Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.
стр. 3641
إلا إنها لا شك تنطوي جميعا تحت ذلك الفرد. وقد يستوقفك هذا التباين بين الأشياء، فتسأل كيف يمكن أن تجتمع هذه النقائض كله تحت أصل واحد، وأن يكون هذا الأصل هو الواحد الرياضي. كيف يكون هذا الحيوان وذلك الماء وهذه الشمس وما إلى ذلك أشباها تلتقي عند جوهر واحد؟ ولكن هذا الشتيت المتضارب في الظاهر إنما هو أجزاء هذه الوحدة التي أحدثك عنها، أو يحدثك عنها الفيثاغوريون، كما يكون إصبعك وعينك وشعر رأسك وسائر أجزاء بدنك - وهي متنافر الصورة لا يشبه بعضها بعضا - وحدة لا شك في تماسكها واتحاد أجزائها، وتكون في النهاية واحدا
وأحب أن أضع إصبعك على هذا الضرب الجديد من التفكير الفلسفي، لتدرك تطور الفكر مرحلة بعد مرحلة. فالفيثاغوريون لم يعودوا يفكرون في أجسام مادية، هم لا ينشدون مادة الأشياء الاولية، كما فعل طاليس وأنكسمندر وانكسمينس، ولكنهم كما ترىيضربون في الأعماق ويجاوزون هذا الغشاء المادي ليصلوا بتفكيرهم إلى جوهر الكون
ولكن مذهب الفيثاغوريين بدورة لم يسلم من النقد، فهو يبالغ في الإكبار من شأن الواحد، ويصر على أن تكون الأعداد جميعا - أي الأشياء - أجزاء. من ذلك الواحد يحتويها ويشملها كما يحتوي الكل أجزاءه، ولكن إذا كان الفرق بين الأصل وما يتفرع عنه فرقاً عدديا فقط، فبديهي أن يكون الأصل وفروعه في منزلة كيفية واحدة، ولا يكون أمامنا مبرر لتفضيل هذا على ذاك إلا بالفرق في الحكم، أعني انه يجب أن يكون التعدد أصلا وجوهرا تفرع عنه الواحد. إذن لابد للعقل أن يتناول هذا المذهب بالتهذيب والتعديل حتى يتخلص مما يشوبه من تناقض.
نهض اكزنوفنس بشيء من هذا التهذيب المنشور، فليس واحد الفيثاغوريين عنده واحد حسابيا، بل هو الكون بأسرة هو الله الذي لا يعتريه تغيير ولا تبديل ولا فناء، هذا الكون بل هذا الإله لا يتعدد، وهو يصلك عن طريق الحواس، فلا تراه عيناك، ولا تسمعه أذناك، إنما هو حقيقة مجردة تصل إليك عن طريق الفكر المحض.
ثم تبعة بارمنيدس فسار في طريق سلفة اكزنوفنس، وجاوز حده، فلم يكتف بأن يكون الواحد المجرد - أي الله - مصدراً لجميع الكائنات، بل لم يعترف لهذه الكائنات نفسها بوجود الموجود، في الوجود شيء. واحد: هو الله، فليس ثمت مصدر وصادر، ليس ثمت
стр. 3642
خالق ومخلوق، إنما الجميع الشيء واحد، هو الله هذا الكائن المطلق، هو وحدة الحقيقة ولا حقيقة سواه، فكل ما ليس إلهاً لا حقيقة له في الوجود. وبديهي أنه لا يتعدد ولا تحده حدود من مكان، ولا يمكن أن يكون خارج نطاق عقل مفكر بحيث يتخذ من هذا الكائن موضوعا للتفكير. ومعنى هذا أنه ينكر على الإنسان أن يضن نفسه حقيقة موجودة مفكرة، كلا بل هناك شيء واحد يفكر ويكون موضوعا للتفكير في وقت معا. فهو لا نهائي، ولهذا لا يجوز عقلا أن يكون هناك من الفراغ ما يشاغله شيء آخر أو إله آخر. وهكذا كانت فلسفة بارمنيس هذه ضربة قاتلة قضت على الآلهة المتعددة التي كان يعبدها معاصروه.
لا حقيقة إذن لهذه الأشياء المتباينة التي يخيل إلينا إنها تملأ الكون، ليس ثمت إنسان ولا حيوان ولا نبات ولا أرض ولاسيما، كل هذه أوهام خلقتها الحواس خلقا من عدم، وأنشأتها إنشاء. باطلا لا يرتكز على صورة خارجية، وهو لا يعلل لنا هذا الخداع الحسي الذي يصيب أفراد البشر جميعاً، ولكنه يأسف لهذا النقص الذي يصور لنا الباطل حقا.
وقد أيد هذا المذهب بعد بارمنيدس فيلسوفان، لم ينتجا جديدا، ولكنهما اكتفيا بالدفاع والتأييد، وهما مليسس، وزبنو، ولكن العقل الذي لا يقنع بقليل ولا كثير، أبي هذه المرة أيضا أن يستكين لهذا الرأي زمنا طويلا، إذ بدا له في منطقة الضعف والتناقص.
لقد علمت الآن أن الفلسفة قد اعترفت بوجود واحد، وكل ما عداه وهم وباطل اختلقته الحواس اختلقا. وليت الدفعة قد وقفت عند هذا الحد، بل جاء هرقليطس، فسار في هذا الاتجاه شوطا بعيدا، فأنكر وجود حتى هذا الموجود الواحد! وله في هذا الإنكار منطق، إلا يكن مقنعا، فهو لا يخلو من ظرف كثير قال إن هذا الكون وما يشتمل عليه من كائنات، في حركة متصلة دائمية، لاتنقطع ولا يصيبها الجمود لحظة واحدة، هو كسيل يهوي من قمة الجبل إلى هاوية السفح، كله تغير وحركة وانتقال، فكلما فتحت ناظريك على هذا المجرى رأيت صورة لم تراها من قبل ولن تراها بعد، لان الماء لا ينتظرك حتى ترسل إليه البصر مرة ثانية، وإذن ففي كل لحظة ينشأ مجرى جديد. ولعلك تدرك خطورة هذا الرأي، فلو صح لذهب علمي وعلمك هباء منثورا. إن كل ما نعلم خيال منحول ووهم ملفق، لأنه إذا كان العالم الخارجي لا يستقر على حال ثابتة، فكيف تصدر على شيء منه حكما من الأحكام، انك أن علمت شيئا عن الكون فما إلا في لحظة بعينها، ولا يجوز أن يكون ذلك
стр. 3643
العلم صحيحا على الكون في كل آن. فان الكون سينقلب كونا آخر قبل أن ينطق لسانك بالحكم، كلا، بل قبل أن تدور في رأسك الخلجة الفكرية. انك ترى ملايين الأكوان المتعاقبة، كون يجيء في أثر كون، وإذن فمن الشطط أن تقرر حكما عن شيء من الأشياء لأنه لا يستقر على صفة ولا ولا يبقى على حال. الأمر في ذلك كفلم سينمائي تمر صورة مرا سريعا متداركا، فلا تلبث أن تقول إني أرى الآن صورة كذا حتى تفر مسرعة لتخلي المكان لما بعدها، وإذن فليس في الوجود ثابت كما يزعم الفلاسفة من قبل
هنا نشأت طائفة جديدة - أعني جماعة الذريين - وجاهروا برأي جديد يلائم هذا الموقف الذي خلفة هرقليطس، هم يقررون معه أنه ليس هناك موجود ثابت إذا نظرنا إلى الكون من وجهة الشكل والصورة، ولكن الثبات والخلود في كمية المادة التي يغص بها الكون، فثمت عدد لا يحده الحصر من العوالم، تتكون جميعها من ذرات متشابهة، ولكنها تكون بعد تركيبها كائنات متباينة، كما تتألف الكتب المختلفة من حروف هجائية بعينها، ومع ذلك فليس هي بالمتشابهة. هذه الذرات لا تفتأ تجتمع فتكون هذا الجسم أو ذلك، ثم تنحل وتالف في أسلوب جديد فتحدث كائنا جديداً على هذا الأساس يمكنك أن تدرك معنى التغير والحدوث في الصورة والثبات والخلود في المادة. وبناء على هذا يكون كل شيء في الوجود مؤلفا من ذرات مادية، حتى الروح الذي يدب في الأحياء. فهو عندهم مكون من ذريات دقيقة غاية الدقة، مستديرة أو قريبة من المستديرة. وليست عملية التنفس إلا اكتساب لذرات جديدة من نوعها تسبح في الفضاء. ولما كانت هذه الذرات مبثوثة في أنحاء الكون، فليس من شك في أن الحياة تدب في الكائنات جميعا
بدأت الفلسفة إذن بالبحث عن المادة الأولى التي تتألف منها الأشياء جميعاً، ثم أدركت أن للوجود جوهراً وراء المادة، فالتمسه الفيثاغوريون في الواحد الحسابي، ثم التمس من جاء بعد الفيثاغوريون من فلاسفة آيونياً (جنوبي إيطاليا) في الإله الذي خلق الكائنات، ثم أنكرت الكائنات وبقى الله وحده موجوداً لاوجود لسواه، ثم حام الشك حول ثبات الكون على صورة واحدة، وأخيراً قرر الذريون أن الكون متغير في صورته، خالد في مادته. . . .
تطور سريع في الفكر كما ترى، اسلم العقل إلى حال من الارتياب والشك، ارجوا أن أحدثك عنها في فصل تال.
стр. 3644
زكي نجيب محمود
стр. 3645
معهد الطفيليات
للدكتور محمد عوض محمد
. . . سار بي (الأستاذ) سيراً حثيثاً، ليطلعني على ما اشتملت عليه تلك الجامعة الهائلة من دور ومن فصول، ومن مدارس ومعاهد، فلم نزل نتنقل من بناء شامخ إلى قصر مشيد، إلى أفنية فسيحة، إلى مغان ذات طباق بعضها فوق بعض. . .
ثم وقف بي أمام دار فخمة ضخمة ذات صروح وأبراج، ولها باب عظيم ذو عمد من الرخام وسلالم من المرمر الأملس.
وقد انفتح المصراعان، وبدأ لنا من ورائهما دهليز كبير تحف به عمد رفيعة موشاة بالذهب والأحجار الكريمة؛ ومن فوقها سقف مزين بأبدع النقوش وأبهى الألوان
فقال صاحبي: (الآن أريك اجمل شيء في هذه الجامعة الجيلة، ان هذا البناء العظيم الذي تراه أمامك هو (معهد الطفيليات). قد عنيت الجامعة بتشييده وإعداده، ولم تال جهداً ولا مالاً في زخرفته وتأثيثه، ليكون منه مرتع خصيب للطفيليات: تمرح فيه ما شاء لها المرح، وتنعم فيه بكل ما تشتهيه نفوسها التي لا يرضيها القليل، ولا تنفع إلا بالغالي النفيس
(وسأمضي بك الآن إلى المتحف العظيم، الذي حشدنا فيه ما استطعنا حشده من طفيليات هذه الأرض؛ وما احسب أن لجامعة من الجامعات متحفاً كهذا المتحف، شاملاً لما اشتمل عليه من طفيليات عزيزة نادرة به، حقيقة أننا لم نستطيع أن نجمع هنا كل ما في الأرض من هذه الكائنات! إن هذا مرام بعيد. ومن ذا الذي يستطيع للطفيليات عدا. فضلاً عن جمعها. وإيوائها، وتربيتها، وتغذيتها، وتأديبها؟ لكننا نستطيع أن نفتخر - بحمد الله - أن ليس في القارات كلها جامعة بها من الطفيليات ما بجامعتنا هذه
(فلنفتش الآن بين هذه الصناديق الزجاجية. وليكن سيرنا غاية في الهدوء والتؤدة. فأن هذه الطفيليات رقيقة المزاج جداً. فلا تكاد خطرات النسيم تجرح خديها فحسب، بل تقتلها قتلاً. وهي علينا جد عزيزة. ويجب أن نحرص عليها غاية الحرص، أمش إذن برفق لكيلا يسمع لنعليك صوت، ولكيلا ترتج لوقع أقدامنا هذه المنازل البديعة التي آوت إليها الطفيليات.
(والآن فلأشرح ما اغلق عليك من أمر هذه الكائنات! إنك يا صديقي من الأدباء. ولديكم في
стр. 3646
الأدب طائفة أظنك تعلم من أمرها ما اعلم - من كل كويتب أو شويعر. عاجز كل العجز عن أن يخرج من صدره أو قلبه أو رأسه رأياً أو خاطرة أو فكرة. يفتش في نفسه فيلقيها خلاء بلقعا قفرا. فيعمد إلى دواوين القدماء وكتبهم، يستخرج منها القصيدة أو الرسالة، ولا يزال بها يحاكيها ويقلدها، ويحذف لفظا ويضيف لفظا، حتى يتم له مسخها وتشويهها ثم يلصق في أخرها اسمه الكريم فإذا به قد اصبح ذا شأن وخطر، وإذا النوادي تتحدث بأمره. والصحف تنوه باسمه، والمحافل تتلقاه بالإكرام والترحيب، وإذا صورته لفخمة تطالعك من صدر كل صحيفة سيارة وغير سيارة لتنبئك، وتنبئ الجاهلين أن قد نبغ في هذا الزمان الأخير أديب خطير، وشاعر كبير!
(ونحن يا صديقي في عصر قد علا فيه كعب هؤلاء وعظمت دولتهم، وقويت شوكتهم. ولا تحسب انهم وقف عليكم أهل مصر بل أن لدينا منهم في مملكتنا هذه خلقا كثيرا. وفي وسعك أن تقسمهم إلى قسمين عظيمين: الأول طائفة الطفيليات القومية أو الوطنية وهم الذين يعيشون متطفلين على قومهم العرب مثلا وأمتهم العربية.
غذاؤهم وحياتهم بما يمتصونه أو يبلعونه أو يمسخونه من شعر القدماء ورسائلهم. ناهيك أن في أدبكم العربي أسفارا لا تزال مودعة في خزائن مظلمة في دور الكتب؛ مخطوطة لا يصل إليها إلا الباحث الجليد. . . وما اولع الطفيليين بالبحث والتنقيب، وما اشد صبرهم وجلدهم! فهم يجدون في هذه الأسفار المنسية ضالتهم، ويصيبون منها الغذاء الذي يكسبهم الشهرة والعظمة. ومنهم من لا يكلف نفسه عناء البحث في خزائن الكتب، بل يعمد إلى الشائع المتداول من كتب القدماء والمحدثين، فلا يزال بها يحولها ويحورها، ويربعها ويدورها، حتى يرى فيها الطعام شيئا مخترعا، وأدبا مبتدعا. . . ولعل هذا الطراز ابرع من الأول واقدر، لأنه يعتمد على مقدرته الهائلة في المسخ والتشويه، بينما الأول يعتمد - قبل كل شيء - على بحثه وتنقيبه عن المجهول من الكتب، والخفي المستور من كنوز الأدب.
(تلك إذن طائفة الطفيليات القومية. تعتمد كما ترى على تراث قومها. أما الطائفة الثانية فهي جماعة الطفيليات الغربية؛ ننعتها بهذا الاسم لا لأنها جاءت من الغرب. بل لأنها تتغذى من الثمار الغربية. وتعيش على أجساد الكتاب من أهل الغرب والكاتبات، الأحياء
стр. 3647
منهم والأموات.
(وهذه الطائفة قد استفحل أمرها، واشتد دراسها، منذ انتشر في بلادكم تعليم اللغات الغربية، فوجدت أمامها أودية خصبة ومروجا ممرعة، لا يكاد الطرف أن يدرك مداها. فأقبلت عليها في شره لا يعرف شبعا، ونهم لا يعرف حدا. إذ رأت أن المجد الأدبي قد دنت قطوفه، وسهل تناوله. . . فجعلت تجني من ثمار الغرب ما شاءت وما شاء لها الجشع؛ ثم مسخته قليلاً أو كثيرا، ثم جلته للعيون الشرقية، على انه من ثمارها ومن نتاج روحها. فأكبر الناس تلك الثمار، وسبحوا بحمد تلك الطائفة. ورفعوها على الأعناق، وبوموها مقاعد السيادة في الآداب أو في العلوم. . .) عند ذلك قاطعت الأستاذ، وقد تملكني الضجر، وقلت: (أعن هؤلاء تريد أن تحدثني؟ وهل هؤلاء هم الذين أودعتموهم في معهدكم هذا؟ اللهم أني لفي غنى عن رؤية أمثال هؤلاء، وما جئت سائحا في بلادكم العظيمة، لكي تطلعني على تلك المناظر التي طالما أقذت عيني وأحرجت صدري!)
قال: (لا تخف! فهيهات أن نجد مكانا في معهدنا هذا - على ضخامته وسعته لكل تلك الطوائف! كلا يا صديقي! وما ذكرت لك أمر هؤلاء إلا لأنك ممن يعنون بالأدب. ولاني أريد أن تفهم عني أمر الطفيليات التي حشدناها هنا! فأردت تقريب الأمر إلى ذهنك متنقلا بك مما تعرف إلى ما لا تعرف!
(وخلاصة الحديث يا صديقي، إن الطفيليات هذه هي كائنات - اجل وأني لمضطر لان ادعوها كائنات - لا تستطيع أن تحيا وأن تعيش من نفسها وجهودها. بل لابد لها من كائن آخر، تستمد حياتها من حياته، وكثيرا ما تكون حياتها سببا في فنائه. وهي على كل حال لابد لها من أن تضعف الجسم الذي يمدها بالحياة حتى تورده موارد الدمار. . .)
(هذه الكائنات لا تكد ولا تكدح في طلب الرزق، بل تدع السعي والطلب إلى غيرها، وليس لها أسنان تمضغ، أو معدة تهضم، أو أجهزة تحيل الطعام الخشن والشراب، إلى غذاء وحياة، بل تبقى كامنة في الأجسام الحية، ثم تنتظر حتى تكد هذه وتعمل، وتجمع الرزق من نواح شتى، وحتى تتناول طعامه وتهضمه وتمثله، وتحيل إلى تلك العناصر التي ثوت فيها القوة والحياة، عندئذ تبادر الطفيليات، فتمتص منها الحياة والغذاء، من غير جهد ولا عناء. . . هذه الطفيليات لا تحسن عملا، ولا تجيد صنع شيء؛ الهم إلا شيئا واحداً، هو:
стр. 3648
الالتهام)
(تأمل قليلا في هذا الكائن البديع، القرمزي اللون! انه لا يعيش إلا في الشرايين، لا يحلو له أن يتناول إلا الدم الطاهرالزكي: يستقيه سائغا شهيا حين يقذفه القلب إلى كل شريان. . وهذه صورة رجل قد حلت بجسده هذه الكائنات! أن وجهه الشاحب قد علته صفرة الموت. وعينيه الغائرتين تجدان كفايتهما من الدم المغذي. وعلى عظامه الناتئة جلد رقيق، يوشك أن يكون شفافا. . . أن حياة مثل هذا لن تطول. فان هذا الضرب من الطفيليات من أقتلها وأفتكها بمن يعيش في جسده.
(انتقل بنا الآن إلى هذا الكائن الأبيض المنتفخ! إن خطبه ايسر من خطب الأول. ودأبه أن يعيش وسط الدسم والشحم.
فهو لا يسكن من الجسم إلا حيث الدهن متراكم متكدس. فإذا رأيت من بني آدم من أضخمته النعمة، وأشحمه الغنى، فأن هذا الشقي لن يلبث طويلا حتى تتألب عليه هذه الكائنات الشرهة، ترتع في نعمته، وتمرح في شحمه ودهنه، وما تزال مكبة عليه تمتص منه وتلتهم، حتى تذره نحيلا هزيلا. قد وهى عظمه، ورق جسمه حتى لم تبق منه إلا بقية ضئيلة، لا تلبث أن تذهب، فيهلك الجسم وتهلك معه تلك الطفيليات.
(وأظنك تشاطرني الرأي أن ليس بمستغرب أن تتجمع الطفيليات على مثل هذا المخلوق السمين، حيث المرعى الخصيب، والخير الوفير، والنعمة السابغة. . .
ولكن ما بال هذه الطائفة - التي تراها عن يمينك - قد تألبت على غير ذي دسم، وتجمعت على غير ذي نعمة، ولا يحلو لها أن تمتص الحياة والرخاء إلا من كل بائس شقى، قد عضه الفقر من جانب. والجوع من جانب، ممن يقضي حياته في كد وكدح، من اجل اليسير من الزاد، والزهيد من القوت، لا يكاد يصل إليه إلا باهراق عرق الجبين، وبذل الجهد الجهيد، وإيراد الروح موارد العذاب. ثم يغدو المسكين وإذا قوته ودمه يذهبان غذاء سائغا شهيا لهذه الطوائف النهمة من الديدان الملتوية.
(ومن عجب إن ليس في الطفيليات كلها ما هو اشد نهما واكثر شراهة من هذه الكائنات، التي تعيش وسط الفقر المدقع، فتراها غنية وسط الفاقة، سعيدة وسط الشقاء، مدلة بنفسها عزا وكبرا برغم ما يحيط بها من الذل والضعة، وهي إلى هذا كله قصيرة النظر، لا تكاد
стр. 3649
أن ترى شيئا، لأنها لو استطاعت أن تبصر لعلمت أن ليس في عيشها ذاك ما يبعث الكبر والغرور، ولأدركت حقارة شأنها بين الكائنات.
والآن انتقل بك إلى هذه المجموعة الفريدة؛ إنها ستبدو لك لأول نظرة كأنها ديدان لما بها من الالتواء والانحناء؛ لكنها في الحق ليست بديدان، بل حشرات طفيلية جميلة الصورة، حسنة الهندام؛ أما هذا الالتواء والانحناء، فراجع إلى طبع غريب مغروس في نفوسها، ذلك إنها مولعة أبدا بالركوع حينا والسجود حينا: مغرمة بتمريغ الجبين في مواطئ النعال. فهي تبدي للجسم الذي تمتص خيره وبره عبودية وخضوعا. وتتملقه تملقا بديعا. وما تنفك تهتف باسمه. وتسبح بحمده: ولا يحلو لها الزاد الذي تمتصه وتتغذى منه، ما لم يصحبه كل هذا الركوع والسجود، والتملق والخنوع. . . . . وهذه الحشرات لا تعيش إلا في الجسم القوي ذي البأس الشديد، والعزة والجبروت. ولقد يحلو لهذا الجسم أن يؤدي هذه الحشرات، وان تمتص من خيره ومن رحيقه، لأنه يعجبه منها هذا الخضوع الظريف، وهذا التملق الساحر. وهذا الركوع الدائم والسجود. ولا يرى على نفسه بعد ذلك بأسا في أن تأكل هذه الحشرات من مخه ومن دمه، ومن لحمه ومن عظمه. لأنه قوي مدل بقوته، بئيس مفاخر بأسه، يظن أن كنوز قوته لن تنفذ مهما كبر ذلك الجيش الجرار من الحشرات. فتراه يستكثر منها ويستزيد ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
(ومن عجب أن هذه الحشرات قد تحل بها حشرات أخرى أحقر منها، لكي تعبدها وتتزلف إليها، وتمتص خيرها؛ وهذه أيضا على حقارتها تنمو حولها طائفة أخرى أحقر منها، وهلم جرا، ولن تستطيع أن ترى هذا كله بالعين العادية، بل لابد لك من التحديق في المجهر: انظر هاهنا! وأمعن التحديق حتى تعتاد عينك رؤية هذا العالم الطفيلي المدهش! أرأيت كيف تتابعت هذه الكائنات تتابعا مطرداً: من الكائن الأكبر إلى الأصغر فالأصغر حتى تبلغ إلى الحقير التافه الذي لا تكاد تراه حتى بالمجهر!
(وبرغم ما تراه في هذا الجيش العرمرم من مظاهر القوة والنشاط، والحركة الدائمة، فان هذا مظهر خداع. ولا بد أن يدركه الفناء في لمحة الطرف. ولا بد للمسكين من يوم تدول فيه دولته وتذهب ريحه، وينظر فإذا قوته قد فنيت وبأسه قد زالوإذا هو صريع وسط تلك الجيوش الجرارة من الطفيليات التي أفنته وأفناها.)
стр. 3650
وألتفت (الأستاذ) إلي، فرأى الدم يتصاعد إلى وجهي، فقال: (أحسبك قد نال منك التعب، ولا جرم فأن عالم الطفيليات عالم عظيم جسيم. ولكن لن تبرح حتى ترى هذه الحشرات السوداء التي لا تعيش إلا على جثث الموتى. وتخشى الأحياء وترهبهم. ألا تراها تذكرك بأصحابك الذين يغيرون على شعر القدماء، وأدب القدماء. ولا حياة لأمثال هؤلاء إلابما يدره أولئك الموتى!
والآن تأمل هذه الكائنات الدميمة التي تراها عن يسارك! وقل لي هل رأيت في حياتك أشد منها دمامة، وأقبح منها منظر؟ وهي مع ذلك لا تعيش إلا حيث يوجد الحسن والبهاء! ولا تحيا إلا على كل من رزق الوسامة، وضرب في الجمال بسهم، وحيثما رأت الشباب الغض والحسن الباهر تر هذه الكائنات الدنسة. قد تراكمت من حوله وتألبت عليه. . . لكن أراك قد تصاعد الدم إلى وجهك، وأحمت عيناك وانتفخت أوداجك، فهل تحس ألماً أو دوار، أو تراني قد أتعبتك بكل هذا الشرح الطويل؟
قلت: (ليس ما أحسه الآن تعبا أو ألما، ولكنه الغيظ قد استولى علي وأخذ يحرق صدري، ويوقد النار في دمي، وبودي لو تناولت عالمك هذا كله بالتحطيم والتدمير، فلا أدع فيه دودة ولا حشرة، قائمة أو قاعدة، راكعة أو ساجدة!)
قال: (من حسن الحظ أنا تركنا عصينا بالباب، فهلم بنا لنخرج من هنا، قبل أن يذهب بك الجهل مذاهب الطيش والنزق فأن هذه الطفيليات أعز على الدهر من أن نعرضهات لسخط الحمقى، الذين لا يعرفون ما لها من المنزلة الفريدةوالمكانة العزيزة في نظام هذا الكون الأبدي.)
ثم انطلقنا، وصاحبي يبتسم، وأنا أكاد أتميز من الغيظ.
محمد عوض محمد
стр. 3651
التعاون في التأمين على الحياة
يعمل الرجل وهو في مقتبل الشباب ممتلئاً صحة وقوة، ويخيل إليه أن الدهر سيظل له على الدوام مسالماً، فيسرف في أنفاق كسبه غافلاً عما يكنه المستقبل في طياته من المفاجآت. فإذا لم يعترضه مرض أو حادث يعجزه عن العمل والكسب، فأنه قلما يسلم من الخضوع لسلطان الطبيعة البشرية وسحرها، تجتذب حواسه وتأسر لبه حتى تسوقه طوعاً إلى شريكة في الحياة؛ يرزقه الله منها الأبناء، فيشعر في أعماق قلبه بذلك الشعور الذي لا يدرك كنهه سوى الزوج المخلص والوالد الرحيم، وهذا الشعور ينطوي على رغبة صادقة في أن يهيئ لهم أسباب السعادة في ظل حياته، ويعد الوسائل التي تسهل لهم سبل العيش بعد مماته.
ولا تقف مسئولية الرجل العائلية عند حد الزوج والأبناء، بل قد تتناول أبويه والقاصرين من اخوته المحتاجين لمساعدته. فأن حق عليه أن يكفل زوجه وأبناءه بعين رعايته، فأن من واجبه الشرعي والاجتماعي أن يشمل أبويه بعطفه وحنانه. فإن فعل فإنما يسدد ديناً عليه. فقد ضحيا من أجله راحتيهما ومالهما في سبيل تربيته وتعليمه حتى بلغا به طريق الرزق - قد يكونان ذهبا في التضحية إلى حد نفاد مواردهما - فحق لهما أن يجنيا ثمار تضحيتهما بمساعدته لهما في شيخوختهما.
وخلاصة القول أن الرجل في هذه الحياة مسئول عن سعادة أبويه وأخوته، كما أنه مسئول عن هناء زوجه وأبناءه. فإن كانت عائلته تعيش من كده وجهاده، فهو بمثابة رأس مال لها. يقف رأس المال العائلي هذا عن الإنتاج إذا إنتاب الرجل العامل المرض أو اعترضه العطل، ويفقد مقدرته الإنتاجية إذا أقعده العجز أو الشيخوخة عن العمل، ويفنى إذا وافاه الأجل؛ فالرجل المتزن العاقل هو الذي يتبصر في عواقب الأمور، ويتسلح للطوارئ، فيعمل على تهيئة أسباب السعادة لعائلته في مختلف أطوار الحياة، بأن يستجمع في شبابه من المال ما ينعم به في شيخوخته، وما يتركه لذويه يستعينون به على صروف الدهر بعد وفاته. وقد يبتدئ فعلاً بتدبير المال عن طريق الادخار. فأن عاجلته المنية قبل أن يكون لعائلته المال الذي يعيشون منه فأنه يتركهم عرضة للتسول وقد يدفعهم الإملاق إلى اقتراف الرذائل وارتكاب الجرائم.
تلك هي النتائج الاجتماعية التي يجب أن يتوقعها الرجل الذي يعيش من كسبه، ولا يدخر
стр. 3652
لشيخوخته ولأهله من بعده ما يقيهم شر الحاجة وذل السؤال. ومما يؤسف عليه أن أولئك الذين تلهيهم سعة الحاضر عن مفاجآت المستقبل كثيرون في بلادنا، وضحاياهم عديدون، نصادفهم كل يوم فلا يثيرون في نفوسنا غير الإشفاق والرثاء.
قال المرحوم أحمد بك لطفي أحد أبطال التعاون (هل في مقدور الجمعيات الخيرية مساعدة كل هؤلاء، والعناية بتربية أولادهم والصرف على بيوتهم؟ وهل يمكن أن يعيشوا من مد يدهم للناس وإراقة ماء وجوههم للغير؟ ليست هذه الأحوال خاصة بمصر، فإنها وجدت خلال القرون الأخيرة في غيرها من البلاد الغربية، ولم ينجح فيها استعمال الإحسان والصدقة، ذلك لأن الإحسان وإن كان من الفروض الدينية، إلا أنه بحسب القوانين الوضعية ليس إلزامياً، بل هو متروك لمروءة الإنسان، فلا عطاء بغير مقابل، ولا وسيلة لإرغام الناس على القيام به. لذلك لجأ الناس هناك لنوع من الإحسان يتحقق فيه الإلزام بأجلى معانيه، وهو تبادل الإحسان بين الفرد والجماعة بنظام مخصوص يجعله محققاً، ويسهل تنفيذه بغير أثقال على النفس ولا بتضحية كبيرة. وهذا العلاج وهو ما يسمى بالتعاون).
يقوم التعاون على مبدأ تبادل المنفعة بين الفرد والجماعة. فإذا ما أتحد عدد كبير من أرباب الأسر الذين يعيشون من كسبهم على تأليف جمعية تعاونية على أساس أن يؤدي كل واحد من كسبه اشتراكاً دورياً لصندوق الجمعية، وأن يستثمر جزء كبير من الأموال المتجمعة في أوراق مالية أو عقار على أن يصرف للعضو عند مرضه أو عطله ما يعالج به نفسه ويقوم أوده مدة عطلته من العمل، ويصرف لورثة من يتوفاه الله منهم مال أو معاش يستعينون به على الحياة، وإذا أقعدته الشيخوخة يصرف له مبلغ معلوم من المال أو يخصص له مدى الحياة معاش، أمكن تبادل المساعدة والمنفعة بغير أضرار بالفرد ولا بالجماعة.
ولتثبيت نظرية التعاون في الأذهان نضرب المثل الآتي:
أتفق جماعة من الأفراد عددهم خمسمائة من أعمار مختلفة تتراوح بين الثلاثين والخمسين سنة على تشكيل جمعية تعاونية، على أساس أن تدفع الجمعية خمسمائة جنيه لورثة العضو منهم إذا توفى قبل بلوغه سن الستين أو عند بلوغه هذه السن إذا ظل حياً، مقابل أن يؤدي
стр. 3653
العضو للجمعية اشتراكاً شهرياً يختلف باختلاف سنة عند التعاقد، وينقطع دفع الاشتراك بالوفاة أو عند بلوغ سن الستين. ولكي يتيسر للجمعية القيام بتعهداتها يجب أن تكون الاشتراكات التي يدفعها الأعضاء مبنية على أساس علمي يراعي فيه احتمال الوفاة واحتمال بلوغ السن المعينة، وعلى هذا الأساس يصح أن تكون الاشتراكات على النحو الآتي:
السن عند التعاقد
الاشتراك الشهري الذي يدفعه العضو بالقروش
٣٠
١١٢
٣١
١١٦
٣٢
١٢١
٣٣
١٢٧
٣٤
١٣٣
٣٥
١٣٩
٣٦
١٤٦
٣٧
١٥٣
٣٨
١٦٢
стр. 3654
٣٩
١٧٠
٤٠
١٨٠
٤١
١٩١
٤٢
٢٠٣
٤٣
٢١٧
٤٤
٢٣٢
٤٥
٢٥٠
٤٦
٢٦٩
٤٧
٢٩٢
٤٨
٣١٩
٤٩
٢٥٠
٥٠
٢٨٧
ويجب أن يكشف طبياً على كل من يريد الالتحاق بالجمعية على ألا يقبل غير الأصحاء
стр. 3655
لكي لا تتعرض الجمعية لخطر عاجل قبل تكوين أموال كافية لمواجهة الطوارئ، فأن متوسط معدل الوفيات بين فئات السن من ٣٠ إلى ٥٠ هو ٦٠ في المائة، أو بمعنى آخر أن عدد الوفيات التي يحتمل حصولها خلال السنة الأولى بين أفراد الجماعة المذكورة المكونة من خمسمائة عضو هو ثلاثة. فعلى أساس هذا الحساب يمكننا أن نقدر التعويضات التي يحتمل دفعها في السنة الأولى بمبلغ ١٥٠٠ جنيه، على اعتبار أن المبلغ الذي يدفع لورثة العضو المتوفى هو خمسمائة جنيه.
ويجب أن الجمعية لا تحتفظ في صندوقها أو في البنك الذي تعامله مما تحصله من الأقساط في أول كل شهر إلا بقدر ما يلزم لتغطية المصروفات ومواجهة التعويضات المحتمل دفعها خلال الشهر، بل تقتني به أوراقاً مالية سهلة التداول، فأن المبلغ الذي يحتمل تحصيله في السنة الأولى من الأقساط وفوائد استثمارها، يقرب من ٨٥٠٠ جنيه. وقد خرجنا بهذه النتيجة على أساس حساب الاحتمال، بعد أن استبعدنا طبعاً الأقساط التي حرمت منها الجمعية من المتوفين أثناء المدة التي تجري بين الوفاة وآخر السنة، وكذلك فائدة الاستثمار التي كانت تعود على الجمعية لولا دفع التعويضات والمصاريف الإدارية أثناء السنة. .
أما النفقات الإدارية، فأن جمعية تعاونية مكونة من خمسمائة عضو كالتي ذكرت، لا تحتاج لمسك دفاترها (بطريقة الفيش) والقيام بالأعمال الكتابية إلى أكثر من كاتب واحد يمكن أن يتقاضى مرتباً سنوياً ١٢٠ جنيهاً. أضف إلى ذلك قيمة مطبوعات ونفقات نثرية ٨٠ جنيها، فيكون المجموع ٢٠٠ جنيه بالقياس إلى نفقات جمعية تعاون موظفي البريد التي تضم نحو ٤٣٠٠ عضو مع حفظ الفارق.
أردنا مما تقدم أن نثبت في أيجاز أن دخل الجمعية من أقساط وفوائد استثمار لا يفي بدفع تعويضات الوفيات وتغطية المصروفات فحسب، بل يترك فائضاً. ولا غرو فإن مبلغ الدخل في السنة الأولى هو ٨٥٠٠ جنيه، في حين أن التعويضات هي ١٥٠٠ جنيه، والمصروفات الإدارية ٢٠٠ جنيه، فيكون الفائض ٦٨٠٠ جنيه، يحول جزء منها إلى الاحتياطات التي يجب تكوينها لاستخدامها فيما بعد في سداد التعويضات التي تستحق الدفع عند حلول أجل العقود للباقين أحياء، وما بقى من الفائض في نهاية كل سنة بعد تغذية الاحتياطات يصح توزيعه على الأعضاء ويقال له (العائد) إلا أن أكثر الجمعيات لا توزعه
стр. 3656
على الأعضاء إلا مرة كل خمس سنوات مضافة إليه فوائد استثماره؛ أما في حالة الوفاة فأنها تصرف لورثة المتوفي زيادة على المبلغ المؤمن به، حصته في العائد المتكون لحسابه حتى نهاية السنة السالفة للوفاة.
وكلما تيسر للجمعية استثمار أموالها بفائدة كبيرة، كبرت
حصة العضو في العائد. وإن السوق المصرية لهي من
أخصب الميادين لتوظيف الأموال، ولا جرم فأنه يوجد ٥٢
قرطاساً، أي ما يزيد على ثلث عدد القراطيس المتداولة في
برصتي القاهرة والإسكندرية، تربى غلتها على ٢١ ٤ %
على أساس الفوائد والأرباح الموزعة خلال ثلاث السنوات
الأخيرة، وسعر البورصة في نهاية كل سنة، بعد أن أجرينا
عمليات التصحيح التي تلزم في هذا المقام.
إن ما عليه حال العمال وطبقة صغار موظفي الحكومة والبنوك والمصالح الأهلية من قلة المرتب، يجعلهم يقاسون آلاماً مبرحة إذا ما نزلت بهم نازلة من المرض، أو الإصابة بحادث، أو البطالة، أو الشيخوخة، أو الوفاة. وقد يصل بهم العسر إلى عدم توافر نفقات العلاج أو ثمن الدواء أو تكاليف الدفن. فهم يستهدفون لاستشراء الأمراض لقصر ذات اليد. وقد يبلغ الإملاق بأسرهم من بعدهم حد التسول وإراقة ماء الوجه. فلدرء تلك العواقب انتشرت جمعيات التعاون للتأمين على الحياة في الأمم الراقية لتخفف عن أعضاءها وأسرهم ما يخبئ لهم الدهر من الويلات.
فما أحوجنا إلى نشر مثل هذه الجمعيات بين طبقات الموظفين والعمال وصغار التجار والزراع. ومن الميسور أن يضحي كل منا بعشرة قروش شهرياً في سبيل أن يضمن لنفسه ولعائلته الدواء ووسائل العلاج بتأسيس جمعيات تعمل على إبرام الاتفاقات، مع طائفة من ذوي القلوب الرحيمة من الأطباء والصيادلة ومديري المستشفيات لمعالجة الأعضاء بأتعاب
стр. 3657
معقولة، وتقديم الدواء بأثمان معتدلة، وقبول المرضى بالمستشفيات بأجور مخفضة، تقوم بدفعها الجمعيات من الاشتراكات التي تحصلها من الأعضاء.
كما أنه من الميسور أن يضحي الرجل منا من مرتبه الشهري بقيمة الاشتراك الذي سبق أن أوضحناه بالجدول على سبيل المثال، ليضمن لأولاده ولذويه مالاً أو معاشاً، يقتاتون به إذا ما عاجلته المنية، حتى ولو حصلت بعد أداء القسط الأول، وليضمن لنفسه معاشاً ينعم به في شيخوخته لكي لا يصبح حميلة على غيره، بعد ما كان في شبابه عاملاً مفيداً للمجتمع.
وواجب على الشباب المتعلم أن يبث الدعوة بين طبقات الموظفين والعمال وفقراء التجار والزراع لتشكيل الجمعيات التعاونية.
وأني على استعداد لإبداء النصح والإرشاد عن طيب خاطر لكل هيئة تتألف لتأسيس جمعية للتعاون في التأمين على الحياة، لأني ممن يدينون بمبدأ التعاون، ويعتقدون صلاحية المنشآت التعاونية لإنقاذ الطبقات العاملة الفقيرة من شتى المخاطر التي يستهدفون لها.
وليس بكاف أن يوجد في مصر أربع جمعيات تعاونية للتأمين على الحياة، تعمل كل واحدة منها في دائرة ضيقة، فلا تحتضن إلا عدداً قليلاً من الأعضاء. وأقدمها جمعية تعاون موظفي البريد التي أسسها المرحوم يوسف سابا باشا في سنة ١٨٩٣، ثم تبعتها جمعيتا تعاون الصيارفة والمساحين. وجمعية تعاون موظفي الصحة التي أسسها حديثاً الدكتور شاهين باشا في فبراير سنة ١٩٣٤. ولقد أخذت الجمعيات الثلاث الأخيرة نظامها عن جمعية البريد.
وليس هذا مجال نقد أنظمة تلك الجمعيات، وإنما نكتفي بالإشارة إلى إنها لا تقوم على أساس علمي صحيح في تحديد الأقساط وتوزيع المكافآت، بل على طريقة فطرية لا تتمثل فيها العدالة بين جميع الأعضاء وتعرضها لخطر الإفلاس، بالرغم أن موازينها تبدو لغير الفنيين في مظاهر اليسر. فأن خطر الإفلاس لا يمكن أن يدرك مداه في جمعيات التعاون في التأمين غير الفنيين، خصوصاً وأن موازين تلك الجمعيات لا تبين القيمة الحالية لتعهداتها إزاء أعضائها. ونأمل أن تسرع هذه الجمعيات إلى إصلاح نظامها على أساس القواعد العلمية الحديثة قبل فوات الأوان.
стр. 3658
ولا يزال المجال متسعاً لمن يزيد أن يسجل التاريخ أسمه بين أبطال التعاون في مصر، فأن من يقوم بتأسيس من جمعية تعاونية في التأمين على الحياة، على أساس التعاليم الحديثة، يقدم للإنسانية خدمة جليلة، ويسدي لأمته خيراً كثيراً.
طه عفيفي عضو بعثة التأمين سابقاً
стр. 3659
٢ - بين المعري وداني
بقلم الشيخ محمود النشوي
في رسالة الغفران والكوميدية المقدسة
تحدثنا فيما سبق عن رسالة أبن القارح، وأن أسلوبها أثار في نفس المعري رغبة في الضرب على غرارها، والاتجاه مع تيارها. بيد أن المعري أرانا أفانين من الخيال مما يحدونا أن نقول: إن رسالة أبن القارح وإن تكن أثارت لديه فكرة نقد الشعراء، ومحاورة الرواء والأدباء. . فلا يدور بخلدنا إنها كونت فيه روحاً ليست عنده، أو ألهمته فكرة لم يكن هضمها من قبل. على إنها وإن ذكرته الحوار والنقد فأن ثوب الخيال الذي ألقاه أبو العلاء على رسالة غفرانه يتسامى عن طوق أبن القارح وآلاف مثله. وما كان أبن القارح ليستطيع أن يتخيل تلك الرحلة العجيبة في طبقات الجنان، وبين دركات الجحيم.
ولدينا برهان قوي على أن المعري لم يسلك سبيلاً عبدها له أبن القارح، وأن رسالته ما كانت غير سبب مباشر، نبه من المعري فكرة راسخة. ذلك البرهان هو رسالة الملائكة التي نرى فيها خيال المعري يطوف بالجنة وبالنار يقرع أبوابهما، ويمزح مع الخزنة والحراس والملائكة في محاورة تستهوي اللب، وتضحك أشد الناس عبوساً. إذ يحاور عزرائيل حين يزوره زورة الموت، فيقول له: أمهلني ساعة حتى أخبرك بوزن عزرائيل. ولكن ملك الموت إذا جاء لا يؤخر عمله، فيستل روحه من بين جنبيه، ثم بقذف به إلى القبر فيلقى منكراً ونكيراً. وبدلا من أن يجيب سؤالهما. يبتدرهما هو بالسؤال فيقول: كيف جاء اسماكما عربيين منصرفين وأسماء الملائكة كلها أعجمية مثل إسرافيل وجبرائيل وميكائيل؟
فيقولان هات حجتك. . وكأني بأحدهما يهوي إليه (بالارزبة) فيتملقها قائلاً. قد كان ينبغي لكما أن تعرفا وزن ميكائيل وجبرائيل على اختلاف اللغات إذ كانا أخويكما في الله . فلا يزيدهما ذلك إلا غيظا. . ثم يتخيل أنه تلاقى مع (مالك) خازن النيران فيحاوره لا في العذاب ولا في الزبانية. ولكن في أوزان الأسماء وجموعها فيقول له: أخبرني - رحمك الله - ما واحد الزبانية؟
فيعبس مالك لما يسمع ويكفهر. ثم يسائله عن (غسلين) قائلاً أهو مصدر أم واحد أم جمع؟.
стр. 3660
ويحاوره في (جهنم) سائلاً: هل النون في جهنم زائدة؟ فيجيبه مالك بقوله: ما أجهلك وأقل تمييزك؟ ما جلست هنا للتصريف ولكن جلست لعقاب الكفرة والمشركين والقانطين. ثم يذهب في جماعة من الأدباء إلى رضوان خازن الجنان فيناديه بعضهم قائلاً. (يا رضؤ) بالترخيم. فيقول له ما حاجتكم؟ فيقول بعضهم نسألك أن تكون واسطتنا لدخول الجنة فأنهم لا يستغنون عن مثلنا: فقبيح بالعبد أن ينال هذه النعم وهو إذا سبح الله لحن. . ولعل في الفردوس قوماً لا يدركون أحرف (الكمثرى) أكلها أصلية أم بعضها زوائد فيبتسم رضوان ويقول: أن أهل الجنة اليوم في شغل فاكهون. هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون:
فانصرفوا - رحمكم الله - فقد أكثرتم الكلام فيما لا منفعة فيه، فيطلبون لقاء (الخليل بن أحمد) فيطل عليهم قائلاً: ماذا تريدون؟ فيعرضون عليه مثل ما عرضوا على رضوان فيقول لهم: إن الله جلت قدرته جعل من يسكن الجنة ممن يتكلم بكلام العرب ناطقاً بأفصح اللغات كما نطق بها (يعرب بن قحطان أو معد بن عدنان) فاذهبوا راشدين - إن شاء الله - فينصرف الأدباء وتنتهي رسالة الملائكة. تلك التي نتلمس من أسلوبها وخيالها أن رسالة الغفران أينعت في نفس أبي العلاء فأرسلها تحمل صنعته على الرواة الذين صحفوا أحاديث الشعراء. وعلى الشعراء الذين نجوا من عذاب الله دون عمل يسلك بهم سبيل النجاة (في رأيه).
وأما دانتي فقد علمنا أنه عذب وشرد في الآفاق. . وحكم عليه بالإعدام حرقاً. ثم كان محباً من قبل ذلك لبياتريشي وتفتحت أزهار حياته الأولى على أيدي القديسين والرهبان يغرسون في نفسه بذور التفكير في الجنان والنيران. وعذاب العصاة ونعيم الطائعين. فلما أوشك أن ينطفئ سراج حياته، وأذنت شمسه بالمغيب قبيل وفاته بأسابيع قلائل نظر وراءه فرأى قوماً اضطهدوه وشردوه ورأى حباً مضاعاً لم يستمتع به ثار في نفسه ما يثور في كل نفس عجزت عن نيل الأماني فعمدت للخيال تحقق به ما أضلته في الحقيقة. وتخيل رحلته في الجحيم وفي النعيم يلقى في جهنم من شردوه وعذبوه ويلقى فيها البابا بونيفاشيو الذي كان السبب في تشريده وتشتيت شمله، يراه في الدرك الثامن من جهنم في ثلة من المعذبين أمثاله غرست رؤوسهم وأكتافهم إلى الأسفل في حفر عميقة. وأما بقية أجسامهم
стр. 3661
فقد ظلت معرضة لوابل النيران التي كانت تنصب عليها جزاء على اتجارهم بالدين. واتخاذهم من أسم الله ذريعة لجلب المنفعة لأشخاصهم، ويرى فيها الكونت جويدو منفيلترو الذي خدعه البابا بونيفاشيو. . ويرى بياتريشي حبيبته في طبقات الجنان مستمتعا عن طريق الخيال بما لم يستطعه لدى الحقيقة. ووصف استقبالها عند باب الجنان وصفا هو أخصب ناحية في أدبه. وسنذكر ذلك الوصف كاملاً غير منقوص حين الحديث عن الموازنة بين الخيالين عند الشاعرين. أفرأيت إذن كيف كانت الحوافز النفسية الخاصة تدفع كلا من الشاعرين أن يتخيل تلك الرحلة العجيبة؟ نعم كل منهما كان في نفسه نزوع لما كتب.
هل سرق دانتي رسالة المعري؟
مسألة طال حولها الحوار والجدل، ولم نر دليلاً مادياً على السرقة أو على البراءة منها. ولكن قوما يردونها. . فقد قال الأستاذ محمد كرد علي إن أعمى المعرة كان معلماً لنابغة إيطاليا في الشعر والخيال. وبعض الباحثين من المستشرقين في أوروبا على أن دانتي في روايته الإلهية قد اقتبسها - ولا سيما الجحيم - من رسالة الغفران للمعري.
وقال جورجي زيدان: إن المعري توفي سنة ٤٤٩هـ ودانتي توفي سنة ٧٢٠هـ، وملتن الإنجليزي توفي سنة ١٠٨٤هـ. فلا بدع إذا قلنا باقتباس هذا الفكر عنه. وأقدمهما (دانتي) لم يظهر إلا بعد احتكاك الإفرنج بالمسلمين والإيطاليان أسبق الإفرنج إلى ذلك.
ذلك هو رأي جورجي زيدان توسع فيه حتى أدخل ملتن أيضاً في الاقتباس من المعري وحجته تأخر الزمن بدانتي وملتن واحتكاك الإفرنج بالمسلمين، فهل ذلك كله ينهض دليلاً على اقتباس الفكرة أو يكفي برهانا على الأخذ؟ المسألة لا تعدو الحدس والظن. وأما لنرى البراهين تنحاز دانتي فتبعده عن الأخذ وعن الاقتباس.
فقد بدأ حياته يتعلم الدين، يكفل ثقافته القديس فرانشكو
ولقد كان عصره عهده قوة سلطان الباباوات والكهنة. ولن يقوم لهؤلاء سلطان إلا بقوة النزعة الدينية. وإبان ذلك تتكاثر صور الجنة والنار واردة في أخيلة الناس وأذهانهم. أليس في نشأته الدينية، وفي عهده المليء بالتعصب الديني ما يكفي في أن ترد الجنة والنار في خياله؟ على أن فكرة الجنة والنار والنعيم والجحيم تدور برؤوس الناس منبلج الصباح
стр. 3662
وأفول الشمس في كل يوم. فهي حق شائع لجميعهم لا يعده الأدباء أخذاً. ولم أنهم عدوه لكان كل شعرائنا وأدبائنا سراقا. ولكان امرؤ القيس سارقا لأنه بكى الديار كما بكاها أبن حذام من قبله، إذ يقول امرؤ القيس
عوجا على الطلل المحيل لعلنا … نبكي الديار كما بكى أبن حذام
وإنما الذي يعده الأدباء سرقة هو أخذ الفكرة النادرة التي ينفرد واحد بها. أو الترتيب الذي لا يستطيعه إلا الشواذ والأفذاذ فهل سرق دانتي الترتيب من رسالة الغفران؟ اللهم لا
فحراس الجحيم في خيال المعري ملائكة، وفي خيال دانتي شياطين، وأشخاص الرواية عند المعري شعراء ورواة. وعند دانتي رجال دين وعصاة ومذنبين، والجنة عند دانتي تسعة أقسام لكل قسم طائفة عملوا الخيرات كل على حسب عمله. وعند المعري ثلاثة أقسام (جنة الجن) وجنة (الرجاز) والجنة الأصلية.
وقد بلغ المعري أسمى خياله لدى وصفه الفردوس. كما كان أخصب النواحي خيالا عند دانتي هو وصف الجحيم
وسنعرض لذلك بالموازنة التامة (إن شاء الله)
على أنه إن كان لا بد من أن نتهم الشاعر الطلياني بالاقتباس. فأولى أن نعتقد أخذه من فرجيليو الذي كان دليله في رحلته وهاديه في ظلمات الجحيم. ولفرجيليو هو الآخر رحلة في أعماق الجحيم هي أقرب لخيال دانتي من رسالة الغفران.
ولقد كانت لدانتي أحلام فيها ملائكة وفيها موتى، هي إرهاص ومقدمة لرسالته العتيدة.
فقد رأى في حلم من الأحلام أنه ضل في غابة موحشة فأطلت عليه محبوبته بياتريشي في سحابة من الملائكة وعليها لهب قرمزي كأنه اللهب المتأجج. وخيل إليه أنه يتغلغل في عالم الأموات.
كما تحدث في بعض أشعاره قائلا: ها أنذا جالس في مكاني أذكرها وأذكر أيامها السعيدة فيلوح لي كأن ملائكة من السماء تهبط من عل وتأخذ أماكنها على المقاعد الموجودة حولي.
فإذا ضممنا لذلك كله أن حبه ألهمه خيال الجنة ليستمتع بمن أحب، وأن بغضه لمن حاربوه ونفوه وشردوه يوحي إليه أن يتخيلهم في دركات الجحيم، وأن تلك طبيعة النفس تشره لنيل آمالها ولو عن طريق الخيال. عرفنا براءته من السرقة.
стр. 3663
يتبع
محمود أحمد النشوي
стр. 3664
٤ - بديع الزمان الهمذاني
للدكتور عبد الوهاب عزام
عاش أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني أربعين عاماً أمضى شطرها نائياً عن بلده وعشيرته في طلب المجد والغنى، فبلغ ما أراد. نبه ذكره واتصل بمعظم الأمراء والوزراء في الشرق: شمس المعالي قابوس بن وشمكير، وخلف بن أحمد، وبني قريفون، وبني ميكال والسلطان محمود، والصاحب بن عباد، والفضل بن أحمد، وأبي نصر من وزراء الدولة الغزنوية. وعرف كثيراً من رؤساء نيسابور، وطوس، وسرخس، ونسا، وبلخ، وهراة. وصار مطمح أصحاب الحاجات يتوسلون به إلى أولى السلطان والجاه، يتبين ذلك في كثير من رسائله. وقد قال في رسالة الشيخ أبي النصر في أمر بعض الفقهاء: (وهؤلاء الصدور، يرون الشمس من قبل أن تدور.) يعني أن الناس يرونه قادراً على تيسير حاجاتهم. وكان له عناية بالأمور العامة يبذل فيها من عقله وجاهه. كتب إلى الوزير الفضل بن أحمد مع وفد من هراة ذهبوا إليه يلتمسون تخفيف الخراج عن أهل مدينتهم، وكتب إلى رئيس هراة في أموال رأى جبايتها حراما، وكتب إلى وزير السلطان محمود في قتل رجل أسمه أبو عثمان: (والله لئن سكن السلطان العظيم وتغافل، وتسامح الشيخ الجليل وتساهل، أن الله بالانتصاف لملى، وأن الله على الانتقام لقوي، والمحنة أدام الله عز الشيخ الجليل في ذهاب ذلك العالم المسلم، دون المحنة في بقاء هذا الظالم المظلم، ولئن ساغ لهذا الفاسق ما فعل ليرخص نجم المسلم، وليراق دم العالم، وليصيرن كل سكين منشور ولاية، ثم ليتسعن الخرق على الراقع، وليس دم المسلم بيسير عند ربه، ولزوال الدنيا على الله أهون من صبه، أليس الله تعالى يقول: من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا: وأنا أعيذ بالله هذه الدولة من أن توصم بتعطيل الحدود، أو توسم بإهدار الدماء، وعسى الله أن يوفق الشيخ الجليل لتدارك هذا الأمر، أن ذلك على الله يسير.
ويقول في الرسالة نفسها: (ورد على خادم الشيخ الجليل كتاب من أقصى خراسان والعراق بحديث تسيار فلان وصاحبه فلان وذكروا معرفتهما بأحوال الثغور، وممارستهما لما يعرض بها من الخطوب، وأن أعين المرابطين والغزاة طامحة إلى نصره، من السلطان العظيم أعز الله نصره وقد بعثوا بهما وفدا وقدرا أنهما يجدانني بالحضرة فأكون لهما لسانا،
стр. 3665
وتنجزا إلى كتابا ليعلماني، ولو أمكنني النهوض لاحتسبته لهما وإذا لم ينهض قدمي، فقد أستثاب قلمي، والشيخ الجليل يرى عالي رأيه في تفريبهما لنصرة الله والاصغاء المثوبة إن شاء الله تعالى.
وفي هذا ما يبين عن مكانته بين الناس واهتمامه هو بأمورهم.
ونجده أحيانا يكتب للإصلاح بين فريقين متحاربين. وقد مكنته هذه الهمة العظيمة من دفع المفسدين عن نيسابور، وكان إذ ذاك في مستهل صيته ومبدأ نباهته، يقول في رسالته إلى أبيه بعد إن وصف ما كان بخراسان من هرج ومرج: لا ولا شيء إلا السلاح والصياح وكل شيء إلا السكون والصلاح، وأنا إذ ذاك حاضر نيسابور وداري بين القبة الرافضة وكل يوم تهديد، ورعب جديد، فقلت:
ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلا … به الخطب إلا وهو للقصد مبصر
فلقيت صدور نيسابور وقلت حتام هذا البلاء والعلاج قريب ليأخذ، وهلا نفر من طائفة الغزاة؛ إلى هؤلاء الغواة، وآزارهم أهل الصلاح وأنا من دعا إلى هذا الأمر وأجاب إليه وبذل فيه وأنفق عليه، ففعلوا وما كان سواد ليلة حتى علت كلمة الحق وباد أهل الفساد، إن جرح الجور، قريب الغور، وإن نار الحلفاء سريعة الانطفاء، وأن كيد الشيطان ضعيف، ثم أسمع الآن بهمذان من خراب واضطراب، وبأموالها من ذهاب وانتهاب، وبأسواقها من فساد وكساد، وبأسعارها من غلاء، وبأهلها من جلاء، أفليس فيهم رجل رشيد يجمع كلمة أهل الصلاح؟ عجبا من تعاون المفسدين على أخذ ما ليس لهم، وتخاذل المسلمين عن منع مالهم.
أخلاق الهمذاني
أظهر أخلاق أبي الفضل بديع الزمان، الأنفة والعظمة، ومن أجل ذلك يكثر في رسائله عتاب الأمراء والرؤساء على التفريط في جنبه أو إنزاله دون منزلته. كتب إلى أبي جعفر بن ميكال حين آنس منه التقصير في الحفاوة به: (وأعرفه إني ما أطوي مسافة مزار إلا متجشما، ولا أطأ عتبة دار إلا متبرما، ولست كمن يبسط يده مستجديا، أو ينقل قدمه مستغذيا فإن كان الأمير الرئيس أطال الله بقاءه يسرح طرفه في طامح أو طامع، فليعد للفراسة نظرا.
стр. 3666
فما الفقر من أرض العشيرة ساقنا … إليك ولكنا بقرباك تبجح
وكتب إلى الأمير خلف بن أحمد وهو الذي اصطفاه بأحسن مدائحه: (كتابي أطال الله بقاءك وقد كنت نذرت إلا أخاطب حضرته ثم روى لي القاضي حديثاً طرق إلى نقض ما نذرت طريقا وسمعت منشداً ينشد:
لحي الله صعلوكاً مناه وهمه … من العيش أن يلقى لبوسا ومطمعا
فقلت أنا معنى هذا البيت، لأني قاعد في البيت، آكل طيب الطعام وألبس لين الثياب، ويفاض على نزل، ولا يفوض إلى شغل، ويملأ لي وطب، ولا يدفع بي خطب. وهذا والله عيش العجائز والزمن العاجز. . . . ولعل جرما تصور، أو رأيا تغير، أو اعتقادا أخلف، أو ظنا اختلف. فأن لم يكن شيء مما سردت وأوردت فالغلط في صدر القصة كان، وفي عجزها بان. وإن كان كذا فبالله ما أرضى، ولو صارت السماء أرضا، ولا أريد، ولو انقطع الوريد. وأني لأستحي من الله أن أرى لي المثل الأدنى، وفي القوس منزع أبا، وإن لم أكن بالعراق أمير البصرة، وببخارى زعيم الحضرة، فما أزعجني عن همذان فقر إلى جوع وعرى، ولا ساقني إلى سجستان طمع في شبع ورى، وإنما نحوم حول المراد،
ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة … كفاني ولم أطلب قليل من المال.
لا يكثر الأمير على من خلعه وصلاته. فوالله لو علمت أن قصارى أمدي سجستان أليها، وضياعها أقتنيها، وغلمانها أشتريها، وأموالها اتسع فيها، ولا مطمع في زيادة بعد لآثرت الزهد على الطلب.)
وكتب إلى عامل البريد: ولكنك طفقت لا تهاب سلطان العلم، فأعلمناك أن سلطان العلم لا يهابك. ولو اتصلت بالسماء أسبابك) وكتب إلى الوزير أبي نصر بن بريدة وقد قدم رجلا عليه: قدم اليوم على فلانا ولست أنكر سنه وفضله، ولا أجحد بيته وأصله، ولكن لم تجر العادة بتقدمه لا في الأيام الخالية، ولا في هذه الأيام العالية، وشديد على الإنسان ما لم يعود) إلى أن يقول: (أنا لا ألبس الشيخ الجليل على هذه الخصلة، ولا أحتمله على هذه الفعلة.
فأما أن تكون أخي بحق … فأعرف منك غثي من سميني
وإلا فاطرحني واتخذني … عدوا أتقيك وتتقيني
لا أعدم كريما، ولا يعدم نديما. ولي مع هذا الماء حالان لا واسطة بينهما، إن صفوا
стр. 3667
بأشربه، أو كدرا فلا أقربه، والسلام.
وكان البديع ذا همة عالية، ومروءة عظيمة، يعطف على الناس ويرثى لهم، ويصغي لأصحاب الحاجات، ويشفع فيهم. وقد مر بعض ذلك. ومما يدل على نبالة نفسه وسمو همته ما كتبه حين هنأه بعض الناس بمرض الخوارزمي، وما يظهر في رثائه الخوارزمي من حزن صادق.
ويؤخذ من رسائله أنه كان جوادا: كتب إليه صديق يؤذنه بقدومه إليه ويسأله أن يستأجر له داراً فأبى إلا أن ينزله معه في داره، وكتب إلى صديق له مات أبوه فحذره من أن يقتر على نفسه ويحرم نفسه المتعة بماله كما حذره أن ينفقه في اللهو واللعب. ومن رسالته إلى الأمير أبي الحارث محمد مولى أمير المؤمنين: (وأما الدرهم والدينار فدفعهما ونزعهما من يدي سواء. لا أشكر واهبهما ولا أشكو سالبهما. إن لي في القناعة وقتا وفي الصناعة بختا)
يشهد لهذا ما أرسله إلى أبيه من المال وما أرسله إلى أقاربه وأصدقائه من الهدايا.
وبديع الزمان على حسن معاشرته، وحلوة حديثه، وما ينزع إليه من الفكاهة في كتابه، كان في طبعه الانقباض، والنفرة من الناس والتشاؤم، يظهر هذا حين يصف الزمان أو يرثى الموتى أو يهجو رجال عصره من القضاة والكتاب، وأصحاب الأعمال. وحسبك من رسالته التي أجاب بها شيخه أبن فارس حين كتب إليه يذم الزمان: (نعم أطال الله بقاء الشيخ الأمام، أنه الحما المسنون، وإن ظنت الظنون. وأن الناس ينسبون لآدم. وإن كان العهد قد تقادم، وارتبكت الأضداد، واختلط الميلاد، والشيخ الأمام يقول: فسد الزمان أفلا يقول متى كان صالحاً؟ إلى أن يقول: وما فسد الناس، وإنما أطرد القياس، ولا أظلمت الأيام، وإنما امتد الظلام. وهل يفسد الشيء إلا عن صلاح، ويمسي المرء إلا عن صباح؟)
ويقول في الديوان:
كذاك الناس خداع … إلى جانب خداع
يعيثون مع الذئب … ويبكون مع الراعي
ولعل من هذا المزاج المنقبض كانت شدته في الهجاء، وإفحاشه في الذم أحياناً، وميله إلى العرلة، ولذلك كان أحسن شعره ونثره ما كتب في الرثاء أو التعزية أو الوعظ.
ويؤخذ من رسائله أنه كان عزوفاً عن اللهو، يعاف الخمر، ويتجنب المحرمات. وفي
стр. 3668
رسالته التي كتبها لأبي الطيب سهل بن محمد يقول عن نفسه والخوارزمي: (ونحن في كل حال، على طرفي محال، هو خوارزمي ولست من خوارزم. وهو شاعر ولعن الله النظم؛ وخمري ولا أشرب الخمر، ونائي ولا أسمع الزمر، وعودي ولا أسمع النقر، ونردي ولا ألعب القمر.
ويؤخذ من رسائله كذلك أنه كان متألها يلتزم السنن جهده.
وقد بلغ من الورع أنه كتب وصية يأمر فيها بأتباع السنة في تجهيزه ودفنه، وينهى عن البكاء عليه، وهي مثبتة مع رسائله.
ونجد في رسائله مع هذا أنه يجيز الكذب أن كان في الكذب خير يقول. في رسالة إلى بعض وزراء الغزنوية. (زعم أدام الله تمكينه أني أخلف المواعيد، وأرد العذر البعيد. ومتى ادعيت أن قولي يكتب في المصاحف أو يتلى في المحاريب؟ ومتى تبرأت من الأحاديث. والله أني لأكذب الكذبة أظنها لحسنها صدقا)
وفي رسالة أخرى: (وقد زورت على الشيخ تزويرا آمل أن ينفعه الله به في الدارين، وغدا أعرفه الحديث)
يتبع
عبد الوهاب عزام
стр. 3669
من طرائف الشعر
البهال
للشاعر الحاج محمد الهراوي
هُم الناس قد ألقوا عليَّ حمولهم … على علمهم أني أضجُّ بأحمالي
ويبلغُ ظن المرء منهم جهالة … بأني أنا وحدي له وحدَه خالي
فعِّمي وعماتي، وخالي وخالتي … وأبناءُ أعمامي، وأبناءُ أخوالي
وآلي، وأصحابي، وآل صحابتي … ومن ليس من صحبني وليس من آلي
يكلفني قومي ثمانين حاجة … ولم يحملوا منهنَّ ذرةَ مثقالِ
كأنيَ فيهم، والحوائجُ جمةً … وقد أثقلوا ظَهري، مطية أثقالِ
لئن سرَّهم مني خلائق عائلِ … لقد ساءني منهم خلائق بُهَّالِ
стр. 3670
الهوى والشباب
تعالَى نعْش في ربيع الشبابِ … خلِيِّينِ من حَزَنٍ والتياحْ
ونُسبغْ على الكون ظِلَّ الرجاء … فيغدُوَ طلقاً كثير السماحْ
ونُصغِ إلى هاتفٍ في الغصونِ … طروبِ الغناءْ، شجيِّ النواحْ
ونجني مَلذَّاتِ فجرِ الحياةِ … فأن الشبابَ سريعُ الرَّواحْ
تولى زمانُ الأسى والرَّنين … وأشرقَ عَهدُ الهوى والمِراحْ
وزخرفتِ الأرض كَفُّ الربيع … ولفَّتْ بِبُردِ الجمالِ البطاحْ
ورف على الزهر قَطرُ الندى … رفيفَ الضُّحى فوق ماء قَراحْ
فهيَّا امرحي وابسمي للحياةِ … وحيِّي الربيعَِ، نجىَّ المِلاحْ
له الله من عبقري الفتونِ … صَناع البنان، ظليل الجناحْ
تراءى عليْهِ رداء النعيم … فيا حُسنه مُجتلى، حيث لاحْ
أطلَّ فأسفرَ بِشرُ الوجوهِ … وآبت بشاشةُ ثَغرِ الصباحْ
ومَّستْ يداهُ يَبيسَ الحقولِ … فعاد غزيرَ الجني والنفاحْ
وآوى إلى ظله اللاغبون … وألقوا هنالكَ عبَء الكِفاحْ
تعالى إلى روضةٍ بَرةٍ … وظِلِّ ندٍ، وصفاءٍ مُتاحْ
تعالى أبثَّكِ نجوى الفؤادِ … وأسِمْعِك شِبهَ أنين الرياحْ
تغلغل حبكِ بين الضلوعِ … وخالطَها مِثلَ ماءٍ وراحْ
فأحيا خيالي حتى استفاض … وأضحى بعيدَ مَجالِ السراحْ
جماَلكِ أوحى إليَّ القصيدَ … وما كنتُ قبلَكِ جَمَّ الصُّداحْ
نَعشتِ فؤادي بالذكرياتِ … وهَدْهدتِه بالمنى فاستراحْ
وعلَّمتِهِ من نشيدِ الحياةِ … لحوناً تَفيضُ بِروحِ الطِّماحْ
جراحُ الهوى، كالمنى، لذَّةً … فيا حُبِّ أيقظ دفين الجراحْ
دمشق
حلمي اللحام
стр. 3671
الجدول الحالم
تدفق كشعري بالحنان، ولا تكن … شحيحاً، فهذا الزهر نشوان من ضمَّكْ
ووقَّعْ أناشيد الحياة على الحصى … ودع صادحات الطير نثمل من لثمك
وسر حالماً ما بين عشبٍ منمق … وبين شجيراتٍ تضاحكن من حُلمِكْ
تدفق، لأنتَ النايُ يُلهِبُ خاطري … وأنت شبيهي في صداكَ وفي وسمكْ
تدفق، وُثرْ، وأبعث أغانيكُ حرةً … ولا تخشى مأفوناً يلوم ولا يدري
ألا إنما الألحان تملك منطقي … ولحنُك أولى أن يُغَني على شعري
ولحنك آلامي، ثَوَتْ مِلَء خافقي … سنين إلى أن رُعتَها أنت من فكري
ووثبك بين الرمل، وثبي لدى الصبي … وعهد الصبي أغلى الذي فات من عمري
ألا حبذا كوخٌ لديك ومرتعٌ … بشطك أقضي فيه أسعدَ أيامي
لقد ضقتُ ذرعاً بالحياة وأهلها … وشَردتُ في بحبوبة العمر أحلامي
ونفسي تخاف الناس، حتى كأنني … أعاشر عجماواتِ تسعى لإعدامي
منعت يميني عن تحية فاجرٍ … مخافة أن تدمى بمخلبه الدامي.!
الجدول الحالم
تدفق كشعري بالحنان، ولا تكن … شحيحاً، فهذا الزهر نشوان من ضمَّكْ
ووقَّعْ أناشيد الحياة على الحصى … ودع صادحات الطير نثمل من لثمك
وسر حالماً ما بين عشبٍ منمق … وبين شجيراتٍ تضاحكن من حُلمِكْ
تدفق، لأنتَ النايُ يُلهِبُ خاطري … وأنت شبيهي في صداكَ وفي وسمكْ
تدفق، وُثرْ، وأبعث أغانيكُ حرةً … ولا تخشى مأفوناً يلوم ولا يدري
ألا إنما الألحان تملك منطقي … ولحنُك أولى أن يُغَني على شعري
ولحنك آلامي، ثَوَتْ مِلَء خافقي … سنين إلى أن رُعتَها أنت من فكري
ووثبك بين الرمل، وثبي لدى الصبي … وعهد الصبي أغلى الذي فات من عمري
ألا حبذا كوخٌ لديك ومرتعٌ … بشطك أقضي فيه أسعدَ أيامي
لقد ضقتُ ذرعاً بالحياة وأهلها … وشَردتُ في بحبوبة العمر أحلامي
ونفسي تخاف الناس، حتى كأنني … أعاشر عجماواتِ تسعى لإعدامي
منعت يميني عن تحية فاجرٍ … مخافة أن تدمى بمخلبه الدامي.!
تدفق؛ وأنشدْ، إنني وحدي الذي … يعي كلَّ ما تلقيه من وَحي قيثاركْ
وغيري من الأحياء ألهتهمُ الدُنى … فصُموا جميعاً عن قريضي وأشعاركْ
لئن كنتَ مغموراً، فلحنك خالد … وكم ذائع الآثار يعنوُ لآثارك
شدونا كلانا يا غديرُ، فلم أصِبْ … مُصيخاً، ولم تُلف المذيعَ لأسرارك!
عبرتُ إليك اليوم، والضوء ضاحك … بصفحتك الخجلي، وقد قاض بشره
وقد هبط النسمُ الجريءُ للثمها … حدوباً، عظيمَ الشوق، يُسكرُ نُشْرُه
وغرَّدَ عصفورٌ على غصن دوحةٍ … أغاريد عربيد تزايدَ سُكرُهُ
وصفَّقَ قلبي في الضلوع محاولاً … عناقَكَ، كي يَهمي بمائكِ شعرُهُ
ألآقل عن الذكرى، وحدِّث عن الهوى … ولو أنَّ في ذاك الحديث شجيِ قلبي
وقُصَّ الذي تدريه عن ملعب الصبي … وعن حيرة النجوى، وعن لوعةِ الحب
وقُل عن عهود الغيد ما قد وعيته … لعل بما ترويه تنفى جوى الصَبِّ
وحَدِّثْ عن الأولى حديثاً مُفصلاً … فأنيَّ منها فزتُ بالأمل العذبِ
تدفق، وقل يا جدولي، هاهو الضحى … قد أنساب منه النورُ فوقك كالتبر
стр. 3672
تبسم، فهذا النسمُ هبَ مداعباً … مياهَك، فياضَ الطلاقة والبشر
وإن كنتَ لا ترضى عن الحسن والهوى … لأنك تلقى فيهما غاية الشَرِّ
فكن ثائراً، وارفع بألحانك النهى … إلى عالم سام من الطهر والبِرِّ. . .
أيَا جدولي المجهول، رَدِّدْ خواطري … ففيها شفاءٍ النفس من بعض أسقامي
ويا رُبَّ لحنٍ عاثرٍ متكاسلٍ … يُثيرُ نبوغي، أو يُحَفِّزُ إلهامي. .!
لَكَمْ نحت والإعصارُ يعوي مُدَمِّراً … بشطْيكَ، والأمواه تلطم أقدامي
وقد لاح في جوف الزعازع وأمضٌ … تألق نوراً من ذُرى الكوكبِ السامي
إلا فْلنُغَنِّ الآن للنجم، عَلَّةُ … يُضيءُ لنا ليلاً فتمضي المخاوفُ
لقد عشتُ مجهولاً بشطكِ مُهمَلاً … يُضيءُ لنا ليلاً فتمضي المخاوفُ
نزفتُ دمائي في مياهكَ كُلها … بربك قل لي ما عسى أنا نازف؟
عسى أن يشق النجمُ أسدافَ ليلنا … فتنقذنا الدنيا، ويُجْدِي التعارفُ!
مختار الوكيل
стр. 3673
من الأدب الفرنسي
والحب. . .؟
لأناتول فرانس
قرأت فيما قرأت كتيباً ألمانياً عنوانه (على هامش سفر الحياة) للأستاذ جرهار دامنتور، فيه عرض قوي صادق لمعيشة النساء اليومية المضنية، وقد ترى معي أن الحزن باد على هذا الجانب المظلم من الجنس اللطيف: (في سبيل مطالب الأسرة وحاجات الزوج والأولاد تفقد ربة البيت سناء جمالها، وتذهب غضارة وجهها، وتستهلك قوة بدنها، وتنخر مخ عظامها. فهذا السؤال الخالد المعاد (ماذا عسى أن نطبخ اليوم من طعام، ونهيئ من أدام) وذلك الاضطرار الملح إلى مسح البلاط، وتنظيف الغرف، ونفض الثياب، وغسل الأواني إنما، هما قطرة من ماء تتساقط دائمة دائبة، لا تفتأ تعمل في بطئ على انحلال جسد المرأة وعقلها حتى لا تبقى منها شيئاً، ولا تذر لها أثرا، وأمام الموقد المشبوب، في المطبخ المشؤوم يستحيل هذا المخلوق الصغير، الناصع الوردي، ذو الضحكة الساحقة البلورية إلى مومياء هزيلة سوداء تبعث في الرائي الكآبة والألم!! وبين يدي ذلك الوجاق الأدخن الأسخم، يطبخ عليه اللحم في القدر تناثرت ضحايا كريمة: (الشباب، الحرية، الجمال، اللذة).
هذه عبارات جرهار دامنتور، وهذا حظ الكثرة الغامرة في الدنيا من بنات حواء. فأن الحياة عسيرة ملتوية عليهن كما هي عسيرة ملتوية على الرجال، كل يئن من وعوثة الطريق ويرفع عقيرته بالشكوى والصراخ! ولو راح باحث يستعلم وجه العلة في ذلك لأيقن أن ليس في الإمكان أن يكون غير ما كان، وأن الحياة لا بد أن تكون مضنية لأن جميع مقوماتها ضئيلة تندر فوق كوكب صعب إنتاجه واستثماره؛ ولن يرجى تخفيف عبء الشقاء لأن أسباباً عميقة متغلغلة مصدرها شكل الأرض، وطبيعة تركيبها، ونوع نباتها وحيوانها تحتم وا أسفاه دوام هذا الحال، وتقتضي عسر المعاش إلى يوم القيامة. ومهما يكن من أمر توزيع العمل في الناس فأن جمهرة الرجال وعامة النساء لتنوء كواهلهم بحمل أعبائه، ولن ترى غير امرأتين أو ثلاث قد خلصن من متاعب البيت ثم تسللن إلى مواطن اللهو وخرجن إلى باحة الحياة ينشرن الظرف والجمال، على مواطن العطر الندى واللذة
стр. 3674
المتجددة، ويدخلن إلى النفوس الأماني والأحلام!! وإنما اللوم كله لا شك عائد على الطبيعة وحدها والحب، ما عسى أن يكون مصيره؟
لا نريد أن نعرف مصيره المنحدّر إليه ما دام الجوع عدوه اللدود وخصمه العنيد. ومن الواقع الذي لا يتطاول إليه الريب أن النساء جائعات أبداً، قد وكل إليهن أمر الطبخ في القرن العشرين كما وكل إليهن أمره في القرن التاسع عشر، اللهم إذا لم يرجع عهد هاتيك العصور النائية حين كان الصيادون يلتهمون فرائسهم ساخنة نيئة، وحين كانت فينوس - آلهة الحب والجمال - تجمع العشاق جميعاً وسط الإحراج ثم تفيض عليهم من وحيها ما شاءت لها العاطفة المشبوهة أن تفيض! يومئذ، ويومئذ فقط، كانت المرأة حرة طليقة قد تنصلت من تكاليف الحياة وخرجت على حدود الأسر والانكماش.
وهاأنذا أعترف إليكم بما يدور في خلدي، فاستمعوا لما أقول: لو كنت أنا خالق الجنسين من ذكر وأنثى لأبدعتهما على نحو يباين ما نعهده الآن فيهما من فقاريات لبون. كنت لا أخلق الرجل والمرأة على غرار القردة، وإنما أنشئهما على صورة الحشرات التي تكد وتعمل إذ تكون ديدانا، صغيرة ثم تنقلب إلى فراش جميل طائر يحيا حياة التشرد والهيام، لا شاغل له غير أن يحب وأن يحب! وكنت أضع طور الطفولة والشباب في آخر مراحل الوجود البشري. والواقع أن نوعاً معلوماً من الحشرات أثناء نموه وتطوره تبيد منه المعدة وتقوي الأجنحة، فهو إنما جاء إلى الدنيا بهذا الشكل المهذب ليتمتع منها ساعة أو ساعتين ثم يموت!
أجل! لو كنت إلهاً (أو أُليها (بالتصغير) لأن فلسفة الإسكندرية تعزو صنع هذا الكون إلى آله صغير أو شيطان مبدع) لو كنت أُليها لما اتخذت غير هذه الحشرات نمطاً أنسج على منواله الإنسان، وكنت أجعل المرء يتم جميع أموره المعيشية الغذائية وهو جنين، وفي هذا الطور الابتدائي لا أثر للغريزة الجنسية البتة ولا جوعيغشى الحب أو يلتهم معالمه، ثم أدفع الحياة إلى حيث يطير الرجل والمرأة على أجنحة رفافة، يتنقلان فوق الزهور، ويتذوقان ما يشتهيان ثم يموتان في معانقة وتقبيل. . . وهكذا أكون قد أكسبت الحياة الفانية جزاء وفاقا، ووضعت الحب تاجا على رؤوس الأحياء من بني آدم. ولعلك توافقني على أن ذلك خير وأبقى!!
стр. 3675
بيد أنني وا حسرتاه لم أخلق الكون، والإله المبدع لم يشاورني في الأمر، وأنا أشك فيما بيني وبين نفسي أن يكون قد استشار أحدا من الفلاسفة، ورجالات العلم والمعرفة.
حمص
محمد روحي فيصل
стр. 3676
تذكار الشاعرة الكونتس دي نواي ١٨٧٦ - ١٩٣٣
للأستاذ خليل هنداوي
خلاصة مقال نشرته مجلة في تموز الغابر للأديب (موريس را)
دي نواي والطبيعة
يقول (جابريول) إن الشاعرة الفتاة - صديقة الحدائق - قد تأثرت كثيرا بالشاعر الكبير (جامس) وقد وضح هذا التأثر في ديوانها (القلب الذي لا يمكن تعديده) فهناك تشابه قريب بين الروحين وبين الفنين. فمقطوعات الشاعر (جامس) (الآس البري الأزرق) و (شجرات الجوز ذات الأزهار البيضاء) و (طيب الغصون المبتورة قبل الشتاء، وهو ينتشر كالمحزون في أجواء الغابة) قد ألهمت (دي نواي) كثيرا. وهب أن (جامس) لم يكن مترنماً بهذه المقاطع، فهل كان باستطاعة (دي نواي) أن تستنزل ذلك الإلهام، وأن تخترق بروحها ما اخترقت من تلك الآفاق الواسعة. قد يكون الجواب لا، ولا ريب! ولكن مالنا ننكر على (دي نواي) براعتها وخصائصها، فهبها إنها كانت حميلة على (جامس) في كي ما أنتجت وأخصبت، فأن للشاعرة وراء هذا كله مجداً وبراعة خاصة. لقد أغارت على طائفة من معاني (جامس) إغارة روحية لا أدبية، ونظمت ما تلجلج فيه (جامس) نظماً رقيق الحواشي، لطيف التعبير، زاخراً بالعاطفة، جرت فيه على الأسلوب العاطفي، أسلوب (هوجو ولامرتين). أما هوجو فقد كان كثير الرؤى والأحلام و (بودلير) كان يعبث بالطيوب عبثا، أما (الكونتس) فقد فتحت قلبها للصباح وودت أن تلمسه وتذوقه بحاستي اللمس والذوق، كما تقول:
(أفتح فمي للهواء الذي ترطبه الانداء)
وفي موطن آخر تراها لا تشبعها الطيوب ولا الألوان ولا الألحان، تتذوقها وتظل جائعة نهمة، فتعلن أنها تود أن تلمس العالم والطبيعة بيدها، فنقول بلهجة صادقة:
(أريد أن ألمس عذوبة هذا الفضاء، هذه العذوبة الندية الزرقاء حيث العصافير السكارى تثب وتنفذ في مساربه كما تشاء)
فهي تريد أن تتذوق وأن تتروح وأن تلتمس وأن تلتهم جمال الصباح، هي تستطيع أن تقول مع (سانت انطوان) بنأليه الكون. (أريد أن يكون لي أجنحة، وأن أدخل في كل
стр. 3677
شيء، وأن أكون في كل شيء. أنتشر كالطيوب، وأنمو كالنبات، وأجري كالماء، وأرن كالألحان، وأسطع كالنور وأوتى جميع الأشكال، وأنفذ في كل شيء وهيئة، وأغور في أعماق المادة، وأكون بعد هذا كله - المادة. . .)
ودت الشاعرة أن تكون المادة بذاتها، فدنت منها وامتزجت مع الأشياء وقالت (سيكون جميلا وحقا إيماني. . . بأن قلبي المتوقد هو كهذه الكمثرى التي ينضج جلدها رويداً تحت أشعة الشمس). وتمنت أن تكون أحد الكائنات في الغاب، فقالت والجشع غالب عليها:
(من أين جئت؟ إن الوجود لم يحل العقدة التي تجمعني بهذا المرأى.
أنا بنفسي، أفق، وجدول، وكوكب، وغابة).
على أن رغبتها قد تثور فتأبى أن تماثل جسدها الهالك بكل أشياء هذا الوجود، ويهيج نهمها الذي لا يشبع فتخاطب الزمن قائلة:
(وأنا مثل الزمن. أنا قبل مصر العتيقة. وقبل اليونان. كنت في عهد الماء)
على أن مثل هذا الهذيان الخيالي قد يدعو إلى الابتسام، وإذا كانت الشاعرة - في واديها الذي هامت فيه - لم تخلص نفسها من تأثير أترابها الشعراء فيها، ولم تجد لمسراتها التي تفننت بها ألحانا جديدة قوية، فأنها قد جارتهم وبزتهم في كثير من مقاطعها، وابتدعت لنفسها أفقا جديدا، وإذا أدرك الشعراء الطبيعة وفهموا معانيها ورأوا ألوانها، وتنشقوا أريجها، فهي قد تروحت هذا الأرج وأصغت إلى ألحان الطبيعة التمتامة، ولمست أشياءها وأكلتها وشربتها.
أليس هذا نهمها الشعري يبدو في ثنايا سطورها؟
وهكذا أجدني أستطيع أن أطرح بيدي للا نهاية فإذا كل شيء دان من فمي، لا يمتنع عنه شيء)
وإذا ما هبت النسائم العاطرة تروحت شذا خمور (آسيا)
(وهذه الريح المهيمنة. . .
المزودة بالسماء والفضاء، والمناظر الواسعة
هي شبيهة بهذه الخمور القادم شذاها من (آسيا)
وإذا ما جنحت الشمس للغروب وكان الأفق هادئا جميلا، خيل لها أن الطبيعة نفسها قد
стр. 3678
استحالت كلبة جميلة أمينة مستوية على حضنها).
(وكنت أحس أن هذا المساء الأنيس
يهرع إلى من كل صوب ومن كل طريق لينام بين يدي)
فيالها من ساحرة نهمة لا تشبع، ويالها من غادة مجوسية - كما دعاها مارسيل بروست - هذه الغادة النهمة التي لا تقنع بإرسال طرفها في الكون، ولا بالإصغاء إلى أصواته، ولا بتروح شذاه، فهي تعمل على أن تلمس وأن تلتهم الوجود إلتهامة الشره. ولهذه الرغبة الملتهبة والصور القوية المكتنزة يعود سر استعمالها للألفاظ (اللحمية) في شعرها، ودي نواي الشاعرة هي التي كتبت (لأندريه جيد) عن الأطعمة الترابية - بكل ما في معنى الكلمة حتى أنزلت الطبيعة والحياة عندها منزلة (راحة الحلقوم) (إن الهواء الحار يحمل إلى أريكة تتهافت عليها روحي وفجاجة هذا المرج الأخضر هي في عيني مائدة فاخرة)
لكن إغراقها كثيرا في التشابيه والمجازات قد يضل القارئ عن أغراض المقطوعة وعن قصد الشاعرة.
قد تكون وجهتها في شعرها وجهة (جامس) في شعره، فأن (جامس) قد تغنى بجبال (البيرية) التي حنت على طفولته وشدا بجمالها الساحر بألحان صادقة سامية رائعة، و (دي نواي) قد تغنت بحدائق (فالوا) الفينانة، وبدت شرقيتها في كل ما نظمت هذه الشرقية المغمضة، فكانت تتروح عطور المشرق وتجد ألوان جزائر (الأرخبيل) وتذكر الأرض وقد حالت عند المغيب شعلة ملتهبة، هذه المناظر وهذه الأكوان قد آثرتها على كل شيء ووصفتها وحبتها بالألوان والشذا وبكل تلك الخاطرات السامية التي تموج في قلبها.
قال أحد نقادها بعد وفاتها (إن دي نواي قد أحبت التراب القدسي الذي يولد منه كل شيء، وإليه كل شيء يعود، هذا المعبد الذي تتعاقب عليه الفصول الأربعة تعاقبا متشابها. أحبت في الأرض تلك المرضع التي يفيض قلبها رأفة وحنانا، والتي تسمو عن الإنسان القاسي على الضعفاء)
وإذا تأمل قارئ (دي نواي) في شعرها يدرك أن هذا رأي خاطئ، لأن الشاعرة لم تقدس الأعمال ولا الأيام. لكنها كانت كإحدى كاهنات (أدونيس) أو (باخوس) تحمل في صدرها ملذات حساسة متيقظة. وهي لا تتخذ الطبيعة موضوعا لها، بل تتخذ موضوعها نفسها،
стр. 3679
وإذا ما خرجت عن نفسها لتتحد مع النجوم الساهرة، أو لتمتزج مع الأطياف التي تخلقها بخيالها، فإنما تريد من وراء هذا كله أن تنمي وجودها، وتستخلص من الوجود مسراتها النادرة.
وهي القائلة عن نفسها: (قد أكون غير مجدية، ولكن فراغي لا يملؤه أحد)
(يتبع)
خليل هنداوي
стр. 3680
العلوم
ويسألونك عن الأهلة
للدكتور أحمد زكي
- ٢ -
ملعوب القمر
نظر الإنسان من قديم إلى القمر، فوجد بعض سطحه نيِّرا كثير النور، وبعضه قاتما قليل القتومة، فتخيل عنه الأخيلة.
وجاء التلسكوب فنظر إليه منه فزاد تفصيل ما كان يراه أجمالا، فرأى مناطق الأنوار قد اتسعت، ومناطق الظلال قد امتدت، وتداخل النور في الظل، وتداخل الظل في النور، وتمثلت في ذهنه صورة الكرة الأرضية ببحارها الواسعة وقارَّاتها المديدة، وعرف البحر يدخل في الأرض، وعرف الأرض تدخل في البحر؛ وعلم أن الأرض تكون بها الجبال العالية الرواسي فتظهر في الشمس للرائي البعيد واضحة وضاءة، وتكون بها الوديان المنخفضة المستورة فتظهر في الشمس للرائي البعيد قاتمة معتمة، فطبق الإنسان علمه الأرضي على ما أرتاه في القمر من ظلال وأنوار، ورسم الرسامون خرائط لوجه القمر كثيرة دقيقة، فأما المناطق التي برزت بنصاعتها فأعطوها أسماء فلاسفة معروفين، أو فلكين مشهورين، لأنهم خالوها جبالا شواهق خالة فتخلد أسماءهم، وأما المناطق التي امتازت بحلوكتها فحسبوها بحار أو محيطات فأسموها البحر الحبيس والمحيط العاصف.
وغير ذلك من أسماء تسلس في السمع وتجوز في الإفهام وزاد الإتقان في صناعة التلسكوبات فاحتد بها بصر الإنسان ودقة ملاحظاته، واستخدم التصوير الشمسي في التقاط ما يرى من صور، فعلم من أمر القمر ما لم يكن يعلم، ومع ذلك احتفظ علم الفلك بالأسماء الرنانة التي وضعت قديما أعلاما على مناطق القمر.
ويظهر إن الإنسان عز عليه فقدان هذا الحلم العزيز، فلما قام صوت يجدده ويحييه منذ مائة عام وجد له آذانا تصغي وقلوبا تؤمن. ذلك إن العالم الفلكي المعروف الدكتور جون هرشل ذهب في بعثة إلى جنوب أفريقيا لدراسة النجوم في وسط السماء الجنوبي كما درسها في
следующие страницы →