Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.
стр. 3816
وأما الفريق الآخر، فقد دعا إلى النقيض - كما فعل نيتشه فيما بعد - الست ترى من الناس فيلسوفاً عبقرياً بجانب الغبي الأبله، أليس منهم الضعيف الخائر إلى جانب القوي ذي العود الصلب؟ إذن لم تسو الطبيعة بين الأفراد، كلا ولا الأخلاق ابتكرها القوي إنما هي على النقيض من ذلك، خدعة أوحى بها الضعيف ليحد من قوة القوي وسلطانه. . ولا يتردد هذا الفريق في الدعوة إلى الأرستقراطية في الحكم، وهذا الهجوم العنيف على الديمقراطية وحكمها يصور لنا نهوض جماعة من الأغنياء الأذكياء، أرادوا أن يغتصبوا من الشعب النفوذ والسلطان، بحجة إفلاسه في إدارة البلاد
فأنت تستطيع أن تسخر من مذهب السفسطائيين، ومن حقك أن تهمله اهمالا وان تنبذه نبذ النواة، لانه خطر على الاجتماع، خطر على الأخلاق، خطر على العقائد، خطر على كل نواحي الحياة الإنسانية، لأن قوام هذا اليقين والإيمان في مجموعة من الحقائق التي تفرض على الناس فرضا، سواء صادفت هوى من نفوسهم أم لم تصادف، أما أن يكون الأفراد أحراراً في اختيار الفضائل التي تتفق وأهواءهم فانحلال وفوضى، يقوضان أركان المجتمع في يوم وليلة.
تستطيع أن تقول هذا فيما ذهب إليه السفسطائيون، ولكنك لن تستطيع ان تنكر عليهم أنهم كانوا مرآة مجلوة انعكست عليها صورة الحياة في عصرهم، فقد تعددت العقائد الدينية فشك الناس في صحة الأديان، وقد تعددت الآراء الفلسفية فشك الناس في ثبوت المعرفة. وقد برهنت الديمقراطية في أثينا على أنها عاجزة بعض العجز عن تصريف شئون الدولة فتزعزع الإيمان في أسلوب الحكم
شك في الدين، وشك في المعرفة، وشك في نظام الحكومة، لا يمكن أن يلد إلا طائفة كهؤلاء السفسطائيين، ينكرون الحقائق جملة، ولا يؤمنون إلا بالمنفعة الشخصية والحقيقة الذاتية.
ولكن أراد ربك ألا يطول الأمد لهذا الانحلال الفكري، فسلط عليه ذهناً عاتياً جباراً، ما زال به نقدا وإصلاحاً، حتى أمحى وخلص من شره الانسان، ومن يكون هذا غير سقراط!؟
زكي نجيب محمود
стр. 3817
٤ - بين المعري ودانتي في رسالة الغفران
والكوميدية المقدسة
بقلم محمود احمد النشوى
الجحيم في الروايتين
إذا تحدث الأدباء فيما بينهم عن جحيم دانتي. فإنما يريدون تلك الكوميدية التي لم تقصر نفسها على الجحيم تذكر طبقاته وحراسه ومعذبيه، بل ضمت جوانحها ثلاث نواح: الجحيم ' المطهر أو الأعراف والفردوس ودانتي في كل ذلك يبلغ نهاية الإجادة. بيد أنه في وصف الجحيم كان اكثر إسهاباً وأشد قوة، فطعى اسم الجحيم على الرواية كلها واستأثر بالاسم وحده بين كثير من المتأدبين.
ولكن المعري لم يعن بجهنم كما عنى بالفردوس. ولم يسهب في وصفها كما أسهب في وصف الجنة. ولعله ما كان يريد أن يعرض للجحيم لولا رغبته أن يتم لابن القارح نعيمه. وأن يعظم شكره. فقد قال المعري بعد أن استكمل لابن القارح كل لذائذه في فراديس الجنان: ويبدو له أن يطلع على أهل النار فينظر إلى ما هم فيه ليعظم شكره على النعم بدليل قوله تعالى (قال قائل منهم إنى كان لي قرين. يقول ائنك لمن المصدقين. أئذا متنا وكنا تراباً وعظاما أئنا لمدينون. قال هل أنتم مطلعون. فاطلع فرآه في سواء الجحيم. قال تالله إن كدت لتردين. ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين) فيركب ابن القارح بعض دواب الجنة، ويسير بها صوب الجحيم معرجاً في طريقه على (جنة العفاريت) يلتمس من أشعار أهلها متحدثا (مع الخيثعور أحد بني الشيصبان، ومع أبي هدرش) مارا على الحطيئة عند شجرة قميئة، وليس عليه نور سكان أهل الجنة فيسائله عن سبب دخوله الجنة فيقول له الحطيئة: بالصدق في قولي:
أبت شفتاي اليوم إلاتلكما … بهجر فما أدري لمن أنا قائله
أرى لي وجها شوه الله خلقه … فقبح من وجه وقب حامله
ثم يغذ في سيره حتى يشرف على جهنم فيرى امرأة تطلع على من فيها. فيقول لها من أنت؟. فتقول: أنا الخنساء السليمة. أحببت أن انظر إلى صخر. فاطلعت فرأيته كالجبل
стр. 3818
الشامخ. والنار تضطرم في رأسه، فقال لي: صح زعمك في، يعني قولي:
وإن صخراً لتأتم الهداة به … كأنه علم في رأسه نار
ثم يتركها متغلغلا في طبقات الجحيم.
طبقات الجحيم في الروايتين
لم يعن المعري بتقسيم الجحيم إلى طبقات، لكل طبقة من العصاة والمذنبين جزء مقسوم. ولم يسهب في وصف أهوالها وآلامها إسهاب دانتي. بل كان همه لقاء الشعراء وحوارهم فيما نسب إليهم من شعر. وفي تصحيح الرواية، وبيان الوجوه النحوية واللغوية والصرفية. فلم تكد تقع عينه على امرئ القيس حتى يسائله عن إعراب (يوم) وعن تخفيف الياء من (سي) وتشديدها في قوله
ألا رب يوم لك منهن صالح … ولا سيما يوم بدارة جلجل
ثم يقول: ليت شعري ما فعل عمرو بن كلثوم؟ فيقال ها هو ذا من تحتك ان شئت أن تحاوره فحاوره في (سخينا) من قوله. .
سنعشعة كأن الحص فيها … إذا ما الماء خالطها سخينا
أمن السخاء. أم من الماء السخين؟. إلى كثير من حوار وجدل، ذلك سبيله، سنفرده بالحديث حين الكلام عن الحوار في الروايتين.
ولقد بذل دانتي مجهودا عظيما في تقسيم جهنم، فقسمها إلى تسع طبقات اختص كل طبقة منها بطائفة من المعذبين، ووصف ما هم فيه من عذاب وآلام وصفا مؤثراً بليغا. ففي الطبقة الأولى رأى الملائكة الذين لم يطيعوا الله ولم يطيعوا الله ولم يطيعوا ابليس حينما تمرد على ربه. انتظارا للنتيجة حتى يتبعوا الغالب في زعمهم؛ ثم رأى خلقاً كثيرا عريت أجسامهم، وانتابتها أفواج من الذباب والزنابير تدمى جلودهم، وتنهل من دمائهم.
وفي الطبقة الثانية رأى المحبين الذين أسرفوا فالقوا أنفسهم في حمأة الخطيئة. ومن بينهم باولو وعشيقته فرنشسكا التي قصصت خبرها في العدد الماضي.
وفي الطبقة الثالثة رأى البخلاء والمسرفين يلعن بعضهم بعضا. ويقول الأولون للآخرين: لماذا أسرفتم؟ فيقول الآخرون: للأولين لماذا قترتم؟. ولن يغنى تخاصم أهل النار عنهم من العذاب من شيء.
стр. 3819
وفي الطبقة الخامسة يرى الحمقى الذين كان يستفزهم الغضب وهم يضرب بعضهم بعضا. ثم يرى المتكبرين والمتغطرسين في بركة سوداء مترعة بالأوحال والأقذار، وهم يتقلبون فيها خاشعين. ينظرون من الذل من طرف خفي.
فأما الطبقة السادسة فهي مقابر متراصة. تزخر بالأنين وباللهب، وأعدت لمن أنكروا الله ووجوده.
وفي الطبقة السابعة نظر نهرا من دم يغلي يغوص فيه السفاكون، وقاطعوا الطريق.
وفي الطبقة الثامنة رأى رجال الدين المتجرين به. والذين كانوا يدّعون أنهم خلفاء المسيح الذي أحب الفقر وآثره على الغنى. بيناهم يتساقطون على الحطام تساقط الذباب على العسل، والكلاب على الجيف. ورأى المنجمين والمخادعين والمرائين. وهم يلبسون أثواباً باطنها رصاص يشوي الوجوه، وظاهرها ذهب لامع براق جزاء وفاقا على ريائهم. ودهانهم.
أما الطبقة التاسعة فهي زمهرير تجمد ماؤه، وضم في أحشائه إبليس، (ويهوذا الأسخريوطي) الذي نم على مكان السيد المسيح فدل اليهود عليه. ثم الذين خانوا أوطانهم مسهباً في وصف هؤلاء الخائنين. مفتنا في ذكره ما أعد لهم من جحيم ذي غصة، ومن عذاب أليم.
حراس الجحيم
تحدث المعري عن حراس الجحيم في قلة وفي دعابة. ثم ذكر شيئاً قليلاً من أعمالهم ووظائفهم، على حين أن دنتي ذكر لكل طبقة من طبقات جهنم حارساً أو جملة احراس، وأسهب في وصف أعمالهم وما يصبونه فوق رؤوس المعذبين من ويلات وآلام. وما أوجز المعري فيما أحدثك عنه إلا لأن المعري رجل دعابة وظرف، يريد أن يجتذ القارئ نحوه. وان يعلمه كثيراً من قواعد اللغة ومفرداتها دون أن يحس جفاف تلك الأبحاث كما عهدناه يحاول ذلك في (رسالة الملائكة)
وما أسهب دانتي إلا لأنه رجل موتور ممن شردوه ونفوه فهو يريد أن يرى واتريه يصب من فوق رؤوسهم الحميم. ثم هوغرس (الكنيسة) يهوى أن ينفر الناس عن الخطيئة ما استطاع لذلك سبيلا. فالمعري يقص علينا عمل الزبانية بما حدثنا به عن بشار بن برد. وقد
стр. 3820
أعطاه الله عينين بعد الكمه لينظر ما نزل به من النكال. ولكن بشارا يأبى إلا أن يغمضهما حتى تتوارى عنه الوان العذاب، فتفتحها الزبانية بكلاليب من نار. . . كما حدثنا عن الزبانية مرة أخرى إذ يغضب ابليس من حوار بين الأخطل وبين ابن القارح فيصيح فيهم قائلا: ما رأيت أعجز منكم إخوان مالك! فيقولون: كيف زعمت ذلك يا أبا مرة؟ فيقول؛ ألا تسمعون هذا المتكلم فيما لا يعنيه؟ فقد شغلكم وشغل غيركم عما هم فيه، فلو ان فيكم صاحب نحيزة قوية لوثب وثبة حتى يلحق به إلى سقر. فيقولون: لم تضع شيئاً يا أبا زوبعة ليس لنا على أهل الجنة سبيل. فيشمت ابن القارح في إبليس: فيقول إبليس عليه اللعنة: ألم تنهوا عن الشمات يا بني آدم؟ ولكنكم بحمد الله ما زجرتم عن شيء إلا وركبتموه. .
وكم كان المعري طريفاً حقاً إذ يحدثنا عن نداء ابن القارح لمهلهل أخي كليب حينما يقف في جنبات السعير وينادي: اين عدي ابن ربيعة؟ فتجيبه الخزنة قائلين: زد في البيان: فيقول: الذي يستشهد النحويون بقوله
ضربت صدرها إليّ وقالت … يا عديا لقد وقتك الأواقى
فيقول له خزنتها. انك لتعرف صاحبك بأمر لا معرفة عندنا به. ما النحويون؟ وما الاستشهاد؟ وما هذا الهذيان؟ نحن خزنة النار. فبين غرضك تجب اليه، فيقول: أريد المعروف بمهلهل التغلبي أخي كليل بن وائل الذي كان يضرب به المثل: فيقولون له: ها هو ذا يسمع حوارك فقل ما تشاء:
ذلك جل ما ذكره المعري عن حراس جهنم لم يسهب فيه ولم يطل
فأما دانتي وإسهابه ووصفه الغريب لكل شيطان من شياطين السعير فموعدنا بالحديث عنه العدد القادم.
يتبع
محمود احمد النشوى
стр. 3821
في القاهرة. . .
للآنسة فلك طرزى
- ١ -
مصر. .! أي شفاه تلفظ هذه الكلمة ولا تجري عليها ابتسامة وسرور؟. . أي نفس لا تغتبط لرؤية هذه الدرة الثمينة، ولا تنعم بجوها المعتدل ونسيمها العليل؟. . .
أي قلب لا تسحره هذه النسمات يرسلها الربيع في أنحائها فتنتعش الأزهار والرياحين، وتكتسي الأشجار حلتها السندسية البديعة، يداعبها النسيم فترقص اغصانها، وينبعث من حفيفها هذا الأريج العطري، وذلك العبير الذكي، فيشيع في جو القاهرة روح الحياة، ويسري في عروقها دم الشباب ونشاطه وأي إنسان لم تملك عليه القاهرة حسه بسحرها، وتفتنه بطيب هوائها وعذوبة نيلها، وأي قلب لم تستلبه هذه الغادة الحسناء بفتنتها عند إشراق شمسها في الصباح الضاحي الجميل، وعند غروبها غارقة في لجة من دماء الشفق، تقتتل في حمأتها الملائكة والشياطين.
مصر التي حملتني إليها أجنحة الخيال قبل ان تقلني عربة القطار، مصر التي سحرتني الأحاديث عنها قبل أن تأنس العين بمرآها
أجل! رأيتها! وتمتعت بها اياماً، وقضيت فيها اسبوعاً، وتحققت لي برؤياها أمنية من أحب الأماني التي خفق بها قلبي.
مصر العظيمة الجبارة، مصر الساحرة الفاتنة، تبتسم لي وأنا أطل عليها من نافذة القطار بعين الشغف والوله، هي تبتسم بأنوارها الساطعة، وتضحك بإشراقها المهيب في الصحراء القاحلة، وطلعتها الفتية الجميلة بين باسقات النخيل، والسهول المترامية الاطراف، يسقيها النيل الهادئ الوديع رحيقاً سائغاً شهيا، فترتشف منه حياة قوية فياضة، ويتضاعف من مائه نموها وازدهارها
أي عين لا تطيل النظر في ذلك النهر العظيم تستطلعه أنباء الماضي الحافل، وما تحمله هذه الأنباء من الذكريات المفرحة المؤلمة، وما تخفيه موجاته الهادئة من عبارات التقديس والتبجيل وهو يسير رويدا، حاملا أثقالا مرهقة من الأسرار الغامضة؟
هو يسير كما كان منذ آلاف السنين لا تعوق مجراه تقلبات الأجيال ولا نزعات النفوس.
стр. 3822
لكنه الآن ينظر بعينيه الحزينتين المغرورقتين بالدموع إلى الانقلاب العظيم الذي وقع لبنيه، ويشعر بهذا الألم القتال يحز في قلوبهم ويدمي أفئدتهم.
لقد شاهد النيل العظيم مجد مصر القديم وأبهة الفراعنة، والآن يشاهد ذل بنيه وخضوعهم، يشاهد زمام أمورهم بين أيدي العدو، ويرى مفتاح ملكها الخالد في قبضته، بعد أن كانت تتقلب موجاته في مدارج العز، وتصطفق بين معالم الفرح والرخاء والأبهة التي أحرزها بنوه الأولون. أما الآن فهو يتقلب متهدماً بين الأسى والألم، كالشيخ ثكل أبناءه الواحد إثر الآخر، فهو صامت خاشع، يميد من ألم الحزن على ما أصابه الدهر في بنيه،. . يكتم لواعجه في غوره العميق، ويخفي دموعه الغزيرة بين طيات المياه فتزيدها اندفاعاً وانحداراً، فتبكي مصر نيلها الجبار، ويبكي النيل وطنه العزيز، وتئن مصر في موسيقى موجه الخافت، وتتوسل إلى الله أن يرفع عنها نير العبودية في أناشيده الناطقة الصامتة. .!
أي مصر!. . لقد طبعت في نفسي صورتك الخالدة، ونقش اسمك المقدس على صفحة قلبي بحروف بارزة لا تنال منها الأيام. أي مصر الحبيبة! أي مصر: يا درة الشرق الغالية، ومعبودة الجميع، لقد ملكتني وجعلت من نفسي أسيرة الأبد لحبك وهواك. .!
دمشق
فلك طرزى
стр. 3823
٦ - بديع الزمان الهمذاني
للدكتور عبد الوهاب عزام
ويلحق بالديوان شعره في الرسائل والمقامات وذلك في معظمه قطع قصيرة جيدة
ثم شعر البديع عامة سهل جيد المعاني منقح الألفاظ يتجلى فيه تهذيب الكتاب، إذا إستثنينا الشعر المرتجل وشعر الألغاز ونحوه مما لا يقام له في الأدب وزن، ولكنه لا يبلغ الدرجة العليا إلا قليلا.
وبديع الزمان عند نفسه وعند الناس كاتب يقول الشعر، ولكنه يرى أن البليغ من أجاد الصناعتين: يقول في المقامة الجاحظية: (أن الجاحظ في أحد شقي البلاغة يقطف. وفي الآخر يقف. والبليغ من لم يقصر نظمه عن نثره، ولم يذر كلامه بشعره، فهل تروون للجاحظ شعراً رائعاً؟
نثر الهمذاني
في القرن الرابع الهجري بلغت الكتابة العربية درجة من الصناعة والتأنق لم تخل بسلامتها ولم تذهب بمعانيها. تولاها كتاب قادرون صرفوها في أغراض شتى، واختاروا من الألفاظ والأساليب الجميل المحلى، دون إغرب ولا اخلال بالمعاني. وتناولت الكتابة كثيراً من فنون الشعر، كالمدح والهجاء والغزل والوصف: إلى ما كان لها قبلا من الموضوعات، فاتسع المجال لذوي الفكر الثاقب والقلب الشعار، لم يقيدهم في النثر ما قيد الشعراء من الأوزان والقوافي والاصطلاحات. وكان كثير من الكتاب يلتزم السجع، ومنهم من يكتفي بالازدواج، وقليل منهم يرسل الكلام إرسالا. وفي هذا العصر نبغ أئمة الكتابة كابن العميد والصاحب والصابي والمهلبي وقابوس، والخوارزمي، وبديع الزمان. ولم يكن بديع الزمان كمعظم هؤلاء وزيرا أو ذا منصب، فلم تستغرق كتابته أمور الدولة وكثرت في رسائله الموضوعات الخاصة والعامة. واستبانت نواح من عصره في السياسة والأخلاق، والآداب وغيرها
وله في الكتاب أصحاب المناصب رسالة إلى أبي نصر المرزبان يقول فيها: كنت أطال الله بقاء سيدي ومولاي في قديم الزمان اتمنى للكتاب الخير، وأسأل الله أن يدر عليهم إخلاف الرزق، ويمد لهم أكناف العيش، ويوطئهم أعراف لمجد، ويؤتيهم أصناف الفضل، ويركبهم
стр. 3824
أكتاف العز، وقصاراى أن أرغب إلى الله تعالى في ألا ينيلهم فوق الكفاية، ولا يمد لهم في حبل الرعاية، فشد ما يطغون للنعمة ينالونها، والدرجة يعلونها، وسرع ما ينظرون من عال، بما ينظمون من حال، ويجمعون من مال، وتنسيهم أيام اللدونة، أوقات الخشونة، وأزمان العذوبة، ساعات الصعوبة، وللكتاب مزية في هذا الباب، فبيناهم في العطلة إخوان، كما انتظم السمط، وفي العزلة أعوان، كما انفرج المشط، حتى لحظهم الجد لحظة حمقاء بمنشور عمالة، أو صك جعالة، فيعود عامر ودهم خرابا، وينقلب شراب عهدهم سرابا، فما علت أمورهم، حتى اسبلت ستورهم، ولا غلت قدورهم، إلا خلت بدورهم الخ
ويجمع نثر بديع الزمان الرسائل والمقامات:
١ - الرسائل
لبديع الزمان ثلاث وثلاثون ومائتا رسالة تناول فيها أغراضاً كثيرة.
والرجل دراك حساس، إذا سلط فكره إلى موضوع أضاءت له جوانبه كلها، ثم وضحت أمامه طرائق البيان، فهو مبين عن كل معنى بطرق مختلفة من التصوير والتمثيل، يسايره القاري فيها. وهو معجب متعجب. انظر قوله في بعض السلاطين: (قد علم الشيخ أن ذلك السلطان سماء إذا تغيم لم يرج صحوه، وبحر إذا تغير لم يشرب صفوه، وملك إذا سخط لم ينتظر عفوه، فليس بين رضاه والسخط عرجة، كما ليس بين عضبه والسيف فرجة، وليس بين من وراء سخطه مجاز، كما ليس بين الحياة والموت معه حجاز، فهو سيد يغضبه الجرم الخفي، ولا يرضيه العذر الجلي، وتكفيه الجناية وهي إرجاف، ثم لا تشفيه العقوبة وهي إجحاف، حتى إنه ليرى الذنب وهو أضيق من ظل الرمح، ويعمى عن العذر وهو أبين من عمود الصبح، وهو ذو اذنين يسمع بهذه القول وهو بهتان، ويحجب بهذا العذر وهو برهان، وذو يدين يبسط إحداهما إلى السفك والسفح، ويقبض الأخرى عن العفو والصفح، وذو عينين يفتح إحداهما إلى الجرم، ويغمض الأخرى عن الحلم، فمزجه بين القد والقطع، وجده بين السيف والنطع، ومراده بين الظهور والكمون، وأمره بين الكاف والنون، ثم لا يعرف من العقاب، غير ضرب الرقاب، ولا يهتدي من التأنيب، إلا لإزالة النعم، ولا يعلم من التأديب، غير إراقة الدم، ولا يحتمل الهنة على حجم الذرة، ودقة الشعرة، ولا يحلم عن الهفوة، كوزن الهبوة، ولا يغضي عن السقطة، كجرم النقطة، ثم أن
стр. 3825
النعم بين لفظه وقلمه، والأرض تحت يده وقدمه، لا يلقاه الولي إلا بفمه، ولا العدو إلا بدمه، والأرواح بين حبسه وإطلاقه، كما الأجسام بين حله ووثاقه، ونظرت فإذا أنا بين جودين: إما أن أجود بباسي، وإما أجود برأسي، وبين ركوبين: إما المفازة، وإما الجنازة، وبين طريقين: إما الغربة، وإما التربة، وبين فراقين: إما أن أفارق أرضي، أو أفارق عرضي، وبين راحلتين: إما ظهور الجمال، أو أعناق الرجال، فاخترت السماح بالوطن، على السماح بالبدن، وأنشدت؛
إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا … فلا رأي للمضطر إلا ركوبها
ويقول في رسالة كتبها إلى القاضي أبى القاسم يذم أحد القضاة (فولي المظالم وهو لا يعلم أسرارها، وحمل الأمانة وهو لا يعرف مقدارها، والأمانة عند الفاسق، خفيفة المحمل على العاتق، تشفق منها الجبال، وتحملها الجهال، وقعد مقعد رسول الله ﷺ بين كتاب الله يتلى، وحديث رسوله يروى، وبين البينة والدعوى، فقبحه الله من حاكم لا شاهد أعدل عنده من السلة والجام، يدلى بهما إلى الحكام، ولا مزكي أصدق لديه من الصفر، ترقص على الظفر، ولا وثيقة احب إليه من غمزات الخصوم، على الكيس المختوم، ولا وكيل أوقع بوفاقه من خبيثة الذيل، وحمال الليل، ولا كفيل أعز عليه من المنديل والطبق، في وقتي الغسق والفلق، ولا حكومة ابغض إليه من حكومة المجلس، ولا خصومة أوحش لديه من خصومة المفلس، ثم الويل للفقير إذا ظلم، فما يغنيه موقف الحكم، إلا بالقتل من الظلم، ولا يجيره مجلس القضاء، إلا بالنار من الرمضاء، وأقسم لو أن اليتيم وقع في أنياب الأسود، بل الحيات السود، لكانت سلامته منهما أحسن من سلامته إذا وقع بين غيابات هذا القاضي وأقاربه، وما ظن القاضي بقوم يحملون الأمانة على متونهن ويأكلون النار في بطونهم، حتى تغلظ قصراتهم من مال اليتامى، وتسمن أكفالهم من مال الايامى، وما ظنك بدار عمارتها خراب الدور، وعطلة القدور، وخلاء البيوت، من الكسوة والقوت، وما قولك في رجل يعادي الله في الفلس، ويبيع الدين بالثمن البخس، وفي حاكم يبرز في ظاهر أهل السمت، وباطن أصحاب السبت، فعله الظلم البحت، وأكله الحرام السحت، وما رأيك في سوس لا يقع إلا في صوف الأيتام، وجراد لا يسقط إلا على الزرع الحرام، ولص لا ينقب إلا خزانة الاوقاف، وكردي لا يغير إلا على الضعاف، وذئب لا يفترس عباد الله لا بين
стр. 3826
الركوع والسجود، ومحارب لا ينهبت مال الله إلا بين العهود والشهود؟ وما زلت ابغض حال القضاة طبعاً وجبلة، حتى أبغضتهم ديناً وملة)
وكتب في كتاب لم يعجبه إنشاؤه وخطه: (الكتاب وصل، حجم هائل، ليس وراءه طائل، وخط مجنون، لا يدري ألف فيه من نون، وسطور، فيها شطور، دبيب السرطان، على الحيطان، ولفظ أخلاط، لا يدركه استنباط، ولا يفسره بقراط، هذيان المحموم، وهوس الملوم، وسوداء المهموم، وقرأت شطر كتاب لم أدر والله عماذا يعبر، عن أمور سقيمة، أو عن أحوال مستقيمة، لا جرم أني ظننت خيره، ولم أبعد غيره، وجوزت السلامة، ولم آمن ضدها، وذهبت مع الظن الجميل اتفاقاً، ثم ردعت القهقري إشفاقاً، فسألت الله لك المزيد إن كان سلامة والسلام)
وكتب إلى أحد أصدقائه يطلب بقرة:
(وقد احتيج في الدار إلى بقرة يحلب درها، فلتكن صغوفا تجمع بين قعبين في حلبه، كما تنظم بين دلوين في شربه، وليملأ العين وصفها، كما يملأ اليد خلفها، وليزن مشيها سعة الذرع، كما يزين درها سعة الضرع، ولتكن عوان السن، بين البكر والمسن، ولتكن طرح الفحل، رموح الرحل، وليصف لونها صفاء لبنها، وليكن ثمنها كفاء سمنها، ولتكن رخصة اللحم، جمة الشحم، كثيرة الطعم، سريعة الهضم، صافية كالجون، فاقعة اللون، واسعة البطن، وطية الظهر، ممتلئة الصهوة، فسيحة اللهوة، لا تضيق بطنها عن العلف، فيؤديها إلى التلف، ترد الهول ولا تخافه، وتشرب الرنق ولا تعافه، واجهد أن تكون كبيرة الخلق، لتكون في العين أهيب، ضيقة الحلق، ليكون صوتها في الأذن أطيب، وإحذر أن تكون نطوحا أو سلوحا، وإياك أن تبعثها ملوحا أو رشوحا، ولتكن مطاوعة عند الحلب لا تمنع نفسها، ولا تكثر لحسها، وداهية في الرعي، لأقرب سعى، حمقاء على الحوض كالنعجة، لا تأمن من البعجة، ألوفة للراعي الذي يرعاها، مجيبة لصوته إذا دعاها، مهتدية إلى المنزل بغير هاد، ذاهبة إلى المرعى بغير قياد، ولا أظنك تجدها اللهم إلا أن يمسخ القاضي بقرة، وهو على رأي التناسخ جائز، فاجهد جهدك، وأبذل ما عندك).
وهو أكتب ما يكون حين يعظ أو يهجو أو يسخر. وللفكاهة في بيانه مجال واسع به يقول في رسالة شفاعة: (مثلي أيد الله القاضي مثل رجل من أصحاب الجراب والمحراب، تقدم
стр. 3827
إلى القصاب، يسأله فلذة كبد، فسد باليسرى فاه، وأوجع بالأخرى قفاه. فلما رجع إلى مسكنه كتب إليه توقيعا، يطلب حملا رضيعا، كذلك أنا وردت فلا إكرام بإلمام، ولا صلة بسلام، ولا تعهد بغلام، فلما وجدته لا يبالي، بسبالي، كاتبته اشفع لسواي، وهو موصل رقعتي هذه، وله خصم بينهما قصة لا أسأله في البين، إلا إصلاح الجانبين، والسلام)
وله من رسالة إلى فقيه نيسابور في رجل اغتاب البديع، فرد عليه الفقيه: (فان كان لا بد من انتقام واستيفاء، فأعيذك بالله ان تجهل أن آذان الأنذال، في القذال، وهي آذان لا تسمع إلا من ألسنة النعال الأدم، أو ترجمة أكف الخدم، وعلامة فهمها جحوظ العينين، وخدر اليدين. فان تاب، وإلا كررت هذا العتاب).
وله إلى قيس بن زهير: (أعوز الصوف فبعثت إليك بفرو فطفقت تلوم، وظلت تقعد في العتاب وتقوم، واراني ما بعدت في القياس، ولا خرجت عن متعارف الناس، فالصوف نفس الفرو، إلا أنه نسيج، والصوف نفس الفرو إلا انه حيج، فكل فرو صوف، وليس كل صوف فروا، فان أنصفت وجدت الفرو فطرة، والصوف بدعة، وإن نظرت رأيت الفرو صوفا وزيادة، فكان نعمى وسعادة، والفرو وبر في الشتاء ونطع في الصيف، فان قرسك البرد فالبسه وأنت قيس، وان غشيك المطر فاقلبه وأنت تيس).
وبديع الزمان ليس متكلفا في بيانه، لا يحس القارئ جهد في اختيار الألفاظ أو سياق الأساليب، ولكنه يلتزم السجع في معظم كتابته سنة كتاب عصره.
وقد عاب الجاحظ في المقامة الجاحظية بقلة الصنعة في كلامه بعد أن عابه بأنه لا يحسن الشعر قال: (فهل ترون للجاحظ شعرا رائعا؟ قلنا لا. قال: فهلموا إلى كلامه فهو بعيد الإشارات، قليل الاستعارات، قري العبارات. منقاد العريان الكلام يستعمله، نفور من معتاصه يهمله، فهل سمعتم له لفظة مصنوعة، أو كلمة غير مسموعة؟)
ب - المقامات
يقول الهمذاني في رسالة يعيب فيها شعر الخوارزمي: (وما كنت لأكشف تلك الأسرار، وأهتك تلك الأستار، وأظهر منه العار والعوار، لولا ما بلغنا عنه من اعتراض علينا فيما أملينا، وتجهيز قدح علينا فيما روينا، من مقامات الإسكندري من قوله إنا لا نحسن سواها، وإنا نقف عند منتهاها، ولو أنصف هذا الفاضل لراض طبعه على خمس مقامات، أو عشر
стр. 3828
مفتريات، ثم عرضها على الأسماع والضمائر، وأهداها إلى الأبصار والبصائر، فإن كانت تقبلها ولا تزجها، أو تأخذها ولا تمجها، كان يعترض علينا بالقدح، وعلى إملائنا بالجرح، أو يقصر سعيه، ويتداركه وهنه فيعلم أن من أملى من مقامات الكدية أربعمائة مقامة لا مناسبة بين المقامتين، لا لفظا ولا معنى، وهو لا يقدر منها على عشر حقيق بكشف عيوبه والسلام)
ومثل ذلك في رسالة إلى أبي المظفر بن أبي الحسن البغوي ويقول الثعالبي (فوافاها (يعني نيسابور) في سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة ونشر بها بزه، وأظهر طرزه، وأملى أربعمائة مقامه نحلها أبا الفتح الإسكندري في الكدية وغيرها)
وكذلك يقول الحصري في زهر الآداب أنها أربعمائة مقامة. والذي بأيدينا من هذه المقامات اثنتان وخمسون. فهل ضاعت المقامات إلا هذا المقدار؟ ارجح أنه أملى في الكدية أربعين وحرفت الكلمة إلى اربعمائة، وتتتابع عليها النساخ. وذلك أنه يبعد أن يضيع هذا العدد من المقامات على كلف الناس بها، ولأنه في رواية الحصر عارض بالمقامات الأحاديث الأربعين لابن دريد. ثم هو يقول إنه أملى هذه المقامات في الكدية. ونحن إذا عددنا المقامات التي فيها كدية صريحة وجدناها خمسا وثلاثين. وجائز أن يكون البديع قد اعتبر خمسا أخرى من مقامات الكدية، فان صح هذا فقد أملى أربعين في نيسابور. ثم أملى الأخريات بعد كالمقامات الست التي فيها مدح خلف بن احمد.
يتبع
عبد الوهاب عزام
стр. 3829
من طرائف الشعر
الأوبة
للأستاذ خليل هنداوي
فرجِّى الخير وانتظري إيابي
إذا ما القارظ العنزى آبا!
- شاعر عربي -
لا ترتقبي إيابه أيتها الحسناء!
فقد انتزعته من ذراعيك عرائس البحر
أغوته بفتنتها وأغرته بروعتها.
لله ما أقسى هذه العرائس الزرق العيون!
- خرافة الأقدمين -
لا تنتظري إيابه أيتها الحسناء
فقد سلبته من ذراعيك عرائس الصحراء
فتنته ببسمتها، وأغوته برقتها.
لله ما أقسى هذه العرائس الشقر الشعور!
- الناظم -
لا تَسُحي الدموعَ حزنا عليه … فشهيد الصحراء سوف يعود
إنما مثلنا تود غذاءً … تشتهي القوتَ وهو عنها بعيدُ
مرَّ والشمس للغروب تَهادى … وتمشَّى في جوفها كخيال
أفق اسعُ تلوح عليه … صور العابرين مِثلَ الظلال!
أيها الواصلُ الثرى في فلاة … يملأ الصمت جَّوها والسكون
لا تسر في الفلاة سيراً وئيداً … تتيقظ عليك منها العيون
لا تسطر على الرمال رسوماً … لا تعكر فيها صفاء الليالي
صفحاتُ الصحراءِ - لو رحتَ تدري … صفحاتٌ مقرونةٌ بالجلال
стр. 3830
ها هنا ليس للحياة مقام … ها هنا ليس للحياة ربوع
كل شيء مستسلمٌ لفناء … فتأمل كيف الحياة تجوع؟
حيثما سرت لا ترى من صديق … مؤنسٍ، غير ظلِّك المشؤوم
لمَ ترتابُ في الرسوم وهذا … كله وطء رسمِكَ المرقوم
لا خريف الصحراء - إن جاء يوماً … بخريف، ولا الربيعُ ربيعُ
قد تساوت فيها الفصول، وجاعت … فتأمل كيف الربيَعُ يجوع
سكنتْ في تلولها غانياتٌ … باسماتُ الثغور، شُقْر الشعور
نشرها عَّبق الجواَء عبيراً … فتروَّحْ في الجو نشر العبير
وكأن الواحات فيها حسان … يترقبن أوبة الأحباب
كلما أقعدَ المسافرَ يأس … لوحت غادة له بالشراب
لا تروَّعن يا حسان الصحارى … انه ضارب لكن لقاء
ذرنه يبتغي الطريق قليلا … أين يرجو في داركن اهتداء
كم شباب في القفر قد عصرته … وأناس طوتهمُ الصحراءُ
رأت الأرضُ والسماءُ ولكن … ما استجابت أرض لهمُ أو سماءُ
انها مثل غادة سعرتها … شهوات الأرواح والأبدان
لا تحاول من الوصال فراراً … هي مشتاقة إلى إنسان. . .
ان أحبتك يا مسافر فانزل … في حماها واهَجعْ وخلَّ الإيابا
انها تعصر الضجيعَ ولا تزْ … دادُ بعد الوصال إلا التهابا
نام لا يرتجى إليك إياباً … وغفا، لا يعي من الإعياء
أنبئيها يا ريح إن فتاها … عشقتهُ عرائس الصحراء
لا تسحي الدموع حزناً عليه … فشهيد الصحراء سوف يعود
أنها مثلنا تود غذاء … تشتهي القوت وهو عنها بعيد
دير الزور
خليل الهنداوي
стр. 3831
على مذهب ابن أبي ربيعة
стр. 3832
ما هو الكون؟!
خلق الله للجمال قلوباً … اجتباها من صفوة الشعراءِ
سكبَ النور في قلوبهم السو … دِ فعادت تموج بالأضواء
واستحالت مرائيا يعكس الكو … ن عليها ما عنده من مَراء
واقفاً ناظراً محيّاه فيها … في غرورٍ كوقفة الحسناء!
ما هو الكون غير ذاك الضعيف ال … حَوْل يسطو به على الأقوياء؟
ما هو الكون غير ذاك الذي يش … فى به الداء، وهو عين الداء؟
غير ذاك الذي عليه تَلاقى … ضربات السرَّاء والضرَّاء
غير ذاك الذي به تعثر الدُّن … يا على مرطها من الخيلاء
غير ذاك الذي به الحب والبغ … ضاء بين الأحباب والأعداء
غير ذاك الذي امتحن اللُّ … هـ قلوب العصاة والأتقياء
غير ذاك الذي يلوذ به النس … ل ويُغرَى الآباء بالأبناء
غير ذاك الذي يصير به الكو … ن نعيما على بساط اللقاء
وهو ذاك الذي يصير به الكو … ن جحيما إذا طواه التنائي
غير ذاك الذي تجمَّع فيه … ما وعى حسنه من الأسماء
غير ذلك الذي إليه ومنه … كل ما في الوجود من أشياء
ما هو الكون غير فتنة حوا … ء وما في حواء من إغراء؟
ليت شعري أكان للكون معنى … لو أتى آدم بلا حواء؟!
يا نهوداً كأنهن حِقاقٌ … من بقايا صناعة القدماء!
تعبت جاذبية الأرض فيها! … وأنيطت بها نجوم السماء!
وحلال العيون ليس بأشهى … من حرام النّهود تحت الكساء
وهما خير ما تكشف عنه ال … حسنُ من فتنة ومن إغواء
غير أن العيون أمضى قِسيَّا … في شغاف القلوب والأحشاء
غير أن العيون أذكى حريقا … في الشراسيف والصدور الدواء
غير أن العيون أعصف بالقلب … وأهدى في مظلم الأهواء
غير أن العيون ألعب بالسّح … ر وأقوى في البعث والإيحاء
стр. 3833
غير أن النهود أبهج في العين … وأندى على القلوب الظِّماء!
مُتعة الطَّرف ما يُمثِله النه … د من الهمس أو من الإيماء!
رافع الرأس دأبه يتحدّى السِّم … ثر في عزَّة وفي كبرياء!
شيمة الحر لا يطيق احتمال الضِّي … م من ظالم من الرؤساء
يكرع الطرفُ جُهده منه في ما … ء شهى لكن بلا إرواء
سرق الروض من نَدَاه فأخفى … بعض تفَّاحة من استحياء
هو سر الأسرار يستره الكو … ن ويبديه في تقى وحياء!
حُلُم في عيون من أسعد الل … هُ ونار في أنفس الأشقياء!
في فم العاشق المدلَّه شهد … حضرمي، أو بابليُّ طِلاء
وحياة تمصها شفة الطف … ل غذاء يفوق كل غذاء
نَغَم كلّه وسحر وشِعر … ومزيج من الندى والضياء!
عظمت دولة الجمال وعزَّت … وتعالى ما فيه من أسماء
بعض أسمائه يضيع به الده … ر فَناءً وماله من فناء
نفذت من أعماقه حكمة البا … ري وضاعت وساوس الحكماء!
والسعيد السعيد من شمٌ منه … أرجا من حديقة غناء
والسعيد السعيد من شهد الل … هـ على لوح نوره الوضاء
رب غاوٍ يلومني في نشيدي … وهو لا ينتهي عن الفحشاء
خاشع الطرف مطرق الرأس يمشي … بين خلين سمعةٍ ورياء
يظهر الفكر وهو في السر يغشى … ما تندَّى له جبين الحياء
وأنا الطاهر السراويل والبُرْ … د نقيُّ القميص عف الرداء
ليس مني الفسوق، تأباه في جس … مي دماء الجدود والآباء!
ينهل الحسن من غرامي ولكن … هو صديان يلتظى من إبائي!
كل حبيّ طهْرٌ وقدْس وتسبي … ح لرّبي وصيِغةٌ من دعاء
أنا عبد الجمال حرَّرْتُ في مع … بده مهجتي بلا استثناء
مهرقا في محرابه ذوب قلبي … ما تراه مضرجاً بدمائي؟!
стр. 3834
أعبد الله فيه: اقرأ فيه … آية الاقتدار والإنشاء
إن يكن في الحدود جسمي فروحي … تتهادى في العالم اللانهائي!
نزيل القاهرة
علي احمد باكثير
стр. 3835
بين شاعر ومصور
مشروع زواج
بقلم محمد روحي فيصل
جلس الصديقان يتسامران بعد العشاء، وقد انبسطت أعضاؤهما فوق الأرائك الناعمة الوثيرة، يرسلانها على هواهما، ثم يعبثان بما ينشأ عن دخان التبغ في الفضاء من منعرجات وأشكال. . .
وتلك ساعة حلوة عذبة، تنشرح لها الصدور، وتشرق فيها الوجوه، وتنطلق فيها الألسن بالكلام، وتجيش فيها القلوب بنوازي الحياة وشتى العواطف والأهواء، وكلها تنزع إلى الظهور والإفصاح، وتطلب السفور والإعلان من غير التواء ولا تحجب. وكان ضوء المصباح نحيلا شاحباً، يضطرب كالمحتضر على جدران الغرفة الرحبة، ثم لا يكاد يبين ما يزينها: من طنافس مزركشة وأسلحة مفضضة. إنما يبرز إلى النصف بين الظلال الفاحمة رسم امرأة فتية قد اتخذت وضعاً مائلا نحو الأمام كأنما هي تتسمع صاغية، وضاحة المحيا، صبوحة الوجه في عينين زاهيتين، وفم مطبق مرهوب تطفو عليه ابتسامة حيرى ذات معان!! وكان الكرسي الصغير والنعال الدقيق المبعثرة ههنا وههنا توحي للخاطر بوجود طفل وليد في الدار، ومن الغرفة المجاورة كانت تنبعث الحين بعد الحين أنغام شجية، وموسيقى متسقة منسجمة، إذ تهدهد الأم الرؤوم فتاها كي ينام. فيمتلئ الجو بالنشيد روعة وجمالاً، ويشيع فيه عبير اللذة والهناء، فيصيح الشاعر مهتاجاً: (لك الحق يا أخي أن تتزوج وأن تنعم بالزواج، فليست سبل السعادة كثيرة متشعبة. إنها هنا على مقربة منا. . . بربك التمس لي فتاة أتزوجها!)
المصور - أنا ألتمس لك فتاة؟! تالله لن أخوض غمار ذلك أبداً
الشاعر - ولماذا؟
المصور - تسألني لماذا؟ فاعلم أن أصحاب الفن ما ينبغي أن يتزوجوا، وما ينبغي أن يكون لهم في الحياة شركاء
الشاعر - يا للعجب! تقول ذلك ولا تخشى أن يغور نور المصباح وتنقض على رأسك الجدران. إن حياتك الزوجية نصب مائل للسعادة المنشودة والنعيم المقيم! ومثلك فيما تزعم
стр. 3836
كمثل أولئك الأغنياء المترفين يكنزون المال ويضاعفون الثروة من آلام الآخرين وشقاء العاملين، ويستطيعون نار الشتاء حين يذكرون البؤساء الذين لا مأوى لهم ولا نار عندهم!!
المصور - قل ما تشاء، شبهني بما تهوى، فلن أكون لك إلا الصديق الوفي النصوح الذي يرى الخطر فلا يقف مكتوف اليدين متبلد الحس، جامد الشعور
الشاعر - أراك تسرف في كره الزواج إسرافاً كبيراً مع أني استروح أريج السعادة هنا كما أتنفس الهواء الطلق في الحقول!
المصور - نعم إني سعيد كما تقول، أحب زوجتي حباً جما وأرى فيها وفي ولدي كل جمال الوجود والحياة. لقد كان زواجي مرفأ هانئاً آمنا تحفه المياه الوادعة، أقلني وما زال يقلني إلى ما أصبو إليه من مواطن الراحة والسلام. وإنتاجي أحصب وسما، ولعل خير رسومي قد أبدعتها في عهد الزواج. . .
الشاعر - وما بالك تنأى بي إذن عن عالم السعادة؟
المصور - ها. . . إن السعادة التي أنعم في أحضانها إنما هي أعجوبة من أعاجيب القدر، لا يسمح بها الزمان، ولا تجود بها الطبيعة على الناس جميعا. وأنا كلما أدركت ماهية الزواج فرحت لهذا الحظ الضاحك الذي حباني به الإله الكريم. فحالي تشبه حال من فطن للهوة السحيقة المخيفة بعد أن اجتازها فأعجب بشجاعته ومضاء همته، وشكر الله على سلامته!
الشاعر - وما هي مساوئ الزواج يا أخي؟
المصور - أولى المساوئ وأعظمها أن الأسرة تستهلك المواهب وتميت الإبداع، وهذا أمر له وجاهته بلا ريب في حياة الفن الجميل. يكون الزواج استجابة طبيعية للغريزة الكامنة الحمراء، وقد يعلى شأن بعض الرجال ويوسع إطار خبرتهم، ويدنيهم من الأرض والمدنية، ثم لقد يكون ضرورة من ضرورات المهنة والمعاش. أما الفنانون من شعراء ومصورين ونحاتين وموسيقيين لا يمتزجون بالناس ولا يدخلون المجتمع، وإنما يعيشون على حافة الحياة يرقبونها عن كثب ويتأملون خطوطها وألوانها ثم يسجلون مشاهداتهم ويبدعون آثارهم. فالمتزوجون فيهم على هذا ينبغي أن يكونوا قلائل نادرين هذا (ديلا كروا) العظيم الذي تعجب به وتهيم برسومه قضى عمره الطويل أعزب يدب وحيداً بين جدران بيته. لقد
стр. 3837
خطرت البارحة على (شانروازى) ومتعت النفس بحديقتها النضرة المتزهرة. إنه ظل عشرين عاماً يغدو بها وبروح لا مؤنس له غير هديل الحمام وتغريد العنادل. ترى ما قيمة إنتاجه لو كان أباً يهتم للكسب والأولاد، يربيهم ويعني بتعليمهم، وقد يمرضون فيسهر على مداواتهم ولا ينام؟!
الشاعر - ذكرت لي ديلا كروا مثلا، فهلا ذكرت فكتور هوجو. . . أتعتقد أن شؤون الأسرة قتلت ملكاته وأخذت عليه سبيل الإنتاج الأدبي الخالد؟
المصور - أنا لا أرى ذلك ابداً، ولكن الفنانين المتزوجين ليسوا كلهم عباقرة تهضم الفن والعائلة قواهم النفسية. . .
الشاعر - ما عجبت لشيء عجبي لحكاية متزوج سعيد لا يحب لغيره إلا العزوبة والوحدة!
المصور - إن الحكم الذي أضعه بين يديك ليس مصدره حياتي الخاصة! إنما كونته عندي تلك الشرور القائمة في كثير من الأسر التي عرفتها واتصلت بها. والباعث على الشرور التباين العقلي والنفسي بين الفنان وزوجه. أتذكر ذلك النحات الماهر الذي ترك الأهل والوطن وهاجر إلى حيث لا يدري مصيره أحد من الخلق؟ لقد كان يعبد مهنته ويفنى فيها وقته وحواسه، ولكن زوجه الذكية الحسناء كانت تريده على أن يحيط حسنها بهالة من الثروة والجاه، فطفق النحات يكد ويعمل طوال عشر سنين، وربما تدفع به وبنفسها في بعض الأماسي إلى الأبهاء الرفيعة الأرستقراطية تدخلهن واحدة بعد أخرى وتذيع فيهن مالها وبهاءها، ولقد تقطع عليه عمله في النهار لتزور ويزور صويحباتها، ثم يرتادان معاً أماكن اللهو ومجالس الأنس. ستقول إنه يستطيع لو شاء ألا يحقق مناها، ولكن الزواج في طبيعته يضطرنا إلى أن نؤثر جانب الرفق واللين على جانب الشدة والعنف. لا أنكر أن هواء البيت إنما نتنفسه على الرغم منا، ولو لم يكن فيه ذرة من القوة والمثل الأعلى لثقل علينا ضغطه وكثافته. إن الفنان ليودع في آثاره كل ما يملك من جهد وفكر، ويجرد لهذا الغرض العزم والإرادة، ولكنه يقف من توافه الحياة موقف العاجز الضعيف، يلين لزوجته حتى المهانة، ويخنس لسلطانها حتى العبودية، تأمره فيمضي في صمت وتقول فيفعل في هدوء. على انه قد يثور إذا اطرد الاستبداد واشتدت العبودية، فهذه العصائب المانعة للنور ان هي عاقته عن الإنتاج الفني لا يلبث ان يطرحها في نفور كما فعل المثال المهاجر، وقد
стр. 3838
حزنت الزوجة لهذه الهجرة الفجائية فتساءلت (أأكون أنا الجانية عليه؟ هل من إساءة وخزته بها؟) بلى! إنها لم تعمد إلى الإساءة عمداً، وإنما جرت مع طبيعتها الطائشة الغريرة دون ان تفقه زوجها الحساس. فليس يكتفي ان تكون المرأة ذكية حصيفة لتصلح شريكة الفنان في الحياة، بل ينبغي لها في النزعات نكران الذات والتضحية بالنفس، وهذا ما لا تجده عند امرأة جاهلة بهرتها لذاذات الدنيا وغشيتها الأنانية!! إنما يرغب النساء أن يكن رشيقات ساحرات، وأن يتزوجن وجيه القوم كي يظهرن إلى جنبه متأبطات ذراعه. فأما الفنان الصناع فلا يجد متسعاً من الوقت حتى يتبرج مختالا كما يتبرجن مختالات فخورات، أرأيت كيف تشقى الاسر وينتابها الألم؟ أعرفت كيف يسقط الزوج ضحية الجلاد الأعظم. . . وبالأمس زرت (دار حنتى) الموسيقار وكان يسمر مع خواته الكثير، فطلبوا إليه فيما طلبوا أن يعزف على البيان، فقام يرجع لحنا سائغا طرب له الحاضرون وصفقوا أيما تصفيق، ولكن زوجته ما لبثت أن شرعت تتحدث في خفوت، فما زال صوتها يعلو حتى ملأ الغرفة وشغل الناس، فقطع الموسيقار لحنه ثم التفت إلي وهمس في أذني (هكذا تصنع معي على الدوام. إنها لا تطرب للموسيقى.!)
الشاعر - سهوت عن أمر جليل. إن الزواج خطرة هي لحظات الخور والملال، يتشاءم فيها الفنان ويشك في نفسه وفي قيمة فنه، فالمتزوج إنما يرى بقربه قلباً حبيباً يبثه أشجانه وشكوكه. والطفل؟ هذه الابتسامة البريئة التي تتألق على وجه الغض، أليست تعزى الشيخ وتجدد شبابه، ولك ما يخسره الفنانون يربحه أبناؤهم من بعدهم. فهذه الشعرات البيضاء التي تتساقط في المشيب يرونها تنبت سوداء متجعدة على رأس مستدير بديع
المصور - وكيف يستطيع الشيخ الواهن إطعام الطفل الصغير؟
الشاعر -. . . . وعلى كل حال فالفنان إنما خلقه الله للزواج قبل أن يخلقه للفن، فإذا لم يتزوج كان في الدنيا كالمسافر الجواب قد أتعبه التشرد فسكن إلى غرفة من غرف الفندق كتبت عليها هذه العبارة المبتذلة (للإيجار ليلة أو شهر)
المصور - ولكن هذا المسافر المتنقل لن يتذوق طعوم اللذات.
الشاعر - كفى! لقد اعترفت بأن في الدنيا لذات. . .
وبدا للمصور فنهض من مكانه إلى درج رسومه يلتمس منه كتابا مخطوطاً بالياً ثم عاد
стр. 3839
وقال (أما المناقشة على هذا النحو فلن تفيد أبداً. لقد بسطت لك رأيي ولكنك تأبى إلا الزواج، فهذا كتاب خطته يد متزوج سعيد لابس أسر الفنانين ودرس ما يكابدون من أسقام، ثم صور ذلك تصويراً طريفاً دقيقاً، ولم يطبعه بعد، فاقرأه بإمعان فهو رادك بلا ريب إلى جادة الصواب. . .)
عن (أزواج الفنانين) بتصرف
محمد روحي فيصل
في الأدب الفرنسي
стр. 3840
- الدوق دي لاروشفوكو
للدكتور حسن صادق
أطاع الملكة مكرها، ثم عاد إلى (فرتي) ينتظر تغير الحال ليحقق آماله الكثيرة. ومات ريشليو في عام ١٦٤٢، فتحفز لاروشفوكو للمطالبة بثمن عطفه على الملكة ومساعدته إياها. وزعم أنه كان يكره هذا الوزير الذي كسر شوكة النبلاء، فانه أنصفه في مذكراته فقال: (فجعت الدولة في هذا السياسي الكبير. كان عظيماً في مقاصده، ماهراً في إنفاذ خططه، وقد ضمن بأعماله المجيدة الخلود لذكره)
هذا الشاب الخيالي الذي عرف ريشليو كيف يكبح جماحه دون أن يقسو عليه، أصبح أيام الوصاية على العرش يسعى وراء مصلحته الذاتية ليس غير.
الرجل الطموح
لما مات لويس الثالث عشر وأقيمت زوجه آن دوتريش وصية على ابنها لويس الرابع عشر، فرح الملتفون حولها وتطلعت نفوسهم إلى تحقيق مطامعهم على يديها. ورأت هي منهم ذلك فجادت عليهم بالوعود وتركتهم في آمالهم ينعمون، ثم وضعت أزمة الدولة في يد الكاردنيال مازاران صنيعة ريشليو عدو النبلاء والعظاميين ولم تأبه لرغبات لاروشفوكو الذي أظهر الوفاء لها في ظروف كثيرة، وهو يقول في مذكراته عن ذلك: (قضيت عشرة أعوام في خدمتها، وخاطرت بثروتي وحريتي في سبيل راحتها وحريتها حتى قيل عني إني شهيدها. وكثيراً ما قالت لي إنها لا تجد في البلاد ما تكافئني به على ما قدمت من معروف). ولكنها لما ملكت زمام الحكم نسيت قولها تمام النسيان
ولما يئس النبلاء من وعودها، كونوا فيما بينهم جمعية سرية ترمي إلى القضاء على سلطان الوزير مازاران واختاروا الدوق دي بو فور رئيساً لهم. وانضم إليهم لاروشفوكو اسماً دون أن يوافق على سلوكهم وخطتهم، وأصبح البلاط حزبين: حزب الوزير وحزب الدوق دي بوفور. ولأجل اكتساب عضد الملكة الوصية على العرش، تقدمت الجمعية إلى لاروشفوكو أن يرجو من الملكة إصدار العفو عن صديقتها الدوقة دي شفريز حتى تعود إلى البلاد، فاطاع لاروشفوكو ومازال بالملكة حتى أجابت سؤله وأمرته بالذهبا إليها حاملاً
стр. 3841
هذا الخبر السار، ففرح وقال في نفسه (أجابت هنا الطلب، وستجيب دون شك مطالبي الأخرى)
أسرع إلى مقر الدوقة وأدلى إليها بما حدث في البلاط أثناء غيبتها، ورجا منها أن تصبر على مازاران، فان أرضى رغباتهما وحقق آمالهما تركته وشأنه، وان أبى عليهما ما يطلبان شاكسته
ولكنها لم تكد تطأ أرض باريس حتى نسيت قول لاروشفوكو وحاولت عزل الوزير وإحلال أحد رجالها المسمى شاتونيف محله، وجهرت برغبتها في رد القوة إلى الأسر العظيمة التي تحبذ آراءها وترضى عن خططها. وقبل أن تقدم على عمل جدي، افتضح أمر الجمعية وألقى القبض على رئيسها في ٢ سبتمبر عام ١٦٤٣ وحبس في فنسين، وأمرت الدوقة بالإقامة في تور. أما لاروشفوكو فلم يمس بسوء، وكل ما أصابه في هذه الحادثة أن الملكة أمرت بأن يعرض عن الدوقة ويخلص للوزير. ولكنه لم يذعن لأمرها ولم يجن من وراء ذلك نفعا
واستمر في البلاط إلى عام ١٦٤٦ كئيب النفس وسط مسرات البطانة ومرحها، وسعى سعي المجد إلى الحصول على إحدى الرتب العسكرية التي رفض قبولها من ريشليو، ولكن سعيه لم يصب غير الفشل. فدفعه اليأس من بلوغ مقاصده إلى الاتصال بالدوقة دي لونجفيل التي تضمر العداوة للملكة. وهذه الدوقة كانت شديدة الكبرياء مولعة بالمجون والاستهتار، وقيل إنها أحبت أخاها الدوق رانجان حباً فيه إثم كبير، وإنها كانت ترى في هذا الحب البغيض طريقة تميزها من (القطيع الإنساني). ولم يحبها لاروشفوكو، بل تصل بها وأظهر كلفه بها ليستخدمها في سبيل اغراضه. وهو لم يعرف الهوى المحرق كما تقول مدام دي سفنييه وقد سمعه سجريه يقول: (لم أعثر بالحب إلافي القصص الخيالية)
وفي أغسطس عام ١٦٤٨، قامت ثورة في باريس تعرف في تاريخ فرنسا باسم (ومعناها لغة: النبلة التي يستعملها الصغار عندنا في صيد العصفور، وكانت شائعة في فرنسا وقت قيام هذه الثورة فسميت باسم هذه اللعبة)، ثم امتد الاضطراب إلى الريف، وأشعل الفلاحون في (براتو) نار الشغب. وكان لاروشفوكو قد حصل على حكمها بفضل مكانة أبيه، فقمع هذا الشغب قبل أن يستفحل، ونال بعمله هذا إعجاب الوزير مازاران. ولكنه كان يسعى
стр. 3842
إلى شيء آخر غير الإعجاب بعمله، كان يرغب في الحصول على لقب دوقة لزوجه وعلى الأذن له بدخول فناء قصر اللوفر في عربة كآل روهان (وهم من سلالة ملوك بريتانيا) فلما خيب الوزير أمله، انضم في الحال إلى الثائرين على الرغم من رأي والده وأسرته، وأسرع إلى باريس لمقابلة الدوقة دي لونجفيل التي أعدت خطة لأضرام نار حرب أهلية. وقد حاولت أن تضم إليها أخاها الدوق رانجان الذي أصبح أمير كونديه بعد موت أبيه في عام ١٦٤٦، ولكنها أخفقت لأن الملكة غمرته بالنعم الجزيلة ثمناً لمساعدته إياها
أخذ كونديه بعضد الملكة وأنقذ البلاط من الثائرين وأصبح صاحب الكلمة النافذة فيه، فألحف في طلب المال لنفسه والمزايا لأصدقائه ومن بينهم لاروشفوكو , وأجابه مازاران إلى ما طلب ولكن النبلاء تقدموا إلى الملكة أن تلغى هذه المزايا فألغتها في ١٠ اكتوبر عام ١٦٤٩. وفي ذلك اليوم كتب لاروشفوكو في كراسة يذم الوزير ويسخط عليه لأنه (قاوم طموحه مقاومة عنيفة). وجملته الأخيرة تدل على روح النبلاء في ذلك العصر، وبقيت هذه الكراسة مجهولة من الناس حتى عثر بها فكتور كوزان في أوراق كونررا ونشرها
ولما ضاق الوزير ذرعا بكونديه استعمل الخديعة حتى ألقى عليه القبض هو والدوق دي لونجفيل وقد حريتهما في الهافر، وخافت الدوقة دي لونجفيل أن تصير إلى ما صار إليه زوجها فهربت إلى هولانده بمساعدة لاروشفوكو
وفي ٥ فبراير ١٦٥٠ مات والد لاروشفوكو، فاتخذ من إقامة المأتم ذريعة إلى جمع كثير من النبلاء والفلاحين والجياد (٧٠٠ نبيل، ٨٠٠ فلاح، ٢٠٠٠ جواد خطبهم واستوقد حماستهم لمحاربة جنود الملك. ولكن هؤلاء قهروا رجاله وأهلكوا زرعه ودمروا قصره في (فرتى). ويقول أحد أصدقائه أن لاروشفوكو لما بلغه خبر الدمار الذي أصاب القصر الناطق بعظمة أجداده، اعتقد أن الدوقة دي لونجفيل ستقدر له هذه التضحية في سبيلها حق قدرها، وبعث هذا الاعتقاد في نفسه سروراً كبيرا. وقبل انقضاء شهر فبراير هدأت الحال وأطلق سراح كونديه ومن معه، وغادر مازاران البلاد حتى تسكن العاصفة
استرد كونديه حريته ولكنه أضمر الشر للوزير والملكة. ولما بلغ لويس الرابع عشر رشده في ٦ سبتمبر عام ١٦٥١، وأقيمت لهذه المناسبة حفلة فخمة: في قصر اللوفر لم يحضرها كونديه وأعوانه خشية أن تنال الملكة منهم منالا. وعرفت أخته الدوقة دي لونجفيل ميله
стр. 3843
إلى إشعال نار الحرب الأهلية مرة ثانية، فشجعته حتى سل سيفه في وجه الملك
يتبع
حسن صادق
стр. 3844
العُلوم
٤ - يسألونك عن الأهلة
للدكتور احمد زكي
(تتمة)
سطح القمر
ثم جاءت الفوتوغرافيا فمكنت الإنسان في ساعة قصيرة مما كان يتطلب منه أياما طويلة، وقدّرته بمجهود فني مركز قليل، على ما لم يكن يقدر عليه إلا بمجرد قاس منهك كبير، وكانت الفوتوغرافيا في منتصف القرن الفائت في أول نشأتها، فكانت الخدمات الأولى التي أدّتها إلى علماء الأفلاك منقوصة مقصورة. ولكن ما لبثت أن تقدمت هذه بتقدم تلك، ورقب بحاث السماء بحاث التصوير فاستفادوا من كل جديد، وغيروا وحوّروا من الطرق المستحدثة حتى تتفق مع حوائجهم، وزادت تلك الحوائج وتضخمت حتى انفردت بمبحث خاص أسموه الفوتوغرافية السماوية هي اليوم من أهم الوسائل وأقرب الوسائط في دراسة كل ما يحدث في العوالم الدوّارة والشهب السيارة، وللتصوير الشمسي في دراسة النجوم والأقمار ميزات غير الميزة الظاهرة ترجع إلى طبيعة العدسات وإحساس الأفلام. فعين الإنسان مثلا إذا حدّقت في شيء مباشرة أو بواسطة منظار فهي لا ترى من هذا الشيء إلا بعضاً صغيراً من كل كبير، لذلك كان الرسامون القدماء يرسمون القمر بأقلامهم من خلال المنظار قطعة قطعة، وخريطة خريطة، ثم يصلون بين هذه الخرائط لتتم الوحدة، وذلك لأن عيونهم لا تستطيع أن تُبَوئر من المنظور إلا منطقة قليلة، أما عين الكمرة فأوسع من عين الآدميّ واشمل، فنظرة واحدة منها تعدل نظرات المئات من الناس. وعين الكمرة يتراكم فيها أثر المنظور بتطاول الزمن، وليس هذا لعين الإنسان، فأنت تنظر الشيء القليل الضياء فلا تراه أبداً أو تراه مبهما، ولا تفيدك إطالة النظر إليه إلا تعب العين فزيادة الإبهام، أما الأثر في الكمرة فكيميائي فللزمن عامل فيه، فكلما زاد التعريض زاد الأثر فبان الخفي واتضح المبهم. وقد رأت الكمرة وترى في السماء أجراما عميت عنها النواظر. وعين الكرة تحس أضواءً من أنواع لا تراها العين، فالعين لا ترى إلا المرئيّ
стр. 3845
من الطيف، أما فوق البنفسجي وما دون الأحمر فلا ترى منهما شيئاً، وهي أضواء في دراسة السماء لها خطر كبير تضطلع به الكمرة بكفاية محمودة
والقمر أول أجسام السماء التي اتجه إليها البحاث في التصوير الفوتوغرافي، اقترح ذلك أراجوا عام ١٨٤٠ ولكن انفذه الدكتور درابر في نفس العام، وكانت طريقة التصوير المعروفة عندئذ هي طريقة داجير يستخدمون فيها لوحاً من نحاس مُفضَّض يحسّسونه ببخار اليود والبروم، ونجح بها تصوير القمر لأول مرة نجاحاً خطيراً، ولم يكن خطره في حسن الصورة الناتجة وشدة وضوحها وكثرة تفصيلها، فهي لم يكن لها ذلك، وإنما كان خطره في ان القمر أمكن تصويره من ضوئه، فقد كان الناس في شك من احتواء هذا الضوء على أشعة الشمس التي تؤثر في أملاح الفضة
وجاءت طريقة التصوير بالكلّوديون وهو النتروسليولوز مذابا في كحول وأثير، يضاف إليه يودور الصديوم أو البوتاسيوم مع قليل من البرومور، ثم يُفرش على ألواح من زجاج تغمس في الظلام في حمام من أزوتات الفضة فيتكون عليها بذلك يودور الفضة وبروموره وهما الملحان الحسّاسان.، وكان لا بد من تجهيز اللوح قبيل التصوير مباشرة. استخدم هذه الطريقة كروكس وديلارو فجاؤا بصور أقصر زمنا وأوضح تفصيلا. ثم خطت الفوتوغرافيا خطوتها الثالثة في التقدم فصنعت الألواح من الجيلاتين بدل الكلوديون فخرجت إلى الأسواق ألواح جافة. ثم حلت الأفلام محل الزجاج. ولا دراك الفرق بين طرق التصوير الثلاث الفائتة نذكر أن متوسط المدة اللازمة لتعريض اللوح في طريقة داجير هي نصف ساعة، وفي طريقة الكلوّديون عشر ثوان إلى خمس عشرة ثانية، وفي طريقة الجلاتين ثانية إلى جزء من مائتين من الثانية. والزمن له قيمته في تصوير المتحركات ومنها الأجرام السماوية
وتتخلص نتيجة الفحص البصري والفوتوغرافي في تمييز أشياء ثلاثة على سطح القمر هي أظهر ما فيه
اما الشيء الأول فسلاسل من الجبال متباينة الأشكال، بعضها بالغ العلو طويل السلسلة، وبعضها مفرطح متصل يكون نجادا واسعة، وبعضها متقارب الجبال متجمعها، وبعضها كبير الميل عميق السفح رفيع القمة. وقد توجد في الوديان تلال كالاهرام منثورة مبعثرة،
стр. 3846
وقد تعلو وتميل بغتة حتى لتشبه أكثر مناطق الأرض وعورة، ومن أغرب ما في تلك السلاسل جسور قليلة العلو إلا أنها مسرفة في الطول تمتد بين الجبال فتربط الكبير والصغير والمجموع بالمنثور.
أما الشيء الثاني فجبال ذات فوهات كالبراكين هي في الواقع أخص مظاهر السطح، وهي فوهات أوسع كثيراً من فوهات البراكين الأرضية، فجبل كوبرنكس يبلغ قطر فوهته فوق الخمسين ميلا، وتختلف تلك الجبال الفوهية في مظهرها، فبعضها فوهته كالحائط المستدير، وبعضها تكسرت فوهته فظهر ما بقي منها كالجبال تجمعت في استدارة حول حفرة الفوهة، وبعضها عمقت حفرته أو ضحلت أو تقورت أو تقعرت، وبعضها انخفض قاع حفرته عن مستوى الأرض بظاهر الجبل، وبعضها قاربه أو علا عنه كأنه فنجان امتلأ، وتعزى أصول هذه الجبال الفوهية القمرية إلى مثل أصول البراكين الأرضية، ومنها ما يركب بعضه بعضا كما تعلو الحلقة الحلقة ولا تطابقها، فيقال إن الأوطأ كانت بسبب انفعال باطني أقدم
ويميز الإنسان على سطح القمر عدا ما فات أخاديد مستقيمة تستطيل في الوديان في اتجاه واحد فإذا انحرفت عنه فعلت ذلك بغتة وسارت في استقامة جديدة، فاذا اعترضها جبل فوهيّ قطعتهن فهي أجدُّ منه ولادة، وإذا اعترضها جبل عصى فقطع اطرادها ظهرت وراءه دون أن يختلف مسارها. أما طول الأخدود الواحد فقد يبلغ المائة ميل، وأما عرضه فقد يزيد على الميلين، وتعزى هذا الأخاديد فيما تعزى إلى انشقاقات حصلت في السطح وهو يبرد وينكمش
وتتميز على سطح القمر أيضاً شعاعات تخرج من فوهات الجبال فتمتد مئات من الأميال لم يهتد الفلكيون بعدُ كل الاهتداء إلى تفسيرها
وكلما تقدم البحث في القمر وزادت معرفة الإنسان بأحواله خاب الرجاء القديم في العثور على أثر من آثار أناسيّ مثلنا تسكن القمر. بالطبع لم يكن مرجواً أن نرى شخص إنسان على القمر لقصور أجهزتنا الضوئية عن إدراك ذلك، ولكن تلك الأجهزة تتبين على سطح القمر أشياء تقل أطوالها عن نصف ميل، وإذن فلو كان على القمر ناس يسكنونه وفاتتنا رؤيتهم فلا أقل من أن نرى آثارهم، فالمدن لابد أن تكبر عن نصف ميل، وهي لا شك
стр. 3847
تتغير خططها فتضيق وتتسع على الزمن، وتمتد إن شرقاً وإن غربا وإن شمالا وإن جنوبا وقد تطول وقد تستعرض، وقد فاتنا إدراك شيء من ذلك بأقوى المنظارات. هذا على افتراض أن الإنسان الذي يسكن القمر مخلوق على مثال إنسان الأرض في حجمه وجرمه، وهو افتراض لا تعززه طبائع الأمور. فانا نعرف إن الجاذبية على سطح القمر أقل منها على سطح الأرض، فهي تبلغ نحو الثمن، فالرجل منا إذا نط على سطح القمر ارتفع إلى نحو ثمانية أمثال ارتفاعه على سطح الأرض فمن اجل اتزانه يرجح أن يكون جرمه ثمانية أمثال جرمه على الأرض. وحكم مساكن الإنسان على القمر كحكمه، فهي إن كانت فلا بد أن تكون كبيرة ضخمة لتتوافق مع ساكن ضخم كبير ولتثقل فتتزن على سطح القمر فلا تندك من اهتزاز قليل. والمنازل الواسعة تؤلف لا شك مدناً كبيرة مديدة أكبر من مدن الأرض وهذا يسهل علينا مرآها، ولكننا لم نر شيئا. على أن كل الأدلة تقضي بخلو القمر من الماء ومن الهواء، وكلاهما لازم للحياة علت أو سفلت. والحياة كما نعرفها لا تكون إلا في درجات من الحرارة محدودة، فهي لا تزيد كثيراً على الخمسين، ولا تنزل كثيراً عن الصفر، والمعروف عن القمر أن نهاره بخمسة عشر يوماً من أيامنا، يظل فيه في مواجهة الشمس يأخذ من حرارتها فتعدو درجته المائة، يتلوه ليل بخمسة عشر يوماً من أيامنا يبرد فيه برودة دون ما تحتمله الحياة بكثير. فالحياة - كما نعرفها - لم يثبت وجودها على القمر، لا عياناً ولا استنتاجاً، بل ثبت النقيض.
احمد زكي
стр. 3848
القصص
البلبل والزهرة
لأسكار ويلد
ترجمة الأستاذ محمود الخفيف
صاح الطالب الشاب قائلا (وعدت أنها سوف تراقصني إن أنا أحضرت لها ورداً أحمر، ولكن ليس في حديقتي كلها وردة حمراء).
فسمعه البلبل وهو في عشه على شجرة السنديان وتطلع إليه في دهشة من خلال الأوراق وأردف الفتى قائلاً وقد اغرورقت بالدمع عيناه الجميلتان (لن توجد وردة حمراء في حديقتي كلها! آه. كم تكون السعادة رهينة بأتفه الأمور! لقد قرأت كل ما كتبه العقلاء ووقفت على أسرار الفلسفة ومع ذلك أرى حياتي يكتنفها الشقاء من أجل وردة حمراء)!
وعندئذ قال البلبل (ها قد لقينا في النهاية محبا صادقا. لقد طالما تغنيت بذكره الليلة تلو الليلة ولو لم أكن أعرفه. ولقد طالما تحدثت عنه إلى النجوم. وهأنذا أراه الآن! إن شعره فاحم كزهرة الخزامى، وان شفتيه لتمثلان في حمرتها الوردة التي يطلب، ولكن تواجده قد أحال لون وجهه إلى لون العاج المصفار، كما أن الأسى قد ترك طابعه فوق جبينه).
وتمتم الطالب قائلا (سوف يقيم الأمير حفلا مساء غد وستكون عشيقتي هناك، فان أنا أحضرت لها وردة حمراء فإنها ستراقصني حتى مطلع الفجر، وسوف تسند رأسها إلى كتفي، وتضع يدها في قبضة يدي. ولكن ليس في حديقتي وردة حمراء، وإذا فسوف أنزوي وحيدا، وستمر بي عشيقتي فلا تأبه لي، وإذ ذاك يتحطم قلبي!) وعاد البلبل إلى حديثه قائلا (ها هو ذا محب وفي حقا! انه يشقى بما أترنم أنا به، وان هذا الذي بعد مبعث الجذل عندي أراه عنده مبعث الهم والألم. حقا ان الحب لشيء عجيب! أانه أغلى ثمناً من الزمرد، وأندر من تلك الجواهر المعروفة بعين الهر، ولا يمكن أن يقوم باللآلئ، كما انه لن يعرض في الاسواق، ولن يوجد عند تاجر أو يوزن في ميزان الذهب)
وقال الفتى (سوف تجلس جوقة الموسيقى في البهو، وسوف يعزف أفرادها على آلاتهم، وعندئذ سوف ترقص عشيقتي على نغمات العود والقيثار، وسترقص في خفة حتى لن
стр. 3849
تمس قدماها الأرض، وسيجتمع حولها رجال الحاشية في ثيابهم الزاهية. أما أنا فإنها لن تراقصني، فليس لدي وردة حمراء أقدمها إليها)، وعندئذ ألقى الفتى بنفسه على العشب وغطى وجهه براحتيه واستسلم للبكاء فتساءلت حرباء خضراء، كانت تجري إلى جواره رافعة ذيلها في الهواء (ما الذي يبكي هذا الشاب)؟ وشاركها في تساؤلها فراش كان يرف في شعاع الشمس. حقا ماذا يبكيه؟ (وأعقبتهما أقحوانة، فهمست إلى جارتها في صوت خافت ناعم قائلة (فيم هذا البكاء)؟
وأجاب البلبل قائلا (انه يبكي من أجل وردة حمراء)
فصاح الجميع في دهشة (من أجل وردة حمراء؟!. يا له من أمر مضحك، وصاحت الحرباء الصغيرة ضاحكة منه وفي عينيها معاني التهكم.
ولكن البلبل كان يفهم سر هذا الحزن فجلس صامتاً على شجرة السنديان مفكرا في الحب وما يكتنفه من أسرار.
وبينما كان غارقا في تفكيره، إذ بدا له فنشر أجنحته ذات اللون البني، وارتفع في الهواء، وعبر الحديقة كما يعبر الطيف حتى وقع بصره على شجرة ورد جميلة، فحط على غصن من غصونها، وصاح بها قائلا
(أعطني وردة حمراء فأغنيك أحسن أغاني)
ولكن الشجرة هزت رأسها قائلة (إن وردي كله أبيض، كزبد الموج في بياضه أو هو أشد بياضاً من الثلج الذي يكلل فتن الجبال. اذهب إلى أختي هنالك حول المزولة وستعطيك ما تطلب)
وطار البلبل حتى أتى تلك الشجرة فصاح بها
(أعطني وردة حمراء فأغنيك أحسن أغاني)
ولكن الشجرة هزت رأسها قائلة (إن ورودي كلها صفراء، تحكي في صفرتها شعر الجنية التي تجلس على عرشها الكهرماني، أو هي اشد صفرة من زهرة النرجس التي يسطع لونها في المرعى قبل أن يأخذها المنجل. ولكن اذهب إلى أختي هنالك تحت نافذة الطالب، وربما منحتك طلبتك، فانطلق البلبل إلى تلك الشجرة فخاطبها بقوله:
أعطني وردة حمراء فأغنيك أحسن أغاني.
стр. 3850
فهزت الشجرة رأسها قائلة (إن ورودي حمراء، كقدم الحمامة في حمرتها، أو هي أشد حمرة من مراوح المرجان الهائلة التي تتماوج في جوف الخضم، ولكن الشتاء جمد عروقي، والصقيع نثر براعمي، والعاصفة قصفت غصوني، ولذلك فسوف لا ألد وردة هذا العام)
فقال البلبل (ان كان ما أطلبه وردة حمراء واحدة، وردة واحدة فقط. أو ليس من سبيل إلى تلك الوردة)؟
وأجابته الشجرة قائلة (هناك وسيلة إلى مبتغاك، ولكنها جد مخيفة حتى أنني لا أقوى على ذكرها).
ولكن البلبل رد بقوله (هات ما عندك فلن أخاف شيئا)
وحينئذ قالت الشجرة (إذا كنت تريد وردة حمراء فعليك أن تبغيها بألحانك في ضوء القمر ثم تفرغ عليها دم قلبك. عليك أن تغنيني، وصدرك مسند إلى شوكة من أشواكي، وعليك أن تقطع الليل كله صادحاً على أن تدع الشوكة تنفذ إلى قلبك حتى يتدفق دم حياتك في عروقي ويصبح لي)
وصاح البلبل قائلا (كثير أن أقدم حياتي ثمناً لوردة حمراء، وحياة كل مخلوق غالية عنده. لشد ما يبهجني أن أجلس في الغابة الخضراء وأرقب الشمس تجري في مركبها الذهبي، والقمر في مخدعه اللؤلؤي. ما أجمل منظر الزهور في عدوتي الوادي وعلى سفوح التلال، وما ألذ النسيم ينشر في الجو عطره الفياح. على أن الحب أحسن من الحياة، وما قيمة قلب طائر اذا قورن بقلب رجل)؟
ونشر البلبل أجنحته البنية وارتفع في الجو وعبر الحديقة كما يعبر الطيف، حتى أتى الطالب فوجده حيث تركه لما يزل مستلقيا على العشب، ولم تجف الدموع في عينيه الجميلتين، فوجه إليه الخطاب قائلا: (أبشر أيها الفتى ولا تحزن فسآتيك بالوردة الحمراء. سوف أبغيها بأغاني ضوء القمر، وسوف أصبغها بدماء قلبي، وكل ما أطلبه منك في نظير ذلك أن تظل وفياً في حبك، فان الحب أكبر عقلاً من (الفلسفة) وان اشتهر بالحكمة، وأشد سلطانا من القوة وإن اشتهرت باليأس. ان أجنحته حمراء كاللهب، وان جسده مشبع الصبغة من ذلك اللون المتوهج، أما شفتاه فحلوتان كالشهد، وأما أنفاسه فعطرات كالعنبر المتضوع.
стр. 3851
ورفع الطالب رأسه مصغياً ولكنه لم يفهم ما قاله البلبل لأنه لا يفهم إلا ما يقرأ على صفحات الكتب.
ولكن شجرة السنديان فهمت ما أعيا الطالب فهمه، فاشتد حزنها لأنها كانت تحب هذا البلبل الصغير الذي بنى عشه في أحضانها، ثم توسلت إليه أن يغنيها أغنيته الأخيرة قائلة إنها سوف تعاني آلام الوحشة والعزلة لفقده.
فغناها البلبل أشجى ألحانه، وكان صوته العذب كصوت الماء ينصب من إبريق فضي، ولما فرغ من غنائه نهض الطالب وقد أخرج من جيبه ورقاً وقلما وحدث نفسه وهو يسير في ممرات الحديقة قائلا
(أما ان لهذا البلبل طريقة في لحنه فهذا ما لا سبيل إلى إنكاره، ولكن ليت شعري هل يصحب هذا اللحن شعور؟ أخشى أن يكون هذا الشعور معدوماً، وإذا رجعت إلى الحقيقة فهو كمعظم الفنانين. إن له أسلوباً ولكنه ينقصه الإخلاص لفنه. وانه لن يضحي بنفسه من أجل الغير. ولن يفرك إلا في الموسيقى، وكل إنسان يعلم أن الفن والأنانية صنوان، وعلى أي حال فلن أستطيع أن أنكر عليه ألحاناً جميلة في صوته، ولكنها مع الأسف لا روح فيها وليس ثمة أية فائدة من ورائها).
ودخل الفتى حجرته واضطجع على سريره مفكراً في حبه وبعد هنيهة ظلله الكرى بجناحيه.
ولما أضاء البدر في السماء طار البلبل إلى شجرة الورد، وأسند صدره إلى الشوكة وجعل يغني طول ليلة والشوكة تنفذ في صدره رويداً رويداً، حتى تدفق الدم من عروقه والبدر ينصت إليه في هدوء.
غنى البلبل أولا عن الحب وكيف يولد في قلب كل صبي وصبية، وعند ذلك أسفرت وردة بديعة في أعلى أغصان الشجرة، وكانت تزداد ورقة في إثر ورقة كما كان يرسل البلبل ألحانه لحنا في اثر لحن. وكان لونها أول الأمر شاحبا كلون الضباب الذي يطفو على صفحة النهر، أو كقدم الصبح إذا تقدم يسعى، أو كجناحي الفجر عند طلوعه، كان كلامه حيال الزهرة في مرآة فضية، أو في صفحة بركة ساكنة. ولكن الشجرة أهابت بالبلبل أن يضغط بصدره على رأس الشوكة قائلة: (أقبل بصدرك على الشوكة أكثر مما تفعل أيها
стр. 3852
البلبل الصغير وإلا أسفر الصبح ولما تتم الوردة.
وأطاع البلبل فاشتد ضغطه على الشوكة، وكانت ألحانه تعلو شيئاً فشيئاً إذ أخذ يغني عن العاطفة، وكيف تنشأ في نفوس الفتيان والأوانس. وهنا تمشت حمرة خفيفة في الوردة، حمرة أشبه بتلك التي تصبغ وجنة العروس عندما يطبع أول قبلة على شفتي عروسه! ولكن الشوكة لم تكن حينذاك قد وصلت إلى قلبه، فبقي قلب الوردة أبيض، فلن يصبغه بالحمرة إلا الدم المنبعث من صميم قلب البلبل ولذلك صاحت الشجرة بالبلبل قائلة: أقبل بصدرك على الشوكة أيها البلبل الصغير وإلا طلع النهار ولما تتم وردتك).
وزاد البلبل الشوكة ضغطا حتى مست قلبه فاشتد ألمه، وكان غناؤه يزداد ارتفاعا كلما اشتدت حدة الألم، كانت ألحانه تتجه اتجاها غير متزن، إذ كان حينذاك يغني عن الحب كيف يصل به الموت إلى الكمال وكيف يضمه القبر، فلا سبيل إلى تغيره في هذا المثوى الأخير.
وهكذا اكتست الوردة لونا قرمزيا، سرى في جميع أجزائها، وكان صوت البلبل المسكين يتضاءل، وكانت أجنحته ترف وقد مرت غشاوة أمام بصره حتى وصل لحنه إلى صوت خافت وأحس بحشرجة في حنجرته.
وأطلق البلبل آخر نغماته فسمعها القمر الوضئ، فنسى مطلع الفجر وتلكأ في صفحة السماء، وسمعته الوردة الحمراء فاهتزت اهتزاز الغبطة، وفتحت أوراقها لنسيم الصباح، وحمل الصدى هذا اللحن إلى الكهف القائم على سفح التل فبدد أحلام الرعاة وأيقظهم من سباتهم، ثم سبح هذا اللحن خلال اليراع المتمايل على ضفة النهر ومن ثم اتخذ سبيله إلى البحر.
وخاطبت الشجرة البلبل قائلة، ها هي ذي الزهرة قد تمت، انظر بعينك إليها ما أجملها، ولكن البلبل لم يجب فقد لفظ أنفاسه وسقط جثة هامدة بين الحشائش، والزهرة مغموسة في صدره. وعند الظهيرة فتح الطالب نافذته وألقى ببصره إلى الحديقة فصاح قائلا (ياله من حظ سعيد ها هي ذي وردة حمراء. لعمري ما رأيت وردة كهذه في حياتي. إن جمالها ليميل بي إلى الاعتقاد بأنه لابد أن يكون لتلك الوردة اسم لاتيني طويل) ثم ذهب إليها فقطفها.
стр. 3853
ولبس الفتى قبعته، وجرى إلى بيت الأستاذ والوردة في يده وكانت ابنة الأستاذ جالسة لدى الباب تلف خيوطا من الحرير الأزرق وكلبها الصغير نائم عند قدميها فخاطبها الفتى قائلا:
(لقد وعدت أنك سوف تراقصيني إذا أحضرت لك وردة حمراء، انظري إلى هذه الوردة إنها أشد الورود في العالم حمرة سوف تضمينها هذه الليلة على صدرك في موضع قلبك، وعندما ندور معاً في رقصتنا ستحدثك هذه الوردة عن مبلغ حبي لك)
ولكن الفتاة عبست قليلا ثم قالت
(أخشى ألا يلائم لونها لون ملابسي، وزيادة على ذلك فقد أرسل إلى ابن أخي رئيس الحجاب بعض الحلي الثمينة وأظنك تعرف أن الحلي أغلى من الزهور).
وصاح الفتى مغضباً:
(لعمري انك ناكرة للجميل، ثم رمى بالزهرة في الشارع فمرت فوقها عجلة فتلاشت وأجابت الفتاة
(ناكرة للجميل)؟ يا لك من فظ! ولكن قبل كل شيء خبرني من أنت؟ إن أنت إلا طالب فحسب، وما أظنك قد اتخذت يوما رباط حذائك من فضة كما فعل ابن اخي رئيس الحجاب، ثم نهضت واقفة ودخلت المنزل.
وقال الطالب وهو يبتعد عن دارها، ما أسخف الحب، أين هو من المنطق وفوائده؟ إنه لن يحقق شيئاً ما، ولن يحدثنا إلا عما لا يمكن حدوثه، وزيادة على ذلك فهو يجعل المرء يعتقد في أشياء لا ظل لها من الحقيقة، إنه في الواقع أمر غير عملي، وما دامت النزعة العملية هي كل شيء في هذا العصر، فإني سوف اتجه ثانية إلى الفلسفة وأدرس العلوم العقلية.
وعلى ذلك اتجه إلى حجرته وتناول كتاباً كبيرا قد علاه التراب، ففتحه وانكب عليه قارئا.
محمود الخفيف
стр. 3854
النقد
حول الينبوع أيضاً
إلى الدكتور احمد زكي أبى شادي
أما أنا، فأني أرى اللجاجة ليست تفيد، وما كان مثلي يبغي النغرض، وما كان مثلي يهوى التسرع، وإنما صح ما توقعت ووقعت الواقعة، وإذا أنا أعود فأردد مرة أخرى، ما عرفت الدكتور وإضرابه من إخواننا المصريين، إلا أباة على النقد، يثيرون من أجله المعارك، ويتسارعون بسببه إلى الخصام والنزاع،
فأنا أغتفر للشاعر حدته في الرد، لأن الشاعر أناني بطبعه يأبى أن يسخف له الناس أثره، ويكره من يبخس شيئا من قدره، وأشكر له حسن ظنه بي، ولا أبغي تسجيل هذه الكلمة عليه، ثم أضرب صفحا عن الماضي بأجمعه، وأعيد النظر في ينبوعه من جديد، وأؤكد له أنني قرأته مرة ثانية، وأؤكد له إنني حاولت أن أفهم، وأعوذ باله أن أزعم ان نفسه قد حلت في جسمي، فلست أعتقد بالحلول. ولا أزعم أن عواطفي قد اصطبغت بلون عواطفه فهذا أمر يعرف استحالته من الوجهة (البسيكولوجية) وأسأله العفو والمغفرة إن كفرت بقوله
كن أنت نفسي واقترن بعواطفي … تجد المعيب لدي غير معيب
أأفرط في أنانية الشاعر، إذ كيف يعقل أن يتشابه الناس تماماً والمادة وفي الروح. وما تشابهوا، لكن الشيء الممكن الذي أستطيع القيام به، هو أنني حاولت أن أوجد التجاوب الروحي بين نفسه وبين نفسي، مع أني لم أحاول أن أخلق مثل هذا التجاوب من قبل، فابن الرومي مثلا، لا يوجد أقل تجاوب روحي بين نفسه وبين نفسي، ولكنني معجب به لا لأنه يضرب على الوتر الحساس من قلبي، ولا لأنه يهيج دفين آلامي وأشجاني، بل لأني أجد في شعره فنا رائعا لا أستطيع إنكاره وبخسه. ولأضرب للدكتور مثلا آخر هو فيكتور هوجو فأنا أرى في شعره رأيا يخالف رأيي في ابن الرومي وربما كانت نفسه أقرب إلى نفسي من نفس بودلير الذي أعجب به إعجاباً شديدا.
فليس من الحتم على قارئ الشعر ألا يستسيغ إلا الشعر الذي تشابهت فيه نفسه مع نفس الشاعر، فقد يحب وقد يكره، ولكن هناك الفن الشعري، وهو الجامعة التي تؤلف بين القلوب، وتوحد بين الأفئدة، وما أظن في الناس إلا الحمقى يهزون أكتافهم إذا قرئ لهم
стр. 3855
شيء من الشعر الخالد الذي يتسم بصفات الفن الرائع، ولو كان يخالف نظرتهم وفطرتهم:
إن من عادتي يا سيدي الدكتور أن أعمد إلا الأفكار التي تكون طراز تفكيري، والمبادئ التي أستند إليها في تقديري، فأتناولها بين آونة وأخرى بالبحث والمراقبة والتشريح أبتر ضعيفها، وأنعش هزيلها. وأنشط قويها. قلت. . . ربما كان رأيي في شعر أبي شادي من القبيل الضعيف. فلأعد النظر وأؤكد للدكتور أنني كنت قاسياً على نفسي حتى يرضى.
فاللهم جنبني الشبهات، وسدد سبيلي، وحبب إليَّ الحق لأتبعه، ووجه روحي إلى النور لأدرك كنه صفحات الحياة التي تلوح لعيني كروح في ثوب صفيق من المادة. فإذا أبصرت بها واستهوتني اندفعت بكل ما في نفسي من جموح، لادرك سر تلك الروح.
الشعر مادة وروح، وشعر أبي شادي كذلك. فما هي المادة التي تتمثل في شعره؟ لا شك أنها اللغة، واللغة كما أعلم وتعلم هي الأداة المادية التي تشرح دخيلة الروح. ومع أن الدكتور قد جزم بأني لست ممن يصلحون لنقد لغة شعره وقد استحسنها من قبل أسياد كمصطفى جواد وغيره.!! فأنا أسير من حيث بدأت، فليست القضية قضية نحو وصرف وبيان وبديع، بل قضية ذوق شعري ولغة شعرية. وإذا شئت فقل قضية فنية بحتة، ويحسن بأولئك المدرسيين أن يتركوا الساحة قليلا، ويريحوا الناس من الإعراب والبناء التقدير، فهذا أمر تافه يدركه صبية المدارس، وقد أفنى الأقدمون فيه كثيرا من الوقت والجهد، وقد جاء هؤلاء في آخر القافلة
أقع بنظري على قصيدته التي أراد أني يفحمني بها، والتي أراد أن يبهر بها الناس فاقرأ:
نرى في البر الوان التناجي … وفي البحر المشارف والعميق
أو قوله:
كأن الحسن ذاب بكل لون … نراه وفي المياه وفي الطريق
اللهم أين كافر بالشعر إن كان هذا من الشعر، وكافر بأقوال مطران إن كان قد استحسن هذا القول مطران، وكافر بالأدب إن كان في رجال الأدب من يستسيغ هذا ويعجب به
أؤكد للدكتور أني غير موفق في انتقاء ما ينتقد. لكنني استعرض هذا وأمثاله. وقد يرى فيه مصطفى جواد أو غير مصطفى جواد منتهى الإجادة والبلاغة: أما أنا، أنا الشاك الذي بم يتكامل التجاوب الروحي بين نفسه وبين نفس أبي شادي، أنا الذي أسجل خطرات تشمئز
следующие страницы →