← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

الترجمة عن الفارسية. وفي الديوان ثلاث عشرة قطعة مترجمة عن هذه اللغة. وكانت الترجمة بين العربية والفارسية سنة شائعة بين متأدبي المسلمين في ايران وما يجاورها، وإذ كان الشعر الفارسي قد بلغ اشده، وكانت العربية لا تزال لغة العلم والأدب. وكثير من شعراء هذا العصر وما بعده نظم باللغتين، ولقب ذلك بذي اللسانين، وفي يتيمة الثعالبي أمثلة من هذا. وهذه الترجمة تهم دارس الأدبين العربي والفارسي. ولكن يقلل خطرها اننا نجد الترجمة ولا نجد أصلها، ولم اعرف من الشعر الفارسي الذي ترجمه البديع إلا قطعة أثبتها محمد عوفي في كتاب لباب الألباب في ترجمة المسطقي الشاعر الفارسي، ويقول عوفي ان الصاحب بن عباد أمر البديع بترجمتها، فقال على أية قافية؟ فقال الطاء. قال ومن أي بحر؟ قال أسرع يا بديع، في البحر السريع، فترجمها ارتجالا والأبيات: بك بوي بد زويدم أزدوزلفت … جون زلفت زري أي صنم بشانه جونانش بسختي همي كشيدم … جون موركه كندم كشدنجانه باموي بخانه شدم يدركفت: … منصور كدامست أزين دوكانه والترجمة: سرقت من طرته شعرة … حين غدا يمشطها بالمشاط ثم تدلحت بها مثقلا … تدلح النمل بحب الحناط قال أبي من ولدي منكما … كلاكما يدخل سم الخياط وير انه تصرف في ترجم البيت الثالث. وأصله: (ذهبت إلى الدار بالشعرة. فقال ابي: منصور أي الاثنين؟. وفي الديوان بيتان قبل هذه الثلاثة. ومن الترجمة التي يتجلى فيها اسلوب الفارسية هذان البيتان فؤادك أين؟ سباه بماذا … بمقلته. من؟ غزال ربيب سلابا. نعم. اين؟ وسط الطريق … متى؟ اليوم. هذا سلاب غريب وهي تذكر دارس الأدب الفارسي بمطلع قصيدة محتشم من شعراء الدولة الصفوية في رثاء آل البيت. وفي الديوان قطعة فيها كلمات وشطرات فارسية، والشعر المنظوم بلغتين أو أكثر يسمى الملمع في عرف أدباء الفرس أو الترك وهو كثير عندهم.

стр. 3747

ويكثر في شعره المجزوء، ولا سيما الهزج الكامل. وسأعود إلى هذا حين الكلام في سجعه. واحسب بديع الزمان نظم معظم شعره في أوائل حياته. ففي الديوان أبيات نظمها وهو في الثانية عشرة، وهو يذكر سن العشرين في بعض شعره: إني بعشرين تصاريف ما … بعد الثمانين تعرفتها ويذكر الخامسة والعشرين وهو يمدح خلف بن احمد: ألم يك في خمس وعشرين حجة … تسنمتها هاد لمثلى الطرائق ثم هو يلعن لنظم في كلامه عن الخوارزمي في بعض رسائله وذلك دليل على انه مال عن الشعر: (هو خوارزمي، ولست من خوارزم، وهو شاعر ولعن الله النظم) واوضح من هذا قوله في رسالته إلى ابن ظهري رئيس بلخ (كنت نويت إلا أقول الشعر فأبت النملة إلا الدبيب. وأجدني قد اكتهلت والكهل قبيح به الجهل). يتبع عبد الوهاب عزام

стр. 3748

من طرائف الشعر الى البحر للشاعر الوجداني علي محمود طه قِفْ من الليل مصغياً والعباب … وتأملْ في المزبداتِ الغضاب صاعدات تلوك في شِدقها الصخر … وترمي به صدور الشعاب هابطات تئنُ في قبضةالر … يح وترغي على الصخور الصلاب ذلك البحرُ: هل تشاهد فيه … غيرَ ليلٍ من وحشة واكتئاب؟ ظلماتٌ من فوقها ظلماتٌ … تترامى بالمائج الصخاب لا ترى تحتهن غير وجود … من عباب وعالم من ضباب أيها البحر كيف تنجو من اللي … ل؟ وأين المنجى بتلك الرحاب هو بحرٌ أطمٌ لجّا وأطغى … منك موجاً في جيئة وذهاب اوما تبصرٌ الكواكبَ غرقى … في دياجية كاسفات خوابي؟ وترى الارض في نواحيه حيرى … تسأل السحب عن وميض شهاب ويك يا بحر ما أنينك في الي … ل أنينَ المروع الهَّياب امض حتى ترى المدائن غرقى … وترى الكون زخرة من عباب إمض عبر السماء مواطغ على الاف … لاك واغمر في الجو مسرى العقاب ذاك أويهتكَ الظلامُ دياجي … هـ وينضو ذاك السواد الكابي وترى الشمس في مياهك تلقى … خالصَ التبر واللجين المذاب أقبل الفجر في شفوف رقاقٍِ … يتهادى في منظرٍ خلابِ حُللٌ من وشائع النور زهر … يتماوجن في حواشي السحاب وإذا الشاطئ الضحوك تغنى … حوله الطير بالأغاني العذاب ونسيمُ الصباح يعبث بالغا … ب ويثني ذوائب الاعشاب من الشمس جمرة في ثنايا ال … موج يذكر ضرامها غير خابي ومن البحر جانب مطمئن … قزحيٌّ الأديم غضٌ الأهاب نزلت فيه تستحمُّ عذارى ال … ضوءِ من كل بضة وكعاب

стр. 3749

عاريات يسبحن في اليمِّ لكنْ … لفّها الرغو في رقيق الثِياب فإذا البحر يرقص الموج فيه … وإذا الطير صُدَّحُ في الروابي راقصات الامواج علْمن قلبي … راقصات المغرِّد المطراب وأفيضى عليه من سلسل الوح … ى نميراً كالجدول المنساب واستثيري عواطفي ودعيني … أسمعُ البحرَ أغنيات الشباب لي وراء الامواج يا بحرُ قلبُ … نازح الدار ماله من مآب نزعته منّى الليالي فأمسى … وهو ملقى في وحشة واغتراب ذكرياتَ تدنى القصىَّ ولكن … اين منى منازل الاحباب أنا وحدي هيمان في لجك الطا … مي غريقٌ في حيرتي وارتيابي أرمق الشاطئَ البعيدَ بعين … عكفت في الدجى على التسكابْ فسواء في مسمعي من ذَرَاهُ … صدحةُ الطير أونعيق الغراب وسواءُ في العين شارقةُ الفج … رِ أو الليل أسود الجلباب بيد أني أحسُّ فيك شفاءً … من سقامى ورحمة من عذاب أنت مهد الميلاد والموت يابحر … ومثوى الهموم والأوصاب فأنا فيك أطرح الآن آلا … مي وعبء الحياة والاحقاب

стр. 3750

السائلة. . . كاعبٌ زادها الشحوبُ جمالا … وكساها اليتمُ الرهيبُ جلالا أمُعَنَ الهمُ في مدامعها نَزُ … حاً وفي قدِّها النضير هُزالا // لبست بالي الثيابِ وجَرت … إثْرَها من جلالها أذيالا تُمعنُ الَخَّلةُ والعزّ … ة في قلبها الكليم نضالا كم تمَّنتْ على الصَّبِا نعمةَ المو … ت إباء فما تطيقُ السؤالا ولو ان الحمامَ طوع بنان الن … اس، كان الإنسان أسعدَ حالا حثها الجوعُ للسؤالِ كما تحْ … تَثُّ للموتِ مجرماً قتالا فأتت سيداً وقد جَرَّرَ الأذ … يال تيهاً على الورى واختيالا سألته قِرشاً ومدَّت له الكف … فَّ ترجّى من الكبير النوّالا ناهدٌ، لو رَجَت نوالَ صخور … لجرى الصخرُ بالدموع وسالا ردها عنه صاخباً، بكلام … كان في قلبها الكسير نبالا فانثنت عنهُ والفؤادُ جريحٌ … وانثنى دمعُها أسى هطّالا ويلها شرعةً أعزَّتْ لئيما … فتمادى على الكريم وصالا بعض هزل الزمانِ أن يوسع الأح … رار ظُلما ويكرمَ الأنذالا زمنٌ يُنزلُ المراتعُ قطعا … ن الخنازيرِ والصحارى التبالا عجبى للغنىّ يغفو قريرَ ال … عينِ في ليلهِ وّينعْمُ بالا بينما النسوة الضّوأمر يَبك … ينَ ويُكثرنَ في الدُّجى إعوالا من يَعولُ الفتاةَ أرمضها الجو … عُ وآضت بها الهمومُ خيالا؟ لا أبُ يُمسكُ الانينَ إذا لجَّ … ولا الدمعَ إن ألحَّ وسالا أتُراها تقضي من الجوع بينا … غيرُها يمرحُ السنيَّن الطِّوالا عزَّت اللقمةُ الطَّهورُ عليها … مثلما عزَّتِ السُّها أن تُنالا فغداً تاخذُ الطريق إلى المن … كر كرهاً وتخلعُ الأسمالا وتجلىّ كالبدر في أفق الشر … بهاء وروعةِ ودلالا وترى سادة النضار عبيداً … يَتًمَّنون عطفها بُذالا . . ويقول الإنسان تلك فتاة … لؤَمت نفُسها وساءت فعالا

стр. 3751

باعتِ العرض باللذائِذ طوعاً … فستلقى من الالهِ نكالا كذبوا! فالاله أعدلُ من أن … يجزي الساغبَ البرئ وبالا نخلق المجرمين نحن بأيدي … نا ونسقيهم الرّدى أشكالا! دمشق أمجد الطرابلسي

стр. 3752

أحيي الربيع أتى من يبشرني بالربيع … ويعجب لي كيف لا أفرحُ وكيف تكون الربى في حبور … وتزهو الحقول ولا أمرح وكيف الطيور على غصنها … بأشجى أناشيدها تصدحُ وما للبنفسج من زرقة … ومن عبق روحه تنفح فقلتُ وقد ضفت باللوم ذرعاً … وفي وجنتي عبرة تسبح أحي الربيع وفي مهجتي … شتاء من الغمّ لا يبرح حسين شوقي

стр. 3753

ليت قلبي. . .! إيه يا دهر ما مخالبك العص … ل بأقسى عليَّ من مقلتيَّا نظراتي للناس تترك في القل … ب ضرأما يكوى ضلوعي كيَّا // لا أرى في الحياة غير حزين … يذوب الدمع بكرةً وعشيَّا وكئيب إذا تنفس خلت الن … ار تذور لظى الجحيم عليّا ليت قلبي من الحجارة صلد … ليس يدري من الحقيقة شيئاً أنا يا قوم شاعر ملأ الشع … ر جناني وفاض من جانبيا قلبي النظم لمعةً وضياَء … غير اني أرى الظلام قويَّا من رملة فلسطين عبد الرحمن رباح

стр. 3754

القلب الطريد إن بين الضلوع قلباً طريداً … عاثر الجد لم يُقَل من عثارهِ قام دهراً إلى اليسارِ ربيئاً … مشرفا قابضاً على منظارهِ آملا أن يلوح قلب نقيّ=يبذل الود سإذج في نفارِه يعرف الحب والحياة فيُلقى … عن فؤاد المحب ثوب صغارِه عالم بالجمال في كل لون=وخبير بخافيات مَثارِة يستطير الذكاء منه شعاعا … ساكباً ضوأه على اقطارِه يشرق القول من سناه ويمشي … شرطيّ العفاف في أنوارِه ويفيض الحنان نهراً دفوقاً … يجرف العازلين في تيارِه آملاً أن يراه منه قريباً … قبل موت الهوى وقبل اندثاره إن شدا بالغرام هب مجيباً … ذلك القلب شادياً بجوارِه يرسل اللحن في الفضاء قويا … ويسر الأنين في أوتارِه جامد الطرف ذائبا من حنين … مسنداً رأسه إلى قيثارِه ويحه لم يجد مبادل حب … أو صديقاً يصون من أسرارِه هام شرقاً وهام غرباً كئيباً … يستميح الحنان في أطمارِه طارقاً للفؤاد من كل ظبي … حُفّ أو لم يحف لى بمكارِه ويوالي الهجوم حتى أراه … مشرئباً يشب في أسوارِه كلما دقّ باب قلب تراءى=فيه شخص يجيل في أنظاره خافتٌ رده يقول تأخر … ت كثيراً يا صاح عن ايجارِه طال تسايره وآب ولم يح … ظ بغير الكلال في تسيارِه فأبى بعدها القلوب مقيلا … واستعاض البيوت من اشعارِه يشتكي دهره ويدلع فيها … من سعير الغرام ألسن نارِه كاحلا بالدماء من مهجة القل … ب عيون القصيد في أشطارِه هدنة ما أقمت شهرا عليها … ثم عاد الفؤاد ماضي سُعاره فهو يغلي به ويطغو عليه … وجده المستثار من أغوارِه هابطا بالهموم أو مستطارا … داويا بالانين فوق مطارِه

стр. 3755

زاخرا بالدماء فالحب فيه … متعب يرتمي على احجارِه قابضا كفه على ذكريات … كن بالامس في رمال قرارِه باسمات وهن حول غرامى … مغضبات مضين في آثارِه ذكريات اثارها من جديد … ستثير الغرام من أوكاره عابث بالنهى كثير التأبى … حارس غصنه وطيب ثمارِه باسم عندما يراني وحيدا … وخجول إذا مررت بدارِه سارح الطرف إن رآني وصحبي … ذاهل كالغريق في افكارِه اسجحى يا حبيبتي ففؤادي … قلبٌ كالحياة في أطوارِه زاخرا بالدماء فالحب فيه … متعب يرتمي على احجارِه قابضا كفه على ذكريات … كن بالامس في رمال قرارِه باسمات وهن حول غرامى … مغضبات مضين في آثارِه ذكريات اثارها من جديد … ستثير الغرام من أوكاره عابث بالنهى كثير التأبى … حارس غصنه وطيب ثمارِه باسم عندما يراني وحيدا … وخجول إذا مررت بدارِه سارح الطرف إن رآني وصحبي … ذاهل كالغريق في افكارِه اسجحى يا حبيبتي ففؤادي … قلبٌ كالحياة في أطوارِه قد ملكت القياد منه وصارت … بسمات من فيك إكليل غارِه فاحذري أن يثور بعد سكون … فيطير الغرام في إعصاره المنصور نزيل القاهرة

стр. 3756

في الأدب الفرنسي الدوق دي لاروشفوكو للدكتور حسن صادق كتب اديب فاضل في عدد الرسالة الغراء رقم (٤٠) يقول ان السبب الأول في سقوط روايات كورني الاخيرة يرجع إلى غلو هذا الشاعر (في مبدئه الذي يعنى بتصوير الاشخاص كما يجب أن يكونوا، فجاءت شخصيات قصصه الأخيرة خارجة عن حدود المعقول)، لا إلى اضمحلال قواه الذهنية من أثر الهرم كما ذكرت في مقالي عن هذا الشاعر العظيم. وأعتقد اني محق فيما ذهبت إليه لأن كورني قال عن نفسه بعد فشل قصصه الأخيرة (شعري ذهب مع اسناني)، ولأن شخصيات قصصه الأولى الخالدة كالسيد وهوارس وسنا تعلو على الضعف الإنساني وعلى الرغم من ذلك أبلغت الشاعر قمة المجد وأكسبته لقب: كورني العظيم. ثم قال الأديب الفاضل ان كلمات فولتير: (الشرح الوحيد لكتب كورني يجب أن يكون بكتابة هذه الكلمات في أسفل كل صحيفة! جميل. جليل. إلاهي!)، على ما جاء في كتب الآداب الفرنسية، قيلت في راسين لا في كورني. وأصر على أن فولتير الذي عرف بالبخل الشديد دفعه اعجابه بكورني إلى أن يتبنى ابنة اخته ويزودها بمهر ثم يزوجها. ولم يكفه هذا بل نشر كتبه وشرحها إمعانا في اظهار إعجابه بالشاعر الأكبر، وكتب في مقدمة شرحه تلك الكلمات. وأرجو من الأديب الفاضل ان يتفضل بإرشادي إلى كتب الأدب التي ذكرت أن فولتير قال تلك الكلمات في راسين لا في كورني وله مني وافر الشكر. والآن نتحدث عن الدوق دي لاروشفوكو الذي شغل أذهانس الناس في عصره وأقلام الكتاب والنقاد في العصور العصور التالية. ولم يخرج هذا الرجل للناس من الآثار الأدبية غير مذكراته شأن أمثاله النبلاء الاغنياء، وكتاب صغير الحجم عنوانه: (مواعظ أو تأملات وأحكام أخلاقية) جمع فيه كل آرائه في العواطف الإنسانية، بعد أن خيبت الحياة أماله ودكت أحداث الزمن صروح أحلامه، وذهبت الحقيقة المريرة بأوهام طموحه، فجاءت هذه الآراء معتمة حزينة تلقى على عواطف الإنسان رداء من الشك الأليم وتظهرها في صورة بشعة مخوفة، وهي تتلخص في كلمتين:

стр. 3757

فلسفة الاثرة، وهذه الفلسفة هي التي حركت الاقلام وأثارت المناقشة، وألقت باسم صاحبها إلى الاجيال في إطار الخلود. ولا يستطيع الإنسان ان يفهم (مواعظ) هذا الكتاب إلا إذا درس حياته وعرف الحوادث التي اشترك فيها، وتركت في نفسه أثرا عميقا. وهذا السبب سيدعونا إلى الاطالة والتفصيل. وسنقسم حياته إلى أدوار ثلاثة: دور الشاب الخيالي، ودور الرجل الطموح، ودور الشيخ الفيلسوف. الشاب الخيالي ولد فرانسوا السادس دوق دي لاروشفوكو بباريس (شارع بتي شان) في ١٥ سبتمبر عام ١٦١٣. وهو من أسرة عريقة لها تاريخ حربي مجيد، وتملك ثروة طائلة في (بواتو وانجوموا)، ومقام آل روشفوكو يلي مباشرة مقام أمراء البيت الملكي. وقد كتب في عام ١٦٤٨ إلى الوزير مازاران يقول: (أستطيع أن أقول وأثبت أن ملوك فرنسا منذ ثلاثمائة سنة يعاملوننا معاملة ذوي الرحم، لا يجدون في ذلك عيبا ولا بأسا) وهذا يدل على مبلغ اعتزازه بأسرته واعتداده بأرومته. ولما حان وقت تعلمه، أخذ منه في الريف قسطا ضئيلا، إذا اتجهت عناية أهله إلى التمرينات الجسدية ليجعلوه من حملة السيف شأن أبناء النبلاء في ذلك العصر. ثم زوجوه وهو في الخامسة عشر من فتاة ولدت في حجر صالح ونشأت في خير جزيل، هي (أندريه دي فيفون). وقد قال في كبره: (يوجد زواج طيب، ولكن لا يوجد زواج عذب شهي). وما لبث بعد زواجه أن اتبع هذا الرأي قبل أن يقوله، وبحث خارج بيته عن ضرورة اللذة التي لا تهيئها العيشة الزوجية. وتناهت أخباره إلى امرأته، ولكنها صانت عفتها، ولم يتألفها العبث من نفرتها. وأنجبت له أولادا ثمانية. ثم خاض أول معركة حربية في إيطاليا وهو في السادسة عشرة من عمره. ولما عاد منها دخل البلاط الملكي. وكان الفن السائد فيه كما قال فولتير، هو تدبير الدسائس لقهر الوزير الكبير الكادردينال ريشليو. فاستدرج هذا الفن فرانسوا ودفعه إلى أحضان النبلاء الذين كانوا يئنون من سلطان الوزير ويأتمرون به في كل حين. ورأى بعينيه سطوة الوزير

стр. 3758

وأنواع العذاب الذي ينزله بهؤلاء النبلاء ليخضعهم للقانون العام، ولكنه لم يجبن ولم يرجع عن سبيله. وكان في ذلك الوقت كثير الكبرياء، طموحا بلا غرض معين، حي الذهن، دقيق الملاحظة، خجولا كلفا بالخيال، شديد الميل إلى مجالس النساء. وقد لازمه هذا الميل طيلة عمره. وعقب دخوله البلاط اتصل بأحب فتيات الملكة (آن دوتريش) إليها، وهي الآنسة دي هوتفور التي يحبها الملك لويس الثالث عشر حبا افلاطونيا. وهذه الصلة عبدت له الطريق إلى اكتساب ثقة الملكة البائسة المضطهدة من جراء الريبة في نيتها وأغراضها. وقد سببت له هذه الثقة ضررا كبيرا، كما ذكر في مذكراته: (أسباب أتفه من هذه كانت كافية لان تبهر نظر الرجل لم يسبر غور الحياة، وتدفعه في سبيل ضارة بمصلحته، وقد جلب على هذا السلوك غضب الملك والكاردينال ريشلييه، وسلسلة طويلة من المحن أدخلت الاضطراب على حياتي). وفي عام ١٦٣٣ سافر مختاراً مع شبان الطبقة العالية إلى محاربة الأسبان في الفلاندر، وأظهر ساحة القتال من ضروب البسالة والاقدام ما أثار الاعجاب. ولما عاد من الحرب، أمر بمغادرة باريس والاقامة في أملاك أبيه، لأنه اتهم ظلما بأنه أفشى جميع ما دار في الموقعة. ولكنه أدرك ان الملك أصدر هذا الأمر انتقاماً منه لصلته بالملكة والقهرمانة دى هوتفور. حرم عليه دخول الحاضرة اربعة اعوام. وهيأت له المصادفة التعسة أثناء ذلك مقابلة الدوقة دي شفريز، شيطانة الدسيسة كما سماها سانت بيف، وعقد أواصر الصداقة معها. وقد وصفها الكادينال دي رتز بأنها (كانت تحوك الدسائس، لأنها جاءت في عصر الخداع والختل. ثم اتصلت بالدوق بوكنجهام والكونت دي هولاند فدفعاها في هذه السبيل، فاستفادت لأنها كانت تفعل كل ما يسر حبيبها. وكانت دائمة الوفاء للغرام، كثيرة التغيير للموضوعة. وإني لم أر إنسانا اقل اكتراثا للأخطار، ولا امرأة أكثر احتقارا للواجب منها. ما عرفت في حياتها غير واجب وأحد: هو أن تحصل على إعجاب صاحبها بها). وكان ريشليو قد أبعدها إلى (داميير) حتى يقطع الصلة التي بينها وبين الملكة، ولكنها كانت تأتي لزيارته خفية، وتمهد لها طريق الاجتماع بالدوق بوكنجهام الانجليزي في حديقة

стр. 3759

اللوفر. وعرف ريشليو هذه الأخبار فأبعد الدوقة إلى التورين، وهناك قابلت لاروشفوكو، واستطاعت بدهائها أن تستخدمه رسولا بينها وبين الملكة. ولم تقف عند هذا الحد، بل نظمت مراسلة سرية خطرة بين ملكة فرنسا وملك أسبانيا. وعرف ذلك الوزير الساهر على مصلحة بلاده، فأوعز إلى الملك ان يطلق زوجه ويخرجها من الارض الفرنسية. ولما شعرت الملكة بعزم الكاردينال، استدعت لاروشفوكو وتقدمت إليه ان يسهل لها طريق الهرب إلى بروكسل. وهو يقول في مذكراته عن هذه الحادثة: (لما وقعت في هذا المأزق لم تجد وفيا لها غيري وقهرمانتها الآنسة دي هوتفور، فعرضت على أن أختطفهما وإذهب بهما إلى بروكسل. وقد بعثت أخطار هذا العمل والصعاب التي تقوم في وجه إنفاذه سرورا كبيرا في دخيلتي. كنت في سن تحبب إلى الإنسان أن يأتي أعمالا خارقة ذات دوي عظيم. ولم أجد عملا يرضي هذا السن أكثر من اختطاف ملكة من زوجها، وفتاة من ملك يهواها). ولكن ريشليو أحبط هذه الخطة، وآلم الملكة جد الألم. وخافت الدوقة دي شفريز بطش الوزير فاعتزمت الهرب. وكانت تجيد ركوب الخيل، فغادرت مدينة (تور) في زي رجل، ومعها خادمان وكان ذلك في السادس من شهر سبتمبر عام ١٦٣٧. ولما صارت على مسيرة فرسخ من (فرتي) التي التجأ إليها لاروشفوكو، أرسلت إليه تقول إنها رجل من النبلاء اضطر إلى الهرب عقب مبارزة، وتسأله أن يرسل إليها عربة مقفلة وبعض الخدم. وما أن ألقى على الرسالة نظرة حتى عرف خطها، ولكنه لم يستطع الذهاب إليها لأن ضيوفه أرادوا أن يصحبوه. وأرسل إليها في الحال ما طلبت، فسارت آمنة حتى بلغت حدود أسبانيا. ثم أرسلت إليه جميع حليها وقيمتها ٢٠٠٠٠٠ دينار راجية منه أن يقبلها منها هدية إذا قضت نحبها، أو يردها إليها في أحد الأيام إذا قدر لها ان تعود إلى بلادها. وقد ذكر مسألة الحلي في مذكراته للدلالة على الثقة التي يلهمها وفاؤه، مع انه ينكر في كتاب (مواعظه) الثقة النقية الخالصة ويقول: (ليس لنا أن نفخر باكتساب ثقة هي دائما مشوبة بالغرض) وذكر أمامه أحد أصدقائه جاك اسبريه هذه الحادثة وقال يداعب صديقه في شيخوخته: (مما يثير العجب أن يفخر الإنسان بأن أميرة لجأت إليه ووضعت بين يديه حياتها وحريتها، مع أنها لم تفعل ذلك إلا خشية الوقوع في يد العدالة، وأن يفخر بأن هذه الأميرة ائتمنته على حليها الثمينة وهي خارجة من وطنها، مع انها لم تفعل ذلك إلا في

стр. 3760

سبيل مصلحتها الذاتية، أي حرصا على مالها وخوفا عليه من السرقة في الطريق!) وهذا رد ساخر على كتاب لاروشفوكو الذي يرجع كل العواطف الإنسانية إلى مصدر وأحد هو: المصلحة الذاتية أو الاثرة. ثم عرف ريشليو أن لاروشفوكو ساعد الدوقة على الهرب فاستقدمه إليه وأنبه. ولما رأى منه غلظة في الاجابة على أسئلته، أرسله إلى سجن الباستيل، ولكنه أمر مدير السجن بأن يتلطف في معاملته ويسمح له بالاستراضة على الشرف كل يوم. وبعد مرور ثمانية أيام على سجنه، أطلق سراحه فحمد الله على خروجه بعد هذه المدة الوجيزة في عهد حرص الباستيل فيه على حرفائه، وأنساه شعوره برضى الملكة وقهرمانتها والدوقة عن عمله، مرارة السجن قسوته. وعقب استرداد حريته أمر بمغادرة باريس والاقامة في (فرتي) وهناك جاءه رسول من الدوقة وتسلم منه حليها، وعاش في ذلك لريف عامين هادئاً مطمئنا، وأصبح بيته ملتقى النبلاء والعظماء. وقد ذكر هذا العهد في مذكراته فقال (كنت شابا في ذلك الوقت، وكان الملك ووزيره يدانون رويداً من القبر، فرجوت أن أحصل على خير كثير بعد موتهما وتغير الحال. وكنت سعيداً في أسرتي، أحظى بكل مسرات الريف وأجد حولي كثيراً من النبلاء الأغنياء المغضوب عليهم من الوزير، لهم مثل أماني وآمالي). وهنا يظهر الرجل الطموح في ثوب الشفيق على ملكة تعسة. ولما دارت رحى الحرب في (البلاد الواطئة)، سمح له بالانضمام إلى الجيش بعد طول إلحاحه، وأبلى بلاء حسنا في موقعتي سان نيقولا وسان فينان. وعرض عليه ريشليو رتبة سامية مكافأة له على بسالته فرفض إذعانا لأمر الملكة، إذ كان في نيتها إن تجنبه قيد الوزير حتى يستطيع أن يسل سيفه في وجهه لما تمكنها الظروف من إشهار عداوتها له. يتبع حسن صادق

стр. 3761

٢ - بين الموسيقى الشرقية والغربية بقلم مدحت عاصم لانعام يضم جميعا من الخلان حفل يستمعون فيه إلى مغني عذب أو موسيقى شجية، وقد ملكت البابهم النغمة، واستأثرت بمشاعرهم المثاني والمثالث، ولا تتعدى معرفتهم باللحن أو المعزوفة عن أن اسمها كذا، وأن مؤلفها هو فلان، ولكن اخذهم قد يهتف في نشوة من الطرب، ما أحلى هذه الترجيعة (البياتي) أو ما أجمل تلك الحركة (السيكاه)!: فينظر الي رفقاؤه نظرة تقدير واعجاب، ويعتدل هو في جلسته مزهواً مستزيداً من اشارته، وايماءاته، كيف لا وقد وفق لسر من أسرار الانغام وسيرها، وأطلع رفاقه على قدر علمه ومعرفته! ولو عرف الرفاق أن القدرة على تعيين النغمة لمجرد سماعها، إن أعوزها شئ من الخبرة بالمران، فهي ليست من الخطر بالقدر الذي يتصورونه، لاقتصدوا في تقديرهم واعجابهم. أما أنا، فأذكر أني وفقت في صغري إلى جلسة ضمت جمعا من الوافدين من ليلة من ليالي رمضان المكرم، وقد اجتمعوا حول شيخ مقرئ يسمعهم طرفا من المولد، وقد استولى عليهم الطرب الممزوج بالخشوع، ولم يكد ينتهي حتى أسرعوا يكبرون ويمدحون الشيخ المقرئ وبراعته وصوته الحنون القوي. ثم تكلم أحدهم، وكانت له عند الشيخ مكانة وله عليه دالة، فطب قصيدة (يا نسيم الصبا)، وأردف طلبه قائلا (والله يا سيدنا، اني أحب نغمة الصبا هذه، ولا أكاد أحبس الدمع عند سماعها.) فهمهم الشيخ ودمدم وأراد أن يرد الحق إلى نصابه ويمنع الخطأ أن يروج فقال (يا بني هذه القصيدة من نغمة الحجاز). وكأنه شعر بقدر الخيبة التي لحقت الطالب فاسرع بانشادها تعويضا له، فكان هذا أول درس وعيته في علم النغم، وكنت بعدها كلما سمعت نغمة طبقتها على (يا نسيم الصبا)، فأن وافقتها فهي حجاز، وان خالفتها فعلمها عند الله والراسخين في العلم. ومن بعد (نسيم الصبا) عرفت أن مارش (عباس) من نغمة (النهاوند) وأن (يا طالع السعد) (رصد)، وهكذا أصبحت أقيس كل ما أسمعه على معرفته، وبذا أستطيع تعيين نوع النغمة. غير أن علماء الانغام يرون أن ميزان الإذن قد لا يعدل، وأن هذه الطريقة الساذجة لا تصح أن تكون حجة علمية دقيقة يعتمدون عليها في قوانينهم وأبحاثهم، فهم لذلك يعمدون

стр. 3762

إلى تحليل النغمات تحليلا صوتيا حسابيا، ويفرقون بين درجات السلم الموسيقي بنسب مضبوطة ثابتة لا يعتورها خلل، ولا تعرض للأحداث والغير. وأرى هنا قبل ان أتحدث عن تقسيم النغم الشرقي والغربي أن أثبت التقاسيم العامة في السلمين ليظهر جليا تركيب التقسيم في السلم الشرقي وبساطته في السلم الغربي. ١ - السلم الغربي (من اليمين إلى اليسار تنازليا) دو - سي - لادييز - لا - صول دييز - صول - فاد - فا - مي - ري د - ري - دود - دو والمسافة بين كل هذه الاقسام متساوية في السلم المقرب وهو المستعمل في العالم الغربي الآن وتساوي نصف مسافة كاملة ١٥١٦ ٢ - السلم الشرقي ٨٢٠٤٨٥٩٠٤٩ ٨ ٩٢١٨٧٦٥٥٣٦ ٩ نوا - تيك حجاز - حجاز - نيم حجاز - جهار كاه - تيك - بوسلك - سيكاه - تيك - كردي - دوكاه - تيك - زنكلاه - نيم - رصد ٢٠٤٨ ٥٩٠٤٩ ٨ ٢١٨٧٦٥٥٣٦ ٩ - رصد - تيك - كوشت - عراق - تيك - عجم عشيران - حسيني عشيران - تيك - قباحصار - قباحصار - نيم قباحصار - يكاه - ٨٢٠٤٨٥٩٠٤٩ ٨ ٩٢١٨٧٦٥٥٣٦ ٩ نوا - تيك - حجاز حجاز - نيم - جهار كاه - تيك - بوسلك - سيكاه - تيك - كردي - دوكاه - تيك - زنكلاه - نيم - رصد - تيك - كوشت - عراق - تيك - عجم عشيران - حسيني عشيران - تيك -

стр. 3763

قباحصار - قباحصار - نيم - قباحصار - ٢٠٤٨ ٥٩٠٤٩ ٨ ٢١٨٧٦٥٥٣٦ ٩ ويراعى في تقسيم هذه المسافات، النسب التي ذكرناها تحت باب السلم الموسيقي الشرقي في عدد أسبق من الرسالة. وقد رأى موسيقيو الغرب ان كل ما يستعملونه من الانغام ينحصر في نوعين رئيسيين، اطلقوا على أحدهما اسم النغمة الكبرى والثاني اسم النغمة الصغرى وجعلوا الدرجة الاساسية للسلم الكبير وهي دو وللسلم الصغير لا. وينسبون اسم النغمة الاساسية فيقال نغمة دو الكبيرة ونغمة لا الصغيرة ولا بأس من أن نوضح هنا نسب المسافات بين الدرجات في سلمي النغمتين. النغمة الكبرى دو ١٦١٥ سي ٩٨ لا ٩٨ صول ٩٨ فا ١٦١٥ مي ٩٨ ري ٩٨ دو النغمة الصغرى لا ٩٨ صول ٩٨ فا ١٦١٥ مي ٩٨ ري ٩٨ دو ١٦١٥ سي ٩٨ لا وقد جعلوا شرطا في كل لحن ان ينتهي بالدرجة الاساسية في نغمة دو يجب ان تكون آخر درجة في ختام اللحن هي دو وكذلك في لا. كما انهم أباحوا للملحن أن يختار أي درجة من درجات السلم الموسيقي لتكون درجة اساسية للحن مع مراعاة النسب المفروضة للنغمة المستعملة سواء أكانت الكبرى أم الصغرى، وجوب انتهاء اللحن بالدرجة الاساسية. وقد رؤى بعد ذلك أن هناك نوعين من النغمة الصغرى إحداهما تشابه النغمة وهبوطها، والأخرى يختلف السلم هبوطا عنه صعودا إذ يرسون موقع الدرجة السادسة نصف مسافة في الصعود، وعند الهبوط تكون النسب بين الدرجات هي نفس نسب النغمة الكبرى وسميت النغمة الاولى بالصغرى المطربة والثانية بالصغرى المتوافقة أو المتجانسة فرضوا أن من الشروط اللازمة في علم الانغام ان المسافة التي بين الدرجة السابعة والثامنة يجب ان يكون مقدارها نصف مسافة، كاملة وسميت الدرجة السابعة في السلم

стр. 3764

بالدرجة الحساسة - وان كنت لا ادري مصدر هذه التسمية - واحسب ان علماء النغم انفسهم لا يستطيعون لذلك تفسيرا دقيقا. هذا في الموسيقى الغربية، أما في الموسيقى الشرقية فشد الله ازر المشتغلين بالانغام فيها، ويسر لهم من أمرها ما عسر، فلا قاعدة عامة، ولا نغمات معدودة محصورة يسهل على الفكر ادراكها وتحديدها. وإنما هي نغمات تعد بالمئات، ولكل نغمة قاعدتها الخاصة أو قل قواعدها في ترتيب النسب لمسافاتها ودرجاتها. ولذا يستحيل علينا ان نجد عالما شرقيا، مهما بلغ به العلم، قد الم بكل هذه النغمات وأحاط بها. وليس هذا يعني ان كل النغمات في الموسيقى الشرقية عسيرة المطلب شاقة المنال، بل ان فيها من الانغام ما يستطيع الموسيقي العادي ان يلم بها بدون حاجة إلى جهد أو كبير عناء. بل إن من هذه النغمات ما يجعل الموسيقى الغربية في يأس قاتل لعدم بلوغها تلك المرتبة من دقة التقسيم وعذوبة التوقيع وحساسة الإذن. وفي الموسيقى الشرقية اختلاف عن بساطة التسمية للنغمات الغربية فقد قلنا في النغمات ان النغمة الكبرى أو الصغرى يصح ان تنتقلا على كل درجات السلم محتفظين باسميهما مع نسبة اسم الدرجة التي تعتبر أساسية إلى النغمة. أما في الموسيقى الشرقية فلا يمكن حصر النغمات. ولنأخذ مثلا النغمات التي درجتها الاساسية الرصد، وأولها نغمة الرصد، ثم السوزناك والحجاز كار والنهاوند والنوا أثر والنكريز وطرزنوين والسازكار، وهكذا إلى حوالي الثلاثين نغمة. ولا يقتصر الأمر على هذا. وينهج النهج الغربي عند اعتبار درجة اساسية اخرى غير الرصد للنغمة بل يزداد التعقيد، فمثلا نغمة الحجاز كار ودرجتها الاساسية الرصد وسلمها الموسيقي كما يلي: كردان ٢١٨٧٢٠٤٨ أوج حصار ٢١٨٧٢٠٤٨ نوا ٩٨ جهاركاه ٢١٨٧٢٠٤٨ سيكاه ٢١٨٧٢٠٤٨ زيركوله ٢١٨٧٢٠٤٨ رصد ٢٥٦٢٤٣ ٩٨ فلو اتخذنا درجة الدوكاه أساساً لهذه النغمة فان اسمها يتغير ويصبح مشهناز، ولو اتخذنا نفس هذه النسب أيضاً لدرجة اساسية هي الحسيني عشيران لتغير اسم النغمة وأصبح

стр. 3765

سوزول وباتخإذ درجة اساسية هي العراق يصبح اسم النغمة اوج أرا، ويقول الراسخون في علم الانغام الشرقية - ولسنا نعرض لقولهم الآن - ان هذا التركيب والتعقيد في اختلاف اسماء الانغام وتنوعها مع تشابهها لهو عقدة فنية محبوكة، والفخر كل الفخر لمن استطاع ان يلم من هذه الانغام باكثرها تعقيدا واكثرها غرابة في الاسم والتصوير، ثم يعللون هذا أيضاً بأن تلك الانغام وان تشابهت حقا في ترتيب سلمها فان هناك اختلافا بسيطا في سير النغم عند الصعود أو الهبوط. هذا ابسط مثل لنغمة واحدة في انتقالها على ثلاث درجات مختلفة، ولو اردنا ان نحصر عدد الانغام التي يمكن تكوينها على درجات السلم الشرقي وعددها اربع وعشرون - من النغمات التي درجتها الاساسية هي الرصد فقط لاحتجنا إلى خبير حسابي ليستعين بعمليات التباديل على اجابتنا إلى ما نرغب. ولما كان الغرض من هذا البحث هو التعرض بوجه عام إلى الفروق الظاهرة بين الموسيقى الشرقية والموسيقى الغربية، فانا نرجئ التكلم عن محاسن ومساوئ الموسيقى الشرقية إلى اجل قريب. مدحت عاصم

стр. 3766

العلوم ويسألونك عن الأهلة للدكتور احمد زكي - ٣ - سطح القمر إذا اعتمدنا في حكمنا على الأمم القديمة من مصرية وكلدانية وهندية وفارسية على المرقوم مما خلف التاريخ، واعتمدنا عليه وحده، خرجنا على أن هؤلاء القدماء وُفقوا إلى دراسة مدار القمر دراسة دقيقة كشفت عن أهم الصفات الخاصة بهذا المدار، أما رأيهم في القمر نفسه، ما جوهره وماذا عليه؟ فلم يصلنا مما قد كانوا علموه من ذلك شئ. ومن أقدم ما نعرف في هذا الصدد ما أرتاه العالم الإغريقي طاليس (٦٤٠ - ٥٥٠ ق م) فقد ارتأى ان القمر ان كان أكثره من الشمس، فان بعضه يخرج بالاشعاع من القمر نفسه. ودلل على ذلك بأن الأجزاء المعتمة من الأقمار الجديدة والأهلة لا تعتم كل الاعتام، بل يبقى فيها برغم احتجابها عن الشمس بقية قليلة من ضياء تتبينها العين. ومن القدماء الفلاسفة الفيثاغوريون علموا أن القمر كرة بلورية ملساء ينعكس منها الضياء كما ينعكس على المرايا، وتتراءى فيه صور الأشياء كما تتراءى في المرايا، فالمناطق التي تظهر على سطح القمر بيضاء ناصعة، أو سمراء داكنة، ليست إلا صورة الكرة الارضية انعكست فيه ببحرها وخلجانها، وجبالها ووديانها، وتابعهم في ذلك ارسطو، فأظهر جهلا كجهلهم تاماً بأبسط قواعد الضوء وانعكاساته، وبما لاشك كان معلوما في هذا العصر من الحال التي عليها دار القمر. فهذه القواعد الضوئية والمعلوم من المدارات القمرية لا يمكن ان يؤلف بينها العقل العادي - بله عقل أرسطو - وبين أن القمر يرينا دائما وجها وأحداً وصورة واحدة لا تتغير. فلو أنها كانت صورتنا تنعكس الينا لتغيرت حتما باختلاف أوضاعنا واوضاعه. وسبق هذه الآراء وتخللها وتبعها آراء أخرى للأقدمين كثيرة، كان من الطبيعي أن تحظى من الخيالى بحظ أكبر من الحقيقة لعجز العين الإنسانية عن استيضاح ما هنالك.

стр. 3767

ثم جاء جاليليو، وفي عام مايو عام ١٦٠٦م وجّه إلى القمر أول منظار صنعه، فعلم من تلك النظرات الأولى أن لا ملاسة في سطح القمر، وأنه سطح خشن فيه خروج وفيه دخول، وفيه تكسر وفيه انحناء والتواء. ثم تهيأ له منظار الأكبر فحرره إليه، فرأى لأول مرة جبال القمر تمتد في سلاسل كسلاسل الأرض، تدور على الأغلب في حلق يضيق ويتسع. ورأى على حافة الأهلة الداخلة نقطا لامعة في بقع سوداء، عرف أنها قمم الجبال، نالتها وحدها الشمس فأضاءت، بينما الوديان المحدقة بها في ظلام بهيم، وتتبع ظلال تلك الجبال القمرية فوجدها تطول وتقصر، كما تطول وتقصر الجبال الارضية بشروق الشمس عليها وغروبها عنها. إنما الذي حيره أن جبال القمر ووديانه كانت تنير بغتة، وتظلم بغتة، كانت تعرف البياض الخالص والسواد الخالص، وتجهل ما بين هذين الطرفين من درجات، بينما جبال الأرض لا تكاد تنالها الشمس حتى يصيب الوديان من نورها نصيب ولو ضئيلاً. حيرة إحتارها جاليليو من تلك الحيرات الغوالي التي كثيرا ما تنكشف عن حقيقة غالية، حيرة نعرف الآن انها كانت أول دليل على أن القمر لا جو له ولا هواء يلفه كهوائنا، فان هذا الجو الارضي، وهواء دينانا هذا الذي نعيش فيه، يكسر أشعة الشمس إذ تمر فيه فينشرها وينال بها فيما ينال مواقع تلك الظلال التي لولاه لكانت سوداء كالليل، وظلماء كالظلال على القمر. واستخدم جاليليو أطول تلك الظلال في تقدير أطوال الجبال وخرج من ذلك على نتائج وارتأى أول من رأى فوهات القمر، وهي جبال كالبراكين الأرضية تتقور قممها كالجفان، شبهها كما تراءت له بالعيون على ذيل الطاووس. ورسم جاليليو خريطة للقمر تحكم له بالحذق وتقضي له بالمقدرة، إذا ذكرنا ان منظاره لم يكبر أكثر من ثلاثين ضعفا، ولكن فاق خريطته في الاتقان وسبقها في التفصيل ما تلاها من خرائط الباحثين، فأصبحت هي ولا قيمة لها إلا المتعة بالقديم. تبع جاليليو رجال نذكر منهم هيفيليوس وريكسيوني وكسيني وشروطر ولو هرمان وبير ومدلر ووب وشمت بحثوا القمر، فزادوا في قوة المنظار، وأكثروا من رؤية التفاصيل، ودونوها على الورق تارة وعلى المعدن تارة أخرى، وبذلوا في ذلك مجهودات كبيرة، وصبروا وصابروا على المشقات الكثيرة، لاسيما مشقة العين وجهد البصر وألم

стр. 3768

التحديق. وانتصف القرن الثامن ففكر القوم في استخدام الفوتوغرافيا في تصوير الأقمار والنجوم فكانت فتحا جديداً. يتبع أحمد زكي

стр. 3769

٦ - في البحوث الروحية للأستاذ عبد المغنى على حسين ما هو النوم؟ ثقل يداعب الرأس، ثم تطبق الاجفان، وينعدم الحس، وتهدأ حركة القلب، ويبطئ التنفس ويكون عميقاً، وتهبط حرارة الجسم شيئا قليلا. أما المخ فيتوقف جزء منه عن العمل، فيغيب ما يسمى بالعقل الواعي، وينفرد بالأمر العقل الباطن. والاحلام أكثرها أحاسيس، تغزو الجسم النائم من خارجه، أو تتولد في داخله، فتبرق بها الاعصاب إلى العقل الباطن، فيقرؤها بلغة قصصية رمزية، ويأخذ من سالف الذكريات، وكامن المخاوف والرغبات، فيكمل الاقاصيص، يحوك اطرافها. في الاحلام شواذ، ولكن اكثرها من هذا النوع. هذا النوم الطبيعي، هدنة يتخذها العقل الواعي. وهناك نوم اصطناعي، هو المعروف بالنوم المغنطيسي، ظاهرة اكتشفها في القرن الثامن عشر طبيب ألماني يسمى مزمر وبأكتشافها انفتحت للاحتيال سوق جديدة، اتاها الدجاجلة يهرعون، من كل موفور الذكاء، منقوص الخلق، فأساءوا إلى العلم، وفوتوا على الإنسانية النفع، وفجع الرجل في اكتشافه، وساءت سمعته، وقضى على اساليبه. ولكن لما كان الشىء الحقيقي لا ينعدم، عاد العلم في أواخر القرن التاسع عشر فتناول الظاهرة المزمرية بالدرس الجديد. في النوم المغناطيسي لا يغيب العقل الوعي من تلقاء نفسه، بل بتأثير ضغط يقع عليه من عقل آخر. فإذا نظر المنوم في عيني القابل للنوم، أحس هذا بعد حين بثقل في الجفون، ثم يغمض، ويفقد الحس، وتسترخي عضلاته، ويقع في سبات يختلف عن النوم الطبيعي فيما يأتي: - ١ - لا يكون العقل الباطن حراً مستقبلا كما في النوم الطبيعي بل يكون عبداً طائعاً للشخص المؤثر، يأتمر بجميع اوامره، ويتلقى منه كل فكرة كلها تنزيل. ويمكن تشبيه الجسم في النوم الطبيعي بمملكة غاب مليكها باختياره، وترك آلة الحكومة تدير نفسها، على أن يعود إذا استدعت الحال، أما في النوم المزمري فقد قهر الملك، وكبل عنوة بالاصفاد، فطبيعي أن تقع حكومته لعبة في يد القاهر. هذا تشبيه فقط، والذي يحدث على أي حال هو أن المتأثر يصبح للمؤثر أطوع من بنانه.

стр. 3770

٢ - لا يستيقظ المتأثر من سباته إلا بأمر من المؤثر، ولا يستيقظ من تلقاء نفسه ولو قطع اربا. كيف يحدث هذا التأثير المزمري؟ لا تعرف الآن علة حدوثه على التحقيق، وخير ما يقال في ذلك هو أن الفكرة القوية تثير أمواجا كهرطيسية حادة تنتقل في الأثير، وان المؤثر عندما يحدق في المتأثر يصليه من هذه الموجات شواظا ينصب على مراكز الوعي في مخه فتتخدر. وقد استجدت بحوث تجريبية تشهد لهذا الفرض إلى حد ما، من ذلك ما أذاعه منذ شهور البروفسور فرديناند كازيمالي أستاذ الأمراض العصبية بجامعة ميلانو، من أن موجا كهرطيسياً يتشعع من الجسم البشري عند اضطراب النفس، وانه استقبل هذا الموج بآلة سينمية، فوجده، مما يؤثر في الاشرطة الحساسة. مهما تكن العلة فالنوم المغنطيسي حقيقة واقعة، وهو أداة خطرة إذا أريد منه الشر والعبث، كما أنه نافع في علاج العادات الذميمة، وشفاء أمراض عصبية ليس سببها تلفا ماديا في الاعصاب. هذان ظرفان يغيب فيهما العقل الواعي - ظرف النوم الطبيعي، وظرف النوم المزمري - ونود ان نتحدث عن ظرف ثالث، من الناس من تطرأ عليه حالة عصبية، فتعتريه تشنجات، ثم يفقد الحس، ويبدو كنه عقليته تغيرت، فيأتي من الاقوال والافعال ما ليس من عاداته، كان يدلي برغبات لم يكن يبوح بها، أو يوجه عنيف الكلام إلى أهله ومن هم موضع احترامه، ويحتج على إهانات تافهة لحقته ولا يكاد يذكرها أحد، ثم ينتفض فيعود إلى نفسه، ويدور بعينه فيما حوله ومن حوله، لا يدري ما حدث، ولا يذكر حرفا مما قيل. تشاهد هذه الظاهرة، وتفسيرها سهل، لأن كل ما يلفظ المريض من قول لا يتعدى سابق اختباراته، والطبيعي من رغباته، فالمسألة إذن ثورة داخلية، يتغلب فيها العقل الباطن على العقل الواعي، ويحكم برهة حكم طيش واضطراب، ثم يهبط ثانية إلى مستقره، ويعود العقل الواعي من غيبته. هذه الظاهرة مرض عصبي، يضمه الطب إلى أنواع الهستيريا، وسببه رعب أصاب الشخص في طفولته أو نحو ذلك، فاختل التوازن بين قوى أعصابه، وغدا عقله الواعي مزعزع السلطان. تلك حالات ثلاث يغيب فيها العقل الواعي. ولكن الحال الثالثة (الهستيريا) ليست من

стр. 3771

البساطة كما ذكرنا. فمن هذا النوع أمثلة نادرة وعجيبة. أمثلة لا تدخل في الحقيقة في اختصاص الطب، لأن صاحبها لا يشكو مرضا، تأتيه النوبات من غير ألم، ويتحدث اليك في ذهوله حديثا هادئا متزنا من غير انفعال، زاعما انه شخص آخر غير نفسه، قد يكون امرأة فتنتحل في ذهولها شخصية رجل، أو العكس، وقد يكون صغيرا فيحدثك حديث الكبير أو العكس، فإذا عاد إلى نفسه لم يتذكر شيئا مما كان، وإذا عاودته النوبة برزت شخصيته الثانية بذاكرتها الخاصة، وخبرتها الخاصة، وحكمها الخاص على الأمور، وأذواقها وميولها الخاصة، وتبدأ حديثها معك من حيث انتهيتما في المقابلة السابقة، وبالاختصار تشعر انك تعاشر شخصين مستقلين أحدهما أساسي والآخر يأتي في الفينة بعد الفينة. هذه الحال يعرفها علماء النفس، ويسمونها الشخصية المزدوجة ويصح ان يتكلفها البعض لغاية في نفس ولا سيما إذا كان من ورائها كسب، ولكن إذا شوهدت في أسرة لا تتجربها، كما هو الحال اللادى كونان دويل أرملة سير آرثر كونان دويل المؤلف الانكليزي المعروف والباحث الروحي الكبير، فالدجل غالبا لا محل له، وقد خبرت هذه الحال في فتاة كانت في سن لا تعرف التكلف إلى هذا الحد، وما كان لها فيه مآرب. أما الشخص الذي يرزق هذه الخاصة فسوء الظن به واجب، وامتحان يتحتم. ومن وسائل امتحانه أن تأتيه من الخلف على حين غرة وتغرز في جسمه إبرة، فأن كان متكلفا فسيفزع من غير شك مهما كان جلدا. وقد وجد الباحثون أن من هؤلاء الناس من تضربه الإبرة من الخلف مفاجأة (بمعرفة طبيب) وهو ماض كأن شيئا لم يحدث، فهو في ذهول حقيقي. ولما كان جمهور الناس يعجز عن التفريق بين الحقيقة والدجل، فالارتزاق بهذه الخاصة ومثلها يؤدي إلى فوضى ومآس خلقية، وتحريمه واجب من غير شك. ما تعليل هذه الظاهرة العجيبة، ظاهرة الشخصية المزدوجة؟ ليس لدى علماء النفس تعليل لها، ومن يتصد لتعليلها منهم يستعر لها علة الهستيريا، ويعتبرها تبادلا للسلطة بين العقلين الواعي والباطن، ولكن في سلم وهدوء. أما اتزان الشخص في ذهوله، واكتمال شخصيته الثانية، وما قد تنم عنه أحيانا من سمو وسعة علم وتهذيب يفوق بكثير مستوى الشخص الاصلي، فيعزونه إلى أن العقل الباطن بحر لا يعرف بعد مداه، ولا ما قد يحوي من علم

стр. 3772

وخلق كامنين، اتياه من طريق الوراثة، أو تجمعا فيه بطريق التلباثي ولكن عددا من الباحثين الذين انقطعوا لدراسة مثل هذه الظاهرة يذهبون إلى تفسير آخر، وهو أن الشخصية الثانية روح مستقلة عن الشخص الاصلي، تستطيع بكيفية تشبه التأثير المزمري أن تنميه، وتتسلط على عقله الباطن، فيكون أداة اتصال بينها وبيننا ويزعمون أنه بهذه الوسيلة يمكن وأمكن التخاطب مع أرواح الموتى. فما يسميه علماء النفس بالشخصية المزدوجة يعتبره هؤلاء الباحثون نوعا من الوساطة الروحية، ويسمونه وساطة الذهول يتضح مما سبق أن الخلاف على تعليل هذه الظاهرة العجيبة كبير، وأن الباحثين حيالها شيع ثلاث. فهناك المطمئنون إلى تركها شاغرة من غير تعليل، لفرط غموضها ولكن ليست هذه بالروح العلمية، إذ الواقع أن تعليلا خاطئا خير من لا تعليل، فهو يفتح باب البحث على الاقل، ويقود يوما ما إلى التعليل الصحيح. وهناك الذين يعزونها إلى العقل الباطن، وهو رأي يستمد قوته من المحافظة على المذهب المادي، وتلافي كل افتراض روحي وفيما عدا ذلك لا يوجد ما يؤيده. وهناك القائلون بالفرض الروحي، وهؤلاء يبنون أقوالهم على درس وتجريب طوال نصف قرن أو يزيد، وفيهم رجال يزنون القول ويقدرون المسئولية، مثل سر اليفر لدج، فنفى أقوالهم ليس باليسير، سيما إذا كان النفي من غير اختبار. عبد المغنى على حسين

стр. 3773

القصص ٦ - شهر بالغردفة تتمة للأستاذ الدمرداش محمد مدير ادارة السجلات والامتحانات بوزارة المعارف عنب جيل الشيب كان من عادتي أثناء الاقامة في الغردقة أن أقف ساعة في الصباح ومثلها في الاصيل أمام نافذة الاستراحة اشاهد منها جبل الشايب لأمتع النظر بجمال لا يراه عادة في جبال وادي النيل، وكان منظر القمة وهي جاثمة فوق هأمات الجبال في جلال وروعة ومن حولها قمم جبال أم عنبة، وعتلمى وكحيلة وغيرها، كأنها الصغار حول الأب الجبار يوحي إلى النفس بشعور الكبرياء والعظمة. وجبل الشايب لا يبعد عن محطة الاحياء المائية كثيراً، فالمسافة بينهما ٤٥ كيلو متراً تقطعها السيارة في نحو الساعتين في طريق ممهدة، وقد ذهبنا إليه يوم الجمعة ٢١ يوليه في ثلاث سيارات تحمل إحداهما الخيام والزاد - كان اليوم راكد الهواء مساند جبل الشايب بالقرب من بئر أم دلفة، والبئر عبارة عن حوض في جدار الجبل تظلله الصخور، وينضح إليه الماء من شقوق وعيون في الصخر، فإذا فاض الحوض تدفق ماؤه إلى فجوة أسفله، ومن الحوض يستقي الاعراب، ومن الفجوة تشرب الابل والمواشي. والوادي حول البئر كثير العشب وافر الكلأ، تظلله الاشجار وتسبح في جوه الطيور والعصافير. وبعد راحة قصيرة حاولت وبعض الرفاق التسلق إلى قمة أم دلفة، ولكن الصعوبة المرتقى وحرارة الشمس جعلتا الصعود شاقا منهكا فاكتفينا بمرحلة متوسطة، وعدنا أدراجنا، وفي العودة التقيت عند البئر شباب من سكان المنطقة وهو من عرب معاذة، أسود البشرة ناحل الجسم، دقيق العظم، وكان معه جمل يحمله بقرب الماء: فقلت له يا أخا العرب: هل من وسيلة إلى قمة الشايب فقال: إن الطريق إليها طويلة شاقة، كثيرة الالتواء والعقبات لا يعرفها إلا نفر قليل منا فلا تطمع في الوصول إليها وحدك، ثم إن الصعود إليها يستغرق

стр. 3774

يوما كاملا ومثله للنزول. فقلت كيف ذلك؟ فقال هكذا يقول من صعدوا إليها - ثم سألته عن حال البادية فأجاب، كرب وشدة، فانحباس المطر إحدى عشرة سنة متعاقبات أجدب الوديان حتى كادت تتعرى من الأخضر واليابس، وغاض ماء الآبار وجف كثير من العيون، وتفرقت البيوت فقوم منا لحقوا بوادي النيل، وآخرون أوغلوا صوب الشمال، وبقية بدا لها أن تتشبث بوطنها مثوى الآباء، والأجداد، برغم ما تعانيه من شظف العيش وما تلقاه من حرمان. يعملون هكذا فرارا من معرة الهجرة وهوان الارتحال. فقلت: وما بعد ذلك فقال، سنبقى هنا بالتوكيد حتى يقضي الله أمره فينا. ثم أطرق برأسه وهو يقول فرج الله لا بد قريب، فقلت صدقت يا أخي، اصبر فان الله لا ينسى عباده، فعلت وجهه ابتسامة اطمئنان ويقين. وبعد حديث طويل عن الجبال وأسمائها، ومسالكها والعيون وأماكنها سألته عن حيوانات المنطقة ونباتاتها فقال، يعيش هنا الغزال والتيتل والثعلب والارنب والخروف الوحشي، والأخير كان كثيرا، ولكنه رحل عنا منذ أجدبت الوديان. وعندنا من الطيور العصافير والغراب والصقر وغيرها، ومن الحشرات الثعابين والعقارب والزنابير والخنافس والذباب والنحل وغيرها، ومن النباتات الشيح والسيال (السنط) واللصف واليسر والفطنة (ذات رائحة شديدة كريهة) والحرجل (يستعمل دواء للمغص) والجتيات والمرغادة والأراك وغيرها. قلت وهل تستفيدون من هذه النباتات، فقال نعم؟ فلكل نبات فائدة نعرفها. ثم اننا نجمع الشيح ونبات المسواك وحب اليسر، ونبيعها في قنا، ومن خشب الطرفا، وهي شجرة الاثل نصنع الفحم وقد كانت له سوق رائجة، ولكن الطلب عليه الآن قليل. ثم قال اننا قوم ذوو همة نتاجر في الاغنام والابل، وننقل التجارة على الجمال من قنا إلى الغردقة، ونستخرج بعض المعادن من الجبال ونبيعها في السويس، وهكذا، فإذا كانت المراعي قد أجدبت فان نشاطنا لم يضعف وعزيمتنا لم تفتر. وجبال الشايب وما حولها تبدو من الغردقة متلاصقة متجاورة إلا أنها في الحقيقة متباعدة تخترقها الوديان والسهول وتشقها مجاري السيول في كل صوب. وعند الأصيل انطلق الهواء واعتدل الجو فتفرقنا بين الجبال واخذ بعضنا يتبارى في الرماية بالبنادق وإصابة الهدف، وقبيل الغروب عدنا بسلام.

стр. 3775

من الغردقة إلى قنا قضينا الأسبوع الأخير من إقامتنا في الغردقة في إعداد الصناديق وحقائب السفر استعداداً للعودة. وكانت الأيام تمر سراعاً، ويوم الرحيل يدنو مسرعا، وقد أشفقت أن نعود من غير أن أتمكن من الذهاب إلى قنا عن طريق الجبل، ولكن تهيأت الفرصة قبل الرحيل بأيام قلائل فحمدت الله على توفيقه. وطريق الجبل إلى قنا طويل شاق تقطعه السيارات عادة في ثلاث مراحل: الأولى من البحر إلى مدخل الجبال وطولها نحو ٤٠ كيلو متراً، وهي عبارة عن ساحل كثير الحزون والتلال، والمرحلة الثانية منطقة الجبال نفسها وطولها ٧٠ كيلو متراً. والمرحلة الثالثة من باب مخينق إلى قنا في وادي قنا العظيم وطولها مائة كيلو متر. وتشتد الحرارة صيفاً في الطريق أثناء النهار لدرجة لا تطاق فكان لابد لنا من القيام من الغردقة ليلا: ففي الساعة الثالثة صباحا كانت تسير السيارات بنا نحو الجبال في طريق صاعدة كثيرة العقبات. وكان الظلام حالكا، والسكون رهيبا شاملا، وهواء الليل بارداً منعشاً ونحن جلوس في صمت عميق، شاخصة أبصارنا نحو مقدم السيارة تتابع ضوءها الكشاف وهو يجلو أمامها الطريق، والسيارة تجاهد مندفعة بسرعة أربعين، والسواق رزين قد استجمع كل حواسه في عينيه، وكل قوته في يديه وقدميه، يقودها باهتمام وحذر، يتلمس الطريق في جوف الليل بمهارة وحذق نادرين - مرت علينا هكذا ساعتان ثم لاحت تباشير الفجر وقد دخلنا منطقة السدود، فكان الطريق بينها خطرا يتلوى في ضيق وانفراج، ثم بزغت الشمس على القمم والروابي فكان منظراً بديعاً حقاً: فجبال شامخات قائمات في استقامة كالجدار، تعلوها كالسهام تناطح السحاب، وقد بدت أطرافها في بوادر الشفق حمراء قانية كأنها تتوقد في أتون من نار، والجبال من تحتها والثنايا والحنايا من حولها في لون ازرق داكن كأنها الدخان الكثيف - ثم علت الشمس. واصفرت الأشعة فبدت القمم كأنها أهرام من ذهب فوق قواعد من رصاص وأخيراً انقشع الظلام واشرق النور فتوارى جمال السحر ليتجلى جمال الطبيعة في حلة الصباح، فكان أشد فتنة وأبلغ أثرا - كنا حينئذ نسير في وادي (بلي) وعن يمننا جبل الدخان (١٨٠٠ متر) وعن يسارنا جبل القطار والوادي بينهما ضيق عميق يخترق الجبال من الشرق إلى الغرب، وهو كثير العشب والأشجار،

стр. 3776

وقد أقام الرومان على مدخله من جهة البحر قلعة للحراسة، وهي الآن انقاض لم يبق من معالمها إلا الجدران - ويتفرع من وادي بلى عند وسطه وادي البديع، وهو يخترق جبل الدخان وينتهي عند بئر البديع حيث توجد مناجم الحجر السماق الامبراطوري، وهو حجر جرانتي دقيق الحبيبات لونه احمر قاتم قد صنعت منه طائفة كبيرة من أجمل التماثيل في العصر القديم، ولا يزال بوادي البدع آثار رومانية قديمة من مبان واستحكامات وطرق - ويتطرق وادي بلى إلى وادي القطار وهو كسابقه فيه العشب وفيه الشجر، وعند الكيلو متر ٦٥ تقوم استراحة بوليس مصلحة الحدود على رابية بجانب الطريق، وبالقرب منها بئر الأمير فاروق وماؤها عذب غزير، ويخرج من وادي القطار عند الاستراحة طريق يؤدي إلى سطح جبل القطار حيث مناجم الموليدات. وهي لشركة طليانية بقيت تستغلها سنوات طويلة، ولكنها منذ سنتين توقفت عن العمل وصرفت العمال، ولم يبق بمركزها سوى المهندس وهو شيخ طلياني طابت له الإقامة ففضل البقاء وحده وسط هذه الجبال - فتأمل - وبلى والقطار من أجمل الوديان والطريق فيهما مرسوم يحاذي الجبال في تعاريج كثيرة بين صعود وهبوط، والجبال هنا موحشة جداً تحمل في طياتها وعلى جدرانها طوابع العصور الطويلة التي تعاقبت، والكوارث التي نزلت من تفتت وتهشيم وتصدع وانكسار وانثناء وتعرية. وصلنا ممر محينق قبيل الساعة السابعة، ثم انحدرنا منه إلى وادي قنا، وهنا تغيرت معالم الطريق وطبيعة الجبال، فاصبح الوادي أكثر اتساعا والجبال أقل ارتفاعا، واختفت الجبال القديمة وظهرت هضاب الحبال الكلسية التي تمتد إلى وادي النيل - وبعد أن مررنا بجبل (نجع الطير) ثم بجبل (ابي حد) وطابية الحيط، وصلنا بير (عراس) وهنا زاد الوادي انفراجا وانبساطا، وفي منتصف الساعة التاسعة وصلنا قنا ونزلنا ضيوفاً على نقطة بوليس مصلحة الحدود. ولوادي قنا شهرة قديمة، فقد كان طريق المصريين والرومان والعرب إلى محاجر الجرانيت ومناجم المعادن وشواطئ البحر الاحمر، ولوقوعه في سفوح الجبال العالية فأنه يترع بالماء وقت الامطار الغزيرة، وتفيض منه سيول جارفة تصب في النيل عند قنا وتجلب معها كميات عظيمة من طمى ناعم يعرف (بالحيب) يصنع منه الفخار القناوي

стр. 3777

المشهور - واختراق وادي قنا أمنية قديمة تعلقت بها منذ كنت ناظرا لمدرسة قنا في سنة ١٩٢٣ وقد حاولت وقتها في مرة أن أمشي فيه يوما كاملا، ولكن ضللت الطريق السوي لتشابه المسالك وجهل الدليل، وبعد أن أقمنا بقنا ليلتين ويوما برحناها بعد نصف الليل بساعتين عائدين في نفس الطريق فوصلنا الغردقة بعد شروق الشمس بقليل. وبعد يومين ودعنا الغردقة ومن فيها وأبحرنا عائدين إلى السويس ثم إلى القاهرة. وأختم هذه الرحلة بتقديم خالص الشكر لحضرات - الدكتور كرسلاند مدير المحطة، ومحمد بك حبيب مفتش منطقة البحر الاحمر، وسيد أفندي الحملاوي مساعده، والدكتور محمود أبو زيد مفتش المناجم، لما بذلوه عن طيبة خاطر من مجهود عظيم في سبيل راحتنا ومساعدتنا، ويلهج كذلك لساني، بالشكر الوافي لصديقي العالم الكبير الدكتور محمد عبد الخالق بك لما خصني به من جميل العناية والرعاية. الدمرداش محمد في الكتب

стр. 3778

جولة في ربوع الشرق الادنى إذا تمثلت الأستاذ ثابت، فلست أتمثل وأحداً من الرجال وكفى، وإنما أتخيل طريقة بأسرها من طرائق العيش، وأسلوبا شاملا في فلسفة الحياة، أخذ يتبلور ويتركز، حتى تجسد في أستاذنا ثابت، فمن الناس من يقضي حياته التي كتب له أن يحياها على ظهر الأرض، في بلد وأحد، بل في دار واحدة، بل في مكان بعينه من الدار. وأجرأ ما يطرأ على حياتهم الضئيلة الآسنة من ارتحال، انتقال من غرفة في الدار إلى غرفة أخرى كما يقول جولد سمث. وهذا رحالتنا ثابت أراد ان يحيا! هو ذا قد وازن بين حركة الحياة وجمود الموت، وازن بين الأيام تدور، وتدور حول صورة بعينها آسنة راكدة، وبينها تزخر بأسباب الحياة، فلم يتردد في الاختيار. . وأخذ يضرب في مناكب الأرض، يجوس أنحاء أوربا ويخرج للناس وصفا لجولته في ربوعها، ثم يجوس في أنحاء آسيا ويذيع في الناس وصفا لجولته في ربوعها، ثم يجوس في أنحاء أفريقيا وينشر بين الناس وصفا لجولته في ربوعها، وهاهو ذا في الصيف الماضي، قد جال في أرجاء الشرق الأدنى وأخرج للناس هذه الجولة الجديدة التي نحن بصددها. وان كان القراء قد أمتعهم ما طالعوه من مشاهدات رحالتهم في أوربا وآسيا وأفريقيا، فكم تمتعهم قراءة هذه الرحلة الأخيرة التي لم تكن بين أقوام من غرب بعيد، تربطنا وإياهم صلات مهما تكن - فهي على شئ من الضعف والوهن، ولم تكن بين أقوام من شرق أقصى لا تكاد تصلنا بهم إلا روابط الإنسانية الواحدة والعصر الوأحد، وإنما هي رحلة بين شعوب توشجت بيننا وبينها أواصر من الرحم والقربى هيهات أن تقوى على فصمها الأيام، وهي كما يقول الأستاذ المؤلف حقاً في المقدمة (أقطار تربطنا بها روابط وثقتها أواصر التاريخ والاجتماع والدين. وزادتها رسوخا صلة الرحم قديمة وإخلاص وعمق وعطف متبادل تذكى ناره رغبة مشتركة في النهوض، وطموح متأجج للخلاص بأوطان مهددة ظلت ولا تزال تئن تحت أخطاء أبنائها ونهم الطامعين فيها). قرأت كتاب الأستاذ ثابت، فكنت أتابعه في رحلته بلدا بعد بلد، وقطر في أثر قطر، جبت معه - على حسابه - فلسطين وسوريا وتركيا والعراق وفارس وافغانستان؛ وكنت أقف معه هذه الوقفات التي تطول حينا وتقصر حيناً؛ أمام روائع الآثار القديمة المنتثرة هنا

стр. 3779

وهناك في ربوع الشرق الأدنى، والتي تثير النفس شتى العواطف والذكر. في المسجد الاقصى، عند مبكى اليهود، في كنيسة القيامة؛ على جبل الزيتون، في إيوان كسرى، في الحدائق المعلقة، في ضريح الأمام الرضى، وغيرها. . . كما خالطت وإياه هذه الطوائف المختلفة، فعرفتها معرفة حية بعد أن كانت مجرد أسماء تتردد: السامريون، الدروز، الشيعة، الصابئة، اليزيديون عبدة الشيطان وغير هؤلاء. وللأستاذ ثابت مقدرة ممتازة في الوصف الدقيق لما يشاهده باسلوب سلس فتشعر كأنما هو يتحدث اليك عن رحلته حديثاً حلواً شيقاً، بحيث يترك في ذهنك صورة قوية، كثيراً ما تميل بك إلى العقيدة بأنك قد رأيتها رأي العين، ولا تكاد تقتنع بأنها صورة قلمية فقط قرأتها عند الأستاذ ثابت! كنت أشعر بحلاوة الحديث، واندفع مشوقا إلى القراءة متنقلا من بلد إلى بلد. . . . ولكن لم يستطرد معي هذا الشعور في كل انحاء الكتاب، فكأنما عز على الأستاذ ثابت أن يمتعنا متعة محضة خالصة، دون أن يصدمنا في الحين بعد الحين صدمة عنيفة، يضيق بها الصدر، يود عندها القارئ أن لم يكن ذلك الكلف على تلك الشمس المشرقة الضاحية! وإنما اعنى بتلك الصدمات، هذه الحقائق العلمية التي ركزها في صفحات قليلة، نثرها في أركان الكتاب كأنما يريد بها أن يبلو صبر القارئ على القراءة وجلده على احتمال العلم الصارم. وكم كنت احب - وليس الأستاذ ثابت بالطبع مكلفا بأداء ما أحب - أن يكون الكتاب كله من ذلك النوع الذي لا أستطيع أن أقرأه إلا في كتاب الرحالة الذي شاهد ورأى، وقد يكون من الأثرة أن اغتصب الحكم لنفسي دون القراء جميعا، فها هو الكتاب بين أيدي القراء فلا حاجة للاقتباس أو ايراد الشواهد. ومع أن الأستاذ قد أخذ علينا طريق هذا الاعتراض انه إنما أراد بمزج هذه بتلك، أن يكون الكتاب أداة ثقافية بجانب اللذة والمتاع، فعلى هذا الاساس من وجهة النظر نوافقه في شئ من القلق وبعد، فقد اشترك الأستاذ الرحالة قراءة معه في حياته الزاخرة، وكان عليه وحده الغرم، غرم الارتحال وعناء التسطير ولقرائه الغنم، غنم الفائدة والمتاع السائغ. زكي نجيب محمود

стр. 3780

التربية بالقصص لمطالعات المدرسة والمنزل الطفل أب الرجل كما يقول الانجليز، وهو قول صحيح من كل الوجوه، لأن الرجولة مهما اختلف لونها، ليست إلا ثمرة لهذه البذور التي نبذرها في تربة الطفولة الغفل، إن خيرا فخير وان شرا فشر، وفي هذا قال الفيلسوف ليبنتز قوله المشهور: (سلمني قياد التربية وأنا كفيل بتغيير وجه أوربا في قرن وأحد من الزمان) يريد بذلك انه يستطيع أن (يصنع) ما يشاء من الرجال ما دامت تربية الأطفال موكولا أمرها إليه يتوجه بها إلى حيث شاء. فأن كان هذا حقا لا يحتمل الشك والجدل، فما أحوجنا إذن إلى وضع الخطط المحكمة وتمهيد الطرق التي تؤدي بأطفالنا - وهم رجال الغد - إلى الرجولة قوية صلبة لا تميل ولا تلين. وليس من الشك في أن امثل الطرق لتي تحقق لنا هذا الغرض المنشود، هي ما سارت مع طبيعة الطفل وغريزته، أعني يجب أن نقدم له من وسائل التربية ما يتفق مع غرائزه التي تختلف باختلاف السن حتى نفلح الحديد وهو ملتهب. ولما كان ابرز ما تتميز به طبيعة الطفل في سنيه الأولى هو الخيال القوى الشارد، وجب أن نعد له ما يلائمه من غذاء وهو القصة الخيالية، التي نحوكها بحيث نبث في ثناياها مثلا عليا في الأخلاق، بطريقة غير مباشرة. فينطبع الطفل بطابعها وهو لا يشعر. وليست تقتصر القصة التي نقدمها للطفل على هذه الناحية التربوية، بل إن لها جانبا آخر لا يقل عن ذلك أهمية وخطراً، وهو أن يكون للطفل أدب خاص به، يجد فيه صورة نفسه، ويصادف عنده متعة تحبب إليه الحياة وتروضه على لذة الدرس والمطالعة، فيستمتع بها في أوقات فراغه طفلا وشابا ورجلا. هذا النوع من القصص التي تهذب الطفل وتمده بما يحتاج إليه من أدب هو ما يقدمه الينا اليوم الأستاذ حامد القصبي في كتابيه (التربية بالقصص) اللذين أعدهما لمطالعات المدرسة والمنزل، فنجح نجاحا يهنأ عليه تهنئة خالصة صادقة، ولم يفته أن يكتبهما بالخط الكبير وان يزينهما بالصور التوضيحية التي تلائم مزاج الأطفال وتبعث إلى نفوسهم اللذة والسرور فجاء مثلا للتأليف الطريف الممتع.

стр. 3781

ز. ن. م

стр. 3782

العدد ٤٥ - بتاريخ: ١٤ - ٠٥ - ١٩٣٤

стр. 3783

قطع العقدة أسهل من حلها كان الموروث غفر الله له مهلوس العصب، أرعن اليد، ألكن اللسان، أخرق السياسة، فابتلاه الله بالحرب حتى قَلَّ، وبالدَّين حتى ذلَّ، وبالرشوة حتى فشل. ثم عصفت به ريح المنون فحطمت جذعه وأذرت هشيمه، وتبدد في مهب العوادي تراثه المشتهى، واستقرت على أعناق أبنائه وأوليائه أثقاله وأغلاله وديونه. فإما الترك الخلَّص البواسل فبتروا من خلفهم ذلك الذيل الطويل، ثم انطلقوا خفافا إلى المجد وراء كمال، وأما العرب الأقحاح الميامين فأقلوا من فوقهم ذلك الحمل الثقيل، ثم مضوا سراعاً إلى الملك وراء فيصل، وأما نحن - وقرابتنا إلى المرحوم وما ترك قرابة كلالة - فقد نالنا من عهوده الجزية، ومن قيوده الامتيازات، ورأينا في نصوص القوانين ما يثبت القلوب المنخوبة على الحق، وفي سوابق الدول ما يشجع النفوس الهيوبة على الاقدام، وفي سوانح الفرص ما يذكَّر الرقاب المغلولة بالعتق، ولكن الشعب الذي قسا عليه القدر فمحا من ذهنه الفروق بيَن التواضع والضعة، وبين الوداعة والذل، وبين المجاملة والملق، وبين الكرامة والتساهل، وبين الضيافة والاحتلال، لا يستطيع أن يفهم من القانون إلانص الواجب، ولا من (السابقة) إلامعنى الجرأة، ولا من الفرصة إلاخلاف الحزم. حررت الأمم رقاب العبيد، واحترام السادة إرادة الخدم، ومنحت الدول طعام الشعوب كرامة الوطن، وبرئ الأسود والأبيض من معرة التفريق ووصمة التميز، اللهم إلانحن في مصر، وإلا الزنوج في أمريكا! وما الفرق بالله بين الزنجي والمصري إذا كان كلاهما قد حرم الأخاء في المجتمع، والمساواة في القانون، والحرية في الموطن؟ وهل الامتيازات إلاحكم قائم بانحطاطنا عن الأمم التي ميزناها في الجنسية والعقلية والمدنية والتربية؟ فالأوربي إذا اعتقد انك دونه في القدر والحق والخلق فتمزَّى عليك وانتفي منك، كان واضح العذر ما دمت تعترف بهذا النظام الذي يجعل قضاءه أعلى من قضائك، ولغته أفضل من لغتك، وشأنه ارفع من شأنك. أنه يعرف أن لك على الأقل أن تلغي المحاكم المختلطة من ذات نفسك، فلا ترى بعدها من يظلم قضائك على منصة العدل، ويحتقر لغتك تحت راية الدولة، ويهين رجالك في دست الحكومة، ولكنه يراك تهمل حقك حتى يموت، وتغفل واجبك حتى يفوث، وتنفق من كرامتك على المجاملة واللطف حتى تنفذ، فجعل نزولك عن مقامه تقليداً لا ينهض في

стр. 3784

وجهه أدب، وعرفا لا يقوم بسبيله قانون. إن الامتيازات الأجنبية شر ما مُنيت به هذه الأمة من علل الفساد وأسباب الوهن. فان وجودها يوهم الأوربي انه فاضل بالحق، ويشعر المصري انه مفضول بالطبيعة، فيمعن هذا في هضم نفسه وبذل مقادته، بمقدار ما يمعن ذلك في تصعير خذه وتجاوز حده، ويجري الأمر بين الرجلين مجرى الطبع والعادة، فلا يندم الأول على إساءة، ولا يألم الثاني من غضاضة! وما تجره على الأمة هذه الآفة من قتل الرجولة في النفوس، وكسر النخوة في الرءوس، لا يدفعه إلهاب العواطف بعظمة الآباء وحماسة الشعراء وطموح المدرسة، فما ظنك إذا خلا التاريخ من روح الوطنية، والشعر من أدب القومية، والمدرسة من رفع الخلق أن اخبث الأدواء ما خامر الجسم فسلبه القدرة على الفكر فيه بَلْهَ الخلاص منه. ولقد جنت الامتيازات على أخلاقنا جناية العبودية على أخلاق العبيد! فنحن نجبن أمام الإهانة، ونكذب أمام الخوف، ونخنع أمام القوة، ويقعد بنا اتهام الكفاية عن المنافسة، حتى خلت ميادين العمل للأجانب فتحكموا تحكم الأرباب، وتصرفوا تصرف السادة، وعاشوا بالشر على خير هذا البلد، وأنضجوا شِواءهم في حريق أهله! كل أولئك ونحن نضرع للسفيه أن يحلم، وللخصم أن يحكم، وللقوي أن يستكين، ثم نحاول أن نتحاكم إلى المعاهدات، ونتفاهم بالمفاوضات، كأنما انقلبت حملة الغرب على الشرق دعوة إلى سبيل المدنية وتقدم الإنسانية على هَدْى السلام والعدل! كلا يا سادة! إن علاج المسموم بالعزائم مزاح مع الداء لا تؤمن عاقبته، وان قتل الحية أهون من ترويضها، وان قطع العقدة أسهل من حلها، وان المتنبي ما كان يجهل الناس حين قال: إنما أنفس الأننَيْس سباع … يتفارسْنَ جهرة واغتيالا من أطاق التماس شيء غلابا … واقتسارا لم يلتمسه سؤالا أحمد حسن الزيات

стр. 3785

الخيال الطارق للدكتور طه حسين أقبل صاحبي وجه النهار مرتاعاً حائل اللون، شاحب الوجه، حائر الطرف، طائر اللب، كأنما ألم به طائف من الجن فروعه ترويعاً، وأخرجه عن ذلك الطور الهادئ الرزين الذي كنت اعرفه منه إذا لقيته فتحدثت إليه، واستمعت لأحاديثه المطمئنة العذبة الخصبة. أقبل مرتاعاً لا يكاد يبين إذا تحدث أو هم بالحديث، بل لا يكاد يستقر في مجلس، بل لا يكاد يمسك جسمه من رعدة كانت تلم به من حين إلى حين فتهزه هزاً عنيفاً، وتذكر بقول ذلك الشاعر القديم وإني لتعروني لذكراك هزة … كما انتفض العصفور بلله القطر وأشهد لقد أنفقت كثيراً من الجهد، واصطنعت فنوناً من الحيلة، لأرده إلى ما الفت فيه من دعة وأمن وهدوء، ولقد افتقدت في تلك الساعة بعض هؤلاء الشيوخ الذين يتلون العزائم والرقي، بعد أن أخفقت أو كدت اخفق فيما كنت أحاول من رده إلى الوقار والصواب. ولكن ظفرت آخر الأمر بما كنت أحاول، واستطعت أن أتحدث إلى صاحبي، وأن اسأله عن مصدر هذا الاضطراب العنيف الذي أصابه وما عرفته عرضة لاضطراب يصيب العقل أو يصيب الجسم. قال وهو ذاهل أو كالذاهل: إثم هذا على أبي العلاء أيها الصديق، فلولا إنني نظرت في كتاب من كتبه آخر الليل، لأذود به هذا الأرق الذي ألح عليَّ إلحاحاً لما أصابني ما ترى، بل لما أصابني ما لم تر من تلك الأهوال التي ألمت بي، واصطلحت عليَّ حتى نفرتني من داري وأزعجتني عن أهلي، ودفعتني إليك في هذه الساعة التي لم أتعود أن أسعى فيها إليك. وثق باني قد خرجت من داري معتزماً ألا أعود إليها، وقد أمرت أهلي أن يلتمسوا لنا داراً أخرى، وأزمعت الرحلة عن القاهرة أياماً، حتى إذا تم لهم ما أريد من التحول عن هذه الدار الموبوءة، عدت إليهم في دارنا الجديدة، لعلي أن أجد فيها ما أنا في حاجة إليه من الدعة وراحة البال. قلت ما أراك إلامريضاً تحمل مرضك على أبي العلاء وتكلفه من ذلك ما لم يقترف، وتكلف أهلك من آثار هذا المرض شططا. ومع أني لم أعرف بعد هذه الأهوال التي ألمت بك فأزعجتك عن دارك ودفعتك إلى ما تحاول من فراق القاهرة. فلست أرى بأساً بهذا الرحيل فقد طال مقامك في مدينتنا، وقد احتملت من الجهد
следующие страницы →