Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
ومساكن، وهناك الرأس أجنبية واليد مصرية، وهنا الحال كذلك
وتقع سفاجة فوق البحر على سفح جبل عال من الجرانيت وأمامها جهة الشرق جزيرة طويلة مرتفعة، وهي كالغردقة طلقة الهواء خفيفة الروح
ولسفاجة مرفأ حسن نصبت فوقه الروافع القوية ومدت عليه سكة حديدية، وعلى مقربة منه تقوم مخازن الشركة ومصانعها ومكاتبها ومقطرات الماء (الكوندسة)
نزلنا نقطة بوليس مصلحة الحدود وبعد راحة قصيرة ذهبنا إلى المرفأ حيث كان في انتظارنا سفينة شراعية من مراكب الصيد فسارت بنا صوب الجزيرة في بحر مضطرب، وبعد ساعة أرست أمام شاطئ مرجاني، فانصرف بعضنا إلى الجزيرة للرياضة وصيد الطيور، ومكث البعض الآخر في القارب يلهو بصيد السمك بالشص، وانتجعت ناحية في المركب قرب مقدمها، وجلست أسرح البصر في البر والبحر - كان المنظر بهيجاً حقاً يملأ النفس انشراحاً وحبورا، فجهة الغرب سفاجة بمنازلها ناصعة البياض، ومن خلفها الجبل قائم كالستار الأسود فبدت البلدة أشد ما تكون وضوحاً وتحديداً ومن تحتها البحر يمتد في زرقة نضرة إلى الأفق جهتي الشمال والجنوب، وفي محاذاة البحر شاطئ متجعدا متعرجا في نتوء وانحناء، ومن وراء الشاطئ سلسلة جبال العرب تسمو في عظمة تتضاءل مع مد النظر حتى تصير هي والبحر خطين متوازيين يلتقيان والسماء، وجهة الشرق جزيرة سفاجة في صفرة شديدة تنعكس صورتها في الماء فيبدو أخضر قاتماً، والقارب فوق الماء كالأرجوحة يعلو ويهبط في رفق وهوادة، والموج يلطم جانبيه في توقيع كالنقر على الدف ونسيم بليل عليل يخدر الأعصاب ويثقل الجفون ويجعل النوم أشهى ما يكون - فاتكأت بظهري على (برميل) كان بجانبي والنوم يغالبني، فكنت أغفو تارة وأصحو أخرى، وقد مرت على ساعة هكذا وأنا في سعادة ما بعدها سعادة.
كان شريكي في (البرميل) أحد نوتية القارب جمعت سحنته كل مميزات عرب الحجاز من سكان السواحل، فوجه طويل نحيف تحيط به لحية شعثاء خفيفة وعينان صغيرتان براقتان في حاجر بارز فوقه حاجب غزير الشعر، وبشرة نحاسية صقيلة وجسم ناحل دقيق، وصاحبي رقيق الحال لا يستر جسمه سوى أسمال من بقايا ثوب عتيق أطرافها وخاط فتوقها على غير انتظام بغرز طويلة، فكانت معرضاً لأنواع الخيوط وألوانها، كان جالساً
стр. 3607
القرفصاء وقد بسط في حجره جلدة سمك مقددة امسكها بإحدى يديه واستعان باليد الأخرى على تمزيقها قطعا كان يحشى بها فمه ويلوكها ثم يبلعها من غير أدم، وبعد أن أكل الجلدة حتى ذيلها ورأسها وزعانفها مد يده إلى ناحية من المركب فاخرج منها علبة دخان قبض منها بين إصبعيه قبضة صغيرة من دخان أغبر، دس فيها قطعة صغيرة من مادة حجرية بيضاء، ثم ضغطها وألقاها في فمه، وبعد أن مضغها ألقاها في حلقه كذلك
فقلت ماذا تفعل يا أخي؟
فأجاب غير مكترث:
- هذه سمكة آكلها وهذا تبغ أمضغه
- وهل أشبعتك هذه الجلدة؟
- الحمد لله تكفي
فقلت في نفسي مكرراً عبارته الحمد له الذي لا يحمد على النعمة والحرمان سواه، وقبيل الظهر أقلعت بنا السفينة عائدة إلى سفاجة في بحر هائج وريح قوية، فكانت نزهة بحرية لم تخل من مجازفة
وبعد الظهر توجهنا إلى مكتب مدير الشركة فاستقبلنا بحفاوة وأخذ يصف لنا أعمال الشركة فقال: هنا المرفأ والمطاحن والإدارة، وفي وادي الحويطات على بعد ٢٢ كيلومتراً من هنا مناجم الفوسفات، والفوسفات كما تعلمون صخر تكون منذ عصور جيلوجية بعيدة من تراكم عظام حيوانات فقرية برية وبحرية من أسماك وزواحف، ومع مرور الزمن الطويل تحولت هذه العظام إلى مادة متماسكة مندمجة يقال لها في علم الكيمياء فوسفات الكلسيوم، ويوجد الفوسفات ضمن طبقات العصر الطباشيري في بعض جهات القطر المصري، كسفاجة والقصير، واسنا، وفي بعض الواحات، والفوسفات لا توجد نقية بل مختلطة بصخور أخرى، وتختلف نسبتها في الصخر الخام من ٣٠ في المائة إلى ٧٥ في المائة، على أن النوع الذي يطلب عادة في التجارة هو الذي يحتوي على ٦٠ في المائة - ونستعين بالطرق الميكانيكية على استنباط الفوسفات من المناجم ونستخدم كذلك عدد كبيراً من العمال في عمليات الحفر، وفرز أحجار الفوسفات وفصلها عن المواد الأخرى، وفي شحنها من المناجم إلى المطاحن. وبين سفاجة ووادي الحويطات سكة حديدية تنقل في
стр. 3608
الذهاب الماء العذب والزاد للعمال والموظفين، وتنقل في العودة الفوسفات
ثم انه دعانا لمصاحبته إلى المطاحن، وهي بناء كبير من طبقات قد ركبت فيها ماكينات على هيئة اسطوانات كبيرة، داخلها كرات ملساء من الصلب يلقى فيها حجر الفوسفات بعد تجفيفه بنشره في الهواء تحت أشعة الشمس، فيتبخر ما به من الرطوبة فإذا دارت الاسطوانات طحنت الكرات الفوسفات وجعلته كالدقيق الناعم (البودرة) وبعد تعيين نسبة الفوسفات الخالص في عينات الدقيق المختلفة ثم مزجها بالقدر اللازم توضع في أكياس ذات سعة محدودة وترسل للمخازن حيث (تشون) للتصدير.
ثم بعد ذلك جلنا حول المطاحن وشاهدنا الفوسفات وهو منشور قبل نقله إليها وهو على هيئة صخر أبيض اللون يميل إلى الصفرة، ولا تزال ترى فيه بقية من أسنان الأسماك التي كونته وبعضها صغير شديد الاندماج كبير لا يختلف كثيرا عن أسنان الحيوانات البحرية التي تعيش الآن، وقال المدير إنهم أحياناً يعثرون على بعض أجزاء من عظام الحيوانات القديمة حافظة شكلها
ثم انتقلنا إلى مقطرات الماء العذب من ماء البحر، ثم زرنا مكان توليد القوة التي تدير المطاحن والدوافع، وتنير المدينة بالكهرباء
والفوسفات سماد لبعض المزروعات، وهو شائع الاستعمال في كثير من الجهات، على أنه في حالته الطبيعية لا يصلح سماد لقلة ذوبانه في الماء ولذلك يصدر للخارج لتحويله إلى مادة تذوب يقال لها (سوبر فوسفات) ومعظم الناتج من مناجم سفاجة يصدر لليابان لهذا الغرض
وسكان سفاجة نحو خمسمائة منهم أربعمائة من العمال والصناع وكلهم تقريباً من المصريين
وفي الأصيل عدنا إلى الغردقة فبلغناها قبيل العشاء.
الدمرداش محمد
стр. 3609
النقد
شهرزاد
للدكتور محمد حسين هيكل بك
وأقصد بشهرزاد التي أتحدث الآن لقراء الرسالة عنها، مسرحية توفيق الحكيم الأخيرة
تلوتها للمرة الأولى فاغتبطت، وتلوتها للمرة الثانية فأعجبت، ثم جعلتها بعد ذلك سمير أويقات السأم، أتلو فيها بعض صحف من منظرها الثالث أو من منظرها الأخير، فأستريح للتلاوة وأبرأ من سأمي
ترى أيرجع الفضل في ذلك إلى فن الأستاذ توفيق الحكيم، هذا الفن الذي يقصد به لوجه الفن وحده، أم يرجع لما ينطوي عليه اسم شهرزاد من سحر قديم، سحر رد الملك شهريار عن قتل العذارى ألف ليلة وليلة، وأوحى بموسيقى شهرزاد الرائعة، وأصبح علامة على ما يجري في الظلام وتحت ستر الليل، وجعل المتحدثين يسكتون عن الكلام المباح كلما جل الأمر ودهي الخطب.
أريد أن أقنع بأن الفضل في اغتباطي ثم في إعجابي يرجع إلى فن الأستاذ توفيق الحكيم، هذا الفن الحديث الذي يجاري أحدث أطوار الفن في أوربا، مما تتبعنا نحن ولم نتمثل. وأقصد بنا نحن الذين تمثلوا الفن القصصي أو للفن المسرحي أو ما سواهما من صور الفن الغربي قبل الحرب. أما ما بعد الحرب فقد تتبعنا إلى حد أطوار الفن، ولكن ما دهمنا من مشاغل طغى على تمثيلنا إياها، وقد تنقل الفن بعد الحرب في أطوار شتى كان الأستاذ توفيق الحكيم مأخوذاً في تيارها أثناء مقامه بباريس، فلا عجب أن يتمثلها بل أن تتمثله، ولا عجب وله في الأدب المسرحي ما له من مواهب أن تدفعه ليخرج للناس مسرحيتيه أهل الكهف وشهرزاد.
وأنت تقرأ شهرزاد وتعيد قراءتها وتغتبط وتعجب ثم تسائل نفسك: ماذا فيها وما هي الفكرة التي تنطوي عليها؟ وقفت أمام سؤالك نفسك ولا تكاد تحير جواباً. بل لعلك تجد الجواب إذ تطرب بعد ذلك لسماعك لحناً من الموسيقى تهتز له جوانب فؤادك، وتشيع له الغبطة في أنحاء نفسك، ثم تسأل: ماذا في هذا اللحن وما هي الفكرة التي ينطوي عليها؟ وتستطيع أن تجيب بعد ذلك لا شيء ولا فكرة، وإنما هو الفن يغذي النفس بالغذاء الروحي الذي تصبو
стр. 3610
إليه في الساعة التي تنال فيها هذا الغذاء. وتستطيع أن تجيب بأن في هذا اللحن كل شيء وأسمى فكرة، وأنه يتناول أجل ما في الحياة من معان وصور.
وذلك شأن مسرحية شهرزاد، فلا شيء ولا فكرة فيها وفيها كل شيء وكل فكرة. فالملك شهريار الذي قتل زوجه الأولى وقتل معها العبد الذي وجده في أحضانها قد أقام يقتل عذراء في كل ليلة انتقاماً لنفسه من غدر النساء، حتى تزوج شهرزاد، لكنه لم يقتلها لأنها بدأت تقص عليه أحسن القصص ولا تتم قصتها إذا كان الصباح. وتعود إليها إذا جن الليل، حتى انقضت ألف ليلة وليلة، وشهرزاد لم تكن إلى يومئذ تبلغ العشرين. كيف لها إذن أن تعرف كل هذا الذي تقصه؟ وكيف تراها وهي تعرف ذلك كله لا تريد أن تبوح لشهريار بسرها وسر الطبيعة وسر الكون كله. هذه مسرحية توفيق الحكيم من أولها إلى آخرها، هي كما ترى لا شيء ولا فكرة فيها. ولكن لا، ففيها كل شيء وكل فكرة، استمع إليه حين يصور هذه الفكرة الأساسية التي تنتظم المسرحية كلها على لسان شهريار حين يثور بشهرزاد لأنها تلح عليه في أن الحياة ليس بها ما يستحق العلم، وأنها لا سر فيها، وأنها هي - شهرزاد - ليست إلا امرأة ككل النساء ذات أم وأب وماض معروف، يثور شهريار ويتحدث كمن به مس، وكمن يتحدث إلى نفسه فيقول:
قد لا تكون امرأة، من تكون؟ إني أسألك من تكون؟ هي السجينة في خدرها طول حياتها تعلم بكل ما في الأرض كأنها الأرض! هي التي ما غادرت خميلتها قط، تعرف مصر والهند والصين! هي البكر تعرف الرجال كامرأة عاشت ألف عام بين الرجال، وتدرك طبائع الإنسان من ساميه وسافله، هي الصغيرة لم يكفها علم الأرض فصعدت إلى السماء تحدث عن تدبيرها وغيبها كأنها ربيبة الملائكة، وهبطت إلى أعماق الأرض تحكي عن مردتها وشياطينها ومساكنهم السفلى العجيبة كأنها بنت الجن! من تكون تلك التي لم تبلغ العشرين قضتها كأترابها في حجرة مسدلة السجف! إما سرها؟ أعمرها عشرون عاماً، أم ليس لها عمر؟ أكانت محبوسة في مكان، أم وجدت في كل مكان؟ إن عقلي ليغلي في وعائه يريد أن يعرف. . . أهي امرأة تلك التي تعلم ما في الطبيعة كأنها الطبيعة؟))
أسمعت؟ إن بنا ظمأ لأن نعرف. ولكنا لا نستطيع أن نعرف، وما نزعم أننا عرفناه اليوم سيقول أبناؤنا غداً إنه حديث خرافة، كما نقول نحن عما عرف أجدادنا أنه حديث خرافة،
стр. 3611
هذا كلام لا شيء ولا فكرة فيه كما ترى. وهو مع ذلك كل شيء وهو مع ذلك طريف وأن تكرر كل يوم مادام يتكرر في أسلوب من له روعة أسلوب توفيق الحكيم المسرحي. وهو طريف وإن تكرر لأنه يدعونا للمحاولة كي نعرف أفي الحياة جديد
فإلى أي شيء نسعى في الحياة؟ وما غرضنا منها؟ هذا ما يريد شهريار أن يعرف. وتقول له شهرزاد إن الحياة هي السعادة. والسعادة يجب أن يلتمسها الرجل في جسم امرأته. ويأبى شهريار ويتكدر ويكاد يقتل شهرزاد. ولكن شهرزاد تتبدى له في روعة جمالها كاملة فيتمنى لو تحبه ليكون سعيداً. وفي أحلام الحب ينام!
وشهرزاد في مسرحية توفيق الحكيم هي المرأة، وهي الطبيعة، بها يفتن شهريار، وبها يفتن وزيره قمر وبها يفتن العبد. وبها يفتن الناس جميعاً، ومنها يخاف الناس جمعياً. يلتمسون منها المعرفة، ويلتمسون منها الحقيقة، ويلتمسون منها السماح، ويلتمسون منها السعادة. وينالون من ذلك كله فتاتا لا يغنيهم، ولكنه يقتلهم. الوحيد الذي ينجبر هو العبد الذي استمتع بجسد شهرزاد، والذي أحبت شهرزاد رغم سواده وغلظته، لأن الزهرة البيضاء الرقيقة تنبت من الطين الأسود والغليظ، ورغم قبحه وضعة أصله، لأن سواد اللون وضعة الأصل وقبح الصورة هي الصفات الخالدة التي تحبها شهرزاد، والتي تعشق الطبيعة وإن كانت الطبيعة وكانت شهرزاد مثلها لا يعشقان أحداً.
لعلي استطعت بالقليل الذي تقدم أن أصف الأثر الذي تركت في نفسي مسرحية توفيق الحكيم الأخيرة وهو كما ترى أثر يتعدى الغبطة إلى الإعجاب. لكنني لاحظت عليها كأثر من آثار توفيق الحكيم، ما لا يتفق وما كان بارزاً واضحاً في أهل الكهف وفي قصة عودة الروح، وفي آثاره الوجيزة الأخرى التي تنشر في المجلات، فقد كان بروز الشخصيات ووضوحها بعض ما امتازت به هذه الآثار كلها. أما في شهرزاد فالكل فلاسفة في قوة واحدة. الملك والوزير قمر، وشهرزاد، والعبد، والجلاد، والساحر، يتحدثون جميعاً ومنطق كل واحد منطق الآخر وقوته قوته، وأنوثة شهرزاد أنوثة فلسفية هي الأخرى. وحب قمر إياها أقرب لأن يكون حباً فلسفياً لا يخضع لضعف الحب إلا بكلام وهذا في رأينا مأخذ وإن سترته قوته المسرحية. وهو مأخذ بالنسبة لتوفيق الحكيم بنوع خاص، لكنه لا يغض من قيمة أثر له من الجلال ما قدمنا، وله إلى جانب جلاله انه أثر خالص للفن وهذا ما لا
стр. 3612
تجده في الأدب العربي الحديث ألا نادراً واندر من النادر
محمد حسين هيكل
стр. 3613
ديوان الينبوع
للدكتور احمد زكي أبو شادي
راقني ما دبجته براعة الأديب الحلبي الفاضل (المرتيني) نقداً لديوان (الينبوع) فقد استهله بمقدمة بديعة عن ماهية الفن، هي من صفوة ما كتب في هذا الموضوع، وهي وحدها كافية لاحترام بيانه وللصفح عن زلات نقده.
وكان أول ما أخذه على، إشارتي إلى أن الشاعر الألماني العظيم هنريش هيني جمع في شعره بين نفحات القديم وبين النزعة الرومانطيقية التي كان آخر شعرائها في قومه، وبين نزعة التحرر العصري التي ساعد على تكوينها، وقد أصبحت الصورة الغالبة على الشعر العصري في الغرب صورة الرومانطيقية الواقعة
أتعرف بماذا علق الأديب المرتيني على ملاحظاتي هذه؟ إنه لم يتعرض لها ولو بكلمة نقدية واحدة وإنما اتخذها تكأة ليقول هذا القول الغريب الذي لا صلة له بموضوعها إذ يعلن: (إننا لا نجاريه في قوله ولا نجاريه في استشهاده بالشاعر الألماني العظيم، فبينما يشرح ذلك الألماني النبيل عواطفه المتدفقة في نفسه أو يشرح نفسه الواسعة الفياضة بأنواع من النظم نرى الدكتور لا يرتفع في شعره عن أن ينظم في بعض مناسبات خاصة. وفرق كبير جداً بين هذا الشعر الذي يكاد يكون شعراً صحفياً وبين شعر هيني المختلف المتناسق الذي نرى اختلافه في أغراضه وسعتها، والذي نراه يتناسق في الصفات الأولى التي تتصف بها نفس ذلك الشاعر العبقري) وكل هذا لا شأن له بتعرضي لشعر هيني ولا محل له من النقد المتزن
إن ناقدي الفاضل يشير في مقدمته إلى أن الفن يرسم الشعور الإنساني في ظروفه العاطفية المختلفة، وهذه سطور مقدمته بين أيدي القراء ناطقة بذلك، فكيف يأتي بعد هذا مصغراً فينعت شعري بشعر المناسبات وبالشعر الصحفي؟ إن جميع الشعر يا مولانا في أصله شعر مناسبات وبواعث لأنه لا يفتعل افتعالا، وإنما سمينا الشعر السطحي الذي لا ينتظر له الخلود بشعر المناسبات من باب التجوز إشارة إلى أنه يعيش في حيز مناسبته الوقتية، ولأنه ليس بالشعر الإنساني العميق، وشتان بين التعبيرين. . . .
فهل صحيح أن شعري من هذا الضرب الأخير، لا لسبب إلا لأنه مناسبات بعضه عامة؟
стр. 3614
وهل هذا عذر ينهض للأصغار من روائع الشعر العربي والأوروبي التي خلقت في مناسبات عامة لا تعني الشاعر وحده؟! أن مثل هذا النقد لن يقبله أي أديب مستقل، خصوصاً وهو نقد مبهم لا تعززه الشواهد، ولا أعرف شيئاً يسيء إلى النقد أكثر من هذه البراعة في الإبهام، ومن هذه الأحكام التي لا (حيثيات) لها. . . .
إني لم أقطع على ناقدي الطريق حين أشرت إلى ضرورة التجاوب بين الناقد والشاعر حتى يجيء النقد تفسيراً أدبياً صادقاً للشعر، لأني لا أفهم من النقد أن يكون لوناً من ألوان النفور أو التحامل. وقد آخذني على إشارتي إلى أنه ليس محتوماً على غير مريدي أن يطلعوا على شعري حتى أكون معرضاً لمؤاخذتهم اياي، متوهماً أني بذلك أصد الناقدين عن شعري أو أنعالي عليهم. والواقع انه لا يوجد أديب معاصر شجع النقد الأدبي واحترمه أكثر مما شجعته، ولدى صديقي الألمعي صاحب مجلة (الرسالة) آخر مثل يعرفه عن ذلك، فليطمئن بال الأديب المرتيني، وليثق بأن كلمتي هذه ليست موجهة إلى أمثاله من أفاضل النقاد، وإنما وجهتها إلى جيش من المتطفلين على الأدب الذين ينالون ما ينالون من تشجيع في الصحف العامة ولا يتورعون عن أن يقولوا مثل هذا القول: (إن شعر فلان يحصب وجوهنا) فليت القدر يخرسه مادمنا عاجزين عن ذلك، وهذا بلا نزاع إسفاف في النقد) ولكن له سوقه النافقة، فكلمتي المنطقية الهادئة الموجهة إلى هؤلاء الكرام لا غبار عليها.
وتحدث ناقدي الفاضل عن ميولي المتباينة، ولست أرى تبايناً بينها، مادامت نفسي تؤلف منها وحدة فنية، ولكل نفس طبيعتها واستعدادها، كما أني لست فذاً في هذا: فهناك شواهد كثيرة على تنوع الميول عند أعلام الفكر والأدب في الشرق والغرب، ولم يكن هذا التنوع مؤدياً إلى العجز أو التقصير الفني، بل كان شاحذ للمواهب الفنية، دافعاً إلى الإنتاج الناضج الوفير.
وادعى سامحه الله أني مجدد ملتوي التجديد، وأني قد وقفت نفسي على أدب الغرب، وأني أحاول في عمري أن أضع لنفسي مزاجاً خاصاً، وأني أتمثل لقارئي فيكاد ينفر مني لضعفي في التعبير وتقصيري في التصوير وفقري في التفكير. . .
ومثل هذا الانتقاص الذي يقال جزافاً أمره سهل لدى كل من يطاوعه قلمه على تحبيره، ولكن الناقد المنصف المدقق يقر بشغفي العظيم بالأدب العربي وخدمتي إياه، وأن عنايتي
стр. 3615
بالأدب الأوربي هي عناية الراغب في إعزاز أدبنا العربي وتبديل فقره غنى، وسد ما في مناحيه من فجوات يشعر بها كل مطلع على الآداب العالمية. وليس لمثلي أن يزكي أدبه وإن دافع عنه، ولكني أزكي مدرسة أدبية أنا أحد أفرادها، وقد كتبت من قبل ما يغني عن الإفاضة في (الرسالة)، كما يغنيني ما ظهر حديثاً في مجلة (الإمام) للشاعر الياس قنصل، وفي صحيفة (الأهرام) للشاعر سيد قطب، عن الرد على ذلك الانتقاص المبهم الذي لن تطاوعه الشواهد مهما تلمسها ناقدي الفاضل.
ولكن قد جاء بما يحسبه شاهداً مفحماً في تعليقه العجيب على صورة (الينبوع) (ص ١٧ من الديوان). . . . ان ذلك التعليق وتلك الخطرات هي نظراتك أنت يا ناقدي العزيز، وأما أنا فلا أعرفها بل اشمئز من تعابيرك كل الاشمئزاز. أما نظراتي أنا فنظرات الفطرة السليمة المتسامية التي تأبى التصنع والشذوذ والتدلي، وتقول في صراحة:
يا جمال النور في الظل الحبيب … يا جمال الروح في الجسم الرطيب
هذه الدنيا لأحلام الأديب … هذه غايات آمال الأريب
أيها الينبوع كم ساع إليك … يدعى بغضاً لما أهوى لديك
كل ما يرجوه موقوف عليك … فإذا الإنعام منك واليك!
أنت سحر غامض للعالم … أنت ينبوع الرجاء الدائم
أنت موسيقى الخلود الباسم … أنت ومض للشريد الهائم!
أيها الينبوع يا رمز الأبد … يا شعاع الله في طيف الجسد
كم معان فيك كادت لا تحد … وعزاء عن حياة تفتقد!
إنما أرنو إليك في خشوعي … ما ابتسامي غير لون من دموعي
أنا لحن بين أطياف الربيع … من طيور وغدير وزروع
أنا أحيا حينما أجني رضاك … حينما جسمي وروحي عانقاك
حينما لبيت مسحورا نداك … فإذا بي لا أرى العيش سواك
كل همي في حياتي يستحيل … حينما أخشع للفن الأصيل
حينما أروي من النبع النبيل … ذاك نبع الحب في الجسم النبيل!
فإذا كان الأديب المرتيني لا يرى في هذا الشعر الطبيعة الصافية المتسامية فالذنب ليس
стр. 3616
ذنبي، وما أراه منصفاً مهاجمة الذوق الفني لمصور (سكس ابيل) وهو من أعلام فنه، إني مصدق صاحبي في تأكيده أنه قرأ الديوان من الجلد إلى الجلد، ومع ذلك أومن بأنه لم يقرأه، وأومن كذلك بأنه في ذهنيته ونفسيته الحاضرة لا يحمل ذرة من التجارب مع شاعريتي، وإنما يؤدي به مزاجه الخاص إلى النفور منها ومن كل ما يمت إليها بصلة، ناظراً من وراء منظار أسود شاقه أن يلبسه، وإلا فبماذا يفسر تصويره لاحترامي النقد الأدبي وتشجيعي رجاله، ذلك التصوير الغريب الذي ابتدعه في قوله؛ وما عرفته (يعني كاتب هذه للسطور) وغيره من إخواننا المصريين إلا أباة على النقد يثيرون من أجله المعارك ويتسارعون بسببه إلى الخصام والنزاع. . . .؟! لقد ظهرت في الأعداد الثلاثة الأخيرة من مجلة (أبولو) تعليقاتي على نقد ديوان (الينبوع) فهل يستطيع حضرة الناقد الفاضل إذا التزم الإنصاف أن يحد فيها دليلاً واحداً يعزز دعواه هذه التي أنكرها كل الانكار؟ أما عن لغتي فمن أحسب صاحبنا في المكانة التي تسمح له بذلك النقد، وقد نقد (الينبوع) فعلا رجال ذوو بصر فني باللغة، ومنهم من تخصص فيها كالسيد مصطفى جواد، فما قالوا إلا عكس ما ذهب إليه صاحبنا.
وقد تصدى لنقد بيتين من قصيدة (دانيال في جب أسود) - ص ٥٠ من الديوان - وهي من الإسرائيليات المشهورة التي راقى تسجيلها شعراً، فجاء نقده معلنا جهله أو تجاهله لهذه القصة الدينية، وراح يلوم على ما يستحق الثناء من إيجاز أو تركيز في محله أو بساطة يدعو إليها سياق القصة، وكأنه أراد بالأقصوصة الشعرية الوجيزة أن تكون تفضيلاً خبرياً عن الحوادث لا لمحة شعرية من روح الموضوع. . . وإذا كان شعري في حكم العدم كما يريد الأديب المرتيني أن يقول، فلماذا يشغل نفسه وقراء (الرسالة) بأكثر من ثلاث صفحات نقدية وهو يعلم أن هذا الضرب من الشعر لا تعني به إلا أقلية من الأدباء. فهل صحيح أنه في حكم العدم؟!
إن الشواهد التي يسوقها النقاد هي دائما كافية لتعزيزهم أو لخذلانهم، ولذلك يتهارب النقاد العاثرون من الإتيان بالشواهد، والأديب المرتيني كان بعيداً جداً عن التوفيق فيما ذكره من شواهد من غير تفتيش أو تنقيب على ما يقول. . . وحسب القارئ أن ينظر في هذه الأبيات من قصيدة (العودة) (ص ٣٠ من ديوان الينبوع) وقد وجهتها إلى الدكتور زكي
стр. 3617
مبارك الذي كان بصحبتي في قطار البحر عائدين من الإسكندرية:
وداعا للرمال وللمغاني … وداعاً للملاحة يا صديقي
أتذكر كيف كان الموج يجري … كما يجري الشقيق إلى الشقيق؟
وقفنا في جوار اليم سكرى … ككر الناظرين إلى الرحيق
نرى في البر ألوان التناجي … وفي البحر المشارف والعميق
كأن الحسن ذاب بكل لون … نراه، وفي المياه وفي الطريق!
سكرناه سكرة الحمرمان حتى … كلانا كالأسير وكالطليق
وهذا الجو يملؤه حنان … ولو أن الغروب من الحريق
وأبنا أوبة المهزوم، لكن … بنا طرب من الأدب الحقيقي!
فهذه القصيدة التي أعجب بها أستاذنا مطران إعجاباً عظيماً لم تستحق من ناقدنا الفاضل غير السخرية المبهمة التي إن لم تكن سخرية المغرض فهي سخرية المتسرع الذي يهرع إلى قلمه قبل أن يتمثل الموضوع الشعري ويستوعبه الاستيعاب الواجب.
بيد أني مستعد للإيمان بحسن طوية الكاتب الفاضل، وأؤكد له أن نصائحه هي في صميم نفسي، ومع ذلك فمرحباً بنصائحه وبغيرته على اللغة! فهل له بعد هذا أن يأخذ نصيحة متواضعة مني مشفوعة برجاء: تلك أن يدرس الطاقة الشعرية عند الشعراء المختلفين فسوف يجدها متباينة، وأن طبيعة الإجادة الفنية لا شأن لها بإنتاج، بل ربما رهفتها كثرته، وأن الشاعر الملتوي الأسلوب الضعيف البيان السقيم الذوق لا يجديه إكثار ولا إقلال. . . وهو وغيره أحرار بعد ذلك في وضعي في المكان الذي يرضي نفوسهم، وأما رجائي فمحصور في مبدأ أدبي عام يؤمن معه العثار النقدي ويمثله هذا البيت:
كن أنت نفسي واقترن بعواطفي … تجد المعيب لدى غير معيب
احمد زكي أبو شادي
стр. 3618
العدد ٤٣ - بتاريخ: ٣٠ - ٠٤ - ١٩٣٤
стр. 3619
أحاديث الأسبوع. . .
للدكتور طه حسين
كان جو القاهرة قلقاً مضطرباً أثناء الأسبوع. يذكر الشتاء المدبر فيستحضر بعض أرواح البرد، ويلمح الصيف المقبل فيسرع إلى بعض بشائر القيظ. وكان النهار ضعيف الذاكرة جداً، محى الشتاء من نفسه محواً على قرب عهد الشتاء. وكان الليل وفياً بعض الشيء، قوي الذاكرة إلى حد ما، رفيقاً بالناس بعض الرفق، كأنما كان يشفق عليهم من قسوة النهار ونسيانه للعهد، وزهده في الأمس وتهالكه على غد. فكان يثير لهم بعض هذه النسمات الهادئة الحلوة التي تغرق أحياناً في الهدوء والخفة حتى توشك أن تكون لاذعة، وحتى تلفت الناس إلى أن من الخطر أن يخونوا عهد الشتاء كما خانه النهار، وأن يتهالكوا على عهد الصيف كما تهالك عليه النهار، وأن يتخففوا من ثيابهم، ويتهاونوا في الاحتياط والحذر من هذه الأرواح القليلة الخفية المغرقة التي تتعلق بشعاع من أشعة القمر، أو بنفس من أنفاس النسيم، والتي لا تكره أحياناً أن تمس المهملين مسا خفيفاً، فتعرضهم للأذى، وتحملهم من الآلام جهداً ثقيلاً.
وكان الناس، أو بعبارة أدق، كان الأدباء يسايرون الزمان كدأبهم في كل حين وفي كل بيئة. كانوا يفترون للنهار وينشطون لليل، كانوا يثقلون للظهر، ويخفون لمغرب الشمس، كانوا يؤدون أعمالهم خامدين هامدين في الضحى، أو يتخذون شكل الذين يؤدون أعمالهم وهم لا يؤدون منها شيئاً. فإذا ألقت الشمس يداً في كافر كما كان يقول لبيد، خفت الأجسام، ونشطت النفوس، واتسعت الرئات للهواء، وتفتحت العقول والأذهان للخواطر، وانطلقت الألسنة بالحديث، ولم تكن أحاديث الأدباء في هذا الأسبوع قليلة الخطر، ولا ضئيلة الشأن، ولا هينة الأمر على المتحدثين بها من الأدباء، والمتناقلين لها من غير الأدباء، فهم قد بدءوا أحاديث الأسبوع بهذا الاجتماع الذي ختم به الأسبوع الماضي، والذي كان عند جماعة (الاسيست) وقصد به لا أقول إلى إحياء ذكر مختار، بل أقول إلى ذكر مختار ليس غير. وكان حديث الأدباء عن هذا الاجتماع طريفاً، لأنه لم يزد على أن ذكره وألم به دون أن يفسره أو يعلق عليه. وهل أحاديث غير الأدباء في مصر الآن خير من أحاديث الأدباء؟ فأنت تستطيع أن تلتمس النشاط عند رجال السياسة، أو عند أصحاب المال، أو عند غير
стр. 3620
أولئك وهؤلاء من طبقات الناس، فأن استطعت أن تجده أو تجد صورة من صوره فأنت منصف حين تلوم الأدباء على القصور، وتعيبهم بالفتور. على أن شيئين لم يهملهما الأدباء حين تحدثوا عن هذا الاجتماع، إن كانوا قد تحدثوا عنه بالفعل أو خاضوا فيه حقا، ولم يكن هذا الحديث الذي أنقله عنهم خيالا فاترا فتور حياة الأدباء كلها في هذه الأيام. فأما أول هذين الشيئين: فهو أن هذا الاجتماع إنما كان أثراً من آثار الشباب، ومن آثار الشباب وحدهم. هم الذين فكروا فيه، وهم الذين دعوا اليه، وهم الذين ألحوا في الدعوة، فوفقوا إلى إكراه جماعة من الكهول والشيوخ على الاستجابة لدعوتهم، وظفروا من جماعة أخرى بالوعود والأماني التي لم يقدر لها الوفاء ولا التحقيق، ولم يظفروا من جماعة آخرين بوعود ولا أمنية، فضلاً عن الوفاء أو التحقيق.
وأما الشيء الثاني فهو أن هذا الاجتماع لم يحدث في الأدب حدثاً، ولم ينتج له جديداً، إلا كلمة طريفة قيمة مؤثرة، قالها صديقنا مصطفى عبد الرزاق. فأما ما دون هذه الكلمة فلم يكن شيئاً، حتى أن صديقنا مطران لم يستطع إلا أن يعيد على السامعين قصيدة رائعة بارعة من غير شك، ولكنها قديمة، أنشئت وأنشدت لاستقبال مختار حين عاد ظافراً يستقبل المجد. ثم استخرجت وأنشدت لوداع مختار حين استأثر به الموت، فولى يودع المجد ويودع الحياة والغريب أن هذا الاجتماع كان لتكريم الفن، ولتأبين المثال الأول في تاريخ مصر الحديثة، المثال الذي ابتكر من الآثار ما يقال أنه جميل رائع ينطق البكم ويثير حس الذين لا يثور لهم حس، ويفيض شعور الذين لا يفيض لهم شعور، ومع ذلك فهو لم ينطق أدباءنا - وما أكثر ما كانوا ينطقون - ولم يثر حسهم - وما أكثر ما كان يثور. ولم يفض شعورهم - وما أكثر ما كان يفيض. تساءل الأدباء عن مصدر هذا في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال. فكان الجواب أن مصر الآن نائمة تستريح.
ثم مضى يوم ويوم من الأسبوع، وإذا الأدباء ينسون حديث مختار أن كانوا قد ذكروه، لأن حديثاً آخر قد فتحت لهم أبوابه، ومدت لهم أسبابه، وهو حديث صحيفة اضطرها حكم القضاء إلى الصمت. فتفرق كتابها، وانتشر أصحابها في الأرض يبتغون من فضل الله عليهم وعلى الناس، وسكت هذا الصوت، أو هذه الأصوات التي كانت تسمع مع الصباح
стр. 3621
في كل يوم، والتي كانت تفتح للساسة والأدباء وأصحاب الاقتصاد والذين يلتمسون الأنباء فنوناً من القول وألواناً من الحديث. تحدث الأدباء عن هذا الحدث الأدبي السياسي، في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال. وتساءلوا ما باله لم ينطق الأدباء بشيء، فكان الجواب أن مصر الآن نائمة تستريح.
ثم مضى من الأسبوع يوم ويوم ويوم. وإذا حفل يقام واجتماع يحتشد له الناس في ملعب من ملاعب التمثيل، وإذا خطب تلقى مختلفة ألوانها، متباينة أشكالها، وإذا شاعر يكرم بهذا الاجتماع الضخم، وبهذا الاحتفال الرائع، وبهذه الخطب الطوال. وإذا الأدباء - استغفر الله - بل الشعراء منهم خاصة، يتحدثون بهذا الحدث الأدبي، ويتناقلون أنباءه، ويفسرونها ويؤولونها، في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال. ثم يتساءلون ما بال الشعراء لم يشاركوا في تكريم الشاعر، فكان الجواب أن مصر الآن نائمة تستريح.
وأنا أعترف بأني لم أكره هذا الجواب، ولم أضق به، فحب النوم والإغراق في الراحة شر، ولكن بعض الشر أهون من بعض وأنا أعترف بأني أوثر هذا الجواب على جواب آخر بغيض، لا أحب أن أسمعه ولا أن يسمعه غيري، ولا أن يكون هو المصور لحقيقة الأمر. وقد كان يهمس به بعض الناس الذين يفترون الكذب على الله وعلى الناس، فكانوا يقولون وليتهم لم يقولوا: إنما تثاقل الأدباء والمثقفون من ذكر مختار لأن ذكر مختار شيء يخاف، وكانوا يقولون وليتهم لم يقولوا: إنما سكتت أصوات الأدباء عن صمت أولئك الكتاب، لأن التعرض لصمت أولئك الكتاب أو نطقهم شيء يخاف، وكانوا يقولون وليتهم لم يقولوا: إنما ثقل الشعر على تكريم العقاد، لأن تكريم العقاد شيء يخاف من جهة، وشيء يشق على الشعراء من جهة أخرى. وقد استقر الخوف على أحد جناحي الشعر، واستقرت المنافسة على جناحه الآخر، فظل المسكين جاثماً على الأرض، لا يستطيع أن يرقى في الجو، ولا أن يسبح في الهواء.
أما أنا فلم يعجبني الجواب الأول، لأني رجل لا أحب النوم، ولا أستريح إلى الراحة، ولم يعجبني الجواب الثاني، لأنه كذب كله، أملاه سوء الظن وحب الكيد. ولهذا أعرضت عن أحاديث الأدباء في هذا الأسبوع، وتحدثت إلى نفسي، وإلى نفسي وحدها، بحديث لا صلة
стр. 3622
بينه وبين الأدب، ولا صلة بينه وبين السياسة، ولا صلة بينه وبين شيء مما يعنى به الناس الممتازون في هذا البلاد الآن، وهو حديث المنجمين. لا تعجب وتأخذك الدهشة، فقد فكرت في المنجمين وأطلت التفكير. ألم تزعم لنا الصحف أن السلطان يطارد التنجيم والمنجمين في مصر؟ فما يعني أن أفكر في التنجيم والمنجمين وأنا أقرأ في الصحف الأوربية أن التنجيم ينهض في أوروبا بعد كبوته ويستيقظ بعد نومه الطويل، ويسترد مكانته العليا في قصور الملوك ودواوين الوزراء، أستغفر الله، بل في ميادين القتال، بل في الجامعات أيضاً. فهذه صحيفة فرنسية - النوفيل ليترير - تحدثنا بأن صاحب الجلالة جورج الملك الإمبراطور، قد عنى بالتنجيم وحديث المنجمين، فأبى أن يسافر أبنه إلى أستراليا في يوم كان المنجمون يخافون منه الشر، واحترقت فيه طيارة فرنسية كانت تحمل حاكم الهند الصينية العام.
والصحيفة نفسها تحدثنا بأن الزعيم الإيطالي العظيم يحفل بالتنجيم والمنجمين، كما يحفل بالسياسة والساسة. وهي تحدثنا بان الألمانيين كانوا قد ألحقوا بقيادتهم العليا أثناء الحرب منجمين، وكانت كلمة هؤلاء المنجمين مسموعة، وكانت وعود المنجمين لقواد الألمان أصدق من وعيد المنجمين للمعتصم بن الرشيد. والصحيفة نفسها تحدثنا بأن الألمانيين أنشئوا كرسياً للتنجيم في جامعة برلين سنة ١٩١٨. ثم الصحيفة نفسها تلوم فرنسا لأنها لا تعني بالتنجيم والمنجمين عناية الإنجليز والإيطاليين والألمان، فكيف لو علمت هذه الصحيفة أن المصريين يعدون التنجيم أثماً، ويرون المنجمين جماعة من المتشردين؟ إلا يؤذن لنا في أن نلفت السلطان إلى أنه ليس من الضروري أن يكون بيننا وبين الأوروبيين هذا الأمد البعيد فنحارب التنجيم ونعرض عنه حين يؤيده الأوروبيين ويقبلون عليه. أليس من الخير أن يكون لكل وزارة منجمها؟ بل مالنا وللوزارات ومنجميها؟ ألسنا نرى أن التحدث إلى النفس في التنجيم والمنجمين خير من التحدث أليها في الأدب والأدباء؟
طه حسين
стр. 3623
حكمة غاندي
وضع أحد كتاب اليونان الشباب ترجمة للمهاتما غاندي أسماها (الحياة المقدسة) ونحن نقتبس منها حديثاً لغاندي يقارن فيه بين عصر الآلة وبين الحياة في عصر الصناعة اليدوية التي يحدثنا عنها في تأثر وحنين:
كانت حياتنا في الأزمنة الخالية، قبل أن يحل بيننا هذا الوحش وأعنى به الآلة، حياة إنسانية جميلة. فقد كان عندنا متسع من الوقت للتفكير والخلو إلى النفس في المعابد صباحاً، وتحت ظلال الأشجار في هجيرة الظهر، وفي أفنية المنازل مساء، حتى في أوقات العمل ونحن جلوس إلى المناسج أو قائمون في المزارع نفلح الأرض، نجد الوقت للإنشاء وللتوجه بأرواحنا إلى ملكوت الجمال والحق،
أما أخواتنا فأنهن قبل الشروع في أعمالهن في الحقول، يضفرن أكاليل الزهر ويعلقنها على قرون البقر، فلم يكن للزمن عندنا في يوم من الأيام من المعنى ماله اليوم عند الأوروبيين. ولم يعلمنا واحد من حكمائنا هذا المبدأ المنكر (الوقت من ذهب) فلم نكن من الهيام بالذهب بحيث نضحي كل وقتنا من أجله. لأن العمل في اعتقادنا هو خلق الجمال والتوجه بأرواحنا إلى الله.
وأني لأذكر أن أبوي في صغري أخذاني معهما لأشهد كيف يكون بدء اشتغال الفتى بصناعة أبيه. فقد كان الفتى أول الأمر يمضي للاغتسال في النهر ليكون لجسمه طهارة نفسه. ثم تأخذه أمه إلى المعبد. ويكون أبوه وشيوخ القرية في انتظاره حول النار المقدسة وعند ذاك يسأله أبوه:
- أتريد استئناف صناعتي؟ أتريد أنت أيضا أن تصبح حداداً؟
- نعم يا أبت.
ثم يقسم اليمين المفروضة:
(أقسم بالنار وبأجدادي، وبالله الحي القيوم، أني راغب في أن أكون حداداً، وأني راغب في خلق الجمال والمنفعة للناس) وإذ ذاك يقدم له أبوه (أخوته الصغار) ويعني بها الأدوات، لأنها له بمثابة الخلان الأوفياء في حياته العاملة الكادحة.
ويتناول الفتى محراك الجمر والمطرقة والكير والميدع من أدم وأنه يتناولها بحنان كأنها أحياء، ويقول مجدداً بيمينه:
стр. 3624
(أقسم أني لا أدنس هذه الأدوات. وإنما استخدمها في خلق الجمال والمنفعة للناس).
ثم يستطرد غاندي في ذكرياته:
لقد عرفت العهد السعيد الذي كان فيه ناسجو الشيلان مثلاً في عداد الفنانين، أي صنو المثالين والرسامين سواء بسواء.
وكانوا يجلسون صبيانهم حول المنسج يمسك هذا كبة الصوف الأزرق، والآخر والأحمر، وذاك الصوف المعصفر، وذلك الأخضر. . .
وفي صباح كل يوم قبل البدء في العمل، يرفع المعلم الشيخ عصاه. فيسود السكون مطلقاً شاملاً. هذه آونة التأمل، ثم تعقبها الصلاة. فيبتهلون إلى الله أن يعينهم على صنع ما هو جميل ونافع للناس. فإذا فرغوا من الصلاة، أخذوا في الإنشاد على فريقين سائل ومجيب:
- ماذا تنسجون؟ ننسج السماء ونجومها
- ماذا تنسجون؟ ننسج الأرض وزهرها
- ماذا تنسجون؟ ننسج البحر وحيتانه وسفائنه
والصبيان يداولون خيوط الصوف، كل في دوره، في حركة موزونة موقعة. والمعلم جالس في وسطهم يضبط الإيقاع، وينظم بعصاه الصغيرة حركة الذهاب والإياب للخيوط المتداولة زرقاً وحمراً وخضراً. . فتتولد شيئاً فشيئاً قطعة موسيقية من النسج عجيبة التأليف من الشيات والألوان.
ويتجدد هذا العمل كل يوم بين الصلاة والإنشاد
وبعد أسابيع ثلاث يتم الشال. وإذ ذاك يستعرضه كل صبي ويقلبه بين يديه معجباً بجماله، هذا صنيعهم أجمعين. وهم يحبونه كأنه مخلوق حي لا تقوم نفاسته بثمن، فيرمقونه طويلاً بأنظارهم، ويمسحون عليه بأيديهم، ولا تكاد تطاوع أنفسهم على التخلي عنه
ويقول المعلم الشيخ: - هيا أطلقوا عليه اسماً.
فيقول الشيخ: - بل نسميه (البهيج) أليس هو وليد البهجة وصنع الفرحة والحبور؟
فيهتف الجميع استحساناً، ويمضي الشال في طريقه إلى الدنيا الواسعة، ويأخذ المعلم وصبيانه من جديد في عملهم. وهكذا في كل ثلاثة أسابيع يطلعون الدنيا آية جديدة.
عبد الرحمن صدقي
стр. 3625
الموت والحياة
للأستاذ أحمد أمين
أبت علىَّ نفسي أن تكتب اليوم إلا في الموت، وهل نتاج الكاتب إلا قطعة من نفسه؟ يفرح فيرقص قلمه، وينقبض فيسبل قلمه بالدمع، وقد كرهت للقراء هذا العنوان فأضفت إلى الموت الحياة، ولست أدري لمَ يلطف ذكر الحياة الموت، ولا يلطف ذكر الموت الحياة
دعا إلى هذا أني فجعت هذه الأيام بموت أصدقاء كأنهم كانوا على ميعاد، وكأن لموت الأصدقاء أيضاً موسماً كسائر المواسم وإن لم يحدد زمنه ويعرف زمنه ويعرف مداه.
تنفك تسمع ما حيي … ت بهالك حتى تكونه
والمرء قد يرجو الحيا … ة مؤملاً والموت دونه
وكان آخرهم صديق استعجل الموت فأنشب في المنية أظفاره قبل أن تنشب فيه أظفاره، وقطع حظه من الدنيا قبل أن تستوفي حظها منه، لم يصبه سهم القضاء فأخذ السهم منه ورماه بنفسه في نفسه فمضى سابقاً أجله - غربت شمسه ضحى، واستكملت ساعته دقاتها قبل ميعادها
كان سريّ النفس، نبيل الخلق، طيب العنصر، يغبطه كل من عرفه على ما وهب من خلال، وما تهيأ له من وسائل الرفاهة وأسباب النعيم، وما دروا أن الأمر في السعادة والشقاء إلى ما في داخل النفس لا ما في خارجها، وأن نفوساً قد تشقى في النعيم، ونفوساً قد تسعد في الشقاء.
جزعت لموته واستكنت للعبرة، وفقدت بفقده السلطان على دمعي وقلبي، فرحمه الله ورحمني.
ولكن ما الجزع من الموت وقد طال عهدنا به، وعرفه بنو آدم منذ عرفوا الحياة. ولمَ لم يألفوه كما ألفوه كثيراً من المر حتى إعتادوه، وليس الموت في ذاكرته مراً ولا أليماً، وكما قال أحد الرواقيين (إن الموت هو وحده المصيبة التي لا تمسنا، ففي حياتنا لا موت، وإذا جاء الموت فلا حياة) وقد نظم المتنبي هذا المعنى فقال:
والأسى قبل فرقة الروح عجز … والأسى لا يكون بعد الفراق
ولكن أعظم الناس شأن الموت لما أحاط به من ظروف، وما أتصل به من خيالات، وأثير
стр. 3626
حوله من رعب بالغ بعض من رجال الدين في تفظيع الموت، وهولوا من شأنه تهويلاً تنخلع له القلوب، وتقشعر منه الجلود، لأنهم رأوا في ذلك درساً قاسياً يردع المجرم عن أجرامه، ويزع الآثم عن أثمه، ولكن أخشى أن يكونوا قد أفرطوا إفراطاً شل النفس وأشاع فيها اليأس. وأنهم - وقد عهد إليهم أن يعادلوا بين الترغيب والترهيب - قد أرهقوا كفة الترهيب حتى ثقلت وهوت، وخففوا كفة الترغيب حتى شالت وعلت - ولعل هذا كان من الأسباب التي جعلتنا نتسخط الحياة ونتبرم بها. ثم ما هذه الأخلاق التي هي أشبه ما تكون بأخلاق العبيد! لا ندعى للخير إلا بالعصا، ولا تطلب منا الفضيلة إلا بالسياط؟
أليس خيراً من ذلك أن يحدونا إلى الخير الحب. لا أن يسوقنا إليه الرعب؟
ثم زاد الموت سوءاً ما أحاطه به الأحياء من مظاهر الفزع والألم، فصراخ تنفطر له المرائر، وبكاء يذيب لفائف القلوب، والناس حول الميت بين ساهم البصر، ومطرق الطرف، ومكروب النفس، وناكس الرأس، يتأوه الآهة تنقصف منها ضلوعه، ويزفر الزفرة تتصدع منها نفسه - لست أظن أن هذا وأمثاله من طبيعة الإنسان، قد يكون من طبيعته الحزن على فقد القريب والصديق، ولكن ليس من طبيعته الجزع، فلو اعتاد قوم أن يقابلوا الموت كما يقابلون أية ظاهرة طبيعية في الحياة لزال الجزع وخف الألم، كما حدث عند بعض الأمم، استطاعوا أن يضبطوا عواطفهم وينفقوا من الحزن بقدر، وأن يرددوا قول القائل (مات الميت فليحي الحي) وتفاخروا بالجلد كما نتفاخر بالجزع، وتواسوا بالثبات كما نتواسى بالهلع.
ثم كان من الأدباء ما كان من رجال الدين: حزنوا للشيب إذ فقدوا الشباب، أكثر مما فرحوا بالشباب يوم أن كان، ووقفوا في مراثيهم موقف النادبات في المآتم، يعجبون كيف كان الموت وكيف نزل، ويلهبون عواطف الناس، ويثيرون أشجانهم، ويعدون أقدرهم على القول وأقربهم إلى الإجادة من عرف كيف يستخرج الدمع ويستنزف الشؤون، فكان من هذا وذاك إفساد عواطف الناس نحو الموت ودفعهم إلى التغالي في المشاعر.
ثم أخطأ الناس في القياس، فظنوا أن النفس تألم في الحياة الأخرى بما تألم به في الحياة الدنيا. ظنوا أن القبر يوحش بعزلته كما يستوحش الحي من عزلته، وأن القبر يرهب بضيقه وظلمته، كما يتبرم الحي بضيق المكان وظلمته، وأن الميت يألم من البرد القارس
стр. 3627
كما نألم، ويضجر من الحر القاسي كما نضجر، وغاب عنهم إدراك الفرق بين الحياتين، والاختلاف الواسع بين الطبيعتين
إذا افترقت أجزاء جسمي لم أُبَلْ … حلول الرزايا في مصيف ولا مشتى
أن تفظيع الموت يدعو إلى نوع من الحياة لا هو حياة ولا هو موت، ولعل كثيراً من رذائل الشرق سببه ما اعتاده قادتهم من تهويل الموت وتفظيع شأنه، وإلا فما الذي يجعلنا نرضى بالعيش الذليل بين أحضان آبائنا وأمهاتنا ولا نتطلب العيش السعيد بالهجرة والارتحال؟ وما الذي يدعونا إلى الفرار من المغامرة في شؤون الحياة، والركون إلى عيش الدعة والاطمئنان، وإلى كثير من أمثال ذلك؟ لا شيء إلا التغالي في الخوف من الموت، للتغالي في تهويل الموت.
لقد جل خطب الحياة أن كان كلما مات قريب أو صديق ذابت النفس حسرات، وأظلمت في وجهنا الدنيا، وتطرق ألينا اليأس.
لا. لا. أعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، وتباً لهؤلاء الذين يخلعون قلوبنا بالموت فنكون طعمة لمن يحبون الحياة.
ولنبدأ دعوة جديدة قوامها العمل للحياة و (لا بأس بالموت إذا الموت نزل).
أحمد أمين
стр. 3628
الانقلاب الجمهوري في أسبانيا
٣ - حرب الريف إلى قيام الجمهورية
بقلم الأستاذ محمد عبد الله عنان
كانت حوادث مراكش كابوس السياسة الأسبانية منذ نهاية الحرب. وكان لها أكبر أثر في تطور الحوادث التي انتهت بظفر الديموقراطية وقيام الجمهورية، وما زلنا نذكر تلك الحرب التحريرية العجيبة التي شهرها عبد الكريم زعيم الريف على أسبانيا مدى أعوام، ودحر خلالها الجيوش الأسبانية مراراً، وكاد يظفر بسحق سيادة أسبانيا في شمال مراكش لولا أن تألبت عليه قوى الاستعمار أخيراً واتحدت فرنسا مع أسبانيا على محاربته وسحقه، فكان ما أراد الاستعمار.
وكانت أسبانيا تعاني في بلاد الريف (شمال مراكش) منذ احتلالها متاعب جمة من جراء ثورة القبائل وتضطر دائماً إلى الاحتفاظ بجيش ضخم، ولكن أول نكبة حقيقية نزلت بالجيش الأسباني في بلاد الريف، وقعت في أنوال سنة ١٩٢١، ففيها هاجم عبد الكريم زعيم الريف مراكز القوات الأسبانية في تلك المنطقة، وكانت تبلغ زهاء تسع عشرة ألفاً، فمزقها واستولى على مراكزها وذخائرها، وقتل منها نحو ستة عشر ألفاً، وفر الباقون في مختلف الأنحاء، وانتحر قائدها الجنرال سلفستر. وكان محمد بن عبد الكريم الخطابي من أبناء بني أراغيل، رباه أبوه تربية حسنة، ودرس اللغة الأسبانية، والتحق بوظيفة في الإدارة الأسبانية بمليلة؛ وفي سنة ١٩١٩ وقعت بينه وبين الجنرال سلفستر مشادة حادة وأهانه القائد، ففر من مليلة وهو يعتزم الانتقام ولحق به أخوه (محمد أيضاً) وهو مهندس درس في أسبانيا وكانت القبائل يومئذٍ تتحفز للانتقاض، وكانت قد تلقت أيام الحرب كثيراً من الأسلحة والذخائر التي هربت بواسطة الألمان، فكان ذلك أكبر عون لها على مقاومة القوات الأسبانية وإزعاجها من وقت لآخر. فلما فر عبد الكريم من مليلة داعياً إلى الثورة ألتف حوله عدة مئات من الرجال الأشداء، واستطاع بهذه القوة الضئيلة أن يدبر ذلك الهجوم الجريء على المراكز الأسبانية في أنوال وأن ينزل بها تلك الكارثة الفادحة (يوليه سنة ١٩٢١)، واستولى عبد الكريم على كميات هائلة من الأسلحة والذخائر مكنته من المثابرة في الحرب أعواماً. وكان للنكبة وقع عميق في أسبانيا، فاضطرم الرأي العام سخطاً
стр. 3629
واضطرت وزارة سالازار إلى الاستقالة، وألفت وزارة محافظة برياسة السنيور مورا. ولكن الرأي العام ظل على اضطرامه، وارتفعت الصيحة بطلب التحقيق في الكارثة، وحملت الدوائر العسكرية على البرلمان باعتباره مسئولاً عما وقع من الاضطراب والخلل في الخطط والتدابير العسكرية، وأرسل إلى مراكش جيش ضخم يبلغ مائة وأربعين ألفاً لتدارك الموقف وإنقاذ القوات المحرجة، وانتدبت الوزارة لجنة للتحقيق، ولكنها اضطرت إلى الاستقالة قبل أن تقوم اللجنة بمهمتها، فقامت وزارة محافظة أخرى برآسة السينور سانكيز جويرا، ثم تلتها وزارة حرة برآسة جراسيا بريتو؛ وفيها تولى وزارة الحربية موظف مدني هو الكالا زامورا الذي يتولى اليوم رآسة الجمهورية الأسبانية، ولكنه استقال غير بعيد وخلفه جندي هو الجنرال ايزبورو، وكان من أنصار العسكرية الرجعية وحلفائها، ومن خصوم النظام الدستوري، فأخذ يعمل بكل ما وسع لتوطيد النفوذ العسكري في شئون الحكم، وكان هذا النفوذ يشتد يوماً فيوماً، تغذية حوادث مراكش، وما أثارته من الاضطراب.
وفي خريف سنة ١٩٢٣ تمخض النضال بين العسكرية والديموقراطية عن نتيجة حاسمة. وذلك أن الدون مجويل بريمو دى رفيرا حاكم قطلونية العسكري أعلن الثورة ضد الحكومة وهدد أعضائها، وأيدته السلطات العسكرية في مدريد وسرقسطة، وأذاع في البلاد منشوراً نادى فيه بتحرير البلاد من الساسة المحترفين الذين يحملون تبعة ما أصاب البلاد من محن، وأعلن قيام إدارة عسكرية في مدريد، لإقالة البلاد من عثراتها وحل المسألة المراكشية (أوائل سبتمبر سنة ١٩٢٣). وكان الفونسو الثالث عشر يعتقد أنه يستطيع انتهاز هذه الفرصة لإقامة الحكم المطلق واستئثار القصر بجميع السلطات ومن ورائه الجيش، ولكن زعماء الجيش أصروا على أن يتولى زعيم الثورة الجنرال دي رفيرا الحكم. وفي ١٥ سبتمبر دخل دي فيرا مدريد، واحتل دور الحكومة، وسيطرت العسكرية في الحال على كل شيء، وأنشئت الإدارة العسكرية وعلى رأسها دي رفيرا، وأعلنت أن البلاد في حالة حرب، واتخذت إجراءات شديدة لسحق كل معارضة، وعطلت البرلمان، وفرضت الرقابة على الصحف، وذهب وفد من زعماء الساسة الأحرار والمحافظين إلى الملك يناشده صون الحياة النيابية فرد، بخشونة. وقد وصف هذا الطغيان العسكري الجديد يومئذٍ بأنه
стр. 3630
(نظام يقوم على القوة بأكثر ما يقوم على السلطة، ذو نزعة مركزية قوية، يعتمد على مؤازرة الجيش، ويميل إلى عناصر الأحبار والكنيسة، ويصادق كبار الملاك، ويعطف على الاشتراكية في خصومتها للحركة النقابية) وتولى الجنرال دي رفيرا جميع السلطات والوزارات على مثل السنيور موسوليني وقضى على جميع الحريات الدستورية التي تمتعت بها أسبانيا أكثر من قرن، واستقبلت أسبانيا عهداً جديداً من الحكم الحديدي.
وكانت مسألة مراكش أهم وأخطر المسائل التي عنيت بها الإدارة العسكرية؛ وكان مركز أسبانيا يزداد حرجاً في الريف، وتستنزف مواردها تباعاً، ويتساقط جندها أمام هجمات عبد الكريم فرأى دي رفيرا أن يلجأ إلى الصراحة والجرأة في حل المسألة المراكشية، وقرر أن تنسحب القوات الأسبانية من المناطق الداخلية وأن تمتنع فيما يلي الشاطئ؛ وهكذا استطاع عبد الكريم أن يسيطر على إقليم الريف كله ما عدا تيطوان ومليلة، واجتمعت حوله القبائل، وأضحى قوة يخشى بأسها في شمال مراكش؛ ولم يبق استقلال الريف أمنية مستحيلة، ولم تبق على تحقيقها سوى مرحلة يسيرة، ولتكن الحوادث تطورت بشكل لم يكن يتوقعه عبد الكريم ولم تكن تتوقعه أسبانيا ذاتها. ذلك أن الفرنسيين تقدموا من حدود الريف الجنوبية، وخشى عبد الكريم عواقب هذا التقدم، فرأى أن يحول شطراً من اهتمامه إلى هذه الناحية. وفي سنة ١٩٢٥ نظم عبد الكريم هجوماً شديداً على مراكز تازة ووجده داخل الحماية الفرنسية، وأثخن في بعض القبائل الموالية للفرنسيين وهدد مدينة فاس، فارتاعت فرنسا لتلك المفاجأة، وكانت لا تزال تلقى في مراكش متاعب جمة؛ واعتزم الجنرال ليوتي حاكم مراكش العام أن يسحق تلك القوة الخطرة؛ وفاوضت فرنسا أسبانيا في تنظيم العمل المشترك في مراكش ورحب دي رفيرا بهذه الفكرة، ونظمت الدولتان خطة مشتركة لتطويق عبد الكريم وسحق قواته وبعثت فرنسا أثنين من أعظم قوادها وهما بتان ونولان إلى مراكش على رأس جيشه قوامه نحو مائتي ألف مقاتل مجهز بأحدث الوسائل والعدد، وأنزلت أسبانيا جيشاً كبيراً في الحسيمة، ونظم الجيشان بادئ بدء خطة الاتصال. وهكذا طوق الزعيم الريفي في مراكزه ولم يك ثمة شك في مصير تلك الحرب التي تثيرها دولتان أوربيتان على زعيم محلى يعتمد على آلاف قليلة من البدو ويستمد موارده وذخائره من أيدي عدوه، وأدرك عبد الكريم من شدة المعارك الأولى أن المضي في القتال عبث، وأن
стр. 3631
الدائرة دائرة عليه بلا ريب، ففاوض الفرنسيين في التسليم بلا قيد ولا شرط، وفي ٣٠ مايو سنة ١٩٢٦ سلم نفسه إلى الجنرال بويشيت، ودارت بشأنه مفاوضة بين الحكومتين الفرنسية والأسبانية انتهت بتقرير نفيه مع أسرته إلى جزيرة رينيون من أعمال مدغشقر؛ وانهارت تلك الحركة التحريرية البديعة التي نظمها هذا الزعيم البربري الباسل، وعاد الاستعمار الأسباني فوطد سيادته في الريف، ووطد الاستعمار الفرنسي سيادته في شمالي مراكش؛ وخسرت الدولتان في تلك الحرب آلاف الرجال وملايين الأموال، ولكن الاستعمار لم يكن ليحجم عن بذل مثل هذه التضحيات الهائلة في سبيل القضاء على ثورة تحريرية تهدد مستقبله في تلك الأنحاء.
وهكذا حلت المسألة المراكشية. وكان حلها عاملاً قوياً في تأييد نفوذ الدكتاتورية العسكرية وهيبتها. وفي عهد الدكتاتورية أيضاً تحسنت الأحوال الاقتصادية. ولكن وطأة هذا النظام المطلق لبثت تثقل كاهل الشعب الأسباني؛ وكان ظمأه إلى الحريات الدستورية التي تمتع بها مدى قرن، يشتد كلما اشتد ضغط الطغيان العسكري؛ وكان هذا السخط ينفجر من آن لآخر في قطلونية وبعض الأنحاء الأخرى عن ثورات محلية كان دي رفيرا (أو المركيز دي استيلا كما لقب بعد) يقمعها بمنتهى الشدة والقسوة؛ وكانت الدكتاتورية مع ذلك تقوم دائماً على بركان مضطرم، حتى أن دي رفيرا أضطر أن يضع أسبانيا تحت الأحكام العسكرية (سنة ١٩٢٦). وفي أوائل سنة ١٩٢٧ حاول زعيم قطلونية المنفى الكولونيل ماشا أن يعبر الحدود الفرنسية مع جماعة كبيرة مسلحة من أنصاره ليسير إلى قطلونية؛ ولكن قبض عليه وعلى كثير من أصحابه عند الحدود. ورأى دي رفيرا أن يهدئ السخط العام بتخفيف وطأة النظام. وأن يعود إلى ظاهر من الحكم الدستوري، فأصدر في سبتمبر سنة ١٩٢٧ قانوناً بإنشاء جمعية للشورى. ولكن هذه الجمعية لم تكن لها أية سلطة حقيقية، ولم تكن إلا ستاراً فقط تستر من ورائه الإدارة العسكرية. وعلى ذلك فقد فشلت هذه المحاولة، ولبثت المعارضة على شدتها واضطرامها. وكان الجيش أيضاً قد بدأ ينقلب على دي رفيرا، أولاً لأنه لم يوافق على مسلكه في المسألة المراكشية حيث قرر الانسحاب أولاً عن المناطق التي كان يحتلها الجيش، ثم تساهل بعد ذلك في الاتفاق مع فرنسا، وثانياً لأنه كان يبالغ في الاستئثار بالأمر ولا يرى في الجيش سوى أداة لتحقيق سياسته؛ وكان
стр. 3632
الفونسو الثالث عشر من جهة أخرى يشعر بوطأة هذا النظام الذي نزع العرش كل سلطاته. ومنذ سنة ١٩٢٨ أخذت بوادر السخط والانتقاض تبدو في الجيش؛ وفي سنة ١٩٢٩، ثارت فرق المدفعية بزعامة السينور سانكيز جويرا الزعيم المحافظ الذي تولى رياسة الوزارة فيما قبل؛ وانتهز الفونسو الثالث عشر هذه الفرصة فأصدر أمراً بعزل بريمودي رفيرا وحل الإدارة العسكرية؛ ولم يجد دي رفيرا سبيلاً للمقاومة فأذعن وغادر منصة الحكم بعد أن لبثت ستة أعوام يثقل كاهل الشعب الأسباني بطغيانه وعسفه. وفي مستهل سنة ١٩٣٠، ألفت حكومة جديدة برياسة الجنرال برنجير، لتعمل على إعادة الحكم الدستوري؛ وهنا تنفس الشعب الصعداء، وتقدم زعماء الأحزاب المعارضة (المحافظون والأحرار والجمهوريون) بطلب إجراء الانتخابات العامة، فعارضت الحكومة في أجرائها. واشتد السخط حينما رأى الشعب أن الحكومة الجديدة لم تأت إلا لتستمر في تأييد نظام الطغيان والحكم المطلق. وفي ديسمبر سنة ١٩٣٠، شبت ثورة جديدة، ولكن الجنرال برنجير استطاع أن يسحقها في الحال بيد أنه لم يلبث أن استقال؛ وخلفه الجنرال آزنار على رأسه حكومة شبه عسكرية أيضاً؛ وهنا تقدم الكونت رومانونيس زعيم الأحرار الذي تولى رياسة الوزارة مراراً من قبل، إلى الوزارة الجديدة، بنصيحة رآها كفيلة بحل الأزمة وتهدئة الخواطر، وهي أن تجرى الانتخابات البلدية على الأقل ما دام إنها لا ترغب في إجراء الانتخابات العامة؛ فنزلت الوزارة عند هذا النصح، وأجريت الانتخابات البلدية في جميع أسبانيا في العاشر من أبريل سنة ١٩٣١. وكان يوماً حاسماً في تاريخ أسبانيا في العاشر من أبريل سنة ١٩٣١. وكان يوماً حاسماً في تاريخ أسبانيا الحديث؛ ففيه خرج الجمهوريون في جميع الدوائر بأغلبية ساحقة، وغمر التيار الجمهوري كل شيء في البلاد، فاستقالت الوزارة في الحال. ورأى الفونسو الثالث عشر أنه لم يبق سبيل للمقاومة، ولم تبق للعرش قوة يستند إليها، فبادر بمغادرة مدريد مع أسرته وخاصته، وعبر الحدود إلى فرنسا قبل أن تمتد إليه يد خصومه؛ ولكنه لم ينزل عن شيء من حقوقه. وفي الحال نودي في أسبانيا بسقوط الملكية وقيام الجمهورية؛ وأقيمت حكومة جمهورية احتياطية برياسة الكالا زامورا وزير الحربية السابق ورئيس الشعبة المحافظة في الحزب الجمهوري؛ وأعلن في الوقت نفسه قيام جمهورية في قلطونية على رأسها الكولونيل ماشا؛ وفي ٢٨
стр. 3633
يونيه أجريت الانتخابات البرلمانية العامة، فأسفرت كذلك عن أغلبية جمهورية ساحقة، وتوطدت دعائم الجمهورية الجديدة بتأييد البلاد كلها.
وهكذا انهارت دعائم الملوكية الأسبانية العتيدة؛ التي هي أقدم الملوكيات الأوروبية، والتي سطعت خلال قرون مديدة، وأخرجت ثبتاً حافلاً من الملوك العظام - ملوكية فرديناند الخامس وشارلكان وفيليب الثاني؛ تلك الملوكية التي لبثت تغالب العرب في أسبانيا ثمانية قرون، والتي انتهت بالقضاء على دولة الإسلام في الأندلس واسترجاع الوطن القديم كله. وهكذا ظفرت الديمقراطية الأسبانية ممثلة الشعب الأسباني باسترداد الحريات الدستورية كاملة شاملة بعد أن كاد يقضى عليها القضاء الأخير. وكان أول ما عنيت به الحكومة الجمهورية هو أن تضع لأسبانيا دستوراً جديداً لحماية المبادئ الجمهورية والحريات الشعبية، واضطلع الكورتيز (البرلمان الأسباني) بهذه المهمة منذ ١٤ يوليه وأتمها في ديسمبر؛ وكان من أهم المشاكل التي عالجها مسألة النظام الاتحادي الذي نشأ عن مطالبة قطلونية بالاستقلال الداخلي؛ وقد أقر الدستور هذا المبدأ، واعتبر أسبانيا جمهورية اتحادية واعترف باستقلال قطلونية الداخلي. وثمة مسألة خطيرة أخرى هي مسألة الكنيسة والدولة، وقد انتهى البرلمان بالموافقة على فصل الكنيسة عن الدولة (أكتوبر سنة ١٩٣١) ولكن هذا القرار أحدث أزمة وزارية، فاستقال السينور الكالا زامورا، وقامت وزارة جديدة برياسة الدون مانويل أزانا. وعانت أسبانيا خلال هذه الفترة كثيراً من المتاعب من جراء الثورات والمظاهرات المختلفة التي دبرتها أحزاب اليسار المتطرفة - الشيوعيون والاشتراكيون - ومن الاعتصابات العامة التي نظمت في كثير من أنحاء البلاد؛ وعانت الجمهورية الجديدة من جراء معارضة الكنيسة ودسائس الأحبار وفلول الملوكية؛ ولكن الحكومة الجمهورية أبدت حزماً وصرامة في قمع الفتن الشيوعية، وسحق دسائس الأحبار؛ وثار بين أسبانيا والفاتيكان خلاف كبير من جراء نزع أملاك الكنيسة ومطاردة الأحبار. وأصدرت الحكومة قانوناً خاصاً لحماية الجمهورية (٢٠ أكتوبر) - وفي نوفمبر صدر قانون خاص باعتبار الفونسو الثالث عشر خارجاً على القانون وبوجوب مثوله ومحاكمته: وفي العاشر من ديسمبر أجريت الانتخابات لرآسة الجمهورية، فانتخب السينور أل لا زاموار أول رئيس للجمهورية الأسبانية الثانية. . وقد اضطرمت أسبانيا في الفترة الأخيرة بعدة ثورات وفتن
стр. 3634
محلية ودبرت عدة مؤامرات ملكية، ولكنها أخفقت جميعاً: وفي العهد الآخر رأت حكومة الجمهورية أن تستعين على قمع الفتن بالتشريع الصارم فأصدرت قانوناً بإعادة عقوبة الإعدام، وكان من جراء ذلك جدل حاد في البرلمان بين الحكومة والمعارضة بزعامة السينور مورا وكادت تحدث، أزمة وزارية جديدة، ولكن السينور ليرو رئيس الوزارة الحالية استطاع أن يتلافى الأزمة، وصدر التشريع الجديد، وما زالت الجمهورية الفتية سائرة في طريقها تغالب كيد خصومها من قبل الملوكية والأحبار الذين قضت على سلطانهم وامتيازاتهم. ولا ريب أن في ظفر الديموقراطية بأسبانيا إبان تلك الأزمة العصبية التي تعانيها في بلاد أخرى مثل ألمانيا والنمسا، دليلاً على أن الديموقراطية ما زالت تتمتع بحيوية كبيرة وأنها إنما تجوز أزمة وقتية لا تلبث أن تعود بعدها إلى سابق توطدها وازدهارها.
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 3635
هل لمصر طراز؟
للأديب حسين شوقي
يجب أن تكون أبنيتنا الخاصة والعامة على طراز وطني. إما على الطراز العربي وإما على الطراز الفرعوني، ولو أني أفضل الطراز العربي بنقشه الدقيق الأشبه بالدانتلا، وزجاج نوافذه الملون الجميل، لأن القاهرة الآن حاضرة العالم العربي أجمع. . كما أن الطراز الفرعوني لا يظهر بهاؤه إلا في البنايات الكبيرة الشاهقة؛ أما في المساكن الصغيرة فقد يضيع فيه حسنه. . والطراز العربي قابل جداً للتطور مع مقتضيات العصر من مراعاة الإضاءة والتهوية دون أن يفقد شيئاً من رونقه، فقد شاهدت في أسبانيا منازل خاصة بنيت على الطراز العربي المستحدث آية في الذوق. . أما الآن فنحن في فوضى - في تشديد الدور - تجد هنا بناء على الطراز الفرنسي، كما تشاهد بجانبه بناء على الطراز الإنكليزي. . وترى إلى جانب هذا وذاك بناء على الطراز الحديث. . قد تكون هذه الطرز كلها جميلة في ذاتها، ولكنها لا تناسب طبيعة البلاد ولا تقاليدها.
إن تعدد أشكال البناء في القاهرة يقضى على جمالها وعلى طابعها الشرقي الرائع. .
يجب إلا يكون تقليدنا للعرب تقليداً أعمى. . لماذا لا نحذو حذو اليابان التي تأخذ عن الغرب مخترعاته ومستحدثاته، دون أن تنزل عن تقاليدها؟ كم صدق الكاتب الفرنسي الشهير بيير لوتي الذي كان صديقاً حميماً للمرحوم مصطفى كامل باشا حين قال يحذرنا تقليدنا للغرب:
(تجنبوا الحثالة الغربية التي يغمرونكم بها حين تذهب جدتها عندنا. . حافظوا على آثاركم وعاداتكم ولغتكم الجميلة. . .)
هناك مشكلة أخرى. . مشكلة البنايات الأثرية القائمة في وسط القاهرة التي تعوق حركة العمران. . رأيي أن يحفظ منها الشيء النفيس ويحاط بمتنزه صغير أو ميدان. أما الباقي فيهدم بعد أن يؤخذ له شريط سينمائي دقيق يكون وثيقة تاريخية عن هذه الأحياء للأجيال القادمة. .
أما الفن الحديث وله أنصار كثيرون، فلم يستقر على حال بعد، ولا يزال فنانوه يتخبطون، ينقضون اليوم ما أبرموه بالأمس. وأوروبا نفسها تشكو من المبالغات التي حدثت في الفن
стр. 3636
الحديث التي لا يقبلها ذوق ولا منطق. . واليك هذه الفكاهة التي قرأتها في إحدى الصحف الفرنسية نقداً لهذا الفن الحديث:
عرض أحد المصورين منظراً يمثل عبور بني إسرائيل البحر الأحمر، فسأله صديق له شاهد الصورة فلم يجد غير منظر البحر: ولكن أين بنو إسرائيل؟ قال لقد انتهوا من العبور، قال؛ وجند فرعون الذين يطاردونهم؟ قال لم يأتوا بعد!
حسين شوقي
стр. 3637
الفلسفة في مهدها
للأستاذ زكي نجيب محمود
لم تكد تقذف الحياة بهذا الإنسان فوق ظهر الأرض ضعيفاً خائراً، حتى دأب المسكين يسعى ويلح في السعي كلما ألحت عليه ضرورة البقاء، ولم تكن الحياة حين ألقت به رحيمة كريمة فلم تبسط يدها في العطاء بحيث تمنحه من قوى التفكير والغريزة ما يرد به غائلة الضرورة واعتداء الطبيعة في سهولة ويسر، بل كانت مقترة مغلولة اليد، واكتفت من ذلك بالحد الأدنى الذي يحتمه مجرد البقاء، فجاء الإنسان وكل بضاعته من التفكير شعاع خافت ضئيل، يعينه على جمع القوت وإقامة أسباب الحياة.
ولكن الزمان الذي يغير كل شئ قد أخذ بيد الإنسان فأخرجه قليلا قليلاً من تلك الحياة التي كانت تقنع من الغنيمة بدفع الخطر، وما زال به حتى شحذ مواهبه ووسع من نطاق إدراكه، فمرن على القيام بأعباء الحياة بحيث لم يعد يصدر ذلك عن شعور ووعي يستنفذان كل ما يملك من قوة ومجهود، ثم لا يبقى له من دهره شيء. بل أصبحت شئون العيش عادة آلية يديرها اللا شعور. وبذلك استطاع أن يظفر بشيء من الفراغ في الحين بعد الحين، ينعم به بعد جهد العيش الجهيد، فأخذ يلهو بهذا الكون الذي يحيط به، والذي يبعث في النفس اللذة والخوف في آن، ولكن ماذا عساه أن يقول عن ظواهر الكون لكي يرضي خياله الساذج الغرير، سوى أقاصيص ينسجها له الوهم فيرويها لتكون له دينا وأدبا وعلما وما شئت من فنون الإنتاج، وهكذا كانت الميثولوجيا أول الأمر، ثم يمضي الزمن ويمعن في مضيه، فيدفع معه في تياره الجارف هذا الإنسان، فإذا الخيال تضيق دائرته وتضيق. وإذا العقل يتسع ويتسع، ثم إذا بالإنسان قد هانت عليه أعباء الحياة وخفت أثقال البقاء، وبرد الهوب السوط الذي كانت تسلطه عليه ضرورة الحياة ليدأب في جمع القوت ورد الخطر، واستقبل الإنسان عهدا جديدا رأى فيه اللذة والفراغ جنبا إلى جنب مع عناء العمل، وانتقل من حياة تملؤها الضرورات القاسية، إلى حياة يمازجها شئ من ترف الفكر وإبداع الفن، وعندئذ تغير موقف الإنسان، فلم يعد عبدا يذله قانون الحياة وكفى، عليه أن يستمع لإملائه فيطبع، بل اخذ يفكر في خلق السموات والأرض ويسأل نفسه لماذا يكون هذا هكذا؟ وكيف يجيء ذلك كذلك؟ فبدأت بذلك الفلسفة
стр. 3638
وكان مهدها الذي تدرجت في كنفه طفلة عابثة، مستعمرة يونانية في آسيا الصغرى على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، حاضرتها مدينة تدعى مليتس، وفي ذلك البلد أضاءت شعلة الفكر خافتة أول الأمر، ثم شاء لها الله أن يمتد نورها ويتوهج حتى يكون في أرض اليونان فلسفة عميقة كانت أساس البناء، جذرا للدوحة التي امتدت فيما بعد قوية مثمرة
في مليتس - في القرن السابع قبل ميلاد المسيح - نهض الإنسان فحطم أغلال الضرورة التي كبلته حينا طويلا من الدهر، وخص شطرا من حياته للتفكير المجرد، الذي يقصد جمع القوت وتوفير أسباب العيش، ولكن فيم عسى أن يفكر ذلك العقل الناشئ؟
بديهي أن يتجه إلى هذه الطبيعة التي يزخر عبابها بالكائنات، والتي تحتويه في غمارها وتملأ عليه شعاب نفسه وحسه، ولم تكن الطبيعة موضوع فلسفته فحسب، بل كان قصيدا ينشد في حماها الخلاب، وكان دينه تسبيحاً لقوتها وجبروتها، وأية غرابة في هذا؟ أليست سنة الحياة أن يبدأ الطفل حياته الفكرية بما يقع تحت الحس ثم يتدرج صاعدا إلى الفكر المجرد؟
وأول ما استرعى منه النظر واستدعى أعمال الفكر هو هذا التغير الذائب والتحول المستمر الذي يطرأ على الأشياء، فها هو ذا كل شئ، كائنة ما كانت مرتبته في الحياة، يجيء إلى الوجود ليبقى حينا ثم يمضي ويترك الوجود، ولكن يستحيل على الفكر الناضج أن يظن أن هذه الأشياء تأتي من العدم وتنحدر إلى العدم، فليست تدل الظواهر على أن هذا الشيء المعين حينما جاء إلى الوجود، قد بدأ حياة لا يربطها بالماضي سبب من الأسباب، أو حينما يذهب وينقضي قد زال أثرهو تلاشت مادته، إنما تدل الدلائل جميعا على إنها مادة موجودة يطرأ عليها التغيير فتكون اليوم حجرا، وتصبح غدا نباتا يحيا، وقد تكون أنسانا يفكر ويسعى بعد غد، فليت شعري، أو ليت شعر الفلاسفة الأولين، ماذا عساها أن تكون تلك المادة التي تملأ الكون وتبدو في صور مختلفة متباينة؟ تلك هي المشكلة التي حاول فلاسفة أيونيا أن يلتمسوا لها جوابا يقنع ويرضي
وإذا التمس الفكر الإنساني مادة تكون أصلا لكل ما يشمل الوجود من ظواهر، فانه لن يصادف إلا عددا قليلاً من ألوان المادة التي يجوز لها أن تكون كذلك، إذا لا بد لهذه المادة الأولية المنشودة إلا تكون محدودة الصفات والخواص، وأن تكون مرنة شديدة المرونة في
стр. 3639
قابليتها للتشكل في صور مختلفة، وماذا تكون تلك المادة الأولية عند قوم يتاخمون البحر، فترسخ في نفوسهم صورته ويدوي في أسماعهم هديره كلما أمسى مساء أو اصبح صباح، غير الماء؟! فهو أدناها عند العقل الأيوني مأخذا، وأقواها حجة. فليس عجيبا إذ أن ينهض طاليس، أول فيلسوف عرفته الدنيا وأجمع على فلسفته المؤرخون، وهو في طليعة الباحثين عن تلك المادة التي نشدها العقل، والتي تتركب منها الأشياء جميعا، وتنحل أليها الأشياء جميعا، ويعلن أن الماء هو قوام الموجودات بأسرها، فلا فرق بين هذا الإنسان وتلك الشجرة وذلك الحجر، الهم إلا اختلافا في كمية الماء التي يتركب منها هذا الشيء أو ذاك، أليس الماء يستحيل إلى صور متنوعة فيصعد في الفضاء بخارا، ثم يعود فيهبط فوق الأرض مطرا، ثم يصيبه برد الشتاء فيكون ثلجا؟ وإذن فهو غاز حينا، وصلب حينا ثالثاً، وكل ما يقع في الوجود لا يخرج عن إحدى هذه الصور الثلاث.
رضى العقل بادئ بدء بالماء جوهرا للكون، ولكنه ما لبث أن أدرك انه مهما يكن للماء من مرونة وحيوية، فان صفاته محدودة، ضيقة، لا يمكن أن تسع كل ظواهر الوجود، وإذن فلا بد للعقل أن يبحث ويجد في البحث عن مادته الأولية التي ينشدها فجاء انكسمندر وقرر حقا أن كل مادة يكون لها صفات بعينها لا تصلح مطلقا أن تكون أصلا للكون، لأن مجرد الاعتراف بصفة ما هو دليل قاطع على وجود نقيضها، فلا يمكن عقلا أن تفهم معنى الحرارة إلا إذا اقترنت ذهنك بالبرودة، ولو تلاشت هذه لذهبت في أثرها تلك، وأذن فيستحيل إن تصف مادة بخاصة معينة إلا إذا كان ثمت مادة أخرى لها صفة مناقضة، وينتج من هذا انه لا يمكن أن يكون الوجود مركبا من مادة تميزها صفات، وإذن فلم يتردد انكسمندر في القول بأن الأشياء جميعا، إنما تفرغت عن مادة لا تمدها حدود، وليس لها صفات، اللهم إلا صفة واحدة هي الثبات وعدم التجول؛ أي الخلود. ولعلها في عنصرها وسط بين الهواء والماء. هكذا يغريك انكسمندر بتصديق منطقه، ولكن ما لبث الإنسان أن وجد في هذا المنطق الخلاب مغمزا وثغرة. إذ كيف تنشأ هذه الفروق الشاسعة بين صفات الأشياء، إذا كانت كلها مشتقة من مادة واحدة لا صفة لها، فبديهي أن تجيء أجزاء هذه المادة الأولى على نسقها وغرارها؛ فلا تكون للأشياء الجزئية صفات كذلك، وأذن فليستأنف العقل بحثه عن ضالته
стр. 3640
هنا نهض انكسمينس فخطا بالعقل خطوة ثالثة: إذا كانت مادة طاليس لم تصادف من العقل اطمئنانا، لأنها ليست من الشمول بحيث تسع بأسره، وإذا كانت مادة أنكسمندر قد أصابها الرفض لأنها تخلو من الصفات التي تدرك في أجزائها، فما يمنع انكسمينس أن يقع اختياره على مادة ثالثة، فيها الشمول الذي ينقص الماء وفيها الصفات التي تعوز مادة انكسمندر: إلا وهو الهواء، فهو ذو صفات معروفة لا تنكر، وهو في نفس الوقت يشيع في كل أنحاء الوجود، يغلف الأرض ويملأ جوانب السماء، بل ويتغلغل في الأشياء والأحياء مهما دقت الأبدان والأجسام. أليست الحياة أنفاسا من الهواء تتردد في الصدر شهيقا وزفيرا؟ أليس الهواء يملأ الفضاء ويغمر الكائنات ويستحيل إلى صور متنوعة، وهو فوق ذلك أسبق من الماء إلى الوجود، فالهواء إذن هو الجوهر الأول الذي صدرت عنه جميع الكائنات، يتكاثف حينا فيكون هذا الشيء، ويتخلخل حينا فيكون شيئا آخر.
فأنت ترى من هذا أن الفلسفة في أول صورها كانت لا تعدو في بحثها ظواهر الأشياء وأجسامها المادية، وكيف تريدها على أن تجاوز الظواهر المادية وهي لم تعترف بما وراء المادة من حياة وفكر؟ فالحياة عندها أنفاس مادية لا أكثر ولا أقل
وكان طبيعيا إلا يجمد العقل عند هذه المرحلة من التفكير والنظر، فجاوزها في البحث عن جوهر الوجود وكنهه، لا يأبه كثيرا بالصور المادية التي يتخذها ذلك الجوهر لبوساً مختلفة يظهر فيها للحواس وبعبارة أخرى فقد خلفت الفلسفة وراءها مرحلة طبيعية، لم تكن تنشد فيها إلا مادة ولم تعترف لغير المادة بوجود، واستقبلت مرحلة ميتافيزيقية، تعترف فيها بوجود شيء وراء المادة يدرك بالفكر المجرد دون الحواس. وان كانت الشقة بعيدة بين هذين النقيضين - بين تلك الفلسفة الطبيعية وهذه الفلسفة الميتافيزيقية - لا أن هذه قد اعتمدت على أساس تلك، لأنه إذا كان الخلاف بين الأشياء، هو فرق ما بين التكاثف والتخلخل، إذن فلا يفضل مخلوق مخلوقا آخر إلا من حيث الكمية المادية فحسب، وبعبارة ثانية، فالذي يفرق بين الكائنات اختلاف الحكم، أي في العدد، وإذن فكنه الوجود وحقيقته هو الأعداد، فالكون سلسلة من أعداد تتجمع وتتفرق حينا. ومن هنا نشأت المدرسة الرياضية الجديدة التي كان زعيمها فيثاغورس، فقد ذهبت طائفة الفيثاغوريين إلى اعتبار الأعداد جوهر الكون وأساسه. ومن الواحد خرجت جميع الإعداد، وأن تكن مختلفة متباينة،
стр. 3641
إلا إنها لا شك تنطوي جميعا تحت ذلك الفرد. وقد يستوقفك هذا التباين بين الأشياء، فتسأل كيف يمكن أن تجتمع هذه النقائض كله تحت أصل واحد، وأن يكون هذا الأصل هو الواحد الرياضي. كيف يكون هذا الحيوان وذلك الماء وهذه الشمس وما إلى ذلك أشباها تلتقي عند جوهر واحد؟ ولكن هذا الشتيت المتضارب في الظاهر إنما هو أجزاء هذه الوحدة التي أحدثك عنها، أو يحدثك عنها الفيثاغوريون، كما يكون إصبعك وعينك وشعر رأسك وسائر أجزاء بدنك - وهي متنافر الصورة لا يشبه بعضها بعضا - وحدة لا شك في تماسكها واتحاد أجزائها، وتكون في النهاية واحدا
وأحب أن أضع إصبعك على هذا الضرب الجديد من التفكير الفلسفي، لتدرك تطور الفكر مرحلة بعد مرحلة. فالفيثاغوريون لم يعودوا يفكرون في أجسام مادية، هم لا ينشدون مادة الأشياء الاولية، كما فعل طاليس وأنكسمندر وانكسمينس، ولكنهم كما ترىيضربون في الأعماق ويجاوزون هذا الغشاء المادي ليصلوا بتفكيرهم إلى جوهر الكون
ولكن مذهب الفيثاغوريين بدورة لم يسلم من النقد، فهو يبالغ في الإكبار من شأن الواحد، ويصر على أن تكون الأعداد جميعا - أي الأشياء - أجزاء. من ذلك الواحد يحتويها ويشملها كما يحتوي الكل أجزاءه، ولكن إذا كان الفرق بين الأصل وما يتفرع عنه فرقاً عدديا فقط، فبديهي أن يكون الأصل وفروعه في منزلة كيفية واحدة، ولا يكون أمامنا مبرر لتفضيل هذا على ذاك إلا بالفرق في الحكم، أعني انه يجب أن يكون التعدد أصلا وجوهرا تفرع عنه الواحد. إذن لابد للعقل أن يتناول هذا المذهب بالتهذيب والتعديل حتى يتخلص مما يشوبه من تناقض.
نهض اكزنوفنس بشيء من هذا التهذيب المنشور، فليس واحد الفيثاغوريين عنده واحد حسابيا، بل هو الكون بأسرة هو الله الذي لا يعتريه تغيير ولا تبديل ولا فناء، هذا الكون بل هذا الإله لا يتعدد، وهو يصلك عن طريق الحواس، فلا تراه عيناك، ولا تسمعه أذناك، إنما هو حقيقة مجردة تصل إليك عن طريق الفكر المحض.
ثم تبعة بارمنيدس فسار في طريق سلفة اكزنوفنس، وجاوز حده، فلم يكتف بأن يكون الواحد المجرد - أي الله - مصدراً لجميع الكائنات، بل لم يعترف لهذه الكائنات نفسها بوجود الموجود، في الوجود شيء. واحد: هو الله، فليس ثمت مصدر وصادر، ليس ثمت
стр. 3642
خالق ومخلوق، إنما الجميع الشيء واحد، هو الله هذا الكائن المطلق، هو وحدة الحقيقة ولا حقيقة سواه، فكل ما ليس إلهاً لا حقيقة له في الوجود. وبديهي أنه لا يتعدد ولا تحده حدود من مكان، ولا يمكن أن يكون خارج نطاق عقل مفكر بحيث يتخذ من هذا الكائن موضوعا للتفكير. ومعنى هذا أنه ينكر على الإنسان أن يضن نفسه حقيقة موجودة مفكرة، كلا بل هناك شيء واحد يفكر ويكون موضوعا للتفكير في وقت معا. فهو لا نهائي، ولهذا لا يجوز عقلا أن يكون هناك من الفراغ ما يشاغله شيء آخر أو إله آخر. وهكذا كانت فلسفة بارمنيس هذه ضربة قاتلة قضت على الآلهة المتعددة التي كان يعبدها معاصروه.
لا حقيقة إذن لهذه الأشياء المتباينة التي يخيل إلينا إنها تملأ الكون، ليس ثمت إنسان ولا حيوان ولا نبات ولا أرض ولاسيما، كل هذه أوهام خلقتها الحواس خلقا من عدم، وأنشأتها إنشاء. باطلا لا يرتكز على صورة خارجية، وهو لا يعلل لنا هذا الخداع الحسي الذي يصيب أفراد البشر جميعاً، ولكنه يأسف لهذا النقص الذي يصور لنا الباطل حقا.
وقد أيد هذا المذهب بعد بارمنيدس فيلسوفان، لم ينتجا جديدا، ولكنهما اكتفيا بالدفاع والتأييد، وهما مليسس، وزبنو، ولكن العقل الذي لا يقنع بقليل ولا كثير، أبي هذه المرة أيضا أن يستكين لهذا الرأي زمنا طويلا، إذ بدا له في منطقة الضعف والتناقص.
لقد علمت الآن أن الفلسفة قد اعترفت بوجود واحد، وكل ما عداه وهم وباطل اختلقته الحواس اختلقا. وليت الدفعة قد وقفت عند هذا الحد، بل جاء هرقليطس، فسار في هذا الاتجاه شوطا بعيدا، فأنكر وجود حتى هذا الموجود الواحد! وله في هذا الإنكار منطق، إلا يكن مقنعا، فهو لا يخلو من ظرف كثير قال إن هذا الكون وما يشتمل عليه من كائنات، في حركة متصلة دائمية، لاتنقطع ولا يصيبها الجمود لحظة واحدة، هو كسيل يهوي من قمة الجبل إلى هاوية السفح، كله تغير وحركة وانتقال، فكلما فتحت ناظريك على هذا المجرى رأيت صورة لم تراها من قبل ولن تراها بعد، لان الماء لا ينتظرك حتى ترسل إليه البصر مرة ثانية، وإذن ففي كل لحظة ينشأ مجرى جديد. ولعلك تدرك خطورة هذا الرأي، فلو صح لذهب علمي وعلمك هباء منثورا. إن كل ما نعلم خيال منحول ووهم ملفق، لأنه إذا كان العالم الخارجي لا يستقر على حال ثابتة، فكيف تصدر على شيء منه حكما من الأحكام، انك أن علمت شيئا عن الكون فما إلا في لحظة بعينها، ولا يجوز أن يكون ذلك
стр. 3643
العلم صحيحا على الكون في كل آن. فان الكون سينقلب كونا آخر قبل أن ينطق لسانك بالحكم، كلا، بل قبل أن تدور في رأسك الخلجة الفكرية. انك ترى ملايين الأكوان المتعاقبة، كون يجيء في أثر كون، وإذن فمن الشطط أن تقرر حكما عن شيء من الأشياء لأنه لا يستقر على صفة ولا ولا يبقى على حال. الأمر في ذلك كفلم سينمائي تمر صورة مرا سريعا متداركا، فلا تلبث أن تقول إني أرى الآن صورة كذا حتى تفر مسرعة لتخلي المكان لما بعدها، وإذن فليس في الوجود ثابت كما يزعم الفلاسفة من قبل
هنا نشأت طائفة جديدة - أعني جماعة الذريين - وجاهروا برأي جديد يلائم هذا الموقف الذي خلفة هرقليطس، هم يقررون معه أنه ليس هناك موجود ثابت إذا نظرنا إلى الكون من وجهة الشكل والصورة، ولكن الثبات والخلود في كمية المادة التي يغص بها الكون، فثمت عدد لا يحده الحصر من العوالم، تتكون جميعها من ذرات متشابهة، ولكنها تكون بعد تركيبها كائنات متباينة، كما تتألف الكتب المختلفة من حروف هجائية بعينها، ومع ذلك فليس هي بالمتشابهة. هذه الذرات لا تفتأ تجتمع فتكون هذا الجسم أو ذلك، ثم تنحل وتالف في أسلوب جديد فتحدث كائنا جديداً على هذا الأساس يمكنك أن تدرك معنى التغير والحدوث في الصورة والثبات والخلود في المادة. وبناء على هذا يكون كل شيء في الوجود مؤلفا من ذرات مادية، حتى الروح الذي يدب في الأحياء. فهو عندهم مكون من ذريات دقيقة غاية الدقة، مستديرة أو قريبة من المستديرة. وليست عملية التنفس إلا اكتساب لذرات جديدة من نوعها تسبح في الفضاء. ولما كانت هذه الذرات مبثوثة في أنحاء الكون، فليس من شك في أن الحياة تدب في الكائنات جميعا
بدأت الفلسفة إذن بالبحث عن المادة الأولى التي تتألف منها الأشياء جميعاً، ثم أدركت أن للوجود جوهراً وراء المادة، فالتمسه الفيثاغوريون في الواحد الحسابي، ثم التمس من جاء بعد الفيثاغوريون من فلاسفة آيونياً (جنوبي إيطاليا) في الإله الذي خلق الكائنات، ثم أنكرت الكائنات وبقى الله وحده موجوداً لاوجود لسواه، ثم حام الشك حول ثبات الكون على صورة واحدة، وأخيراً قرر الذريون أن الكون متغير في صورته، خالد في مادته. . . .
تطور سريع في الفكر كما ترى، اسلم العقل إلى حال من الارتياب والشك، ارجوا أن أحدثك عنها في فصل تال.
стр. 3644
زكي نجيب محمود
стр. 3645
معهد الطفيليات
للدكتور محمد عوض محمد
. . . سار بي (الأستاذ) سيراً حثيثاً، ليطلعني على ما اشتملت عليه تلك الجامعة الهائلة من دور ومن فصول، ومن مدارس ومعاهد، فلم نزل نتنقل من بناء شامخ إلى قصر مشيد، إلى أفنية فسيحة، إلى مغان ذات طباق بعضها فوق بعض. . .
ثم وقف بي أمام دار فخمة ضخمة ذات صروح وأبراج، ولها باب عظيم ذو عمد من الرخام وسلالم من المرمر الأملس.
وقد انفتح المصراعان، وبدأ لنا من ورائهما دهليز كبير تحف به عمد رفيعة موشاة بالذهب والأحجار الكريمة؛ ومن فوقها سقف مزين بأبدع النقوش وأبهى الألوان
فقال صاحبي: (الآن أريك اجمل شيء في هذه الجامعة الجيلة، ان هذا البناء العظيم الذي تراه أمامك هو (معهد الطفيليات). قد عنيت الجامعة بتشييده وإعداده، ولم تال جهداً ولا مالاً في زخرفته وتأثيثه، ليكون منه مرتع خصيب للطفيليات: تمرح فيه ما شاء لها المرح، وتنعم فيه بكل ما تشتهيه نفوسها التي لا يرضيها القليل، ولا تنفع إلا بالغالي النفيس
(وسأمضي بك الآن إلى المتحف العظيم، الذي حشدنا فيه ما استطعنا حشده من طفيليات هذه الأرض؛ وما احسب أن لجامعة من الجامعات متحفاً كهذا المتحف، شاملاً لما اشتمل عليه من طفيليات عزيزة نادرة به، حقيقة أننا لم نستطيع أن نجمع هنا كل ما في الأرض من هذه الكائنات! إن هذا مرام بعيد. ومن ذا الذي يستطيع للطفيليات عدا. فضلاً عن جمعها. وإيوائها، وتربيتها، وتغذيتها، وتأديبها؟ لكننا نستطيع أن نفتخر - بحمد الله - أن ليس في القارات كلها جامعة بها من الطفيليات ما بجامعتنا هذه
(فلنفتش الآن بين هذه الصناديق الزجاجية. وليكن سيرنا غاية في الهدوء والتؤدة. فأن هذه الطفيليات رقيقة المزاج جداً. فلا تكاد خطرات النسيم تجرح خديها فحسب، بل تقتلها قتلاً. وهي علينا جد عزيزة. ويجب أن نحرص عليها غاية الحرص، أمش إذن برفق لكيلا يسمع لنعليك صوت، ولكيلا ترتج لوقع أقدامنا هذه المنازل البديعة التي آوت إليها الطفيليات.
(والآن فلأشرح ما اغلق عليك من أمر هذه الكائنات! إنك يا صديقي من الأدباء. ولديكم في
следующие страницы →