Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
ورفع الطالب رأسه مصغياً ولكنه لم يفهم ما قاله البلبل لأنه لا يفهم إلا ما يقرأ على صفحات الكتب.
ولكن شجرة السنديان فهمت ما أعيا الطالب فهمه، فاشتد حزنها لأنها كانت تحب هذا البلبل الصغير الذي بنى عشه في أحضانها، ثم توسلت إليه أن يغنيها أغنيته الأخيرة قائلة إنها سوف تعاني آلام الوحشة والعزلة لفقده.
فغناها البلبل أشجى ألحانه، وكان صوته العذب كصوت الماء ينصب من إبريق فضي، ولما فرغ من غنائه نهض الطالب وقد أخرج من جيبه ورقاً وقلما وحدث نفسه وهو يسير في ممرات الحديقة قائلا
(أما ان لهذا البلبل طريقة في لحنه فهذا ما لا سبيل إلى إنكاره، ولكن ليت شعري هل يصحب هذا اللحن شعور؟ أخشى أن يكون هذا الشعور معدوماً، وإذا رجعت إلى الحقيقة فهو كمعظم الفنانين. إن له أسلوباً ولكنه ينقصه الإخلاص لفنه. وانه لن يضحي بنفسه من أجل الغير. ولن يفرك إلا في الموسيقى، وكل إنسان يعلم أن الفن والأنانية صنوان، وعلى أي حال فلن أستطيع أن أنكر عليه ألحاناً جميلة في صوته، ولكنها مع الأسف لا روح فيها وليس ثمة أية فائدة من ورائها).
ودخل الفتى حجرته واضطجع على سريره مفكراً في حبه وبعد هنيهة ظلله الكرى بجناحيه.
ولما أضاء البدر في السماء طار البلبل إلى شجرة الورد، وأسند صدره إلى الشوكة وجعل يغني طول ليلة والشوكة تنفذ في صدره رويداً رويداً، حتى تدفق الدم من عروقه والبدر ينصت إليه في هدوء.
غنى البلبل أولا عن الحب وكيف يولد في قلب كل صبي وصبية، وعند ذلك أسفرت وردة بديعة في أعلى أغصان الشجرة، وكانت تزداد ورقة في إثر ورقة كما كان يرسل البلبل ألحانه لحنا في اثر لحن. وكان لونها أول الأمر شاحبا كلون الضباب الذي يطفو على صفحة النهر، أو كقدم الصبح إذا تقدم يسعى، أو كجناحي الفجر عند طلوعه، كان كلامه حيال الزهرة في مرآة فضية، أو في صفحة بركة ساكنة. ولكن الشجرة أهابت بالبلبل أن يضغط بصدره على رأس الشوكة قائلة: (أقبل بصدرك على الشوكة أكثر مما تفعل أيها
стр. 3852
البلبل الصغير وإلا أسفر الصبح ولما تتم الوردة.
وأطاع البلبل فاشتد ضغطه على الشوكة، وكانت ألحانه تعلو شيئاً فشيئاً إذ أخذ يغني عن العاطفة، وكيف تنشأ في نفوس الفتيان والأوانس. وهنا تمشت حمرة خفيفة في الوردة، حمرة أشبه بتلك التي تصبغ وجنة العروس عندما يطبع أول قبلة على شفتي عروسه! ولكن الشوكة لم تكن حينذاك قد وصلت إلى قلبه، فبقي قلب الوردة أبيض، فلن يصبغه بالحمرة إلا الدم المنبعث من صميم قلب البلبل ولذلك صاحت الشجرة بالبلبل قائلة: أقبل بصدرك على الشوكة أيها البلبل الصغير وإلا طلع النهار ولما تتم وردتك).
وزاد البلبل الشوكة ضغطا حتى مست قلبه فاشتد ألمه، وكان غناؤه يزداد ارتفاعا كلما اشتدت حدة الألم، كانت ألحانه تتجه اتجاها غير متزن، إذ كان حينذاك يغني عن الحب كيف يصل به الموت إلى الكمال وكيف يضمه القبر، فلا سبيل إلى تغيره في هذا المثوى الأخير.
وهكذا اكتست الوردة لونا قرمزيا، سرى في جميع أجزائها، وكان صوت البلبل المسكين يتضاءل، وكانت أجنحته ترف وقد مرت غشاوة أمام بصره حتى وصل لحنه إلى صوت خافت وأحس بحشرجة في حنجرته.
وأطلق البلبل آخر نغماته فسمعها القمر الوضئ، فنسى مطلع الفجر وتلكأ في صفحة السماء، وسمعته الوردة الحمراء فاهتزت اهتزاز الغبطة، وفتحت أوراقها لنسيم الصباح، وحمل الصدى هذا اللحن إلى الكهف القائم على سفح التل فبدد أحلام الرعاة وأيقظهم من سباتهم، ثم سبح هذا اللحن خلال اليراع المتمايل على ضفة النهر ومن ثم اتخذ سبيله إلى البحر.
وخاطبت الشجرة البلبل قائلة، ها هي ذي الزهرة قد تمت، انظر بعينك إليها ما أجملها، ولكن البلبل لم يجب فقد لفظ أنفاسه وسقط جثة هامدة بين الحشائش، والزهرة مغموسة في صدره. وعند الظهيرة فتح الطالب نافذته وألقى ببصره إلى الحديقة فصاح قائلا (ياله من حظ سعيد ها هي ذي وردة حمراء. لعمري ما رأيت وردة كهذه في حياتي. إن جمالها ليميل بي إلى الاعتقاد بأنه لابد أن يكون لتلك الوردة اسم لاتيني طويل) ثم ذهب إليها فقطفها.
стр. 3853
ولبس الفتى قبعته، وجرى إلى بيت الأستاذ والوردة في يده وكانت ابنة الأستاذ جالسة لدى الباب تلف خيوطا من الحرير الأزرق وكلبها الصغير نائم عند قدميها فخاطبها الفتى قائلا:
(لقد وعدت أنك سوف تراقصيني إذا أحضرت لك وردة حمراء، انظري إلى هذه الوردة إنها أشد الورود في العالم حمرة سوف تضمينها هذه الليلة على صدرك في موضع قلبك، وعندما ندور معاً في رقصتنا ستحدثك هذه الوردة عن مبلغ حبي لك)
ولكن الفتاة عبست قليلا ثم قالت
(أخشى ألا يلائم لونها لون ملابسي، وزيادة على ذلك فقد أرسل إلى ابن أخي رئيس الحجاب بعض الحلي الثمينة وأظنك تعرف أن الحلي أغلى من الزهور).
وصاح الفتى مغضباً:
(لعمري انك ناكرة للجميل، ثم رمى بالزهرة في الشارع فمرت فوقها عجلة فتلاشت وأجابت الفتاة
(ناكرة للجميل)؟ يا لك من فظ! ولكن قبل كل شيء خبرني من أنت؟ إن أنت إلا طالب فحسب، وما أظنك قد اتخذت يوما رباط حذائك من فضة كما فعل ابن اخي رئيس الحجاب، ثم نهضت واقفة ودخلت المنزل.
وقال الطالب وهو يبتعد عن دارها، ما أسخف الحب، أين هو من المنطق وفوائده؟ إنه لن يحقق شيئاً ما، ولن يحدثنا إلا عما لا يمكن حدوثه، وزيادة على ذلك فهو يجعل المرء يعتقد في أشياء لا ظل لها من الحقيقة، إنه في الواقع أمر غير عملي، وما دامت النزعة العملية هي كل شيء في هذا العصر، فإني سوف اتجه ثانية إلى الفلسفة وأدرس العلوم العقلية.
وعلى ذلك اتجه إلى حجرته وتناول كتاباً كبيرا قد علاه التراب، ففتحه وانكب عليه قارئا.
محمود الخفيف
стр. 3854
النقد
حول الينبوع أيضاً
إلى الدكتور احمد زكي أبى شادي
أما أنا، فأني أرى اللجاجة ليست تفيد، وما كان مثلي يبغي النغرض، وما كان مثلي يهوى التسرع، وإنما صح ما توقعت ووقعت الواقعة، وإذا أنا أعود فأردد مرة أخرى، ما عرفت الدكتور وإضرابه من إخواننا المصريين، إلا أباة على النقد، يثيرون من أجله المعارك، ويتسارعون بسببه إلى الخصام والنزاع،
فأنا أغتفر للشاعر حدته في الرد، لأن الشاعر أناني بطبعه يأبى أن يسخف له الناس أثره، ويكره من يبخس شيئا من قدره، وأشكر له حسن ظنه بي، ولا أبغي تسجيل هذه الكلمة عليه، ثم أضرب صفحا عن الماضي بأجمعه، وأعيد النظر في ينبوعه من جديد، وأؤكد له أنني قرأته مرة ثانية، وأؤكد له إنني حاولت أن أفهم، وأعوذ باله أن أزعم ان نفسه قد حلت في جسمي، فلست أعتقد بالحلول. ولا أزعم أن عواطفي قد اصطبغت بلون عواطفه فهذا أمر يعرف استحالته من الوجهة (البسيكولوجية) وأسأله العفو والمغفرة إن كفرت بقوله
كن أنت نفسي واقترن بعواطفي … تجد المعيب لدي غير معيب
أأفرط في أنانية الشاعر، إذ كيف يعقل أن يتشابه الناس تماماً والمادة وفي الروح. وما تشابهوا، لكن الشيء الممكن الذي أستطيع القيام به، هو أنني حاولت أن أوجد التجاوب الروحي بين نفسه وبين نفسي، مع أني لم أحاول أن أخلق مثل هذا التجاوب من قبل، فابن الرومي مثلا، لا يوجد أقل تجاوب روحي بين نفسه وبين نفسي، ولكنني معجب به لا لأنه يضرب على الوتر الحساس من قلبي، ولا لأنه يهيج دفين آلامي وأشجاني، بل لأني أجد في شعره فنا رائعا لا أستطيع إنكاره وبخسه. ولأضرب للدكتور مثلا آخر هو فيكتور هوجو فأنا أرى في شعره رأيا يخالف رأيي في ابن الرومي وربما كانت نفسه أقرب إلى نفسي من نفس بودلير الذي أعجب به إعجاباً شديدا.
فليس من الحتم على قارئ الشعر ألا يستسيغ إلا الشعر الذي تشابهت فيه نفسه مع نفس الشاعر، فقد يحب وقد يكره، ولكن هناك الفن الشعري، وهو الجامعة التي تؤلف بين القلوب، وتوحد بين الأفئدة، وما أظن في الناس إلا الحمقى يهزون أكتافهم إذا قرئ لهم
стр. 3855
شيء من الشعر الخالد الذي يتسم بصفات الفن الرائع، ولو كان يخالف نظرتهم وفطرتهم:
إن من عادتي يا سيدي الدكتور أن أعمد إلا الأفكار التي تكون طراز تفكيري، والمبادئ التي أستند إليها في تقديري، فأتناولها بين آونة وأخرى بالبحث والمراقبة والتشريح أبتر ضعيفها، وأنعش هزيلها. وأنشط قويها. قلت. . . ربما كان رأيي في شعر أبي شادي من القبيل الضعيف. فلأعد النظر وأؤكد للدكتور أنني كنت قاسياً على نفسي حتى يرضى.
فاللهم جنبني الشبهات، وسدد سبيلي، وحبب إليَّ الحق لأتبعه، ووجه روحي إلى النور لأدرك كنه صفحات الحياة التي تلوح لعيني كروح في ثوب صفيق من المادة. فإذا أبصرت بها واستهوتني اندفعت بكل ما في نفسي من جموح، لادرك سر تلك الروح.
الشعر مادة وروح، وشعر أبي شادي كذلك. فما هي المادة التي تتمثل في شعره؟ لا شك أنها اللغة، واللغة كما أعلم وتعلم هي الأداة المادية التي تشرح دخيلة الروح. ومع أن الدكتور قد جزم بأني لست ممن يصلحون لنقد لغة شعره وقد استحسنها من قبل أسياد كمصطفى جواد وغيره.!! فأنا أسير من حيث بدأت، فليست القضية قضية نحو وصرف وبيان وبديع، بل قضية ذوق شعري ولغة شعرية. وإذا شئت فقل قضية فنية بحتة، ويحسن بأولئك المدرسيين أن يتركوا الساحة قليلا، ويريحوا الناس من الإعراب والبناء التقدير، فهذا أمر تافه يدركه صبية المدارس، وقد أفنى الأقدمون فيه كثيرا من الوقت والجهد، وقد جاء هؤلاء في آخر القافلة
أقع بنظري على قصيدته التي أراد أني يفحمني بها، والتي أراد أن يبهر بها الناس فاقرأ:
نرى في البر الوان التناجي … وفي البحر المشارف والعميق
أو قوله:
كأن الحسن ذاب بكل لون … نراه وفي المياه وفي الطريق
اللهم أين كافر بالشعر إن كان هذا من الشعر، وكافر بأقوال مطران إن كان قد استحسن هذا القول مطران، وكافر بالأدب إن كان في رجال الأدب من يستسيغ هذا ويعجب به
أؤكد للدكتور أني غير موفق في انتقاء ما ينتقد. لكنني استعرض هذا وأمثاله. وقد يرى فيه مصطفى جواد أو غير مصطفى جواد منتهى الإجادة والبلاغة: أما أنا، أنا الشاك الذي بم يتكامل التجاوب الروحي بين نفسه وبين نفس أبي شادي، أنا الذي أسجل خطرات تشمئز
стр. 3856
منها نفس أبي شادي، ما أزال أرى يا للأسف في هذا الشعر وأضرابه ضعفاً شديداً. أرى فيه لغة صحفية ليست لغة فن ولا شعر، أرى الاعياه الذي ما بعده إعياء في التصوير والتعبير! وتبدو لعيني فكرتي التي بسطتها عن لغة الشرع التي أقول فيها. أنا افهم إن الشعر هو التعبير الراقي عن احساسات النفس، (وما كل إحساس يصلح أن يكون شعراً بل الإحسان العلوي أقصد).
وعلى هذا الشكل فهم العرب الشعر. فقالوا عن القرآن إذ سمعوه انه شعر.
ان في اللغة الشعرية سحراً وروعة وفنوناً وموسيقى ونغمات صوتية تراها في شعر امرئ القيس كقوله:
مكر مفر مدبر معاً … كجلمود صخر حطه السيل من عل
واراها في شعر عنترة، أو عمرو بن كلثوم، وفي الشعر الغربي ما أكثرها في شعر (ادكار بو أو في شعر (بودلير أو في شعر (فاليري وما كل كلام مفهوم بشعر، ولا يكفي الشاعر أن يميز بين المنصوب والمرفوع، وليس يكفي أن يعرف الشاعر البحر البسيط أو الطويل أو الرجز، كل هذه قشور لابد منها ولا أهمية كبرى لها لبساطتها، إنما بيت القصيد في تلك الروعة وذلك السحر، او في توقيع الموسيقى، وفي تلاؤم تلك النغمات الصوتية، وما في شعر أبي شادي شي من هذا.
. . . لغة الجرائد يا دكتور تعبر عن كثير من الآراء الصائبة والأخيلة الرائعة، ولكنها تفعل فعلها في وقتها ثم تنطوي تحت ذيل الزمن وتموت، وما كان للشعر أن يكون مثلها، إنك لا تستطيع أن ترى في لغة الصحف روعة وسحرا إلا نادرا أو إنك لا تزعم أن فيها فناً أخاذا. أما شعرك يا دكتور فهو شعر عربي كلماته صحفي في فنه وتعبيره، كأني بك تذكر حكاية ذلك الأعرابي الذي دخل إحدى الحواضر فسمع أهلها يتكلمون فما فهم شيئا. انهم يقولون كلاما عربيا ما في ذلك شك. لكن أسلوب التعبير غير عربي، وكلامك يا دكتور في شعرك لا يصطدم مع الفاعل ونائبه والصفة والتشبيه لا نادراً، وجل من لا يسهو، عربي في ألفاظه مفهوم في عسر أو في يسر، لكن أين الفن الراقي في التعبير في مثل قولك؟
هذه الدنيا لأحلام الأديب … هذه غايات آمال الأريب؟
стр. 3857
أظن أن صاحب الملل والنحل لو امتد به الأجل ما قال قولته المشهورة (هذا شيء لا يعجز عنه إنسان) إلا في شعر يشابه شعرك. لا عجب يا صاحبي هذا شان البحر، فالبحر لا يقذف بالدر دائما، ولكنه يقذف بالزبد في كل حركة، والإنتاج الفني الذي هو التعبير الراقي عن احساسات النفس لا يأتي عفو الخاطر، فإذا تحدثت إلى سيدي الشاعر عن اللغة أفلا يجدر بي أن أحدثه عن روح الشعر وعن المناسبة الشعرية. وعن الظروف التي تستدعي قرض الشعر.
لا أكتمك يا دكتور أني ممن يلقون بنفسهم بينكم معشر الشعراء، في المتن أو في الهامش، لا أدري، لكني من جماعتكم على كل حال شئتم أو أبيتم، وما أكثر أمثالي بين الشعراء، يكاد أحدهم يبعد عن محراق الفلك الشعري زهاء مائة كيلومتر، ويزعم بعد ذلك أنه من كبار الشعراء. أعذرني فأنا أناني مثلك، وأنا عندما أحدثك عن أنانيتي يجدر بي أن أشرح لك شيئاً من ذات نفسي كشاعر لا كنا قد. . . الموضوعات التي تستدعيني إلى النظم كثيرة يا دكتور، ونفسي دائمة الاضطراب والجموح. دائمة الحركة والثورة، هي متمردة متقلبة، ترى في كل ساعة موضوعات للكتابة، لكنني أكبح جماحها. أحول هذا الشعور الحاد إلى اللاشعوري ليتم نضجه، فإذا فرغت منه انصرفت إلى غيره، ففعلت به ما فعلت بالأول، وأنا بين هذا وذاك أمزج بين الشعور الهادئ المتزن وبين الشعور الحاد الجامح ثم اكتب. وبعد أن أنهي عملي ادفعه واهمله، واشعر ان عبئا قد أزيح عن كاهلي، أقبره لانه لم ينضج، تمر عليه أيام كثيرة أتناوله فيها بالتبديل والتغيير والمسخ، او بالتهذيب والترتيب والتنسيق، ولعلي ما أتممت شيئاً حتى الآن، فترضى عنه نفسي، وكيف أشرح نفسي للناس، وهم اجهل من ان يفهموها على وجهها، وكيف أبرز للناس وما أنا ممن يستطيعون التعبير عن مصائبهم وآلامهم وثورتهم، حسبي أنني لم أعرض شعوري فكيف اعبر عن مشاعر الناس، انهم يطلبون رعداً وبرقاً، وهم على حق فيما يطلبون، فهناك وطن يقتسم، وهناك بلاد يحتلها العدو والغريب، وهناك شرف صار إلى الرغام، وهناك مجد قد أفل، وهناك مجد الأمس وبؤس اليوم، وتاج الاجداد، وقبر الاحفاد، وحق للشاعر أن يرعد ويبرق، وأن يدفع الغمام الساجي المدلهم ليمطر، أما أنا فأني سائر في طريقي، وأرجوا أن أصل إلى ما اصبوا إليه، سأرعد وسأبرق، وسأنفخ في الرمم وسأصيح بالموتى ولكن. . .
стр. 3858
ليس الآن، عندما تهدأ نفسي من جنون الشباب، عندما يأخذ قلبي في النظر العام الشامل، ففي ذلك الوقت استطيع أن ارضي نفسي وأرضي غيري، أما الآن فلا. وإن الجمهور ليطلب إلى الشاعر بكاء ونواحا، ويحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه ما اكثر شعراء البكاء في بلادنا، أما أنا فلم يبق في عيني دمع انضح به شهوات الناس. أني غدوت كشبح متحرك يراه الناس فيحسبون فيه القوة والجبروت، وأبصره أنا على وجه لا يرونه به. ماذا تبقى يا صاحبي، أنني أرى الناس، بل كثيرة الشعراء في واد، وأنا في واد، إنهم يتكلمون عن السماء وأنا اكلم عن الارض، أنهم يتكلمون على العالم باسره، وانا لا أتتكلم إلا عن (حديقتي). فإذا شعرت بهذا انصرفت إلى ألغازي التي حبرتها، وأوهامي التي نسجتها وصبغتها بألوان الجمال والقوة والحكمة، فتعينني في بلواي، بل كيف اقذف بها إلى الناس. وهيهات أن تلذ الناس، ما أنا طامح في رضاهم، ولا أنا خائف من شرهم، خير لي أن أعيش في حديقتي، أبذر وأقبر وأنتج واقتل، حتى لا تستطيع اليد قتلا، وحتى الضعف اليد عن حفر القبور.
أرأيت يا دكتور كيف أبعد عن الغرض الذي أسعى إليه، بل أرأيت كيف أسرف في الشطط. فقد أرهقتك وأرهقت القراء بهذر من القول لا طائل تحته، وإنما هي أقوال تلوح لذهني فاعلق بها على الرؤى التي تلوح لعيني، ما كان أجدرني يا دكتور إلا اكتب ولا أثير حفيضتك وإلا اضطر نفسي إلى الجواب، ربما كنت بعيداً كل البعد عن مذهبي في الشعر، فأنت تنحو في شعرك ناحية تسميها إنسانية عالمية، وأنا أرى أن الحياة قبل التفلسف، وعلينا أن نعمل للسير قبل الكمال، وأن نعمل للحياة قبل الجمال، وأن نعمل للحركة قبل الفن - إن صح أن هناك فناً - وأن على الشعراء واجباً نحو وطنهم وأمتهم، بل إن عليهم واجباً نحو أنفسهم، ماذا تستطيع النفس المقيدة الملجمة أن تنتج، ربما فهمت قولي يا دكتور وأولته على أني معك على مذهبك. كلا: فأنا لا أرى الشعر كتاريخ لنفس الإنسان: إنني أرى إن الشعر لا يرسم إلا الخطوط الأساسية من نفس الإنسانية جمعاء، وبقية الفنون والعلوم تلبس هذه الخطوط أثواباً فضفاضة من المادة والروح.
إنني استغفر الله يا دكتور، فما أردت سوءاً، وما كنت مغرضاً ولا ناقماً، لكنني من خدام الحقيقة. أريد أن اقبس من نورها ولو نالني من الناس ما اكره، أنا لا أريد أن أبني لنفسي
стр. 3859
ذكراً على أشلاء الناس، ولكني أبحث عن ضالتي المنشودة
على إنني شاكر لك أن أتحت لي الانطلاق من جمود مميت، ومن حيرة قتالة كنت أعيش في ظلا مهما.
أنني أتسلى لا اكثر ولا اقل، إنني أثير الغبار وسنرى وما ينجلي تحت الغبار.
حلب
(المرتيني)
стр. 3860
العدد ٤٦ - بتاريخ: ٢١ - ٠٥ - ١٩٣٤
стр. 3861
مدينة سبأ
للدكتور طه حسين
كان الأديب الفرنسي ملرو نائماً كاليقظان، أو يقظان كالنائم، ولا تجد في ذلك شيئا من الغرابة، فنوم الأدباء البارعين يقظة، لأنه مملوء بالأحلام التي قد تكون من الصدق والدقة، ومن الخصب والإنتاج بمنزلة لا يبلغها الحق نفسه في كثير من الأحيان. ويقظة الأدباء نوم، لأنهم يشغلون فيها عما يحيط بهم من هذه الحقائق الممكنة الواقعة بما يملأ رؤوسهم من هذه الخيالات والأوهام التي تدنو من نفوسهم حتى تصبح كأنها جزء منها، وتبعد عن متناولهم حتى تصبح كأنها النجوم وهم يعجبون بقربها منهم فيطمعون فيها ويطمحون إليها، وهم يشفقون من بعدها عنهم فيحلون في طلبها ويجدون في إدراكها، ويكلفون في بلوغها أعنف الجهد وأشق العناء.
كان الأديب الفرنسي ملرو إذن نائما كاليقظان، أو يقظان كالنائم. كان في ساعة من هذه الساعات الحلوة التي يقضيها الأدباء مستمتعين بلونين من الحياة، أحدهما مختلط مضطرب شاحب، وهو لون الحياة الواقعة. والآخر واضح جلي ناصع، وهو لون هذه الحياة التي يحيونها بين الخيالات والأوهام. وانه لفي ذلك وإذا غانية حسناء رائعة الحسن، جميلة بارعة الجمال، غريبة الزي، لم ير مثلها قط فيمن رأى من غانيات باريس، وفاتنات غير باريس من المدن الأوربية التي زارها بل لم ير مثلها فيما رأى من الصور والرسوم التي تنقل للناس ما حفظته ذاكرة التاريخ القديم والمتوسط والحديث من ملامح الغانيات وأشكالهن وأزيائهن، وكانت تتراءى له من بعيد لا يكاد يراها حتى يفقدها، ولا يكاد يفكر فيها بعد فقدها حتى تتراءى له من جديد، فلا يكاد ينظر إليها حتى تستخفي، ولا يكاد يستأنف التفكير فيها حتى تبدو. وكانت إذا تراءت له ملأت الجو من حوله عبيراً وعرفا لم يحس مثلهما قط فيما أحس من الأعطار المصنوعة ومن الاعطار الطبيعية، ومن شذى الرياض وعرف الغابات، وكانت إذا استخفت ذهب معها هذا العبير، إلا بقية ضئيلة تضطرب في الجو، كأنها البقية الضئيلة من شعاع الأمل. فكانت نفس الأديب الفرنسي ملرو تتعلق بهذه البقية الضئيلة من العبير، كما تهيم بهذا الشخص الجميل الرائع الذي كان يبدو ويستخفي في سرعة كوميض البرق. ولو أن هذا الخيال عرض لرجل مثلك أو مثلي
стр. 3862
على هذا النحو وهو نائم لأيقظه، أو عرض له وهو يقظان لذاد عنه كل وهم أو خيال، ولدفعه إلى حياة عنيفة متنبهة تشبه الجنون. ولكنه لم يعرض لك ولم يعرض لي، وإنما عرض للأديب الفرنسي ملرو. ولهذا الأديب قوة ساحرة فيما يظهر، تمكنه من مقاومة الحق الذي يوقظ النائمين، ومن مقاومة الوهم الذي ينيم الإيقاظ، وتمسكه في حال بين الحالين، ومنزلة بين المنزلتين، فإذا هو نائم كاليقظان ويقظان كالنائم. وقد دعا إليه سحره هذا، فأعانه السحر على أن يظل على الحدود بين المملكتين مملكة اليقظة، ومملكة النوم. مملكة الحقيقة الباطلة التي يضطرب فيها مثلك ومثلي من الناس، ومملكة الخيال الصادق التي يضطرب فيها الأدباء والشعراء، وظل في مكانه يرى هذه الجنية، ويتنسم عبيرها إذا ظهرت له، ثم يتعلق بما بقى من نشرها ويهيم بخيالها إذا غابت عنه، وكأن هذه الجنية كانت تريد أن تعبث بالكاتب الأديب ساعة من نهار أو ساعة من ليل، وما أكثر ما تعبث الجن بأبناء الإنسان. ولكن الأديب الفرنسي ملرو، كان من البراعة والمهارة، ومن السحر واللباقة، بحيث استطاع أن يعبث بهذه الجنية الماكرة الماهرة، وأن يكرهها على أن تبيح له سرها، وتلقي عنه ما بينها وبينه من الأستار. واكبر الظن أن الأديب الفرنسي ملرو، إنما تعلم هذا الفن الذي يستغوي به الجن من رياضة بسيطة، ما اجدر أدباءنا وشعراءنا أن يتكلفوها ويأخذوا أنفسهم بها، وهي رياضة الصيد في الأنهار والغدران. فهذه الرياضة تحتاج إلى صبر طويل، طويل جداً، والى لباقة ودقة قلما تحتاج إليهما الرياضات الأخرى، وقد يمكث الصائد على شاطئ الغدير ساعات طوالا جداً، ينتظر الصيد فيصيبه أو لا يصيبه، ولكنه لا ييأس على أية حال.
ظل الكاتب الأديب ملرو، في حالة هذه بين الحالين، وفي مقامة هذا بين المملكتين، وظلت الجنية تبدو له فيستقبلها، وتغيب عنه فيتبعها، حتى سئمت منه هذا الصبر، وضاقت منه بهذا الثبات، واستيأست من ترويعه والعبث به، فوقفت منه غير بعيد وحدقت فيه تحديقا طويلا، لو حدقته في رجل مثلك أو مثلي لملأت قلبه رعبا، ولدفعته إلى الجنون دفعا، ولكن الأديب الفرنسي ملرو ثبت لمنظرها الجميل، وتحديقها الطويل، مبتسما في هدوء، ينظر إليها ولا يقول لها شيئا. وأخذت هي تدنو منه وتطيل النظر فيه، وهو ثابت لا يضطرب، ومستقر لا يريم، حتى إذا كانت منه بمكان النجى، سألته في لغة غريبة لم يسمع لفظها قط،
стр. 3863
ولكنه فهم معناها كما يفهم معاني اللغة الفرنسية حين تلقى إليه. سألته في هذه اللغة الغريبة، وفي ابتسام ليس اقل منها غرابة قائلة من تكون؟ لقد عرضت لكثير مثلك من الناس منذ عشرات القرون، فروعتهم ترويعا على اختلاف أجيالهم وبيئاتهم، وتفاوت درجاتهم في العلم والجهل، وفي الغفلة والذكاء، حتى اتخذت ترويع الناس لذة من أهون اللذات، إذا فرغت مما أنا فيه من أعمال الجد التي تحملني كثيرا من الألم والعناء. حدثني من تكون؟ ولا بأس عليك من أن تجيبني باللغة الفرنسية فسأفهمها عنك، كما تفهم أنت عني الآن هذه اللغة الحميرية، التي لا يتكلمها أحد من الناس في هذه الأيام، والتي يجد علماؤكم في قراءتها وتفسيرها، واستنباط قواعدها وأصولها. حدثني من تكون أيها الفتى الذي عجزت عن ترويعه والعبث به؟ قال الأديب الفرنسي ملرو، وهو ينظر هادئا مبتسما إلى هذه الجنية: بل حدثيني أنت من تكونين؟ فإني لم اعرض لك، وإنما عرضت لي، وإني لم احفل بك، وإنما حفلت بي، وإني لم ادن منك، وإنما دنوت مني، وإني لم أحاول سحرك بلحظ ولا لفظ، ولا حركة ولا عبير، فما ينبغي لك أن تسأليني، وإنما ينبغي لي أن أسألك. ومع ذلك فإني لم أسألك حتى بدأتني بالسؤال، ومع ذلك فإني قادر على أن أعفيك من الجواب وعلى أن أدعك تمضين في طريقك، فما اكثر من يعرض لي من أمثالك، وما اكثر ما أتحدث إليهن وما يتحدثن إليّ، ولئن فاتني أن أعرفك واسمع من أنبائك فقد عرفت من قبلك خيالات أخرى، أستطيع أن أستأنف لقاءها متى شئت، وان أقص عليها من أنباء الأحياء، وتقص على من أنباء الأموات. قالت الجنية أو قال الخيال: ما شد طغيانكم أيها الناس، إنكم لضعاف أشنع الضعف، ولكن المكر يجعل ضعفكم قوة، وذلكم عزة، وجهلكم علما. حدثني يا فتى من تكون؟ وإلا فإني قادرة على أن أسوءك، قال بل حدثيني أنت من تكونين، واستيقني انك لا تقدرين من الإساءة إلي على شيء، بل أنا قادر إن شئت على أن اغلق بيني وبينك الباب، واقطع بيني وبينك الأسباب. وأي شيء ايسر من أن امضي إلى هذه الناحية، فإذا أنا في مملكة اليقظة التي لا وهم فيه ولا خيال، والى هذه الناحية فإذا أنا في مملكة النوم العميق التي لا تستطيع الأحلام أن تدنو منها أو تجد إليها سبيلا. قالت فإني أراك على قوتك ذكيا ماهرا، تحسن الحوار وتعرف كيف تقطع الطريق على خصومك ومحاوريك. ما أرى ألا انك جني قد اتخذت شكل إنسان، وما أرى إلا إننا نستطيع أن نتفق
стр. 3864
فنعبث بالناس جميعا، ونكيد لهم جميعا، ونخدعهم جميعا ساعة من نهار، أو يوما من أسبوع. قال بل أشهرا كاملة من عام كامل، بل عاما كاملا من أعوام طوال، فحدثيني من تكونين أحدثك من أكون. واعلمي منذ الآن إني اكره ترويع الناس والعبث بعقولهم، فان الرجل الممتاز حقا هو الذي يحسن العبث بعقول معاصريه، فان استطاع مع ذلك أن يعبث بخيالهم وآمالهم وأيديهم وجيوبهم، فهو الرجل العبقري حقا. فحدثيني من تكونين أحدثك من أكون. فقد يخيل إلي أن سيكون لهذه الساعة في حياة الناس شأن. قالت وهي تبتسم ابتساما عريضا، وأنا أيضا أرى هذا. فهل سمعت شيئا من حديث تلك المملكة التي امتلأت بذكرها كتب القصص والتاريخ؟ قال أي مملكة تريدين؟ فما اكثر المملكات اللاتي ملأ ذكرهن كتب القصص والأدب والتاريخ. قالت في شيء من الدل، وهذا العرف الذي يملأ الجو من حولك، والذي يكاد يذهلك، لولا انك رجل ممتاز لا يعرف الذهول إليه سبيلا، ألا يدلك على شيء؟ قال بلى! انه يدلني على انك قد سريت من الشرق، فهذا العرف لا عهد لي بمثله إلا في كتب القصص والتاريخ. ألا تكونين قد أقبلت من بلاد اليمن، تلك التي تحدث عنها القدماء والمحدثون؟ قالت قد عرفتني، فأنا جنية من ارض اليمن، أقبلت اعبث ببعض أهل الغرب، وابحث للجن اليمانيين عن بعض الفرائس، فظفرت بك، قال بل وقعت في يدي، فمن أي بلاد اليمن أقبلت؟ قالت من تلك المدينة العظيمة التي كانت تملكها تلك الملكة القديمة العظيمة. قال ملكة سبأ؟ قالت هي هي!: قال وعلام نستطيع أن نتفق؟ قالت على أن نعبث بالناس شيئا. ثم نهدي إليهم بعد ذلك ما يعوضهم من هذا العبث احسن تعويض. ثم اتصل الحديث بينهما وانقطع، ثم اتصل مرة أخرى وانقطع، ثم اصبح الناس وإذا الأديب الفرنسي ملرو يمر بالقاهرة في طيارة قد أنشئت له، فيقيم في القاهرة يوما وبعض يوم، ثم يفارقها، ثم تمضي أيام ثم يخفق البرق بأنه قد استكشف مدينة سبأ في اقل من تسع ساعات!. طار من جيبوتي فعبر البحر ثم مضى حتى انتهى إلى الربع الخالي، وكانت صاحبته الجنية قد سبقته وضربت له موعدا في تلك العاصمة الجميلة، ورسمت له الطريق التي يجب عليه أن يسلكها رسما دقيقا صادقا، فلما انتهى إلى موعده صور من المدينة ما صور، لم يهبط إلى الأرض، ولكن جنيته صعدت إليه، ودلته على اجمل المناظر واجدرها أن يخلب الناس ويسحر ألبابهم. ثم عاد إلى باريس وقد سبقته إليها الأنباء. والناس من
стр. 3865
أمره بين الشك واليقين، فكتب المقالات، وألقى الأحاديث ونشر بعض الصور، فأما العلماء فأنكروا، وأي شيء ايسر على العلماء من الإنكار؟ وأما غير العلماء فصدقوا وأي شيء ايسر على غير العلماء من التصديق؟
ثم تنتقل الأنباء من أوربا إلى أمريكا عابرة إليها المحيط، فيضطرب العالم الجديد اضطرابا، وإذا البرنامج كله قد تحقق، دهش الناس ثم اضطربوا، ثم صدقوا، ثم اندفعوا، فكان العبث بالعقول، ثم بالخيال ثم بالأيدي، ثم بالجيوب، فإذا كان شهر نوفمبر، فان البعثة ستعبر المحيط، ثم تعبر البحر أيضا، ثم تمضي في الصحراء، وما اكثر ما في الصحراء العربية الجنوبية من بقايا المدن القديمة التي عرفها الناس والتي لم يعرفوها، ومن يدري!،! لعل هذه الجنية التي تراءت للأديب الفرنسي ملرو، أن تبر بالوعد، وتفي بالعهد، وتهدي إلى العلماء المنكرين وغير العلماء المصدقين، مدينة قديمة فيها من الآثار ما يعوضهم من هذا العبث الذي يخضعون له في هذه الأيام تعويضا حسنا.
لا ينبغي انم ننكر على الأدباء حياتهم هذه التي يمضون فيها مع الخيال والوهم، ويسمعون فيها لأحاديث الجن والشياطين، ويتبعون فيها آمالهم وأمانيهم، فان هذه الحياة لذيذة في نفسها بالقياس إلى الأدباء أنفسهم، وبالقياس إلى الناس حين يسمعون أنباءها. ثم هي في كثير من الأحيان خصبة منتجة، تبدأ بالحلم والوهم والأمل، وتنتهي إلى اليقظة والحق واليقين. لا ينبغي أن ننكر على الأدباء حياتهم هذه وإنما ينبغي أن نتمنى لأدبائنا وشعرائنا حياة مثلها يملؤها الوهم والخيال والأمل، ويملؤها النشاط والجد والعمل والصبر على احتمال الجهد، وعلى احتمال السخرية والاستهزاء بنوع خاص.
طه حسين
стр. 3866
الزلة الأولى
للكاتب الفرنسي لامنيه
بقلم احمد حسن الزيات
قطعة رائعة التمثيل جليلة المغزى للامنيه، وهو علم من أعلام الأدب الفرنسي، وفيلسوف من فلاسفة المذهب الكاثوليكي، وخطيب بليل اللسان من خطباء الدين والسياسة، ولد سنة ١٧٨٢ في بلد زعيم البيان الفرنسي (شاتوبريان)، ثم طار في جوه، فنشأ مثله لطيف الوجدان، خصب المخيلة، وثاب الفكر، صحيح الرأي لا يخضع لنظام، ولا يستكين لحادث. دخل الكنيسة راهبا، ثم الجمعية العمومية نائبا، فنصر الله في الأولى والحرية في الثانية. ثم صبا في سياسته إلى الاشتراكية، وفي عقيدته إلى الأرثوذكسية، وحاول أن يقيم المسيحية على دعائم جديدة من الوضوح والبساطة. فلقى في سبيل هذه الآراء الحرة سخط البابا وغضب الكهنوت وعنت الساسة.
أما أسلوبه فخطابي شعري يعتمد على الصور الحية والتشابيه القوية، ويسلك فيه مسلك (بوسويه) في احتذاء الإنجيل، واقتباسه منه أسلوب الرمز والتمثيل.
وهذه القطعة التي ننشرها اليوم تمثل شبق الإنسان إلى شهوة البهيمية وحاله بعدها، فمثل الشهوان كمثل الظمآن يتحرق إلى اللذة الآثمة، كما يتحرق هذا إلى الكرمة اليانعة، ودون هذه اللذة آثام وأجرام ورجس، كالمستنقع الذي يحول بين الظمآن وبين عصير العنب. وهنا يتصارع العقل والهوى، وتوازن النفس بين نتانة الوحل وبين برودة العنب، فيستخف الشهوان بالخطيئة اعتمادا على التوبة، كما يستخف الظمآن بالوحل اعتماداً على الغسل، ولكن هيهات! لابد للجرح من اثر. وللنتن الخبيث من ذفر
قال لامنيه:
برح به أُوار القيظ، وبلغ منه سُعار العطش، فأرسل طرفه في الفضاء، فرأى في حضيض الأكمة كرما تهدلت أغصانه وتدلت عناقيده. فهفا قلبه من الفرح، وتاقت نفسه إلى بلوغ الكرم لينقع بثمره أوامه، وينضح بشرابه كبده، ولكن بينه وبين الأكمة مستنقعا لا مناص من خوضه، وقف موقف الحائر لا يدري أيقدم أم يحجم؟ فتارة تدفعه حرارة الظمأ، وتغريه
стр. 3867
برودة العنب وطراءة الكرم، وتارة تقعد به وخامة الطين ونتانة الوحل.
فلما لاحه العطش سولت نفسه إليه أن المستنقع قد يكون قريب الغور سهل المعبر، فما الذي يمنعه أن يجرب ما يفعله كثير من الناس؟ على انه لا يلوث غير قدميه، وذلك أذى في جانب ما يبغيه قليل.
أطاع هواه واستجر لشيطانه، فوضع قدميه في النقع حتى غاص فيه إلى ركبتيه. فوقف مترددا مرتابا يداور الأمر في نفسه ويقول: لعل الرجوع أخف مئونة وأحمد مغبة، ولكن الكرمة وعناقيدها أمامه، والريق قد عصب من الظمأ فاه. . . فقال في نفسه: أما وقد بلغت ما بلغت فليس من الرأي أن ارجع فيذهب ذلك العناء باطلا، لا ينبغي بعد هذا أن اكترث لما ألقى من الوحل قل أو كثر، فسأعود نقي الجسم طاهر الثوب إذا ما اغتسلت في أول نهر أجده.
أمضى على هذه الفكرة عزمه وتقدم، فبلغ الطين صدره، ثم عنقه، ثم شفتيه، وما لبث أن طم فوق رأسه، فضاق صدره وحشرجت أنفاسه، وكاد يصرعه الخُناق لولا أن استجمع قواه ونهض نهضة بلغت به جانب الأكمة.
خرج والحمأ المسنون يسيل من أعضائه، فأكل من الشجرة التي اشتهاها حتى اكتظ، ثم نظر إلى نفسه فأخجله ما رأى من بشاعة منظرة وقبح زيه، فخلع ثيابه وطفق يبحث عن ماء رائق يطهر به نفسه، ويذهب عنه رجسه ولكن هيهات أن يتم له ما يريد! انه مهما فعل فان الرائحة الخبيثة باقية تسطع في الأنوف وتدفع في الحلوق.
لقد نفذت أبخرة المستنقع في لحمه وعظمه، ثم أخذت تفوح وتنشر، فكونت من حوله جواً فاسداً عفناً لا يطيق الصبر عليه إنسان، ولا يستطيع الدنو منه أحد.
لقد أراد أن يكون مع الزواحف فليكن كما أراد!
стр. 3868
سبيل الخلاص من الامتيازات الأجنبية
للدكتور عبد الرزاق احمد السنهوري
أستاذ القانون المدني بكلية الحقوق
- ٢ -
ذكرنا في العدد السابق المقترحات الخاصة بالتشريع في المعاهدة التي تعرض الحكومة المصرية على الدول ذوات الامتيازات إبرامها. فننتقل بعد ذلك إلى القضاء ثم إلى الإدارة.
٢ - القضاء
نقترح أن تنص المعاهدة على إنشاء محاكم مصرية جديدة تحل محل المحاكم المختلطة، ويتناول اختصاصها ما يأتي:
(١) القضايا المدنية والتجارية فيما بين الأجانب المتمتعين بالامتيازات الأجنبية دون غيرهم، بما فيها قضايا الأحوال الشخصية، وكذلك القضايا المدنية والتجارية ما بين مصري وأجنبي متمتع بالامتيازات الأجنبية. ويستثنى من ذلك القضايا العقارية فتكون من اختصاص المحاكم الأهلية مطلقا، حتى لو كان الخصوم جميعا من الأجانب وتكون العبرة في الاختصاص بشخصية الخصوم الحقيقية، فلا ينظر إلى الصالح المختلط، ولا يعتد بتحويل الحق إلى أجنبي تحويلا صوريا. وينص على جواز الاتفاق مقدما فيما بين الأفراد على التنازل عن اختصاص هذه المحاكم الجديدة، كما ينص على جواز التنازل عن هذا الاختصاص باتفاق الخصوم فيأية حالة كانت عليها الدعوى، ويكون الاختصاص في هذين الفرضين للمحاكم الأهلية.
(٢) القضايا الجنائية التي يكون المتهم فيها أجنبيا متمتعاً بالامتيازات، وإذا تعدد المتهمون وكان فيهم مصري كانت القضية من اختصاص المحاكم الأهلية حتى بالنسبة للمتهمين الأجانب، منعا لتضارب الأحكام -
أما تشكيل المحاكم الجديدةفيكون على الوجه الآتي:
(١) محكمة استئناف يكون نصف عدد المستشارين فيها مصريين والنصف الآخر من الأجانب. وتشكل في هذه المحكمة دوائر مدنية وجنائية يكون عدد أعضاء كل دائرة منها
стр. 3869
ثلاثة (بدلا من خمسة)، ولا يكون تشكيل الدائرة صحيحا إلا إذا كان أحد أعضائها على الأقل مصريا.
(٢) ثلاث محاكم ابتدائية في القاهرة والإسكندرية والمنصورة، ويكون نصف القضاة في كل محكمة من المصريين والنصف الآخر من الأجانب، وتشكل الدوائر في هذه المحاكم على الوجه المبين في تشكيل دوائر محكمة الاستئناف. والمحاكم الابتدائية جائزة للمصريين وللأجانب على السواء، فإذا انتخب أجنبي للرياسة وجب انتخاب مصري للوكالة. وإذا جلس في الدائرة اكثر من عضو مصري تكون رياسة الدائرة حتما لمصري. ويكون أعضاء النيابة العمومية كلهم مصريين، عدا النائب العام أما لغة هذه المحاكم الجديدة فتكون اللغة العربية للدوائر التي يرأسها مصري، وإحدى اللغتين العربية أو الفرنسية للدوائر التي يرأسها أجنبي على أن تقرر الدائرة أي اللغتين تستعمل في القضايا المختلفة.
وقد لا حظنا في هذه المقترحات إن بعضها قد أقرته إنجلترا في مفاوضاتها مع مصر، كما في المذكرة البريطانية التي سبقت الإشارة إليها (أنظر الكتاب الأخضر ص٩ - ص١٠) وكما جاء في مشروعات هرست المعروفة. والعض الآخر تحتمه العدالة، ويستوجبه تقدم مصر في مدى ستين عاما انقضت منذ إنشاء المحاكم المختلطة الحالية، مما يقتضي تمصير المحاكمالجديدة مع الاحتفاظ بالعنصر الأجنبي فيها. والفكرة الأساسية في هذه المقترحات أن ينقل اختصاص المحاكم القنصلية إلى المحاكم الجديدة، فلا يعود يوجد من المحاكم في مصر إلا ما كان مصريا. وفي الوقت الذي يتسع فيه اختصاص المحاكم الجديدة على حساب المحاكم القنصلية يضيق فيه هذا الاختصاص لحساب المحاكم الأهلية. فنسترد لاختصاص محاكمنا الأهلية القضايا العقارية، وقد قدمنا أن الامتيازات الأجنبية لا تمنع من ذلك، وان الأجانب لم يسمح لهم بتملك عقارات في البلاد العثمانية إلا بشرط أن يخضعوا لقوانين البلاد ومحاكمها فيما يتعلق بهذه العقارات. ونسترد أيضا ما انتزعته المحاكم المختلطة من اختصاص المحاكم الأهلية من طريق التوسع في التفسير توسعا يصطدم مع النفق القانوني الصحيح. فنقصر كلمة (الأجنبي) على من كان تابعا لدولة متمتعة بالامتيازات، حتى يدخل في اختصاص المحاكم الأهلية قضايا الأجانب غير المتمتعين بالامتيازات وقد اصبحوا الآن كثيرين. وهذا حقنا، لا يجوز إنكاره علينا، ومع ذلك فقد أنكرته المحاكم المختلطة الحالية،
стр. 3870
ولم يجد في إقناعها تعديل المادة ١٥ من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية بما يتفق مع هذا الحق. ثم نقضي على نظرية الصالح المختلط التي استطاعت المحاكم المختلطة الحالية من ورائها أن تمد اختصاصها إلى قضايا فيها كل المتقاضين مصريين، بدعوى إن هناك مصلحة لأجنبي في الدعوى، ولو كانت هذه المصلحة ليست هي بالذات موضوع النزاع. وطبقت هذا المبدأ على الشركات ولو كانت مصرية، فأدخلتها في اختصاصها مادام فيها مساهم أجنبي. وطبقته كذلك على حجز ما للمدين لدى الغير، فقضت باختصاصها ولو كان كل من الدائن الحاجز والمدين المحجوز عليه مصريا مادام المحجوز لديه أجنبيا. وليس للمحاكم المختلطة في كل هذا سند قانوني إلا نص المادة ١٣ من لائحة ترتيبها، وهذه لا تعرض إلا لحالة استثنائية لا يجوز التوسع في تفسيرها، ومن باب أولى لا يجوز القياس عليها. ثم نضع حدا للاحتيال على جعل قضية من اختصاص المحاكم المختلطة من طريق تحويل الحق المتنازع فيه إلى أجنبي تحويلا صوريا. ونفسح المجال لاتفاق الخصوم على اختصاص المحاكم الأهلية حتى لو كان بينهم أجنبي، سواء أوجد هذا الاتفاق وقت رفع النزاع أم كان قد تم قبل ذلك، وبهذا نمهد السبيل لمد اختصاص المحاكم الأهلية إلى الأجانب الذين يرتضون هذا الاختصاص.
وراعينا بعد ذلك أن تكون المحاكم الجديدة، وهي مصرية، غير مقصورة في مصريتها على الشكل دون الجوهر، كما هو شأن المحاكم المختلطة الحالية. فطلبنا أن يكون نصف قضاة المحاكم الجديدة مصريين حتى نضمن بذلك أن تكون هناك دوائر، غالبية القضاة فيها مصريون ورئيسها مصري ولغتها العربية، وان يكون نصف أعضاء الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف - ولها اختصاص تشريعي كما قدمنا - من القضاة المصريين. واجزنا رياسة المحاكم للمصريين وحتمنا أن تكون الوكالة لهم إذا كان الرئيس أجنبيا وبذلك يكون العنصر المصري في المحاكم الجديدة معادلا للعنصر الأجنبي وهذا هو العدل، فان المصالح المصرية التي تقضي فيها هذه المحاكم لا تقل في الأهمية والخطر عن المصالح الأجنبية إن لم تزد عليها. هذا إلى أن المحاكم مصرية، تجلس في ارض مصرية، وتحكم باسم مليك البلاد، وتتقاضى نفقاتها من خزينة مصر، وتنفذ السلطات المصرية أحكامها فإذا طلبنا بعد كل هذا أن يكون نصف القضاة مصريين فلا نكون قد ارتبكنا شططا بل نحن معتدلون، فما
стр. 3871
زلنا نفسح المجال واسعا للعناصر الأجنبية: نصف القضاة منهم، ولهم أن يرأسوا المحاكم والدوائر، وللدائرة التي تتشكل من غالبية أجنبية أن تتخذ الفرنسية لغة للتقاضي، وهذه الغالبية الأجنبية مكفول توافرها في نصف الدوائر. أليس في كل هذا ضمان كاف نقدمه للأجانب حتى يطمئنوا إلى قضاة المحاكم الجديدة؟
٣ - الإدارة
نرى أن تنص المعاهدة على إلغاء كل القيود التي تضعها الامتيازات الأجنبية على سلطة الإدارة المصرية. فيصبح لرجال الإدارة السلطة في القبض على المجرمين الأجانب وتفتيشهم وتفتيش منازلهم ومحال أعمالهم دون تدخل القناصل. ويكفي ضمانا للأجانب أن يجعل هذا من اختصاص رجال ضبطية خاصة تلحق بالمحاكم الجديدة، وتوضع تحت إشراف النائب العام أمام هذه المحاكم، ولا بأس من اختيار هذا النائب من بين الأجانب مادمنا قد نقلنا الاختصاص الجنائي للمحاكم القنصلية إلى لمحاكم الجديدة، على أن يكون النائب العام وحده هو الأجنبي دون سائر أعضاء النيابة، هؤلاء يجب أن يكونوا مصريين كما قدمنا. وإذا كان لابد من تقديم ضمانات أخرى. فلا بأس من إدخال عنصر أجنبي لا يزيد على النصف بين رجال الضبطية القضائية الخاصة التي أشرنا إليها.
ومادمنا قد جعلنا اختصاصات الضبطية القضائية بالنسبة للأجانب في يد هيئة خاصة فيها عنصر أجنبي وهي تحت إشراف النائب العام الأجنبي فانه لم تعد هناك حاجة للضمانات التي تطلبها إنجلترا مما جرت على تسميته (بالبعثة الإنجليزية) في البوليس المصري، وهي البعثة التي ورد ذكرها في المفاوضات التي دارت بين البلدين. كذلك لا حاجة إلى وجود مستشار قضائي ومستشار مالي، فإذا كان لابد من وجودهما وجب تحديد اختصاصهما والمدة التي يبقيان فيه تحديدا ضيقا، بحيث لا يتنافى وجودهما مع سيادة الدولة، ولا يؤيد دعوى الإنجليز في حماية المصالح الأجنبية، ولا يتعارض مع المسئولية الوزارية.
وغنى عن البيان أن الإدارة المصرية تستبقي حقها مطلقاً في إبعاد الأجانب غير المرغوب فيهم عن مصر، فان هذا هو حقها في الوقت الحاضر لم يؤثر فيه وجود الامتيازات الأجنبية ولا قيام المحاكم المختلطة. كذلك يكون للإدارة المصرية وللهيئة التشريعية اتخاذ
стр. 3872
التدابير اللازمة لمنع التدابير اللازمة لمنع المهاجرة إلى مصر أو تقيدها إذا استلزمت مصلحة البلاد ذلك. وللحكومة المصرية الحرية الكاملة في عقد معاهدات مع الدول بشأن تسليم المجرمين الفارين. كل هذا نذكره لا لأن هناك شكا في الحكومة المصرية تملكه، فانه لا يوجد أحد ينكر عليها هذه الحقوق التي لم تتأثر بالامتيازات الأجنبية، وإنما نقرره هنا لأنه ورد ذكره في مشروعات هرست المعروفة، وكان يراد تضيق سلطة الحكومة المصرية فيه فنرجع إلى الوراء بدلا من أن نتقدم إلى الأمام. هذه هي أسس المعاهدة التي نقترح أن تعرضها الحكومة المصرية على الدول ذوات الامتيازات. وقد راعينا في وضعها ألا تتضمن من المبادئ والأحكام إلا ما أقرته إنجلترا نفسها في المفاوضات التي دارت بينها وبين الوزارات المصرية المختلفة، وإلا ما كان متفقاً مع العدالة وما تستدعيه حالة البلاد من تعديل النظم القائمة. وهذه الأسس هي الحد الأدنى لما تطلبه البلاد في الوقت لحاضر، على أن تسترد الدولة المصرية سيادتها كاملة متى حانت الظروف المناسبة. وإذا كنا في حاجة إلى إقناع أحد بصلاحية هذه الأسس فليست هي الدول ذوات الامتيازات التي تحتاج إلى ذلك، وهي تعرف حق المعرفة أن هذه المطالب، عادلة معتدلة، وإنما حاجتنا هي إقناع الجانب المصري نفسه بالاقتصار على هذه المطالب، بعد أن دوت صرخة الرأي العام تنادي بإلغاء الامتيازات الأجنبية دون الإبقاء على أي اثر منها. على أننا إذا كنا استبقينا بعض هذه الآثار في المعاهدة المقترحة، فإنها لا تبقى إلا في فترة الانتقال من حالتنا الحاضرة إلى حالة أخرى تعود فيها إلى مصر سيادتها الكاملة. ولذلك جعلنا المعاهدة مؤقتة، وأعطينا لمصر حق إلغائها بإعلان يصدر من جانبها. وقد تكون فترة الانتقال هذه ضرورية في الوقت الحاضر، حتى لا نباغت البلاد بتغيير فجائي طفرة واحدة.
فإذا عرضت هذه الأسس على الدول ذوات الامتيازات، فقد تقبلها هذه الدول جميعها، أو قد يقبلها عدد كبير منها (والعبرة بعدد الرعايا لا بعدد الدول) وفي هذه الحالة تعقد المعاهدة مع الدول التي قبلت، ولا نعتد بالأقلية التي لم تقبل، فهذه لا تلبث أن تنضم إلى المعاهدة، كما فعلت فرنسا في سنة ١٨٧٦. وينتهي الأمر عند هذه الخطوة الثانية. أما إذا لم تقبل الدول هذه الأسس، فعلى الحكومة المصرية أن تخطو في التدابير التي تتخذها الخطوة الثالثة وموعدنا بتفصيلها العدد المقبل.
стр. 3873
عبد الرزاق السنهوري
стр. 3874
لا غالب إلا الله. .!
للدكتور عبد الوهاب عزام
ذهبت البارحة إلى مسرح الحمراء. قد سمى الأوربيون كثيراً من ملاهيهم باسم الحمراء بعد أن حرفوه إلى الهمبرا. سألت نفسي في لطريق كيف حرف الاسم هذا التحريف؟ فقالت: إن الزمان ليطمس الأعيان ثم يذهب بالآثار، فما إبقاؤه على الأسماء؟ أشفقت من هذا الحديث أن أتغلغل فيما وراءه من الآم وأحزان، فقلت: فيم الفرار من الكد والعناء إلى هذا الملهى إن بدأت حديثه بالمراثي والمصائب؟
أخذت مكاني بين الجالسين فسرحت طرفي في طراز عربي من البناء والنقش، وإذا منظر يفتح لي من التاريخ فجاجاً ملأى بالأهوال والعبر. لبثت أتأمل البناء متحرزاً أن اجتازه إلى ما وراءه من خطوب التاريخ. ومازالت أصوب النظر واصعده في المسرح حتى جمد البصر على دائرة في ذروته لاحت فيها أحرف عربية، فكنت وإياها غريبين في هذا الجمع (وكل غريب للغريب نسيب) بل كنت وإياها نجيبين في هذا الحفل لا يفهمها غيري، ولا تأنس من الوجوه الحاشدة بغير وجهي. أجهدت البصر الكليل في قراءة الأحرف فإذا هي (لا غالب إلا الله) يا ويلتاه!
شعار بني الأحمر الذي حلوا به قصورهم ومساجدهم.؟ إنها لسخرية أن توضع هذه الكلمة الجليلة في هذه الكلمة في هذا الملهى، وأي جليل من ماضينا المجيد لم يتخذه القوم سخرية؟ قرأت هذه الكلمة فإذا هي عنوان لكتاب من العبر، قلبته صفحة صفحة ذاهلاً عما حولي فلم انتفع بنفسي في مشهد اللهو واللعب، ولم تحس أذني الموسيقي والغناء. أغمضت عيني عن الحاضر لأفتحها على الماضي. وصمت الأذن عن ضوضاء المكان، لتصيخ إلى حديث الزمان.
وناهيك بجولان الفكر طاوياً الإعصار، منتظما البوادي والأمطار، واثبا من غيب التاريخ إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى غيب التاريخ.
شهدت في ساعة جيوش طارق غازية من الزقاق إلى البرتات، وشهدت مصرع عبد الرحمن الخافقي في بلاط الشهداء، وشهدت جلاد الأجيال من المسلمين والأسبان، ورأيت الناصر في حربه وسلمه ملء العين جلالاً ورهبة، وملء القلب عدلاً ورحمة.
стр. 3875
ورأيت البطل ابن أبي عامر يحالف الظفر في خمسين غزوة، ويبعد المغار حيث نكصت الهمم والعزائم من قبله. ورأيت دولة الأمويين تزلزل فتتصدع فتنهار، وأبصرت ملوك الطوائف يتنازعون البوار والعار، ويؤدون الجزية إلى الفونس السادس صاغرين. ثم سمعت جلبة جيوش المرابطين يقدمها يوسف بن تاشفين، وشهدت موقعه الزلاقة القاهرة، ثم رأيت راية المرابطين تلقف رايات ملوك الطوائف. وهذه دولة الموحدين، وهذا المنصور يعقوب بن يوسف في موقعه الأرك يحطم جيوش الأسبان بعد الزلاقة بمائة عام. ورأيت موقعه العقاب وقد دارت على المسلمين دوائرها. والناصر ابن يعقوب يفر بنفسه بعد أن اقتحمت عليه المنايا دائرة الحراس ورأيت غرناطة وحيدة في الجزيرة يتيمة، قد ذهبت أترابها، وصارت كما قال طارق يوم الفتح: أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام، ولكنها على العلات، ورثت مجد المسلمين وكبرياءهم فجالدت الدهر عن نفسها مائتين وخمسين عاما، وحمت حضارة المسلمين على رغم النوائب وكلب الأعداء. ثم رأيت أشراط الساعة - رأيت أبا الحسن وأخاه محمدا يتنازعون السلطان على مرأى من العدو ومسمع، ورأيت أبا عبد الله ينازع أباه أبا الحسن. ذلك الملك المائل، والظل الزائل، ورأيت العراك المديد بين أبي عبد الله وعمه الزغل كما تتناطح الخراف في حظيرة القصاب. وتلك جيوش فرديناند وايزابلا تنيخ على مدينةبعد أخرى، وتدك معقلا بعد آخر، ومالقة تجاهد الكوارث جهاد المستميت، والزغل يشق الأهوال إليها لينقذها، فيقطع أبو عبد الله طريقه ويرد جنده. ومالقة في قبضة العدو، وأهلها أسارى يباعون في الأسواق ويتهاداهم الملوك والكبراء. وهاهو الزغل يسلم وادياش إلى العدو على منحة من الأرض والمال. ثم يعيا بأعباء المذلة والهوان فيهاجر إلى الغرب. ثم شهدت يوم القيامة، الجيوش محيطة بغرناطة وأهلها يغيرون على العدو جهد البطولة والاستبسال والصبر، ثم يغلق عليهم الضعف أبواب المدينة. وهذا من ربيع سنة سبع وتسعين وثمانمائة، وأبو عبد الله يسير إلى فرديناند في كوكبه من الفرسان لا محارباً ولا معاهداً، ولكن ليسلم إليه مفاتيح الحمراء. نظرت الصليب الفضي الكبير يتلألأ على أبراج القلعة، وبكيت مع أبي عبد الله وهو يودع معاهد المجد وملاعب الصبا من الحمراء وجنة العريف. وسمعت أمه عائشة تصرخ في وجهه: (ابك اليوم كالنساء على ملك لم تحتفظ به احتفاظ الرجال) فينهل دمعه، وتتصاعد زفراته على
стр. 3876
الأكمة التي يسميها الأسبان اليوم (أخر زفرات العربي). وهذا أبو عبد الله وهو الذي باء بأوقار من العار والذل تأبى فيه بقية من الشمم العربي أن يقيم على الضيم فيهاجر إلى المغرب، ويرسل إلى سلطان فارس من بني وطاس رسالته الذليلة المسهبة يدفع عن نفسه ما قرف به في عرضه ودينه. ويشكو إلى السلطان حزنه وبثه ويقول:
مولى الملوك ملوك العرب والعجم … رعيا لما مثله يرعى من الذمم
بك استجرنا ونعم الجار أنت لمن … جار الزمان عليه جور منتقم
على رأسي وقلبي بهذه الأحداث الكاربة، والخطوب المتلاحقة، وهالتني هذه المشاهد المفظعة، فخرجت من هذه الغمرة مرتاعاً كما يستيقظ النائم عن حلم هائل.
نظرت أمامي فإذا المسرح، وصعدت بصري فإذا الدائرة: (لا غالب إلا الله.!)
عبد الوهاب عزام
стр. 3877
الفاشستية ومبادئها القومية والاقتصادية
للأستاذ محمد عبد الله عنان
كانت مبادئ الثورة الفرنسية روح الحركات الدستورية والديمقراطية التي جاشت بها معظم الأمم الأوربية خلال القرن التاسع عشر، وكانت الحريات الدستورية والديمقراطية إلى ما قبل الحرب هي المثل القومية والشعبية العليا. ولكن الحرب صدعت من صرح المبادئ الحرة والإنسانية، ويثبت إلى الأمم والجماعات الأوربية كثيرا من النزعات الرجعية، فاستردت القومية المتعصبة سابق قوتها وعادت الأحقاد القومية إلى سابق اضطرامها، وشغلت الديمقراطية بخلافاتها ومعاركها الداخلية عن مواجهة الخطر الذي يهددها ولم تلبث الحركة الرجعية حتى أحرزت فوزها الأول بقيام الفاشستية الإيطالية، ثم بقيام حكومات طغيان أخرى في أسبانيا وبولونيا ويوجوسلافيا تحتقر الحقوق والحريات الدستورية وتعمل لسحقها، وان كانت مع ذلك لا ترى بأسا من أن تستتر وراءها وتعمل باسمها في أحيان كثيرة. ولم تكن الفاشستية الإيطالية حين قيامها واستئثارها بمقاليد الحكم والسلطان في إيطاليا، سوى حركة محلية قامت في ظروف خاصة، ولم يكن يقدر لها يومئذ إنها ستغدو ذات يوم فكرة قومية تهب ريحها على كثيرا من الأمم الأوربية الأخرى، وإنها ستغدو نظاما عاما للدولة يطبق اليوم في دولة عظيمة أخرى هي ألمانيا مع خلاف يسير في الوسائل والغايات، وتقتبس منه اليوم دول أوربية أخرى كالنمسا التي أصدرت دستورها الجديد على أساس المبادئ الفاشستية، بل تذاع اليوم دعوته في بلاد ديمقراطية عريقة كإنكلترا يقوم بها حزب يدعوا إلى النظام الفاشستي.
وظفر الفاشستية على هذا النحو يدعوا إلى استعراض المبادئ الجوهرية التي تقوم عليها، والظواهر الخاصة التي تتميز بها. ويجب أولا ألا ننسى إن الفاشستية تشترك مع البلشسفية في الاستئثار بجميع السلطات والسيطرة على جميع موارد الدولة، وان الفاشستية من حيث هي نظام طغيان مطلق تشبه البلشفية كل الشبه. بيد إن هنالك فروقا جوهرية بينهما في الوسائل والغايات سنأتي عليها فيما بعد. ودعامة الفاشستية الأولى هي الفكرة القومية، وعليها تقوم جميع مبادئ هذا النظام، واليها ترجع غاياته؛ فالفاشستية ترى أن (الأمة) هي حقيقة طبيعية تاريخية، مثلها الأعلى هو إن أبناء البلد الواحد اخوة تجمعهم رابطة القومية
стр. 3878
العامة، ولا تحقق سعادة الأمة بقيام فريق منها ضد فريق آخر ولا طبقة منها ضد طبقة أخرى، بل يجب أن تنظم جميع الطوائف والطبقات والقوى لصالح الأمة المشترك، وباسم الوطن الواحد. وترى الفاشستية إنها جديدة طريفة في جوهرها فهي لا تريد أن تصلح أو تحي نظما قائمة، ولكنها تدعي إنها تقيم حضارة مكان حضارة وتنشيء نظما جديدة لبناء الدولة والمجتمع مكان نظم ذاهبة؛ وعندها إن جميع المبادئ والنظم القديمة قد عفت ولا تصلح بعد للعمل على إحياء الحضارة أو المجتمع، ولا بد أن تقلب من أساسها، وان تبدأ الحضارة والمجتمع حياة فتية جديدة على ضوء المبادئ والنظم الجديدة. والدولة الفاشستية لا تقوم على النظام الرأسمالي، ثم هي لا تقوم أيضا على النظام الاشتراكي؛ فالإنسان لم يخلق في نظرها لكسب المال فقط، ولم يخلق أيضا ليقاتل المحظوظين والمنعمين من بني وطنه، ولكنه خلق ليؤدي واجبا اعظم من ذلك وأسمى هو الواجب القومي.
وإذا كانت الجامعة القومية هي دعامة النظام الفاشستي، فان الفكرة التعاونية هي روح هذا الاتجاه القومي؛ وهي أهم ظاهرة في تكوين الدولة الفاشستية: فالدولة الفاشستية لا تقوم كما تقوم الدولة الديمقراطية على فكرة التنافس الحزبي والطائفي في سبيل السلطة، ولكنها تقوم على تعاون جميع الطبقات والقوى القومية. وقد عرف السنيور موسوليني في إحدى خطبه الأخيرة هذه الفكرة التعاونية في ما يأتي: (إنها هي الأداة التي تسترشد بها الدولة في وضع النظام الأساسي الشامل الموحد لجميع القوى المنتجة بالأمة للعمل على تنمية موارد الشعب الإيطالي وقوته السياسية ورفاهه) وفي قوله (قد أعطى النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي كل ما يمكن أن يعطياه، ونحن نرث من كل منهما كل ما فيه من العناصر الحيوية). ويلاحظ إن الفاشستية لبثت بعد قيامها مدى أعوام قبل أن تضع الفكرة التعاونية موضع التطبيق وتتخذها أساسا لتنظيم الدولة الاجتماعي والسياسي، ففي أبريل سنة ١٩٢٧ أصدرت حكومة رومة (لائحة العمل) وهي القانون الاجتماعي الأساسي للدولة الفاشستية؛ وفيه تعرف الدولة التعاونية وتشرح نظمها ويشرح قانون العمل المشترك وضماناته والأعمال التعاونية وتربية العمال. وترى الدولة الفاشستية إن العمل ليس مجهود يبذله العامل لكسب قوته، وينتفع به صاحب المال، وليس هو الذكاء أو الجرأة أو الأثرة التي تحرك النظام الرأسمالي، ولكن العمل طبق النظرية الجديدة هو مجموعة صنوف النشاط
стр. 3879
التي ترمي إلى تنمية موارد الأمة المعنوية والمادية؛ والنظرية الفاشستية تبعد هنا كل البعد عند مبدأ الحرية الاقتصادية وقانون العرض والطلب؛ وتقدم الفكرة المعنوية على كل هذه الاعتبارات، فكل عضو في جماعة عاملة عقلية أو فنية أو مادية إنما هو قبل كل شيء من أبناء الدولة، وهو يدخل بذلك الاعتبار في دائرة القانون الخاص، والقانون العام، بل يدخل في دائرة القانون الدستوري. ولم تقف الفاشستية في تطبيق الفكرة التعاونية عند الناحية الاجتماعية ولكنها خطت في سنة ١٩٢٩ خطوة أساسية أخرى، فطبقتها من الوجهة الدستورية، وقررت تحويل التمثيل السياسي إلى تمثيل تعاوني؛ وأجريت الانتخابات البرلمانية لمجلس يتألف أعضاؤه من ممثلي النقابات والجماعات التعاونية. وأخيرا منذ أيام قلائل فقط أصدرت الفاشستية كلمتها الفاصلة في النظام البرلماني فقررت إلغاءه وبذلك قضت الدولة الفاشستية على آخر المبادئ والآثار الراسخة التي تقوم عليها الديمقراطية، وأضحت تقوم على مبادئها الخالصة الاجتماعية والسياسية.
وتشترك البلشفية مع الفاشستية كما قدمنا من حيث هي نظام طغيان مطلق، ولكن البلشفية تقف في الطرف الآخر معارضة للفاشستية كل المعارضة في الفكرة القومية. فالبلشفية قبل كل شيء على مبدأ نضال الطوائف والطبقات الاجتماعية، وعلى مبدأ سيادة الكتلة العاملة؛ وترى البلشفية إن التاريخ لم يكن في جميع عصوره سوى نضال بين الطوائف، وإن قوى الأمة الحقيقة ومواردها تتكون قبل كل شيء من العمل أو جهود الكتلة العاملة؛ وشعارها هو سيادة الكتلة العاملة، ولا تتحقق هذه السيادة إلا بسحق الطبقة الرأسمالية؛ وهذا هو الفارق الجوهري بين البلشفية والفاشستية. فالأولى تقوم مهمتها الاجتماعية والاقتصادية على نضال الطوائف، وتقوم مهمة الثانية على الفكرة التعاونية، ولكن البلاشفة يسخرون من هذه الفكرة ويقولون إن تعاون الطبقات ذات المصالح المختلفة مستحيل بطبيعته، وان الطغيان الفاشستي يتخذ من التعاون حيلة لإخضاع الطبقات العاملة، وان هذا التعاون إنما هو تعاون الذئاب مع الأغنام. هذا وثمة فارق جوهري آخر بين النظامين هو أن البلشفية تذهب في برنامجها الهدام إلى حدود بعيدة، فترى إن تحقيق مثلها لا يكون إلا بهدم كل المبادئ والنظم القائمة، واستبدالها بمبادئ ونظم أخرى من تفكيرها وصنعها. ولكن الفاشستية لا تذهب في قصد الهدم إلى هذا الحد، فهي ترى أن تأخذ من النظم القائمة ما
стр. 3880
يلائم غاياتها، ولا ترى باسا من أن تقتبس من الاشتراكية كما تقتبس من الرأسمالية.
وتستطيع الفاشستية أن تدعي اليوم إنها قد أصبحت حركة عالمية بعد أن لبثت إلى ما قبل عامين حركة إيطالية محلية، فمبادؤها ومثلها السياسية والاجتماعية تسيطر اليوم على أمة عظيمة أخرى هي ألمانيا. وطغيان (الوطنية الاشتراكية) الذي يفرضه الهتلريون اليوم على الشعب الألماني يقوم على نفس الوسائل التي شقت بها الفاشستية طريقها إلى السلطان والحكم منذ اثنتي عشرة عاما. بيد أن الفاشستية الألمانية تنقصها الطرافة، ويغلب فيها التقليد على الابتكار، وتنقصها بالأخص الزعامة الممتازة، وتقدمها بهذه السرعة يرجع إلى وسائل العنف والإرهاب اكثر مما يرجع إلى وسائل الإقناع والتأثير. وهي في جوهرها كالفاشستية الإيطالية تقوم على الفكرة القومية، وحشد أبناء الوطن الواحد تحت لواء واحد؛ ولكنها تذهب في فهم الفكرة القومية إلى حد التعصب الجنسي والديني الواضح، وهو حد لم تبلغه الفاشستية الإيطالية قط، فزعماء الوطنية الاشتراكية الألمانية: اعنيهتلر وزملاءه يمزجون الفكرة القومية بفكرة الجنس والسلالة ويفرقون بين الجنس الآري والأجناس الأخرى، ويقولون إن الشعب الألماني هو شعب آري أشقر يتفوق بالدم والمزايا الجنسية والفكرية على جميع شعوب الأرض، ويشهرون العداء على غير الآريين؛ ومن ثم كانت ثورة الخصومة السامية وطاردة اليهود الألمانيين بحجة أنهم غير آريين وان وجودهم خطر جنسي واجتماعي على الشعب الألماني، وهي حركة تعصب شائن لم تضم الفاشستية الإيطالية في أي طور من أطوارهاوكانت ذريعة سياسية في الواقع رأى الهتلريون في اتخاذها تحقيقا لبعض خططهم السياسية والاقتصادية؛ وتذهب الفاشستية الألمانية إلى ابعد من ذلك فتعتبر جميع الأجناس السامية والشرقية أجناسا منحطة هدامة للحضارة يجب أن يسودها الجنس الآري.
وأما من الوجهة الاقتصادية فأن الفاشستية الألمانية غامضة في وسائلها وغاياتها. فهي تزعم إنها اشتراكية على حين إنها ابعد الأشياء عن الاشتراكية. وهي تعتمد في خططها الاقتصادية على التقليد والاقتباس من الفاشستية الإيطالية؛ فقد أصدرت مثلا قانونا (لتنظيم العمل القومي) على مثل لائحة العمل الإيطالية؛ وجمعت نواحي الإنتاج المادي والفكري في دوائر معينة مقتبسة نظام النقابات الإيطالي. ويعرف الدكتور فدر أحد علماء الوطنية
стр. 3881
الاشتراكية الاقتصاديين مهمة الحكومة النازية في الميدان الاقتصادي بما يأتي: (إن الوطنية الاشتراكية تعارض فكرة جعل الاقتصاد القومي قوميا. والواقع انهإذا كان من واجب الدولة أن تدير شؤون البلاد الاقتصادية فيجب أن يكون شعارها عدم التدخل في الإنتاج، ومهمة الحكومة الجوهرية هي (التنظيم) فعلى الدولة أن تدير شؤون البلاد دون أن تشترك فيها. وهذا هو الباعث الذي يوجه الاقتصاد الوطني الاشتراكي).
وقد حققت الفاشستية في إيطاليا دولة قوية ومجتمعا جديدا قويا، وبذلت جهودا خليقة بالإعجاب لتنمية الموارد القومية وتنظيم الإنتاج القومي، وبثت إلى الشعب الإيطالي قوى معنوية جديدة، ورفعت هيبة إيطاليا الخارجية. ولكنا لا نستطيع حتى إزاء هذه النتائج البديعة أن ننسى الوسائل العنيفة التي حققت بها الفاشستية سيادتها وسلطانها، ولا نستطيع أن ننسىأنها مازالت تحقق ظفرها على حساب الحريات الدستورية والشعبية. وإذا كانت الفاشستية قد استطاعت أن تسير حتى اليوم في طريق التقدم والظفر، فلسنا نستطيع مع ذلك أن نؤمن بما يقوله زعماؤها ودعاتها من إنها أصبحت تتبوأ مكانتها المستقرة الراسخة بين الأنظمة السياسية والاجتماعية العريقة، وإنها أصبحت نظام المستقبل، ذلك إنها تقوم على كثير من العنف وتغليب الإرادة الفردية والوسائل المصطنعة، ولا تتفق في كثير من مبادئها وغاياتها مع المبادئ والغايات الإنسانية المثلى، وليست من جهة أخرى تتفق مع النزعات الحرة الراسخة التي يمتاز بها التطور السياسي والاجتماعي في عصرنا؛ ومن المحقق انه يوم تبرأ أوربا القديمة من الجراح التي أصابتها من جراء الحرب الكبرى، ومن الفوضى السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي هزت أسس المجتمع الأوربي القديم، فان صرح الفاشستية سيأخذ عندئذ في الانهيار والتطور، وستعود المثل الحرة والدستورية القديمة إلى تبوئ زعامتها وسيادتها في الدولة والمجتمع.
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 3882
حل العقد بقطعها
بعض مواقف الفصل - فقر العالم إلى العباقرة
الناس مفتقرون في كل حين من الدهر إلى رجال يحلون العقد لا بالنفث فيها كما يصنع أهل السحر والشعبذة، بل بقطعها توفيرا للوقت وكفاية لمؤونة التعب وبرهانا على العبقرية - كما صنع ذو القرنين منذ اثنين وعشرين قرنا. وكما صنع المتنبي منذ عشرة قرون. . وكما صنع لورد كرومر في أواخر القرن الماضي. وكما صنع مصطفى كمال في رواية الأمريكي التائه.
ذلك بان جمهرة الخلق قوالون وبياعو كلام اكثر منهم فعالين سواء في ذلك منهم خاصتهم وعامتهم. فإذا عرضت لهم عقدة مهما يكن موضوعها اشتغلوا بالحرف وعتقه، وعد واعن الروح وجدته. والغالب ان يشكل عليهم فهم الحرف فيروحون يتخبطون فيه وفي تاويله حتى يقوم فيهم من يضرب بالحرف عرض الحائط وينبذ اللفظ ويشرب في قلبه حب الروح ويفقه المعنى فيحل العقدة بأسرع مما عقدت.
ذو القرنين
أما ما صنع إسكندر المقدوني الكبير تلميذ أرسطو طاليس الفيلسوف العظيم في أوائل القرن الثالث قبل المسيح فهو انه زار أحد هياكل آلهة اليونان فرأى عقدة معقودة ومحبوكة، فسأل عنها فقال له الكهنة والمتنبئون والسحرة والنفاثات في العقد: إن من يحل هذه العقدة يفتح آسيا، فجرب فلم يفلح، ولكن أومض في صدره قبس العبقرية التي استمدها من معلمه فلم يلبث أن استل سيفه وحل العقدة بقطعها وترك الذين حوله مصعوقين، وفتح أمامه السبيل إلى فتح آسيا.
المتنبي
وأما المتنبي فحكاية ما صنع مبنية على بيت قاله من قصيدة هي من عيون قصائده. فقد اكثر في زمانه من التبرم بالناظمين الذين سماهم متشاعرين وقال انهم غروا بذمة، ويحذرهم على ذلك الذم لانه داء عضال لهم (ومن ذا يحمل الداء العضالا). وانهم كثيروا الادعاء، إذا برزوا له في نزال عجزوا عن ان يأتوا بشيء، وجاء هو بكل شيء، ولذلك
стр. 3883
قال (فكم منهم الدعوى ومني القصائد)
ولما اشتدت منافسهم له وابو فراس في جانبهم جمعهم ذات يوم مجلس سيف الدولة، فقالوا فيه ما قال مالك في الخمر وهو ينشد البيت في اثر البيت، وهم يقولون سرقت هذا من هذا القائل، وذاك من ذاك القائل، حتى مل سيف الدولة وضجر وحتى قيل انه رماه بدواة فأدماه، فارتفعت من سويدائه شرارة العبقرية التي ما خانت العبقري مرة، فمد يده إلى حيث استعار سيف الاسكندر، وفك به رؤوس هاته الزعانف ببيته المشهور الباقي على الزمان بقاء قصائده.
ان كان سركم ما قال حاسدنا … فما لجرح إذا أرضاكم ألم
ويكفي ثوابا له ان يقوم سيف الدولة عن سريره ويقبله في جبينه، إذ كان هذا البيت أمضى من سيف الاسكندر، وكان في حده الحد بين لعب خصومه وجده، والفارق بين باطلهم وصحيحه، وأغنى عن التمادي في خصومتهم ومماحكاتهم، ورد عداوتهم في نحورهم (وعداوة الشعراء بئس المقتنى) كما قال في أحد أبياته،
وقد اشار إلى هذه الحادثة ببيته الآخر الذي جرى مجرى المثل ككثير من شعره وهو:
أنام ملء جفوني عن شواردها … ويسهر الخلق جراها ويختصم
قال إن شوارد الشعر وقوافيه لا تقلق لي بالا ولا تؤرق لي نوما وإنما يقلقني الحزن على حبيب راحل وتؤرقني الصبابة، فأنشد القصيدة ناعما خلي البال وأنام ملء جفوني على حين ان هؤلاء الأدعياء يسهرون لياليهم مختصمين ولا يفتح عليهم بشيء.
لورد كرومر
قد تعرض في القانون حالات تحسب فيها المحافظة على القانون سخافة وكسره حكمة وعقلا. وقد يقف الجندي في الميدان مواقف يحيد بها عن أوامر رئيسه ويعصاها فيدفع بذلك كارثة كبيرة وبمقتضى الأحكام العسكرية يجب أن يقتل، ولكنه لا يقتل لأنه عاذ بعقله في موقف، طاعة الأمر العسكري فيه خطأ، وعصيانه صواب. والذين عرفوا تاريخ نلسن الشهير عرفوا انه خالف أوامر رؤسائه غير مرة، وان ذلك حال دون ترقيته الترقية العسكرية المعتادة، ولكنه لم يحل دون صعوده إلى أعلى مراقي الشهرة البحرية العالمية على يد عبقريته.
стр. 3884
كان في القاهرة في أواخر القرن الماضي مطبعة اسمها المطبعة العثمانية فنقل إلى مختار باشا الغازي القوميسير العثماني العالي حينئذ، أن فيها قائمة بأسماء أعضاء حزب تركيا الفتاة في جميع أنحاء السلطنة العثمانية، وكان السلطان عبد الحميد يخشى باس تلك الجمعية وأعضائها الأحرار، ولو عرفهم بأسمائهم لأهلكهم في جملة من اهلك منهم، ولشرد أهلهم وأسرهم كل مشرد، فراى مختار باشا ان الفرصة سانحة للزلفي من مولاه (وتحسين مركزه) فاستعان بالخديو، ورأى الخديو ان الفرصة فريدة (لتبيض وجهه)، في الأستانة فأمر ففوجئت المطبعة واقفل صندوقها الحديدي وختم بالشمع الأحمر انتظار الحكم المحكمة.
والهم الله من اطلع لورد كرومر على المسالة وأخبره بعاقبة وقوع تلك القائمة في يد الأستانة، فأرسل مندوبا من قبله ومعه سيف الاسكندر ففض ختم الصندوق الحديدي وفتحه واخذ جميع ما كان فيه من الأوراق. وبذلك انتهت المسألة وقطعت العقدة. ولو تركت للمفاوضات الدبلوماسية ما انتهت بأنجح من المفاوضات الدبلوماسية في مسألة نزع السلاح الآن!
ولم يسمع بعدها حس ولا ركز في موضوعها، ولا همس هامسكبيرا كان أو صغيرا، سوى احتجاج الصحف على انتهاك حرمة القانون وتدنيس قدس القضاء.
مصطفى كمال
رواية الأمريكي التائه معروفة؛ فر من العدالة الأمريكية إلى فرنسا ومن فرنسا إلى اليونان، لأنه رأى فرنسا خطر عليه واليونان بردا وسلاما على قلبه. فانزل في هذه على الرحب والسعة. فطلبته أمريكا فحكمت محكمة أثينا العليا بان تسليمه لا يجوز في نظر القانون الدولي، إذ ليس بين أمريكا واليونان معاهدة لتسليم المجرمين
فردت أمريكا بأن في أرضها نصف مليون يوناني ففهمت اليونان هذا الوعيد ورأت أن تنذر الأمريكي التائه ففر، ومازال تائها بباخرته حتى مر بالأستانة ووقفت باخرته في مياها. فطلبت أمريكا من تركيا أن تسلمه إليها وبلغ الطلب مصطفى كمال طبعا وقيل له القانون الدولي ثم القانون الدولي.
فسكت هنيئة ريثما راجع في مخيلته حكاية الاسكندر، وحكاية كرومر، وتصور رجال
стр. 3885
القانون يسهرون ويختصمون على حرف القانون وتفسير القانون، فضحك من منظرهم هذه وقال مع المتنبي
أنام ملء جفوني عن شواردها … ويسهر الخلق جراها ويختصم
ثم جيء إليه بخاتم المارد فسمع هاتفا يقول (لبيك! عبدك بين يديك) فقال مصطفى كمال أتني بسيف الاسكندر. فإذ السيف أمامه، فتناوله وضرب به عقدة القانون الدولي فقطعها. ولو تركها ما حلتها محكمة لاهاي ولاهاواي ولا شنغاي!
ثم أمر فسلم الأمريكي التائه إلى دولته وترك أهل القانون يتشاتمون ويتضاربون ثم ينصرفون.
العالم أحوج ما يكون إلى رجال أمثال هؤلاء يحلون عقد العالم بأعمال توحيها العبقرية، وهو اعظم ما يكون غني عن الذين يقولون مالا يفعلون ويقشرون النعنع والكمون، ويهملون اثقل الناموس الحق والرحمة والأيمان، وينبذون روح القانون ويتعلقوا بحرفه ونصه.
(ن. ش)
стр. 3886
مختار دائما. . .!
للأستاذ محمود خيرت
ولماذا لا نذكره دائما، وهو الذي بعث الفن القديم من مرقده ورفع عنه غبار الماضي الطويل، ونشره بيننا في زي جديد تحده عليه آثار العصر الحاضر؟ أن هذا الشاب الراحل كان النواة الأولى لفنه. وما أنا بمبالغ إذا قلت إن فن النحت والتصوير كان معدوما من قبله هو وإخوانه (محمد حسن، ويوسف كامل، وعلي الأهواني، وراغب عياد، وعلي حسن، وغيرهم من زينة مصر الآن).
انهم جميعا كانوا من عمد النهضة الحديثة التي انشأ معبدها المرحوم باولوا فورشللا أستاذهم وأستاذي أيضاً. . . وقد كنت أذهب إلى مصنعه وأنا محام فعرفتهم وعرفوني، وكنا جميعا تلاميذه وان كانوا بالمدرسة وأنا في أوقات فراغي بهذا المصنع نجتمع عنده ونذهب منه إلى حيث المرج أو عزبة النخل أو شاطئ النيل أو بعض أحياء القاهرة القديمة نصور وأستاذنا يطوف بنا كالقائد يدلنا على مواضع أخطائنا. وكالأب يتلطف معنا ويغرس حب الفن في نفوسنا. نبغوا وكان على رأسهم تلك الشعلة المتقدة الراحلة. لا زلت أذكره وهو بمدرسة الفنون الجميلة بدرب الجماميز فتى وسيما غزير الدم، مرسل الشعر، حلو الحديث، جم الحياء، عاشقاً. . . ولكن فنه يتلذذ بذكره في كل لحظاته. . . ولازلت اذكر يوم زارني عند الغروب يطلب إلي في لهفة بعض صور لتماثيل غربية عن الحب، فعرضت عليه ما عندي منها. فلما كان اليوم التالي دق التليفون عند الساعة الخامسة صباحا. . . وكان المتكلم هو يذكر أنه لم ينم تلك الليلة كلها، وقد غمره شغفه بوضع تمثال للحب على النحو الذي فكر هو فيه. بل أنه كان يكلمني من المدرسة. . . لأنه لم يستطع صبرا فما كادت الشمس تشرق عن الأفق حتى قصد إليها ووضع فكرته فعلا. وطلب إلي ألا أتأخر عنه لأرى ما وضعه. وكان تمثاله الطيني يمثل فتاة عارية متناسبة الأعضاء جميلة الوجه لها نظرات زائغة، كأنها ترى في الفضاء شبح الحب مقبلا عليها وكأنها تخافه فتدفعه بساعديها الممتدين، وقد ستر موضع عفتها بحمامتين تتناغيان على ما في الصورة المرصودة هنا وقد عنيت بالتقاطها وقتئذ.
كان مختار لا يعرف للنوم معنى ولا لملاذ الحياة طعما، إلا ما كان منها متصلا بفنه الذي
стр. 3887
يعشقه عشقا ويهيم به هياما، وهي مواهب من تهيئهم الأقدار للنبوغ حتى أنني لما أرسلت بنسخة من تلك الصورة إلى الميسو لابلاني ناظره وأستاذه، وكان وقتئذ بفرنسا بسبب العطلة المدرسية - أرسل يطلب إلي أن افتح عيني مختار إلى الشهرة التي تنتظره وأنه سيكون في يوم قريب فخر مصر، بل فخر العالم كله (هكذا). وعند ذلك أقبلت عليه أزف إليه هذه البشرى، وسلمته ذلك الخطاب الذي يعد أول وثيقة تنبأ فيها أستاذه النافذ البصيرة بما سيكون له من الشأن.
وهكذا اصبح مختار حديث المجالس الفنية في فرنسا حتى اختارته (وهو مصري) مديراً لمتحف جريفين الشهير، وحتى ابتاعت بعض آثاره تزين به متاحفها، وحتى صور لنا آلام مصر وآمالها ونهضتها في تمثاله الخالد.
لم يكن مختار من أولئك القاعدين المقلدين فيسير على أسلوب فالكونيه وكافوفا وكلوريون، أو جيروم وكاريو وبارتولوميه ورودين، فتخرج آثاره موسومة بطوابعهم وتفني روحه الفنية في أرواحهم، وإنما كان نفسا يعز عليها ألا يكون لها شخصية مستقلة متقدة بالأمل، ظمأى إلى النهوض، وثابة إلى أبعد مراتب المجد حتى انه قبل قيامه إلى فرنسا لاستكمال علمه أشار إلى ذلك في شعر قاله ثم بعث به إلى، اثبت منه هذه الأبيات لأن أكثره غير موزون ولا مصقول وان دل على سمو هذه الروح.
وقائله ما بال شعرك مسدلا … فقلت لها إن الفنون جنون
اعلل نفسي بالمعالي تخيلا … فياليت آمال الخيال تكون
سأرفع يوما للفنون لواءها … ويبقى لذكرها بمصر رنين
من ذا الذي يصهر نفسه مثل هذا الهيام الفني ويغمرها مثل هذا الأمل الحبيس في خدر الطفولة والاغتراف من العلم ولا يكون له من هالات الظفر والمجد والشخصية نصيب؟
وإذا كان وهو لا يزال بمصر طالبا لم يرض لتمثاله (الحب) إلا أن يطبعه بصورة خاصة من وحي نفسه وعصاره خياله الذي كان وليد سهره تلك الليلة الطويلة التي مر بنا ذكرها، فكيف لا نلمس هذه الشخصية الناضجة في تمثاله الذي رمز به للنهضة.
ولقد تعاقبت القرون وأبو الهول (ذلك التمثال الصخري القديم) غائر في رمال الصحراء، محدق بنظره في الفضاء، صامت صمت الحجر الصلد الذي نحت منه، حتى هيأت الأقدار
стр. 3888
لمصر ولدا من أولادها البررة الشجعان يخرجه من صمته ويحركه من سكونه. فمثل لنا مختار إلى جانبه مصرية نبيلةشامخة بنفها تنظر إلى المستقبل في عزم وإيمان كما أنهضه من رمل الأحقاب الخالية كأنه يتطلع مطمئنا إلى هذا المستقبل.
وبعد، فعد معي أيها القارئ الكريم إلى ما ذكرت من ذلك الشعر وهو قوله:
وقائلة ما بال شعرك مسدلا … فقلت لها إن الفنون جنون
اعلل نفسي بالمعالي تخيلا … فياليت آمال الخيال تكون
سأرفع يوما للفنون لواءها … ويبقى لذكراها بمصر رنين
ألا ترى انه خط هذا الشعر السهل بمداد من سائل شعوره الفياض بحب الفن وحب مصر والوعد برفع لوائها خفاقا بين الويه النهضة الحديثة. وفي مكان آخر من هذه القصيدة إشارة إلى ما كان يعانيه من عشيرته في سبيل هذا الحب وهو صابر ثابت سائر في طريقه الذي رسمته له آماله، حتى حققها بعد ان كانت خيالا، وحتى بر بوعده فكان صادقا، وحتى خلدته آثاره بعد موته كما اشتهى. . .
إن مختار كان وحده كوكبا مضيئا سيارا، ولكن شاء الحظ الساخر ألا يتم إلا دورة واحدة من مداره. فهل يكتب لمصر إن يخلفه كوكب آخر يعيد سيرة هذا المدار؟
محمود خيرت بقلم قضايا المالية
стр. 3889
استيلاء المغول على بغداد
لنصير الدين الطوسي
صفحة تاريخية لم تنشر
ذكر الؤرخون على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم (حادثة سقوط بغداد) على يد المغول وافردوا لها المجلدات الضخام، ولكن الأمر الذي يستحق الاعتبار اكثر من كل شيء هو ان نقرا تفاصيل هذه الحادثة بقلم البحاثة (الخواجه نصير الدين الطوسي) الذي رافق الحملة التترية إلى بغداد وحضر الواقعة بنفسه وكتب ما رآه وما سمعه بدون تحزب كما سيتضح لك من هذه الوجيزة التي أخرجها حديثا من بين رسائل العلامة الطوسي الخطية (رسول النخشبي) أحد كتاب إيران، رأينا ان نرسل بترجمتها للرسالة لأهميتها أولا ولمناسبة ما أورده الأديب فرحان شبيلات في عددي الرسالة ٣٣ - ٣٤ - ثانيا (لما عزم السلطان (هولاكو خان) على أن يلج بلاد الملاحدة (الباطنة) سير من قبله مندوبا إلى الخليفة ليطلب منه النجدة حتى يستأصل بذلك شأفتهم ويمحو سطوتهم فبلغ الرسول الخليفة فحوى الرسالة بقوله يقول السلطان. . (إننا بعاداتنا البدوية وأسسنا القومية نستنجد بموالينا على أعدائنا، وبالنظر إلى الحب والولاء القائم بيني وبينك أرجو معونتنا بخيلك وإمدادنا برجلك، حتى ندرأ شر هذه الفئة الباغية التي أريقت بكيدها الدماء وأزهقت بغدرها أرواح الأبرياء) فاختلي الخليفة بحاشيته وائتمر مع أصحابه، فأجابه الجمع من الجنود والأمراء، بأن (هلاكو) يريد بهذه الحيلة إخلاءبغداد من العدد والعدة لتصبح في وجهه مفتحة الأبواب، خالية من الخيل والركاب، فيستولي آنئذ على المدينة بلا توجس خوف وارتياب، ونمسي على ما فعلنا نادمين. فانصاع الخليفة لرأي الجلساء وتواني في إمداد السلطان ورجع الرسول إلى سيده بخفي حنين.
ولما أن فرغ السلطان من فتح بلاد الملاحدة عائب الخليفة عتابا مرا وانذره إنذارا أليماً، فارتأى الخليفة أن يستشير وزيره - العلقمي - فأشار عليه هذا أن يحمل ما في دار الخلافة من فاخر الأثاث وزخرف الرياش على البغال المسرجة والخيل الملجمة ويقدمها هدية للسلطان، وينجو بهذه الواسطة مما يوشك أن يحدث في ملكه من التدمير والهوان، فقبل الخليفة ما شار الوزير إليه وأمر بتسجيل ما يلزم انتقاءه من الأشياء، وعين لإيصالها نفرا
стр. 3890
من أركان دولته لعرض المعذرة عند تقديم الهدية، فاجتمع أحد الأمراء المدعو (الدوات دار الصغير) مع عدة من صحبه وقال لهم إن هذه مكيدة أراد بها الوزير قتل أعواننا ونهب أموالنا، فإذا جيء بالأموال إلى ظاهر البلد ننقض عليها برمتها ونستنقذهالتكون ذخرا ليوم شدتنا، فنمى الخبر إلى الخليفة واضطر إلى إبدال الكثير بالقليل، والوافر اليزر، فاغتاظ السلطان وأرسل إليه أن يحضر بنفسه أو أن يبعث إليه أحد الذوات الثلاثة: الوزير أو الكاتب أو سليمان شاه، فتواني الخليفة في إنجاز ما أراد السلطان أيضا، فاشتد من اجله غضب السلطان وعقد النية على فتح بغداد، فأرسلالخليفة الأزبكي مرة وابن الجوزي بن محي الدين مرة فارتدا خائبين. لأن السيل قد بلغ الزبى، وحان الوقت الذي لا ينفع فيه الندم.
ففي شهر شوال سنة ٦٥٥ هـ نهض السلطان - هلاكو - من همدان موليا وجه شطر قاعدة الخلافة العباسية. على أن الأمير (صوغنجاق) والسردار (تايجنوئين) كانا قد ذهبا مع مقدمة الجيش الأيمن على الميمنة مما يلي أربيل عن طريق جبال (شهر زور) كما أن القائد (دقوق) وزميله (كبد يوقائين) و (انكتانوئين) كانوا على الجناح الأيسر من الميسرة التي زحفت إلى (تكريت) و (بيات) وكان فيلق القلب من الجند السلطاني تحت أمرته الشخصية يسير من كرمنشاه وحلوان إلى بغداد. هذا وقد سار (الدوات دار) من بغداد بجيش الخليفة وأتى إلى بعقوبة فخيم بجوارها. أما السلطان فكان قد أوعز إلى أحد قواده المدعو (تايجورا) أن يعبر دجلة ويدخل بغداد من جانبها الغربي - وقد تخلى هو عن رحله وسرادقه عند ما وصل حلوان وخرج منها بسرية من جيشه، وأول حادث حدث هو أن طلائع الجيش الملكي أسرت طليعة من جند الخلافة، ولما مثلوا بين يدي السلطان اقسموا الإيمان المغلطة على أن يخلصوا الخدمة من يومهم للملك ويؤدوا له ما يجب عليهم من الصدق والامانة، وكان في جملتهم أمير من بقايا الملوك الخوارزشاهية فأرسل هذا كتابا من قبله إلى العسكر العباسي مخاطبا به (قرانسقور) أحد أمراء جيش الخلافة بالعبارة التالية: -
(إنني وإياكم من جنسية واحدة، وأديت الطاعة واتصلت بالخدمة فصرت من المكرمين، فإذا ارتم أن تبرئوا أنفسكم وتشفقوا على أرواحكم فاعتصموا بحبل الطاعة وتمسكوا بذيل العبودية لأني لكم من الناصحين.)
следующие страницы →