Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
ز. ن. م
стр. 3782
العدد ٤٥ - بتاريخ: ١٤ - ٠٥ - ١٩٣٤
стр. 3783
قطع العقدة أسهل من حلها
كان الموروث غفر الله له مهلوس العصب، أرعن اليد، ألكن اللسان، أخرق السياسة، فابتلاه الله بالحرب حتى قَلَّ، وبالدَّين حتى ذلَّ، وبالرشوة حتى فشل. ثم عصفت به ريح المنون فحطمت جذعه وأذرت هشيمه، وتبدد في مهب العوادي تراثه المشتهى، واستقرت على أعناق أبنائه وأوليائه أثقاله وأغلاله وديونه.
فإما الترك الخلَّص البواسل فبتروا من خلفهم ذلك الذيل الطويل، ثم انطلقوا خفافا إلى المجد وراء كمال، وأما العرب الأقحاح الميامين فأقلوا من فوقهم ذلك الحمل الثقيل، ثم مضوا سراعاً إلى الملك وراء فيصل، وأما نحن - وقرابتنا إلى المرحوم وما ترك قرابة كلالة - فقد نالنا من عهوده الجزية، ومن قيوده الامتيازات، ورأينا في نصوص القوانين ما يثبت القلوب المنخوبة على الحق، وفي سوابق الدول ما يشجع النفوس الهيوبة على الاقدام، وفي سوانح الفرص ما يذكَّر الرقاب المغلولة بالعتق، ولكن الشعب الذي قسا عليه القدر فمحا من ذهنه الفروق بيَن التواضع والضعة، وبين الوداعة والذل، وبين المجاملة والملق، وبين الكرامة والتساهل، وبين الضيافة والاحتلال، لا يستطيع أن يفهم من القانون إلانص الواجب، ولا من (السابقة) إلامعنى الجرأة، ولا من الفرصة إلاخلاف الحزم.
حررت الأمم رقاب العبيد، واحترام السادة إرادة الخدم، ومنحت الدول طعام الشعوب كرامة الوطن، وبرئ الأسود والأبيض من معرة التفريق ووصمة التميز، اللهم إلانحن في مصر، وإلا الزنوج في أمريكا!
وما الفرق بالله بين الزنجي والمصري إذا كان كلاهما قد حرم الأخاء في المجتمع، والمساواة في القانون، والحرية في الموطن؟ وهل الامتيازات إلاحكم قائم بانحطاطنا عن الأمم التي ميزناها في الجنسية والعقلية والمدنية والتربية؟ فالأوربي إذا اعتقد انك دونه في القدر والحق والخلق فتمزَّى عليك وانتفي منك، كان واضح العذر ما دمت تعترف بهذا النظام الذي يجعل قضاءه أعلى من قضائك، ولغته أفضل من لغتك، وشأنه ارفع من شأنك.
أنه يعرف أن لك على الأقل أن تلغي المحاكم المختلطة من ذات نفسك، فلا ترى بعدها من يظلم قضائك على منصة العدل، ويحتقر لغتك تحت راية الدولة، ويهين رجالك في دست الحكومة، ولكنه يراك تهمل حقك حتى يموت، وتغفل واجبك حتى يفوث، وتنفق من كرامتك على المجاملة واللطف حتى تنفذ، فجعل نزولك عن مقامه تقليداً لا ينهض في
стр. 3784
وجهه أدب، وعرفا لا يقوم بسبيله قانون.
إن الامتيازات الأجنبية شر ما مُنيت به هذه الأمة من علل الفساد وأسباب الوهن. فان وجودها يوهم الأوربي انه فاضل بالحق، ويشعر المصري انه مفضول بالطبيعة، فيمعن هذا في هضم نفسه وبذل مقادته، بمقدار ما يمعن ذلك في تصعير خذه وتجاوز حده، ويجري الأمر بين الرجلين مجرى الطبع والعادة، فلا يندم الأول على إساءة، ولا يألم الثاني من غضاضة!
وما تجره على الأمة هذه الآفة من قتل الرجولة في النفوس، وكسر النخوة في الرءوس، لا يدفعه إلهاب العواطف بعظمة الآباء وحماسة الشعراء وطموح المدرسة، فما ظنك إذا خلا التاريخ من روح الوطنية، والشعر من أدب القومية، والمدرسة من رفع الخلق
أن اخبث الأدواء ما خامر الجسم فسلبه القدرة على الفكر فيه بَلْهَ الخلاص منه.
ولقد جنت الامتيازات على أخلاقنا جناية العبودية على أخلاق العبيد! فنحن نجبن أمام الإهانة، ونكذب أمام الخوف، ونخنع أمام القوة، ويقعد بنا اتهام الكفاية عن المنافسة، حتى خلت ميادين العمل للأجانب فتحكموا تحكم الأرباب، وتصرفوا تصرف السادة، وعاشوا بالشر على خير هذا البلد، وأنضجوا شِواءهم في حريق أهله!
كل أولئك ونحن نضرع للسفيه أن يحلم، وللخصم أن يحكم، وللقوي أن يستكين، ثم نحاول أن نتحاكم إلى المعاهدات، ونتفاهم بالمفاوضات، كأنما انقلبت حملة الغرب على الشرق دعوة إلى سبيل المدنية وتقدم الإنسانية على هَدْى السلام والعدل!
كلا يا سادة! إن علاج المسموم بالعزائم مزاح مع الداء لا تؤمن عاقبته، وان قتل الحية أهون من ترويضها، وان قطع العقدة أسهل من حلها، وان المتنبي ما كان يجهل الناس حين قال:
إنما أنفس الأننَيْس سباع … يتفارسْنَ جهرة واغتيالا
من أطاق التماس شيء غلابا … واقتسارا لم يلتمسه سؤالا
أحمد حسن الزيات
стр. 3785
الخيال الطارق
للدكتور طه حسين
أقبل صاحبي وجه النهار مرتاعاً حائل اللون، شاحب الوجه، حائر الطرف، طائر اللب، كأنما ألم به طائف من الجن فروعه ترويعاً، وأخرجه عن ذلك الطور الهادئ الرزين الذي كنت اعرفه منه إذا لقيته فتحدثت إليه، واستمعت لأحاديثه المطمئنة العذبة الخصبة.
أقبل مرتاعاً لا يكاد يبين إذا تحدث أو هم بالحديث، بل لا يكاد يستقر في مجلس، بل لا يكاد يمسك جسمه من رعدة كانت تلم به من حين إلى حين فتهزه هزاً عنيفاً، وتذكر بقول ذلك الشاعر القديم
وإني لتعروني لذكراك هزة … كما انتفض العصفور بلله القطر
وأشهد لقد أنفقت كثيراً من الجهد، واصطنعت فنوناً من الحيلة، لأرده إلى ما الفت فيه من دعة وأمن وهدوء، ولقد افتقدت في تلك الساعة بعض هؤلاء الشيوخ الذين يتلون العزائم والرقي، بعد أن أخفقت أو كدت اخفق فيما كنت أحاول من رده إلى الوقار والصواب. ولكن ظفرت آخر الأمر بما كنت أحاول، واستطعت أن أتحدث إلى صاحبي، وأن اسأله عن مصدر هذا الاضطراب العنيف الذي أصابه وما عرفته عرضة لاضطراب يصيب العقل أو يصيب الجسم. قال وهو ذاهل أو كالذاهل: إثم هذا على أبي العلاء أيها الصديق، فلولا إنني نظرت في كتاب من كتبه آخر الليل، لأذود به هذا الأرق الذي ألح عليَّ إلحاحاً لما أصابني ما ترى، بل لما أصابني ما لم تر من تلك الأهوال التي ألمت بي، واصطلحت عليَّ حتى نفرتني من داري وأزعجتني عن أهلي، ودفعتني إليك في هذه الساعة التي لم أتعود أن أسعى فيها إليك. وثق باني قد خرجت من داري معتزماً ألا أعود إليها، وقد أمرت أهلي أن يلتمسوا لنا داراً أخرى، وأزمعت الرحلة عن القاهرة أياماً، حتى إذا تم لهم ما أريد من التحول عن هذه الدار الموبوءة، عدت إليهم في دارنا الجديدة، لعلي أن أجد فيها ما أنا في حاجة إليه من الدعة وراحة البال. قلت ما أراك إلامريضاً تحمل مرضك على أبي العلاء وتكلفه من ذلك ما لم يقترف، وتكلف أهلك من آثار هذا المرض شططا. ومع أني لم أعرف بعد هذه الأهوال التي ألمت بك فأزعجتك عن دارك ودفعتك إلى ما تحاول من فراق القاهرة. فلست أرى بأساً بهذا الرحيل فقد طال مقامك في مدينتنا، وقد احتملت من الجهد
стр. 3786
والعناء في عملك ما يضني الأصحاء والأقوياء، فكيف برجل عليل ضئيل مثلك، فارحل مصاحباً ولكن حدثني عما ألم بك من الهول؟ قال مصدره رسالة الغفران يا سيدي، فليت أبا العلاء لم يكتب رسالة الغفران، قلت لا تقل هذا ولا تكن أثراً، فان لغيرك في رسالة الغفران لذة ومتاعاً، وإذا كانت قد سلطت عليك الهول الذي لم أعرفه بعد، فإنها قد أتاحت لقوم آخرين في الشرق والغرب من الشهرة وبعد الصوت ما لم يسلط عليهم هولا من الأهوال، ولم يغربهم خطباً من الخطوب. ولكن هات حديثك. قال: ما أشك في أن أبا العلاء كان مجنوناً حين كتب هذه الرسالة. قلت رب جنون خير من العقل، ولكن هات حديثك. قال: أتذكر هذا السخف الذي أغرق فيه إغراقاً حين ذكر هذين البيتين القديمين من شعر النمر بن تولب:
ألم بصحبتي وهم هجوع … خيال طارق من أم حصن
لها ما تشتهي عسلا مصفى … إذا شاءت وحواري بسمن
قلت هذا من خير ما في الرسالة، وأي بأس عليه من أن يفترض أن الشاعر قد وضع مكان حصن في البيت الأول اسماً آخر كجزء أو حفص أو عمرو، ثم يلائم بين هذا الاسم وبين القافية في البيت الثاني، فهذا نوع من العبث المباح الذي لا يسوء أحداً، وهو مع ذلك يدرب الذاكرة ويظهر شيئاً من المقدرة اللغوية التي يحرص العلماء والأدباء على إظهارها. قال أنت الذي يزعم أن هذا العبث لا يسوء أحداً، وما رأيك في أنه قد ساءني وجشمني ما رأيت وما لم تر من الأهوال والخطوب. فقد أراد سوء الحظ أن أنظر في هذا الكتاب، وأن أقف عند هذا العبث، فأفكر في هذه الخيالات التي كانت تطرق المحبين والشعراء منهم بنوع خاص، والتي كانت إذا تطرق المحبين والشعراء منهم بنوع خاص، والتي كانت إذا طرقت هؤلاء الشعراء أنطقتهم بما تعرف وما لا تعرف من رائع الشعر وبارع الكلام. وأغرقت في هذا التفكير وجعلت استعين بالذاكرة على استحضار شيء من الشعر القديم الذي قاله الشعراء في الخيال الطارق والطيف الملم. ثم جعلت اسخر من أبي العلاء ومن جفاء طبعه وخشونة مزاجه، وجعلت ارثي لأم حصن هذه التي عبث الشاعر بها هذا العبث فلم يترك اسمها حيث وضعه النمر بن تولب، وإنما حذفه واخذ يضع مكانه أسماء أخرى بعدد حروف المعجم، ولو أنه كان رقيق القلب دقيق الحس ممتاز الشعور رفيقاً بالغانيات
стр. 3787
لما أزعج أم حصن عن مكانها، ولما أقلقها عن موضعها، ولكنه رجل غليظ لا علم له بالحب، ولا حظ له من الرقة، ولا معرفة له بحسن معاشرة النساء.
وإني لفي ذلك وإذا أنا أحس كأن الأرض تدور تحت قدمي، وكأن كل شيء يضطرب من حولي، ولا أكاد التفت إلى ذلك وأفكر فيه حتى يهدأ من حولي كل شيء، وإذا شخص جميل قد قام مني غير بعيد، وهو ينظر إليَّ نظرة عطف، وعلى وجهه غشاء من كآبة حلوة، وعلى ثغره ابتسامة كأنها ابتسامة الرضى، ولكني لا أعرف شيئاً أصدق منها تصويرا للحزن والأسى، وتمثيلا للوعة والحسرة، ولست أدري كيف لم يرعني مقام هذا الشخص الجميل، فلم أظهر فزعاً ولا اضطراباً، وإنما أنست إليه وحققت النظر فيه فتبينت فتاة غضة الشباب رائعة الجمال، لولا أن شبابها يوشك أن يكون وهماً، ولولا أن جمالها يوشك أن يكون خيالا، تبينت شخصاً حياً متحركاً نضيراً، ولكنه على ذلك لا يخلو من شيء يشبه الموت، ومن شيء يشبه السكون، ومن شيء يشبه الذبول. وهو على هذا كله يذكرني بشخص كنت آلفه ويألفني، وكنت أكبره ويكبرني، وقد فقدته منذ حين، فجزعت عليه جزعاً شديداً، وكثيراً ما سألت نفسي أتراها قد ذكرتني قبل أن تلج باب الموت.
وإني لأنظر إلى هذا الشخص الماثل، وان هذه الخواطر لتمر أمام نفسي وادعة كأنها السحاب الرقيق، وإذا أنا اسمع صوتاً رقيقاً خافتاً حلوا يسعى إليَّ سعياً خفياً من ناحية هذا الشخص الماثل غير بعيد. وإذا هذا الصوت يحمل إليَّ تحية عذبة هي التي كنت اسمعها من صديقتي حين كنت ألقاها وجه النهار، وما اكثر ما كنت ألقاها وجه النهار. اصبح بخير يا سيدي. فأجيب اصبحي بخير يا سيدتي. انك تعرفني أو تكاد تعرفني، انك تذكرني وتسال نفسك الآن كما كنت تسألها من قبل، إذ ذكرتك حين فارقت الحياة وودعت الاحياء، نعم يا سيدي قد ذكرتك وألححت في ذكرك، وكلفت من يقرأ تحيتي عليك، ولولا الحياء لكلفت من يدعوك لزيارتي قبل أن أموت ولكن لم افعل، ولم يعرض علي ذلك أحد من الذين كانوا يحيطون بسرير الموت، على أني لست آسفة فأني لم اخسر شيئاً، لأني لم أفارق أحدا ممن كنت احب لقاءهم في تلك الحياة، إنما أنا أراهم وأسعى بينهم وأتحدث إلى نفوسهم وأسمع منها، وكل ما فقدته إنما هي هذه الأصوات التي كنت اسمعها، وهذه الأيدي التي كنت أصافحها. وثق بأنها لا تعدل شيئاً حين أقيسها إلى ما اسمع الآن من أحاديث
стр. 3788
الضمائر ونجوى النفوس. وما كنت لأتراءى لك الآن لولا انك أغرقت في ذكر الخيال واستحضار الخيالات. ولست اخفي عليك أني كنت أريد حين تراءيت لك أن أداعبك بعض الشيء، فلا تظن أن الدعابة مقصورة على الاحياء، فقد يأخذ الموتى من الدعابة بنصيب أيضاً. كنت أريد أن أتراءى لك على أني أم حصن صاحبة النمر بن تولب، وان اشكر لك عطفك عليَّ ورفقك بي ولومك لأبي العلاء. ولكني لم استطع أن أخدعك لأني لم أتعود خداعك أثناء الحياة. ثم لأني إنما أقبلت إلى هذا المكان لألقى في روعك رسالة كنت أريد أن تبلغها عني، وكنت أريد أن القيها إليك كما تلقى الرسائل إلى الناس في الأحلام، ولكني رأيتك يقظان تنظر في هذا الكتاب فانتظرت لعل النوم أن يسعى اليك، ثم رأيتك تذكر الخيال وتستحضر الاطياف فتراءيت لك، وهل انا الأخيال أو طيف؟ لا تطل النظر إليَّ ولا تقل شيئاً فان نظر الاحياء يؤذيني، وان اصوات الاحياء تثقل عليَّ، ولكن اسمع مني ولتتحدث نفسك إليّ إذا لم يكن لك يد من حديث، واني لأعلم انك تريد أن تسألني كيف اتحدث اليك بصوت يشبه صوت الاحياء، واشفق مع ذلك من سماع صوتك فانا لا اتحدث اليك بصوت يستطيع غيرك أن يسمعه، إنما انت الذي يمنح هذا الصوت قوته وتشخصيه، ولو أن في هذه الغرفة قوماً غيرك لما رأوا من شخصي ما ترى، ولما سمعوا من صوتي ما تسمع، ولكن اصغ اليّ فاني أحس مقدم النهار، واني أكره هذا الضوء الذي يغمر الكون حين تشرق الشمس، والذي كنت أحبه أشد الحب اثناء الحياة، والذي لم احزن على شيء حزني على فراقه قبل أن أموت، والذي لم أتسل عن شيء كما تسليت عنه الآن.
أصغ إليّ فان أريد أن ألقي إليك رسالتي، وان أنصرف عنك قبل أن يهجم ضوء النهار فيبدد ظلمة الليل، وإني لحريصة على أن ألقاك، فان كان لقائي يرضيك الآن كما كان يرضيك من قبل، فأنتهز فرصة كهذه الفرصة، في ساعة كهذه الساعة، وانظر في هذا الكتاب وأطل التفكير فيه، فقد أستجيب لدعائك حينئذ. ثم سكت هذا الصوت قليلاً، وإنما قتلني معه الحب أيضاً، فقد تذكر أن زوجي فارقني قبل أن أموت بأشهر، لأن مرضي المتصل قد ثقل عليه، وقد تذكر اني كنت أظهر تجلداً وعزاء، وقد تعلم أني كنت اخفي في ذلك غير ما اضمر، وانك كنت تشفق علي مما كنت أخفيه. وكنت تود لو استطعت ان تسليني عن بعض ما اجد، فاعلم الآن اني حين ثقلت على العلة، وتورمت اطرافي، ورأى
стр. 3789
الطبيب ان ينزع ذلك الخاتم الذي كان آخر ما بقي لي من زوجي، لم اشك في انه سينزع معه الحياة من هذا الجسم المريض، ولم اكره ذلك، وأي بأس من مفارقة العلة واليأس. فأبلغ زوجي إني فارقت الحياة وانا أحبه، وان مقامي في هذه الارض بعد الموت لن يطول، وأنه خليق ان يعلم اني أراه وارافقه، وأنه خليق أن يرعى ذلك وان يذكرني في شيء من الخير والرفق والوفاء، حتى إذا آن لهذا الخيال ان يصعد في طبقات الجو وان يمضي إلى ذلك العالم الذي تعيش فيه خيالات الموتى، وان تنقطع الصلة بينه وبيني من الاسباب. قالت ذلك ثم نظرت اليّ نظرة قوية حادة، لم استطع ان أثبت لها، وإنما أطرقت برأسي إلى الارض خائفاً وجلا. ثم رفعت رأسي بعد ذلك ونظرت فلم أر شيئاً، وتسمعت فلم ينتبه إلى صوت وانما هي رسالة الغفران مبسوطة أمامي أرى فيها عبث ابي العلاء حول شعر النمر بن تولب. هنالك أخذني هلع ما أعرف اين احسست مثله من قبل، وملكني روع كاد يدفعني إلى الصياح لولا بقية من عقل، وفضل من حياء، ففارقت غرفتي وهبطت إلى الحديقة أهيم فيها انتظر مطلع النهار، حتى إذا ارتفعت الشمس قيلاً أوصيت أهلي بما أوصيت واسرعت اليك. أترى بعد ذلك ان سخف أبي العلاء لم يسؤ أحداً؟ قال ذلك ثم أخذته رعدة غريبة اشفقت أن ترده إلى مثل ما كان عليه من الوجل والاضطراب، فما زلت به حتى رددت إليه الامن والهدوء. وقلت مداعباً: ويحك! ألم تقرآ كتاب أناطول فرانس ذلك الذي سماه جريمة سلسفتر بونار؟ إن فيه قصة ان لم تكن تشبه قصتك هذهمن كل وجه، فانها قريبة منها إلى حد ما، وما أرى إلا انك قد ذكرت صاحبتك هذه في ضوء النهار أو في ظلمة الليل، حتى إذا أخذت تنظر في كتابك اخذك هذا النوم الخفيف الذي تتراءى فيه الأشباح والخيالات. قال مغضباً: اقسم لك ما كنت نائماً ولا قريباً من النائم، وإنما كنت يقظان أشد ما يكون الناس يقظة وانتباهاً، ولكن ما نفع الحديث معك في هذا وأنت لا تؤمن بعالم الخيال. قلت: فاني أشفق عليك من ايمانك هذا فقد تسطيع أن تتحول عن دارك، وان تفارق القاهرة، وأن تنزل من الارض أي منزل شئت، فسيتراءى لك هذا الخيال كلما خطر له أن يتحدث اليك، أو أن يحملك رسالة إلى الاحياء. وماذا تريد الآن أن تصنع برسالته هذه؟ أتحملها إلى من أنت مكلف أن تحملها إليه أم تكتمها؟ فان تكن الاولى فماذا تصنع إن لقيك باللوم لانك تعرض لما لا ينبغي لك أن تدخل فيه، وان تكن الثانية
стр. 3790
فماذا تصنع إن ألم بك الخيال وسألك عن تبيلغ الرسالة وتأدية الأمانة والوفاء بالعهد؟ هنالك نهض صاحبي مغاضباً وهو يقول: ما أشد بغضي للذين يمزحون في غير أوقات المزاح. ثم انصرف عني وانا شدي الاشفاق عليه وعلى كثير من امثاله الذين تطرقهم هذه الخيالات فتملأ قلوببعضهم أمناً ورضى، وتملأ قلوب بعضهم الآخر خوفاً وروعاً.
طه حسين
стр. 3791
سبيل الخلاص من الامتيازات الأجنبية
للدكتور عبد الرزاق احمد السنهوري
الأستاذ بكلية الحقوق
- ١ -
قد لا يكون هذا الموضوع الذي أعالجه وثيق الاتصال بالموضوعات الأدبية والعلمية التي اعتاد كتاب الرسالة أن يطالعوا بها قراءها. ولكني مع ذلك لا أتردد في أن أرسل بمقالي هذا إلى الرسالة. فان مسألة الامتيازات الأجنبية أصبحت في هذه الأيام من أكبر المسائل خطراً وأشدها تعقداً. والرسالة تتسع جوانبها لكل مسالة تشغل الرأي العام.
وما بي أن أعالج الامتيازات الأجنبية من نواحيها المألوفة: الامتيازات جائرة، لا يتفق أصلها التاريخي مع حقيقتها الواقعة، لا يصح أن تستسيغها أمة لها حظ من الكرامة، لا يجوز التواني عن المطالبة بإلغائها، بل هي قد سقطت بتغير الظروف طبقاً لمبادئ القانون الدولي المعروفة. كل هذا أصبح معروفاً مستقراً في الأذهان. وإنما يعنيني أن أتلمس سبيلا عملياً إلى التخلص من هذه الامتيازات.
وإنه ليبدو لي ضرورياً أن تكون للحكومة المصرية خطة مرسومة للتخلص من الامتيازات الأجنبية. أما ترك الأمر للظروف فليس بمنتج شيئاً ولا يتفق مع ما لمسألة لا تقل في الأهمية عن مسألة الاحتلال الإنجليزي للبلاد. فالتخلص من الاحتلال مع بقاء الامتيازات لا يفيد كثيراً، إذ نبقى مقيدين في أهم مقدمات السيادة الداخلية للدولة: التشريع والقضاء والإدارة. فلا يصح إذن في مسألة لها هذه الأهمية أن نترك أنفسنا تسوقنا المصادفات وتسيطر علينا الحوادث. ولقد شاءت المصادفة أن يتنحى رئيس إحدى الدوائر في محكمة مصر المختلطة عن نظر أحد القضايا، فترتب على هذا التنجى هذه الأزمة الحالية التي لا نزال نخوض غمارها وإني لأخشى، ونحن نعتمد على المصادفات، أن ننصرف عن هذه المسألة الحيوية بمجرد انتهاء المناسبات التي دعت إلى الاشتغال بها. فكم سبق هذه الأزمة أزمات شغلت الرأي العام قليلاً أو كثيراً، ثم ما لبث أن انصرف عنها، ولم يعد يذكرها، حتى تقوده المصادفة المحضة للعودة إليها. ثم إني لأخشى أن تقتصر الحكومة المصرية في
стр. 3792
معالجة هذه المسألة الخطيرة، على ناحية أو ناحيتين منها، مكتفية بما ساقته المصادفات أمامها من المشاكل، فتفاوض في رياسة الدوائر أو في مسألة اللغة العربية، أو في غير ذلك من المسائل التفصيليلة. وما هذه وغيرها ألا أعراض لمرض مستحكم، لا تجدي فيه معالجة الأعراض دون استئصال مواطن الداء. يجب أن يكون للحكومة المصرية خطة شاملة عامة لمعالجة مسألة الامتيازات في مجموعها. وهذا ما جعلني أدلي برأي في هذا الموضوع الخطير، وادعوا رجال القانون إلاالإدلاء بآرائهم، حتى تتمحص الآراء، فترتسم أمامنا الخطة العملية لتخليص البلاد من هذه النكبة.
لا يجوز أن ننسى أن مسألة الامتيازات لها جانب سياسي غير جانبها القانوني. وقد يكون هذا الجانب السياسي هو أشد الجانبين استعصاء على الحل. وكل محاولة ترمي إلى إيجاد حل عادل للمسألة، ولا تبدأ بمعالجتها من جانبها السياسي، مقضي عليها بالفشل. إنجلترا تزَّعم لنفسها حق حماية المصالح الأجنبية في مصر. وقد تقدمت بهذه الدعوى في مشروع ملنر، وفي تصريح ٢٨ فبراير، وفي مشروع كيرزون، وفي كل المشروعات التي تلته. وقد كانت تفرع على هذه الدعوى دعوى أخرى لا تقل عنها انتقاصاً لسيادة البلاد: كانت تطلب أن تأخذ من مصر تفويضاً تتولى بمقتضاه مفاوضة الدول ذوات الامتيازات. ثم نزلت عن هذه الدعوى منذ المفاوضات التي دارت مع المرحوم ثروت باشا. ويظهر أنها أخذت تفكر أخيراً في الرجوع ثانية إلى هذه الدعوى.
فهناك أمران يجب الاحتراز منهما في أية محاولة نقدم عليها لحل مشكلة الامتيازات: (أولاً) ألا نعطي لإنجلترا سبيلا لمفاوضة الدول ذوات الامتيازات. فان المعاهدات التي تقوم عليها الامتيازات الأجنبية قد ورثنا بعضها عن تركيا وعقدنا البعض الآخر مع الدول. فقيام إنجلترا بالمفاوضة ليس معناه إلا تسليما منا بدعواها حماية المصالح الأجنبية. وإلا فان الوضع الطبيعي للمسألة يقتضي إلا يكون تعديل هذه المعاهدات أو إلغاؤها إلابمعاهدات تكون مصر طرفاً فيها. ولا يمنع هذا من تلمس معونة إنجلترا ووساطتها الودية في المفاوضات التي تقوم بها الحكومة المصرية مع الدول، والفرق كبير بين ان تبذل إنجلترا وساطتها لتأبيد جهودنا وبين ان تكون هي الطرف المفاوض. (ثانياً) أن تلقى بنا رغبتنا الملحة في التخلص من الامتيازات فيما هو أشد خطراً منها. فما دامت إنجلترا على دعواها
стр. 3793
من حماية المصالح الأجنبية، فان أي حل توافق عليه يكون من شأنه تأييد هذه الدعوى وتدعيمها. فالواجب إذن أن ننظر في المسألة من أساسها، وأن نقدم معالجة دعوى إنجلترا في حماية المصالح الأجنبية على معالجة الامتيازات، ولا نحاول الثانية قبل أن ننتهي من الأولى. وإلا فان التسليم لإنجلترا بحماية الأجانب في مصر انتقاص خطير من سيادة البلاد، وفتح الباب لتدخل الإنجليز في شؤوننا الداخلية.
نرى مما تقدم أن المساعي التي تبذلها مصر في إلغاء الامتيازات الأجنبية يجب أن تكون مسبوقة بتفاهم تام مع إنجلترا، على أن تعديل هذه الامتيازات أو إلغاءها لا يكون إلا على أساس أن تسترد مصر حقوق سيادتها التي انتقصت منها هذه الامتيازات؛ لا أن تنتقل هذه الحقوق إلى إنجلترا. فإذا تم هذا التفاهم، سواء أكان ذلك في مفاوضات عامة شاملة لحل المسألة المصرية في مجموعها، أم في مفاوضات خاصة بهذه المسألة إذا لم يتهيأ السبيل لمفاوضات عامة. يمكن بعد ذلك تلمس السبيل العملي للوصول إلى إلغاء الامتيازات.
ونحن نقترح سبيلا عمليا يكون سيرنا فيه مقروناً بالحكمة، فلا نتخذ تدبيراً إلاإذا دعت إليه الضرورة. نحاول اولاً التفاهم مع الدول ذوات الامتيازات أنفسها على تعديل النظام الحالي للامتيازات، فقد أصبح هذا النظام يصطدم مع الكرامة والعدالة والمصلحة. فان لم تفلح عرضنا على إنجلترا أن تؤيدنا في إلغاء الامتيازات بإعلان يصدر من جانبنا، بشرط ألا تجعل من هذا التأييد وسيلة لتثبيت دعواها في حماية المصالح الأجنبية؛ فان لم نفلح أخذنا على أنفسنا مسئولية إلغاء المحاكم المختلطة وإلغاء الامتيازات معاً، أو الاقتصار على إلغاء النظام الأول دون الثاني. ونفترض في كل هذا أن الشعب المصري يؤيد الحكومة التي تتولى اتخاذ هذه التدابير، إذ لا يجوز لأية حكومة مصرية لا تحوز ثقة الشعب أن تقدم على إلغاء الامتيازات، فان الأقدام على هذا الأمر الخطير يقتضي أن يكون للحكومة سند من الشعب، والحكومة التي تفقد هذا السند ليس أمامها إلا أن ترتمي في أحضان إنجلترا، فتجر على البلاد نكبة أشد وبالا من نكبة الامتيازات.
وها نحن أولاء نفصل ما أجملناه، ونقسم السير في الطريق الذي نقترحه إلى خطوات:
الخطوة الأولى
تستصدر الحكومة المصرية مرسوماً بإلغاء المحاكم المختلطة طبقاً لقانون نمرة ٢٨ سنة
стр. 3794
١٩٢١، وتنشر هذا المرسوم في الجريدة الرسمية، حتى يكون الإلغاء نافذاً بعد سنة من نشره.
الخطوة الثانية
بعد نشر هذا المرسوم تدعو الحكومة المصرية الدول ذوات الامتيازات إلى الدخول معها في مفاوضات بشأن تنظيم الحالة التي ستجد عقب إلغاء المحاكم المختلطة
ونحن نشدد في استصدار المرسوم بإلغاء المحاكم المختلطة ونشره قبل الدخول في مفاوضات مع الدول، لأن هذا هو السبيل لإقناع هذه الدول بأن الحكومة المصرية ومن ورائها الأمة تؤيدها، قد عقدت العزم على السير في طريقها، ولو لم تؤد المفاوضات إلى اتفاق، وان مصير المحاكم المختلطة قد أصبح محتوماً، فلا مناص من إلغاء هذه المحاكم مهما كانت نتيجة المفاوضة. وفي هذا معنى خطير لا يفوت الدول، ولا يمكن إلاأن يكون مؤثراً في سير المفاوضات.
وتكون الدعوة إلى المفاوضة مصحوبة بمذكرة تبين فيها الحكومة المصرية الأسس التي تقترحها لإقامة النظام الجديد الذي يعقب إلغاء المحاكم المختلطة.
وفي رأينا أن تكون هذه الأسس مبنية على دعائم ثلاث: (أولاً) إيجاد محاكم جديدة تحل محل المحاكم المختلطة، ولكنها تختلف عنها اختلافاً كبيراً من حيث تقوية العنصر المصري فيها، فهي ستكون محاكم مصرية قانوناً وعملاً، (ثانياً) استرداد ما فقدته الدولة المصرية من حقوقها التي لا تأباها عليها نفس الامتيازات حسب وضعها الأصلي، كحقها في سن تشريعات عقارية ولوائح بوليس تسري على الأجانب دون موافقة الدول. واسترداد الحقوق التي أنكرتها عليها المحاكم المختلطة الحالية من طريق التوسع في تفسير اختصاصها توسعاً لا يسيغه المنطق القانوني الصحيح. ثم استرداد الحقوق التي أنكرتها المحاكم المختلطة، لا من طريق التوسع في التفسير، بل من طريق خرق التقاليد القضائية أو النصوص القانونية الصريحة. فان المحاكم المختلطة، وهي معقل الامتيازات الأجنبية في مصر قد عملت على تقوية الامتيازات من هذه الطرق المختلفة. توسعت في تفسير النصوص فحملتها مالا تحتمله، كما فعلت في نظرية الصالح المختلط وفي تفسير معنى الأجنبي. ثم خرقت التقاليد القضائية بإنكارها على القاضي المصري أن يتولى رياسة دائرة
стр. 3795
هو أقدم أعضائها، دون أن يكون هناك في القانون ما يمنعه من ذلك. ولجأت أخيراً إلى إنكار النصوص الصريحة، كما فعلت عندما أنكرت على اللغة العربية أن تكون لغة رسمية تنطق بها الأحكام ويجري بها التقاضي.
(ثالثاً) توقيت النظام الجديد الذي يحل محل النظام القديم، حتى يتهيأ لمصر في الوقت المناسب أن تتخلص من هذا النظام الجديد أيضاً كما تخلصت من النظام الذي سبقه، ولا يكون في البلاد إلانظام واحد في التشريع والقضاء يسري على جميع سكان مصر.
وتطبيقاً لذلك نرى أن تدعو الحكومة المصرية الدول لعقد معاهدة يكون من حق الحكومة المصرية إنهاؤها بإعلان يصدر من جانبها بعد سنة من تاريخ نشر هذا الإعلان. وفي حالة إنهاء المعاهدة لا يعود النظام الحالي للمحاكم المختلطة بل يعتبر هذا النظام قد ألغي بصفة نهائية. وتتناول المعاهدة جوانب ثلاثة: التشريع والقضاء والإدارة.
١ - التشريع
ينص في المعاهدة على أن التشريع المصري يكون نافذا على الاجانب، بما فيه التشريع المالي، إذا مضى ثلاثون يوماً من عرض هذا التشريع على الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف المختلطة الجديدة (وسنبين تشكيلها فيما بعد) دون أن تقدم هذه الجمعية اعتراضاً على التشريع المذكور. ولا يجوز الاعتراض على أي تشريع مصري إلاإذا كان هذا التشريع يتضمن مبادئ تتنافى مع المبادئ العامة التي يقرها العالم المتمدين في التشريع تنافياً يخل بالعدالة. وتبين الجمعية العمومية المسائل التي لاحظت فيها هذا التنافي. فإذا اقتنعت الحكومة المصرية بوجهة نظر الجمعية العمومية لا يكون التشريع نافذاً على الأجانب ذوي الامتياز، وإن لم تقتنع كان لها أن ترفع الأمر إلى محكمة لاهاي. أما فيما يتعلق بالتشريع المالي فلا يجوز للجمعية العمومية أن تعترض على ضريبة تفرض إلاإذا أخلت بالمساواة فيما بين الأجانب، أو فيما بينهم وبين المصريين، عدا الضرائب الخاصة بالأجانب التي يكون لها نظير في البلاد المتمدينة. ولا يعتبر إخلالاً بالمساواة أن تفرض ضريبة على جميع السكان، حتى لو تبين أن عبء هذه الضريبة يقع على عاتق الأجانب أكثر مما يثقل كاهل المصريين، بسبب أنها تتناول أعمالا يغلب فيها العنصر الأجنبي كالشركات. وإذا اعترضت الجمعية العمومية على تشريع مالي لانه لا يحقق المساواة
стр. 3796
المطلوبة، كان للحكومة المصرية أن ترفع الأمر إلى محكمة لاهاي. ويستثنى من الأحكام المتقدمة ما يأتي:
(١) أي تشريع يعدل أو يلغي حكماً من أحكام هذه المعاهدة، فهذا لا يكون نافذاً على الأجانب ذوي الامتياز إلا بعد الاتفاق مع دولهم على ذلك
(٢) التشريع الخاص بعقار، بما فيه الضرائب العقارية، فهذا يكون نافذاً على الأجانب دون حاجة إلى عرضه على الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف المختلطة
(٣) لوائح البوليس التي تفرض عقوبة لا تزيد عل عقوبة المخالفة، وهذه أيضاً تكون نافذة دون حاجة إلى عرضها على الجمعية العمومية. وغني عن البيان أن التشريعات التي تطبقها المحاكم المختلطة الحالية (كالتقنينات الستة المعروفة) تعتبر تشريعات نافذة دون حاجة إلى عرضها على الجمعية العمومية، إلاإذا رأت الحكومة المصرية تعديل هذه التشريعات (وستظهر ضرورة ذلك بنوع خاص في القانون الجنائي وقانون الإجراءات الجنائية وعند تنقيح القانون المدني)، ففي هذه الحالة تعرض التعديلات التي يراد إدخالها على الجمعية العمومية على النحو الذي بيناه فيما تقدم.
هذه هي المقترحات الخاصة بالتشريع، ونتولى الآن تبريرها. فهي قسمان: قسم أقرته إنجلترا في المقترحات التي عرضتها على مصر عند ما دارت المفاوضات المختلفة بين الدولتين. وقد ورد ذكر ذلك في المذكرة البريطانية المتعلقة بالامتيازات في المفاوضات التي دارت بين المستر هندرسون ومحمد محمود باشا إذ جاء فيها ما يأتي: (وسأكون مستعداً للاتفاق على أن تقوم الجمعية العمومية للمحاكم المختلطة في المستقبل بإبداء كل موافقة لازمة لتطبيق التشريع المصري، ومن ضمنه التشريع المالي، على الأجانب، إلافي حالة التشريع الخاص بتشكيل المحاكم المختلطة وتديد اختصاصاتها، فانه لا ينفذ إلا بموافقة الدول عليه. ويكون على الجمعية العمومية للمحاكم المختلطة أن تتثبت من أن التشريع المشار إليه لا يناقض المبادئ التي يجري العمل بموجبها عادة في التشريع الحديث الذي يسري على الأجانب. وأنه فيما يتعلق بوجه خاص بأي تشريع ذي صفة مالية لا يوجد تمييز غير عادل ضد الأجانب بما فيهم الشركات الأجنبية، (انظر الكتاب الأخضر الخاص بهذه المفاوضات ص١٠). ومن هذا يتبين أننا لم نأت بجديد إلافي شيء واحد. فالمذكرة
стр. 3797
البريطانية تشترط موافقة الجمعية العمومية على كل تشريع مصري يراد سريانه على الاجانب، أما نحن فنكتفي بعدم اعتراض هذه الجمعية على التشريع المقدم إليها. والفرق ما بين الأمرين ظاهر، ففي الحالة الأولى يجب أن تكون هناك أغلبية توافق على التشريع حتى يسري على الاجانب، أما في الحالة الثانية فيجب أن تكون هناك أغلبية تعترض على التشريع حتى لا يسري على الأجانب، فإذا انقسمت الجمعية في أمر تشريع إلى فريقين متساويين في العدد، لم يسر التشريع على الأجانب في الحالة الأولى وسرى في الحالة الثانية. ولا يخفي ما لهذا الأمر من الأهمية إذا لوحظ أن نصف أعضاء الجمعية العمومية يجب أن يكون من المصريين كما سنبين ذلك فيما يلي. أما فيما يتعلق برفع الأمر إلى محكمة لاهاي، فهذا هو المبدأ الذي تقرر في المفاوضات التي دارت بين إنجلترا ومصر.
والقسم الثاني من هذه المقترحات جديد، وهو خاص بالتشريع العقاري وبلوائح البوليس. هذه تشريعات نريد ان نسترد فيها حقوق مصر الضائعة. فان للمشرع المصري حتى بمقتضى الامتيازات الأجنبية، الحق في أن يسن قوانين تسري على الأجانب، دون حاجة لموافقة الدول أو لموافقة الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف المختلطة، إذا كانت هذه القوانين خاصة بالعقارات في مصر، سواء أكانت هذه القوانين مالية (أي تفرض ضريبة عقارية) أم غير مالية. وذلك أن الأجانب لم يسمح لهم قانوناً بتملك عقار في مصر إلاعلى أساس الفرمان العثماني الصادر في سنة ١٨٦٧، وقد اشترط هذا الفرمان في تملك الأجنبي للعقار أن يخضع للقوانين واللوائح التي يخضع لها الرعايا العثمانيون، وأن يدفع جميع التكاليف والضرائب التي تجبى أو يمكن أن تجبى في المستقبل على العقارات في المدن أو في القرى، تحت أي شكل كانت، وبأي اسم سميت. فمن حق مصر أن تسترد هذا الحق الضائع، فإن اغتصابه منا خرق للامتيازات الأجنبية نفسها التي يحتج بها الأجانب علينا وكذلك الأمر في لوائح البوليس، فقد كان لمصر سن هذه اللوائح، وكانت تسري على الأجانب قبل وجود المحاكم المختلطة نفسها. وتأيد هذا الحق بنص المادة العاشرة من القانون المدني المختلط، وبنص المادتين ٣٣١ و ٣٤٠ من القانون الجنائي المختلط
(تتمة البحث في العدد القادم)
عبد الرزاق السنهوري
стр. 3798
مقياس الرقي
للأستاذ أحمد أمين
سألني أديب سوري، بمناسبة مقال كتبته عنوانه (المسلمون أمس واليوم)
بم نعد أمة أرقى من أمة، وما العوامل التي نحسبها ونقيس بها الرقي؟ وفي الأمة الواحدة - إذا سئلنا أكانت بالأمس خيراً منها اليوم، أم هي اليوم خيرٌ منها أمس. فأي النواحي نرعاها عند النظر؟
والحق أنها أسئلة في منتهى الصعوبة، يحار المجيب عنها أي العوامل يحسب وأيها يترك، وأيها لها قيمة كبيرة الأثر وأيها ضعيف الأثر؟
قد يجيب مجيب إجابة سهلة من طرف اللسان فيقول (مقياس الرقى في الأمم الأخلاق) فأرقى الأمم أحسنها خلقاً ولكن هذه الإجابة لا تقنع، فالأخلاق متغيرة، وكل عصر له أخلاق يتطلبها وواجبات ينشدها، وما علينا الآن من واجبات أضعاف ما كان على أجدادنا منها، أصبح واجباً علينا أن نعلم أولادنا في المدارس، وما كان ذلك واجباً من قبل إنما كان تبرعاً من الأب، وأصبح واجباً علينا ترقية الوطن من جهات متعددة وما كان ذلك واجباً من قبل، وان كان واجباً فواجب غامض ليس محدود المعنى ولا معين الاتجاه، وكان آباؤنا يعدون من أرقى الأخلاق في الأمة حجاب نسائها وبناء سور متين بين الرجل والمرآة، فأصبحنا نرى الواجب أن تتعلم المرآة كما يتعلم الرجل، ومن حقها أن تسمع المحاضرات مع الرجل، وأن تتمتع بالحياة البريئة كما يتمتع الرجل، فإذا قلنا مقياس الرقي الأخلاق كانت كلمة عامة تدل على كل شيء ولا تدل على شيء.
وقوم يقيسون الرقي بالدين، وهي كذلك كلمة عامة يختلف مداولها باختلاف أنظار الناس فيضيق عند بعض الناس حتى لا يسع إلا الصلاة والصوم والزكاة والحج، ويتسع عند بعض الناس حتى يشمل كل شيء.
وفي الحق أن هناك مناحي للحياة مختلفة متعددة يجب أن ينظر إليها كلها لتقويم الرقي - ففي كل أمة مجموعة من المرافق، يعد كل مرفق منها كالخلية في الجسم الحي: من حكومة وتعليم ولغة ودين وأسرة ونظام اقتصادي ونحو ذلك، كلها تتغير وكلها ترقى أو تنحط، وكلها في حركة مستمرة دائماً إما إلى الإمام وإما إلى الخلف. وكلها تتفاعل تفاعلاً قوياً،
стр. 3799
يؤثر قويها في ضعيفها، وضعيفها في قويها - وهذا التغير الدائم في كل هذه المرافق هو مقياس الرقي والانحطاط، فان كان تغيراً إلى سمو فرقي، وان كان تغيراً إلى تدهور فانحطاط
وحسبان هذا ليس بالأمر اليسير، فقد تتدهور بعض المرافق لأسباب خاصة، وتسمو بعض المرافق لأسباب كذلك، ثم تتفاعل عوامل الضعف والقوة فينشأ من ذلك عملية حسابية من أصعب المسائل حلا. والمثل الأعلى للأمة أن يكون كل مرفق من مرافقها الاجتماعية يؤدي عمله خير اداء، ويتنقل في سمو أبداً، وأن يكون سيره ورقيه في حالة ملائمة ومناسبة لسائر المرافق الاجتماعية، لا يطفر عنها ولا يقعد بها - فالأمة التي تختار أحسن النظم في التربية والتعليم ولا تساعدها اللغة على المصطلحات الحديثة لا ترقى في التربية والتعليم حتى تحل مشكلتها اللغوية، والأمة التي تختار أحسن النظريات الفقهية وخير النظم القضائية، ثم لا يعينها على ذلك حالة الأسر الأخلاقية وحالة المعاملات بين الأفراد لا يمكن على ذلك حالة الأسر الأخلاقية وحالة المعاملات بين الأفراد لا يمكن أن ترقى بنظرياتها الفقهية من الناحية القضائية، والأمة التي تسن أرقى أنواع الإصلاحات الاجتماعية ثم لا تعينها الناحية الاقتصادية تصبح وإصلاحاتها تسر القارئ ولا تسر الناظر وهكذا.
وهناك دلائل قوية تدل الباحث على رقي الأمة وتدهورها وسيرها إلى الإمام أو إلى الخلف، إما بمقارنتها بغيرها من الأمم في نواحي معينة أو بمقارنتها بنفسها في عصرها الحاضر وعصرها السابق، والمقارنة الأولى تدلنا على الدرجة التي تقف عليها الأمة في سلم الرقي العام، والمقارنة الثانية تدلنا على اتجاه سيرها: إلى فوق أو إلى تحت
من أهم هذه الدلائل تعرّفُ موقف الامة ازاء ما يحيط بها من ظروف طبيعية واجتماعية: هل هذا الجيل أحسن استخداما لبيئته وما يحيط به؟ هل استطاع أسلافه؟ هل استخدم المنابع القديمة خيراً مما استخدمها آباؤه؟ هل كان في حله لما يعرف له من المشاكل الاجتماعية والطبيعية أكثر توفيقاً؟ لمّا عَرَضت هذه المصاعب أو أمثالها لنا ولآبائنا كيف حلوها وكيف حللناها، وما منهجهم في الحل وما منهجنا؟ ما مقدار تضامن الأفراد يومذاك في التغلب عليها، وما مقدار تضامننا اليوم؟ لكل أمة مقدار من الثروة. فهل زادت؟ وهل استطاعت اليوم أن تسعد بثروتها أكثر مما كانت تسعد بها من قبل؟ هل استخدمت العلم
стр. 3800
أحسن مما أستخدمه آباؤها فقلت الوفيات وتحسنت صحتها، وجمل منظرها، ونظفت عيشتها، وأصبح نيل القوت أسهل وأيسر حتى تفرغ كثير من أبنائها وبناتها للعلم والفن والأدب؟ أظن إن هذه الأسئلة متى حددت بهذا الشكل لم تكن الإجابة عليها عسيرة، وبذلك نستعين على تعيين الاتجاه ومقدار الرقي إن كان.
ومن ناحية أخرى، ربما عد من أكبر دلائل الرقي في الأمة (تذليل العقبات أمام الكفايات) فخير الأمم من أفسحت السبيل أمام أفرادها ليرقوا كما يشاءون حسب استعدادهم وجدهم، في التعلم، في الوظائف، في النواحي السياسية والاجتماعية - وقد قطعت الأمم المتمدنة في ذلك خطوات واسعة، فأزالت احتكار الأرستقراطية للمناصب العليا، وسهلت وسائل التعلم لمن شاء، واعتمدت في تقدير الأشخاص على مزاياهم لا على بيتهم - إلى درجة كبيرة - وحاربت (المحسوبية) والنزعات الأرستقراطية، وقضت على النظام الإقطاعي الذي يميز بين الطبقات، ويضع حداً فاصلاً بينها لا يمكن كل فرد بذكائه ومواهبه أن يصل إلى ما يستطيع من رقي - وإن كانوا هم أنفسهم يصرحون بأنهم لم يبلغوا الغاية في ذلك، وأن أمامهم عقبات شاقة ومسافات طويلة يجب أن يقطعوها حتى يسهل على كل فرد تحقيق غايته وبلوغ شأوه
وربما كان كذلك من أهم دلائل الرقي النظر إلى ثروة الأمة ومقدار ما يصرف منها على (الصالح العام) من مدارس ومصانع ومساجد ومتنزهات وحدائق وماء وإنارة ونحو ذلك ولست أعني النظر إلى كمية ما يصرف فحسب، ولكن أعني أيضاً كيفية الصرف، وهل أنفق هذا القدر في أحسن السبل وهل هناك وجه آخر خير منه؟. كذلك لست أعني ما ينفق في ذلك من ميزانية الحكومة فقط، ولكن اعني أيضاً مقدار شعور الأفراد في هذا الباب ومقدار ما يتبرعون به من أموالهم لهذا الصالح العام، فليست ثروة الأمة مقصورة على ميزانية الحكومة ولكنها تشمل ثروة الأفراد (وفي أموالهم حق معلوم، للسائل والمحروم) فالأمة التي لا يشعر أغنياؤها بواجب في أموالهم لفقرائها، أو يشعرون شعوراً ضعيفاً لا يقوى على استخراج المال من جيوبهم، أمة منحطة إذا قيست بغيرها من الأمم التي كثرت فيها المدارس والأندية والمستشفيات والجمعيات الخيرية من مال أغنيائها
ومما يتصل بهذا الأمر، النظر في ميزانية الأُسَر في الأمة وكيف تنفق، فأمة خير من أمة
стр. 3801
إذا عرفت أسرها كيف توازن بين دخلها وخرجها، وكيف تفرق بين الضروري والكمالي وما ليس بضروري ولا كمالي، ولم تسمح لنفسها أن تصرف في الكمالي حتى تستوفي الضروري، ولا في غير الضروري والكمالي - حتى تستوفي الكمالي، فذلك - من غير شك - يجعل الأسر أسعد حالاً، وأهدأ بالا، وأكثر استعداداً للرقي، وهل الأمة إلامجموعة من الأسر؟ وهل رقي الأمة إلاحاصل جمع رقي الاسر، وكما أن أسرة قد تكون أسعد من أسرة مع إن دخلها أقل وثروتها أضعف، ولكن عقلها أكبر، وتصريفها لمالها أدق، فكذلك الأمم ليس خيرها أغناها، ولكن خيرها من عرفت كيف تستخدم مالها وأحاطت ما تملك بوسائل اجتماعية، وكمية كبيرة من الإصلاح تجعل مالها يتضاعف في القيمة وإن لم يتضاعف في العدد - فكم من الأمم لها ثروة كبيرة طبيعية ولكن لم تعرف كيف تستخدمها ولا جزءاً منها، ولو حلت محلها أمة أخرى لصيرت صحراءهابستاناً وجبالها جناناً، ولجعلت ترابها ذهباً وأرضها عجباً.
ومن أجل هذا لم يخطئ كثيراً من حصر مقياس رقي الأمة في مقدار تغلبها على طبيعة بلادها وتعديل نفسها حسب ما يحيط بها - لأنها لا تصل إلى ذلك إلا بمقدار كبير من العلوم الطبيعية يمكنها من الانتفاع بأرضها وجوها وبقدر وافر من العلوم الاقتصادية يبين لها كيف تستغل منابعها، وبقدر وافر من العلوم الاقتصادية يبين لها كيف تستغل منابعها، وبمقدار صالح من النظم السياسية والاجتماعية والأخلاقية يهيئ للأفراد سبل الانتفاع بما حولهم ويعدهم خيراً عداد للنظر في مصالحهم.
فليتساءل الشرقي في ضوء هذا: أين هو في نفسه، وأين هو في أمته، وأين أمته في العالم؟
أحمد أمين
стр. 3802
الحرب في بلاد العرب
تطور الحوادث في الجزيرة وصداه في الأفق الدولي
للأستاذ محمد عبد الله عنان
أسفرت المعارك التي نشبت في الأسبوعين الأخيرين في هضاب عسير وتهامة بين القوات السعودية والقوات اليمانية عن نتائج خطيرة حاسمة فيما يظهر؛ فقد استطاعت القوات السعودية أن تتوغل في نجران وفي عسير بسرعة مدهشة، وأن تستولي على منطقة واسعة في شمال اليمن تشمل عسيراً ونجران وجميع الجهات والمواقع التي كانت موضع النزاع بين البلدين، وأن تتقدم بعد ذلك في أراضي اليمن ذاتها بحذاء البحر الأحمر حتى ثغر الحديدة، وهو أهم الثغور اليمانية، وأن تستولي عليه بعد أن فرت منه قوات الإمام التي كان يقودها ولده وولى عهده سيف الإسلام. وقد كنا نؤمل حين كتبنا مقالنا الأول عن هذه الحرب التي تضطرم بها الجزيرة العربية، أن يكون لصوت العالم العربي والإسلامي أثره في تدارك هذا الخلاف الخطر، وفي وقف المعارك قبل استفحالها. وقد رفع العالم الإسلامي صوته قوياً بمناشدة الزعيمين أن يتذرعا بالروية والحسنى في حسم النزاع القائم بينهما، وسافر إلى مكة وفد عربي إسلامي يمثل عدة من الأمم العربية لتحقيق هذا المسعى. ولكن الظاهر أن سير الحوادث لم يفسح مجالاً للتفاهم الحسن بين الملكين؛ وقد كان جلالة ابن السعود يشترط لوقف القتال شروطاً يراها لازمة لسلامة حدوده وسلام مملكته، وهي جلاء القوات اليمانية عن نجران ومواقعها الجبلية، وإطلاق الرهائن، وتسليم الأدارسة؛ ولكن سيادة الإمام يحيى لبث حيناً يتردد بين القبول والاعتراض؛ وحدث في تلك الفترة أيضاً أن تقدمت القوات اليمانية في نجران وعسير واحتلت مواقع جديدة؛ وأيقن ابنالسعود بعد طول المكاتبة والمفاوضة أن الإمام لا يريد اتفاقاً ولا يسلم بشيء من مطالبه. ويبدو من مراجعة الكتاب الرسمي الأخضر الذي أذاعته الحكومة السعودية عن سير المفاوضات والمكاتبات بين الملكين أن ابن السعود تذرع بكثير من الروية والأناة في محاولة إقناع الإمام باحترام المعاهدات المعقودة والحالة الواقعة. وتدل وثائق الكتاب الأخضر أيضاً على أن عوامل التحريض كانت تعمل عملها في عسير ونجران لدفع قبائلهما إلى الثورة على عمال الحكومة السعودية وأصدقائها. إزاء هذه العوامل والظروف لم ير ابن السعود بداً من
стр. 3803
الالتجاء إلى القوة المادية؛ فزحفت القوات السعودية في نجران وتهامة صوب الجنوب، واستولت على جميع مواقعها وانتهت كما تقدم بالاستيلاء على ثغر الحديدة، وانهارت في الحال كل التدابير التي اتخذها الإمام للحرب والدفاع، وأضحت اليمن تحت رحمة القوات السعودية التي تطوقها من الشمال والغرب.
وتطور الحرب بين ابن السعود والإمام على هذا النحو يثير احتمالات ومسائل في منتهى الخطورة، وساء في داخل الجزيرة العربية أو خارجها، ولا سيما إذا استمرت القوات السعودية في زحفها على اليمن وانتهت بالاستيلاء عليها. ذلك أن ابن السعود الذي يسيطر على قلب الجزيرة العربية من الأحساء وعمان شرقاً إلى ساحل البحر الأحمر غرباً، ومن بادية العراق وشرق الأردن شمالاً حتى الربع الخالي جنوباً، يغدو باستيلائه على اليمن سيد الجزيرة المطلق، والمسيطر على الساحل الشرقي للبحر الأحمر كله من العقبة حتى مضيق باب المندب. وقيام إمبراطورية عربية قوية على هذا النحو تشمل نجداً والحجاز واليمن مما يثير اهتمام السياسة البريطانية ومخاوفها. وقد كان تقدم المملكة السعودية في الأعوام الأخيرة موضع اهتمامها دائماً. ذلك أن المملكة السعودية تجاور مناطق النفوذ البريطاني والأملاك البريطانية في جميع أنحاء الجزيرة العربية؛ فهي تجاور عمان والكويت من الشرق، والعراق وفلسطين وشرق الأردن من الشمال، وإذا تم ضم اليمن إليها، فإنها تجاور عدن وحضرموت من الجنوب. وعلائق ابن السعود مع بريطانيا العظمى ودية حسنة. وقد نظمت منذ سنة ١٩٢٢ بمعاهدة المحمرة ثم ببروتوكول العقير. بل إن علائق الصداقة بين ابن السعود وبريطانيا ترجع إلى ما قبل عشرين عاماً، أعني إلى ما قبيل الحرب الكبرى. وكان ابن السعود يومئذ اميراً محلياً، فرأى في اتصاله بالسياسة البريطانية وسيلة لتحقيق مشروعاته؛ وحالف بريطانيا العظمى على الترك، ولزم الحياد أثناء الحرب وفاء بعهده لها. وافتتح في ذلك الحين منطقة شمر في شمال نجد وانتزعها من يد خصمه ومنافسه ابن الرشيد، وبدأت إمارة نجد تتخذ مكانها وأهميتها في شئون الجزيرة العربية. وفي سنة ١٩٢٤ غزا ابن السعود الحجاز واستولى عليها من يد الحسين بن علي ملكها يومئذ، وامتدت حدود نجد حتى ساحل البحر الاحمر، وقامت من ذلك الحين مملكة نجد والحجاز القوية، واعترفت بقيامها الدول وفي مقدمتها بريطانيا العظمى. وكانت السياسة البريطانية
стр. 3804
خلال هذه المراحل كلها ترى في ابن السعود صديقاً لها؛ ولم يشب هذه العلائق الودية شيء من الكدر إلا في سنة ١٩٢٨ إذ أغارت بعض القبائل النجدية على حدود العراق، ونشب الخلاف بين الفريقين على مسألة مخافر الحدود؛ ثم سوى الخلاف وعاد التفاهم بين الفريقين.
ولكن المملكة السعودية قد غدت في الجزيرة العربية قوة يخشى بأسها، وهي تدلل اليوم على قوتها مرة أخرى بذلك الغزو السريع لنجران وتهامة، ثم شمال اليمن واستيلائها على ثغور جديدة على البحر الأحمر، وقد لا تقف القوات السعودية في زحفها حتى يتم استيلاؤها على بلاد اليمن كلها، وتغدو اليمن كالحجاز ولاية جديدة في المملكة السعودية الكبرى: واجتماع الأمم العربية داخل الجزيرة تحت هذا اللواء القوي يثير روحاً جديداً في القضية العربية ويقوي فكرة الجامعة العربية، ويحيي الآمال في تحقيقها. والسياسة البريطانية لا تنظر إلى هذه التطورات بعين الارتياح لأنها تزيد في متاعبها حيثما تبسط سلطانها على أطراف الجزيرة العربية، والسياسة الفرنسية التي تسهر على مصاير سوريا تخشى أن يثير هذا الروح المعنوي الجديد في الوطنية السورية قوة جديدة، ويزيد في متاعبها في سوريا. هذا ومن جهة أخرى فإن السياسة الإيطالية ترقب تطور الحوادث في اليمن بمنتهى الاهتمام والجزع أيضاً. وللسياسة الإيطالية في اليمن مركز خاص، ولإيطاليا في اليمن مطامع لا تخفي. وقد نظمت العلائق من سنة ١٩٢٨ بين الإمام يحيى وإيطاليا وعقدت بينهما معاهدة تجارية اقتصادية، وأخذت إيطاليا من ذلك الحين تعمل بكل الوسائل على تقوية نفوذها في اليمن؛ والسياسة الإيطالية لم تكن بعيدة عن موقف الإمام في الحوادث الأخيرة ولم تكن بعيدة عن شد أزره بالمال والرجال والذخائر في الحرب التي ستنشب بينه وبين ابن السعود. ثم يجب ألا ننسى أن مستعمرة إريترية الإيطالية في اليمن، ويجعل ساحل المستعمرة الإيطالية عرضة لأخطار جديدة، ويضع حدا للتوسع الإيطالي في تلك المنطقة.
والسياسة البريطانية تقف اليوم موقف التريث والانتظار؛ ولكن في اجتماع السفير الإنكليزي في جده بابن السعود، حسبما نقلت ألينا الأنباء الأخيرة، ومحادثته إياه في الاحتمالات التي نشأت عن انتصار الجيوش السعودية، وعما إذا كانت تنوي التقدم بعد في
стр. 3805
قلب اليمن - في ذلك ما ينم عن اهتمام السياسة البريطانية بتطور الحوداث على هذا النحو؛ وربما عن قلقها أيضاً. ذلك لأن اليمن تجاور منطقة عدن البريطانية وتشرف عليها من الشمال والغرب؛ ولعدن أهمية حربية خاصة فهي مفتاح باب البحر الأحمر من الجنوب، ومفترق الطريق الإمبراطوري البحري إلى الهند والشرق الأقصى؛ فوقوع اليمن في يد زعيم قوي كابن السعود قد يهدد مركز بريطانيا في عدن، أو في بعض ولاياتها المحمية المجاورة لليمن، وهي التي كانت منذ بعيد موضع خلاف بين الإمام والإنكليز، ثم سوى منذ أشهر بمعاهدة الصداقة البريطانية اليمنية. ومسألة المواصلات الإمبراطورية من أدق مهام السياسة البريطانية.
بيد أنه إذا كانت السياسة البريطانية تقف موقف الانتظار والتحوطإزاء تطور الحوادث في الجزيرة العربية. فليس هنالك على ما نعتقد، ما يدعوها للتدخل المباشر في سر هذه الحوادث. فعلائق ابن السعود وبريطانيا مازالت حسنةٌ. والإنكليز يثقون بابن السعود وصراحته وعهوده التي برهن في فرص عديدة أنه يحترمها ويعمل على تنفيذها، ولا نعتقد أن ابن السعود يفكر في الوقت الحاضر على الأقل في الإقدام على مناوأة سياسة بريطانيا أو مصالحها في أية منطقة من المناطق التي تسيطر عليها في أطراف الجزيرة، لأن ابن السعود يحرص دائماً على صداقة بريطانيا. وربما كان الإنكليز يؤثرون دخول اليمن في طاعة ابن السعود، ويؤثرون سياسته القائمة على الحزم والصراحة وحسن التقدير، على سياسة رجل كالإمام يلقون من صلابته وتردده وعدم اعتباره بالحقائق الواقعة كثيراً من المتاعب في عدن وولاياتها المشمولة بالحماية البريطانية. هذا إلى أن ابن السعود قد صرح على لسان ممثله في لندن أن يحترم الحقوق القائمة والمعاهدات المعقودة ويبذل وسعه لحماية أرواح الأجانب ومصالحهم في البلاد التي تفتحها جيوشه، ولا ريب أنه في حالة استيلائه على اليمن سيحترم نصوص المعاهدة اليمنية البريطانية الأخيرة، وسيحترم الحالة القائمة في ولايات عدن المحمية؛ ومن جهة أخرى فانه لن يفوت الإنكليز أن ينتهزوا فرصة انشغال الإمام بغزو أراضيه فيعملوا علىتوسيع احتلاهم لتلك الولايات بما يطابق خططهم التي لبث الإمام طويلا يقف في سبيلها.
ليس هنالك إذا ما يخشى وقوعه من جانب السياسة البريطانية للتأثير في مجرى الحوادث
стр. 3806
الحاضرة في جزيرة العرب. وهذا ما تؤيده التصريحات الرسمية التي أدلى بها السير جون سيمون وزير الخارجية البريطانية في مجلس العموم في شأن حوادث الجزيرة العربية، فهو يؤكد فيها أن بريطانيا العظمى ستقف إزاء هذه الحوادث موقف الحياد الدقيق وأن اجتماع السفير البريطاني بابن السعود لم يكن يقصد به إلا التأكد من حماية المصالح البريطانية والرعايا البريطانيين في الجهات التي تفتتحها القوات السعودية. وهذا ما تؤيده أيضاً الصحف الإنكليزية وأقوال الكتاب السياسيين وتنويههم بحزم ابن السعود ومقدرته وصداقته لبريطانيا العظمى
أما السياسة الإيطالية فهي على العكس تخشى تطورات الحوادث الحاضرة وترى فيها خطراً على مشاريعها ومصالحها حسبما بينا. وقد كان الأمام صديق السياسة الإيطالية، وكانت إيطاليا تتمتع في اليمن بمركز خاص تعلق عليه أهمية كبيرة لتنفيذ مشاريعها في بلاد العرب، فسقوط اليمن في يد ابن السعود يقضي على هذه الآمال والمشاريع، وقد أرسلت إيطاليا كما أرسلت إنكلترا بعض بوارجها إلى مياة اليمن لحماية مصالحها. ولكن هل تذهب إيطاليا إلى أبعد من ذلك فتحاول التدخل المباشر في سير الحوادث في اليمن؟ من المعروف أن إيطاليا كانت تمد الإمام بالأسلحة والذخائر والضباط الفنيين، ولكن استيلاء القوات السعودية على الحديدة وساحل اليمن كله تقريباً يقفل هذا الباب في وجه إيطاليا ويقطع هذا العون عن الإمام. ولسنا نعتقد إن إيطاليا تستطيع الإقدام على مثل هذه المغامرة في الظرف الحاضر، فتحاول الدفاع عن اليمن والاشتباك مع القوات السعودية الغازية في حرب لا تؤمن عواقبها، أولاً لأن بريطانيا العظمى لا تستطيع السكوت على مثل هذا التدخل ولا بد أن تقاومه بكل قواها، وليس من اليسير أن تقدم إيطاليا على تحدي بريطانيا العظمى في مثل هذه الظروف التي يفيض فيها الأفق الدولي بالمشاكل الخطيرة، وثانياً لأن إيطاليا تعلم من تجاربها القاسية في طرابلس، إن الأعمال الحربية في الصحاري والهضاب ليست يسيرة على الجنود الأوربية، وقد كانت هضاب اليمن مدى أجيال حصوناً مغلقة في وجه الجيوش العثمانية المدربة على ارتياد الهضاب الوعرة، ومن المرجح أن تلقى الجيوش السعودية ذاتها، وهي جيوش الصحراء، صعاباً كبيرة قبل ان تستطيع الوصول إلى صنعاء والاستيلاء على اليمن. وإذاً فكل ما يمكن للسياسة الإيطالية أن تقوم
стр. 3807
به الوقت الحاضر، هو أن تحاول المضي في خطتها من معاونة الإمام بالاسلحة والذخائر والأموال
على أنه يبقى بعد ذلك كله أن نتساءل عما إذا كان ابن السعود يعتزم حقاً أن يستولي على صنعاء وان يتم غزو اليمن. إن الجيوش السعودية تقف الآن عند الحديدةمن جهة البحر، وتطوق شمال اليمن، وليس في الأنباء الأخيرة ما يدل على إنها ستتابع زحفها في الحال، بل يرجح أن تنتظر حيناً حتى تتم اهباتها وتقوى مؤخرتها وقد يرى ابن السعود في تلك الأثناء ما يقنعه بالوقوف عند هذا الحد من الظفر وإرغام الإمام على قبول شروطه ومطالبه؛ وقد ينزل عند صوت العالم العربي والإسلامي فيقبل وقف الحرب والاتفاق مع الإمام، إذا رأى انه يستطيع بذلك اجتناء جميع الثمرات التي يخوله الظفر اجتناءها.
وسنرى في الأسابيع المقبلة ما تسفر عنه هذه التطورات الخطيرة في مصاير الجزيرة العربية.
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 3808
مختار. .!
للدكتور سامي كمال
كان بالأمس مارداً، فثوى اليوم راقداً. . . كان فلم يكن ولن يكون، بعد أن أضاء على الإنسانية جميعها بذلك النور الفني الخالد.
لقد وصل ماضينا بحاضرنا وبمستقبلنا أيضاً، فكان الحلقة المتينة، وملأ ذلك الفراغ الهائل المظلم القاتم الذي نام أثناءه أبو الهول ونام المصريون بجواره، إلى أن عادت إليهم الروح وثارت ثورتهم فهبط عليهم من السماء، وكان قائداً لخيال ذلك الشعب، وحقق أمله في النبوغ. وأنهض أبا الهول بعد طول رقاده بجانب الفراعين الذين حققوا لربوضه الهدوء والنوم. رمزوا به لقوة باسهم وشدة بطشهم، ولم يحتاجوا بعد إليه وقد خضع الكل لسلطانهم فنام وملأ جفونه نوماً، إلى أن شعر القوم باحتياجهم إليه فأنهضه مختار وجعله ينظر محدقاً عازماً شاعراً ما سوف يطلب منه اليوم وغداً.
إن من لم يسمع لفظ فرعون من فيك يا مختار لم يفقه من هو فرعون. . هو لفظ كنت تسوقه من شعورك العميق ينبئ بالقوة وبالجبروت
ومن لم يسمع منك لفظ الثورة التي قامت بهذا البلد الذي شعرت انك من ترابه أو من التراب الذهب لهؤلاء الفراعين. . . من لم يسمعك تحدث عن الثروة بلفظها الذي كنت تنطق به فيصير تمثالاً من صنع بصيرتك وحسك وقلبك الكبير. . . ان من لم يسمعك لم يضطرب قلبه من هولها.
لم أرك يا مختار إلا وتلك الروح مخيمة عليك وظلت غذاءك. . . وأنت يا مصر، يا من تقفين بجانب القوة الناهضة، أنت الروح وأبو الهول الجسد، علام تنظرين؟ إلى الشمس أم إلى أبنائك؟ إلى سلام أم إلى حرب؟
تخيلك على ضفاف السين وقبله ينبض بحبك - تتمثل أجمل امرأة أمام عينيه فلا يرى غيرك، يطير بخياله إليك لأنك الغاية. عاش ينشد حبك طول طريقه. هذا نقابك تحاولين فيه بيسراك حجب بعض الضوء، لتحققي النظر وتتعرفي أسرار ما سيأتي لك به القدر. .
هذه الحركة المصرية الصميمة أنشودة ستصدح مع الزمان. . .
تراك جميع المصريات فيتعرفنك ويعجبن ويفخرن، لأنك ترفعين الرأس إلى السماء،
стр. 3809
وتسفرين عن وجه لا يدل على غير القوة واطمئنان الوصول إلى الغاية التي تتطلبين إلى أبنائك، وعودك القوي هو هو، صلب حار في اللب. . . أفنا أم كبرا أم مثالا يحتذى؟ أم هو تراث من فخر مضى؟. . .
كل من رآك يعرف أن قلبك قد من الثورة، وأن عينيك انفتحتا لهذا النور الذي كنت تتوقين إليه
هذه روحك يا مختار نقرأها وسنقرأ كل يوم فيها جديدا، وبعد آلاف السنين سيقرءون فيها جديدا. . . ويطلب المصريون لك الرحمة حينما لا يذكر من أحياء اليوم إلا القليل.
ثم هادئاً فقد أديت الرسالة
فن مختار وروحه
أوجد مختار فناً خاصاً وطبعه بطابع تكاد تتعرفه عندما تلقى بنظرك إلى آية قطعة من قطعه البديعة التي خلفها، ولتدرك ذلك الطابع تماماً تصور ذلك الفنان القوي، وقد نشأ في قرية مصرية، أفعم قلبه بحب الفلاحين، وملأ عينيه من تلك التماثيل المصرية القديمة، ثم من ذلك الفن المصري في جميع صوره، وقد امتاز بالبساطة وجمال التنسيق وعدم الاكتراث بما يقع تحت الحس تماماً، غير ناظر إلا إلى الموضوع المطلوب تصويره فينتظم التصوير في أسلوب واحد، كان الجمال فيه لتلك الخطوط والمسطحات المنتظمة
أخذ الغربيون بذلك الفن عندما قاموا بتمثيل رموزهم العسكرية بعد الحرب العظمى، فلا ترى إلا مستويات لا تستوقف النظر، إنما يحرض التمثال فكرك لتبحث فيه عن معنى ينبئ به
تلك كانت آية الفن عند قدماء المصريين، فلما انتقل منهم إلى اليونان فالرومان فالغرب أخيراً، عمدوا إلى تصوير الجمال كما يجب أن يكون في الواقع لا في الخيال، فجمال المرأة أو الرجل صار تمثيلا لبعض النساء أو الرجال فعلا
وعندما انتهت الحرب العظمى لم يرد الفنانون في جميع العالم أن يتقيدوا بما كان نظاماً وأسلوباً للفن فيما قبل الحرب، وأخذوا يبحثون عن فن عصري لم يستقر إلى اليوم نظامه، فانك ترى لهم في كل يوم اتجاهاً وميلا.
أثناء تجاربهم هذه تطاير بعض الشرر الفني من مقبرة توت عنخ آمون، فدققوا النظر من
стр. 3810
جديد في ذلك الفن المصري القديم ونحوا نحوه، وصاروا لا يقفون في التمثيل على ما يرون بعيونهم، إنما عمدوا إلى الرمز في النحت والتصوير لترسل مخيلتك في البحث عما يرمزون فلا يقف نظرك على تفاصيل الجسم أو الرداء بل يلجئك الفنان إلى البحث عما يريد من معنى، وليس من السهل الوصول إلى ما يريد والوقوف عليه. ويمتاز الفنان الماهر بأن يقدم لك ما تقرأ فيه كل يوم جديداً. ألم يحدثنا الصديق الدكتور طه حسين بأن هذا ما نحا نحوه بعض شعراء الفرنسيين؟ عاش مختار في هذا الجو وأدرك سر الأقدمين المصريين، فعمد بالمعاول إلى رسم الطريق للمجددين؛ وبعث من جديد فناً كان يشعر أنه يفيض من حبه لمصر، فغنى على قيثارته (القاهرية) و (الفلاحة) و (بنت الشلال).
أنظر إلى تلك القاهرية تختال في ردائها تجدها الملاك الطاهر في حلم النائم لا تفتر تنظر إليها، ولا يرتد نظرك عنها، ثم تعاودك طيفاً تحار في فهم روحها ولا تجسر أن تبادرها بالسؤال.
أما بائعة الجبن فإنك تراها في صور الأقدمين، لكنها لا تحمل شيئاً بل ترمز إلى الروح، وهي رافعة ذراعيها على هذا النمط. فقدها مختار من قطع بائعات الجبن جميعاً، فيه رقيقة حقاً لكنه أعطاها الصلابة البرنزية وتركها للخلود. . .
رأى مختار مثالاً لشيخ البلد في دار الآثار المصرية، فكان جديراً بأن يصنع مثالاً لامرأته، أنظر إليها تجد جمالاً ووقارا يجلبان الاحترام وقوة معنوية تسحر اللب. . . .
وبنت الشلال هي تخليد بديع مليء بروح ذلك العنصر من سكان الشلال، اهتدى إليها مختار عند وادي الجرانيت فأنطقها تترنم بنشيد النيل والصحراء والشمس المحرقة والحياة الحزينة. . . .
وتلك المرأة في القيلولة تجد في دار الآثار شبيها لها امرأة كانت تخبز، غلب عليها النعاس أمام الفرن فنامت. هي صورة لبعث القديم وإحياء الجديد من الفن
عاش مختار سنين في باريس، وما كان يأمل في الحياة بقدر ما كان يأمل أن يكون له بيت في قرية مصرية بين تلك المصريات ويعبر عنهن بالملكات اللاتي أحب حركاتهن وسكناتهن، يحملن الماء وغير الماء، يأكل مما يحلو لهن أكله، مرتدياً ذلك السروال الواسع الأكمام
стр. 3811
وما كان يلذ له التمتع بأي شيء وحيدا، فان دعاه داع إلى الغداء مثلا اشترط لذلك دعوة إخوانه جميعاً وان لم يعرفهم جميعهم الداعي
لقد كان يحب أن يعيش بين القلوب لا بين الأجساد. ما عاش مختار لنفسه، بل عاش للفن - أن كان ما نراه اليوم بمصر من مجهود فني، هو في الحقيقة أثر من آثاره - فقد كان المحرك لإرسال البعثات الفنية، وفي فتح مدرسة الفنون الجميلة، وفي إقامة المعارض والإشادة بذكر الفنانين، كان يحلم بإيجاد إدارة للفنون تحت رياسة وكيل ثان للمعارف على نسق النظام المتبع في فرنسا.
وبالاختصار كان مختار روح الفن في مصر نفثه في جميع المصريين حتى نطقوا باسمه جميعاً، وصارت (نهضة مصر) عنواناً لكل صاحب مهنة وفن في القاهرة، وفي جميع القرى المصرية، فكفاه تمجيداً تمجيده ليوم من أيام مصر.
سامي كمال
стр. 3812
السفسطائيون
للأستاذ زكي نجيب محمود
. . . . إذن فقد كانت آسيا الصغرى مهداً تقلب فيه الوليد الجديد وظل حيناً يتعثر، حتى استقام بعد لأي على قدمين لم ترسخا إلا في عسر شديد، فقد حدثتك في فصل سابق أن العقل الناشئ لم يكد يستيقن من وجوده، حتى أرسل البصر يستطلع أصل الوجود، وجاهد ما استطاع لكي يصل في تعليله إلى مبدأ معقول، فالتمسه في الماء والهواء، ولكنه أفلس، ثم عدل عن مادة الكون إلى جوهره ومعناهن فأفلس كذلك، وهكذا لبث اليافع في عثاره، يستقيم ليكبو، ويكبو ليستقيم، حتى كانت غارة الفرس الداهمة، التي اجتاحت المستعمرة اليونانية في آسيا الصغرى، ففزع الفلاسفة رعباً، هاموا في فجاج الأرض فرادى يحملون قبس الفكر، حتى انتهى طرف منهم إلى بلاد اليونان. . .
أنظر! فهذي بلاد اليونان قد صاغها الله يدا مبسوطة، كأنما تريد أن تلقف بأصابعها الناتئة في مياه البحر حضارة القدماء من الجنوب والشرق، بسطت كفها فتناولت من مصر مدنية كانت حينئذ قد بلغت شأوا بعيداً، واستعارت من بابل وأشور وآسيا الصغرى شذرات منثورة من العلم والمعرفة. . وقد أراد الله لتلك البلاد اليونانية أن تكون وعرة المسالك ملتوية الأديم، تنهض على صدرها الحزون وترتفع الجبال، فانحصرت بين شعابها طائفة من الأودية، كانت في عزلتها كالأوكار، نشأت في أكنافها مدن متفرقة، ليس إلى اتصالها سبيل هين ميسور، فسلكت كل واحدة منها طريقاً بعينها في الدين والثقافة ونظام الحكم. ولبثت تلك المدائن متنافرة متناكرة، لا تلتقي في وحدة قومية، اللهم إلا إذا أغار عليها مغير يطمع منها في غزو وسلطان. وذلك ما حدث عندما جاءت من الشرق جيوش الفرس يقودها عظيمهم دارا، عندئذ انعقدت الخناصر على التحالف بين اثنتين من تلك المدن اليونانية، كانتا أشدها بأساً، وأوفرها قوة وأبلغها رقياً وتقدماً، تحالفنا على ان تعد إحداهما الجيش، والأخرى تهيئ الأسطول، ومن ذا تظن أن ينهض بتهيئة أسطول ضخم قوي غير الأثينيين، الذين لهم من موقعهم صلة وثيقة بالملاحة وركوب الموج، وأما الأخرى - إسبرطة - التي عرف رجالها بالبأس والقوة، فقد جهزت جيش الدفاع.
وقعت الحرب وانتصر اليونان، فعاد الأثينيون بأسطولهم وقد اتخذوه بعدئذ إدارة للتجارة،
стр. 3813
ظلت تجوب جواريه المنشآت في جوف البحر الأبيض، تحمل منها واليها التجارة من كل صوب، وما هي إلا أن تزخر أثينا بتك التجارة الصادرة الواردة، ويعلو ذكرها في الأسواق، وتصبح مركزاً تلتقي عنده الأقوام والأجناس، لكل قوم دينه، ولك جنس ثقافته. وإذا بهذه الألوان المختلفة يضطرب بعضها في بعض، ويخالط بعضها بعضا، فتمتزج الثقافات جميعاً والديانات جميعاً في صعيد واحد، ويكون لذلك كله نتيجة محتمة، هي المقارنة والتحليل، وبالتالي نشأة الفكر الصحيح. وهذا بديهي معقول، فالمذاهب المتضاربة ينسخ بعضها بعضاً، وتدنو بالناس إلى الارتياب والشك فيها جميعاً.
وإذن فقد كانت أثينا، عندما طوح القدر بذلك القبس الخافت من آسيا الصغرى بيئة صالحة وتربة خصبة، يستطيع أن يستقر في أرضها ذلك الشعار الضئيل، حتى إذا ما امتد به الزمان قليلا، سطع لامعا وهاجا في عهد الأساطين الثلاث: سقراط وأفلاطون وأرسطو
حمل انكسجوراس إلى أثينا تلك البذرة الأولى للتفكير الفلسفي وقد كانت وليدة الأفكار السابقة التي نشأت في آسيا الصغرى وجنوب إيطاليا. فلعلك تذكر أني وقفت بك في تتبع السلسلة الفكرية عند المذهب الذري، الذي رد الكون إلى ذرات دقيقة تجتمع وتأتلف فتكون هذا الشيء أو ذاك، ولكنك تستطيع أن تسأل أشياع ذلك المذهب، ما الذي يبرر عقلا أن تجتمع طائفة معينة من الذرات في صورة ما دون صورة أخرى؟ خذ الإنسان مثلا، فهو عندهم مجموعة ذرية لا أكثر ولا أقل، فهل تظن أن من اليسير على عقل منطقي أن يقنع بان تلك الذرات الجامدة تأتلف بطريق المصادفة العمياء، فتنتج ملايين الأفراد على غرار واحد وفي هذه الدقة من التنسيق؟! كلا! يستحيل ألا يكون وراء هذه الذرات المادية عقل مدبر حكيم، يملك تصرفها فيجمع بينها ثم يفرق جمعها تبعاً لما يقتضيه قصد معين وهدف منشود. . . في الكون إذن عنصران متميزان: مادة ترى بالبصر وتحس بالأيدي، وعقل خفي يكمن وراء أستار المادة، يسلك بها ما شاء من سبل، وهو حكيم رشيد، يعرف أين يسير بمادته في سبيل سواء. . هذا ما حمله انكسجوراس إلى أثينا، فبدأت الفلسفة إذن طوراً جديداً. . . لم يعد العقل يلتمس أصل الكون وعلته في ماء ولا هواء، ولم يعد يلتمسه في قاعدة رياضية، أو في ذرات تفترق وتلتقي على غير هدى، بل جاوز العقل في جولته حدود الطبيعة المحسة، وضرب فيما وراءهن وإذن فما أجدرنا أن نضع انكسجوراس في
стр. 3814
مرتبة من تاريخ الفلسفة عالية رفيعة إذا كنا نفرق بين مراتب رجالها. فهو بين الفلاسفة أول من رأى في الكون رأيا ناضجا، يصرد عن رشد ووعي، بالقياس إلى أسلافه الذين لم تزد أقوالهم على سذاجة الطفولة الحالمة
ترى من هذا كله أن العقل قد لبث طويلا يبحث في حقيقة الكون فانتهى إلى نتائج متنافرة متباعدة، وتشعبت عليه السبل وكثرت الحلول، فكان طبعياً ان يقف منها جميعاً موقف الشك والريبة فكلها حق ان شئت. وكلها باطل ان شئت. ولنترك الكون وما يحوي لا نطرقه بالبحث الآن، وليكن موضوع بحثنا منذ اليوم هو الانسان، فهو سيد الأشياء، وهو وحده الفيصل الحكم إزاء هذه المذاهب الفكرية، يعتنق منها ما يشاء؛ ويطرح ما يشاء في زوايا الإهمال. وليس لأحد سلطان على أحد في ان يوحي إليه بفكرة أو رأي، فما تراه أنت حقاً فهو حق، وما تراه أنت باطلا فهو باطل. . ما تلمح فيه النفع لشخصك فهو الفضيلة العليا وكل ما يناقض هواك فهو رذيلة وشر، لا تأبه بتقاليد، ولا تصدق الناس فيما يذهبون إليه من خير وشر، فأنت دولة وأنت مالكها، لك أن تحكم فيها بما تشاء وتهوى. . . انظر! هذان رجلان يشخصان ببصريهما إلى الشمس تنحدر إلى خدرها ساعة الغروب فخلعت على الأفق غلالة حمراء، فيفتن جمالها واحداً منهما حتى ليكاد يطفر راقصاً مفتوناً بما يرى. وأما الآخر فينظر إليها شزرا واستخفافاً، بل انه ليسخر من صاحبه، فليس ثمة في الشمس جمال ولا شيء يشبه الجمال!! فمن ذا يستطيع أن يقنع أحد هذين بخطأ رأيه أو بصوابه؟ ولم لا يكون كلاهما على حق؟ وإذا كانت الأهواء والميول والمشاعر متضاربة متناقضة، لا تجتمع في نزعة واحدة، ولا يمكن أن تدور رحاها حول قطب واحد، أفلا يكون شططا منك واعتسافاً أن تقسر تلك المجموعة المتنافرة على أن تلتقي كلها عند حقيقة واحدة؟! ومن ترى يكون حقيقاً بمنصب الحكم بيني وبينك فيما نحن فيه مختلفان؟ كلا! ليس ثمت حقيقة واحدة، بل الحقائق في الدنيا بقدر ما يضطرب فيها من أفراد البشر، فليذهب كل فرد مذهبه في الكون وفي ظواهر الكون، ولا يخشين بأساً من نقد أو تجريح لما يذهب اليه، فهو لا يقل حقاً وصواباً فيما يرى عن أي رجل آخر، بالغاً ما بلغ من العبقرية والنبوغ. . . تلك هي العقيدة التي حملتها طائفة من الناس في أرض اليونان، وأخذت تجوب بها الأنحاء والأرجاء، تذيعها في الناس في ذلاقة وطلاقة وحسن بيان، حتى
стр. 3815
اجتمع حولهم طوائف الشباب جميعاً، يتلقون عليهم ذلك الشك، ويتعلمون عنهم درائق التشكيك وأساليب المحاورة والمداورة في الخطابة والحوار لقاء أجر يعظم ويضؤل تبعاُ لما يتلقى الشباب من عدد الدروس. . . وإنما أعني بتك الطائفة جماعة السفسطائيين، ولم يكن ذلك الاسم عندئذ يحمل ما يحمله اليوم من تحقير، بل هم جماعة أحبوا الحكمة كما يحبها كل فيلسوف، لولا هذه الزلة التي سقطوا فيها فأسقطت من قدرهم، وهي تقويم الحكمة بالأجر
وأبرز أولئك السفسطائيين رجال ثلاثة: بروتاغوراس وجورجيادس وهبياس، ولقد أنكر ثانيهما وجود الأشياء جميعاً وحتى لو فرضنا جدلاً أن ثمة في الكون أشياء لها حقائق ثابتة، فلا يمكن أن نوقن بأن الصورة الذهنية التي نعرفها لتلك الأشياء مطابقة لها تماماً، فمن الجائز، بل من المرجح، بل من المؤكد أن حقيقة هذا القلم الذي بيدي تخالف في وجوه كثيرة صورته الذهنية التي أحملها له. . . وهب أنك تستطيع أن تصل إلى معرفة مطابقة للواقع فانه يستحيل عليك أن تنقل هذه المعرفة للآخرين، لأنك مضطر إلى التعبير عنها في كلمات، ولا أحسب في الدنيا أحدا يشك في أن اللفظ شيء والمعرفة نفسها شيء آخر وإذن فمهما قلبت الأمر على وجوهه فلن تصل إلا إلى نتيجة واحدة، وهي أنه لا يمكن أن يكون في الوجود حقيقة موضوعية مجردة يجمع عليها، بل الحقائق ذاتية تختلف باختلاف الأشخاص، وإذن فمن العبث أن يستمع فرد إلى رأي فرد آخر، ولا يجوز لك أن تصغي لغير ما تراه وتشعر به، ولا تختار من كل ذلك إلا ما تصيب عنده نفعاً
أجمع السفسطائيون على ذلك، ولكنهم ذهبوا في السياسة مذهبين: ففريق يدعو إلى العودة إلى أحضان الطبيعة واستيحائها فيما يجب أن يرسم للجماعة من نظام وقانون - كما فعل روسو فيما بعد - ولما كانت الطبيعة عندهم تسوى بين الأفراد، لا ترفع أحدا ولا تخفض أحداً، إذن فسحقاً لهذه المدنية التي تجعل من الناس طبقات بعضها فوق بعض، فذلك نظام مفتعل دخيل على طبيعة الإنسان جدير بنا ان ننبذه في جرأة حازمة، ولا ينبغي لنا أن نأبه لهذا القانون الذي تواضعت عليه الجماعة، لأنه من وضع القوى، فرضه على الضعيف فرضاً لا يبرره حق ولا تجيزه عدالة، إنما القانون العادل هو الذي ينزل الأفراد منزلة سواء، ومعنى ذلك أن تكون الديمقراطية مثلا أعلى للحكم.
стр. 3816
وأما الفريق الآخر، فقد دعا إلى النقيض - كما فعل نيتشه فيما بعد - الست ترى من الناس فيلسوفاً عبقرياً بجانب الغبي الأبله، أليس منهم الضعيف الخائر إلى جانب القوي ذي العود الصلب؟ إذن لم تسو الطبيعة بين الأفراد، كلا ولا الأخلاق ابتكرها القوي إنما هي على النقيض من ذلك، خدعة أوحى بها الضعيف ليحد من قوة القوي وسلطانه. . ولا يتردد هذا الفريق في الدعوة إلى الأرستقراطية في الحكم، وهذا الهجوم العنيف على الديمقراطية وحكمها يصور لنا نهوض جماعة من الأغنياء الأذكياء، أرادوا أن يغتصبوا من الشعب النفوذ والسلطان، بحجة إفلاسه في إدارة البلاد
فأنت تستطيع أن تسخر من مذهب السفسطائيين، ومن حقك أن تهمله اهمالا وان تنبذه نبذ النواة، لانه خطر على الاجتماع، خطر على الأخلاق، خطر على العقائد، خطر على كل نواحي الحياة الإنسانية، لأن قوام هذا اليقين والإيمان في مجموعة من الحقائق التي تفرض على الناس فرضا، سواء صادفت هوى من نفوسهم أم لم تصادف، أما أن يكون الأفراد أحراراً في اختيار الفضائل التي تتفق وأهواءهم فانحلال وفوضى، يقوضان أركان المجتمع في يوم وليلة.
تستطيع أن تقول هذا فيما ذهب إليه السفسطائيون، ولكنك لن تستطيع ان تنكر عليهم أنهم كانوا مرآة مجلوة انعكست عليها صورة الحياة في عصرهم، فقد تعددت العقائد الدينية فشك الناس في صحة الأديان، وقد تعددت الآراء الفلسفية فشك الناس في ثبوت المعرفة. وقد برهنت الديمقراطية في أثينا على أنها عاجزة بعض العجز عن تصريف شئون الدولة فتزعزع الإيمان في أسلوب الحكم
شك في الدين، وشك في المعرفة، وشك في نظام الحكومة، لا يمكن أن يلد إلا طائفة كهؤلاء السفسطائيين، ينكرون الحقائق جملة، ولا يؤمنون إلا بالمنفعة الشخصية والحقيقة الذاتية.
ولكن أراد ربك ألا يطول الأمد لهذا الانحلال الفكري، فسلط عليه ذهناً عاتياً جباراً، ما زال به نقدا وإصلاحاً، حتى أمحى وخلص من شره الانسان، ومن يكون هذا غير سقراط!؟
زكي نجيب محمود
стр. 3817
٤ - بين المعري ودانتي في رسالة الغفران
والكوميدية المقدسة
بقلم محمود احمد النشوى
الجحيم في الروايتين
إذا تحدث الأدباء فيما بينهم عن جحيم دانتي. فإنما يريدون تلك الكوميدية التي لم تقصر نفسها على الجحيم تذكر طبقاته وحراسه ومعذبيه، بل ضمت جوانحها ثلاث نواح: الجحيم ' المطهر أو الأعراف والفردوس ودانتي في كل ذلك يبلغ نهاية الإجادة. بيد أنه في وصف الجحيم كان اكثر إسهاباً وأشد قوة، فطعى اسم الجحيم على الرواية كلها واستأثر بالاسم وحده بين كثير من المتأدبين.
ولكن المعري لم يعن بجهنم كما عنى بالفردوس. ولم يسهب في وصفها كما أسهب في وصف الجنة. ولعله ما كان يريد أن يعرض للجحيم لولا رغبته أن يتم لابن القارح نعيمه. وأن يعظم شكره. فقد قال المعري بعد أن استكمل لابن القارح كل لذائذه في فراديس الجنان: ويبدو له أن يطلع على أهل النار فينظر إلى ما هم فيه ليعظم شكره على النعم بدليل قوله تعالى (قال قائل منهم إنى كان لي قرين. يقول ائنك لمن المصدقين. أئذا متنا وكنا تراباً وعظاما أئنا لمدينون. قال هل أنتم مطلعون. فاطلع فرآه في سواء الجحيم. قال تالله إن كدت لتردين. ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين) فيركب ابن القارح بعض دواب الجنة، ويسير بها صوب الجحيم معرجاً في طريقه على (جنة العفاريت) يلتمس من أشعار أهلها متحدثا (مع الخيثعور أحد بني الشيصبان، ومع أبي هدرش) مارا على الحطيئة عند شجرة قميئة، وليس عليه نور سكان أهل الجنة فيسائله عن سبب دخوله الجنة فيقول له الحطيئة: بالصدق في قولي:
أبت شفتاي اليوم إلاتلكما … بهجر فما أدري لمن أنا قائله
أرى لي وجها شوه الله خلقه … فقبح من وجه وقب حامله
ثم يغذ في سيره حتى يشرف على جهنم فيرى امرأة تطلع على من فيها. فيقول لها من أنت؟. فتقول: أنا الخنساء السليمة. أحببت أن انظر إلى صخر. فاطلعت فرأيته كالجبل
стр. 3818
الشامخ. والنار تضطرم في رأسه، فقال لي: صح زعمك في، يعني قولي:
وإن صخراً لتأتم الهداة به … كأنه علم في رأسه نار
ثم يتركها متغلغلا في طبقات الجحيم.
طبقات الجحيم في الروايتين
لم يعن المعري بتقسيم الجحيم إلى طبقات، لكل طبقة من العصاة والمذنبين جزء مقسوم. ولم يسهب في وصف أهوالها وآلامها إسهاب دانتي. بل كان همه لقاء الشعراء وحوارهم فيما نسب إليهم من شعر. وفي تصحيح الرواية، وبيان الوجوه النحوية واللغوية والصرفية. فلم تكد تقع عينه على امرئ القيس حتى يسائله عن إعراب (يوم) وعن تخفيف الياء من (سي) وتشديدها في قوله
ألا رب يوم لك منهن صالح … ولا سيما يوم بدارة جلجل
ثم يقول: ليت شعري ما فعل عمرو بن كلثوم؟ فيقال ها هو ذا من تحتك ان شئت أن تحاوره فحاوره في (سخينا) من قوله. .
سنعشعة كأن الحص فيها … إذا ما الماء خالطها سخينا
أمن السخاء. أم من الماء السخين؟. إلى كثير من حوار وجدل، ذلك سبيله، سنفرده بالحديث حين الكلام عن الحوار في الروايتين.
ولقد بذل دانتي مجهودا عظيما في تقسيم جهنم، فقسمها إلى تسع طبقات اختص كل طبقة منها بطائفة من المعذبين، ووصف ما هم فيه من عذاب وآلام وصفا مؤثراً بليغا. ففي الطبقة الأولى رأى الملائكة الذين لم يطيعوا الله ولم يطيعوا الله ولم يطيعوا ابليس حينما تمرد على ربه. انتظارا للنتيجة حتى يتبعوا الغالب في زعمهم؛ ثم رأى خلقاً كثيرا عريت أجسامهم، وانتابتها أفواج من الذباب والزنابير تدمى جلودهم، وتنهل من دمائهم.
وفي الطبقة الثانية رأى المحبين الذين أسرفوا فالقوا أنفسهم في حمأة الخطيئة. ومن بينهم باولو وعشيقته فرنشسكا التي قصصت خبرها في العدد الماضي.
وفي الطبقة الثالثة رأى البخلاء والمسرفين يلعن بعضهم بعضا. ويقول الأولون للآخرين: لماذا أسرفتم؟ فيقول الآخرون: للأولين لماذا قترتم؟. ولن يغنى تخاصم أهل النار عنهم من العذاب من شيء.
стр. 3819
وفي الطبقة الخامسة يرى الحمقى الذين كان يستفزهم الغضب وهم يضرب بعضهم بعضا. ثم يرى المتكبرين والمتغطرسين في بركة سوداء مترعة بالأوحال والأقذار، وهم يتقلبون فيها خاشعين. ينظرون من الذل من طرف خفي.
فأما الطبقة السادسة فهي مقابر متراصة. تزخر بالأنين وباللهب، وأعدت لمن أنكروا الله ووجوده.
وفي الطبقة السابعة نظر نهرا من دم يغلي يغوص فيه السفاكون، وقاطعوا الطريق.
وفي الطبقة الثامنة رأى رجال الدين المتجرين به. والذين كانوا يدّعون أنهم خلفاء المسيح الذي أحب الفقر وآثره على الغنى. بيناهم يتساقطون على الحطام تساقط الذباب على العسل، والكلاب على الجيف. ورأى المنجمين والمخادعين والمرائين. وهم يلبسون أثواباً باطنها رصاص يشوي الوجوه، وظاهرها ذهب لامع براق جزاء وفاقا على ريائهم. ودهانهم.
أما الطبقة التاسعة فهي زمهرير تجمد ماؤه، وضم في أحشائه إبليس، (ويهوذا الأسخريوطي) الذي نم على مكان السيد المسيح فدل اليهود عليه. ثم الذين خانوا أوطانهم مسهباً في وصف هؤلاء الخائنين. مفتنا في ذكره ما أعد لهم من جحيم ذي غصة، ومن عذاب أليم.
حراس الجحيم
تحدث المعري عن حراس الجحيم في قلة وفي دعابة. ثم ذكر شيئاً قليلاً من أعمالهم ووظائفهم، على حين أن دنتي ذكر لكل طبقة من طبقات جهنم حارساً أو جملة احراس، وأسهب في وصف أعمالهم وما يصبونه فوق رؤوس المعذبين من ويلات وآلام. وما أوجز المعري فيما أحدثك عنه إلا لأن المعري رجل دعابة وظرف، يريد أن يجتذ القارئ نحوه. وان يعلمه كثيراً من قواعد اللغة ومفرداتها دون أن يحس جفاف تلك الأبحاث كما عهدناه يحاول ذلك في (رسالة الملائكة)
وما أسهب دانتي إلا لأنه رجل موتور ممن شردوه ونفوه فهو يريد أن يرى واتريه يصب من فوق رؤوسهم الحميم. ثم هوغرس (الكنيسة) يهوى أن ينفر الناس عن الخطيئة ما استطاع لذلك سبيلا. فالمعري يقص علينا عمل الزبانية بما حدثنا به عن بشار بن برد. وقد
стр. 3820
أعطاه الله عينين بعد الكمه لينظر ما نزل به من النكال. ولكن بشارا يأبى إلا أن يغمضهما حتى تتوارى عنه الوان العذاب، فتفتحها الزبانية بكلاليب من نار. . . كما حدثنا عن الزبانية مرة أخرى إذ يغضب ابليس من حوار بين الأخطل وبين ابن القارح فيصيح فيهم قائلا: ما رأيت أعجز منكم إخوان مالك! فيقولون: كيف زعمت ذلك يا أبا مرة؟ فيقول؛ ألا تسمعون هذا المتكلم فيما لا يعنيه؟ فقد شغلكم وشغل غيركم عما هم فيه، فلو ان فيكم صاحب نحيزة قوية لوثب وثبة حتى يلحق به إلى سقر. فيقولون: لم تضع شيئاً يا أبا زوبعة ليس لنا على أهل الجنة سبيل. فيشمت ابن القارح في إبليس: فيقول إبليس عليه اللعنة: ألم تنهوا عن الشمات يا بني آدم؟ ولكنكم بحمد الله ما زجرتم عن شيء إلا وركبتموه. .
وكم كان المعري طريفاً حقاً إذ يحدثنا عن نداء ابن القارح لمهلهل أخي كليب حينما يقف في جنبات السعير وينادي: اين عدي ابن ربيعة؟ فتجيبه الخزنة قائلين: زد في البيان: فيقول: الذي يستشهد النحويون بقوله
ضربت صدرها إليّ وقالت … يا عديا لقد وقتك الأواقى
فيقول له خزنتها. انك لتعرف صاحبك بأمر لا معرفة عندنا به. ما النحويون؟ وما الاستشهاد؟ وما هذا الهذيان؟ نحن خزنة النار. فبين غرضك تجب اليه، فيقول: أريد المعروف بمهلهل التغلبي أخي كليل بن وائل الذي كان يضرب به المثل: فيقولون له: ها هو ذا يسمع حوارك فقل ما تشاء:
ذلك جل ما ذكره المعري عن حراس جهنم لم يسهب فيه ولم يطل
فأما دانتي وإسهابه ووصفه الغريب لكل شيطان من شياطين السعير فموعدنا بالحديث عنه العدد القادم.
يتبع
محمود احمد النشوى
следующие страницы →