأنها ربيبة الملائكة، وهبطت إلى أعماق الأرض تحكي عن مردتها وشياطينها ومساكنهم السفلى العجيبة كأنها بنت الجن! من تكون تلك التي لم تبلغ العشرين قضتها كأترابها في حجرة مسدلة السجف! إما سرها؟ أعمرها عشرون عاماً، أم ليس لها عمر؟ أكانت محبوسة في مكان، أم وجدت في كل مكان؟ إن عقلي ليغلي في وعائه يريد أن يعرف. . . أهي امرأة تلك التي تعلم ما في الطبيعة كأنها الطبيعة؟)) أسمعت؟ إن بنا ظمأ لأن نعرف. ولكنا لا نستطيع أن نعرف، وما نزعم أننا عرفناه اليوم سيقول أبناؤنا غداً إنه حديث خرافة، كما نقول نحن عما عرف أجدادنا أنه حديث خرافة،
следующие страницы →