Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
الصين الوسطى والجنوبية نفوذ عظيم منذ اعوام، وكانت اليابان من انشط الدول لمحاربته والقضاء عليه، والخصومة الروسية اليابانية قديمة في الشرق الاقصى، وترجع بالاخص إلى حرب سنة ١٩٠٤ التي هزمت فيها روسيا أمام اليابان وفقدت بورت ارثر ثغرها الممتاز في الصين؛ وهي اليوم اشد ما تكون اضطراما. ولا تخفى حكومة موسكو انزعاجها من السياسة اليابانية الجديدة، واستعدادها لمقاومتها وحماية النفوذ والمصالح الروسية في الشرق الاقصى بكل ما وسعت.
موقف الصين
ثم هنالك الصين، وهي المقصود بتطبيق السياسة اليابانية الجديدة. وقد لبثت الصين مسرحاً للفتن والحرب الأهلية زهاء ربع قرن، والدول الغربية اثناء ذلك تعمل على انتهاز الفرص لتوسيع نفوذها ومصالحها، واليابان تجاريها في انتهاز الفرص. فلما اشتد التنافس بين الدول على استغلال الحوادث الصينية، عقدت فيما بينها معاهدة واشنطون سنة ١٩٢٢ (معاهدة الدول التسع) لكي تضع حدا لهذا التنافس أو بعبارة اخرى لكي تنظمه، وقطعت الصين بعد ذلك ستة اعوام اخرى في غمار من الحروب الأهلية الطاحنة حتى قامت الحكومة الوطنية اخيراً (حكومة نانكين) لتوحد كلمة الصين إلى حد ما، ولتعمل على صون استقلال الصين والحد من التوسع الاجنبي. وقد بذلت الحكومة الوطنية في هذا السبيل جهوداً لا بأس بها، ولكن اختلاف الزعماء والقادة كان دائما يشل من هذه الجهود، ويفتح الباب لدسائس الدول الاجنبية وعدوانها المستتر بصور واساليب شتى، ولو كان الانذار الياباني متعلقاً بوقوف اليابان فقط في وجه المطامع الاجنبية في الصين، لما كان للصين كبير اعتراض عليه؛ ولكن اليابان لا تقف كما قدمنا عند هذه الناحية السلبية من سياستها الجديدة، وإنما تقرنها بادعاء حق الاستئثار بالتوسيع في الصين، وتقوم بتنفيذ هذه السياسة بطريقة فعلية منظمة منذ ثلاثة اعوام، اعني منذ غزوها لمنشوريا، ومعنى ذلك أن اليابان تريد أن تستأثر بفريستها - الصين - دون باقي الدول وأن تترك هذه الفريسة أمامها وجها لوجه؛ وليس بعيدا ان تكون اليابان قد وضعت خطتها لافتتاح الصين كلها والاستيلاء عليها اقليماً فأقليماً، وخوض معركة الحياة والموت مع الغرب والاستعمار الغربي.
ولا ريب ان الصين تنكر هذه السياسة ايما انكار، وسوف تقاومها بكل ما وسعت حسبما
стр. 3712
صرح به مندوبها لدى عصبة الام وسفيرها في لندن، ولا ريب انها ستعتبر بهذا الخطر الجديد الذي يهدد كيانها واستقلالها فتعمل لتوحيد كلمتها وتنظيم قواها؛ كذلك لا ريب في ان اليابان رغم قوتها ومنعتها وفيض مواردها، تقدم على مغامرة كبيرة محفوفة بالصعاب والمخاطر؛ ومن المشكوك فيه أن تستطيع اليابان أن تتحدى دول الغرب العظمى إذا اجتمعت كلمتها على مقاومة هذه السياسة، هذا إلى ما لابد ان تبذله الصين من الجهود الزاخرة لدفاع عن استقلالها وكيانها؟
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 3713
وادي حلفا
بقلم عبد الرحمن فهمي ليسانسيه في الآداب
وادي حلفا عاصمة إحدى مديريات السودان الكبرى، وهي مديرية حلفا، وهو ميناء نيلي تسير السفن البخارية الصغيرة بينه وبين الشلال تنقل المسافرين والبريد من مصر إلى السودان ومنه إليها، ويشعر الزائر المصري للسودان عندما تطأ قدمه ارض حلفا كأنه في إحدى مستعمرات التاج البريطاني، ولا عجب فمنذ جلاء الجيش المصري عام ١٩٢٤ تعمل السياسة البريطانية على ان تجعل من السودان منطقة انكليزية بحتة. وقد تلاشت المصرية أو كادت تتلاشى بعد ان كانت ظاهرة قوية فيه.
ووادي حلفا له مكانته لانه كما قلت ميناء نيلي كبير ومركز تجارة لا بأس به، وهو فوق ذلك مدخل جمركي يفتش المسافرون وامتعتهم فيه حتى لا تهرب بضائع معينة من السودان إلى مصر. ثم هو الحد الذي يشعر عنده المصري بشعور مؤلم هو شعور الفصل اللاطبيعي بين القطرين التوأمين.
وينقسم هذا البلد قسمين رئيسين أحدهما (حلفا توفيق) نسبة إلى مسجد كبير شيده الخديوي توفيق في ميدان فسيح يتوسطه. والثاني (حلفا معسكر) نسبة إلى معسكر الجيش المصري الذي كان يعسكر فيه حتى سنة ١٩٢٤.
وحلفا توفيق هو روح البلد، ففيه الميناء المشغول بالحركة الدائمة ولا سيما عند وصول البريد إليه من الشلال وعند قيامه منه إليه ويحصل ذلك اربع مرات في كل أسبوع، وفيه محطة السكة الحديدية ومكتب البريد والبرق وبناء المديرية والمستشفى ودار الشرطة والمحكمة ومكتب الجمرك والري المصري، وفيه المحال التجارية والمقاهي والفندق وتوكيل لبعض الشركات كشركة كوك وسنجر. والدور فيه ذات طابق وأحد وفناءات فسيحة إلا بعض الدور القلائل ذات الطابقين على ضفة النيل يؤجرها ملاكها الوطنيون إلى بعض الموظفين المصريين والسوريين.
وحلفا معسكر، قسم صاخب بالنهار في ناحية من نواحيه حيث توجد (الورشة) ففيه تسمع صوت المطرقة وآلات التصليح والنجارة والحدادة وغيرها. أما منذ الاصيل فهو هادئ، وهو بخلاف القسم الاول ملآن بالدور الفخمة، وافخم هذه الدور هي التي يسكنها
стр. 3714
البريطانيون، فهي مزدانة بالشجر والزهر والثمر، تطل نوافذها على النيل، ومنها تستطيع ان تمتع الطرف بمياهه الجارية، كأنها السلسبيل، وبالشجيرات على ضفتيه نضراء وقد تجمعت في مكان وتفرقت في اخر، فكأنها الزبرجد مسكوبان وكأنك تستمد الحياة من منبع الحياة.
ويتوسط القسمين منتزه جميل فرشت ارضه بالبرسيم المورق قامت عليه الشجيرات النضراء المختلفة كأنها الحراس إلا انها تغفل دائما عن المنجل يحصده غالبا. وزين بالزهور المختلفة الألوان والانواع تحملها جذور وسيقان، ويدار الحاكي فيه مرة في مساء كل جمعة. ولعل (الراديو) حل محله اليوم.
ويؤلف البريطانيون فيه كتلة متحدة غير مختلطة بغيرها من الاجناس الأخرى، اللهم إلا الاختلاط الذي يوجبه العمل، وهو مخالطة الرؤساء لمرؤوسيهم، يلمحون بالطلب فيلبى، ويعطون الاشارة فتنفذ، ويلقون الأمر فيطاع. أما في أوقات فراغهم فهم يريضون اجسادهم بركوب الخيل ولعب (التنس) و (الجولف) وغير ذلك، والمساء يقضرنه في المسامرة والمنادمة بين الكأس الرحيق والرقص الرشيق.
والمصريون في وادي حلفا الان كما هم في غيره من بلدان السودان: اقلية ينظر إليها اولو الأمر فيه نظرة حذر، ويكادون يكونون تحت مراقبة دقيقة لانهم متهمون ببث روح التمرد وما هم كذلك، وما الحركة التي قامت في سنة ١٩٣٤ في السودان إلا فورة وطنية قام بها الوطنيون وغيرهم كما تقوم اية جماعة في أي بلد بحركة يرجون بها غرضا معينا، وما ظن الاتهام الذي يوجهه اولو الأمر في السودان إلى المصريين في هذا الشأن إلا ستارا لسياسة موضوعة لقصد معين.
ولكن الروح التي تربط المصري والسوداني لا تزال قائمة ولن تزول - وهي روح وطنية -، لأنهما يريان النيل ابا مشتركا بينهما، وهي روح جنسية، لان المصري والسوداني هم مزيج من جنس البحر الابيض والجنس الحامي، ثم هي روح لغوية لأنهما يتكلمان العربية، وهي روح دينية لأنهما أما مسلم وأما قبطي، وهي اخيرا روح لا يمكن نزعها من جسم أحدهما دون ان يموت الاخر.
والوطنيون هم البربريون الحلفاويون، لهم رطانة يتكلمون بها فيما بينهم، إلا انهم جميعا
стр. 3715
يعرفون العربية، وكثير منهم ملمون باللغة الانكليزية، ويمتازون من السودانيين بالذكاء والنشاط، عرف منهم قاضيا في إحدى محاكم مصر الأهلية، وعالما دينيا، وموظفين اكفاء، وتجارا قديرين.
والمولودون وهم مزيج من المصري والتركي ومن السوداني، ثم السودانيون والعبيد.
ويشتغل الوطنيون بالزراعة فوق اشتغالهم بالتجارة، زراعة مساحات ضئيلة بالخضر والنخيل، والبلح اهم الحاصلات.
أما العبيد فمنهم عمال يحملون طرود البريد وامتعة المسافرين، ومنهم مكاريون ينقلون الاثقال على حميرهم، ومنهم السقاءون يحملون الماء إلى الدور بصفائحهم وقربهم.
تتألف الحكومة في مديرية حلفا كما هو الحال في أي مديرية اخرى من مديريات السودان: من المدير وينوب عن الحاكم للسودان في مديريته، وهو بريطاني له سلطة شبه مطلقة، ويعاونه المفتش وهو أيضاً انجليزي يحل محله في غيابه، وتنظر دار المديرية في احوال الناس القضائية: الأهلية منها والشرعية، وفي جباية الأموال والمحافظة على الصحة.
ويسهر على الامن رجال الشرطة ومقرهم (الضابطية) أو دار الشرطة، وهم رجال اشداء يلبسون عمامة كاكية أو بيضاء كبيرة وقميصا من الصوف الاصفر وسروالا ونعالا، يشبهون في ذلك رجال الهجانة في مصر ويعاونهم حراس نظاميون في الليل.
وعلى رأس دار الشرطة المأمور وله نائب، وكلاهما سوداني، ولكل قرية عمدتها وشيوخها، تؤلف منهم محكمة قروية تعدل بين الناس.
وقد حل الوطنيون محل معظم المصريين في كافة اقسام المصالح، وهم خريجو كلية غوردن بالخرطوم يلتحق بها التلميذ بعد ان يتم العلوم الابتدائية ويقضي بها ثلاثة اعوام يتخصص خلالها في أحد اقسامها، أذكر منها قسم المعلمين والترجمة والهندسة ويشترط في طالب الكلية ان يكون سودانيا.
ويفضل اولو الأمر ان يلبس الموظفون الزي الوطني اثناء العمل، وهو رداء من نسيج ابيض وعمامة بيضاء ومركوب احمر، ويحثونهم على ان يفضلوه على اللباس المصري.
وتقام حفلات رسمية في كل عام: اهمها عيد الميلاد السنوي، والعيد النبوي الكريم، وعيد ملك الانكليز، وعيدا الفطر والاضحى، وتدعو الحكومة كبار الموظفين والتجار والوطنيين
стр. 3716
إلى عيد رأس السنة، وعيد ميلاد ملك الانكليز في حفل رسمي وتتولى لجنة من الوطنين دعوة الموظفين البريطانيين وعقيلاتهم إلى الاحتفال بالاعياد الأخرى، وابهجها الاحتفال بالمولد النبوي، إذ تقام سرادقات مختلفة عديدة على ميدان فسيح يضاء بمصابيح الكهرباء القوية الملونة، ويحي ليالي هذا المولد شيوخ يستأجرون من إحدى مديريات الوجه القبلي وتدار على المدعوين المرطبات ولفائف الطباق.
وبعد ان يستمع المدير ورفاقه قليلا من المديح النبوي ينهضون إلى أنحاء السردقات متنقلين بين اقسامها متفرجين على حلقات الذكر والرقص الوطني، وفي كل حلقة توزع الدراهم على بعض الذاكرين والراقصين. والنقود المتداولة في السودان هي النقود المصرية باقسامها والاسترليني والشلن والشلنين من النقود الانجليزية.
وكان وادي حلفا منفى للزعماء السودانيين المرغوب عنهم من الحكومة امثال عثمان دقنه وقد مات بها. وما زال منفيا بها زعيم آخر ولد عبد الكريم ينتمي إلى المهدي بصلة القرابة وقد زرته منذ خمس سنوات فوجدته هرماً ولكنه قوي.
وبالوادي مكان معد لنزول لطيارات التي تطير بين أوربا وافريقية عن طريق مصر والسودان.
عبد الرحمن فهمي
стр. 3717
اثر الأدب في الحياة
بقلم محمد قدري لطفي ليسانسيه في الآداب
تؤلف في الأدب كتب، وتنشأ له صحف، وتقام له جماعات وتشيد من اجله جامعات، وتعرف به رجال، فأي اثر لهذا الأدب في الحياة، وأي وظيفة يؤديها لهذا المجتمع الذي غلبت عليه المادة ولم تلق فيه المعنويات ما يجب لها من عناية وتقدير؟
ان للأدب عناصر يتركب منها، أساسها تلك العواطف التي تستولي على المرء فتحرك نفسه وتهتز لها يراعته فتدون على صفحة القرطاس تلك الحركات النفسية، وتصورها على قدر شدتها أو خفتها، فإذا عرضت على الناس حركت فيهم نفس الشعور وأحيت منهم نفس العاطفة.
وكم في هذه الحياة من نفوس دقيقة الحس صادقة الشعور تحركها شؤون الحياة وتهزها صروف الدهر، هي نفوس أدبية تحس في صمت، وتشعر في سكون. ولكن أصحابها فقدوا أداة الأدب وأعوزتهم المقدرة على التعبير عما يحسون في أسلوب جميل أخاذ، وبهذه المقدرة الفنية يتميز الأدباء من غيرهم من ذوي الحس الدقيق والشعور الصادق. فالحياة تذيقنا جميعاً حلوها ومرها. ونلقى منها جميعا ما نحزن له أحياناً ونطرب له حيناً، وهي تعرض علينا من ألوانها الزاهي البهيج والقاتم الحزين. والأديب منا من شرح حسه فأجاد الشرح، وصور لنا عواطفه فأحسن التصوير، وإذن فليتعز المحزون العاجز عن بث حزنه بنفثات الأديب المحزون، وليبحث البائس الذي لم يسعفه بيانه عما يسليه ويذهب ببعض آلامه في سطور الأديب البائس، وليقرأ المحب الذي احب فأخلص، واخلص فتفانى في اخلاصه، ولكنه كان اعجز من أن يسمعنا حديث قلبه وينقل الينا نفسه وخفى حسه، اقول ليقرأ ذلك المحب العاجز ما كتب المحب الأديب، فسيجد بين السطور نفسه مرسومة، وسيلمح في ثنايا العبارات عواطفه مصورة، فلست اعرف بين العواطف الإنسانية عاطفة تشترك فيها القلوب جميعا، وينطبق ما يقال عنها على الناس جميعا، كعاطفة الحب الخالص المتين. الست ترى الانشودة يغنيها المحب شاكيا أو باكيا، فيعدها غيره صدى نفسه وترجمان حسه؟
وإذن فالأدب ضرورة من ضرورات الحياة وعنصر هام من عناصر العيش، فيه الحزين،
стр. 3718
وسلوى المحب، وعزاء المحزون. وليست مع العزاء مصيبة. إن الأدب هو نتاج العواطف الشريفة وثمار الاحساس الجميل، ولن تجد كثمرة العاطفة في حديقة الحياة.
نظرة إلى هذا العالم تنبئك عن قدر الأدب بين الاحياء، فكل من فيه ماله آخر يومه إلى الراحة والسكون، والمرء مهما كد وجد فلابد له من سويعات تقر فيها نفسه، ويخلد فيها إلى السكون جسمه، وعندئذ فلن يجد أشهى من ثمرات القرائح والنفوس يقطفها من صفحات كتاب. ولن يجد أحلى من زهر العواطف تفوح رائحته من ثنايا النثر أو الشعر. ولن أقول أي نثر أو أي شعر، فلكل ذوقه ولكل ما يؤثر، وهي بضاعة من نتاج القرائح معروضة، فليأخذ منها كل ما يلائم حسه، ويصادف هوى نفسه.
وتريد ان تعرف قيمة الأدب في الحياة وتتبين أثره في الناس. إذن فانظر إلى رجل ليس يقرأ إلا قصيدة قد حوت رائع اللفظ وساحر المعنى، وليس يطالع إلا في كتاب قد تضمن من الحديث أعذبه وأحلاه، ومن القصص أحسنه وأشهاه، فيه شجون وفيه احزان، وفيه شكوى وفيه غرام، وفيه عاطفة حارة وحس جميل، وفيه وصف رائع وشعور صادق نبيل، ثم استمع إليه تحدثك فستجد عقلا مصقولا ونفسا مهذبة، أثرت فيها هذه الآداب فرققت حواشيها، وعملت فيها تلك القراءات فأرهفت حسها وهذبت نواحيها، وهل اجل في الحياة من نفس مهذبة وعقل صقيل؟ وهل ادعى إلى حياة الامم ورقيها من نفوس ابنائها وقد طبعت على كل حسن جميل؟ وهل مثل الأدب مقوم للطبع مهذب للنفس؟
وتريد أن تعرف قيمة الأدب في الحياة وتتبين أثره في الناس؟
إذن فنصور شعبا ينصت إلى نشيده الوطني وقد ذبحته براعة أديب قدير فحوى من معاني الوطنية ارفعها واسماها، وحرك من نفوس الناس اشرف العواطف وارقى درجات الشعور، فتحفزت نفوسهم واستعذبوا الموت في سبيل الوطن.
وللأدب بعد ذلك ناحية عامة لا تقل شانا عن تهذيب النفوس وصقل العقول واحياء العواطف السامية في القلوب، فأدب الامة صفحة صادقة من تاريخها كتبتها طائفة من ابنائها فلم تتحيز ولم تظلم، وإنما دونت فيها شعورها الخالص وحسها الصادق. ولذا عنيت أرقى الامم بالآداب وأحلتها المحل اللائق بها، وأنزلت أهلها المنزلة التي تتفق وما لآثارهم الأدبية من قيمة في الحياة. فلولا الأدب لكانت حياتنا جافة لا تحتمل، وعبئا ثقيلا لا يطاق.
стр. 3719
الاسكندرية
محمد قدرى لطفي
стр. 3720
حبل الأبد في الأدب
بقلم امين نخلة
في كفة الغروب أمس، بعد ان مال ميزان النهار، وغشى السواد الشفق، كنت أسألهم إلا يوقدوا المصباح في وجه الليل. بل ندع العتمة تتساقط على مهل وتتلبد، حتى إذا غمر السواد الجهات، غرق عبث الحياة في الليل، وسلم الأمر. . . هل مطلبي من الحياة غير هذا؟!
ثم اشرف من النافذة، فإذا المدينة قطعة واحدة في جوف الليل. خفى الشتات، وتألفت الدقائق، ومسح على الفضول. فلست أرى ما يتعالى في المشهد الأسود المنطرح إلا ذؤابات الأبنية تشمخ، وكأن بعضها في رأي العين يمشي إلى بعض، فتتلاقى وتتساند بعد البياض الفاني، والعبث المولى!
وهذا قمر الليل، يقهقه بلا صوت. . . ولقد جنح إلى المنحدر الاخر، كأنما يزلق من هنالك، فتدفق الفضة دفقا، غير العهد بها في مقاطر الصحو الازرق، حين تنقط ولا تبل الارض!
والليل فهرس البياض المنطفئ، ترى فيه العناوين، وعفاء على الحروف الضئال، والتنقيط المنمنم في كتاب النهار. فالعمود البعيد القائم الساعة ناحية الجنوب، ولا أتبين ما حواليه، عنوان طويل لبناية المسجد، ولقد خفيت المقالة وسلم العنوان. . .
وإننا في الأدب على أعقاب جيل مال ميزانه، وطفقت العتمة تتساقط عليه، فعما قليل تغمر نوافله، وتبتلع توافهه. ولا يسلم منه في الغرق الاعظم إلا العناوين الجديرة بالسلامة! ويسلم القمر ذو القرص الباقي، والشعاع المجدد
كنا في (الباروك) (١) - في مطلع الصبى - نجول بالضاحية، حيث كان (لامرتين) يهبط الخضرة والفيء على الينابيع. أو نصعد في الهضبات حيث مر جواد (ابي الطيب). . . (وعقاب لبنان وكيف بقطعها) فيقول وأحدنا للرفقة:
- ترى أي شئ من هذا الريف لفت صاحبنا؟!!
وكنا بعد لم نتعلم التريث في الجواب، فتنطلق الأجوبة في الرفقة كما يهتاج العش! فالطاحون الذي يهدر حتى آخر الأبد عند الشجر، كأنما يهوم للجمال الأخضر فينعس وينام،
стр. 3721
وقد افتن به (لامرتين) ولا ريب! وافتتن بالبحيرات الصغيرة التي يبسطها النهر بين مرجين حين يتهمل - وهي لا تبرح إلى اليوم تنتظر (صاحب البحيرة!) وبدرب النهر ساعة تحدر الفلاحات بالجرار الحمراء في العشايا، ويسلن فوجا غب فوج، فيغدو الدرب نهراً للاحاديث والغبطة يدفق من الضيعة إلى الوادي. . .
أما (أبو الطيب) وهو لم يعرج على الباروك في (وعقاب لبنان وكيف بقطعها) فقد كان حسبنا منه، ان يلتفت في رأس الجبل إلى خيمة الناطور التي تتلاقى عليها عيون القرويين من كل حقل. فيثنى رأس جواده، ويطل من شاهق - وهو الشتاء (٢) - على البساط الأبيض الذي نقيم عليه أيام الثلج في (الباروك)! كذلك كنا في الصبى الاول، نحسب الدنيا تبتدئ. ويخيل الينا ان (لامرتين) كان عندنا أول أمس، وكان (أبو الطيب) أول من امس. وأن خيمة الناطور تلك، وطاحون الوادي، ودرب النهر، معالم ثابتة على الزمن، بذهابها ذهاب الباروك والينابيع والربوات والشجر وهاتيك الدنيا الصغيرة!! فلما كبرنا عن الصبى وكبرت الدنيا وصغرت (الباروك) - وكانت خيمة الناطور قد سقطت وانهد الطاحون، وعفت الدروب على النهر - لم يذهب من القرية شئ! بل ظلت لنا (الباروك) قرية بنهر وجبل وضاحية، كما كان عهدنا بها اول العمر. ذهب النافل من ذلك الجمال الباروكي في غرق الأيام وعتمة السواد، وسلم ما ينبغي له. فلو مر جواد (ابي الطيب) في رأس الجبل لثناه راكبه، وقف يتلفت! ولو نزل (لامرتين) بين البحيرات والدروب لآنس نعيما ظلا واخضراراً.
هكذا نقول لأصحابنا في مشادة العبث بين (القديم والجديد)، فالزمن يمسح النافل، ويبقى على المحتم النافع. وليس في الأدب قديم ولا جديد، بل الأدب كد على الحق، ووله بالجمال. تسقط عتمة الآباد ألف مرة على الصنيع الفني الذي غمس بألوان الوله والكد وهو السالم الباقي لا يأخذ الليل منه حرفا!
فالحسن حسن على كل جيل. والتافه تافه أبداً. ما أخر القدم قيد شبر، ولا قدمت الجدة قلامة ظفر.
ولقد سبقنا إلى الدنيا، وجاءها أناس كلفوا بالجمال والحق. وداروا على اللباب في الدروب. فآنسوا نارا ثم ألفوها ونزلوا رماداً. فكيف يسوغ لنا، ونحن في الدرب من ورائهم، ان
стр. 3722
نقطع ما بيننا وبينهم، ويقال أدب قديم وأدب جديد؟؟!
ان الكدح القاسي في صعيد الفكر، والتضحية السمحة على مذبح (فينيس)، والتنقيب في بياض الصحيفة عن الدنا المنحجبة، كل هذه عرفها الرصيف القديم (بين الدخول فحومل. . .). .
فطلب البلاغ الحر، وقلب النسق في الصنيع الفني، وإبدال ألوانه وصبه على شكيلة الحياة القائمة كانت في وكد الاساتذة السالفين جيلا تلو جيل. وهكذا يقال في شيوع الخاطر من المستهل إلى المقطع، وفي تماسك الحسن الذي لا يبذل للنور نفسه، وفي الميسم المطبوع والنفس الخاص، وفي المعنى الذي يسكن المبنى ولا يمد ساقيه على بحبوحة اللفظ - ذلك كله كان من أغراض الأساطير فيهم، يوفقون إليه حينا وينكصون عنه حينا. فليس الأدب ابن يومه، ما خطرت مطالب الحياة منه على بال أحد في الزمن لتقوم الضجة علينا، ويتنادوا بالويل بعد أن اردنا الأدب حياة وقوة وخفق جناح. . وأطفأنا الشمس بأكفنا!!!
وعندي ان الاساتذة الموتى الذين سلكوا السبيل قبلنا - وكأنهم مضوا ليفسحوا لنا المواضع - من حقهم ان يطرقوا خواطرنا، وان يرشفوا قليلا من الحياة في ألفاظنا. فهم، ﵏، لم يبق لهم من سبيل إلى الضياء إلا هذه الحروف التي تشع فيها خواطرنا هذا حبل الابد هيهات ان ينقطع. والأدب بشرى قبل كل شئ، فليس في استطاعة أحد ان يقطع الحبل! والأدب أخو الحياة لا قديم فيه ولا جديد، بل هو وله الجمال وكد على الحق، وما عداهما فهراء!؟
لبنان
امين نخلة
стр. 3723
تطور الفلسفة
بقلم على محمد راضي
الإنسان المدرك رأس هذه الخليقة التي تدرجت نحو استكمال نموها حتى تمخضت عنه. ومتى أدرك ما حوله اعمل فكره في تعليل ما يرى ورجع إلى نفسه يبحث انفعالاتها وآثار ارادتها، فهو إذن فيلسوف بطبيعته، ومدفوع للتفكير بحكم جوده وعمل حواسه وعقله وإذا عنى الباحثون بدراسة الحفريات لنوع وأحد من الكائنات ليصلوا إلى مقدار تطور حياته فما أولى طلاب العلم ان يصلوا بين حلقات تفكير الإنسان منذ سكناه الكهف وصيده الوحش لاستخدامه الكهرباء واكتشافه مغناطيسية الحياة.
الطبيعة والإنسان متلازمان، وبينهما أوثق الروابط. . هي معلمته التي تلقى عنها أول دروسه، وهي موضع بحثه منذ اللحظة الأولى لوجوده، يكافحها مرة فتتسع دائرة مجهوده وتفكيره، ويستخدمها مرة فيبني صرح تقدمه وعظمته. ولكنها ضنينة باسرارها، وهذا ما يبعثه على إعمال الفكر في تعليل مظاهرها وتكليف نفسه مشقة البحث عن اصل وجودها وعلة استمرارها.
أبصر من مظاهر الطبيعة ما لم يساعده عقله (الطفل) على فهمها، وعجز عن التعرف على اسبابها، فأحال صدورها إلى قوى لا يدركها تماماً، وما دامت لا تخضع لإرادته فهي أقوى منه واشد بطشا، ولذا اعتقد بالارواح الساكنة في الغابات، وقدم للآلهة المتعددة القرابين ليبعد بها عن نفسه غضبها، واعتقد بتجسد هذه الارواح في بعض الكائنات الحية. وكان اليوناني يعتقد باله الحب والقوة والجمال والماء والأرض، ولا يزال الهندوس يقدسون البقر، وبعض أهالي فارس يوقدون النار ليطردوا إله الظلام ويساعدوا إله النور. وعليه فالعقيدة هي محور الفلسفة الاولى الذي دارت حوله، وطبيعي ان يلجأ الإنسان وهو منزعج الحواس بما يكتنفه من هزيم الرعد ووميض البرق وانبثاق الحمم المستعرة إلى الاعتقاد بوجوب التقرب والخضوع للقوة التي تصدر عنها. . انه بذلك يدرأ عن نفسه غضبها، وتهدأ وساوس نفسه وشكوكه.
ولكن لم يقف تفكير الإنسان عند هذا الحد الذي تسلط فيه عليه الوهم، بل جعل يفكر في منشأ هذا الكون. . . والعالم في نظره الأرض التي تعيش على سطحها، والشمس التي تمده
стр. 3724
بنورها، والقمر والكواكب التي تلتمع كلما جن الليل، فقال بوجود العناصر الأربعة (التراب. والماء. والهواء. والنار.) ثم تدرج إلى القول بوجود عنصر وأحد هو الماء، ثم عدل عنه إلى الهواء لأنه أبسطها وأسرعها انتشاراً. ولعل هذه هو اساس الاعتقاد بالسديم الذي لا يخرج عن كونه غازا ملتهبا متحركا حول مركز جذبه. . . واليوم يؤمن الإنسان بوجود الاثير، ولم يصل بعد إلى تعرف طبيعته ويضطر لافتراض وجوده ليعلل حدوث الاهتزازات والتموجات التي تنشأ عنها القوى المحركة والمرتبة للجزيئات الترتيب الذي يجعلنا نرى المادة في أوضاع واشكال مختلفة.
واخيرا قام مذهب المعتقدين بوجود وحدات كهربائية (الكترونات) تتحرك بواسطة التجاذب الذري، وان الكهربائية نفسها مؤلفة من ذرات. وقد قاد الإنسان إلى بحث سر الطبيعة ما أودع في نفسه من كلف بكشف كل ما يغمض عليه فهمه أو تعليله. . وقد أداه هذا الشغف إلى التفكير في أمر نفسه لا من حيث الاحتفاظ بوجوده وسد حاجاته الضرورية، ولكن من ناحية فلسفية أدق ووجهة اكثر تعقيدا. .
يشعر الإنسان بوجوده بطريق يقيني، وهذا اصل معرفته، ولكنه لم يدرك كيف تقوم معرفته لما يحيط به، وكيف يفكر؟ وما هي القوة الباطنة التي تؤثر فيه وتوجهه إلى حيث تريد؟. . .
الى هنا طويت صحيفة الفلسفة الطبيعية التي أضاع وقته في خلق فروضها طاليس وانكسمندر وانكسمينس. . وبدأ طور جديد تدور أبحاثه على الإنسان نفسه، ويعتبر الواضع للاساس الجديد سقراط زعيم فلاسفة اليونان وتلميذه افلاطون. . ولكنهما لم يتعرضا لتحليل العقل الإنساني باعتباره القوة المدركة، ولم يذكرا لنا شيئا عن ماهية النفس الإنسانية وقصرا بحثهما على اعمال الإنسان ووجوب مطابقتها لما هو حق وعدل وخير. . صحيح أن افلاطون كان يقول بقدم المادة، ولكنه كان يعلل عملية الادراك بوجود صورة سابقة في النفس للكائنات الموجودة، فهو القائل بوجود عالم العقل وعالم الحس.
والحقيقة ان دراسة الفلسفة الإنسانية من الناحية التي عنى بها المعلمون الثلاثة (سقراط وافلاطون وأرسطو) تنطبق على مباحث علم الأخلاق اكثر من مباحث الفلسفة نفسها، ولهذا كان غرض أقطاب الفلسفة الحديثة إتمام النقص الذي ظل موجودا بعد الفلسفة اليونانية.
стр. 3725
ومباحث الفلسفة الحديثة تتمم الفلسفة الإنسانية من حيث تحليل الحركة الفكرية، وعلاقة الجسم بالعقل، وقدرة العقل على فهم الحقائق، وحركة الفكر الذاتية (التأمل) ثم بحث النفس الإنسانية وهل لها وجود مستقل أو هي نتيجة لاتحاد القوى المدركة بالقوى المفكرة في الإنسان؟
ولما كانت هذه المباحث من المعضلات العويصة الحل اتخذ كل فريق من الفلاسفة لحلها طريقاً خاصاً، ففريق اعتمد على العقل وحده فانهدم صرح العقائد الموروثة، وعاد العقل يزنها بمقياس الاستقلال الفكري مستعينا بقوانين المنطق، ولكن التوى على جماعة العقليين قصدهم لان العقل بدأ يبحث نفسه، وتطرق الشك إلى كيفية حدوث الادراك، وإذ ذاك لم يجد الباحثون بدا من الالتجاء إلى الحواس والاعتراف بأنها طريق الادراك، وهذا اساس المذهب (التجريبي)، ومع ذلك قام من يثبت أن الحواس تقوم بعمل ميكانيكي، وان المخ في دائرة عمله في الحكم على ما تحمله إليه الحواس قاصر، وان هناك بجانبه وجدانا له انفعالات خاصة لا دخل للحواس ولا للعمل الفكري في أحداثها. ولذا قسموا العقل فقالوا بالعقل المدرك والعقل الملهم أو الخالص.
ويطول البحث إذا اتينا على حجج كل فريق، ولكن ما لا شك فيه ان للنفس البشرية وجودا مستقلا وارادة خاصة غير ما تبعثه فيها البواعث الخارجية ويصل إليها من طريق الحواس والذي يهمنا ان الفلسفة تحولت من اعمال الإنسان إلى أفكاره ومن تفكيره إلى ماهية نفسه. وهذا آخر مدى وصلت إليه الفلسفة الإنسانية.
واليوم تقوم فلسفة اخرى تبحث النوعين الرئيسين (الفلسفة الطبيعية والإنسانية) لا على انهما منفصلان، ولكن على اساس ايجاد الروابط التي تربط الإنسان بالطبيعة، ونتيجة هذا البحث الوصول إلى الغرض الاسمى الذي لم يستطع الإنسان منذ وجوده ان يظفر به لقصر تفكيره ونقص استعداده. وان اليقين بوجود الله من طريق العقل قد حل مشكلات الفلسفة قديما وحديثا. .
لقد ادرك الإنسان ان ما يراه من مظاهر الطبيعة لم يسخر له اعتباطا، وان القوانين الطبيعية التي لم يتطرق إليها الخلل لم توجد اتفاقا، وان صلة الإنسان بالطبيعة ضرورية، وان عظمة الخالق كما تظهر في سر الكهرباء والجذب تظهر في سر النفس وخلود الروح،
стр. 3726
وكما عجزنا عن تعرف ماهية القوة المسببة للحركة العامة للمادة. فما أحرانا أن نكتفي من بحث الروح باليقين بوجودها.
ان نوعا من الفلسفة لا يزال غير مطروق مع عظيم فائدته. . على الفلاسفة اليوم أن يتركوا بحث الإنسان فرداً فقد قام الإنسان بنصيبه من التفكير في أمر نفسه. ولكن عليهم أن يضعوا لنا فلسفة أجدى، وان يصرفوا جهودهم لبحث القوانين العامة التي يجب أن تربط المجتمع الإنساني. . إن فلسفة المجتمع هي الغاية التي يجب أن ننشدها لتتم سنة الارتقاء وهي الناموس الذي يحكم الطبيعة والإنسان؟
على محمد راضي
стр. 3727
قصة من الواقع
الأمل الضائع
أو كذبة ابريل
لا تظن أيها القارئ الكريم أني سأحدثك عن سبب هذه الكذبة ولا متى
واين وجدت؟ فذلك بالمؤرخ اجدر، ولا عن مدى أثرها في نفوس من
وقعوا في حبائلها: أخير هو أم شر؟ أجميل أم قبيح؟ أنافع أم ضار؟
فذلك بعالم الأخلاق أو النفس أليق. إنما أحدثك بلسان أديب، رأى رأي
العين قنيصة من قنائص هذه الكذبة، على غير علم منه انها قنيصة،
وإنما أردت ان اطرف بها القراء؛ لأنها كما سيرون طريفة حقاً،
محكمة في نسجها احكاماً، حتى لقد بدت - وهي الباطل المزخرف -
كأروع ما يكون الحق، ومثلت مع أديب شاعر لم يتسرب إلى قلبه
الشك في صدقها؛ ولعل ذلك إلى ان الأديب خلق اطهر الناس فطرة،
وأنقاهم سريرة. . . ضحك الأديب المكذوب عليه مع من ضحكوا على
هذه الاكذوبة، وربما كان اكثر إغراقا في الضحك، ذلك انه وقف من
أصحابها موقف جاد من هازلين، متفرج على ممثلين: صادق مع
كاذبين.
طرحت إحدى المجلات الشهرية المصرية على الشعراء مسابقة أدبية، ذات جوائز مادية، وانتهى موعد التقديم، وترقب كل شاعر وأديب نتيجته، كما يترقب المساهم في بعض الأنصبة نصيبه. . .
وفي ذات ليلة من ليالي ابريل، فكر ثلاثة من الأصدقاء في ان يكذبوا (كذبة ابريل) ولم يطل التفكير؛ فقد كانوا مساهمين في هذه المسابقة الأدبية، فلماذا لا تكون المسابقة هي مادة
стр. 3728
الكذبة؟ ولماذا لا يكون أحد المتسابقين غيرهم موضوعها؟ ولماذا لا يكون ذلك الأحد صديقا لهم، اشتهر فيهم بالحلم، فيأمنوا عاقبة ما تحدثه الكذبة في صدره؟ واخيرا لماذا لا يتلهون بهذه الاكذوبة ويقطعون بها وبالحديث عنها فترة الانتظار، انتظار النتيجة الممل.
اختمرت الفكرة، لكن بقي أن تصقل بصقل الدهاء، وترتب حوادثها تباعا، ويشذب ما عساه ينتأ فيها من شبه وظنون، ويبعد عنه ما عساه ينبه قوة الملاحظة التي ستغرق في حلم من الاكذوبة لذيذ. .
تولى أحد المتآمرين سرد حوادث الكذبة كما ستقع، وتولى الآخر الاعتراض، وتولى الثالث الرد، وهكذا تبادلوا الاسئلة والاجوبة والنقد والتمحيص، حتى اقر الجميع متانة صقلها، قوة سبكها ثم تعاهدوا على ان يتكاتموا سرها حتى على أنفسهم ليضمنوا لها النجاح والتوفيق.
ابتدأت الخطوة الاولى من التنفيذ بكتابة خطاب إلى هذا الصديق المتسابق بخط صاحب المجلة الزائف، ولكن مع كثير من التقليد، وبخاصة الامضاء. وهذه صورة من الخطاب!
(فلان. . . تحية. . . وبعد فيسر صاحب الامضاء ان يبشركم بالفوز في مضمار المسابقة. والمجلة تهنئكم به، وتطلب اليكم أن ترسلوا صورتكم الشمسية لتصدر بها قصيدتكم المحلية في ميعاد لا يتجاوز ٢٨ الجاري. . والسلام)
الصق الخطاب وكتب عليه عنوان صاحبه، وسلم إلى بريد القطار الذي يؤم القاهرة أو بعبارة أدق وضع في صندوق بريد المحطة طمعاً في ان يصل إلى القاهرة خطأ فتعيده تلك إلى مكتب البريد الذي يوصله إلى صاحبنا، حتى إذا نظر إلى الخطاب لا يشك في انه صادر من موطن المجلة - كلف أحد المتآمرين ان يرقب عن كثب مصير الخطاب حين يصل القطار - تنبه البريد إلى هذه الخطأة فأرسل الخطاب إلى مكتب بريد البلد قبل ان يصفر القطار، وذلك ما لم يكن في حساب المتآمرين؛ وسرعان ما تلافوا ذلك بأن تطوع أحدهم بحمل الخطاب من مكتب البريد إلى حيث توضع خطابات صاحبنا على مكتبه، وتولى حراسته حتى لا ينظر فيه غير صاحبه خشية ان يدرك بوساطة خاتم البريد انه مصدر من البلد نفسه، لانه سينظر إليه بعين فاحصة فتنكشف العصا كما يقولون، لا كما سينظر إليه صاحب الخطاب بعين اللهف على ما فيه. . . هل صاحبنا في وقت تعود فيه أن يتسلم بريده، فأبرقت أسارير جبهته، حين وقعت عينه على ذلك الخطاب، وأنت أدرى
стр. 3729
كم يكون سرورك حين تقع عينك على خطاب، ولو كان ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب. . . تناول صاحبنا الخطاب بيد مرتعشة، رعشة الفرح أو الإشفاق لا أدري! ومزق الغلاف ونظر في سطور الخطاب نظرة سريعة وإذا بالبشرى، بشرى الفوز في مضمار المسابقة يفوح عبيرها؛ فيملأ انفه ويسري منه إلى اعصاب المخ والقلب سريان البرق، فيصدر في غير وعي، اشارات الفرح وإمارات الانتصار، غير ناظر إلى خاتم البريد، ولا ممعن في النظر إلى السطور الزائفة. . .
(اعطني عقلك!) لا نظر ولا انتظار، ولا هدوء ولا قرار، على مثل ذلك النبأ السار. . .
اغتنم حارس الخطاب هذه النشوة من صاحبنا فاختلس الغلاف وأخفاه حتى لا يعيد النظر إلى الخاتم بعد زوال السكرة، ورجوع الفكرة، ثم اظهر الحارس الفرح بفرح أخيه، وتناول الخطاب من يده، واخذ يطوف به على بقية الإخوان، مبشرا من لم يتآمر منهم بنجاح صاحبهم، ومن تأمر بنجاح مؤامرتهم. . أرأيت كيف تدبر المؤامرات وتحكم التلفيقات؟ ألم يصدق المثل القائل (كذب مرصوف، ولا صدق مندوف) وهنا اقترح المتآمرون على صاحبهم ان يدفع ثمن هذه البشرى (حفلة سمر أخوية مسائية تقام في بيته) وايد هذا الاقتراح سائر الاخوان فلم يسعه إزاء هذا الاجماع إلا أن يوافق بعد تردد لم يطل مداه إذ بخسوا له هذا الثمن (بمبلغ زهيد يشتري به فاكهة، وتقام حول مائدتها حفلة تكريم، للشاعر العظيم)، ودفع صاحب الثمن لأحد المتآمرين الذي تطوع بأن يقوم عنه بمهمة شراء الفاكهة، وانه سيتبرع هو الاخر بنصف هذا الثمن، حبا وكرامة - التفت ذهن الشاعر إذن إلى الصورة الشمسية، ورأى ان ما عنده من الصور لا يصلح لمثل هذا التفوق فقرر ان يحضر صوراً جديدة تكون أنقى وأجمل. وتواردت في ذهنه هذه الاسئلة: من ذلك المصور الماهر الذي سيحظى بشرف تصوير حامل قصب السبق في مضمار أدبي؟ من أي المدن القريبة يستحضرها؟ أي القطر يستقله إلى المدينة؟ متى يسافر؟ كيف يحصل على اجازة من عمله؟. . .
بعد لأي قرر السفر غداً - ولكن اخوانه المتآمرين كانوا قد قروا ان تكون هذه الاكذوبة مداعبة ظريفة ليس اكثر، فرسموا خطتهم على لا يكون سفر، والا يكون ما وراء السفر من مشاق ونفقات، ولا ما وراء ارسال الصورة الشمسية إلى صاحب المجلة مما تعلم، وما لا
стр. 3730
تعلم. . . كان ذلك واكثر منه سيحدث لو لم يقرر للمداعبة ان تكون ظريفة غير قاسية: لذلك قرروا ان تكون حفلة السمر في مساء ذلك اليوم، وان يفاجأ صاحبنا بأكذوبة ابريل بعد ما عساه ان يقال، من خطب ومقطوعات وازجال، في حفلة كلها أدباء أبطال.
قضى الشاعر يومه غير محسوب من عمره كما يقولون: احلام شهية، وأمال طلية، وشرف ومجد، وصيت لا يحد، ذهل حتى عن نفسه، واختلط عليه يومه بأمسه، يخاطبه مخاطبةً فيجيب (نعم) حيث الجواب (لا) يجيب (لا) حيث الجواب (نعم)، وقد يكتفي بإيماءة من رأسه تصلح للنفي والاثبات، وتؤدي معنى لا ونعم، وما ان فرغ من عمله حتى رأى نفسه في حجرة الاستقبال في بيته، ينظم وينسق، ويرتب وينمق، ثم في حجرة المائدة يكللها بالازهار لأنها ستحظى بتكريم فائز المضمار. . . دقت الساعة تسعا، فدقت (سماعة) الباب وإذا الطارق اخوانه المحتفلون، اخذ يحييهم، فيهنئون، ثم دعاهم إلى المائدة، فطفقوا يأكلون.
جلس الشاعر على مقعد التكريم، ولاول مرة يفوز بهذا المقعد فأحس الخيلاء تتمشى في نفسه، وخواطر العظمة تجيش في صدره، انبرى الخطباء أمام المنصة، يقولون ما سمته مرارا حول موائد التكريم، حديث معاد، لا يحرف ولا يزيد، وكان الخطباء بين اثنين: جاد منسجم في جده، وهازل غارق في هزله. والشاعر ترتسم على وجهه ألوان متعاقبة متأثرة بما يقال، فهو خجل حين يفيض المدح، متواضع حين يغلو الاعجاب، مبتسم حين تشرق الدعابة، ضاحك حين تدوي النكتة، مزهو يذكر السبق في المضمار، ثمل حين تدار كأس الانتصار؛ انتهى الخطباء من كلماتهم، ولم يبق غير وأحد من المتآمرين اعتذر بأن كلمته قصيرة فاترة، قد يفوح شذاها ان جعلت مسك الختام.
وهنا قام الشاعر المكرم، يؤم المنصة، متئد الخطى في دلال، مصعر الخد من جلال، ولم لا؟ الم يكن المجلى في حلبة الفرسان؟ ألم يفز بالقدح المعلى في الرهان؟ الم يشر أو سيشار إليه بالبنان؟ الم يصرع - وهو الشاعر الناشئ، والأديب الحديث - فحول الشعراء، قدامى الأدباء في الميدان؟ اخذ أمام المنصة يجول ويصول ويهز جوانبها تارة بالشعر المصقول، واخرى بالنثر المعسول، يخلع على الخطباء أبهج الحلل، ويقلدهم أنصع الدرر؛ حتى ملأ السمع، واثلج الصدر، وأفعم القلب؛ واخيرا جلس كما قام بين عاصفة من الهتاف
стр. 3731
والتصفيق. .
قام صاحب مسك الختام، وألقى في اول كلمته ما يناسب المقام، ثم. . . ثم مإذا؟. ثم استجمع قواه، وشد من اعصابه كما يتجمع من يهم بالقاء قنبلة داوية، وأراد ان يلقيها كلمة صريحة فلم تطوع له نفسه أن يقذف بها صديقا أعز عليه من نفسه، ولكنه أرسلها مبهمة تأخذ النفس في استجلائها رويداً رويداً فتأنس لها ولا تنفر منها نفورا كبيراً. . إذن ماذا قال؟ قال! (ألما يزل في ابريل، ذلك الشهر الطويل، شهر الكذب والتضليل) وسكت. . . هنا ذهبت نفوس المحتفلين غير المتآمرين وأولهم الشاعر في تأويل ذلك الذي قيل كل مذهب، وأخذ الشك يدب إلى يقينهم، رويدا رويدا، كما يدب غسق الليل إلى وضح النهار حين الغروب،. . . ولكن مازال في الافق بصيص من نور، وفي النفس ذبالة من أمل، لقد اطفأه ظرف الخطاب (أنسيت الخطاب المزيف؟) الذي عرض على الجميع بين الدهشة والاستغراب، فوجدوا ان خاتم البريد هو لمكتب البلد الذي به صاحبنا ن غير انه ختم به مرتين ذلك الخطاب الذي لم يحظ بركوب القطار. . . وإذن كان ظرف الخطاب، هو فصل الخطاب، قطعت به (جهيزة قول كل خطيب) وصاح الجميع في نفس وأحد، ابريل. . . ابريل، كذبة ابريل! لقد مثلت أجود تمثيل، فكانت كذبة رائعة محكمة، وكانت مفاجأة لذيذة متعة. فهل كانت كذلك في نفس شاعرنا الكريم؟ الجواب والمعنى في بطن الشاعر كما يقولون. فوجئ صاحبنا بكذبة ابريل، وانت ادرى ما يحوم حول المفاجآت من تكبير وتهليل.
آفاق الشاعر من حلم لذيذ، دام من الثامنة صباحاً إلى العاشرة مساء، على صوت قذيفة هذه المفاجأة الصارخة، وانهار في لحظة واحدة من الواقع ما بناه الخيال والوهم من صروح في ساعات وغار البشر في ظلام العبوس، ودفنت النشوة في وجوم الدهشة، وأرسل صاحبنا قهقهة عالية عصبية؛ أمن الغيظ أو الكذب أو الغفلة؟ لا ادري! ملأ السامرون حجرة السمر بصوت مزيج من التصفيق الانتصار، وضجيج الدهشة، وصياح الانكار، وضوضاء الفرح، ونشيج الامل.
فكيف كان موقف شاعرنا؟ تكلف وسط هذا الموج الصاخب أن يظهر بمظهر الرجل الثابت الذي يقابل الخطوب بابتسام. والأكاذيب بابتسام، وهتف من اعماق نفسه (الا لعنة الله على
стр. 3732
الماجنين، واخذ يسلي نفسه بما حضره من حكم الشعراء، بمثل قول ابي العلاء.
فظن بسائر الاخوان شراً … ولا تأمن على سر فؤادا
فلو خبرتهم الجوزاء خبرى … لما طلعت مخافة ان تكادا
هنا أحس زعيم المؤتمرين ان تلك المفاجأة - مهما يكن من شئ - قاسية شديدة، فأخذ يلطف حرارتها، ويخفض من شدتها بما قال مخاطبا الشاعر: لا يكن في نفسك يا أستاذ أثر من كذبة ابريل، فوالله ما تدري. لعل ذلك فأل جليل، فتطلع علينا في غرة مايو الجميل المجلة النزيهة. وفيها لك تاج واكليل.
حسن! وما رأيك في ان ذلك الشاعر الموتور. هو صاحب تلك السطور؟
فرحات عبد الخالق
стр. 3733
٣ - بين المعري ودانتي في رسالة الغفران
والكوميدية المقدسة
بقلم محمود احمد النشوي
اثر الروايتين في اللغتين العربية والايطالية
حدثنا الدكتور جوفاني كابو فيلا عن أثر دانتي في اللغة الايطالية إبان تقدمته لروايته فقال (إليه يرجع الفضل في تثبيت دعائم اللغة الايطالية التي ملأها وهي لا تزال في مهدها بأقاصيص الحب والعدالة والحرية والجمال).
تلك كلمة نسطرها مقتنعين بها. فاللغة ايطالية وكل لغات أوربا الحديثة إنما تزداد على مر الأيام جمالا وحسنا وثراء من أخيلة ومن ألفاظ. انها تطرد في الحسن اطراد الاوربيين في الرقى. وهكذا اللغة تقوى بقوة الامة، وتضعف بضعفها. وانا لنتقرى مصداق تلك النظرية في الاوربيين المعاصرين فنرى نسبتهم في اللغة كنسبتهم في القوة. وقد كان الايطاليون ضعافا في عهد دانتي فكانت لغتهم وليدة، كما قال الدكتور جوفاني.
ونحن ما دهانا في لغتنا؟. لقد كان عهدها الذهبي عصر المعري إبان القرن الخامس الهجري. ومن ذلك الحين أخذت تفقد شعاعها على يد التتار في الشرق، والاسبانيين في الغرب، والمماليك في مصر، ولا زالت تضعف تراكيبها، وبتهليل نسيجها، حتى بلغت درجة (الصفر) ضعفا وهزالا أواخر القرن الثالث عشر الهجري.
بيد ان نهضتنا المباركة أعادت للعروبة طراءة الشباب وجمال الفتوة. وارتنا كتابا من المعاصرين لا اسميهم، ولا ابالغ ان قلت انهم في الطليعة يسايرون الجاحظ، وابن المقفع وعبد الحميد، وعمرو بن مسعدة. في الفكرة وفي الاسلوب.
فذلك الضعف المطرد في الامة العربية منذ القرن الخامس الهجري. وتوالي الكوارث، والمحن عليها اضعف من لغتها. وجعل أثر (رسالة الغفران) محدودا. وهل تستطيع رسالة الغفران أن تقاوم الضعف التي تفتحت أبوابه علينا من كل اتجاه؟. ان ذلك غير مستطاع. ولو انها رقت ألفاظها وعذبت مفرداتها، وسلمت من غرابة اتشحت بها، لرجونا ان تلوكها الالسن فتعذب، وتجول في جنياتها الاخيلة فتسمو. ولكنها ابت ان تخرج للناس سافرة غير
стр. 3734
ذات نقاب. فوضعت من دونها حجباً واستاراً من اغراب ووحشية ومعاظلة لا تزول إلا بعد استشارة القاموس ولسان العرب ومعاجم اللغة. وقد تجد طلابتك وقد لا تجد. نعم قد لا تجد شرح بعض مفردات (رسالة الغفران) في معاجم اللغة كلها. فحالت الغرابة دون تناولها، بقيت صدفاتها مغلقة على لآلئها، فلم ينتفع بها أحد.
نزعة في أبي العلاء إغرابه والعصر عصر حضارة، وتوعره والزمان زمان رقة نمت في نفسه بنمو مزاجه السوداوي، وتقوت دعائمها بما كان يكاثر به العلماء بعضهم بعضا في عهده من المباهاة بالغريب. ثم صوغه في قالب جذاب ترغيبا في حفظه.
تلك المدرسة التي كان يرفع لواءها الحريري المتوفى سنة ٥١٦ والتي وضع أساسها ابن دريد المتوفي سنة ٣٢١. وابن فارس المتوفي سنة ٣٩٠. والخوارزمي المتوفي سنة ٣٨٣، والبديع الهمذاني المتوفي سنة ٣٩٨، وابن نباتة السعدي المتوفي سنة ٤٠٥. والتي كانت تكلف بالغريب تتلمس أوهى الأسباب لذكره والاكثار منه، كان لها اثر في نفس المعري. فحببت إليه الأغراب والإغماض. وأخرى لعلها حدث به أن يغرب. تلك هي السخرية والدعابة التي يشم منها رائحة التطاول على الدين. فعمد المعري للغريب يتوارى خلفه. ويتخذه مجنا دون من كان يتقى، فأرانا أفانين من الاغراب تعرب عن علمه باللغة بما تقصر دونه الأعناق ولا تكاد تحيط به العقول. ولقد كان يأتي ببعض الغريب ثم يفسره مما نستنبط منه أن شرح المفردات اللغوية كان أحد أغراضه من تدبيج رسالته.
وحسبي أن أضع أمامك بعض نصوصها لتحدثك عن غرابتها، فأول ما ينطق به في رسالته قوله: قد علم الحبر الذي نسب إليه حبريل (بالحاء). وبينا ابن القارح يطوف في روضات الجنة إذا به ينظر خمسة نفر فيقول لهم: ما رأيت احسن من عيونكم! من انتم؟ فيقولون: نحن هوران قيس تميم بن مقبل العجلاني، وعمرو ابن أحمر البأهلي، والشماخ بن ضرار أحد بن ثعلبة، وعبيد بن الحصين النميري، وحميد بن ثور الهلالي. فيحاور الشماخ في شعره، فيقول له الشماخ: إنما كنت أسبق هذه الأمور وانا آمل ان أفقر بها ناقة. أو أعطي كل عيالى سنة. وأنا الآن إن احببت وردا من رسل الأوارى، فرب نهر كأنه دجلة أو الفرات. ولقد أراني في دار الشقوة أجهد أخلاف شياه لجبات لا يمتلئ منهن القعب.
стр. 3735
وكذلك قوله: وما عمل من أجناس المسكرات. مفوقات للشارب. وموكرات كالجعة والبتع والمزر. والسكركة ذات الوزر. إلى غير ذلك مما امتلأت به رسالة أبي العلاء. فكان حصونا منيعة دون المعنى تحول بينه وبين الافهام. ودونك مثلا من غريب ما ذكره وفسره حين يقول. فأن خرج إلى الحاء فقال: من أم شح جاز أن يقول: وحوارى بمح، وببح، وبرح، وبجح، وبسح. فالح مح البيضة، وبح جمع أبح من قولهم: كسر أبح أي كثير الدسم. ويجوز أن يعني بالمح القداح كما قال السلمى
قروا أضيافهم ربحا ببح … يعيش بفضلهن الحي سمر
ورح جمع أرح، وهو صفات بقر الوحش. وقد يقال لأظلاف البقرة رح. قال الشاعر الاعشى
ورح بالزمان مردفات … بها تنضو الوغى وبها ترود
والسح تمر صغير يابس، والجح صغار البطيخ قبل ان ينضج. وسواء لدينا أكان إغرابه معاياة لعلماء اللغة أم خدمة في سبيل إحيائها. أم تلك الأسباب كلها مجتمعة، فقد كان ذلك النسيج دروعا حول المعنى رغبت الناس عنه. فلم تؤثر الرواية في الجماهير. ولعل اكثارها من نقاش النحو واللغة والصرف، صرف قلوب الناس عنها. على حين كان دانتي يتخذ من روايته عظة خليقة خلابة فتهافت الناس عليها منذ تراءت في سماء ايطاليا.
ولعا مما يكبر المعري في أعين النقاد أن نقاش رسالته وهو في غريب اللغة، وعميق النحو والصرف والعروض، وثلة من تلك الابحاث الجافة لم يكن جافا، فقد اضفى عليه عذوبة من روحه جعلته عذبا شائقا. وتلك هي القدرة الفذة التي تجعل المعري في الخالدين.
نفسية الشاعرين
كان المعري ههنا مرحا طربا، فابتدأ بالفردوس، وختم بالفردوس، واطلق لخياله العنان، في السخر والدعابة، يسمر مع الشعراء والأدباء والنحاة. بل مع إبليس، ومع الخزنة، خزنة النيران: يرى المعذب تندلق أقتابه، ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت، فيحاوره في النحو والصرف، وفي الرواية والتصحيف، دون أن تجدي لديه ضراعة المعذبين واعتذارهم عن الاجابة بما هم فيه. ولم يصحب المعري دليلا في رحلته إيناسا لابن القارح، وتعبيداً لسبيلها.
стр. 3736
ولكن دانتي كان مروع القلب. هلوع الفؤاد. ابتدأ الرحلة بالجحيم فلم يطق لسير في ظلماتها وحيدا. فصحب الشاعر العظيم فرجيل، يؤنسه ويهديه سواء السبيل. بيد ان اصطحابه لم يمنعه أن يشتد به تأثره، حين يرى الجثث تتطاير مع اللهب من اللهب وحين يستمع العصاة وهم يصطرخون فيها داعين بالويل والثبور الوأحد، وبالويل والثبور الكثير.
ولقد أغمي عليه مرات عدة. ففقد وعيه حينما كان يطوف في الطبقة الثانية من جهنم، فرأى العاشقين باولو وفرنشيسكا وهما يتطايران متعانقين في لهب السعير. رأى دانتي تلك المخلوقة الضعيفة تلفح وجهها النيران فأغمي عليه. ولما أفاق قصت عليه قصصها. وأنها كانت هيفاء القوام، مشرقة الطلعة، خطبها (جانشوتو مالاتستا) القصير القامة الدميم الخلقة. فأطمع أهلها ثراؤه. فتغاضوا عن دمامته، وإبان الخطبة أروها أخاه (باولو) الوسيم القسيم، فأحبته وظلت ترقب ليلة الزفاف التي تجلت لها سوداء قاتمة حين رأت زوجا دميما خدعت فيه بأخيه الذي ظلت عرى المحبة بينها وبينه متواصلة. حتى أتاحت لهما الفرصة سفرا من زوجها قريبا فالتمساها وجلسا يقرآن معاقصة قبلة، بلغاها فقلداها فتوشجت بينهما أواصر المحبة، حتى تكشف أمرهما لأحد الخدم، فسعى بهما زوجها فحضر على حين غفلة فرآهما معا مختليين في منأى عن أعين الرقباء، فاستبقا الباب فاتبعهما بسيفه فقضى عليهما عقابا في الدنيا، يتلوه خلودهما في الجحيم.
ولقد كان دانتي يطوف في الطبقة الاولى من الجحيم. فزلزت الارض زلزالها، وانتشر في الجو نور أحمر تكاثف حتى ملأ للآفاق ففقد كل المشاعر والحواس. لولا رعد قاصف دوى في إذنيه فأفاقه وهكذا كان دانتي مضطرب القلب مروعا من رحلته، على حين ان ابن القارح كان طروبا كما حدثتك حتى في أشد المواقف إذابة للصخور الجلامد.
وذلك فرق ما بين الشاعرين: دانتي العابس، والمعري الباسم في رسالة الغفران لا في اللزوميات.
يتبع
محمود احمد النشوي
стр. 3737
التصوير في الشعر العربي
للأستاذ فخري أبو السعود
الوصف من أهم أغراض الشعر وأخص فنونه. وكلما كثر في شعر لغة أو آثار شاعر، دل على رقيهما الفني، إذ أن مناظر الطبيعة خاصة، وروائع المشاهدات عامة، من أشد العوامل تأثيراً في النفس الشاعرة وتحريكها لعاطفتها وبعثاً لها إلى القول. والوصف في الشعر العربي غزير يتناول شتى الموضوعات، ويبلغ في يد كبار شعراء العربية غاية الاجادة. فكثيراً ما تخلص شعراؤنا من قيود المدح والرثاء والنسيب الاستهلالي - مهما كان تقيدهم بهذه الاغلال الثقيلة التي كبلت الشعر العربي - وعرجوا على وصف أثر من آثار الطبيعة أو المدنية، فأبدعوا وأرضوا الفن، أضعاف ما أرضوه بمبالغات المدح والرثاء والنسيب المدعى.
ولكن الذي أريد الاشارة إليه في هذه الكلمة، ان اعتماد الوصف في الشعر العربي كان دائما على المعنى دون اللفظ، على التشبيه والاستعارة والمجاز دون جرس الألفاظ وتتابع التراكيب ووقع الاوزان والقوافي. بينما الشعر الوصفي الغربي اعتمد على هذه الأشياء الاخيرة اعتماداً كبيراً. فبلغ الغاية في المطابقة بين المعنى واللفظ مطابقة تملأ الوصف حياة وجلاء. وتوفر بعض الشعراء على هذا الضرب من التصوير، ومنهم ملتون وتنيسون، ولا سيما الثاني الذي بلغ في القدرة على تذليل اللفظ للمعنى واستخدامه في تصوير ما يشاء حداً منقطع النظير. وأضحت آثار أولئك الشعراء مهبط وحي لكبار المصورين يستلهمونها ما حوت من روائع الاوصاف ومحكمات الصور ويسجلون ذلك على لوحاتهم.
إذا كان في المنظر المراد تصويره حركة كجريان نهر أو عدو جواد استخدم الشاعر الغربي بحرا من بحور الشعر يلائم تلك الحركة ويحكيها. وإذا كان به صوت أو أصوات مختلفة كهدير أمواج البحر أو قصف المدفع في الحرب اختار من الألفاظ تلك التي تحتوي على حروف خشنة قوية، وإذا كان يصف منظراً ساكنا وادعاً لم يذكر ذلك في القصيدة ذكراً، وإنما استعمل الألفاظ ذات الحروف اللينة كالسين مثلا، وهناك عدا هذا وذاك ضروب شتى من الملاءمة بين الصيغة والمعنى يفتن فيها الشاعر الوصاف ما شاء له
стр. 3738
اقتداره: ككثرة العطف وتكرار الحروف والكلمات والتراكيب والابيات الكاملة.
ولقد وقع شئ من ذلك في بعض اشعار الوصف العربي، ولكنه كان الهاماً محضا أو اتفاقا عارضا ساقت الشاعر إليه المصادفة السعيدة أو السليقة المجيدة، دون ان يعتمده أو يتكلف في صوغه عناء، ويقرأ القارئ العربي فيستطبيه ويعزو موقعه من نفسه إلى مجرد جودة معاينة وحسن تشبيهاته. ويجمل ذكر شئ من هذا القبيل للتمثيل والبيان:
ففي معلقته يصف أمرؤ القيس الليل في بيته المشهور
فقلت له لما تمطى بصلبه … واردف اعجازاً وناء بكلكل
وفضلا عن جودة المعنى وحسن التشبيه في هذا البيت يزيد الوزن والتركيب الوصف المراد ظهوراً: فالبحر الطويل ذو الحركة الوئيدة وتكرار العطف بالواو يمثلان بطء مسير الليل ولجاجه في الاقامة وتماديه في الطول خير تمثيل، وفي بيته الآخر حيث يصف جواده بقوله:
مكر مفر مقبل مدبر معا … كجلمود صخر حطه السيل من عل
نرى تتابع الصفات بلا فاصل في الشطر الاول، واستعمال الألفاظ الضخمة الخشنة في الشطر الثاني يمثلان توثب الجواد وسرعة انطلاقه وارتداده ومفاجآت حركاته تمثيلا جيداً يصرف النظر عن تشبيه بانحطاط الصخر من شاهق. وفي قول المتنبي:
أتوك مجرون الحديد كأنما … سروا بجياد مالهن قوائم
خميس بشرق الارض والغرب زحفه … وفي إذن الجوزاء منه زمام
نرى وصفا رائعا لجيش كثيف وئيد الزحف لكثافته، وليس في البيتين معنى كبير، وليس فيهما سوى مبالغة غير معقولة ولكنه البحر الطويل يمثل هذه الحركة البطيئة أتم تمثيل، هذا فضلا عن فخامة الألفاظ التي تخيرها الشاعر؛ ونرى البحر الطويل يؤدي مثل هذا الغرض ويرسم صورة أخرى رائعة في قول جميل
ولما قضينا من منى كل حاجة … ومسح بالاركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الاحاديث بيننا … وسالت بأعناق المطى الأباطح
فهنا حركة الابل البطيئة واضحة ماثلة، وقد كان جميل ملهما حيث ذكر اسم كلمة أعناق في البيت الثاني فانها وحدها ترسم الصورة التي اراد: فان ذكر الجزء الأهم من الصورة،
стр. 3739
كثيراً ما يبعث إلى المخيلة باقي الاجزاء ويبرز الصورة جليلة كاملة، ويترك البحر الطويل مثل هذا الأثر أيضاً قول البارودي الذي اشار إليه الدكتور صبري في كتابه عن الشاعر:
- ونبهنا وقع الندى في خميلة -
فإذا قرئ هذا الشطر بتأن وجدنا الوزن يمثل تساقط قطرات الندى متتابعة، أما الحركة السريعة فيمثلها البحر الكامل، ومن ذلك قول المتنبي:
اقبلت تبسم والجياد عوابس … يخببن بالحلق المضاعف والقنا
عقدت سنابكها عليها عثيراً … لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا
ففي البيت الثاني نرى مبالغة أخرى من مبالغات المتنبي، وهي لا تكاد تؤدي معنى، ولكن البحر الذي صيغت فيه القصيدة يؤدي خبب الجياد خير أداء، حتى ليكاد يريك توثب الفرسان فوق ظهورها، ولو حاول الشاعر وصف الخبب في البحر الطويل لما استقامت صورته.
ولتكرار الألفاظ أو التعبيرات أحيانا اثر بليغ في ابراز الصور وبعث الاخيلة. ففي قول ابن هانئ الاندلسي:
وفوارس لا الهضب يوم مغارها … هضب ولا الوعر الحزون حزون
يوحى تكرار كلمتي هضب وحزون إلى المخيلة تتابع الهضاب والربى أثناء عدو الفرس، فكأنه يعرض أمام العين شريطا سينمائيا متحركا، أضف إلى ذلك صوغ البيت في البحر الكامل واختيار الكلمات الفخمة، وفي قول الأستاذ المازني:
لغط اليم إذا طما … والتقت فيه هضاب بهضاب
ترى صورة رائعة لجيشان اليم، ولا يرجع هذا إلى معنى البيت وحده، ولكن إلى وزنه وألفاظه كذاك: فبحر الرمل يمثل الحركة المتضاربة أدق تمثيل. وتكرار كلمتي اليم وهضاب يوحي إلى المخيلة تتابع اللجج، وتكرار حرف الهاء ثلاث مرات في الشطر الثاني يزيد الركة تصويراً وبروزاً.
كان ذلك في الغالب كما ذكرت محض اتفاق أو الهام، ولم يقم في العربية فرد أو مدرسة تتوفر على هذا الضرب من النظم والتصوير وإنما حين اتجه نظر الشعراء إلى اللفظ صادف ذلك عصر انحلال الأدب فلم يسخروا اللفظ لابراز المعنى، بل صرفوا كل همهم
стр. 3740
إلى اللفظ دون المعنى، وولعوا بالألاعيب اللفظية التي سموها محسنات، وأوغلوا هذه الغثاثات على اجل فنون الشعر خطرا كالرثاء والنسيب فأسفت وانعدم فيها الحس والشعور؛ فرأينا شاعرا ينسب فيقول
ناظراه فيما جنى ناظراه … أو دعاني أمت بما أودعاني
وآخر يتوجع فيقول:
لي مهجة في النازعات وعبرة … في المرسلات وفكرة في هل أتى
وثالثاً يمدح فيقول:
وان أقر على رق أنامله … أقر بالرق كتاب الأنام له
وليس في كل هذا التعبير عن شعور أو أداء غرض، وما هو إلا عبث بالألفاظ واقتناص للجناس والطباق والسجع، والتورية، وإنما أكثرت من هذه الامثلة الغثة لأوضح كم كان الشعر العربي يربح لو أن المجهودات التي صرفت في مثل هذا التحايل العقيم وجهت إلى تسخير اللفظ للمعنى، والاستعانة بهما معا على ابراز الوصف المقصود كما يصنع شعراء الغرب.
وليس في طبيعة اللغة العربية قصور يحول بينها وبين مجاراة اللغات الأخرى في هذا الباب، بل لها من الميزات ما يقدمها على غيرها: فهي كثيرة البحور التي تؤدي كل منها غرضا مختلفا، غزيرة الألفاظ الوعرة الضخمة والرقيقة اللطيفة التي توحي بخشونتها أو رقتها مختلف الصفات، غنية بالحروف السلسة اللينة والحروف الخشنة الجافية التي تطاوع الناظم القدير. ليس يعوز العربية شئ من ذلك وإنما يعوزها الجرأة من الناظمين بها والعزم والجلد.
فخري أبو السعود
стр. 3741
٥ - بديع الزمان الهمذاني
للدكتور عبد الوهاب عزام
عقيدته
وكان سني الاعتقاد يكره المعتزلة ويلعنهم قال في ديوان متغزلا:
ذات جفون ضعفت … كمذهب المعتزلة
وله قصيدة يرد فيها على الخوارزمي قوله في الصحابة. ومن هم اجل ذلك اتهم في نيسابور بميله عن العلويين، فبرأ نفسه وروى لهم من شعره في رثاء الحسين، فهو على حبه آل البيت لا يذهب مذهب الشيعة في الخلافة وما يتصل بها. يقول في الديوان:
يقولون لي لا تحب الوصي … فقلت الثرى بفم الكاذب
أحب النبي وأهل النبي … وأختص آل أبي طالب
وأعطي الصحابة حق الولاء … وأجري على السنن الواجب
فأن كان نصبا ولاء الجميع … فأني كما زعموا ناصبي
وان كان رفضا ولاء الوصي … فلا يبرح الرفض من جانبي. الخ
في رسائله واحدة كتبها إلى بعض الوزراء يشكو من ظهور التشيع في هراة ويحذر ان يصيبها ما أصاب نيسابور وقم والكوفة: (ورجع صاحبي آنفا من هراة فذكر انه سمع في السوق صبيا ينشد ان محمداً وعلياً، لعنا تيماً وعدياً. فقلت ان العامة لو علمت معنى تيم وعدي، لكفتني شغل الشكاية، وولي النعمة شغل الكفاية، ويل أم هراة، أنصب الشيطان بها هذه الحبالة، وصرنا نشكو هذه الحالة. والله ما دخلت هذه الكلمة بلدة إلا صبت عليها الذلة، ونسخت عنها الملة، ولا رضي بها أهل بلدة إلا جعل الله الذل لباسهم، وألقى بينهم بأسهم. هذه نيسابور منذ فشت فيها هذه المقالة في خراب واضطراب الخ)
أدبه
قدمت في المقالات الماضية طرفا من سيرة الهمذاني وأخبار أسرته وأحوال عصره، وأبين الآن عن أدبه: نثره وشعره
كان أحمد بين الحسين الهمذاني أعجوبة في ذكائه وحفظه، فتيسر له علم واسع باللغة
стр. 3742
والأدب. وهو يقول في حديثه عما شجر بينه وبين أبي بكر الخوارزمي: (فقلت يا أبا بكر هذه اللغة التي هددتنا بها وحدثتنا عنها، وهذه كتبها وتلك مؤلفاتها، فخذ غريب المصنف ان شئت، واصلاح المنطق ان أردت، وألفاظ ابن السكيت ان نشطت، ومجمل اللغة ان اخترت، فهو الف ورقة، وأدب الكاتب ان اردت، واقترح على أي باب شئت من هذه الكتب حتى اجعله لك نقدا، واسرده عليك سردا، فقال اقرأ من غريب المصنف رجل ماس خفيف على مثال مال وما أمساه فاندفعت في الباب حتى قرأته فلم أتردد فيه، وأتيت على الباب الذي يليه، ثم قلت اقترح غيره، فقالوا كفى ذلك، فقلت له اقرأ الآن باب المصادر من أخبار فصيح الكلام ولا اطالبك بسواه، ولا اسألك عما عداه، فوقف حماره، وخمدت ناره، وقال الناس اللغة مسلمة لك أيضاً فهاتوا غيره، فقلت يا أبا بكر هات العروض، فهو أحد أبواب الأدب وسردت منه خمسة أبحر بألقابها وأبياتها، وعللها وزحافها، فقلت هات الآن فأسرد كما سردته. . .).
وقد أعجب الناس بذكائه وبديهيته، وتحدى هو الناس بهما فجاءه كثير من منشآته عفو البديهية، ولو روى فيه لجاء خيراً من ذلك.
قال الثعالبي في اليتيمة: (ولم ير ولم يرو أن أحداً بلغ مبلغه من لب الأدب وسره، وجاء بمثل إعجازه وسحره، فانه كان صاحب عجائب، وبدائع وغرائب، فمنها أنه كان شديد القصيدة التي لم يسمعها قط، وهي أكثر من خمسين بيتاً، فيحفظها كلها ويؤديها من أولها إلى آخرها، لا يخرم حرفا ولا يخل معنى، وينظر في الاربعة والخمسة أوراق من كتاب لم يعرفه ولم يره نظرة واحدة خفيفة ثم يهد بها من ظهر قلبه هداً، ويسردها سرداً. وهذه حاله في الكتب الواردة عليه وغيرها. وكان يقترح عليه عمل قصيدة أو انشاء رسالة في معنى بديع، وباب غريب، فيفرغ منها في الوقت والساعة والجواب عنها فيها. وكان ربما يكتب الكتاب المقترح عليه فيبتدئ بآخر سطر منه ثم هلم جرا إلى الاول، يخرجه كأحسن شئ وأملحه، ويوشح القصيدة الفريدة من قوله بالرسالة الشريفة من انشائه، فيقرأ من النظم والنثر، ويروي من النثر والنظم، ويعطي القوافي الكثيرة فيصل بها الأبيات الرشيقة. ويقترح عليه كل عويص وعسير من النظم والنثر فيرتجله في أسرع من الطرف على ريق لا يبلعه، ونفس لا يقطعه، وكلامه كله عفو الساعة. . . وكان يترجم ما يقترح عليه
стр. 3743
من الأبيات الفارسية المشتملة على المعاني الغربية بالأبيات العربية فيجمع فيها بين الابداع والاسراع، إلى عجائب لا تحصى، ولطائف تطول ان تستقصي).
لدينا من آثار الهمذاني ديوانه ورسائله ومقاماته. فأما الديوان فيتضمن زهاء ثلاثمائة والف بيت، منها ست وثلاثون قصيدة وقطعة من المدح مدح بها من الملوك والأمراء: شمس المعالي قأبوس بن وشمكير، والسلطان محموداً الغزنوي، وبنى فريغون وخلف بن احمد، وبني ميكال. ومن الوزراء الصاحب بن عباد، وأبا نصر بن زيد - ومدح جماعة من رؤساء جرجان ونيسابور ونسا وهراة. وهو يجري في المدح على السنن المعروف، ولكنه لا يلتزم الغزل في أول المدائح، ولا يطيل في معظمها.
ومن جيد شعره في المدح القصيدة التي أولها:
على إلا أريح العيس والقتبا … وألبس البيد والظلماء واليلبا الخ
وقوله في بني فريغون:
ألم تر أني في نهضتي … لقيت الغنى والمنى والأميرا
ولما التقينا شممت التراب … وكنت أمرأ لا اشم العبيرا
لقيت امرأ ملء عين الزما … ن يعلو سجايا ويرسو ثبيرا
لآل فريغون في المكرمات … يد أولا واعتذار أخيرا
إذا ما حللت بمغناهم … رأيت نعيما وملكا كبيرا
وأما الغزل فيه غير ما في قصائد المدح ست قطع تحوي وأحداً وعشرين بيتاً. والبديع ليس غزلا، ولكنه حاكى الشعراء في ضرب ألفوه وافتنوا فيه وعدوه من فروض الشعر.
وله قطع في وصف الاسد، والليل، والمجمر. . وقطعته في وصف الليل نموذج من شعره المرتجل. ارتجلها حين اقترح عليه الموضوع والقافية:
أنعت ليلا ذا سواد كالسبج … مخدر الصبح خدارى الدعج
أدرج العالم فيه لا ندرج … أو نسج الحرمان منه لا نتسج
ليلا حرون النجم قاري النهج … العمر فيه نقطة لو انفرج
والدهر من اجزائه ولا حرج … أيسر ما فيه الشهور والحجج الخ
ويجود شعر الهمذاني في الرثاء والمواعظ. وفي ديوانه ست مرات إحداها في واقعة
стр. 3744
كربلاء، وله اثنتان وعشرون قطعة صغيرة في المواعظ تنبئ بما في نفسه من الانقباض والحزن والتشاؤم كما قدمت في الكلام عن أخلاقه. ومن مرثية الحسين بن علي:
يالمة ضرب الزمان … م على معرسها خيامه
لله درك من خزامي … م روضة صارت ثغامه
فوربه قامت به … للدين أشراط القيامة
لمضرج بدم النبوة … م ضارب بيد الإمامة
متقسم يطأ السيوف … م مجرعا منها حمامه
منع الورود وماؤه … منه على طرف الثمامة. الخ
وقد قدمت آنفا مرثية الخوارزمي التي أولها:
حنانيك من نفس خافت … ولبيك من كمد ثابت
ويقول في المواعظ، وهو في هذا يشبه أبا العتاهية:
يا حريصا على الغنى … قاعدا بالمراصد
لست في سعيك الذي … خضت فيه بقاصد
ان دنياك هذه … لست فيها بخالد
بعض هذا فإنما … انت ساع لقاعد
ويقول:
يا قلب ما أغفلك … عن حركات الفلك
ويحك هذا الردى … اليك يسعى ولك
انت على سفرة … يشيب منها الحلك
من انتحى نهجه … بغير زاد هلك
ويقول:
أجدك ما تنبه للمنايا … كأنك واجد عنها ملاذا
لذاك على الغنى تزداد حرصا … وفي حلبات سكرتها نفاذا
هب الدنيا تحقق ما ترجي … من الآمال ويحك ثم ماذا؟
ونراه يتكلم بلسان الصوفية في القطعة التي أولها:
стр. 3745
ان لله عبيدا … في زوايا الارض غبرا الخ
ويقول في صديق له حبس:
مالي أرى الحر ذاهبا دمه … ولا أرى النذل ذاهبا ذهابه
أفلح من لؤمه وسيلته … وليس ينجو من جرمه حسبه
من شاء إلا يناله زمن … فليكن العرض جل ما يهبه
أراحنا اله منك يا زمنا … أرعن يصطاد صقره خربه
يا ساغبا جائع الجوارح لا … يسكن إلا بفاضل سغبه
يا ضرماً في الانام متقدا … والجود والمجد والندى حطبه
يا صائدا والعلى فريسته … وناهبا والجمال منتهبه
يا سادتي لا تلن عظامكم … لعضة الدهر ان يهج كلبه
بل هو حين يحض على التمتع بالدنيا، واهتبال فرص العيش ينم عن حزن وتشاؤم يذكرنا بعمر الخيام فإنما يلهو لينسى تباريح الحياة
إنما الدهر الذي يص … دقني حر المصاع
كالني مدا وأجزي … هـ من الحلم بصاع
فاغنم الأيام ما أل … فيتها خضر المراعي
إنما نحن من الده … ر بواد ذي سباع
لا تدع من لذة العي … ش عيانا لسماع
ويقول في قصيدة يمدح فيها أبا جعفر الميكالى:
نستبيح الدهر والأي … ام منا تستبيح
ضاع ما نحميه من أن … فسنا وهو يبيح
نحن لاهون وآجال … المنى لا تستريح
يا غلام الكاس فاليأ … س من الناس مريح
أنا يا دهر بأبنا … ئك شق وسطيح الخ.
وللهمذاني قطع كثيرة في الالغاز والمعميات، وكان الرجل نادرة في الذكاء والبديهة فكان يختبر الناس ويختبرونه بهذا الضرب. وفي الديوان منه اثنان وعشرون، ويكثر في شعره
стр. 3746
الترجمة عن الفارسية. وفي الديوان ثلاث عشرة قطعة مترجمة عن هذه اللغة. وكانت الترجمة بين العربية والفارسية سنة شائعة بين متأدبي المسلمين في ايران وما يجاورها، وإذ كان الشعر الفارسي قد بلغ اشده، وكانت العربية لا تزال لغة العلم والأدب. وكثير من شعراء هذا العصر وما بعده نظم باللغتين، ولقب ذلك بذي اللسانين، وفي يتيمة الثعالبي أمثلة من هذا. وهذه الترجمة تهم دارس الأدبين العربي والفارسي. ولكن يقلل خطرها اننا نجد الترجمة ولا نجد أصلها، ولم اعرف من الشعر الفارسي الذي ترجمه البديع إلا قطعة أثبتها محمد عوفي في كتاب لباب الألباب في ترجمة المسطقي الشاعر الفارسي، ويقول عوفي ان الصاحب بن عباد أمر البديع بترجمتها، فقال على أية قافية؟ فقال الطاء. قال ومن أي بحر؟ قال أسرع يا بديع، في البحر السريع، فترجمها ارتجالا والأبيات:
بك بوي بد زويدم أزدوزلفت … جون زلفت زري أي صنم بشانه
جونانش بسختي همي كشيدم … جون موركه كندم كشدنجانه
باموي بخانه شدم يدركفت: … منصور كدامست أزين دوكانه
والترجمة:
سرقت من طرته شعرة … حين غدا يمشطها بالمشاط
ثم تدلحت بها مثقلا … تدلح النمل بحب الحناط
قال أبي من ولدي منكما … كلاكما يدخل سم الخياط
وير انه تصرف في ترجم البيت الثالث. وأصله: (ذهبت إلى الدار بالشعرة. فقال ابي: منصور أي الاثنين؟. وفي الديوان بيتان قبل هذه الثلاثة.
ومن الترجمة التي يتجلى فيها اسلوب الفارسية هذان البيتان
فؤادك أين؟ سباه بماذا … بمقلته. من؟ غزال ربيب
سلابا. نعم. اين؟ وسط الطريق … متى؟ اليوم. هذا سلاب غريب
وهي تذكر دارس الأدب الفارسي بمطلع قصيدة محتشم من شعراء الدولة الصفوية في رثاء آل البيت.
وفي الديوان قطعة فيها كلمات وشطرات فارسية، والشعر المنظوم بلغتين أو أكثر يسمى الملمع في عرف أدباء الفرس أو الترك وهو كثير عندهم.
стр. 3747
ويكثر في شعره المجزوء، ولا سيما الهزج الكامل. وسأعود إلى هذا حين الكلام في سجعه.
واحسب بديع الزمان نظم معظم شعره في أوائل حياته. ففي الديوان أبيات نظمها وهو في الثانية عشرة، وهو يذكر سن العشرين في بعض شعره:
إني بعشرين تصاريف ما … بعد الثمانين تعرفتها
ويذكر الخامسة والعشرين وهو يمدح خلف بن احمد:
ألم يك في خمس وعشرين حجة … تسنمتها هاد لمثلى الطرائق
ثم هو يلعن لنظم في كلامه عن الخوارزمي في بعض رسائله وذلك دليل على انه مال عن الشعر: (هو خوارزمي، ولست من خوارزم، وهو شاعر ولعن الله النظم) واوضح من هذا قوله في رسالته إلى ابن ظهري رئيس بلخ
(كنت نويت إلا أقول الشعر فأبت النملة إلا الدبيب. وأجدني قد اكتهلت والكهل قبيح به الجهل).
يتبع
عبد الوهاب عزام
стр. 3748
من طرائف الشعر
الى البحر
للشاعر الوجداني علي محمود طه
قِفْ من الليل مصغياً والعباب … وتأملْ في المزبداتِ الغضاب
صاعدات تلوك في شِدقها الصخر … وترمي به صدور الشعاب
هابطات تئنُ في قبضةالر … يح وترغي على الصخور الصلاب
ذلك البحرُ: هل تشاهد فيه … غيرَ ليلٍ من وحشة واكتئاب؟
ظلماتٌ من فوقها ظلماتٌ … تترامى بالمائج الصخاب
لا ترى تحتهن غير وجود … من عباب وعالم من ضباب
أيها البحر كيف تنجو من اللي … ل؟ وأين المنجى بتلك الرحاب
هو بحرٌ أطمٌ لجّا وأطغى … منك موجاً في جيئة وذهاب
اوما تبصرٌ الكواكبَ غرقى … في دياجية كاسفات خوابي؟
وترى الارض في نواحيه حيرى … تسأل السحب عن وميض شهاب
ويك يا بحر ما أنينك في الي … ل أنينَ المروع الهَّياب
امض حتى ترى المدائن غرقى … وترى الكون زخرة من عباب
إمض عبر السماء مواطغ على الاف … لاك واغمر في الجو مسرى العقاب
ذاك أويهتكَ الظلامُ دياجي … هـ وينضو ذاك السواد الكابي
وترى الشمس في مياهك تلقى … خالصَ التبر واللجين المذاب
أقبل الفجر في شفوف رقاقٍِ … يتهادى في منظرٍ خلابِ
حُللٌ من وشائع النور زهر … يتماوجن في حواشي السحاب
وإذا الشاطئ الضحوك تغنى … حوله الطير بالأغاني العذاب
ونسيمُ الصباح يعبث بالغا … ب ويثني ذوائب الاعشاب
من الشمس جمرة في ثنايا ال … موج يذكر ضرامها غير خابي
ومن البحر جانب مطمئن … قزحيٌّ الأديم غضٌ الأهاب
نزلت فيه تستحمُّ عذارى ال … ضوءِ من كل بضة وكعاب
стр. 3749
عاريات يسبحن في اليمِّ لكنْ … لفّها الرغو في رقيق الثِياب
فإذا البحر يرقص الموج فيه … وإذا الطير صُدَّحُ في الروابي
راقصات الامواج علْمن قلبي … راقصات المغرِّد المطراب
وأفيضى عليه من سلسل الوح … ى نميراً كالجدول المنساب
واستثيري عواطفي ودعيني … أسمعُ البحرَ أغنيات الشباب
لي وراء الامواج يا بحرُ قلبُ … نازح الدار ماله من مآب
نزعته منّى الليالي فأمسى … وهو ملقى في وحشة واغتراب
ذكرياتَ تدنى القصىَّ ولكن … اين منى منازل الاحباب
أنا وحدي هيمان في لجك الطا … مي غريقٌ في حيرتي وارتيابي
أرمق الشاطئَ البعيدَ بعين … عكفت في الدجى على التسكابْ
فسواء في مسمعي من ذَرَاهُ … صدحةُ الطير أونعيق الغراب
وسواءُ في العين شارقةُ الفج … رِ أو الليل أسود الجلباب
بيد أني أحسُّ فيك شفاءً … من سقامى ورحمة من عذاب
أنت مهد الميلاد والموت يابحر … ومثوى الهموم والأوصاب
فأنا فيك أطرح الآن آلا … مي وعبء الحياة والاحقاب
стр. 3750
السائلة. . .
كاعبٌ زادها الشحوبُ جمالا … وكساها اليتمُ الرهيبُ جلالا
أمُعَنَ الهمُ في مدامعها نَزُ … حاً وفي قدِّها النضير هُزالا
// لبست بالي الثيابِ وجَرت … إثْرَها من جلالها أذيالا
تُمعنُ الَخَّلةُ والعزّ … ة في قلبها الكليم نضالا
كم تمَّنتْ على الصَّبِا نعمةَ المو … ت إباء فما تطيقُ السؤالا
ولو ان الحمامَ طوع بنان الن … اس، كان الإنسان أسعدَ حالا
حثها الجوعُ للسؤالِ كما تحْ … تَثُّ للموتِ مجرماً قتالا
فأتت سيداً وقد جَرَّرَ الأذ … يال تيهاً على الورى واختيالا
سألته قِرشاً ومدَّت له الكف … فَّ ترجّى من الكبير النوّالا
ناهدٌ، لو رَجَت نوالَ صخور … لجرى الصخرُ بالدموع وسالا
ردها عنه صاخباً، بكلام … كان في قلبها الكسير نبالا
فانثنت عنهُ والفؤادُ جريحٌ … وانثنى دمعُها أسى هطّالا
ويلها شرعةً أعزَّتْ لئيما … فتمادى على الكريم وصالا
بعض هزل الزمانِ أن يوسع الأح … رار ظُلما ويكرمَ الأنذالا
زمنٌ يُنزلُ المراتعُ قطعا … ن الخنازيرِ والصحارى التبالا
عجبى للغنىّ يغفو قريرَ ال … عينِ في ليلهِ وّينعْمُ بالا
بينما النسوة الضّوأمر يَبك … ينَ ويُكثرنَ في الدُّجى إعوالا
من يَعولُ الفتاةَ أرمضها الجو … عُ وآضت بها الهمومُ خيالا؟
لا أبُ يُمسكُ الانينَ إذا لجَّ … ولا الدمعَ إن ألحَّ وسالا
أتُراها تقضي من الجوع بينا … غيرُها يمرحُ السنيَّن الطِّوالا
عزَّت اللقمةُ الطَّهورُ عليها … مثلما عزَّتِ السُّها أن تُنالا
فغداً تاخذُ الطريق إلى المن … كر كرهاً وتخلعُ الأسمالا
وتجلىّ كالبدر في أفق الشر … بهاء وروعةِ ودلالا
وترى سادة النضار عبيداً … يَتًمَّنون عطفها بُذالا
. . ويقول الإنسان تلك فتاة … لؤَمت نفُسها وساءت فعالا
следующие страницы →