← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

تذكار الشاعرة الكونتس دي نواي ١٨٧٦ - ١٩٣٣ للأستاذ خليل هنداوي خلاصة مقال نشرته مجلة في تموز الغابر للأديب (موريس را) دي نواي والطبيعة يقول (جابريول) إن الشاعرة الفتاة - صديقة الحدائق - قد تأثرت كثيرا بالشاعر الكبير (جامس) وقد وضح هذا التأثر في ديوانها (القلب الذي لا يمكن تعديده) فهناك تشابه قريب بين الروحين وبين الفنين. فمقطوعات الشاعر (جامس) (الآس البري الأزرق) و (شجرات الجوز ذات الأزهار البيضاء) و (طيب الغصون المبتورة قبل الشتاء، وهو ينتشر كالمحزون في أجواء الغابة) قد ألهمت (دي نواي) كثيرا. وهب أن (جامس) لم يكن مترنماً بهذه المقاطع، فهل كان باستطاعة (دي نواي) أن تستنزل ذلك الإلهام، وأن تخترق بروحها ما اخترقت من تلك الآفاق الواسعة. قد يكون الجواب لا، ولا ريب! ولكن مالنا ننكر على (دي نواي) براعتها وخصائصها، فهبها إنها كانت حميلة على (جامس) في كي ما أنتجت وأخصبت، فأن للشاعرة وراء هذا كله مجداً وبراعة خاصة. لقد أغارت على طائفة من معاني (جامس) إغارة روحية لا أدبية، ونظمت ما تلجلج فيه (جامس) نظماً رقيق الحواشي، لطيف التعبير، زاخراً بالعاطفة، جرت فيه على الأسلوب العاطفي، أسلوب (هوجو ولامرتين). أما هوجو فقد كان كثير الرؤى والأحلام و (بودلير) كان يعبث بالطيوب عبثا، أما (الكونتس) فقد فتحت قلبها للصباح وودت أن تلمسه وتذوقه بحاستي اللمس والذوق، كما تقول: (أفتح فمي للهواء الذي ترطبه الانداء) وفي موطن آخر تراها لا تشبعها الطيوب ولا الألوان ولا الألحان، تتذوقها وتظل جائعة نهمة، فتعلن أنها تود أن تلمس العالم والطبيعة بيدها، فنقول بلهجة صادقة: (أريد أن ألمس عذوبة هذا الفضاء، هذه العذوبة الندية الزرقاء حيث العصافير السكارى تثب وتنفذ في مساربه كما تشاء) فهي تريد أن تتذوق وأن تتروح وأن تلتمس وأن تلتهم جمال الصباح، هي تستطيع أن تقول مع (سانت انطوان) بنأليه الكون. (أريد أن يكون لي أجنحة، وأن أدخل في كل

стр. 3677

شيء، وأن أكون في كل شيء. أنتشر كالطيوب، وأنمو كالنبات، وأجري كالماء، وأرن كالألحان، وأسطع كالنور وأوتى جميع الأشكال، وأنفذ في كل شيء وهيئة، وأغور في أعماق المادة، وأكون بعد هذا كله - المادة. . .) ودت الشاعرة أن تكون المادة بذاتها، فدنت منها وامتزجت مع الأشياء وقالت (سيكون جميلا وحقا إيماني. . . بأن قلبي المتوقد هو كهذه الكمثرى التي ينضج جلدها رويداً تحت أشعة الشمس). وتمنت أن تكون أحد الكائنات في الغاب، فقالت والجشع غالب عليها: (من أين جئت؟ إن الوجود لم يحل العقدة التي تجمعني بهذا المرأى. أنا بنفسي، أفق، وجدول، وكوكب، وغابة). على أن رغبتها قد تثور فتأبى أن تماثل جسدها الهالك بكل أشياء هذا الوجود، ويهيج نهمها الذي لا يشبع فتخاطب الزمن قائلة: (وأنا مثل الزمن. أنا قبل مصر العتيقة. وقبل اليونان. كنت في عهد الماء) على أن مثل هذا الهذيان الخيالي قد يدعو إلى الابتسام، وإذا كانت الشاعرة - في واديها الذي هامت فيه - لم تخلص نفسها من تأثير أترابها الشعراء فيها، ولم تجد لمسراتها التي تفننت بها ألحانا جديدة قوية، فأنها قد جارتهم وبزتهم في كثير من مقاطعها، وابتدعت لنفسها أفقا جديدا، وإذا أدرك الشعراء الطبيعة وفهموا معانيها ورأوا ألوانها، وتنشقوا أريجها، فهي قد تروحت هذا الأرج وأصغت إلى ألحان الطبيعة التمتامة، ولمست أشياءها وأكلتها وشربتها. أليس هذا نهمها الشعري يبدو في ثنايا سطورها؟ وهكذا أجدني أستطيع أن أطرح بيدي للا نهاية فإذا كل شيء دان من فمي، لا يمتنع عنه شيء) وإذا ما هبت النسائم العاطرة تروحت شذا خمور (آسيا) (وهذه الريح المهيمنة. . . المزودة بالسماء والفضاء، والمناظر الواسعة هي شبيهة بهذه الخمور القادم شذاها من (آسيا) وإذا ما جنحت الشمس للغروب وكان الأفق هادئا جميلا، خيل لها أن الطبيعة نفسها قد

стр. 3678

استحالت كلبة جميلة أمينة مستوية على حضنها). (وكنت أحس أن هذا المساء الأنيس يهرع إلى من كل صوب ومن كل طريق لينام بين يدي) فيالها من ساحرة نهمة لا تشبع، ويالها من غادة مجوسية - كما دعاها مارسيل بروست - هذه الغادة النهمة التي لا تقنع بإرسال طرفها في الكون، ولا بالإصغاء إلى أصواته، ولا بتروح شذاه، فهي تعمل على أن تلمس وأن تلتهم الوجود إلتهامة الشره. ولهذه الرغبة الملتهبة والصور القوية المكتنزة يعود سر استعمالها للألفاظ (اللحمية) في شعرها، ودي نواي الشاعرة هي التي كتبت (لأندريه جيد) عن الأطعمة الترابية - بكل ما في معنى الكلمة حتى أنزلت الطبيعة والحياة عندها منزلة (راحة الحلقوم) (إن الهواء الحار يحمل إلى أريكة تتهافت عليها روحي وفجاجة هذا المرج الأخضر هي في عيني مائدة فاخرة) لكن إغراقها كثيرا في التشابيه والمجازات قد يضل القارئ عن أغراض المقطوعة وعن قصد الشاعرة. قد تكون وجهتها في شعرها وجهة (جامس) في شعره، فأن (جامس) قد تغنى بجبال (البيرية) التي حنت على طفولته وشدا بجمالها الساحر بألحان صادقة سامية رائعة، و (دي نواي) قد تغنت بحدائق (فالوا) الفينانة، وبدت شرقيتها في كل ما نظمت هذه الشرقية المغمضة، فكانت تتروح عطور المشرق وتجد ألوان جزائر (الأرخبيل) وتذكر الأرض وقد حالت عند المغيب شعلة ملتهبة، هذه المناظر وهذه الأكوان قد آثرتها على كل شيء ووصفتها وحبتها بالألوان والشذا وبكل تلك الخاطرات السامية التي تموج في قلبها. قال أحد نقادها بعد وفاتها (إن دي نواي قد أحبت التراب القدسي الذي يولد منه كل شيء، وإليه كل شيء يعود، هذا المعبد الذي تتعاقب عليه الفصول الأربعة تعاقبا متشابها. أحبت في الأرض تلك المرضع التي يفيض قلبها رأفة وحنانا، والتي تسمو عن الإنسان القاسي على الضعفاء) وإذا تأمل قارئ (دي نواي) في شعرها يدرك أن هذا رأي خاطئ، لأن الشاعرة لم تقدس الأعمال ولا الأيام. لكنها كانت كإحدى كاهنات (أدونيس) أو (باخوس) تحمل في صدرها ملذات حساسة متيقظة. وهي لا تتخذ الطبيعة موضوعا لها، بل تتخذ موضوعها نفسها،

стр. 3679

وإذا ما خرجت عن نفسها لتتحد مع النجوم الساهرة، أو لتمتزج مع الأطياف التي تخلقها بخيالها، فإنما تريد من وراء هذا كله أن تنمي وجودها، وتستخلص من الوجود مسراتها النادرة. وهي القائلة عن نفسها: (قد أكون غير مجدية، ولكن فراغي لا يملؤه أحد) (يتبع) خليل هنداوي

стр. 3680

العلوم ويسألونك عن الأهلة للدكتور أحمد زكي - ٢ - ملعوب القمر نظر الإنسان من قديم إلى القمر، فوجد بعض سطحه نيِّرا كثير النور، وبعضه قاتما قليل القتومة، فتخيل عنه الأخيلة. وجاء التلسكوب فنظر إليه منه فزاد تفصيل ما كان يراه أجمالا، فرأى مناطق الأنوار قد اتسعت، ومناطق الظلال قد امتدت، وتداخل النور في الظل، وتداخل الظل في النور، وتمثلت في ذهنه صورة الكرة الأرضية ببحارها الواسعة وقارَّاتها المديدة، وعرف البحر يدخل في الأرض، وعرف الأرض تدخل في البحر؛ وعلم أن الأرض تكون بها الجبال العالية الرواسي فتظهر في الشمس للرائي البعيد واضحة وضاءة، وتكون بها الوديان المنخفضة المستورة فتظهر في الشمس للرائي البعيد قاتمة معتمة، فطبق الإنسان علمه الأرضي على ما أرتاه في القمر من ظلال وأنوار، ورسم الرسامون خرائط لوجه القمر كثيرة دقيقة، فأما المناطق التي برزت بنصاعتها فأعطوها أسماء فلاسفة معروفين، أو فلكين مشهورين، لأنهم خالوها جبالا شواهق خالة فتخلد أسماءهم، وأما المناطق التي امتازت بحلوكتها فحسبوها بحار أو محيطات فأسموها البحر الحبيس والمحيط العاصف. وغير ذلك من أسماء تسلس في السمع وتجوز في الإفهام وزاد الإتقان في صناعة التلسكوبات فاحتد بها بصر الإنسان ودقة ملاحظاته، واستخدم التصوير الشمسي في التقاط ما يرى من صور، فعلم من أمر القمر ما لم يكن يعلم، ومع ذلك احتفظ علم الفلك بالأسماء الرنانة التي وضعت قديما أعلاما على مناطق القمر. ويظهر إن الإنسان عز عليه فقدان هذا الحلم العزيز، فلما قام صوت يجدده ويحييه منذ مائة عام وجد له آذانا تصغي وقلوبا تؤمن. ذلك إن العالم الفلكي المعروف الدكتور جون هرشل ذهب في بعثة إلى جنوب أفريقيا لدراسة النجوم في وسط السماء الجنوبي كما درسها في

стр. 3681

نصفها الشمالي، ولما وصلها أنطلق قلم بعض الكتاب يصف ما وجدت البعثة من العجائب وما كشفته في القمر من غرائب، وذلك على صفحات جريدة بالولايات المتحدة ذات مكانة رفيعة وحرمة معروفة أسمها (شمس نيويورك) ذكر الكاتب كيف اهتدى الدكتور (هرشل) بعد مناقشة علمية طويلة بينه وبين العالم الفيزيائي السير دافيد إلى صنع تلسكوب جديد يستخدم فيه الضوء الصناعي في توضيح الصورة البؤرية للمرئيات، وأفاض في تفصيل تلك المناقشة وذكر فيها كثيرا من نظريات الضوء وقواعده ومعقداته، وقدَّر العالمان نفقه هذا المخترع الجديد فكانت سبعين ألفا من الجنيهات، فبعثا إلى صاحب الجلالة الملك وليم الرابع بجملة الأمر، وكان جلالته يهتم بالبحار أكثر من اهتمامه بالأقمار، فسأل هل يفيد هذا المنظار الجديد الملاحة؟ فكان الجواب نعم، فأمضى لهما حوالة بيضاء يرقمان فيها المال الذي يريدان. وصنع المنظار وجاء دور الرؤية فكانت رؤيا. نظر (هرشل) إلى القمر لأول مرة فماذا رأى؟ (أخذ أول الأمر يتفقد أراضي القمر وآفاقه أحمالا فرأى من ذلك عجبا؛ رأى بلورات لامعة تشع منها ألوان مختلفة جميلة كالتي تشع من الجواهر والأحجار الكريمة، إلا إنها ذات جرم هائل، فهي أشبه شيء بأعمدة (الاستالا كتيت) البديعة التي تتدلى من سقوف الغيران. ورأى رواسب الذهب تغمر السفوح والقيعان) ثم دار بمنطاده فوقع على غابة قمرية (بها أشجار عظيمة اختلفت أجناسها ولمعت أوراقها وتلونت أزهارها، وطالت بعض فروعها العالية وتدلّت حتى نالت الأرض. ونمت هذه الغابة إلى جانب بحر ذي ضياء سحري كأنما سكنته الحور. . .) وأخيرا وقع على حيوانات القمر فرأى (قطيعا من ذوات الأربع سمراء اللون أشبه شيء بثيران البيسون، يتميز بغشاء من اللحم نما كالمظلة على العينين وامتد حتى اتصل بالأذنين، هو لا شك وقاية من صنع الطبيعة أرادت بها حفظ أبصارها من ضوء يشتد على هذا الجانب من القمر حتى يبهر العين ويؤذيها. واتضح بعد نظرات عديدة أخرى أن حيوانات القمر كلها تشترك في حمل هذا الحجاب الساتر) ثم دار (هرشل) بمنظاره هنا وهنا، وبعد لأي (رأى جماعة من الطير تهبط إلى جانب غابة صغيرة، ولما مست أرجلها الأرض اختفت أجنحتها واستقام عودها ومشت مشية الإنسان) وذات يوم استيقظت البعثة على صوت هاتف يهتف: النار النار. فهرعوا إلى ناحية الصوت فوجدوا أنهم كانوا في الليل غفلوا عن أن يوجهوا

стр. 3682

المنظار غير وجهة المشرق، فلما طلعت الشمس أصابت عدساته فتركزت على ما وراءها فأحرقته وأحرقت المرصد بما فيه، وأدهى من ذلك وأنكى إنها أساحت زجاج المنظار نفسه وأتلفت مراياه فخيم على المعسكر يأس شديد) هذه كلها بالطبع قصة من خلق كاتبها، أطالها ومدد فيها واستعار لها لغة العلم، وقواعد العلم، ونقاش العلم، فسبكها وحبكها وأطلعها على الناس من فوق منبر معروف، فجرت الشائعة فيهم بالتصديق. ولم تلبث أن جرت فيهم بعد حين شائعة أخرى بالتكذيب. وأسماها التاريخ (ملعوب القمر وكلن لهذا الملعوب معان كثيرة، وكان له عبر كثيرة، وكانت له مغاز كثيرة، أقلها أن الناس أسرع ما يكونون إلى تصديق الخيال الكاذب الملون منهم إلى الإيمان بالحقيقة العاطلة القاسية. أما الحقيقة، فليست أدرى أهي عاطلة أم قاسية، فهي أن القمر بلقع أجرد، لا ماء فيه ولا نبات ولا حياة. يتبع أحمد زكي

стр. 3683

القصص السهم الأعظم أوسكار وايلد ترجمة الأستاذ بشير الشريقي كانت الحفلات في كل مكان لأن أبن الملك على أهبة الزواج، لقد انتظر عروسه، وهي أميرة روسية، عاما كاملا؛ وأخيرا جاءته مجتازة إليه المسافة الطويلة من (فنلاند) على زحافة يجرها ستة دببة، تشبه في شكلها إوزة كبيرة من الذهب، وبين أجنحة هذه الإوزة اضطجعت الأميرة الصغيرة ملتفعة ببرنس من الفرو يصل إلى قدميها، وعلى رأسها قبعة من الدمقس الفضي، وكانت في صفرة وجنتيها تشبه قصر الثلج الذي عاشت فيه، حتى أن الشعب كان كلما رآها تجتاز في عربتها شوارع المدينة يهتف معجبا: (إنها كالوردة البيضاء) ويرمي عليها الأزهار من الشرفات. وعند باب القصر وقف الأمير ينتظر عروسه، تزين وجهه عينان عسليتان حالمتان، وشعر كالذهب المصقول، حتى إذا رآها جثا على ركبته وقبل يدها متمتماً (كم كانت صورتك جميلة، ولكنك أجمل بكثير من صورتك) فاحمرت وجنتا الأميرة الصغيرة حياء. . قال وصيف إلى رفيقه - كانت من قبل كالوردة البيضاء - ولكنها الآن (كالوردة الحمراء) وعم القصر السرور. مضت ثلاثة أيام على مجيء الأميرة، وكل شخص في المملكة كان يردد خلالها (الوردة البيضاء، الوردة الحمراء، الوردة البيضاء). كما إن الملك قد أمر بمضاعفة رواتب الوصفاء والوصيفات. ولما كان الوصيف لا يأخذ راتباً لم يثر ذلك اهتمامه إلا من ناحية أن أمر الملك الذي نشر في جريدة القصر، كان بذاته شرفاً عظيما له. وكان اجتماعا حافلا هذا الذي سار فيه العروسان ويد كل منهما في يد الآخر، تحت مظلة من القطيفة الأرجوانية الموشاة باللآلئ. ثم كانت وليمة الدولة التي دامت خمس ساعات، وقد جلس فيها الأمير والأميرة في صدر القاعة الكبيرة، وشربا في كأس من البلور الصافي لا يشرب فيها إلا المحبون المخلصون،

стр. 3684

لأن شفاء الغدر لا تمسه حتى يأخذها القتام والتلبد. قال الوصيف الصغير: - من الواضح أنهما متحابان، ذلك واضح وضوح البلور، فضاعف له الملك راتبه للمرة الثانية. صاح رجال البلاط - ياله من شرف عظيم! وبعد الوليمة كان الرقص، وكان على الأمير والأميرة أن يرقصا معا (رقصة الوردة) ووعد الملك أن يعزف بالناي، ولكنه لم يحسن العزف أبدا، ولم يجرؤ أحد أن يخبره بذلك، لأنه الملك لم يكن عارفا إلا بنغمتين اثنتين، وقد ظل حائرا أيهما يختار، مع أن الأمر أهون من ذلك إذ ما من شخص إلا كان على استعداد لأن يصيح مهما كان عزف الملك - هذا هو السحر. هذا هو السحر! وكان آخر ما في البرنامج استعراض الأسهم النارية عند منتصف الليل. ولم تكن الأميرة الصغيرة قد شاهدت انطلاق هذه الأسهم من قبل. لذلك أمر الملك صاحب الأسهم النارية الملكي أن يكون على استعداد ليلة الزفاف. سألت العروس الأمير - ماذا تشبه الأسهم النارية؟ قال الملك وكان يحب دائماً على الأسئلة الموجهة إلى غيره - إنها تشبه شفق الصباح، ولكنها أكثر بساطة؛ أنا شخصيا أفضلها على النجوم، إنها مبهجة بقدر ما يبهج عزفي على الناي؛ من المؤكد أنك سوف ترينها. وهكذا انصبت منصة كبيرة عند نهاية حديقة الملك، وحالما وضع صاحب الأسهم النارية الملكي كل شيء في مكانه الخاص أخذت الأسهم النارية تكلم بعضها بعضا. صاح صاروخ صغير - حقا أن العالم جميل، وأني لمغتبط لأني قد تنقلت. أن الترحال يروح القلب، ويريض العقل، ويمحو ما كمن في النفس من تعصب. قالت شمعة رومانية كبيرة - أن حديقة الملك ليست العالم أيها الصاروخ الغبي. . العالم مكان واسع جدا، ولتشاهده تماما تحتاج إلى ثلاثة أيام بطولها. هتف دولاب كثير التفكير قد ثبت إلى صندوق قديم - أي مكان تحبه فهو العالم عندك - ولكن الحب لم يعد رائجا في هذه الأيام، لقد قتله الشعراء الذين تكلموا عنه كثيرا حتى لم يعد يصدقهم أحد. . المحب المخلص يتألم في صمت. . وأني لأذكر أيام ألـ. . ولكن ليس

стр. 3685

من الضروري الآن. . الحب شيء جميل عرفه القدماء. . قالت الشمعة الرومانية - كلام هراء! الحب لا يموت أبدا، إنه كالقمر، وسيعيش إلى الأبد. أضرب لك مثلا: العروسان، أنهما متحابان كل الحب، لقد علمت هذا الصباح كل شيء عنهما من ورقة سمراء حدث أن كانت في نفس الدرج الذي كنت فيه: وهي تعرف آخر أخبار البلاط. ولكن الدولاب القديم هز رأسه وتمتم - مات الحب، مات الحب، مات الحب؛؛. لقد كان من هؤلاء الذين يظنون أنك إذا أعدت الشيء الواحد مرارا عديدة يصبح في النتيجة حقيقية. وفجأة سمع سعال خشن رنان، فالتفت الجميع ليعرفوا مصدره فإذا به آت من سهم طويل له منظر المتشامخ قد ربط إلى نهاية عصا طويلة، وكان من عادته أن يسعل قبل أن يبدي أية ملحوظة، وذلك ليسترعي الأسماع. قال - أهيم أهيم وأصغى الجميع إلى الدولاب المسكين الذي ظل يهز رأسه - متمتما (مات الحب). صاحت مفرقعة - النظام. . النظام.) لقد كانت سياسية من بعض النواحي وكان لها دائما عمل معلوم في الانتخابات المحلية، لذلك عرفت كيف تستعمل التعابير البرلمانية الخاصة. قال الدولاب في خفوت - مات الحب ثم أخذه النوم. ولما عم الصمت، وانتشرت السكينة، سعل السهم للمرة الثالثة وأنشأ يتكلم، لقد تكلم بصوت هادئ جداً وواضح جداً كما لو كان يملي أفكاره إملاء. وكان ينظر دائما إلى أعلى أكتاف الشخص الذي يخاطبه؛ وفي الواقع كان أسلوبه رائعا. . قال - من حسن حظ أبن الملك أنه سيتزوج في نفس اليوم الذي سأنطلق فيه! حقيقة رُب صدفة خير من ميعاد؛ ولكن الأمراء موفقون دائما. قال الصاروخ الصغير - يا عزيزي أظن الأمر على العكس تماما، فأننا سوف ننطلق على شرف الأمير. أجاب - قد يكون ذلك صحيحا بالنسبة إليك. بل أني لا أشك فيه، ولكن الأمر معي يختلف جداً. . أنني سهم عريق في المجد. . وقد تحدرت من أبوين نبيلين، كانت أمي أعظم (عجلة) في عصرها، وكانت مشهورة برقصها البديع، وقد عاشت معللة بأحسن البارود،

стр. 3686

وكان والدي شبيها بي، ومن أصل فرنسي، إذا أنطلق ارتفع جداً حتى كان الناس يخشون أن لا يعود إليهم. . ولكنه كان يعود، وكثيراً ما كتبت الصحف عن أعماله بعبارات الإطراء والإعجاب. وفي الحق أن جريدة البلاط قد لقبته ببطل (الأسلم النارية). قال الضوء البنغالي - تريد أن تقول (الأسهم النارية. . الأسهم النارية. .!) أجاب السهم بلهجة خشنة - حسن، لقد قلت الأسهم النارية، ثم استمر في حديثه. . لقد كنت أقول. . لقد كنت أقول. . ماذا كنت أقول!؟ أجابت الشمعة الرومانية - كنت تتحدث عن نفسك - طبعاً أنا أعلم بأني كنت أبحث في موضوعات طلية حينما قوطعت بكل وقاحة. . أنا أمقت الوقاحة والرديء من الصفات، لأنني حساس بأوسع معاني هذه الكلمة. . ما أظن أن في العالم من هو أقوى شعوراً مني. . أنني متأكد تماماً من ذلك. قالت المفرقعة للشمعة الرومانية - من هو الشخص الحساس!؟ أجابت الشمعة الرومانية في همس لا يكاد يسمع - هو الذي يطأ دائما أصابع أقدام الآخرين. فانفجرت المفرقعة عن هدير من الضحك. السهم محنقاً - أرجوك، علام تضحكين! أنا لست أضحك أجابت المفرقعة - أنني أضحك لأنني مسرورة. قال السهم غضبان - أنه لعذر أقبح من ذنب. يدل على أنانيتك المفرطة، قولي ما الذي يجيز لك أن تكوني مسرورة. . يجب أن تفكري في الغير، بمعنى أنك يجب أن تفكري في: أنني أفكر دائما في نفسي، وأني لأتوقع من كل شخص أن يفعل فعلي، ذلك ما يسمونه (الأثرة) وأنها لنعم الفضيلة، لنفترض على سبيل المثال، أنه قد حدث لي مكروه الليلة فكيف يكون حال كل واحد؟ الأمير والأميرة لن يسرا بعد ذلك، وستنقلب حياتهما الزوجية رأساً على عقب، وكذلك الملك فأن اضطرابه سيكون عظيما أيضاً. حقيقة أني لا أكاد أبداً في تصوير خطر مركزي حتى تغلبني الدموع فصاحت الشمعة الرومانية - أرى الأفضل لك إذا كنت تحب الخير للغير أن تبقى جافاً.

стр. 3687

وهتف الضوء البنغالي - بالتأكيد، هذا ما يقضى به الشعور العادي. . قال السهم في استهزاء - الشعور العادي. . حقاً لقد نسيتم بأني غير عادي، وأني عظيم جداً. . لماذا. كل شخص يمكن أن يكون ذا شعور عادي ولكن يكون محروم الخيال، أما أنا فخيالي لأني لا أنظر إلى الأشياء كما هي أبداً. . أني أفكر فيها من ناحية بعيدة عن الحقيقة. حقاً لا يوجد بينكم من يحمل قلباً. . أنكم تضحكون وتلهون كأن الأمير والأميرة لم يقترنا الساعة. هتف منطاد ناري صغير - حسن حقاً. . ولماذا لا نضحك ولا نلهو. . إنها خير فرصة نغتنمها للسرور، لقد صممت أن أخبر النجوم عن ليلتنا، حين احلق في الهواء. . وسوف تراها تتلألأ حين أحدثها عن العروس الجميلة. . قال السهم - آه ياله من رأي سخيف. . ولكن هذا ما كنت انتظره. . لا شيء فيك، أنك منتفخ فارغ. . لماذا. . قد يذهب الأمير والأميرة ليعيشا في بلاد يجري فيها نهر كبير. . وقد ينجبان ولداً وحيدا ذا شعر جميل وعينين عسليتين كعيني الأمير، وقد يخرج في أحد الأيام يسير مع وصيفته، وقد تذهب الوصيفة لتنام تحت الشجرة الكبيرة الضخمة، وقد يسقط الولد الصغير في النهر العميق ويغرق، أن من المصائب الهائلة، أيها الناس المساكين أن يفقد الأمير والأميرة ولدهما الوحيد. قالت الشمعة الرومانية - ولكنهما لم يفقدا ولدهما الوحيد ولم يحدث لهما مكروه. أجاب السهم - أنا لم أقل أنه قد حدث ذلك لهما، بل قلت أنه قد يحدث لو أنهما فقدا حقيقة لما كان من ضرورة للبحث في الموضوع، أنني أكره الذين يبكون على الحليب المراق، ولكن حين أفكر أنهما قد يفقدان ولدهما الوحيد أشعر بألم عظيم. صاح الضوء البنغالي - حقيقة تشعر بألم عظيم بمعنى أنك أرق شخص عرفته في حياتي. قال السهم - إنك أغلظ شخص عرفته في حياتي. وإنك لا تستطيع أن تفهم صداقتي للأمير. فزمجرت الشمعة الرومانية قائلة - ماذا؟ أنت لا تعرفه معرفة مجردة أجاب السهم - أنا لم أقل أبداً بأنني أعرفه. . وأني أعلن بكل جرأة بأني إذا عرفته سوف لا أكون صديقا؛ إنه لأمر جد خطير أن يعرف المرء صديقه؛

стр. 3688

قال المنطاد الناري - حقاً أن من الأفضل لك أن تظل جافاً، هذا هو الأمر المهم. أجاب السهم - مهم جداً بالنسبة إليك - أنا لا أشك في ذلك، أما أنا فسأبكي حين أشاء؛ وبالفعل تفجرت منه دموع حقيقة، جرت على عصاه كنقط المطر. فأغرقت خنفستين صغيرتين في اللحظة التي كانتا فيها تفكران في بناء بيت لهما وتفتشان عن بقعة جيدة جافة تعيشان فيها. قال الدولاب - يجب أن يكون ذا طبيعة خيالية حقيقية لأنه يبكي من دون أن يكون هنالك موجب للبكاء أصلا. . ثم صعد زفرة عميقة: عندئذ طلع القمر أشبه شيء بدرع فضي عجيب؛ وأخذت النجوم تتلألأ؛ وأصوات الموسيقى تتعالى من القصر. كان الأمير والأميرة يرأسان الرقص؛ ولقد بلغ من جمال رقصهما أن السوسن الأبيض الطويل أطل من النافذة يتفرج، والخشخاش الأحمر العظيم مد رأسه يمتع ناظريه ويتسلى. ثم دقت الساعة العاشرة فالحادية عشرة، فالثانية عشرة، وعند منتصف الليل خرج كل شخص إلى الشرفة الواسعة ثم أرسل الملك في طلب صاحب الأسهم النارية الملكي. قال الملك له - أطلق أسهمك النارية. فانحنى الرجل إلى الأرض وسار إلى نهاية الحديقة وبرفقته ستة معاونين قد حمل كل منهم مشعلا مضيئا معلقا في رأس عمود طويل. لقد كان استعراضا، بديعا موفقا فقد نجحت كل الأسهم إلا السهم الأعظم فقد كان مبتلا بالبكاء لدرجة أنه لم يتمكن من الانطلاق أبدا؛ كان خير ما فيه البارود، وهذا تشبع بالدموع حتى أصبح بلا فائدة. قال السهم - يغلب على ظني أنهم احتفظوا بي لأمر خطير وبدا أكثر تعجرفا من قبل. جاء العمال في اليوم الثاني ليعيدوا كل شيء إلى مكانه. قال السهم - هؤلاء على ما يظهر - هم الوفد، وأني سأقابلهم بما يجب من العنجهية، وهكذا وضع أنفه في الهواء وقطب حاجبيه كأنما يفكر في أمور خطيرة؛ ولكنهم لم ينتبهوا إليه إلا في اللحظة التي هموا فيها بمغادرة المكان؛ عندئذ رآه أحدهم فصاح ياله من سهم رديء ورمى به إلى الخندق من أعلى الحائط. قال وهو يتقلب في الهواء - سهم رديء سهم رديء! مستحيل. . سهم عظيم. هذا ما

стр. 3689

قاله الرجل. . رديء وعظيم لهما وقع واحد في الأذن، وحقيقة أنهما - في الغالب - شيء واحد وسقط في الرجل. . فأبدى هذه الملحوظة: أنه ليس بالمكان المريح. . ولكن مما لا شك فيه أنه مكان على (المودة!) وأنهم قد أرسلوني إلى هنا لاستعيد قواي؛ حقيقة أن أعصابي محطمة، وأنني في حاجة إلى الراحة. حينئذٍ سبحت إليه ضفدعة صغيرة ذات عينين لامعتين وظهر أخضر أرقش. قال الضفدعة - أرى قادما جديداً. . حسناً، بعد كل شيء لا يوجد مثل الوحل. . . أعطني جواً ممطرا وخندقاً فأكون جد سعيدة، هل تظن أن السماء ستمطر بعد الظهر؟ إني آمل ذلك، ولكن السماء زرقاء صافية. قال السهم - أهيم أهيم وأخذ يسعل، فصاحت الضفدعة - إن لك صوتاً جميلاً. . أنه أشبه شيء بالنقنقة؛ والنقيق طبعاً أرق موسيقى في العالم، سوف تسمع أغاني نادينا هذا المساء، أننا نقيم في بركة البط القديمة بالقرب من بيت الفلاح، ولا يكاد يطلع القمر حتى نبدأ غناءنا، أنه يؤثر في النفس لدرجة أن كل شخص يتمدد في الفراش يقظا ليصغي ألينا، بالأمس فقط سمعت زوجة الفلاح تقول لأمها: أنه لم يغمض لها جفن طوال الليل بسببنا. أنه لما يبهج النفس أن يجد المرء نفسه مشهوراً بهذا المقدار. قال السهم مغضباً: - أهيم! أهيم! ولم يزد. لقد بلغ به السخط مبلغا عقد لسانه. الضفدعة مستمرة - حقاً أنه لصوت جميل. . آمل أنك ستأتي إلى بركة البط. . أنا ذاهبة أفتش عن أخواتي. . إن لي ست أخوات جميلات، وأني لأخشى أن يصادفهن (الكركي)، أنه وحش كاسر وسوف لا يتردد في أن يتغذى بهن. . وداعا. . أنني جد مسرورة من محادثتنا، وأظنك كذلك. قال السهم - محادثة. . حقا. . لقد احتكرت الحديث كل الوقت، أن ذلك ليس بمحادثة. أجابت الضفدعة - واحد يجب أن يصغي. . وأنا أحب أن أستقل بالحديث. . أن في ذلك اقتصاداً في الوقت وحيلولة دون الجدل. قال السهم - ولكني أحب الجدل. قالت الضفدعة بأدب - ما أظن ذلك. . الجدل دليل الوحشية، لأن كل أعضاء الهيئة الاجتماعية الراقية يحملون أفكاراً واحدة. وداعا للمرة الثانية. . أني أرى أخواتي من بعيد،

стр. 3690

وسبحت الضفدعة الصغيرة مبتعدة. قال السهم - أنت جد مزعجة: وجد جاهلة، أني أمقت الذين يتحدثون عن أنفسهم - كما تفعلين - حين يود أحدهم أن يتحدث عن أحد الأشخاص - كما أفعل أنا - وهذا ما أسميه أنانية؛ والأنانية أمر لا يطاق: خصوصا على من كان في مزاجي، لأنني معروف بحسن العطف على الغير؛ كان عليك أن تعتبري بي؛ أنك لن تجدي أنموذجا أفضل مني؛ والآن وقد حصل لك شرف التعرف إلى، يجد بك أن تغتنمي الفرصة لأنني عائد إلى البلاط حالا؛ أنني محبوب جدا في البلاط؛ وقد اقترن الأمير والأميرة على شرفي؛ أنت طبعاً لا تفقهين شيئا من هذه الأمور لأنك قروية. قال يعسوب كان جالسا على ورقة كبيرة سمراء من ورق البردي: لا فائدة من مخاطبتها؛ لا فائدة أبداً. . لأنها قد ذهبت. . أجاب السهم - حسنا، إن في ذهابها خسارة لها لا لي: أنا لا أقف عن محادثتها لمجرد إنها غير مصغية إليَّ. . أني أحب أن أسمع نفسي أتكلم دائماً. وهذا من أبهج المسرات عندي، كثيرا ما تراني أحدث نفسي أحاديث طويلة دون أن أفقه كلمة واحدة مما أقوله. وهذا دليل الذكاء المفرط. .! قال اليعسوب - أذن تكون محاضرا في الفلسفة في مثل هذه الحال، ونشر جناحيه الجميلين الرقيقين وحلق في السماء. قال السهم - إنها لسخافة منه إلا يمكث هنا؛ أنا أعتقد إنها فرصة ثمينة له قل أن يقع على مثلها؛ تفيده إضاءة في عقله؛ وعلى كل فهذا لا يهمني، من المؤكد أنه لا بد وأن يعرف الناس يوما ما قدر العبقري الذي يكون مثلي. وغاض قليلا في الوحل. . وبعد قليل جاءت تتهادى إليه بطة كبيرة بيضاء، ذات سيقان صفراء، وأقدام غشائية. قالت - كواك. كواك. كواك! أن لك شكلا غريبا. هل لي أن أسألك هل ولدت على هذا الشكل أو هو شكل طارئ؟ فأجاب السهم - من الواضح أنك أنفقت عمرك في الريف، وإلا لعرفت من أنا، وعلى كل فأنا أغفر لك جهلك، من الظلم أن تطلب من الغير أن يكون مثلك عظيما. أنا لا أشك في أنك ستدهشين حين تعلمين بأني أستطيع أن أطير إلى السماء وأن أهبط الأرض في مظهر الغيث الذهبي.

стр. 3691

قالت البطة - أنا لا أهتم كثيرا بهذا؛ لأنني لا أجد فيه أدنى فائدة لأحد الآن؛ إذا كنت تستطيع أن تحرث الحقل كالثور؛ أو تجر عربة كالجواد؛ أو تحرس الأغنام كالكلب الإسكتلندي: هذا يمكن أن يكون شيئا! فصاح السهم في غطرسة وتعجرف - أرى أنك تنتمين إلى طبقة وضيعة، شخص في مركزي لا يفيد أبدا: لنا أعمال معلومة، وهذا فوق الكفاية، أنا شخصيا لا أميل إلى نوع من الصناعات، خصوصا هذه التي نوهت لي بها، ساعة من ساعات تفكيري هي بالصناعات كلها. قالت البطة - وهي بطبيعتها مسالمة، ولم تتورط في مجادلة أحد - حسناً. حسناً. لكل رأيه. أكبر ظني أنك ستقيم هنا، في هذا الخندق. صاح السهم - أوه، كلا يا عزيزتي. لست أكثر من زائر، زائر ممتاز. حقاً لقد أضجرني هذا المكان حيث لا جمعية راقية ولا واحدة آمنة، على الأرجح أني سأعود إلى البلاط. . قالت البطة - أني أفكر في دخول الحياة العامة يوماً ما. . وعليًّ الآن أن أذهب إلى البيت واعتني بعائلتي. قال السهم - لقد خلقت للحياة العامة، وكذلك جميع أقربائي، نثير الاهتمام حيثما وجدنا! وعلى ذكر الحياة العائلية أقول إنها تهرم الإنسان بسرعة وقبل الأوان، وتصرف العقل من الأفكار السامية. قالت البطة - آه. . الأفكار السامية: ما أنفسها، إنها تذكرني بما أشعر به من جوع، وسبحت إلى أسفل الغدير وهي تقول: كواك. . كواك. . كواك زعق السهم - أرجعي. أرجعي. عندي أشياء كثيرة أريد أن أقولها لك ولكن البطة لم تصغ أليه: قال لنفسه: أنا مسرور لأنها ذهبت، لا ريب إنها صغيرة العقل جداً. ثم غاص في الوحل قليلاً أيضاً، وفي الوقت الذي أبتدأ يفكر فيه بوحدة العبقري ظهر فجأة ولدان صغيران يركضان نحو الشاطئ في قمصان بيض يحملان قدراً أو أعواداً. قال السهم - هؤلاء يجب أن يكونوا الوفد. وعمل على أن يظهر بمظهر العظيم. صاح أحد الولدين - تعال. أنظر إلى هذا العود العتيق أني لاستغرب ما لذي جاء به إلى هنا وأخرج السهم من الخندق

стр. 3692

قال السهم - عود عتيق، مستحيل؟! عود من ذهب عود من ذهب، هذا أحسن أنواع المديح. . قال الولد الآخر - دعنا نضعه في النار، أنه سيساعد على غليان القدر. وهكذا كدسا الأعواد بعضها على بعض، ووضعا السهم في الذروة، وأشعلا النار. صاح السهم - هذا بديع! إنهم يودون إطلاقي في وضح النهار لكي يراني كل إنسان. قال الولدان - أنا نذهب لننام الآن، وحين نستيقظ تكون القدر قد غلت؛ واضطجعا على الحشيش وأغمضا عيونهما. كان السهم مشبعاً بالماء، لذلك احتاج احتراقه إلى وقت طويل؛ وعلى كل حال فقد بلغته النار أخيراً. صاح - الآن سأنطلق. . يقينا أني سأعلو على النجوم، سأعلو على القمر، سأعلو على الشمس، بمعنى أني سأعلو. . . - ويز، ويز، ويز، وحلق في الهواء. . . صاح: هذا مبهج! سأظل في هذا الصعود إلى الأبد؛ ياله من نجاح عظيم! ولكن لم يره أحد. ثم أخذ يحس بشعور غريب يستولي عليه فصاح: الآن سأنفجر، وسأحرق الأخضر واليابس، وسأترك دويا يظل حديث الناس أعواما طوالا، وفعلاً أنفجر! بم! بم! بم؛ لقد خرج البارود، ولا شك في ذلك؛ ولكن لم يسمعه أحد، حتى ولا الوالدان الصغيران، لأنهما كانا يغطان في نومهما. وهكذا لم يبق منه إلا العصا، وهذه سقطت على ظهر إوزة خرجت تتنزه إلى جانب الخندق. عندئذٍ صاحت الإوزة - يا إلهي أن السماء تمطر عصيا؛ واندفعت نحو الماء. لهث السهم - لقد علمت من قبل أنني خالق شعوراً عظيما! شرق الأردن بشير الشريقيالمحامي

стр. 3693

الكتب حاضر العالم الإسلامي تأليف لوتروب ستودارد الأمريكي ترجمة الأستاذ حجاج نويهض وتعليق الأمير شكيب أرسلان لنا في كل يوم مثل جديد ينهض دليلا قاطعا على أن النهضة الفكرية الحديثة جادة لا هازلة، قوية لا تعرف الخور، ثابتة الأصول لا يخشى على بنائها من الزلل والسقوط، فهي نهضة تستمد الوحي من ماضيها الناصع المجيد، ثم لا تقف عند ذلك راثية باكية، إنما هي تتخذ من ذلك الماضي عدة. وعماداً لمستقبل تنظر إليه بعين يملأها الأمل، وقلب يحدوه الرجاء. وأن نهضة لا تقيم صرحها فوق هام ذلك العماد الركين، لهي هباء يسبح في الهواء، لا يتصل بالأرض ولا يرتفع إلى السماء. لأنها عندئذٍ تكون هائمة في عزلة زمنية، لا تعرف لشوطها مبدأ ولا نهاية، كما يخبط ذو السبيل الجائر في بيداء موحشة مقفرة، يرى الموت جاثماً في أحضان كثبانها أنى سار. وإنا نضرب لك مثلاً أوروبا حين قامت تنفض عن نفسها غبار القرون الوسطى ونهضت تشيد حياة جديدة زاهرة، فلم تنشئ جديداً من عدم، ولا هي أولت القديم ظهرها مزدرية له ناقمة عليه، بل نظرت إلى الوراء قبل أن تبدأ السير إلى الأمام، واستلهمت التاريخ - تاريخ الإغريق والرومان - لتستقي من معينة الدافق ماء الحياة التي تريد. من أجل هذا، يحق لنا أن ننظر إلى نهضتنا نظرة فيها ثقة ورجاء، لأننا نلاحظ فيما نلاحظ اتجاهاً إلى تاريخ العرب والإسلام، يزداد سعة وشمولاً في اطراد لا ينقطع، وأقل ما يقال في هذا الاتجاه، أنه يشحذ الهمم الخامدة، ويهدي نهضتنا سبيلاً سواء. فبين يدي الآن مجلدات أربعة، كتبت في حاضر العالم الإسلامي، ألفها الكاتب الأمريكي لوتروب ستودارد ثم نقلها إلى العربية الأستاذ حجاج نويهض وفيها فصول وتعليقات وحواش مستفيضة عن دقائق أحوال الأمم الإسلامية وتطورها الحديث بقلم الأستاذ الكبير والمجاهد العظيم الأمير شكيب أرسلان، وقد يظن القارئ - وله عذره في هذا الظن - أن الكتاب المترجم هو الأصل، وأن ما كتبه الأمير شكيب حواش متناثرة هنا وهناك، ولكن

стр. 3694

الواقع نقيض ذلك، فالفصول المترجمة لا تتجاوز خمس المقدار، وأربعة الأخماس الباقية هي حواش للأمير، وأنه ليخيل إلي أن كتاب لوتروب أتخذ تكأة لنشر هذه الفصول الكثيرة القيمة التي دبجتها يراعة الأمير شكيب أرسلان في شئون المسلمين والإسلام. فأما الفصول المنقولة إلى العربية التي استأثرت بعنوان الكتاب فهي تسع كلها بحث دقيق في حالة الشعوب الإسلامية في العصور الحديثة، فهو يحدثك في تحليل ممتع عن اليقظة الإسلامية، والجامعة الإسلامية وسيطرة الغرب على الشرق، والتطور السياسي، والعصبية الجنسية والتطورين، الاقتصادي والاجتماعي، ثم يختم فصوله يبحث فيما يسود تلك الشعوب من قلق يدفعها إلى الثورة والانقلاب. أما حواشي الأمير فليس إلى حصرها من سبيل، وكلها شيق ممتع ولكنها - عندي - قد خرجت بالكتاب عن وحدته وتجانسه، بل خرجت بالكتاب عما يجب أن تكون عليه الكتب من تركيز في موضوع بعينه، وأدنته من دوائر المعارف التي من شأنها أن تجمع بين دفاتها شتيتاً من ضروب العلم والمعرفة، وهو يعترف بذلك في المقدمة إذ يقول عن هذا الكتاب أنه لم يصل بعد إلى الدرجة المنشودة من السعة والشمول، وانه يرجو أن تتسع يوماً ما حتى (يصح أن يقال أن في اللغة العربية إنسيكلوبيديا إسلامية أشبه بموسوعات العلوم التي عند كل أمة من الأمم الراقية التي يقتدي بها) ثم يستطرد فيحفز همة الحكومات لوضع تلك (الإنسيكلوبيديا فيقول (وهذا الأمر وهو وضع معلمة إسلامية وافية ضافية لا يجوز أن يغيب عن نظر الحكومات الإسلامية التي تبغي الفلاح، وتنشد الرقي والطيران إلى النجاح بجناح. . .) ومهما يكن من أمر هذه الفوضى في التأليف لا نطمئن إليها ولا نرضاها، فهو كتاب جليل القيمة كبير النفع، ويجدر بنا أن نقتبس لتقديمه إلى القراء عبارة الأمير التي صدر بها الكتاب (أما كتابنا هذا في أجزائه الأربعة فأنه يجوز أن يقال إنه معلمة إسلامية صغيرة، بل هو في المباحث الجغرافية والتاريخية والإحصائية عن أقطار الإسلام النائية وبقاعة المجهولة فذ في بابه، وكذلك يمتاز هذا الكتاب بالمباحث السياسية التي قيض لمحررها أن يعلمها. من عين صافية، وأن يقف على الرواية الوثقى منها بطول خبرته، وقرب سنده، واستمرار مزاولته لهذه الأمور ٤٧سنة، وفيه بعد تراجم وأخبار، لم يسجلها كتاب ولا جرى

стр. 3695

بها قلم، فلا يجدها الناشد في غيره إذ هي نتيجة مشاهدات الكاتب وما رآه بالعين وما سمعه بالأذن، وما كان له فيه أخذ ورد. وعلى كل حال ففي هذا الكتاب من الطريف ما لا يسع إنكاره الجاحد، ولا يضير مراء الحاسد. ولا شك في أن الأمة الإسلامية الناهضة إلى تجديد تاريخها، النازعة إلى النماء بجميع فروعها وشماريخها، ستتفطن إلى كل ما يعوزها من هذه المقاصد الجليلة، ومن جملتها تأليف المعلمة الكبرى التي هي من ضرورات رقيها وأشراط نموها). زكي نجيب محمود قلب جزيرة العرب تأليف الأستاذ فؤاد حمزة لسنا نشك في أن الشرق العربي يجتاز اليوم عصرا ذهبيا زاهرا لا يكاد يدنو من غباره كل ما سلف من عصور، وكأني بالحياة قد دبت في أعضائه المتزايلة، فأخذت تنهض وتسعى إلى النشاط والحركة، بعد رقدة طال أمدها، حتى حسبناها ضجعة الموت والفناء، وهاهو ذا ينهض ويستقيم على قدمين راسختين، يشاطر أوروبا في الحركة الفكرية ويبادلها إلى حد ما إنتاجا بإنتاج. وما زالت تزداد حركة التأليف في كل يوم قوة وسعة وانتشارا بعد أن كنا إلى عهد قريب لا نصادف في المكتبة العربية ما يشبع للباحث حاجة أو يسد له رمقا - كائنا ما كان موضوع البحث - وكنا نقابل ذلك العقم والأجداب بالأسى والأسف، فليس يسيرا على النفس الفنية الأبية أن تظل متكئة على عكازة الغرب في كل ما تطرق من بحوث، حتى ما يمس منها حياتنا في اللب والصميم. وأنا نسوق اليوم لهذه النهضة التأليفية مثلا جديدا هذا الكتاب الجديد: قلب جزيرة العرب الذي دبجته يراعة قديرة ونسقه فكر قدير. ولقد كان أول ما اختلج في نفسي من خواطر، حينما تناولت يدي هذا الكتاب، دهشة عميقة، فيها كثير من السخرية بالماضي، وفيها كثير من الأمل في المستقبل، فقد تساءلت: أفهذا أول كتاب حديث يكتب عن جزيرة العرب وهي تلك الديار التي تنزل منزلا ساميا من العقول والقلوب جميعا، والتي تضطرب لها كل نفس بأدق المشاعر وأجمل الذكريات؟!

стр. 3696

عجيب لعمري أن يظل هذا النقص دون أن ينهض من الكتاب من يسد ثغرته، وإذن فقد ملأ هذا الكتاب الذي نحن بصدده فراغا شاسعا وأكمل نقصا معيبا شعر به المؤلف الفاضل الأستاذ فؤاد حمزة، وشعرنا به جميعا، فقد حمله على وضع كتابه هذا شعوره (بنقص خزانتنا العربية وافتقارها إلى مؤلف جامع لأحدث المعلومات الجغرافية والطبيعية والاجتماعية عن البلاد العربية، وحاجة الجمهور إلى مرجع حديث، سهل التناول، يجمع ما تفرق من المعلومات العامة في الكتب العربية القديمة، وكتب المستشرقين والرواد الأوروبيين مما لا وجود له في اللغة العربية. والحقيقة أن جميع الذين يعنون بالشئون العربية ويتبعون تاريخ التطورات الحديثة والنهضات الوطنية في بلاد العرب، يشعرون بهذه الحاجة، ويدركون الصعوبات الجمة في التنقيب في بطون الكتب العديدة، عن معلومات مبعثرة هنا وهنالك في طيات الصحف القديمة أو ثنايا التفاصيل المملة التي يسردها الرواد في سياق رحلاتهم) قرأت هذا السفر الجليل، فألفيته صورة قوية رائعة للبلاد التي كتب من أجلها، وهو يقوم على أثاث متين من الأسلوب العلمي الصحيح، يبدأ البحث بالبيئة الجغرافية فيتناول أطرافها جميعاً بالدراسة والتحليل، ويصف لك في أطناب سطح البلاد العربية ومناخها، في أسلوب لا يصدمك فيه جفاف الحقائق العلمية، بل يخيل إليك وأنت تتلو هذه الصفحات أنك تستمع لرجل يحدثك حديثاً عذباً عن بلاد جاس خلالها وارتحل بين أرجائها، وأن كنا نأخذ على المؤلف في هذا القسم الجغرافي بعض الهنات الهينات، التي ما كنا لنذكرها لولا رغبتنا الصادقة في أن يبلغ هذا المؤلف حد الكمال، ومن أمثلة ذلك أنه يعلل جفاف الإقليم بانخفاض السطح (وعدم وجود الجبال العالية التي تمسك الأبخرة وتحتفظ بها لتتبرد وتنهمل مطراً إلا في الجهات الغربية منها) والواقع أن جفاف شبه الجزيرة يرجع إلى وقوعها في مهب الرياح التجارية التي تفد من الشمال الشرقي جافة لا تنزل المطر. هذا وقد جعل المؤلف عنوان الفصل السابع من هذا القسم (الحرارة والمناخ) كأن الحرارة ليست جزءاً من المناخ! وقد جاء في صفحة ٦٠ هذه العبارة (رياح المونسون) وقد كان أجدى أن تذكر بما عرفت به في الكتب العربية وهو الرياح الموسمية. ثم ينتقل بك إلى القسم الثاني من الكتاب وهو تصوير دقيق لحياة السكان في تلك البلاد،

стр. 3697

فيقص عليك دقائق المعيشة اليومية: ماذا يأكل القوم وماذا يشربون ويلبسون، وكيف يتزين النساء منهم والرجال. كيف يقيمون المآتم والأفراح، كيف يتعهدون أطفالهم بالتربية في الحواضر ويطلقونهم إطلاقاً في البادية، وفي أي المنازل يسكنون؟ هذا فضلاً عن تصويره للغة العربية في حالتها الراهنة، ويقدم لك نموذجاً مما ينطق به أدباء اليوم من شعر ونثر، إلى آخر تلك الحقائق التي أكسبت البحث شيئاً من الحياة النابضة. فإذا ما انتقلت إلى القسم الثالث وجدت نبتاً مفيداً في القبائل العربية وأنسابها، ولعله أشد فصول الكتاب جفافاً على غير سكان الجزيرة من القراء. أما القسم الرابع فهو عرض قوي موجز لتاريخ البلاد منذ فجر التاريخ حتى يومنا هذا، وهو أطول الفصول وأكثرها فائدة ولذة. هذه الثروة الزاخرة يحويها كتاب (قلب جزيرة العرب) وفوق هذا فهو متقن الطبع، جيد الورق، جميل التنسيق. ز. ن. م

стр. 3698

العدد ٤٤ - بتاريخ: ٠٧ - ٠٥ - ١٩٣٤

стр. 3699

يوم الجمعة كان أمس الأحد، ومن قبله كان السبت، ومن قبلها كان الجمعة! ثلاثة أيام تتعاقب في مدار الأسبوع تعاقب الجياد في مضمار السبق! يحمل كل منها في رأسه علم دولته، وعلى صدره عنوان ملته، ويشرق على قومه في المسجد أو في الكنيس أو في الكنيسة إشراق الحب في الفؤاد الغرير، أو الإيمان في النفس الرضية، فيؤلف ما نفر من القلوب بالمودة، ويعود بما شرد من النفوس إلى الجماعة، ثم يكون في البيت مصدر انس وبهجة، وفي المدينة مظهر استقلال وعزة. ولقد كان فيما سلف من مؤاتاة الدهر شأن يومنا في الأيام، كشأن قومنا في الأقوام: صدارة يكنفها جلال مُلك، وأمارة يسندها سلطان دين، وعيد يأتلق جماله في كل مكان وفي كل نفس، وفترة تحدد للناس مواقيت العيش ومراحل الزمن، وكان له في أدب الدين قواعد مقررة، كالاغتسال، والطيب، واتخاذ الزينة، وشهود الجماعة، ومودة القربى، وصلة المساكين، وترفيه البدن بالراحة، وتطهير النفس بالعبادة، وإعلان مجد الله بإعزاز دينه، وسلطان الشعب بإعلاء أمره؛ لم يكن السبت والأحد يومئذ إلا شعاعا لضوئه واتساعا لمداه! ثم غيرنا فغير الله، فإذا بالتابع يأخذ المهلة على المتبوع وإذا يوم الجمعة يصبح طرفاً في ذيل الأسبوع، فلا تخشع له أسواق العالم كيوم السبت، ولا تسكن له حركة الدنيا كيوم الأحد، ولا يبقى له من الرعاية عند أهله، إلا إغلاق دور الحكومة في وجهه! استعرض هذه الأيام الثلاثة بالاعتبار والموازنة، تجد كلا منها صادق الدلالة على حال أهله، فيومنا يجيء كما ترى خافض الجناح، خافت الصوت، حائل اللون، مخضود الشوكة، مغموط الحق، لا يدخل في حساب الناس، ولا يقدم ولا يؤخر في حياة المجتمع! فمظهره الديني تضاءل حتى صار صلاة الجمعة عادية لا يقيمها إلا القرويون الطارئون على المدينة، والحضريون الفارغون من العمل! ومظهره المدني انحصر كما قلنا في عطلة الحكومة. ومن المؤونة المعجزة ان تطلب العطلة وما يتبعها عند غير الحكومة، فان جمهور الشعب أما تاجر يتبع في نظامه البنوك الأوربية، وأما عامل يخضع في عمله لرؤوس الأموال الاجنبية، فلم يبق إلا الموظفون الرسميون، وهم وحدهم الذين يستطيعون بما تهيأ لهم من اليسر والفراغ إجلال هذا المظهر، وإعلان هذه الشعيرة، فتعال ننظر كيف ينقضي هذا العيد في بيت الموظف في

стр. 3700

البيت الذي الهمني هذا المقال أسرة مسلمة عميدها موظف كبير، وأسرة يهودية كاسبها تاجر صغير، وأسرة مسيحية عائلها مستخدم متوسط. ففي يوم السبت ينبعث في المسكن اليهودي تاريخ إسرائيل بأساطيره وتقاليده وعقائده، فالتوراة تتلى، والصلوات تقضى، والذكريات تستيقظ، والمجارى الروحية تتحدر من الأجداد إلى الأحفاد فتوثق الروابط، وتجدد القوى، وتهون العظائم، ثم تخرج الأسرة بأسرها، في زينتها وبشرها، فتتناول عشاءها في مطعم سأمر، وتقضي أمسيتها في ملهى ساهر وفي يوم الأحد يحول المسكن المسيحي إلى عرس أنيق مترف: فالأسرة تعود من القداس في ألوان الزهر وافواف الوشى، والغرف تضحك من طلاقة النفوس واتساق الأثاث، والمائدة المزهرة تحفل بأفانين الشراب السائغ والطعام الهنئ، والبيان الفخم تحت الأنامل الطفلة يقطر بالنغم العذب واللحن البهيج، والفنغراف يدور بأناشيد الرقص فيسمى البهو بالزائرين والزائرات أشبه بأعشاش الربيع كلها مناغاة وهديل وهزج! وفي يوم الجمعة يصبح المسكن المسلم عابسا كالكهف، ساكتا كالمقبرة! فالبك قضى ليله سهران، فهو نائم نومة الضحى! فلا تسمع حسا ولا حركة، إلا صوتا شديد الخفوت، يستعين بالإشارة على ان يهمس الحين بعد الحين: - هس سس س! خفض من صوتك! خفف من مشيك! لا تلعب بهذا! لا تعبث بذاك! أبوك نائم! والبك يأخذ حمامه الأسبوعي الحار فيشغل الحمام ساعتين! فتمضي الظهيرة والفتاة لا تستحم، والعجوز لا تتوضأ! والبك مدعو إلى العشاء، عند بعض الأصدقاء، فالمطبخ بارد هادئ، وطعام اليوم بقية طعام الأمس! والبك يتهيأ للخروج، فالأسرة كلها في خدمته: هذه تنظف البدلة، وتلك تمسح الطربوش، وهذا يذهب برباط الرقبة إلى الكواء، وذلك يستعجل الخادم بالحذاء، وأخيراً يخرج البك!! فيتنفس البيت الصعداء، ويستروح المكروب نسيم الرخاء! وهكذا يمر عيد الأسبوع على هؤلاء القوم، وهم يقولون يا الله ما اثقل روح هذا اليوم!! احمد حسن الزيات

стр. 3701

الضمير الهارب للدكتور طه حسين لم يكن صاحبي ساذجا ولا غليظ القلب ظاهره كهذا الضابط الفرنسي الذي اظنك رأيته في دار من دور السينما، يأتمر مع أصحابه ليغير النظام في فرنسا ويرد إلى العرش ابن نابليون. فبينما هو ذات يوم يمشي على رصيف من ارصفة باريس لقى رفيقا من رفاقه في جيش الامبراطور. وكان العهد قد بعد بينهما فوقع اللقاء من نفس الرجلين موقعا حسناً، وتحدثا عن الجيش وعن الامبراطور، وتحدثا عن امس وعن غد، ولم يكرها ان يذما يومهما ويسرفا في ذمه. ثم ذهب الصديقان إلى حيث كان الضابط يحدث صاحبه عن أصدقائهما وما يأتمرون به، ثم مازال الحديث ينتقل بهما من موضوع إلى موضوع حتى عرف الضابط ان صديقه لم يقم على عهد الامبراطور، وإنما اثر لين الحياة فعمل في جيش الملك. هنالك لم يستطع الضابط ان يلوم صاحبه ولا ان يعاتبه، ولا ان يناقشه في شئ، ولم يزد ان اطفأ المصباح حتى لا يرى وجه هذا الصديق الخائن وفهم الرجل عن صديقه فأنصرف عنه خزيان اسفا. لم يكن صاحبي ساذجا غليظ القلب طاهره كهذا الضابط الفرنسي، وإنما كان رجلا مترفا لا في حياته المادية، بل في حياته المعنوية خاصة. كان مترف العقل جداً لا يكتفي بظواهر الأشياء ولا يقنع بحقائقها، وإنما يبغي شيئا ارقى من الظواهر واعمق من الحقائق كأنه اللب والخلاصة لكل شئ. وهو إذا وصل إلى هذه الخلاصة وذلك اللب ولم يقنع بهما وإنما تخير منهما انقاهما وارقاهما واشدهما ملائمة للعقل الممتاز، والذوق الرفيع، والشعور الراقي، والنفس الأبية العالية. وكان صاحبي قوي الحس جدا، ولكنه كان شديد الازدراء للحس، يضعه في موضعه الطبيعي فلا يكبره ولا يغلو في العناية به، ولا ينتظر منه إلا ما ينتظر في الأداة التي لا يراد منها إلا ان تؤدى للعمل الذي هيئت له، فهو لا يريد من حسه إلا ان ينقل إليه صورة الحياة الخارجية، فإذا نقلها إليه شغل بها فحقق ودقق، ومحص وصفى، واثر نفسه بخلاصة ما ينتهي إليه التحقيق والتدقيق والتمحيص والتصفية، فغذى به عقله وقلبه وشعوره؛ وفكر فيه فأطال التفكير، واستخرج منه أقصى ما يستطيع استخراجه من اللذة والألم، ومن العبرة والعظمة، ومن الغبطة والحزن.

стр. 3702

وكان صاحبي هذا بحكم هذا المزاج الخاص معقدا شديد التعقيد متعباً لنفسه ولأصحابه وأصدقائه جميعاً، وكان كثيراً ما يسأل نفسه عما يريد فلا يجد لهذا السؤال جواباً. وكان أصدقاؤه يسألونه عما يريد فلا يجدون لهذا السؤال جواباً. فقبلوه على علاته، وقبلوه على ما في صحبته من مشقة وتعقيد. وكانت حياته وحياة أصحابه هينة لينة مستقيمة تمضي في طريق لا عوج فيها ولا التواء، كما كانت حياة الناس كلهم في بعض أوقات الأمن والدعة والهدوء، فكان راضيا عن أصحابه، وكان أصحابه راضين عنه. وكان ما يعرض له ولهم من مصاعب الحياة ومشكلاتها لا يزيد على ان يكشفها لهم فيحببه إليهم، ويكشفهم له فيحببهم إليه. ولكن هدوء الحياة ودعتها واضطراد الامن فيها واستقامة الطرق لسالكيها ليست أمور محتومة مقضية للناس أو مقضية عليهم، قد اخذوا بها عهدا على الظروف والأيام. وإنما هي أمور ممكنة تتاح حينا وتمتنع أسحياناً، تتاح فيسعد الناس، وتمتنع فيشقى الناس. تتاح فيجهل بعض الناس بعضا، ويحب بعض الناس بعضا، ويطمئن الناس إلى بعض، لان ظروف الحياة لا تكرههم على ان يدفق بعضهم في امتحان بعض، ويحقق بعضهم في ابتلاء بعض. ثم تمتنع فإذا الناس يتعارفون، ولا يلبثون ان يتعارفوا حتى يتناكروا ويتدابروا. ويقوم الشك منهم مقام اليقين، ويقوم الحذر منهم مقام الاطمئنان، وتقوم التفرق منهم مقام الصراحة، ويقوم البغض منهم مقام الحب، وإذا هم يندمون على جهلهم القديم، وإذا هم يحزنون على اطمئنانهم لماضي، وإذا هم يتمنون لو رد الله عليهم تلك الأيام الحلوة التي كانوا يستمتعون فيها بلذة الجهل وحلاوة الغفلة ونعيم الثقة، واعفاهم من هذه الأيام التي يشقون فيها بألم المعرفة ومرارة الفطنة وبؤس الشك. وكان صاحبي قد فتح لنفسه الأبواب كلها على مصاريعها كلها ليتلقى كل شئ من كل شئ ومن كل إنسان. ثم ليسعد بهذه التصفية والتنقية، وبهذا التمحيص والتحقيق، وبتخير الثمرات من كل ما كان يجتمع له من الجد والردى فلما نكرت الأيام لم يغلق من أبواب نفسه بابا، وإنما نظر فإذا النفوس تغلق من دونه نفسا فنفسا، وإذا أبوابها تغلق من دونه بابا فبابا. إذا ما كان يجتمع له من الملاحظات شيئا فشيئا، ويندر حتى كاد لا يصبح شيئا. وإذا ما بقى من هذه النفوس القليلة التي ثبتت للمحن، وامتنعت على الخطوب، وابت ان تلين قناتها للأحداث، قد اخذ يغشاها من حين إلى حين لون رقيق جدا من الحياء، ثم من الغلو

стр. 3703

في الحياء، ثم من الإشفاق، ثم من الاسراف في الإشفاق، ثم يتكاثف اللون ويتكاثف، وتضاف طبقات منه إلى طبقات حتى يصبح احتياطيا وحذرا، وحتى يستحيل إلى حجاب كثيف صفيق لا تنفذ من دونه نفس إلى نفس، ولا ينتهي من دونه قلب إلى قلب، ولا يتحدث من دونه ضمير إلى ضمير، وإذا صاحبي يلقى أصحابه فلا يلقى منهم إلا وجوها، ويصافح أصحابه فلا يصافح منهم إلا أيدياً، ويحدث أصحابه فلا يكون بينه وبينهم إلا حركات الألسنة في الأفواه، وخروج الألفاظ من الشفاه، وانتهاء الأصوات إلى الآذان، ثم وقوفها دون هذه الأبواب التي قد غلقت تغليقا، وهذه الأستار التي قد اسدلت اسدالا، على انه أيضاً لم يكن اقل من أصحابه واحبائه تغليقا لأبواب نفسه، والقاء للحجب والأستار بينه وبينهم، فقد آذاه ما رأى منهم كما آذاهم ما رأوا منه، فكان هذا الحياء الذي كان منهم، ثم اخذ هذا الحياء يتعقد في نفسه كما كان يتعقد في نفوسهم حتى اصبح إشفاقا ثم شكا ثم احتياطا وحذرا. ولكن حياء صاحبي لم يكن كحياء أصدقائه، كانوا يستحون منه وكان يستحي لهم، كانوا يشفقون منه وكان يشفق عليهم. كان يحذرون منه وكان يحذر عليهم، ولكنه الحياء والإشفاق والحذر على كل حال. ولكنه تغليق الأبواب والقاء الأستار والحجب على كل حال. ولكنه انقطاع الأسباب وفساد الصلات على كل حال. ولكنه العزلة بين قوم لم يكونوا يستطيعون ان يعتزل بعضهم بعضا، والفرقة بين قوم لم يكونوا يستطيعوا ان ينعموا بالفراق، ولكنه الرياء بين قوم لم يكونوا يحتملون الرياء، ولكنه هذا الألم الممض الذي ينشأ عن الفراق والناس مجتموعون، وعن البعد والناس متقاربون، وعن القطيعة والناس متواصلون. ولكنه العذاب الذي يجده الناس حين يتحدثون بألسنتهم لا بقلوبهم، وحين يسمعون بآذانهم لا بنفوسهم، وحين تتصافح أيديهم وتتباعد بين ضمائرهم ونياتهم الآماد، إلا من ألف منهم هذه الحياة واطمأن إليها ووجد فيها مثل ما كان في تلك الحياة من اللذة والراحة والنعيم لأنه فارق أصدقاء فوجد مكانهم أصدقاء آخرين، ونأى عن أحباء فاستقر في أحباء آخرين. هنالك نظر صاحبي إلى نفسه، فإذا هو قد اصبح أداة من الأدوات تسعى مع النهار وتعود مع الليل، تلقى الناس فتتحدث إليهم وتسمع منهم دون ان تعقل ما يصدر عنها أو تذوق ما يصدر إليها من حديث. أداة تذهب وتجئ تتلقى آثاراً من أدوات مثلها، وتحدث آثاراً في أدوات مثلها، ولكنها آثار ظاهرة آلية لا قوام لها ولا لذة فيها ولا

стр. 3704

اثر للحياة القوية العاقلة المفكرة في مظاهرها، وإنما هي أداة ممثلة لا اكثر ولا اقل. تعمل مع أدوات ممثلة لا اكثر ولا اقل. وكانت لصاحبي بقية من قوة في النفس، وفضل من حياة في الضمير، واثر من حزم في الإرادة، وقليل من ذلك الترف العقلي الذي كان يستمتع به أيام كان الناس ناسا، وحين كانت الحياة حياة، فاكبر ما انتهت إليه أموره وأمور أصحابه من هذه الصفة التي يجحد فيها الرجل نفسه ولا يؤمن فيها إلا بغيره. اكبر ذلك وضاق به وازمع ان يعتزل هذه البيئة التي لا يستطيع ان يكون فيها إلا أداة مسخرة. ولكنه اعتزلها ولم يعتزلها، قر في داره وعاش بين أهله، لم يسع إلى أحده ولم يفكر في لقاء أحد، وكان يظن ان هذه العزلة ستغنيه وتحميه وترد إليه نفسه بريئة من النفاق معصومة من الفساد. ولكنه لم يلبث ان استيقن انه لم يصنع شيئا. فهو يعتزل الناس ولكن الناس لا يعتزلونه، يعرض عنهم فيقبلون عليه، يقعد عنهم فيسعون إليه، يكف عنهم حياءوه لهم وإشفاقه عليهم فيحملون إليه حياءهم منه، وإشفاقهم منه، ويغلون في ذلك يحسبون انهم يخدعونه عن انفسهم، أو يحسبون انهم يخدعون انفسهم عن انفسهم. فلما استيأس صاحبي من نفع هذه العزلة، واستيقن له انه لا امل له في ان يظفر بنفسه صافية وقلبه طاهرا، وضميره حيا، إلا ان ترك البيئة كلها وهاجر من ارض إلى ارض، وارتحل عن وطن إلى وطن، اسر ذلك في نفسه واظهر لنا معشر أصدقائه المخادعين له ولانفسنا مثل ما كان يظهر من حسن اللقاء ولطف المؤانسة حين كنا نزوره ونجلس إليه. ثم سعيت إليه ذات يوم لاقضي معه ساعة من ساعات الفراغ، وما اكثر ساعات الفراغ في حياتنا نحن المصريين فلم اجده، وسألت اين يمكن ان يكون فلم ادلل عليه. وسألت متى يمكن ان يعود لم انبأ بشىء. فعدت محزونا لا لأنني لم القه، بل لاني لم الق عليه ثقل ما كنت احتمل من الضجر والضيق والفراغ، ولاني لم الق في نفسه اني اوثره بالحب، واعتقد انه يؤثرني به. لاني لم اهد إليه شيئا من هذا الرياء الذي يهديه بعضنا إلى بعض في كل يوم، لم اتلق منه شيئا من هذا الرياء الذي يتلقاه بعضنا من بعض في كل يوم، رجعت محزونا لان الأداة لم تؤد بعض ما كانت يجب ان تؤدى من التمثيل. وعدت إلى صاحبي التمسه فلم اجده، واخذ أصحابنا يلتمسونه فلا يجدونه وكلهم شعر بمثل ما شعرت به، وكلهم يتحدث إلى نفسه بمثل ما تحدثت به إلى نفسي من الحزن وخيبة الامل، وقليل منهم يتحدث إلى الناس بمثل ما

стр. 3705

اتحدث به اليك الان ايها القارئ العزيز. ثم انقضت الاسابيع والاشهر، وإذا انا اتلقى صباح اليوم منه هذه الاسطر التي دفعتني إلى كتابة هذه الفصل. واحسب اني لن اجيبه إلا بارسال هذا العدد من الرسالة إليه. فقد عرفت عنوانه الان. كتب الي يقول: كتابي اليك ايها الصديق من بلد ناء فررت إليه بنفسي وضميري من بلد تفسد فيه الضمائر والنفوس، واثرت ان احيا فيه فردا مع نفسي على ان احيا عندكم حياة الأدوات لا حياة الناس، ولقد كنت اظن اني فارقتكم إلى غير رجعة، ورحلت عنكم إلى غير عودة. وسئمت حياتكم سأما لأحد له، وكرهتها كرها لا اعرف له قراراً، وعجزت عن احتمال أيسر اثقالها. واعترف باني سعدت بهذه الهجرة سعادة خصبة حقا، واستكشفت فيها نفسي، نعمت بهذا الاستكشاف، وانست فيها إلى ضميري، واستمتعت بهذا الانس، ولكني لم البث في هذا البلد شهرا أو شهرين، حتى احسست ان نفسي لا تكفيني، وحتى ضقت باطالة النظر في المرآة، حتى ذكرت الأصدقاء فنفرت من ذكر الأصدقاء، وفزعت منهم إلى الكتب حينا، إلى مناظر هذه الطبيعة الرائعة حينا اخر، وما زلت ايها الصديق مطمئنا إلى هذا المعقل الذي آويت إليه، واعتصمت به ولكن انظر! ها أنذا اكتب اليك، وما كتبت اليك إلا لاني فكرت فيك، وما فكرت فيك إلا لان نفسي نازعتني إلى حديثك، وإذن فقد ابت حياتي تلك إلا ان تتبعني في هجرتي وتقتحم علي هذا المعقل الذي لجأت إليه، وكل ما اتمناه إلا تغلبني على نفسي، ولا تخرجني من معقلي، وان تكتفي بزيارتي والإلمام بي من حين إلى حين. فأكتب إلى واطل فقد يظهر ان الحياة التي ترتفع ارتفاعا خالصا عن كل ما نكره من النقائص شئ لا سبيل إليه، وأما انا فقد جربت الضيق بالحياة في مصر والفرار منها، وانا زعيم لكم ايها الأصدقاء بان صاحبكم سيعود اليكم متى انقضى الصيف ومن يدري، لعل الحياة ان تكون قد عادت إلى شئ من الامن والدعة والهدوء، فتتفتح الأبواب، وترفع الحجب والأستار، لا نحتاج فيما بيننا إلى اصطناع الرياء، أو إلى اصطناع المجاملة. ثم لا يستحي بعضنا من بعض، ولا يستحي بعضنا لبعض. طه حسين

стр. 3706

حوادث الشرق الاقصى اليابان والجامعة الاسيوية مبدأ مونرو اسيوي للأستاذ محمد عبد الله عنان منذ أسبوعين طلعت اليابان على العالم بتصريح في منتهى الاهمية والخطورة. خلاصته: (ارفعوا أيديكم عن الصين)، وهو بعبارة اخرى انذار من اليابان إلى أوربا وأمريكا بأنها اصبحت تعتبر من واجبها أن تحمي الصين من كل محاولة جديدة اوربية أو أمريكية في سبيل الفتح أو الاستعمار الاقتصادي، ومن حقها أن تستأثر بالتوسع السياسي أو الاقتصادي في انحاء الصين الشاسعة. ولا تخفى اليابان انها جادة في انذارها، وانها على اهبة لتأييده وتنفيذه بالقوة المادية، وفي نفس الوقت الذي تلقى فيه اليابان بهذا الانذار، نراها تقر اعتمادات حربية ضخمة لتقوية اسطولها الجوي، وتقوم بعدة مظاهرات عسكرية اخرى. وقد اثار هذا التصريح الجرىء في جميع دوائر السياسة العليا دهشة عظيمة، ولا سيما في الدول ذات النفوذ والمصالح في الصين مثل بريطانيا العظمى وأمريكا وروسيا وفرنسا وايطاليا. ولم يتضح حتى الان موقف هذه الدول ازاء تلك الخطوة الجديدة التي تتخذها اليابان للحد من النفوذ الغربي في الصين. ولكن اولئك الذين يتبعون تصرفات السياسة اليابانية في الصين في الأعوام الثلاثة الأخيرة يدركون أن هذه الخطوة إنما هي نتيجة طبيعية لهذه السياسة التي فازت منذ عامين بالاستيلاء على منشوريا ووضعها تحت الحماية اليابانية، والتي ما زالت تتقدم في سبيل التوسع في الثغور والأراضي الصينية الشمالية والوسطى. واليابان تتخذ خطواتها وشئون السياسة الدولية في منتهى الاضطراب والتعقيد، والدول العظمى كلها مشغولة بمشاكلها الداخلية والخارجية السياسية والاقتصادية، ومن الصعب عليها أن تتفاهم أو تتفق بسرعة على اتخاذ خطة أو سياسة مشتركة ضد هذه السياسة اليابانية الجديدة التي تهدد نفوذها ومصالحها في الصين. والنظرية اليابانية في مقاومة التوسع الغربي في الصين ترجع إلى فكرة اهم وابعد اثرا هي فكرة الجامعة الاسيوية، وشعارها (اسيا للأسيويين). وقد قويت هذه الفكرة بعد الحرب،

стр. 3707

حينما اشتد تنافس الدول الغربية على التوسع في الصين واستطاعت روسيا السوفيتية وبريطانيا العظمى وأمريكا أن تتدخل في شئون الصين تدخلا قويا مباشراً، وان تبسط كل نفوذها على مناطق واسعة في الصين، وحينما عمدت الدول في كل مناسبة وفرصة إلى ارسال اساطيلها إلى المياه الصينية بحجة: حماية مصالحها؛ ولما كان موقع اليابان الجغرافي في شرق الصين، مشرفة على تلك المياه الصينية التي تغزوها الدول كما شاءت، وكانت تبسط حمايتها ونفوذها على مساحات واسعة في الصين، في كوريا ومنشوريا وشانصي، فقد كانت السياسة اليابانية تنظر دائما إلى حركات الدول في الصين بمنتهى التوجس والريب، وكانت تتلمس السبل دائما لمقاومة الاستعمار الاوربي والأمريكي. وكانت حركة (الجامعة الاسيوية) تزداد نشاطا وقوة، وخصوصا كلما اشتدت الصيحة في أوربا وأمريكا بالتحذير من (الخطر الاصفر) أو بعبارة اخرى من نهوض الامم الاسيوية. وقد عقد اول مؤتمر رسمي للجامعة الاسيوية في ثغر ناجازاكي في صيف سنة ١٩٢٦ وشهده مندوبون من اليابان والصين والهند وسيام وكوريا والفلبين، واستمرت السياسة اليابانية ترعى هذه الحركة وتغذيها مدى الاعوام الاخيرة، وقد عقد في فبراير الماضي في دايرين تحت رعاية الحكومة اليابانية مؤتمر (للشعوب الاسيوية) شهده مندوبون من الصين واليابان والهند وافغانستان وسيام وبلاد الملايو وغيرها من البلاد الاسيوية. واصدرت فيه قرارات بوجوب اتحاد الشعوب الاسيوية على العمل في سبيل مصالحها المشتركة الجنسية والسياسية وتحريرها من كل تدخل اجنبي، وسيدعى مؤتمر دوري للجامعة الاسيوية. وربما كانت اليابان ترمي من وراء هذه الحركة إلى انشاء عصبة امم اسيوية لتأييد غايات الجامعة الاسيوية. مبدأ مونرو اسيوي ولهذا الانذار التي تتقدم به اليابان إلى الدول الغربية صبغة مزدوجة؛ فهو يعني ان اليابان ستقاوم منذ الان فصاعدا كل محاولة تقوم بها الدول الغربية في سبيل التوسع في الصين، وثانيا ان اليابان ستكون مطلقة اليد في الصين تحقق فيها ما شاءت من خطط التوسع والنفوذ. وللناحية الاولى سابقة تاريخية في السياسة الدولية هي مبدأ الرئيس مونرو (رئيس جمهورية الولايات المتحدة)، الذي وضع منذ سنة ١٨٢٣ ليكون شعارا لسياسة أمريكا

стр. 3708

الخارجية؛ واليك نص هذا التصريح الشهير الذي تطبقه السياسة الأمريكية منذ اكثر من قرن وذلك بعد الديباجة: (ان القارتين الأمريكيتين بحكم حالة التحرير التي احرزتاها والتي تحتفظان بها يجب إلا تعتبر منذ الان فصاعدا قابلتين للاستعمار من جانب اية دولة اوربية، وعلى ذلك فانا نعتبر في المستقبل أي محاولة من جانب الدول الأوربية لبسط سلطانها السياسي على اية ناحية من نواحي هاتين القارتين خطرا على سلامتنا وسلامنا. نحن لم نتعرض لاي مستعمرة أو ملك قائم فيها للدول الأوربية ولن نتعرض له، ولكنا بالنسبة للحكومات التي اعلنت استقلالها وحافظت عليه واعترفنا نحن به كحق ذي اساس عادل، لا نستطيع ان نعتبر أي تغيير يرمي إلى ارهاقها أو التحكم في مصايرها إلا بأنه ميل عدائي نحو الولايات المتحدة. ذلك انه يستحيل ان تبسط الدول المتحالفة نظامها السياسي في أي بقعة من هذه القارة دون تهديد سلامنا وسعادتنا. كذلك لا يستطيع إنسان ان يعتقد ان اخواننا في الجنوب إذا تركوا وشأنهم قد يقبلون هذه السياسة مختارين، ومن ثم كان من المستحيل ان ننظر إلى هذا التدخل في ذرة من التهاون والاغضاء). ويمكننا ان نلخص مبدأ مونرو في كلمتين: (أمريكا للأمريكيين) أو (اتركو أمريكا) كما نستطيع ان نلخص الانذار الياباني في كلمتين (آسيا للاسيويين) أو (اتركو اسيا) مع هذا الفارق، هو ان اليابان تحدد في تصريحها منطقة معينة من اسيا هي الصين، أو الشرق الاقصى بصفة عامة، وقد فهم مبدأ مونرو في أمريكا وطبق خلال قرن من الناحية السلبية فقط. اعني من ناحية مقاومة التدخل الاوربي؛ ولكن السياسة الأمريكية وضعت في الاعوام الاخيرة تفسيرا جديدا لمبدأ مونرو، وهو انه إلى جانب حق أمريكا في قمع أي تدخل اوربي، يحق لأمريكا، وأمريكا وحدها - أن تحتل أي بقعة من القارة الأمريكية متى رأت ذلك ضروريا لصون سلامها ومصالحها، وطبقت السياسة الأمريكية ذلك التفسير الايجابي الجديد لمبدأ مونرو في عدة حوادث معاصرة مثل تدخلها، في حوادث نيكاراجوا، واحتلال بعض اراضيها، وارغامها بناما على عقد معاهدة تعتبر شبه حماية، ثم تدخلها اخيرا في حوادث كوبا. وهذا هو نفس ما يعني التصريح الياباني من ناحيته الايجابية ترى اليابان من حقها دون غيرها من الدول

стр. 3709

ان تستأثر بالتوسع في الفتح في الصين. وقد بدأت اليابان فعلا بتطبيق هذه السياسة منذ ثلاثة اعوام فوضعت خطتها للاستيلاء على منشوريا وتذرعت لذلك الفتح باعتداء العصابات الصينية على المنطقة اليابانية والسكة الحديدية الشرقية التي تضع يدها عليها واضطرارها إلى حماية المصالح اليابانية والرعايا اليابانيين من ذلك الاعتداء الذي عجزت عن قمعه السلطات الصينية. وحوادث فتح اليابان لمنشوريا ما زلت ماثلة في الأذهان فلسنا بحاجة إلى تفصيلها. غير انا نذكر في هذا المقام فقط اليابان ابدت منذ البداية عزمها احتلال منشوريا وامتلاكها فعلا، ولم تحفل بتدخل عصبة الامم لتلبية نداء الصين، ولم تقف لحظة عند أي القرارات التي اصدرتها العصبة لحسم النزاع كانتداب لجنة للتحقيق، والتوصية لوقف القتال، واعادة الحالة إلى ما كانت عليه؛ بل لبثت اثناء اشتغال العصبة بهذه الازمة الخطيرة ماضية في غزو منشوريا وافتتاحها حتى اتمت خطتها العسكرية، واستخلصت اقليم منشوريا كله، ثم انتهت بأن ضاقت بتدخل عصبة الامم، فأنسحبت منها لتكون حرة طليقة اليد والتصرف. ولم تقف اليابان عند افتتاح منشوريا بل هاجمت اثناء ذلك شنغهاي اعظم الثغور الصينية بحجة الاعتداء على بعض رعاياها واحتلت وكادت تنفذ إلى الداخل لولا ما ابدته الحكومة الوطنية الصينية من مقاومة شديدة وما انذرت به الدول من التدخل؛ ثم عادت فغزت اقليم شهلي شمال بكين، واحتلت عدة من قواعد واجتازت السور الكبير. كل ذلك لترغم الصين على الاعتراف بمركزها في منشوريا. وانتهت اليابان بأن جعلت منشوريا دولة جديدة بأسم دولة (منشوكيو)، واقامت عليها هنري بوي امبراطور الصين المخلوع، اولا رئيسا لجمهورية منشوكيو ثم امبراطور لها، وتم بذلك استيلاء اليابان على اعظم الاقاليم الصينية الشمالية واغناها، فإذا ذكرنا ان اليابان تملك من اراضي الصين شبه جزيرة كوريا وثغر تياتسين وما إليه، وبورت ارثر وتسنج تاو، وتحتل مناطق كبيرة في اقليم شانصي، استطعنا ان نقدر إلى أي حد بلغت اليابان في توسعها في الصين. موقف الدول وقد قلنا ان موقف الدول ازاء السياسة اليابانية الجديدة لم يتضح بعد، ولم يتخذ بعد صبغة رسمية. ولكن الذي لا ريب فيه هو ان الدول التي لها في مياه الشرق الاقصى وفي الصين

стр. 3710

مصالح عظيمة مثل أمريكا وبريطانيا العظمى وروسيا وفرنسا، ستقاوم هذه السياسة اشد مقاومة، وليس بعيدا ان تلجأ إلى الوسائل العنيفة إذا هددت املاكها أو مصالحها، وكما ان اليابان تقرن انذارها بالمظاهرات العسكرية وتقرير الاعتمادات الحربية الجديدة، فكذلك نرى انكلترا تقوم بمظاهرة بحرية في ثغر سنغافورة، ويعقد أمراء البحر الانكليز هنالك اجتماعا خطيرا للنظر في تعجيل الاعمال والاجراءات الخاصة باتمام قاعدة سنغافورة البحرية التي ستكون اعظم واقوى قاعدة بحرية في الشرق الاقصى، ونرى أمريكا تقرر اعتمادات مالية ضخمة لبناء سفن جديدة، وينتقل الاسطول الأمريكي من مياه الاطلانطيق ويجوز قناة بناما إلى المحيط الهادئ في اقل من يومين قياما بمظاهرة بحرية كبرى. وتحتج الدول ذات الشأن على لسان صحفها من الوجهة الدولية؛ بالمعاهدات المعقودة بين اليابان والدول بشان الصين، واخصها وأحدثها معاهدة الدول التسع التي عقدت على يد مؤتمر واشنطون سنة ١٩٢٢ بين الولايات المتحدة (أمريكا) وبريطانيا العظمى وفرنسا وايطاليا واليابان والصين وبلجيكا وهولندة والبرتغال، وتنص هذه المعاهدة على احترام سيادة الصين واستقلالها ووحدتها الادارية والاقليمية، وعلى معاونتها على النهوض والتقدم بكل الوسائل، واستعمال الدول الموقعة لنفوذها في تأييد مبدأ الفرص المتساوية في النشاط التجاري والصناعي في الصين لجميع الامم، وعلى عدم انتهاز ظروف الصين للحصول على امتيازات خاصة، ومعنى ذلك اليابان ليست حرة في ان تحتل في الصين مناطق جديدة، أو تبسط نفوذها على مناطق جديدة، وليست حرة بالاخص في ان تستأثر وحدها بتنفيذ سياسة التوسع والاستعمار في الصين؛ هذا إلا إذا كانت تعتبر المعاهدات الدولية قصاصات لا قيمة لها. وهناك غير هذه الدول الموقعة لمعاهدة واشنطون وروسيا السوفيتية؛ وهي من اعظم الدول مصالح في شمال الصين، واشدها اهتماما بسير السياسة اليابانية، وروسيا تجاور اليابان في منشوريا، وتشترك معها في امتلاك السكة الحديدية الصينية الشرقية، وفي امتلاك جزيرة سغالين، وتصطدم معها في شئون ومصالح كثيرة وقد ساءت علائق اليابان وروسيا في العهد الاخير بسبب استيلاء اليابان على منشوريا وانتزاعها القسم الروسي من السكة الحديدية الشرقية، وتهديدها بذلك نفوذ الروسيا في منغوليا، وقد كان لروسيا فوق ذلك في

стр. 3711

الصين الوسطى والجنوبية نفوذ عظيم منذ اعوام، وكانت اليابان من انشط الدول لمحاربته والقضاء عليه، والخصومة الروسية اليابانية قديمة في الشرق الاقصى، وترجع بالاخص إلى حرب سنة ١٩٠٤ التي هزمت فيها روسيا أمام اليابان وفقدت بورت ارثر ثغرها الممتاز في الصين؛ وهي اليوم اشد ما تكون اضطراما. ولا تخفى حكومة موسكو انزعاجها من السياسة اليابانية الجديدة، واستعدادها لمقاومتها وحماية النفوذ والمصالح الروسية في الشرق الاقصى بكل ما وسعت. موقف الصين ثم هنالك الصين، وهي المقصود بتطبيق السياسة اليابانية الجديدة. وقد لبثت الصين مسرحاً للفتن والحرب الأهلية زهاء ربع قرن، والدول الغربية اثناء ذلك تعمل على انتهاز الفرص لتوسيع نفوذها ومصالحها، واليابان تجاريها في انتهاز الفرص. فلما اشتد التنافس بين الدول على استغلال الحوادث الصينية، عقدت فيما بينها معاهدة واشنطون سنة ١٩٢٢ (معاهدة الدول التسع) لكي تضع حدا لهذا التنافس أو بعبارة اخرى لكي تنظمه، وقطعت الصين بعد ذلك ستة اعوام اخرى في غمار من الحروب الأهلية الطاحنة حتى قامت الحكومة الوطنية اخيراً (حكومة نانكين) لتوحد كلمة الصين إلى حد ما، ولتعمل على صون استقلال الصين والحد من التوسع الاجنبي. وقد بذلت الحكومة الوطنية في هذا السبيل جهوداً لا بأس بها، ولكن اختلاف الزعماء والقادة كان دائما يشل من هذه الجهود، ويفتح الباب لدسائس الدول الاجنبية وعدوانها المستتر بصور واساليب شتى، ولو كان الانذار الياباني متعلقاً بوقوف اليابان فقط في وجه المطامع الاجنبية في الصين، لما كان للصين كبير اعتراض عليه؛ ولكن اليابان لا تقف كما قدمنا عند هذه الناحية السلبية من سياستها الجديدة، وإنما تقرنها بادعاء حق الاستئثار بالتوسيع في الصين، وتقوم بتنفيذ هذه السياسة بطريقة فعلية منظمة منذ ثلاثة اعوام، اعني منذ غزوها لمنشوريا، ومعنى ذلك أن اليابان تريد أن تستأثر بفريستها - الصين - دون باقي الدول وأن تترك هذه الفريسة أمامها وجها لوجه؛ وليس بعيدا ان تكون اليابان قد وضعت خطتها لافتتاح الصين كلها والاستيلاء عليها اقليماً فأقليماً، وخوض معركة الحياة والموت مع الغرب والاستعمار الغربي. ولا ريب ان الصين تنكر هذه السياسة ايما انكار، وسوف تقاومها بكل ما وسعت حسبما

стр. 3712

صرح به مندوبها لدى عصبة الام وسفيرها في لندن، ولا ريب انها ستعتبر بهذا الخطر الجديد الذي يهدد كيانها واستقلالها فتعمل لتوحيد كلمتها وتنظيم قواها؛ كذلك لا ريب في ان اليابان رغم قوتها ومنعتها وفيض مواردها، تقدم على مغامرة كبيرة محفوفة بالصعاب والمخاطر؛ ومن المشكوك فيه أن تستطيع اليابان أن تتحدى دول الغرب العظمى إذا اجتمعت كلمتها على مقاومة هذه السياسة، هذا إلى ما لابد ان تبذله الصين من الجهود الزاخرة لدفاع عن استقلالها وكيانها؟ محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 3713

وادي حلفا بقلم عبد الرحمن فهمي ليسانسيه في الآداب وادي حلفا عاصمة إحدى مديريات السودان الكبرى، وهي مديرية حلفا، وهو ميناء نيلي تسير السفن البخارية الصغيرة بينه وبين الشلال تنقل المسافرين والبريد من مصر إلى السودان ومنه إليها، ويشعر الزائر المصري للسودان عندما تطأ قدمه ارض حلفا كأنه في إحدى مستعمرات التاج البريطاني، ولا عجب فمنذ جلاء الجيش المصري عام ١٩٢٤ تعمل السياسة البريطانية على ان تجعل من السودان منطقة انكليزية بحتة. وقد تلاشت المصرية أو كادت تتلاشى بعد ان كانت ظاهرة قوية فيه. ووادي حلفا له مكانته لانه كما قلت ميناء نيلي كبير ومركز تجارة لا بأس به، وهو فوق ذلك مدخل جمركي يفتش المسافرون وامتعتهم فيه حتى لا تهرب بضائع معينة من السودان إلى مصر. ثم هو الحد الذي يشعر عنده المصري بشعور مؤلم هو شعور الفصل اللاطبيعي بين القطرين التوأمين. وينقسم هذا البلد قسمين رئيسين أحدهما (حلفا توفيق) نسبة إلى مسجد كبير شيده الخديوي توفيق في ميدان فسيح يتوسطه. والثاني (حلفا معسكر) نسبة إلى معسكر الجيش المصري الذي كان يعسكر فيه حتى سنة ١٩٢٤. وحلفا توفيق هو روح البلد، ففيه الميناء المشغول بالحركة الدائمة ولا سيما عند وصول البريد إليه من الشلال وعند قيامه منه إليه ويحصل ذلك اربع مرات في كل أسبوع، وفيه محطة السكة الحديدية ومكتب البريد والبرق وبناء المديرية والمستشفى ودار الشرطة والمحكمة ومكتب الجمرك والري المصري، وفيه المحال التجارية والمقاهي والفندق وتوكيل لبعض الشركات كشركة كوك وسنجر. والدور فيه ذات طابق وأحد وفناءات فسيحة إلا بعض الدور القلائل ذات الطابقين على ضفة النيل يؤجرها ملاكها الوطنيون إلى بعض الموظفين المصريين والسوريين. وحلفا معسكر، قسم صاخب بالنهار في ناحية من نواحيه حيث توجد (الورشة) ففيه تسمع صوت المطرقة وآلات التصليح والنجارة والحدادة وغيرها. أما منذ الاصيل فهو هادئ، وهو بخلاف القسم الاول ملآن بالدور الفخمة، وافخم هذه الدور هي التي يسكنها

стр. 3714

البريطانيون، فهي مزدانة بالشجر والزهر والثمر، تطل نوافذها على النيل، ومنها تستطيع ان تمتع الطرف بمياهه الجارية، كأنها السلسبيل، وبالشجيرات على ضفتيه نضراء وقد تجمعت في مكان وتفرقت في اخر، فكأنها الزبرجد مسكوبان وكأنك تستمد الحياة من منبع الحياة. ويتوسط القسمين منتزه جميل فرشت ارضه بالبرسيم المورق قامت عليه الشجيرات النضراء المختلفة كأنها الحراس إلا انها تغفل دائما عن المنجل يحصده غالبا. وزين بالزهور المختلفة الألوان والانواع تحملها جذور وسيقان، ويدار الحاكي فيه مرة في مساء كل جمعة. ولعل (الراديو) حل محله اليوم. ويؤلف البريطانيون فيه كتلة متحدة غير مختلطة بغيرها من الاجناس الأخرى، اللهم إلا الاختلاط الذي يوجبه العمل، وهو مخالطة الرؤساء لمرؤوسيهم، يلمحون بالطلب فيلبى، ويعطون الاشارة فتنفذ، ويلقون الأمر فيطاع. أما في أوقات فراغهم فهم يريضون اجسادهم بركوب الخيل ولعب (التنس) و (الجولف) وغير ذلك، والمساء يقضرنه في المسامرة والمنادمة بين الكأس الرحيق والرقص الرشيق. والمصريون في وادي حلفا الان كما هم في غيره من بلدان السودان: اقلية ينظر إليها اولو الأمر فيه نظرة حذر، ويكادون يكونون تحت مراقبة دقيقة لانهم متهمون ببث روح التمرد وما هم كذلك، وما الحركة التي قامت في سنة ١٩٣٤ في السودان إلا فورة وطنية قام بها الوطنيون وغيرهم كما تقوم اية جماعة في أي بلد بحركة يرجون بها غرضا معينا، وما ظن الاتهام الذي يوجهه اولو الأمر في السودان إلى المصريين في هذا الشأن إلا ستارا لسياسة موضوعة لقصد معين. ولكن الروح التي تربط المصري والسوداني لا تزال قائمة ولن تزول - وهي روح وطنية -، لأنهما يريان النيل ابا مشتركا بينهما، وهي روح جنسية، لان المصري والسوداني هم مزيج من جنس البحر الابيض والجنس الحامي، ثم هي روح لغوية لأنهما يتكلمان العربية، وهي روح دينية لأنهما أما مسلم وأما قبطي، وهي اخيرا روح لا يمكن نزعها من جسم أحدهما دون ان يموت الاخر. والوطنيون هم البربريون الحلفاويون، لهم رطانة يتكلمون بها فيما بينهم، إلا انهم جميعا

стр. 3715

يعرفون العربية، وكثير منهم ملمون باللغة الانكليزية، ويمتازون من السودانيين بالذكاء والنشاط، عرف منهم قاضيا في إحدى محاكم مصر الأهلية، وعالما دينيا، وموظفين اكفاء، وتجارا قديرين. والمولودون وهم مزيج من المصري والتركي ومن السوداني، ثم السودانيون والعبيد. ويشتغل الوطنيون بالزراعة فوق اشتغالهم بالتجارة، زراعة مساحات ضئيلة بالخضر والنخيل، والبلح اهم الحاصلات. أما العبيد فمنهم عمال يحملون طرود البريد وامتعة المسافرين، ومنهم مكاريون ينقلون الاثقال على حميرهم، ومنهم السقاءون يحملون الماء إلى الدور بصفائحهم وقربهم. تتألف الحكومة في مديرية حلفا كما هو الحال في أي مديرية اخرى من مديريات السودان: من المدير وينوب عن الحاكم للسودان في مديريته، وهو بريطاني له سلطة شبه مطلقة، ويعاونه المفتش وهو أيضاً انجليزي يحل محله في غيابه، وتنظر دار المديرية في احوال الناس القضائية: الأهلية منها والشرعية، وفي جباية الأموال والمحافظة على الصحة. ويسهر على الامن رجال الشرطة ومقرهم (الضابطية) أو دار الشرطة، وهم رجال اشداء يلبسون عمامة كاكية أو بيضاء كبيرة وقميصا من الصوف الاصفر وسروالا ونعالا، يشبهون في ذلك رجال الهجانة في مصر ويعاونهم حراس نظاميون في الليل. وعلى رأس دار الشرطة المأمور وله نائب، وكلاهما سوداني، ولكل قرية عمدتها وشيوخها، تؤلف منهم محكمة قروية تعدل بين الناس. وقد حل الوطنيون محل معظم المصريين في كافة اقسام المصالح، وهم خريجو كلية غوردن بالخرطوم يلتحق بها التلميذ بعد ان يتم العلوم الابتدائية ويقضي بها ثلاثة اعوام يتخصص خلالها في أحد اقسامها، أذكر منها قسم المعلمين والترجمة والهندسة ويشترط في طالب الكلية ان يكون سودانيا. ويفضل اولو الأمر ان يلبس الموظفون الزي الوطني اثناء العمل، وهو رداء من نسيج ابيض وعمامة بيضاء ومركوب احمر، ويحثونهم على ان يفضلوه على اللباس المصري. وتقام حفلات رسمية في كل عام: اهمها عيد الميلاد السنوي، والعيد النبوي الكريم، وعيد ملك الانكليز، وعيدا الفطر والاضحى، وتدعو الحكومة كبار الموظفين والتجار والوطنيين
следующие страницы →