← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

بها الانقلاب الصناعي، واخذ الفكر ينزع عن نفسه شيئاً فشيئاً ذلك الثوب المادي الذي أشتمله واحتواه حينا من الدهر. ويبحث عن حقيقة الوجود في (الحياة) التي تدب في أنحاء الكون، لا في حركة القصور الذاتي التي تنتظم الجماد، وما زال الفكر يمعن في هذه النزعة الجديدة حتى كادت الحياة تدب في المادة نفسها، واصطبغت العلوم الطبيعية بصبغة حيوية، وهكذا كتب لها أن تلقي السلاح وتندحر أمام علم النفس فيما نشب بينهما من عراك. ولعل شوبنهور هو أول من فطن إلى (الحياة) هي أساس الوجود؛ ثم جاء برجسون في عصرنا الحاضر وتناول هذه الفكرة بحثا واستقصاء، حتى استطاع بقوة أيمانه أن يجذب إليها أنظار هذا العالم الذي طغت عليه روح اللاأدرية والشك طغيانا مروعا. عكف برجسون على دراسة المذهب المادي، وخلاصته أن العالم كتلة موات من المادة والحركة، وأن الحياة والفكر وكل خصائص الإنسان ليست سوى أعراض مختلفة لتفاعل المادة والقوة التي تحرك دقائقها، فكان كلما أمعن في تلك الدراسة، ازداد يقينا بفساد ذلك المذهب، وهو يتساءل في دهشة: إذا كان العقل مادة وكانت كل عملية عقلية عبارة عن هزة عصبية لا أكثر ولا أقل، فما فائدة الشعور؟ أليس مجرد وجود الإدراك دليلا قويا على ضرورته؟ يقول المذهب المادي أن ليس ثمة (حياة إرادية)، أي ليس في الوجود تلك القوة الحيوية التي تريد هذا فتعمله، ولا تريد ذاك فتنبذه، وكل ما هنالك حالات مادية متتابعة، كل حالة نتيجة لما قبلها ومقدمة لما بعدها؛ وهنا يتساءل برجسون: إذا كان الوجود وما يحوي في لحظة معينة نتيجة آلية للحظة التي سبقتها (دون أن تكون هناك قوة مدركة تنشئ وتكون وتختار) وإذا كانت تلك اللحظة السابقة بدورها أثراً آليا للتي سبقتها، وهكذا دواليك، فنحن إذا سنسير في هذا التسلسل حتى نصل إلى السديم الأول، ونتخذ منه سببا لكل ما طرأ على الكون من أحداث، لا فرق بين دقيقها وجليلها! ماذا؟ هل يريدنا ذلك المذهب على أن نعتقد بأن السديم هو السبب فيما كتبه شكسبير مثلا؟ وأنه العلة في خطابه أنطوني وهملت؟! هكذا أخذ برجسون من منطق الماديين ما يكفي وحده للرد عليهم ودك مذهبهم من أساسه. العقل والجسم لعل ما حدا بالإنسان إلى النزعة المادية في تفكيره هو ارتباطه بالمكان ارتباطا وثيقا، حتى

стр. 387

خيل إليه أن الحياة ليست الا هذه الصور المكانية التي يحسها؟ ولكن الحق الذي لا ريب فيه هو أن جوهر الحياة وروحها إنما ينحصران في الزمان أكثر مما يتعلقان بالمكان؛ والزمان في الواقع عبارة عن تراكم صور كونية فوقها فوق بعض، أو إن شئت فقل صورة كونية واحدة امتدت على طول الزمان وأخذت تنمو وتتزايد شيئا فشيئا، ومعنى ذلك أن الماضي من بدئه الأزلي لم يفن، وإنما آخذ يتقدم فتتزايد أحداثه قليلا قليلاً إلى أن تضخم فكون الزمان الحاضر. وإذا كان الزمان عبارة عن مجموع الصور التي مرت على الوجود فيستحيل أن يكون المستقبل مشابها للماضي، لأن في كل خطوة زيادة تضاف إلى تلك الكومة المتراكمة، وفي كل دقيقة ينشأ شيء جديد ليس نتيجة لمقدمة سابقة ولكنه خلق خلقاً ولا يمكن استنتاجه قبل حدوثه. فالتغير سنة الحياة وألزم صفاتها. والذاكرة عند الإنسان هي الوعاء الذي يمتد مع الزمن فيختزن فيه هذه الصور المتراكمة المتزايدة، لكي تكون لنا عونا في حياتنا، إذ كلما اتسعت دائرة الحياة اتسع معها نطاق الاختيار، أي يعرض للإنسان مؤثرات عدة تستدعي منه سرعة اختيار للتلبية المناسبة لكل من تلك المؤثرات. وهذه المؤثرات وتلبياتها تكون في الإنسان إدراكا يستعين به في كل ما يعرض له من مشكلات. فالكائن الحي كتلة فعالة مؤثرة. لأنه يضيف إلى العالم قوة ونشاطا، وليس الإنسان كما صوره الماديون آلة ميكانيكية لا حول لها ولا قوة، ينفعل ويتأثر بعوامل البيئة دون أن يكون مركزا للخلق والزيادة. ففي قولنا أن الإنسان مدرك لما يعمل اعتراف ضمني بحرية اختياره. قلنا إن وظيفة الذاكرة هي استدعاء الصور الذهنية التي مرت بنا في التجارب الماضية مقرونة بما سبقها وما تلاها، فتتمكن بذلك من الحكم في المواقف المشابهة التي قد تعرض لنا، حكما صادقا. ولكن للذاكرة فوق هذا عملا آخر، فبوساطتها نستطيع أن نستوعب الخلود بأسره في دقيقة واحدة، وفي ذلك تحرير لنا من قيود الضرورة الطبيعية التي تخضع لها الأشياء الجامدة. يخطئ إذا من يحسب الإنسان آلة صماء في يد القوانين المادية، إنما هو كائن مدرك، حر الإرادة، قادر على اختيار سلوك معين؛ والاختيار خلق وإنشاء، فليس الإنسان رتيبا في حياته كالحيوان المحدود بغرائزه.

стр. 388

وإذا فليس العقل والمخ (أي الجسم) شيئاً واحداً؛ صحيح إن الإدراك العقلي يعتمد على المخ، يسمو وينحط تبعا لسلامة هذا أو انحطاطه، ولكن كما تعتمد ملابسك على المشجب. تظل عالية ما دام المشجب مثبتا في الحائط، وتهوي إذا ما سقط من مكانه، وبديهي أن ذلك لا يدل على أن الملابس والمشجب شيء واحد. فالمخ مجموعة من التصورات وردود الأفعال، أما الإدراك فهو تلك القوة التي تختار من بين تلك المجموعة ما تريد. المخ هو المجرى الذي يسير فيه تيار الإدراك، ولكن ليس الماء ومجراه شيئاً واحداً، وأن يكن ذلك محدودا بهذا، ولا بد له أن يخضع لإلتواءاته وتعاريجه. وإذا كان هذا هكذا، فما الذي حدا بنا إلى الاعتقاد بأن العقل والمخ شيء واحد؟ لعل ذلك راجع إلى أن جزءاً من عقولنا، وهو ما نسميه بالذكاء، قد نشأ وتطور لكي يمارس الأجسام المادية ويتفهمها، فاكتسب من هذا الميدان المادي كل تصوراته وقوانينه، وهكذا أخذ الارتباط الذهني بين العقل والمادة ينمو شيئا فشيئا، حتى انتهى بنا الأمر إلى الظن بأنهما شيء واحد؛ ولكن هذا الذكاء الذي يكشف لنا عن العلاقات التي تصل المظاهر الكونية بعضها ببعض، عاجز كل العجز عن إدراك الامتداد الزمني وما يعرض فيه لتلك المظاهر من تغير وخلق، أو بعبارة أخرى هذا الذكاء الذي يفكر في الصور المادية لا يستطيع أن يدرك ما في الكون من حياة، لأنه يلتقط صورا متلاحقة بعضها يجيء في إثر بعض، أي أنه يلتقط صورة الكون في هذه اللحظة، ثم صورته في اللحظة التي تليها، ثم صورة ثالثة في التي تليها وهكذا، ومعنى ذلك أن العالم الخارجي في نظر العقل عبارة عن جملة صور لحظية تملأ كل صورة منها الكون بأسره؛ هذه الصور تتلو الواحدة منها الأخرى لحظة بعد لحظة، وكل صورة لحظية من هذه الصور تمثل الحقيقة الخارجية من أول الماضي إلى آخر المستقبل. الا أن تلك الصور تظل مستقلة في الذهن، لا يتناولها الاستمرار أو الحركة التي تربطها جميعاً، مع أن الحياة ليست الا في وصل هذه الصور المجزأة. مثل العقل في ذلك كمثل الشريط السينمائي الذي يلتقط عددا من الصور المتلاحقة، لا حياة في كل منها على حدة، فإذا ما دبت فيها الحركة والاستمرار، واتصل بعضها ببعض، كونت حياة، أو شيئاً يشبه الحياة. ولن يكون في هذه الصور التي تصلنا عن طريق الحواس شيء من

стр. 389

الحياة، حتى يتناولها تيار الحركة الدائم الذي يربط أشتاتها ويكون منها حقيقة واحدة يطرأ عليها التغير والتبدل كلما مر عليها شطر من الزمان. صحيح أن كل صورة حسية هي جزء من الحياة، ولكن مجموعها لا يكون مجموعة الحياة، إلى أن يتحقق في أجزائها شرط الاتصال والربط، فكما أن كل جزيئي من الخط المنحني يمكن أن يكون جزءا من خط مستقيم بدليل أنهما يتماسان في أي نقطة شئت، ومع لك لا تستطيع أن تقول: بما أن أجزاء هذا هي أجزاء ذلك، إذن فالخط المنحني هو خط مستقيم؛ كذلك قل في الحياة والمظاهر الطبيعية، فليست الحياة هي مجموعة المظاهر الطبيعية، على الرغم من أن تلك المظاهر هي الجزئيات التي تتكون منها الحياة. يستنتج من هذا أن العقل ليس هو الأداة الصالحة لأدراك الحياة، لأن هذا مطلب فوق مقدوره واكثر مما يستطيع، إذ العقل كما بينا يميل إلى استعمال الوجود لصالحه، وهذا الاستعمال يتطلب منه وقف تيار الحياة الذي يدب في الكون، وتجزئة الوجود للتمكن من بعضه، فالعقل والحواس آلات للتجزئة، والغاية منهما تيسير الحياة لا تصوير الوجود، أي أنها تتناول الوجود في ظاهره ولكنها لا تنفذ إلى باطنه. . . ولما كانت المعرفة الحقيقية هي التي تتمشى مع الوجود في تحوله، وتتغلغل في باطن الاشياء، وتحسها إحساسا مباشرا كما يحس الحمل الوديع وجوب الفرار من غائلة الذئاب؛ فالبصيرة وحدها هي الأداة الصالحة لذلك النوع من المعرفة المباشرة، لأنها حاسة الحياة التي تنقل تلك الوحدة الحيوية التي تربط أجزاء الوجود. التطور خلق وإنشاء لا يمكن أن يكون تطور الحياة على تلك الصورة البشعة القاسية التي رسمها دارون وسبنسر، إنما التطور خلق مستمر، وتجديد متواصل، وتغير لا ينقطع. الانتخاب الطبيعي عند دارون هو الأساس الذي تقوم عليه نشأة الأعضاء والوظائف والأنواع. ولكن لم يكد يستوي ذلك المذهب على قدميه، حتى أحاط به من الصعاب والمشكلات ما لم يقو على رده فكاد يخر صريعاً وهو ما يزال في يفاعته. كيف يستطيع الانتخاب الطبيعي أن يفسر نشأة حاسة الأبصار مثلا! أولا، لا بد أن نسلم بأنه من المستحيل أن تكون العين قد نشأت على هذه الصورة المعقدة من بادئ الأمر، فإذا

стр. 390

فرضنا أنها تكونت بعد سلسلة من الاطوار، فهل من اليسير أن تقنع عقلا سليما أن تلك الأدوار التي مرت بها عين الإنسان تطابق تمام المطابقة الدوار التي مرت بها الحواس الابصارية لأنواع الحيوان جميعا؟! مع أن الانتخاب الطبيعي أساسه المصادفة المحضة! وهل من الجائز أن تكون سلسلة المصادفات التي تعاقبت على عين الإنسان وأذنه وأنفه وسائر أعضائه الأخرى هي التي تعاقبت على أعضاء الحيوانات جميعاً؟! وإذا سلمنا (جدلا فقط) بأن تلك المصادفة السحرية العجيبة جائزة في أنواع الحيوان لتشابه المؤثرات التي تحيط بها جميعا. فما قولك في الحيوان والنبات، وهما نوعان يسيران في طريقين مختلفين أتم اختلاف؟ كيف يتفق الاثنان على طريقة واحدة للتناسل؟ كيف يوفق الحيوان، عن طريق المصادفة، إلى اختراع الذكورة والأنوثة أداة للتكاثر، ثم يوفق النبات نفس هذا التوفيق وعن طريق المصادفة أيضاً؟!! كلا! يستحيل أن يكون هذا الأساس الواهي قاعدة التطور، ولابد أن يكون في أجزاء الوجود (مهما تنوعت أشكالها) قوة كامنة متشابهة في الجميع؛ هي الحياة. وهذه الحياة الحالّة في كل شيء تخلق فيه ميلاً خاصاً وتوجيهاً معينا يؤثران في كل جزئي من جزئياته، وهكذا يظل الجسم المادي يتشكل ويتغير حسب ذلك التوجيه الذي تمليه تلك الحياة الدافعة الكامنة فيه. وليس ثمة قوة خارجية تعمل على التطور كما خيل إلى دارون وأشياع مذهبه. هذه الحياة الشاملة تسعى جهدها للتغلب على الجمود المادي وطمس معالمه من الوجود، فهي تتغلب على الموت بالتناسل، وأن ضحت في سبيل ذلك الافراد؛ وهي تبذل كل ما تملك من قوة لتحرير نفسها من قوانين المادة وأغلالها؛ فوقوف الحيوان وسيره وسعيه وكل ما يأتي من ضروب الحركة والنشاط، هو في الواقع تحد من الحياة لتلك الأغلال والقيود. كانت الحياة في مبدأ ظهورها أشبه ما تكون بالمادة في جمودها واستقرارها، لأنها كانت تتمثل في النبات وحده، والنبات كالجماد في سكونه واستحالة سعيه وحركته؛ ولكنها ما لبثت أن نشدت الحرية من تلك القيود المادية؛ وراحت تسعى وراء ذلك المثل الاعلى، فاخترعت أنواع الحيوان، وزودتها بشتى الأعضاء التي يستطيع أن يحقق بها شيئا من تلك الحرية المنشودة، ثم ما لبثت أن عقدت أمالها في واحد من تلك الحيوانات جميعا: هو

стр. 391

الإنسان. فلا شك في أن الحياة تحاول ما استطاعت أن تسخر من قيود المادة، ونحن نضحك ونسخر إذا ما رأينا كائنا حيا يتصرف كما تتصرف الكتلة المادية الجامدة، كان تزل قدمه فيسقط بقوة الجاذبية كما تسقط قطعة الحجر. يتضح من لك أن الحياة قد سارت في تطورها خلال مراحل ثلاث: الأولى: مرحلة النبات إذ كانت أقرب ما تكون إلى سكون المادة وجمودها. الثانية: مرحلة الحيوان الغريزي كالنحل والنمل الذي يتحرك ويسعى، ولكن في حدود مرسومة وخطة معلومة. الثالثة: مرحلة الحيوان الفقري، الذي أخذ يسير في طريق الفكر، ولن يزال هذا الفكر ينمو ويشتد ويستقيم، فهو ذخر الحياة وأملها الذي سيحقق لها ما تنشد من حرية. هذه الحياة التي لا تفتأ تخلق وتغير وتبتدع، والتي تلتمس الحرية من قيود المادة، هي الله، فالله والحياة اسمان على مسمى واحد. ولكنه اله ذو سلطان محدود بقيود المادة، وليس مطلق الإرادة كما تصوره الأديان، الا أنه دائب في التخلص من أغلاله وأصفاده؛ وأغلب الظن أن الحياة ستظفر آخر الأمر، ونكاد نوقن أنها ستتغلب على الموت، فيتحقق لها الحرية والخلود. فكل شيء جائز في نظر الحياة ما دام في الزمن امتداد. وبعد. فما أجمل أن يرتفع صوت برجسون بشيرا بما في الكون من حياة فعالة خالقة، ليقف تيار المادية الذي طغى على أوربا في القرن الماضي، حتى غمرها بين ثناياه، وكم كنا نود أن نشترك معه في ثل ذلك العرش الذي كان يتربع عليه اله العقل، ولكن على شريطة الا يدعونا إلى تقديس اله آخر: هو البصيرة؛ لأنها قد تخطيء كما تخطيء الحواس.

стр. 392

في الأدب العربي ابن خلدون في مصر للأستاذ محمد عبد الله عنان - ١ - ترددت خلال العام الماضي دعوة لأحياء ذكرى المؤرخ الفيلسوف ابن خلدون لمناسبة انقضاء ستمائة عام على مولده، فاستجابت دوائر التفكير والأدب في جميع البلاد العربية لهذه الدعوة الكريمة، وأقيمت عدة حفلات علمية للإشادة بذكره وخالد آثاره، ولا سيما في تونس مسقط رأسه ومطلع مجده، وفي مصر مقام شيخوخته ومثوى رفاته؛ وحفلت المجلات والصحف حينا بمختلف البحوث عنه. ولكن ناحية من حياة المفكر الكبير لم تلق كبير عناية، تلك هي حقبة مقامه بمصر، وصلته بها، وأثره فيها؛ وهذا ما نريد أن نعنى به في هذا الفصل تحية لذكرى المؤلف والفيلسوف الاجتماعي الأشهر. غادر ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون تونس في منتصف شعبان سنة ٧٨٤ هـ (أكتوبر سنة ١٣٨٢م)، فوصل ثغر الإسكندرية في يوم عيد الفطر بعد رحلة بحرية شاقة، ويقول ابن خلدون في (تعريفه) عن نفسه، أنه قدم إلى مصر لينتظم منها في ركب الحاج، وأنه لبث بالإسكندرية شهرا يهيئ العدة لذلك، ولكن لم يتح له يومئذ أن يحقق هذه الغاية، فقصد إلى القاهرة، وكان قضاء الفريضة حجته الظاهرة في مغادرة تونس، واستئذان سلطانها أبي العباس في السفر إلى المشرق. ولكن ما يقصه ابن خلدون من الحوادث قبل ذلك يدل على أن مغادرته لتونس كانت فرارا؛ وكانت خشية من بطش سلطانها، وغدر بلاطها. وكان ابن خلدون قد أنفق نحو ربع قرن في خوض غمار السياسة ودسائس القصور، وتقلب في خدمة معظم سلاطين المغرب والأندلس، وذاق نعم الرياسة ومحن النقمة مرارا، وعانى مرارة السجن والأسر وخطر الهلاك غير مرة. ولم تهدأ نفسه المضطرمة بشغف المغامرة والنضال والدس الا في كهولته، يوم أعيته الحيل، وغلبته الأرزاء والمحن، وفقد عطف معظم القصور التي تقلب فيها، وأضحى يتبرم بقضاء تلك المهام السلطانية التي كان يتخذ قضاءها وسيلة للنفوذ والرياسة. عندئذ عافت نفسه غمر السياسة ودسائس القصر، فارتد في أواخر سنة ٧٧٦هـ، إلى قلعة نائية منعزلة بناحية أولاد عريف بالمغرب الأوسط؛

стр. 393

وهنالك أنقطع للبحث والتأليف مدى أربعة أعوام، وأخذ في كتابة تاريخه الضخم، وأنجز منه مقدمته الشهيرة وعدة مجلدات أخرى. ثم رأى أن يقصد إلى تونس ليستكمل مراجعه في مكاتبها، وكانت بينه وبين سلطانها وحشة؛ فاستأمنه وحصل على رضائه؛ وغادر مقامه النائي إلى تونس فوصل إليها في شعبان سنة ٧٨٠. وهنالك اشتغل بإتمام مؤلفه بتكليف السلطان ورعايته حتى أتمه ورفعه إلى السلطان، ومدحه يومئذ بقصيدة طويلة أوردها في (تعريفه). وكان ذلك لنحو عامين من مقدمه إلى تونس (٧٨٢ - ١٣٨٠م). وهنا ألقى ابن خلدون نفسه في معترك جديد من الدسائس، وقصده رجال البطانة بالكيد والسعاية لدى السلطان، وأغروه أكثر من مرة باستصحابه إلى غزواته ومهامه الخطرة، فخشى ابن خلدون عاقبة السعاية، ولم يجد في تونس ما كان ينشده من هدوء وسكينة، فانتهز فرصة وجود السلطان في تونس، ووجود سفينة مصرية في مرساها تقصد الإسكندرية، فألح على السلطان في الإذن له بالسفر لقضاء الحج، وركب البحر بمفرده تاركا أسرته في تونس، فوصل الإسكندرية كما قدمنا في يوم عيد الفطر سنة ٧٨٤. كان مقدم ابن خلدون إلى مصر إذا، نوعا من الفرار وخيفة البطش والمحنة، ولم يكن قضاء الفريضة قصده المباشر، بل كانت حجته الظاهرة. وكان يرجو بلا ريب أن يقضي بقية أيامه بمصر في هدوء ودعة، وأن ينعم بذلك الاستقرار الذي لم تهيئه له بالمغرب حياة النضال والمغامرة. وكان يومئذ في الثانية والخمسين من عمره، ولكنه كان وافر النشاط والقوة، يتطلع دائما إلى مراتب النفوذ والعزة؛ وكانت القاهرة يومئذ موئل التفكير الإسلامي في المشرق والمغرب، ولبلاطها شهرة واسعة في حماية العلوم والآداب، فكان يرجو أن ينال قسطه من هذه العناية والحماية. ووصل ابن خلدون إلى القاهرة في أول ذي القعدة سنة ٨٤ - نوفمبر سنة ١٣٨٢؛ فبهرته ضخامتها وعظمتها وبهاؤها كما بهرت سلفه ومواطنه الرحالة ابن بطوطة قبل ذلك بنصف قرن وكما بهرت على كر العصور كل من رآها من أعلام المشرق والمغرب. ولا غرو فان المؤرخ لم ير بالمغرب سوى تلك المدن الصخرية المتواضعة، ولم ير بالأندلس حيث قضا ردحا من الزمن، مدينة في عظمة القاهرة وروعتها. وهو يهتف للقاهرة اثر مقدمه ويحييها بحماسة تنم عن عميق إعجابه وسحره وتأثره، ويصفها في تلك الفقرة الرنانة: (فرأيت حاضرة الدنيا، وبستان العالم،

стр. 394

ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي الملك؛ تلوح القصور والأواوين في جوه. وتزهو الخوانق والمدارس والكواكب بآفاقه، وتضيء البدور والكواكب من علمائه؛ قد مثل بشاطئ النيل نهر، ومدفع مياه السماء، يسقيه العلل والنهل سيحه، ويجبي إليهم الثمرات والخيرات ثجة؛ ومررت في سكك المدينة تغص بزحام المارة، وأسواقها تزخر بالنعم. . .) ولم يكن ابن خلدون نكرة في مصر. فقد كان المجتمع القاهري يعرف الكثير عن شخصه وسيرته؛ وكانت نسخ من مؤلفه الضخم ولا سيما مقدمته الشهيرة قد ذاعت قبل ذلك بقليل في مصر وغيرها من بلدان المشرق، وأعجبت دوائر العلم والتفكير والأدب بطرافة مقدمته وجدتها وروعة مباحثها. فلم يكد يحل بالقاهرة حتى أقبل عليه العلماء والطلاب من كل صوب. يقول ابن خلدون في كبرياء وتواضع معا: (وأنثال عليّ طلبة العلم بها يلتمسون الإفادة مع قلة البضاعة، ولم يوسعوني عذرا) وهذا ما تشير إليه التراجم المصرية؛ فيقول أبو المحاسن بن تغري بردي في ترجمته لابن خلدون: (واستوطن القاهرة وتصدر للإقراء بالجامع الأزهر مدة، واشتغل وأفاد) ويقول السخاوي: (وتلقاه أهلها (أي أهل مصر) وأكرموه وأكثروا ملازمته والتردد عليه، بل تصدر للإقراء بالجامع الأزهر مدة. . .). جلس ابن خلدون للتدريس بالأزهر، والظاهر أنه كان يدرس الحديث والفقه المالكي، ويشرح نظرياته في العمران والعصبية وأسس الملك ونشأة الدول؛ وغيرها مما عرض إليه في مقدمته. وكانت هذه الدروس خير إعلان عن غزير علمه، وشائق بحثه، وساخر بيانه. وكان ابن خلدون محدثا، بارعا رائع المحاضرة، يخلب لباب سامعيه بمنطقه وذلاقته. وهذا ما يحدثنا به جماعة من أعلام التفكير والأدب المصريين الذي سمعوه أو درسوا عليه؛ ومنهم المؤرخ الكبير تقي الدين المقريزي الذي سمعه ودرس عليه فتى وكذا الحافظ ابن حجر؛ فقد درس عليه وأنتفع بعلمه ووصفه بقوله: (وكان لسنا فصيحا، حسن الترسل وسط النظم؛ مع معرفة تامة بالأمور خصوصا متعلقات المملكة) ونقل السخاوي عن الجمال البشيشي أنه (كان فصيحا مفوها جميل الصورة) وعن الركراكي (أن محاضرته إليها المنتهى). وهكذا استطاع ابن خلدون لأول مقدمه أن يخلب الباب المجتمع القاهري، وأن يستثير

стр. 395

إعجابه وتقديره؛ ولكن صفاء الأفق من حوله لم يدم طويلا كما سنرى، وفي أثناء ذلك اتصل ابن خلدون بأمير من أمراء البلاط يدعى علاء الدين الطنبغا الجواني، فشمله برعايته، وساعده على التقرب من السلطان والاتصال به. وكان السلطان يومئذ الظاهر برقوق؛ وقد ولى الملك قبيل مقدم ابن خلدون بأيام قلائل (أواخر رمضان سنة ٧٨٤)، فأكرم وفادة المؤرخ واهتم بأمره؛ يقول ابن خلدون: (فأبر مقامي. وانس الغربة ووفر الجراية من صدقاته، شأنه مع أهل العلم) وبذا تحققت أمنية المؤرخ من الاستقرار والمقام الهادئ في ظل أمير يحميه ويكفل رزقه، ولم يمض قليل على ذلك حتى خلا منصب للتدريس بالمدرسة (القمحية) بجوار جامع عمرو وهي من مدارس المالكية فعينه السلطان فيه. ويعني ابن خلدون في تعريفه، بوصف مجلسه الأول في هذا المعهد؛ فقد شهده جمع من الأكابر أرسلهم السلطان لشهوده؛ والتفوا حول المؤرخ. وألقى ابن خلدون في ذلك الحفل خطاباً بليغاً، يحرص على إيراده بنصه. وقد تكلم فيه بعد الديباجة عن فضل العلماء في شد أزر الدولة الإسلامية. وعن تغلب الدول. ثم أشاد بما لدى السلاطين المصرية من فضل في نصرة الإسلام، وإعزازه، ومن همم في إنشاء المساجد والمدارس، ورعاية العلم والعلماء والقضاة، ثم دعا للملك الظاهر، وأشاد بعزمه وعدله وعقله؛ وعطف بعدئذ على نفسه، وما أوليه من شرف المنصب في تلك العبارة الشعرية: (ولما سبحت في اللج الأزرق، وخطوت من أفق المغرب إلى أفق المشرق، حيث نهر النهار ينصب من صفحة المشرق، وشجرة الملك التي اعتز بها الإسلام تهتز في دوحه المعرق، وأزهار الفنون يسقط علينا من غصنه المورق. . أولوني عناية وتشريفاً، وغمروني إحساناً ومعروفاً، وأوسعوا همتي إيضاحاً ونكرتي تعريفاً، ثم أهلوني للقيام بوظيفة السادة المالكية بهذا الوقف الشريف. . . إلخ)

стр. 396

اثر اللغة العربية في العالم الإسلامي للسر دنسون روس. مدير مدرسة اللغات الشرقية بلندن هذه ترجمة المحاضرة الأولى من المحاضرات الثلاث التي ألقاها السر دنسون روس باللغة الإنجليزية في قاعة الجمعية الجغرافية إجابة لدعوة الجامعة المصرية وقد نقدته الجامعة على كل محاضرة خمسين جنيها وسننشر ترجمة المحاضرتين الأخريين تباعا في الأعداد المقبلة. تمهيد: أشعر وأنا أختار موضوعا مثل هذا لمحاضرة في الجامعة المصرية، أنه ينطبق علي المثل القائل (كمن يجلب الفحم إلى نيوكاسل) أو على حد تعبير الفرنسيين (كمن يحمل الماء إلى البحر) أو كما يقول العرب (كمن ينقل التمر إلى البصرة) أو (كمن يبيع الماء في حارة السقائين). إذ كيف يجرؤ شخص مثلي لا يخرج عن كونه تلميذاً يدرس العربية أن يقوم ببحث في هذه اللغة العظيمة على مرمى قوس من الأزهر؟ إن اعتذاري عن هذا ينبغي أن يكون اعتذار النملة أمام عرش سليمان.! وربما قيل عن عنوان محاضرتي أنه تقرير لقضية مسلمة، فالعربية لغة القران والحديث وتأثيرها في العالم الإسلامي حق لا ريب فيه. ولكنني أرجو أن أسوغ عنواني هذا بأن أبين تأثير اللغة العربية في تلك الممالك التي تتكلم لغات أخرى، وتتكلمها لا على أنها واسطة لفهم العقائد وإقامة الشعائر الدينية؛ بل لأنها عامل منتج من الثقافة العامة. ذلك لأنه ينبغي أن نعلم حق العلم أن ليس ثمة دين عالمي آخر قامت فيه اللغة الأصلية للكتب المقدسة بذلك الشأن الخطير كما هو الحال في الإسلام. فإذا اعتبرنا البوذية والمسيحية وهما ديانتان تقومان بالدعاية فأننا نلاحظ أن كتبهما المقدسة إذا أذيعت في ممالك أخرى فإنما تذاع بلغة تلك الممالك. خذ لذلك مثلا تلك المجموعة الضخمة مجموعة القوانين البوذية المعروفة باسم (السلات الثلاث) فأنك تجدها تقرأ في الصين واليابان مترجمة إلى لغة تلك البلاد. حقاً أن لغة الهند الأصلية قد اختفت كما اختفت

стр. 397

البوذية نفسها من الهند. وقل مثل هذا عن التوراة والإنجيل فأنهما يقرءان في الأمم المسيحية بلغة كل منها دون أن تقوم العبرية أو المسيحية بأي شيء في حركات الدعاية التي تقوم بها الجمعيات الدينية. وأن اللغة الوحيدة التي يمكن مقارنتها بالعربية من حيث أنها واسطة للتعاليم الدينية إنما هي اللغة العبرية، على أن هناك اختلافاً بين الحالتين من بعض الوجوه وإن اتفقت اللغتان في أن كلتيهما تدين بخطرها الأساسي إلى أنها لغة الكلام المنزل من عند الله. فأما العبرية فنجد أن كل تقي من اليهود يحفظ بعضا منها، ولكن اليهودية لا تعتبر الآن من الأديان الواسعة الانتشار وذلك على الرغم من انتشار جماعات اليهود في أنحاء العالم. وأنك لتجد طوائف وطنية منهم في الهند وأثيوبيا لا يعرفون من العبرية الا قليلا. ويجب أن نتذكر أني إنما أبحث في التأثير اللغوي الذي أحدثه القران لا في رسالة النبي، وعلى ذلك فأظنني أستطيع تقرير تلك الحقائق دون أن أسيء إلى الحاضرين من المسيحيين واليهود. أن التأثير الذي تركته التعاليم البوذية والكتب العبرية المقدسة في آداب الممالك البوذية والمسيحية لا يقل شأنا عن تأثير القران إن لم يكن أكثر في ناحية الفن. ولكن ما حدث في الصين وفي أوربا هو أن تلك الكتب المقدسة قد أصبحت جزءاً من الآداب القائمة إذ ذاك وكانت تلك الآداب غنية بالأبحاث والموضوعات الدنيوية، وفيما يتعلق بأوربا نقول أنه لما كانت اللغات الحديثة قد اشتقت من اللاتينية والتوتونية القديمة، فأنه لما ترجم الإنجيل إلى تلك اللغات، أصبح ذلك الكتاب هو المؤثر الثابت فيها كما يشهد بذلك الجهد الذي بذله لوثر في وضع أساس الألمانية الراقية الحديثة. نعم لقد لعبت اللاتينية بين الكاثوليك دوراً مشابهاً لذلك الدور الذي لعبته العربية بين المسلمين (ولكن اللاتينية لم تكن لغة التنزيل). الموضوع: ولنعد الآن إلى الموضوع الأساسي لمحاضرتي. وستكون الممالك التي يتناولها بحثي هي تلك التي لا يزال الإسلام سائداً فيها ولكن لا تتكلم العربية، أعني بلاد الفرس وبلاد الهند وما وراء النهر وتركيا.

стр. 398

أن دخول الشرق الأدنى والشرق الأوسط والهند تحت نفوذ العرب (وقد كانوا أنفسهم حديثي العهد بالدخول في الدين الجديد وقبول (الوحدانية السامية) قد أدى إلى ثورة عظيمة (في الأدب والثقافة) لا تقل في خطورتها من حيث قوتها وتمامها، ومن حيث أنها مبدأ عهد جديد، عن ذلك التغير الذي طرأ على العقيدة الدينية. ويرجع هذا في أساسه إلى ذلك التأثير المعجز الذي أحدثه القران في نفس كل من أعتنق الإسلام. فإن القران وهو كلام الله الذي أنزل على رسوله قد قوبل من المسلمين قاطبة بالاحترام والإجلال، أولاً، من أجل عباراته ذاتها لأنها تنزيل من الله، وثانيا لما اشتمل عليه من الآيات البينات، ومن أجل ذلك كان لزاما على من يقبل الإسلام أن يقبل معه اللغة العربية، تلك اللغة التي نزل بها القران وأرسل بها الرسول. وهنا لا نجد لغة غريبة غير مستعملة لا يفهمها الا عدد محصور من العلماء كما كان الحال في ديانة زرادشت والديانة الهندية، بل نجد (لغة حية) يتكلمها أولئك القوم الذي دعوا سكان الممالك التي فتحوها إلى الدخول في الدين الجديد. إن الرقي الفجائي الذي طرأ على اللغة العربية وأحالها إلى لغة مهذبة مكتوبة ليعد من أعجب الأمور إذا تذكرنا أنه في الوقت الذي ظهر فيه الرسول لم يكن لدى العرب (أدب لغة) بالمعنى الذي يفهم من هذه العبارة، وأن استعمال الخط كان قليلا إلى درجة كبيرة بدليل أنه في أثناء الكفاح بين المسلمين وأعدائهم كما حدث في بدر وأحد كان المتبع أن يبقي المسلمون على حياة من يعرفون الكتابة من الأسرى. ولكن العرب قد أخرجوا فحول الشعراء الذين تغنى الناس بشعرهم في طول شبه الجزيرة وعرضها، وأن كان الاختلاف لا يزال قائماً بين الباحثين فيما إذا كانت هذه الأشعار قد ظهرت حقاً في الجاهلية أم في الإسلام. والذي ما يهمنا هو أن بين هذه الأشعار طائفة يمكن اعتبارها في المنزلة الأولى لا في أدب العرب فحسب، ولكن في أدب العالم اجمع. وكان القران يمثل اللهجة التي كانت شائعة في الحجاز. وإلى أن قام الخليفة عمر (بمراجعاته) الرسمية الدقيقة للقران، لم يكن هناك أي كتاب في النحو، كما لم يكن هناك أي

стр. 399

قاموس عربي، وكان الفرس أول من ميزوا أنفسهم باستنباط بعض القواعد النحوية من القران. وبعد هذا أخذ الأذكياء في العالم الإسلامي يحذقون هذا اللسان الصعب، وابتدأ الناس ينافس بعضهم بعضا كل بما حصل من اللغة، ومنذ ذلك الوقت، فيما بين إسبانيا وسمرقند، أخذ الكثير من الشعراء المطبوعين، الذين كانوا من قبل في حاجة إلى أداة يظهرون بها إبكارهم ينظمون الشعر بالعربية. ولقد شرعوا أول أمرهم يحاكون الأشعار البدوية التي لم يكن لهم بموضوعاتها علم مباشر، ثم أخذوا يطرقون من الموضوعات ما تميل إليه قلوبهم، وما يوافق طبيعتهم وبيئتهم.

стр. 400

موسى بن شاكر وبنوه الثلاثة للأستاذ قدري حافظ طوقان. عضو الجمعية الرياضية بلندن منشؤهم ظهر موسى بن شاكر في عصر المأمون ولمع في سماء العلم ولا سيما في الهندسة وانبثق منه ثلاث نجوم: محمد واحمد وحسن نبغوا في الرياضيات وعلم الهيئة والفلسفة، وكان لهم في ذلك مؤلفات نادرة عجيبة. وهؤلاء الأربعة (ممن تناهى في طلب العلوم القديمة وبذل فيها الرغائب واتعبوا فيها نفوسهم وأنفذوا إلى بلاد الروم من أخرجها إليهم فأحضروا النقلة من الأصقاع والأماكن بالبذل السني، فاظهروا عجائب الحكمة، وكان الغالب عليهم من العلوم الهندسة والخيل والحركات والموسيقى والنجوم وهو الأقل. .). ويقال إن موسى مات صغيرا وقد خلف أولاده الثلاثة صغاراً اعتنى بهم المأمون كثيراً، ووصى بهم إسحاق بن إبراهيم المصعبي وأمره بالاهتمام بهم والمحافظة عليهم، وانقطعوا إلى العلوم يبحثون عنها فغاصوا فيها واستطاعوا أن يجيدوا أكثرها. فأكبرهم وهو أبو جعفر محمد أجل اخوته عالماً بالهندسة والنجوم والمجسطي، وكان جمّاعة للكتب، ومضى عليه زمن كان مدخوله السنوي أربعمائة ألف دينار. أما أحمد فقد كان دون أخيه في العلم الا صناعة الحيل فقد تعمق فيها، وأجادها وتمكن من الابتكار فيها، وفاق القدماء المحققين في هذا العلم مثل (أيرن)، وأما حسن فقد كان منفردا في الهندسة، ومع أنه لم يقرأ من كتب الهندسة الا ست مقالات من كتاب اقليدس في الأصول، فقد حدث نفسه باستخراج مسائل لم يستخرجها أحد من الأولين (كقسمة الزاوية إلى ثلاثة أقسام متساوية، وطرح خطين بين خطين ذوي توال على نسبة، فكان يحللها ويردها إلى المسائل الأخرى ولا ينتهي إلى آخر أمرها، لأنها أعيت الأولين). وحكي عنه أنه كثيرا ما كان يغرق في الفكر في مجلس فيه جماعة فلا يسمع ما يقولون ولا يحسه. مآثرهم ثبت أن المأمون أمر بني موسى بقياس درجة من خط ونصف النهار لإيجاد محيط الأرض، وقد أجروا حسابهم ذلك في سنجار كما أجروه ثانية في الكوفة. ومن توافق

стр. 401

الحسابين علم المأمون صحة ما حرره القدماء في هذا الصدد وهم الذين كملوا الزيج المصحح، وحسبوا الحركة المتوسطة للشمس في السنة الفارسية، وحددوا ميل وسط منطقة البروج المسماة بالاكليتيك في مرصدهم المبني على جسر بغداد المتصل بالباب المسمى بالطاق، وعرفوا فيها فروق حساب العرض الأكبر من عروض القمر وقد عول ابن يونس في أرصاده الفلكية على أرصادهم، وعمل أحدهم وهو محمد تقويمات لمواضع الكواكب السيارة. ولأبناء موسى في الحيل كتاب يعرف بحيل بني موسى، وهو عجيب نادر، يشتمل على كل نادرة وقد يكون هو الكتاب الأول الذي يبحث في الميكانيك ولقد وقفت عليه فوجدته من أحسن الكتب وأمتعها، وهو مجلد واحد وهي (أي الحيل) شريفة الأغراض عظيمة الفائدة مشهورة عند الناس ويحتوي هذا الكتاب على مائة تركيب ميكانيكي عشرون منها ذات قيمة عملية. وقد كتبوا في فن الآلات الروحية وهذا العلم (يتبين فيه كيفية أيجاد الآلات المرتبة على ضرورة عدم الخلاء ونحوها من آلات الشراب وغيرها، ومنفعته إرتياض النفس بغرائب هذه الآلات كقدحي العدل والجور. . و. . و. .) وعلى ذكر قدح العدل وقدح الجور يقول كشف الظنون في الجزء الأول ص ١٣٧ ما يلي: (أما الأول (قدح العدل) فهو إناء إذا امتلأ على قدر معين يستقر فيه الشراب، وأن زيد عليها ولو بشيء يسير ينصب الماء ويتفرغ الإناء عنه بحيث لا يبقى قطرة، وأما الثاني (قدح الجور) فله مقدار معين أن صب فيه الماء بذلك القدر القليل يثبت، وأن مليء يثبت أيضاً، وأن كان بين المقدارين يتفرغ الإناء، كل ذلك لعدم إمكان الخلاء. . .) واكثر هذه الآلات توضح أنواعا من الحيل العلمية وهي مبنية على المبادئ الميكانيكية المنسوبة لهيرو الإسكندري. وقد اهتموا بنقل احسن الكتب اليونانية، حتى أن أحدهم وهو محمد ذهب إلى بلاد اليونان ابتغاء الحصول على مخطوطات تبحث في الرياضيات والفلك، واستعملوا منحني نيكوميدس في تقسيم الزاوية إلى ثلاثة أقسام متسأوية، واستعملوا الطريقة المعروفة الآن في إنشاء الشكل الاهليليجي، أما الطريقة فهي أن تغرز دبوسين في نقطتين وأن تأخذ خيطا طوله اكثر من ضعف البعد بين النقطتين، ثم بعد ذلك تربط هذا الخيط من طرفيه وتضعه حول الدبوسين، وتدخل فيه قلم رصاص فعند إدارة القلم يتكون الشكل الاهليليجي، وتسمى النقطتان بمحترقي الاهليليجي أو بؤرتيه. وفي أحد مؤلفاتهم في الهندسة استعملوا القانون

стр. 402

المعروف بقانون (هيرون) لمساحة المثلث إذا علم طول كل ضلع من إضلاعه. ولا يفوتنا أن نذكر أنه نسب إلى أبيهم موسى القول بالجاذبية، يدلنا على ذلك ما جاء في كتاب بسائط علم الفلك للعلامة صروف الذي يقول: (وهذا التفاعل بين الأجرام السماوية الذي يطلق عليه اسم الجاذبية العمومية انتبه له بعض العلماء من قديم الزمان، فأشار إليه بطليموس صاحب كتاب المجسطي حاسباً أنه هو الذي يجعل الأجسام تقع على الأرض متجهة نحو مركزها، وهو الذي يربط كواكب السماء بعضها ببعض. ويقال أن موسى بن شاكر المهندس الذي نشأ في أوائل القرن الثالث الهجري انتبه له أيضاً وقال به) مؤلفاتهم كتب بنو موسى في موضوعات مختلفة: في الهندسة والحيل والطب والمساحة والمخروطيات وعلم الهيئة، وقد أجادوا في ذلك إلى درجة أثارت إعجاب كثير من العلماء، فمن تآليفهم كتاب بني موسى في الغرطسون وكتاب مساحة الاكر وكتاب قسمة الزاوية إلى ثلاثة أقسام متساوية، ووضع مقدار بين مقدارين ليتوالى على قسمة واحدة، وكتاب يبحث في الآلات الحربية. ولأحدهم هو أحمد كتاب بين فيه بطريق تعليمي مذهبا هندسيا وهو ليس في خارج كرة الكواكب الثابتة كرة تاسعة. ولحسن: كتاب الشكل المدور والمستطيل. أما محمد فله كتاب حركة الفلك الأولى وكتاب الشكل الهندسي وكتاب الجزء وكتاب في أولية العالم، وكتاب على مائية الكلام، وفي الفهرست ينسب إلى محمد كتاب المخروطيات، ولكن كتاب كشف الظنون يقول في هذا الكتاب ما يلي: (. . . وقال أبو موسى شاكر الموجود من هذا الكتاب سبع مقالات وبعض الثامنة، وهو أربعة أشكال، وترجم الأربع الأول منه أحمد بن موسى الحمصي، والثلاث الأواخر ثابت بن قرة. . . أصلحه الحسن واحمد بن موسى بن شاكر. . .) قدري حافظ طوقان. نابلس. فلسطين

стр. 403

طرائف من شعر الشباب مناجاة غدير للأستاذ محمود الخفيف شاق نفسي الجلوس فوق حرير … من نسيج الربيع ينطق حسنا كنت قبل الشروق عند غدير … يملأ النفس من أغانيه لحنا كل ما في الوجود حلو جميل … يبعث البشر في الفؤاد نديا ونسيم الصبح عذب بليل … باعث في الربوع نشراً ذكيا ساد حولي السكون لولا غدير … عبقري الخيال سامي البيان ثائر هادئ معنى صبور … رائق الحس مستفيض المعاني زاده الصبح والسكون رواء … وكساه الربيع ظلا ظليلا وحباه الشباب منه مضاء … فترى الماء دافقاً سلسبيلا يا غدير الصباح هيجت قلبي … أنت للنفس رحمة وعذاب لست أدري وقد تملكت لبي … أترنمت أم عراك انتحاب؟ يا غدير الصباح لحنك عذب … باعث في الفؤاد شتى المعاني يا غدير الصباح هل أنت صب … تعرف البعد في الهوى والتداني؟ أي معنى أردت أن فؤادي … حركته لما تقول شجون ويح نفسي لقد ملكت ودادي … فعرفت الخشوع كيف يكون هيه يا أيها الغدير فأني … أن ترنمت أو بكيت سميع يا غدير الصباح افصح وزدني … أن قلبي بما تقول ولوع أن ترنمت يا غدير فحسبي … من دواعي السرور ذاك الغناء وإذا ما بكيت حركت قلبي … فبقلبي لكل باك رثاء لست يا أيها الغدير بشاك … كيف تشكو ولست تعرف ظلما! لست يا أيها الغدير بباك … كيف تبكي؟ أأنت تعرف هما؟ لم تجرب شماتة من عدو … أو تحمل إساءة من صديق أو تقاس البعاد بعد دنو … أو تعان الظنون بعد وثوق

стр. 404

لم تسهد بجفوة من حبيب … أو تعذب بغيرة وارتياب أو تفاجأ بفتنة من رقيب … أو تروع بنبوة من صحاب لم تصادف تفاخراً من دعي … أو تبادر بغلظة من جليس أو تشاهد تطاولا من غبي … أو تجرع إهانة من خسيس لم تخف يا غدير قط عذاباً … أو تذق يا غدير للحزن طعما أو تقابل لدى الحياة صعابا … كيف هذا ولست تعرف وهما؟ أنت يا أيها الغدير طروب … ناعم البال لست تزهب رزءا مطمئن إلى الحياة لعوب … لست تدري عن المنية شيئا يا غدير الصباح زدني غناء … وأملأ القلب من غنائك وحيا كل لحن سواك عاد هباء … يا غديرا لقد وعيتك وعيا

стр. 405

في الليل اسكتي يا طيور! لا تملئي الليل … غناءا بصوتك الخلاب توقفي يا غصون لا تتناغي … بحديث الهوى وهمس العتاب طاب لي مجلساً بعيداً عن السم … ار، في نجوة من الأصحاب فتنتني سكينة الليل، واللي … ل سكون يطير بالألباب واحتواني الظلام حتى كأني … قطعة منه في سواد أهاب وكان السماء صحراء خرسا … ء بدا نجمها كومض السراب وكان الليل البهيم عباب … وأنا سابح بهذا العباب بين شطين من ظلام قد امت … دا امتداد العصور والأحقاب نام زهر الرياض في سرر العش … ب ونامت على السفوح الروابي وسرت روح شاعر يعبد الحس … ن فرفت في الليل بين السحاب إنما الليل للذي يعرف اللي … ل وما فيه من معاني عذاب قدس الليل، أنه هيكل السح … ر ووحي الهوى وستر الشباب أمين عزت الهجين

стр. 406

الله وراء كل شيء شقيت نفسه فضلت هداها … وتجلى إلهها في هواها زعمت أن طينها أزلي … كذبتنا وحق من سواها ولئام النفوس أن تلف مولا … ها حفيا بها عصت مولاها ضلة للعقول لم تك شيئاً … ثم كانت فأنكرت من براها! قف حيال السماء ليلا وسائل … سفن النيرات من أجراها! سفن موجها الأثير ولا يع … لم إلا ربانها مرساها جاوزت في العيون حد التقصي … فتراها ولا تكاد تراها أن تطالع أبصارنا مبتداها … فإلى الله ربها منتهاها واسأل الوردة اكتست كل لون … من كساها ومن حباها شذاها؟ ألبستها الأوراق كف قدير … فأرتنا لثم الشفاه الشفاها أبرزتها عذراء من خدركم … في حياء توردت وجنتاها ودعتها مليكة الزهر لما … ألبستها الرياض تاج نداها فأصغ للجواب منها تجدها … باسم من حاكها تحرك فاها شجرات في الروض مشتبهات … شهوة الآكلين فأطعم جناها ذقت هذي فما أمر جناها … ثم هذي فقلت ما أحلاها! ما اختلاف الطعوم والماء فيها … واحد، والتراب أصل غذاها؟ صاغها مثلما أراد بديع … قد نفينا عن ذاته الأشباها ثم سائل بلابل الأيك تشدو … فيهز الأملاك لحن غناها وتناجي القلوب وهي تغني … فتذيب القلوب في نجواها من بري هذه الحناجر عيدا … ناً وأنشأ قيثارة في لهاها؟ أنه مبدع كسا الطير ريشاً … وحباها في الجو ملكا وجاها هذه النملة الدقيقة خلقاً … كيف تسعى وكيف تبني قراها؟ هذه النحلة اكتست حبرات … من طهي شهدها وسل حماها؟ قل لشمس النهار من جلاها … واسأل الأرض من أدار رحاها؟ واسأل الريح كيف تسجي سحابا … واسأل السحب كيف يهمي حياها

стр. 407

ثم سائل بروقها مشرعات … هل تضج الرعود خوف أذاها واسأل الدوح كيف شب لظاه … واسأل الراسيات من أرساها مدها في الثرى وأعلى ذراها … قادر في غد يحل حباها ضل في التيه من أبى الرشد تيهاً … يا أخا العقل لا تكن تياها يجهل العقل كنهه وهو عقل … وجدير أن يدرك الا كناها قل له ما الأثير وهو فضاء … أن يحمل رسالة أداها؟ ثم ما الكهرباء وهي قريب … منه وهو البعيد عن معناها؟ قل له ما ارتباط جسم بروح … ظل فيها دراسة واكتناها؟ هل أعنا الأعصاب حين أصاخت … أذناها وإذ رنت مقلتاها؟ أو أعنا للقلب نبضا ضعيفا … تستمد الأبدان منه قواها أو أعنا الأنفاس مطردات … وهي في النوم لا تني رئتاها إن خلف العقول ربا حكيما … أودع الكائنات سر بقاها عبد الغني المنشاوي - المدرس بالمدرسة الخديوية

стр. 408

في الأدب الشرقي نظرات في الأدب الفارسي منذ نشأته إلى إغارة التتار للدكتور عبد الوهاب عزام مهما تختلف الآراء في تاريخ اقدم أثارة من الأدب الفارسي الحديث فان مؤرخا يستطيع أن يقول أن ظهور هذا الأدب صحب ظهور الإمارات الوطنية في إيران، فهذه الإمارات بعثت الأمل في نفوس الفرس وأتاحت لهم فرصة يستطيعون فيها التقرب بالمدائح وغيرها إلى أمراء يفهمون عنهم، ويعجبون بهم، ويسرهم أن تحيا آداب لغتهم وآثار آبائهم. وأمر آخر يسترعي نظر مؤرخ الآداب الفارسية، هو ظهور هذه الآداب في الديار النائية عن البلاد العربية وعن بغداد حاضرة الخلافة والمدنية الإسلامية، إذ كانت هذه الديار أبعد من سلطان الأدب العربي الذي كان ترجمان حضارة الإسلام كلها حقبا طويلة. ثم استقلال الإمارات كذلك يبدأ في الأقطار النائية، وإنما تنقص الأرض من أطرافها. ومن أجل ذلك أتيح لخراسان البعيدة مهد أول دولة فارسية عظيمة في العصر الإسلامي أن تكون مبعث الأدب الفارسي الحديث. ولم تنل هذا الشرف فارس مهد الدول القديمة على تبريزها في العلم وتقدمها على خراسان فيه. حتى يقول أبو أحمد الكاتب كاتب الأمير إسماعيل بن احمد الساعاتي: لا تعجبن لعراقي رأيت له … بحرا من العلم أو كنزا من الأدب واعجب لمن ببلاد الجهل منشؤه … أن كان يفرق بين الرأس والذنب يريد ببلاد الجهل ما وراء النهر وجهات خراسان. ولى المأمون طاهر بن الحسين خراسان ثم جعلها ولاية لذريته فاستمروا يلونها حتى سنة ٢٥٩ نحو ٥٠ عاما. ولكنها كانت أمارة صغيرة قصيرة المدة. وكانت الأسباب لما تتهيأ لانبعاث الأدب الفارسي. ثم بنو طاهر لم يعنوا بالأدب الفارسي، وروي أن رجلا أهدى كتابا إلى عبد الله بن طاهر وهو في نيسابور فسأله ابن طاهر ما هذا؟ قال قصة (وأمق وعذراء) التي ألفها بعض الحكماء للملك أنوشروان، فقال الأمير: نحن قوم نقرأ القران ولسنا في حاجة إلى غير القران والحديث. فما لنا ولهذه الكتب التي ألفها المجوس؟ ثم أمر ألقى الكتاب في الماء، وأمر أن يحرق كل كتاب في ولايته بلغة المجوس. ويقول عوفي

стр. 409

عن آل طاهر: أنهم لم يكن لهم اعتقاد في لغة الفرس. وفي سنة ٢٤٧هـ سنة موت المتوكل ظهر في الشرق يعقوب بن الليث الصفار وهزم جند الخليفة أول الأمر وقال (كما يروي نظام الملك) أنه يريد خلع الخليفة، وكان شيعيا فيما قال، وخلفه أخوه عمرو إلى أن استنجد الخليفة المعتمد بني سامان فهزموه وأزالوا دولته. والفرس يرون في يعقوب بطلا فارسيا لأنه أول ثائر على الخلفاء. أقام سلطانه على رغمهم اكثر من أربعين عاما. وقد سوغت لهم هذه العقيدة أن نسبوا إلى طفل ليعقوب أنه نطق بأول بيت من الشعر الفارسي الحديث، وفي الحق أن بلاد الفرس لم تعد إلى حكم الخلفاء الحقيقي بعد ثورة يعقوب. ولكن أول دولة فارسية عظيمة لها أثر يذكر في الأدب الفارسي كانت الدولة السامانية. والسامانيون ينتسبون إلى بهرام جوبين أحد أعيان الفرس الذي ثار أيام الساسانيين على كسرى برويز، والبيروني يؤيد هذه النسبة. وقد بعثت الآداب الفارسية مع هذه الدولة (فيما نعلم). وبينما كان السامانيون متسلطين في خراسان وما وراء النهر ظهر بنو بويه وعظم سلطانهم حتى استولوا على بغداد سنة ٣٣٤، وساقوا نسبهم إلى بهرام كور أحد ملوك السامانيين؛ وما زالوا يصرفون الأمر حتى أديل منهم للغزنوية ثم للسلاجقة. ظهرت دولة بني سبكتكين في غزنه وأديل لهم من سادتهم السامانيين أو (كما يقول بديع الزمان): أظلت شمس محمود … على أنجم سامان وسبكتكين تركي لا فارسي ولكنه مكَّن لنفسه في بلاد الفرس، وكان لدولته شأن عظيم في آدابهم. وجاء السلاجقة فنسخوا كل هذه الدول، وكان لهم من السلطان وبسطة الملك ما لم يتح لدولة قبلهم من غير الخلفاء؛ وكان مه هؤلاء أو بعدهم دول ذات شأن: منها الدولة الزيارية في طبرستان التي منها شمس المعالي قابوس بن وشمكير وابنه منوجهر فلك المعالي وحفيده كيكاوس عنصر المعالي، ودولة ملوك خوارزم الصغيرة التي قضى عليها محمود، وملوك خوارزم العظام الذين تسلطوا على معظم إيران قرناً وربع قرن والذين كانوا سببا في إغارة التتار وكانوا أول هلكاهم، والدولة الغورية التي قضت على الغزنويين

стр. 410

في أفغانستان. هذه هي الدول التي صرفت أمور الفرس منذ القرن الرابع الهجري، ويرى منها أن الفرس لم يفلحوا في إقامة دولة عظيمة تضم أرجاء بلادهم، وإنما كان السلطان الشامل لدولتين تركيتين الغزنوية والسلاجقة، وما عرفنا أن ثورات فارسية عظيمة حاولت التخلص من هاتين الدولتين، وهذه مسألة جديرة أن تغير آراء الذين يريدون تفسير كل حركة في إيران في تلك القرون بالعصبية الفارسية. الآن نرجع إلى الأدب الفارسي نراقب منشأه ونتعقب تطوره منذ بدأ إلى عصر التتار؛ فأما ما بعد التتار فنرجئ الكلام فيه إلى مقال آخر. إنا لا نعرف شيئا عن الشعر الفارسي قبل الإسلام حتى ليظن أن الفرس لم يكن لهم منه حظ كبير، ولأمر ما نسب بعض كتاب الفرس أول شعر فارسي إلى بهرام جور، وقالوا: أنه اخذ الشعر من العرب إذ تربى في الحيرة. يذكر هنا محمد عوفي في لباب الألباب وشمس قيس في كتاب المعجم، ويزيد الأخير أنه قرأ في بعض الكتب الفارسية أن علماء عصر بهرام لم يستهجنوا منه الا قول الشعر، وأن آذرباد بن زرادستان الحكيم بالغ في نصحه ليترك الشعر تنزها عن معايبه؛ ثم يقول أن بهرام انتصح ومنع أولاده وذوي قرباه أن يقرضوا الشعر. ثم يقول: من أجل هذا كانت مدائح باربد وأغانيه عند كسرى برويز كلها منثورة لا نظم فيها. ويقول ابن قتيبة: (وللعرب شعر لا يشركها أحد من الأمم الأعاجم فيه على الأوزان والأعاريض والقوافي والتشبيه ووصف الديار والآثار، والجبال والرمال والفلوات وسرى الليل، والنجوم. وإنما كانت أشعار العجم وأغانيهم في مطلق من الكلام (منثور) ثم سمع بعد قوم منهم أشعار العرب وفهموا الوزن والعروض فتكلفوا مثل ذلك في الفارسية وشبهوه بالعربية.) وأما في العصر الإسلامي فلا ريب أن الشعراء الذين يعرفهم تاريخ الأدب لا يتقدمون العصر الساماني. غير أن في كتب الأدب الفارسي روايات عن شعر قيل قبل هذا العهد، وهي على علاتها لا تخلو من دلالة على أدب فارسي أقدم مما نعرف عسى أن يبينه التاريخ يوما.

стр. 411

يقول محمد عوفي معللا ظهور الشعر الفارسي الحديث ما يأتي مترجما مختصراً: (حتى إذا سطعت شمس الملة الحنيفية على بلاد العجم جاور ذوو الطباع اللطيفة من الفرس فضلاء العرب واقتبسوا من أنوارهم ووقفوا على أساليبهم واطلعوا على دقائق البحور والدوائر وتعلموا الوزن والقافية والردف والروي والايطاء والإسناد والأركان والفواصل. ثم نسجوا على هذا المنوال). ثم يروي أبياتا أربعة لشاعر اسمه عباس مدح بها المأمون في مرو سنة ١٩٣ منها: كس برين منوال بيش ازمن جنين شعري نكفت … مر، زبان بارسي را هست تا اين نوع بين ليك زان كفتم من اين مدحت ترا تا اين لغت … كيرد أز مدح وثناء حضرت تو زيب وزين وترجمتها: ما قال أحد قبلي شعرا كهذا وما كان للسان الفارسي عهد به، وإنما نظمت لك هذا المديح لتزدان هذه اللغة بمدحك والثناء عليك. فأعطاه المأمون ألف دينار عينا، وبالغ في اكرامه، يستمر عوفي فيقول: (ولم ينظم الشعر الفارسي أحد بعده حتى كانت نوبة آل طاهر وآل الليث فظهر شعراء قليلون، فلما كانت دولة السامانيين ارتفع علم البلاغة، وظهر كبار الشعراء). ويروي شمس قيس: أن أول من قال الشعر الفارسي أبو حفص السغدي من سغد سمرقند وكان حاذقا في الموسيقى، وقد ذكره أبو نصر الفارابي وصور آلاته الموسيقية وقد عاش حتى سنة ٣٠٠هـ وينسب إليه هذا البيت: آهوى كوهي دردشت جكونه دودا؟ … جوندار ديار بي يار جكونة رودا؟ (كيف يعدوهذا الظبي الجبلي في الصحراء؟، أنه لا حبيب له فكيف يسير بغير حبيب؟) فأما رواية عباس المروي فأن المؤرخ الناقد يرتاب فيها لأن غريبا أن يبدأ الشعر الفارسي بهذا الأسلوب المتين ثم يصمت الشعراء أكثر من مائة سنة لا يؤثر عنهم شيء. وأما رواية السغدي فراجعة إلى العصر الذي بدأ فيه الشعر الفارسي وسجل لنا التاريخ بعض شعرائه. ومهما يكن من شيء فاتفاق مؤرخي الآداب على أن أول شاعر فارسي عظيم هو أبو جعفر

стр. 412

الرودكي شاعر نصر بن أحمد الساماني، الذي يسميه معروفي البلخي (سلطان شاعران) ويقول فيه البلعمي: أنه لا نظير له بين العرب والعجم، ويعترف الدقيقي والعنصري بتقدمه.

стр. 413

الأدب الياباني للأستاذ أحمد الشنتناوي كانت اليابان إلى عهد قريب محجوبة عن أنظار العالم المتمدين بحجب كثيفة لا يكاد المرء يتبين ما يجري وراءها بين أبناء تلك الأمة العظيمة من عادات وتقاليد، وكان الأدب الياباني بنوع خاص من أغمض مظاهر الحضارة اليابانية أمام الباحث، ويرجع ذلك إلى صعوبة اللغة اليابانية وغرابة أحرفها الهجائية وعدم إقبال الأدباء والعلماء على تعلمها، مع أن الآداب اليابانية غنية في مادتها متنوعة في أبوابها، وتعد بحق بين الآداب العالمية الرائعة. وليس هناك أمة من الأمم تكون آدابها جزءا هاما من تاريخها مثل أمة اليابان، فأفراد الشعب هناك على اختلاف طبقاتهم يستسيغون الشعر ويطربون لموسيقاه، بل هم شعراء بسليقتهم لا فرق في ذلك بين النساء والرجال؛ فالأمة كلها تشترك في مهرجان الشعر الذي يقيمه الإمبراطور كل عام، فيأخذ كل ياباني في إنشاد أطيب ما جادت به قريحته، ويذكرون أن الإمبراطور (ميدي) وهو جد ميكادو إمبراطور اليابان الحالي كان يشجع هذه المهرجانات الشعرية، فيخصص الجوائز الثمينة للفائزين، وقد ألف هو نحو مائة ألف مقطوعة شعرية. أما شغف الياباني بباقي فروع الأدب فلا يقل عن شغفه بالشعر، لهذا كانت الآداب اليابانية غنية في مادتها رائعة في أسلوبها إنسانية في معانيها، ولكن تلك الآداب العالية لم تتخط حدود اليابان الجغرافية لصعوبة اللغة التي كتبت بها، ثم زاد من صعوبة تلك اللغة دقة المعاني وعمق الأفكار التي حملها إياها اليابانيون، والتي لا تصدر الا من أبناء الشرق الصميمين في مدنيتهم الشرقية، ويكفي أن نقول أن كلمة (امرأة) لها في اللغة اليابانية ما يزيد على أربعة وعشرين لفظا مرادفا، كل لفظ يستعمل في حالة معينة وظروف خاصة حسب مكانة المرأة المخاطبة الاجتماعية أو الشخصية، أو درجة الاتصال بها. كذلك لفظة (أنت) لها ما يقرب من اثنى عشر مرادفا؛ وهذا التعدد في الألفاظ يدلنا على مقدار الدقة التي يتوخاها الياباني في تعبيراته الاجتماعية والأدبية، وليس هذا في نظرنا دليلا على رقي اللغة أو غناها فقط، إنما يدل كذلك على الشعور الدقيق والحساسية الراقية، والآداب

стр. 414

العالية هي في لبها وجوهرها إحساس دقيق وشعور متدفق. وإذا كان فن التصوير الياباني له اثر واضح على الآثار الأوربية فأننا لم نسمع قط أن الآداب الغربية متأثرة بالآداب اليابانية، ولم يمنع هذا أن يكون العكس صحيحا، فالأدب الياباني غاص بالتراجم العديدة لكثير من الآداب الأوربية العالمية، فجميع المؤلفات القيمة من إنجليزية وفرنسية وألمانية وروسية نقلت إلى اللغة اليابانية، وهذا دليل واضح على تعلق هذا الشعب الناهض بالآداب على اختلاف منابتها. والعصر الذهبي للآداب اليابانية الكلاسيكية هو عصر (هايين) من ٧٨٤ - ١١٨٦ إذ انتعشت فيه الآداب اليابانية وظهرت فيه عدة قصص غرامية وتاريخية، كما أنه لم يخلو من النشرات الأدبية الانتقادية، ولعل أهم ما يلفت النظر في ذلك العصر هو ظهور أديبتين يابانيتين شهيرتين وهما (موراساكي) و (سي) وموراساكي اسم ياباني معناه زهرة البنفسج وصاحبته أديبة في أسلوبها فخامة وحلاوة وفلسفة لينة بينما (سي) ومعناها النور تمتاز بشعورها الفياض وأسلوبها السهل الممتنع وأشهر قصة لموراساكي؛ هي قصتها المسماة غنسي وهي وصف محكم وصورة طبق الأصل وملاحظات دقيقة مدهشة عن الحياة في البلاط الياباني في القرن الحادي عشر. وهي كثيرة الشبه بالحياة في بلاط لويس الرابع عشر، وقد اتخذت لها بطلا سمته (غنسي) وهو عبارة عن دون جوان آخر، أي مخلوق حر بكل معنى الكلمة، يأتي ما يشاء من الأفعال دون النظر إلى ما كان يأتيه يتماشى مع الاعتبارات الدينية أو الإنسانية أو الاجتماعية أو لا يتماشى، إنما كل همه إرضاء شهواته وملاذه، فكانت له عدة مخاطرات غرامية. وهذه القصة تعطيك صورة واضحة للحياة اليابانية الاجتماعية في عهد (موراساكي)، ولا تسل عن العذوبة والروعة التي كتبت بها الحوادث الغرامية التي خاض غمارها (غنسي) وكل ذلك في أدب وحشمة وتورع. أما الأديبة الأخرى (سي) فكانت معاصرة لموراساكي وتعيش معها في البلاط الياباني، ولقد عرفت بالكبرياء والصلابة في رأيها، وكتاباتها ملآى بالنقد والتجريح، كذلك كانت لها قدرة على وصف الطبيعة وما بها من حيوان وطير وصفا بليغا دقيقا. ولنذكر هنا قطعة لها قصيرة في وصف فصول السنة الأربعة قالت:

стр. 415

(أن الذي يسحرني في الربيع هو الفجر يتهادى في مشيته على قمم الجبال، بينما كل شيء يضيء رويدا رويدا، وقطع السحاب اللازوردية تسبح في الفضاء جماعات جماعات. . . . . . . .) (أما في الصيف فالذي يسحرني فيه هو الليل. . . يعجبني منه القمر المنير. .! وتسحرني الليلة الليلاء، حيث يطير في جوها الحالك الحباحب المشعة هنا وهناك. . وإذا تساقط المطر في تلك الليلة فأنه يزيد في جمالها وسحرها. . . والذي يسحرني في الخريف هو المساء عندما ترقد الشمس في مغربها مرسلة سهامها اللينة نحو قمم الجبال العالية، فتسرع الغربان نحو أعشاشها تطير جماعات مثنى وثلاث ورباع! حقا أنه منظر فيه حزن وجمال. . . . وما اجمل المنظر وأبهاه إذا لاح في الأفق البعيد سرب من الطيور البرية الصغيرة!. . بعد ذلك تختفي الشمس وتزأر الرياح وتخرج الهوام والحشرات من مخابئها صائحة مهللة. كل ذلك مما يهيج في النفس ألما لذيذا. . . والذي يسحرني في الشتاء هو سقوط الثلج إذا ما تنفس الصباح، فتكتسي منه الأرض حلة بيضاء ناصعة، وعندما يقر البرد توقد النيران للتدفئة، حتى إذا ما انتصف النهار وخفت وطأة البرد ترى جمرات النار وقد تحولت إلى رماد ابيض، وذلك هو الحزن بعينه. . .!) وفي القرون الأربعة التي أعقبت عصر (هايين) نجد القصة والشعر الياباني لا ينتقلان من مكانهما بعيدا، الا أننا نجدهما يتأثران كثيرا بالفلسفة البوذية، فينتعش الأدب التاريخي ويولد الأدب المسرحي في اليابان، وأبطاله (كابوكي) و (نو) وفي عام ١٦٤٢ يظهر في سماء الأدب الياباني (سيكاكو) وهو أستاذ الأدب الواقعي في اليابان، وقد خلف هذا الأديب مؤلفات وافرة وتلاميذ كثيرين وكانت الآداب اليابانية قبل عهده تعد في جملتها آدابا أرستقراطية كتبت لخواص الناس وأهل الثقافة منهم، فأتى سيكاكو وجعل من الأدب الياباني أداة للإفصاح عن مشاعر الإنسانية وعواطفها وهمومها وأحزانها أي تلك النواحي العامة التي قد يشعر بها رجل الطريق قبل أن يشعر بها رب الجاه والسلطان. وهو في وصفه وتحليله لتلك العواطف الإنسانية راعى الدقة التي يلاحظها النباتي في وصفه لزرعه؛ أو عالم الحيوان في دراسته لحشرة من الحشرات. وتظهر هذه المقدرة بأجلى بيان في قصته المسماة (حياة امرأة) وصف فيها سيكاكو كيف تكون حياة المرأة الخليعة

стр. 416

المستهترة التي لا يهمها من عيشتها الا إشباع شهواتها وقضاء ملاذها، ولكن حياة الدعارة والمجون نهايتها دائما محزنة مبكية فنرى في نهاية القصة تلك المرأة التي كانت بالأمس زينة المجالس وبهجة الناظرين تهجر العالم بعد أن عضها البؤس بنابه، وتنزوي بين منعطفات الجبال في كوخ حقير من القش والخرق البالية. . .! ولعل (تيكاماتسو) أشهر كاتب درامي في اليابان، فهو يعد بحق شكسبير الأدب الياباني. ولكنه اقتصر في مؤلفاته على الإشادة بذكر العواطف الإنسانية العالية وتحليلها كالحب والشرف والإخلاص والعفاف، ويعده البعض بين زمرة الشعراء لأن رواياته كتبها كلها نظما، ولكننا لا ننسى أن معظم كتاب اليابان الأقدمين كتبوا آثارهم شعرا لأنهم عشقوا الشعر وطربوا لأنغامه الموسيقية فألهاهم ذلك عن كل شيء آخر. (وتيكاماتسو) هذا خالق الدراما اليابانية التي تصف الحياة اليومية وتتغلغل في أعماقها وتكشف عما بها من محاسن ومعايب، وتعبر عما تختلج به قلوب الآلاف من المظلومين والمساكين. ظل الحال على هذا المنوال حتى الثورة اليابانية التي شب لظاها عام ١٨٦٧ والتي يرجع سببها إلى الروح الغربية التي بدأت تتسرب إلى بلاد اليابان الهادئة المطمئنة حوالي ذلك الوقت، فتأثرت الآداب اليابانية كما تأثر الفن الياباني، كذلك لم يسلم من هذا التيار الجديد الحياة الاجتماعية نفسها، فتغير سلوك الفرد ونظام الأسرة، حتى المساكن وأنواع الأطعمة دخل عليها شيء كثير من التعديل والتغيير، وغذى المجتمع الياباني شيء آخر جديد مغاير لليابان إبان عهد هايين أوسيكاكو، وبدأ الشعب الياباني يقف على مسرح الحياة بنفسه بعد أن كان إلى هذا العهد مشاهدا متفرجا لما يقع بين ظهرانيه، اذ بعد أن هدأ تيار الثورة وخمدت الحروب الأهلية حوالي سنة ١٨٨٠ ظهر في الأفق شعاع جديد لامع يبشر بمستقبل أدبي جديد لم تلبث أن أشرقت في أثره شمس الآداب اليابانية الحديثة وهي موضوع الكلام في مقالنا الثاني إن شاء الله.

стр. 417

في الأدب الغربي قصة فيلسوف عاشق للدكتور طه حسين لا أعلم أن الفلسفة تحضر الحب على أهلها، بل الذي أعلمه أن الفلسفة حب كلها. وليس اسمها الا لفظاً من ألفاظ الحب؛ ولكن هذا الحب إذا احتل قلباً شغله عن كل شيء واستأثر بكل ما فيه من قوة وعاطفة وهوى، ولم يدع من ذلك للحياة اليومية العاملة الا شيئا يسيراً جدا. فالفلسفة حب الحكمة، وهذه الحكمة شديدة الغيرة، شديدة الاثرة، لا تحب الشركة ولا ترضاها، ولا تسمح لعشاقها بأن يصفوا بودهم شيئاً أو أحداً غيرها. فمن فعل ذلك أو شيئاً منه، فليس هو من الحكمة في شيء؛ وإنما هو رجل مثلي ومثلك يغشى الأندية، ويضطرب في الشوارع، ويعيش مع الناس، وليس له حظ من المدينة الفاضلة التي يسكنها ويسيطر عليها عشاق الحكمة وحدهم. لذلك كان أمر هذا الفيلسوف الذي أحدثك عنه عجباً من العجب، وفنا من هذه الفنون النادرة التي لا يظفر بها المؤرخون والقصاص الا في مشقة وعسر، وإلا على أن تفرق بينها القرون الطويلة والعصور البعيدة. والذي أعرفه أن التاريخ لم يظفر قبل فيلسوفي هذا العظيم بعاشق قد دلهته الحكمة، وعبث بلبه جمال ألهتها العليا؛ ولكنه على ذلك استطاع أن يشغف بآلهة أخرى يشركها مع هذه الآلهة التي كان يصورها اليونان في صورة أثينا، تلك التي خرجت من رأس أبيها زوس، تامة الخلق، مكتملة الشباب، فيها جمال فتان؛ ولكن فتنته تخلب بقوتها لا برقتها. لم يعرف التاريخ عاشقاً من عشاق أثينا استطاع كما استطاع فيلسوفي العظيم، أن يشرك معها امرأة من النساء في حبه وهيامه، وأن يختصها من هذا الحب والهيام بمثل ما اختص به آلهة الحكمة نفسها، وأن ينتهي به الأمر إلى أن يخلط ابنة زوس بابنة بابيس، ويتخذ منهما شخصاً واحداً يحبه ويقدسه، ويصوغ له ديناً قويا خصبا، ويحاول أن يبسط سلطان هذا الدين على الإنسانية كلها، أو على الإنسانية المسيحية على أقل تقدير.

стр. 418

أظنك قد عرفت هذا الفيلسوف، فهو (أغست كونت) مؤسس الفلسفة الوضعية، وواضع علم الاجتماع، وصاحب السلطان العظيم على العقل الفرنسي، ثم الأوربي، ثم الأمريكي، عصرا طويلا من القرن التاسع عشر. وأظنك قد عرفت هذه المرأة التي زاحمت الفلسفة في قلب (أغست كونت) فكادت تغلبها عليه، أو غلبتها عليه بالفعل؛ ثم أصبحت إلهة للفيلسوف يعبدها كما يعبد النصارى المسيح، وكما كان الوثنيون من اليونان يعبدون أثينا أو أرتميس. ثم أصبحت إلهة لجماعة من تلاميذ الفيلسوف المتفرقين في أطراف الأرض، ثم أقيم لها معبد لا يزال يحج إليه إلى الآن في باييس، وأقيمت لها معابد متفرقة في أمريكا الجنوبية. حيث لا يزال للفيلسوف اتباع يشايعونه في القسم المتطرف من فلسفته. هذه المرأة هي (كلوتلد دي فو) وأظنك تطمئن الآن وقد سمعت هين الاسمين، الا أني لا اخترع ولا اتبع الخيال، ولا أضع قصة؛ وإنما أكتب فصلا من فصول التاريخ. وليس من الضروري أن يلجأ الكاتب إلى الخيال والاختراع، ليستطيع أن يمتع قراءه، وأن يؤثر في نفوسهم ويثير فيها هذه العواطف الحادة المختلفة التي تعبث بها حين تحس لذة أو الماً، وحين تجد حبا أو بغضا، وحين تشعر بحزن أو سرور. فقد تكون الحقائق الواقعة أبرع وأروع من أحسن القصص الخيالية وأبدعها. ولكني في حاجة إلى أن اقدم إليك شخص هذين العاشقين قبل أن أحدثك عن عشقهما، وأقص عليك ما كان بينهما من غرام. نشأ أغست كونت مع القرن التاسع عشر، ولم يكد يتوسط العقد الثاني من عمره حتى ظهر تفوقه في العلوم الرياضية، ولم تكد تتقدم به السن قليلا حتى عرف له هذا التفوق، وإذا هو حجة في هذه العلوم، وإذا هو لا يقف عندها ولا يقتصر عليها؛ وإنما يفكر في الصلة بينها وبين بقية أنواع المعرفة الإنسانية من جهة، ويفكر من جهة أخرى في الحياة الأوربية المضطربة بعد الثورة والإمبراطورية، فيحاول أن يضع ترتيباً جديداً للعلوم، ويوفق إلى ما يريد، ويحاول أن يجد نظاماً جديداً تقوم عليه الحياة الأوربية، فيوفق أيضاً، ويصبح لهذين النوعين من التوفيق صاحب الفلسفة الوضعية ومؤسس علم الاجتماع. ولكن فلسفته الوضعية هذه، كانت حديثة ثائرة لا تستأثر بالقلوب استئثاراً مطلقا، ولا تقطع على أهلها سبيل الحياة. فسمحت لعاشقها (أغست كونت) أن يعيش كما يعيش الناس، وأن يحب كما يحبون. فعاش وأحب. ولكن أي عيشة وأي حب؟ تركت الفلسفة قلبه حرا،

стр. 419

وشغلت عقله كله، فاختار في الحب بحسه وقلبه، ولم يختر بعقله، فيا بئس ما اختار! اختار امرأة جشمته الأهوال، وعلمته كيف تحتمل الآلام، وكيف يتجرع الإنسان مرارة الغيظ: كانت هلوكا فاجرة. وخيل إلى (أغست كونت) أنها نقية طاهرة، فأحبها وأظهرت له الحب، وخطبها فقبلت الخطبة، وتزوجها فقبلت الزواج. وما هو الا وقت قصير حتى تبين من أمرها ما كره. فخاصمها وقاومته، وأنذرها فازدرته، وحاول أن يعاقبها فثارت به، وصبر الرجل فصابر حتى جن. وإذا هو يلقي نفسه في النار، وإذا الشرطة تستنقذه وتدفعه إلى المستشفى، فيقيم مع المجانين حينا ثم يفيق فيستأنف الفلسفة، ويستأنف التعليم، ويستأنف الحب والعذاب. ويجن مرة أخرى، ويفيق وتنقطع الصلة بينه وبين امرأته في غير طلاق، لأن القوانين الفرنسية لم تكن تبيح الطلاق يومئذ. فنشاطه إذا موقوف على الفلسفة والتعليم. وفي سنة ١٨٤٠ كان فيلسوفنا ممتحنا في مدرسة الهندسة وكان بين الشباب الذين تقدموا إليه في هذا الامتحان غلام في الخامسة عشرة من عمره، هو (مكسيمليان ماري). رآه الأستاذ الفيلسوف وسأله، فأحبه واعجب به، ورأى أن الخير في ألا يقبله هذا العام. فأجله سنة ثم قبله بعد ذلك، واتصلت بين الأستاذ وتلميذه محبة لن تلبث أن بلغت أقصاها، وإذا الفتى يميل إلى أستاذه وفلسفته وإلى الحرية خاصة، وإذا هو يستقيل من المدرسة ويتبع الأستاذ ويتتلمذ له ويعيش من التعليم في المدارس الحرة على كره من أبيه. وفي سنة ١٨٤٤ يتزوج هذا الفتى ويعيش مع امرأته في بيت الأسرة، حيث يزوره الأستاذ من حين إلى حين، وهناك يلقى أخته (كلوتيلد) فلا يكاد يسمعها ويتحدث إليها، حتى تبتدئ بينه وبينها قصة الغرام. وكانت كلوتيلد هذه في الرابعة والعشرين من عمرها ولكن حياتها كانت ممتلئة بالخطوب. كان أبوها رجلا من الطبقة الوسطى، عمل في جيش الإمبراطورية وارتقى في آخر عهد الإمبراطور إلى رتبة الكابتن، ثم سقطت الإمبراطورية فأحيل إلى الاستيداع، وعاش من مرتبه العسكري الضئيل. وكانت أم الفتاة من أسرة شريفة من أهل اللورين، فنشأت (كلوتيلد) نشأة فيها بؤس وضيق؛ ولكن فيها احتفاظا شديداً بتقاليد الطبقة الوسطى، ولم تكد تتجأوز الخامسة عشرة حتى زوجت من رجل يحمل اسما من أسماء الأشراف. ولكن حظه من الشرف كان قليلا، وهو (ميودي فو). اقترن بالفتاة وعين جابياً للضرائب، وقضى مع

стр. 420

امرأته أعواماً لا هوبالسعيد ولا هو بالذي يمنح امرأته قسطاً من السعادة. ثم أصبح الناس ذات يوم، وإذا هو قد هب إلى سفر مجهول، وما هي الا أن يبحث عنه ويفتش عن أمره، حتى يظهر أنه قد بدد أموال الدولة، وشيئاً كثيراً من أموال الناس في اللعب، ثم هرب من فرنسا، إلى حيث لم يعرف من أمره شيء. فظلت هذه المرأة الشابة معلقة، لا هي بالمتزوجة، ولا هي بالمطلقة، محزونة، بائسة، لا أمل لها في الحياة. عادت إلى أسرتها تعيش بينها، وعكفت على نفسها تعيد وتبدي ما يجول فيها من خواطر الألم والحزن، ثم أخذت تكتب ما تحس وتقيد ما تجد، وإذا هي كاتبة لها حظ من أدب ونصيب من خيال. وكان جمالها معتدلا لا إسراف فيه. وكانت المحنة قد أفادتها رصانة ورزانة، وأفاضت على شخصها شيئاً من الحب يعطف النفوس عليها، وأجرت في حديثها شيئاً من العذوبة الحلوة الهادئة، يحببها إلى القلوب. فلما لقيها الفيلسوف في بعض زياراته لأخيها، نظر إليها فلم تكد تبلغ نفسه، ونظرت هي إليه فأنكرته وأكبرته. أنكرت شكله الدميم، وصورته القبيحة، وخلقه المضطرب المرتبك، وأنكرت صوته الغليظ، وحديثه المتكلف. ولكنها أعجبت بذكائه، وأكبرت عقله وفلسفته، وسكتت عنه، وسكت عنها. واتصلت الزيارات، واتصل اللقاء. وأخذت نظرات الفيلسوف تستقر على الفتاة، وأخذت أذن الفتاة تطمئن إلى حديث الفيلسوف، ولكن أحداً منهما لم يشعر بأن صاحبه قد وقع من نفسه موقعاً خاصاً. كان الفيلسوف يزور الأسرة ثلاث مرات في الأسبوع، وكان يجد لذة ودعة في هذه الزيارة، كان يلقى ثلاثاً من النساء: أم تلميذه وكانت مشغوفة بالتصوير، تحاول دائما أن تصور الفيلسوف، وزوج تلميذه وكانت موسيقية تطربه بالتوقيع على البيانو، وكلوتيلد أخت تلميذه وكانت أديبة تحدثه عن الأدب وعن قصتها التي أنشأتها وسمتها (لوس) ورمزت فيها لحياتها الخاصة، وربما أنشدته شيئا من شعرها. ولم يكن الفيلسوف يحب الأدب ولا يحفل بالشعر، ولكنه كان يجد لذة في أدب كلوتيلد، ويذوق الجمال في شعرها وإن لم يكن هذا الشعر جميلا، وإن لم يكن مستقيم الوزن أحياناً. وكان الفيلسوف يتحدث إلى كلوتيلد عن فلسفته الوضعية، وعن مجلداته الخمسة التي ظهرت تذيع هذه الفلسفة في الناس، وعن أنصاره وخصومه، وعن دروسه في الفلك. وكانت الفتاة تعجب بهذا كله، وإن لم تكن

стр. 421

بطبعها مشغوفة بالفلسفة. وكان الفيلسوف يلتمس إرضاءها والتقرب إليها على غير شعور منه، فيذكر لها براعة النساء في الأدب والفلسفة، وكان هذا الحديث يروقها ويتملق كبرياءها، وكانت الفتاة تكبر في نفسها حين ترى الفيلسوف قد رآها لثقته أهلا. وذات يوم سقطت على الفيلسوف من السماء سعادة لم يكن يقدرها ولا ينتظرها ولا يحسب لها حساباً. زاره تلميذه ومعه أخته، وكان الفيلسوف في جماعة من العلماء، وكان الحديث علمياً عميقاً، فابتهج الفيلسوف وأعجبت الفتاة، وجلست تسمع في إكبار وتثاؤب خفيف لحديث العلماء، ثم همت تريد أن تنصرف فجمع الفيلسوف شجاعته كلها في يديه واستأذن الفتاة في أن يزورها في بيتها الخاص، فأذنت. هنالك بدأت الخصومة بين آلهة الفلسفة وآلهة الجمال. هنالك اضطرب (أغست كونت) بين العقل والقلب، وبين التفكير والحب. هنالك أخذ الفيلسوف يسأل نفسه: ما قيمة هذا العلم الخالص الجاف؟ وما قيمة هذا التفكير العميق العقيم؟ ومتى كان الرجل رجلا بعقله دون قلبه؟ ومتى كان الإنسان أنسانا بالتفكير دون الحب؟ إن الإنسان لا يستطيع أن يفكر في كل وقت، ولكنه يستطيع أن يحب دائماً. وإذا فقد تكون آلهة الفلسفة مسرفة في الطغيان، وقد يكون من الممكن أن يتخذ (أغست كونت) رأسه معبداً لأثينا وقلبه معبداً لكلوتيلد. وابتدأت زيارة الفيلسوف للفتاة في بيتها. وإذا الحب يعلن، وإذا الفيلسوف يلح في حبه ويسلك إلى إقناع الفتاة بهذا الحب طرقاً، منها الملتوي، ومنها المستقيم. ولكن كلوتيلد لا تحب ولا تهوى، إنما تعجب وتكبر، فهي ترده عنها في رفق، وتطلب إليه مودته دون حبه، فلا يكاد يعرف منها هذا حتى يضيق بنفسه وبالحياة، وحتى تضيق به حصته، ويعجز جسمه ورأسه عن احتمال هذا الخذلان، فهو مريض يلجأ إلى السرير أياماً، وهو مشفق أن يعاوده جنونه القديم، على أنه يبل من مرضه، ويحاول أن يجدد عهده بالفتاة، ولكنها تحظر عليه زيارتها في بيتها، وتعده باللقاء عند أمها مرتين في الأسبوع، فلا يكفيه ذلك، فتعده بلقائه مرة ثالثة، فلا يكفيه ذلك أيضاً، وتتصل بينهما كتب فيها حوار حلو ملؤه الحنان حين يصدر عن الفتاة، عنيف معوج ملؤه الفلسفة حين يصدر عن الأستاذ، ثم يستحيل هذا الحب في نفس الفيلسوف إلى شكل جديد، فليس هو حباً عادياً كهذا الذي يكون بين الناس، وإنما هو التقاء شخصين عظيمين قد خلقا ليلتقيا ثم ليتعاونا على إصلاح الإنسانية وإنهاضها.

стр. 422

هي إذن قد خلقت له ولن يدعها ولن يتخذ غيرها زوجاً، إذا ماتت زوجه النائية، ثم تستحيل هذه العواطف ويستحيل هذا التفكير إلى فن من الفلسفة، يضعه (أغست كونت) في رسالة، ويهدي الرسالة إلى الفتاة بهذا العنوان: (رسالة فلسفية في التذكار الاجتماعي). في هذه الرسالة يتغير رأي (أغست كونت) في المرأة ومكانتها الاجتماعية تغيراً تاماً. فقد كان منذ أشهر يكتب إلى تلميذه (ستوارت ميل) فيرى أن ليس في المرأة أمل ولا خير، أما الان فهو يرى المرأة عنصراً أساسياً في الإصلاح الاجتماعي الذي وقف نفسه عليه، وقد سرت الفتاة بهذه الهدية، وكبرت في نفسها فزارت الفيلسوف مع أمها شاكرة له. هنالك نشط الأمل وتجددت الحياة، واعتقد الفيلسوف أنه سعيد. واستأنف إلحاحه على الفتاة، واستأنفت الفتاة مدافعته عن نفسها، واحتالت في ذلك حتى زعمت له أنها قد أحبت من قبله فتى كان لحبها أهلا، وأحبها الفتى وسعد بهذا الحب؛ ولكن لم يجدا إلى الزواج سبيلا، لأن الفتى كان معلقا مثلها يخاصم امرأته ولا يستطيع لها فراقا، فيئست من الحب والسعادة، وأزمعت أن تنصرف عن لذات الحياة أبدا. ولكن الفيلسوف مغرم، والغرام لا يعرف اليأس، وهو إذا كان صحيحاً قويا قد يتحول ويتشكل، ولكنه لا يزول. وما الذي يمنع غرام كونت أن يتخذ شكلا فلسفيا ولو إلى حين. لقد كان عود نفسه الحرمان منذ دهر طويل، فألغى القهوة منذ عشرين سنة، وترك التدخين منذ عشر سنين، ثم ألغى النبيذ ثم ألغى الفاكهة، ثم اتخذ ميزانا يزن به ما يلائم حاجة جسمه من الطعام الخشن، وكان ربما يكتفي بالكسرة من الخبز يتبلغ بها، وهو يفكر في إخوانه من الناس الذين قد لا يظفرون بمثلها. وما دام قد سيطر على نفسه إلى هذا الحد، وعودها هذا الحرمان في الطعام والشراب، فما له لا يزيد هذه السيطرة وما له لا يعود نفسه الحرمان لا في الحب بل في لذات الحب. إذا فليبق حبه قويا حارا؛ ولكن ليظل هذا الحب نقيا طاهرا مجدبا من كل لذة، ولينتظر، وليجتنب اليأس، فكل شيء يدني الفتاة منه، وكل شيء يدنيه من الفتاة. لقد أصبحت زميلة له منذ نشرت بعض الصحف السيارة لها قصتها التي وضعتها عن نفسها فأصبحت كاتبة مثله تتحدث إلى الناس في الأدب كما يتحدث هو إلى الناس في الفلسفة. هما إذا زميلان، بل هما اكثر من زميلين؛ فقد أخذت الفتاة تدنو من مذهبه في الفلسفة، وتحس ميلا إلى آرائه الاجتماعية، وتكون منه مكان التلميذ والنصير. فليحب إذا وليصبر، وفي أثناء ذلك

стр. 423

كانت أم الفتاة تقول لها: لولا أن مسيو كونت قبيح دميم لقلت أنه يتملقك ويدور حولك كما يدور العاشقون حول من يحبون، ومع ذلك فإن من الحق عليه لك ولنفسه أن يفكر في أن هذه الزيارات المتصلة المنظمة، لا تليق بك ولا به لأنها تخالف العرف المألوف أشد الخلاف.

стр. 424

الوادي للشاعر الفرنسي لامرتين إن قلبي المكلوم، المتقطع رجائه حتى من الأمل، لن يزعج الأقدار بعد الآن بابتهالاته كما كان يزعجها من قبل. ولكن أيها الوادي، يا مأواي في أيام طفولتي، أفسح لي مجالا (ولو ليوم واحد) فأعيش في ربوعك في انتظار المنون. ها هي ذي الطريق الضيقة المؤدية إلى ذلك الوادي المظلم: هنا، في أحضان هذه الروابي، تقوم أشجار تلك الغابات الكثيفة، فترسل ظلها على وجهي الشاحب، وتحوطني بسكون مسكر. وهناك جدولان يسيران تحت (جسور) من الأعشاب المخضوضرة، فيرسمان في انسيابهما تعاريج الوادي ومنحدراته، وتراهما بين الفينة والفينة، يمزجان تموجاتهما الفضية بألحان خريرهما العذبة، ثم يتلاشيان قريبا من المنبع، بعيداً عن أعين الناس. وأيامي في انسيابهما أشبه بهذين الجدولين! فهي تمضي وتتلاشى دون أن يشعر بها الناس، ودون أن تحدث ذلك الخرير العذب! أما نفسي الكئيبة الملتاعة فهيهات أن تعنى بحياة يوم جميل من أيام حياتي. إن خمائل الوادي الفينانة، بظلها المخيم، دفعتني لقضاء النهار كله على ضفاف جداولها، فنفسي الحساسة تغفو على أنغام خرير المياه، كما يغفو الطفل في مهده على صوت المناغاة. هناك تحوطني الطبيعة بأسوار من العشب الاخضر، وبأفق محدود، لكنه فسيح لناظري. إنني أحب أن اثبت قدمي، وأن أبتعد عن الناس لأسمع خرير المياه، ولأتمتع برؤية السماء. لقد رأيت في حياتي أموراً كثيرة، وشعرت باحساسات جمة، وملأت أيامي عشقا. والآن جئت أستوحي الطبيعة في هدوئها الشامل. أيتها الأماكن البهيجة الجميلة! كوني لي تلك الضفاف التي ينسى الإنسان بقربها كل شيء، فقد أصبح سر سعادتي في النسيان.

стр. 425

هنا يطمئن قلبي؛ هنا ترتاح نفسي؛ هنا تلفظ ضوضاء العالم البعيد أنفاسها الأخيرة كما يلفظ الصوت البعيد أنفاسه حين تبعد به الشقة قبل أن يصل مع النسيم إلى الأذن الحائرة. من هنا، ومن خلال هذه الغيوم الصافية، أرى ماضي حياتي يختفي في ظلام دامس، تاركا لنفسي ذكريات حية لحبي، كما تترك اليقظة في نفس المستيقظ صور خيالات جميلة لحلم لذيذ قد استفاق منه. يا نفسي! خذي حظك من الراحة في هذا المنزل الأخير كما يأخذ المسافر الطافح قلبه بالامال، حظه من الراحة، قبل أن يدخل أبواب المدينة، يستنشق هنيهة نسيم المساء المعطر. ولننفض نعالنا كما يفعل هذا المسافر، لأننا لن نمر ثانية في هذه الطريق التي اجتزناها مملوءة بالغبار، ولنتذوق مثله أيضاً، في آخر مرحلة من طريقنا، هذا الهدوء الذي يبشرنا بضجعتنا الأبدية. أيها الإنسان! إن أيامك المعدودة، التي تشبه في حلكتها وقصرها أيام الخريف، تنحدر بك كما ينحدر الظل على جوانب الهضاب. فالصداقة تخونك، والرحمة تعرض عنك، إلى أن تتركاك في طريق القبر وحيدا. ولكن الطبيعة هنا تدعوك إليها لتبثك أشواقها، فارتم في أحضانها. عندما يقلب لك كل شيء ظهر المجن، عندما يخونك كل شيء ويعرض عنك، ترى الطبيعة على حالها المعهودة. فالشمس نفسها تشرق طيلة أيام حياتك. أن الطبيعة لم تزل كما كانت عليه بالأمس، ترشدنا تارة بنور حقيقتها، وتظللنا أخرى. فلا تأسف أيها الإنسان لكل ما تضيعه من متاع الحياة الدنيا. وتعال تعبد ذلك الصدى وألحان تلك الموسيقى العلوية كما كان يتعبدهما (فيثاغورس) من قبلك. دع الطرف يناج الغزالة في سمائها نهارا، والأشباح في محرابها ليلا؛ واسبح مع الغيوم على بساط الريح؛ واخترق غابات الوادي الظليلة مع أشعة ذلك الكوكب الخفي. إن الله خصك أيها الإنسان بالعقل والفطنة لكي تتحقق بهما وجوده. فاستجله في صحيفة الطبيعة، فإن في سكونها وهدوئها صوتا يهتف باسمه. من منا لم يسمع هذا الصوت يدوي في أعماق قلبه؟
следующие страницы →