Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.
стр. 3886
مختار دائما. . .!
للأستاذ محمود خيرت
ولماذا لا نذكره دائما، وهو الذي بعث الفن القديم من مرقده ورفع عنه غبار الماضي الطويل، ونشره بيننا في زي جديد تحده عليه آثار العصر الحاضر؟ أن هذا الشاب الراحل كان النواة الأولى لفنه. وما أنا بمبالغ إذا قلت إن فن النحت والتصوير كان معدوما من قبله هو وإخوانه (محمد حسن، ويوسف كامل، وعلي الأهواني، وراغب عياد، وعلي حسن، وغيرهم من زينة مصر الآن).
انهم جميعا كانوا من عمد النهضة الحديثة التي انشأ معبدها المرحوم باولوا فورشللا أستاذهم وأستاذي أيضاً. . . وقد كنت أذهب إلى مصنعه وأنا محام فعرفتهم وعرفوني، وكنا جميعا تلاميذه وان كانوا بالمدرسة وأنا في أوقات فراغي بهذا المصنع نجتمع عنده ونذهب منه إلى حيث المرج أو عزبة النخل أو شاطئ النيل أو بعض أحياء القاهرة القديمة نصور وأستاذنا يطوف بنا كالقائد يدلنا على مواضع أخطائنا. وكالأب يتلطف معنا ويغرس حب الفن في نفوسنا. نبغوا وكان على رأسهم تلك الشعلة المتقدة الراحلة. لا زلت أذكره وهو بمدرسة الفنون الجميلة بدرب الجماميز فتى وسيما غزير الدم، مرسل الشعر، حلو الحديث، جم الحياء، عاشقاً. . . ولكن فنه يتلذذ بذكره في كل لحظاته. . . ولازلت اذكر يوم زارني عند الغروب يطلب إلي في لهفة بعض صور لتماثيل غربية عن الحب، فعرضت عليه ما عندي منها. فلما كان اليوم التالي دق التليفون عند الساعة الخامسة صباحا. . . وكان المتكلم هو يذكر أنه لم ينم تلك الليلة كلها، وقد غمره شغفه بوضع تمثال للحب على النحو الذي فكر هو فيه. بل أنه كان يكلمني من المدرسة. . . لأنه لم يستطع صبرا فما كادت الشمس تشرق عن الأفق حتى قصد إليها ووضع فكرته فعلا. وطلب إلي ألا أتأخر عنه لأرى ما وضعه. وكان تمثاله الطيني يمثل فتاة عارية متناسبة الأعضاء جميلة الوجه لها نظرات زائغة، كأنها ترى في الفضاء شبح الحب مقبلا عليها وكأنها تخافه فتدفعه بساعديها الممتدين، وقد ستر موضع عفتها بحمامتين تتناغيان على ما في الصورة المرصودة هنا وقد عنيت بالتقاطها وقتئذ.
كان مختار لا يعرف للنوم معنى ولا لملاذ الحياة طعما، إلا ما كان منها متصلا بفنه الذي
стр. 3887
يعشقه عشقا ويهيم به هياما، وهي مواهب من تهيئهم الأقدار للنبوغ حتى أنني لما أرسلت بنسخة من تلك الصورة إلى الميسو لابلاني ناظره وأستاذه، وكان وقتئذ بفرنسا بسبب العطلة المدرسية - أرسل يطلب إلي أن افتح عيني مختار إلى الشهرة التي تنتظره وأنه سيكون في يوم قريب فخر مصر، بل فخر العالم كله (هكذا). وعند ذلك أقبلت عليه أزف إليه هذه البشرى، وسلمته ذلك الخطاب الذي يعد أول وثيقة تنبأ فيها أستاذه النافذ البصيرة بما سيكون له من الشأن.
وهكذا اصبح مختار حديث المجالس الفنية في فرنسا حتى اختارته (وهو مصري) مديراً لمتحف جريفين الشهير، وحتى ابتاعت بعض آثاره تزين به متاحفها، وحتى صور لنا آلام مصر وآمالها ونهضتها في تمثاله الخالد.
لم يكن مختار من أولئك القاعدين المقلدين فيسير على أسلوب فالكونيه وكافوفا وكلوريون، أو جيروم وكاريو وبارتولوميه ورودين، فتخرج آثاره موسومة بطوابعهم وتفني روحه الفنية في أرواحهم، وإنما كان نفسا يعز عليها ألا يكون لها شخصية مستقلة متقدة بالأمل، ظمأى إلى النهوض، وثابة إلى أبعد مراتب المجد حتى انه قبل قيامه إلى فرنسا لاستكمال علمه أشار إلى ذلك في شعر قاله ثم بعث به إلى، اثبت منه هذه الأبيات لأن أكثره غير موزون ولا مصقول وان دل على سمو هذه الروح.
وقائله ما بال شعرك مسدلا … فقلت لها إن الفنون جنون
اعلل نفسي بالمعالي تخيلا … فياليت آمال الخيال تكون
سأرفع يوما للفنون لواءها … ويبقى لذكرها بمصر رنين
من ذا الذي يصهر نفسه مثل هذا الهيام الفني ويغمرها مثل هذا الأمل الحبيس في خدر الطفولة والاغتراف من العلم ولا يكون له من هالات الظفر والمجد والشخصية نصيب؟
وإذا كان وهو لا يزال بمصر طالبا لم يرض لتمثاله (الحب) إلا أن يطبعه بصورة خاصة من وحي نفسه وعصاره خياله الذي كان وليد سهره تلك الليلة الطويلة التي مر بنا ذكرها، فكيف لا نلمس هذه الشخصية الناضجة في تمثاله الذي رمز به للنهضة.
ولقد تعاقبت القرون وأبو الهول (ذلك التمثال الصخري القديم) غائر في رمال الصحراء، محدق بنظره في الفضاء، صامت صمت الحجر الصلد الذي نحت منه، حتى هيأت الأقدار
стр. 3888
لمصر ولدا من أولادها البررة الشجعان يخرجه من صمته ويحركه من سكونه. فمثل لنا مختار إلى جانبه مصرية نبيلةشامخة بنفها تنظر إلى المستقبل في عزم وإيمان كما أنهضه من رمل الأحقاب الخالية كأنه يتطلع مطمئنا إلى هذا المستقبل.
وبعد، فعد معي أيها القارئ الكريم إلى ما ذكرت من ذلك الشعر وهو قوله:
وقائلة ما بال شعرك مسدلا … فقلت لها إن الفنون جنون
اعلل نفسي بالمعالي تخيلا … فياليت آمال الخيال تكون
سأرفع يوما للفنون لواءها … ويبقى لذكراها بمصر رنين
ألا ترى انه خط هذا الشعر السهل بمداد من سائل شعوره الفياض بحب الفن وحب مصر والوعد برفع لوائها خفاقا بين الويه النهضة الحديثة. وفي مكان آخر من هذه القصيدة إشارة إلى ما كان يعانيه من عشيرته في سبيل هذا الحب وهو صابر ثابت سائر في طريقه الذي رسمته له آماله، حتى حققها بعد ان كانت خيالا، وحتى بر بوعده فكان صادقا، وحتى خلدته آثاره بعد موته كما اشتهى. . .
إن مختار كان وحده كوكبا مضيئا سيارا، ولكن شاء الحظ الساخر ألا يتم إلا دورة واحدة من مداره. فهل يكتب لمصر إن يخلفه كوكب آخر يعيد سيرة هذا المدار؟
محمود خيرت بقلم قضايا المالية
стр. 3889
استيلاء المغول على بغداد
لنصير الدين الطوسي
صفحة تاريخية لم تنشر
ذكر الؤرخون على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم (حادثة سقوط بغداد) على يد المغول وافردوا لها المجلدات الضخام، ولكن الأمر الذي يستحق الاعتبار اكثر من كل شيء هو ان نقرا تفاصيل هذه الحادثة بقلم البحاثة (الخواجه نصير الدين الطوسي) الذي رافق الحملة التترية إلى بغداد وحضر الواقعة بنفسه وكتب ما رآه وما سمعه بدون تحزب كما سيتضح لك من هذه الوجيزة التي أخرجها حديثا من بين رسائل العلامة الطوسي الخطية (رسول النخشبي) أحد كتاب إيران، رأينا ان نرسل بترجمتها للرسالة لأهميتها أولا ولمناسبة ما أورده الأديب فرحان شبيلات في عددي الرسالة ٣٣ - ٣٤ - ثانيا (لما عزم السلطان (هولاكو خان) على أن يلج بلاد الملاحدة (الباطنة) سير من قبله مندوبا إلى الخليفة ليطلب منه النجدة حتى يستأصل بذلك شأفتهم ويمحو سطوتهم فبلغ الرسول الخليفة فحوى الرسالة بقوله يقول السلطان. . (إننا بعاداتنا البدوية وأسسنا القومية نستنجد بموالينا على أعدائنا، وبالنظر إلى الحب والولاء القائم بيني وبينك أرجو معونتنا بخيلك وإمدادنا برجلك، حتى ندرأ شر هذه الفئة الباغية التي أريقت بكيدها الدماء وأزهقت بغدرها أرواح الأبرياء) فاختلي الخليفة بحاشيته وائتمر مع أصحابه، فأجابه الجمع من الجنود والأمراء، بأن (هلاكو) يريد بهذه الحيلة إخلاءبغداد من العدد والعدة لتصبح في وجهه مفتحة الأبواب، خالية من الخيل والركاب، فيستولي آنئذ على المدينة بلا توجس خوف وارتياب، ونمسي على ما فعلنا نادمين. فانصاع الخليفة لرأي الجلساء وتواني في إمداد السلطان ورجع الرسول إلى سيده بخفي حنين.
ولما أن فرغ السلطان من فتح بلاد الملاحدة عائب الخليفة عتابا مرا وانذره إنذارا أليماً، فارتأى الخليفة أن يستشير وزيره - العلقمي - فأشار عليه هذا أن يحمل ما في دار الخلافة من فاخر الأثاث وزخرف الرياش على البغال المسرجة والخيل الملجمة ويقدمها هدية للسلطان، وينجو بهذه الواسطة مما يوشك أن يحدث في ملكه من التدمير والهوان، فقبل الخليفة ما شار الوزير إليه وأمر بتسجيل ما يلزم انتقاءه من الأشياء، وعين لإيصالها نفرا
стр. 3890
من أركان دولته لعرض المعذرة عند تقديم الهدية، فاجتمع أحد الأمراء المدعو (الدوات دار الصغير) مع عدة من صحبه وقال لهم إن هذه مكيدة أراد بها الوزير قتل أعواننا ونهب أموالنا، فإذا جيء بالأموال إلى ظاهر البلد ننقض عليها برمتها ونستنقذهالتكون ذخرا ليوم شدتنا، فنمى الخبر إلى الخليفة واضطر إلى إبدال الكثير بالقليل، والوافر اليزر، فاغتاظ السلطان وأرسل إليه أن يحضر بنفسه أو أن يبعث إليه أحد الذوات الثلاثة: الوزير أو الكاتب أو سليمان شاه، فتواني الخليفة في إنجاز ما أراد السلطان أيضا، فاشتد من اجله غضب السلطان وعقد النية على فتح بغداد، فأرسلالخليفة الأزبكي مرة وابن الجوزي بن محي الدين مرة فارتدا خائبين. لأن السيل قد بلغ الزبى، وحان الوقت الذي لا ينفع فيه الندم.
ففي شهر شوال سنة ٦٥٥ هـ نهض السلطان - هلاكو - من همدان موليا وجه شطر قاعدة الخلافة العباسية. على أن الأمير (صوغنجاق) والسردار (تايجنوئين) كانا قد ذهبا مع مقدمة الجيش الأيمن على الميمنة مما يلي أربيل عن طريق جبال (شهر زور) كما أن القائد (دقوق) وزميله (كبد يوقائين) و (انكتانوئين) كانوا على الجناح الأيسر من الميسرة التي زحفت إلى (تكريت) و (بيات) وكان فيلق القلب من الجند السلطاني تحت أمرته الشخصية يسير من كرمنشاه وحلوان إلى بغداد. هذا وقد سار (الدوات دار) من بغداد بجيش الخليفة وأتى إلى بعقوبة فخيم بجوارها. أما السلطان فكان قد أوعز إلى أحد قواده المدعو (تايجورا) أن يعبر دجلة ويدخل بغداد من جانبها الغربي - وقد تخلى هو عن رحله وسرادقه عند ما وصل حلوان وخرج منها بسرية من جيشه، وأول حادث حدث هو أن طلائع الجيش الملكي أسرت طليعة من جند الخلافة، ولما مثلوا بين يدي السلطان اقسموا الإيمان المغلطة على أن يخلصوا الخدمة من يومهم للملك ويؤدوا له ما يجب عليهم من الصدق والامانة، وكان في جملتهم أمير من بقايا الملوك الخوارزشاهية فأرسل هذا كتابا من قبله إلى العسكر العباسي مخاطبا به (قرانسقور) أحد أمراء جيش الخلافة بالعبارة التالية: -
(إنني وإياكم من جنسية واحدة، وأديت الطاعة واتصلت بالخدمة فصرت من المكرمين، فإذا ارتم أن تبرئوا أنفسكم وتشفقوا على أرواحكم فاعتصموا بحبل الطاعة وتمسكوا بذيل العبودية لأني لكم من الناصحين.)
стр. 3891
وبعدما قرأ (قرانسنقور) الكتاب أجاب الأمير المذكور بما يلي: - (متى صارت لهلاكو تلك المكانة التي يتمكن بواسطتها بلوغ هذه الغايات، ولعمري ان هذه الدولة (العباسية) قد شاهدت كثيرا من أمثاله وأقرانه، هذا وان مجيئه بهذه الصورة إلى بلاد الخليفة وتدميرها بهذه الصفة لدليل على انه يريد في الأرض علوا وفسادا، وان أراد غفران ذنوبه وقبول أعذاره فليرجع إلى همدان حتى أتشفع له بواسطة (الدوات دار) لدى الخليفة ليعفو عما سلف منه)
وبعد ما وقف السلطان على فحوى الرسالة ضحك ضحكة المتهكم وقال (نعم الأمر بيد الله وانه فعال لما يشاء) وبعد ما عبر القائدان دجلة ظن البغداديون إن هذه الجيوش والعساكر ما قطعت النهر إلا تحت قيادة هولاكوخان الخاصة ونمى الخبر إلى (الدوات دار) فقفل راجعا من بعقوبة إلى بغداد، وعبر دجلة فالتقى (بصو غنجاق) الذي كان في مقدمة الجيش المغولي، ووقعت بينهما معركة انكسرت فيهما عساكر (صوغنجاق).
وإلتجأ الأخير إلى الفرار، ولكن الذي حصل لعسكر (الدوات دار) عند اشتباكه بالحرب مع (تايجونوئين) القائد الثاني دعا لضياع النتيجة، ضاقت عليه الأحوال فآب (الدوات دار) راجعا بجمعه المتفرق إلى بغداد.
أما السلطان فامتطى جواده وعبر (ديالى) مع جمع من عسكره إلى أن بلغ ظاهرة بغداد في منتصف شهر محرم سنة ستمائة وست وخمسين، وأرسل (بوقاتيمور) مع جيش ليحط من جانبها الغربي، وأمر أن يقيم الجند حائطا يحتضن المدينة من كل الجهات ثم نصبت عليه المجانيق وهيئت المؤن والمعدات اللازمة للحرب والقتال.
ولما أحس الخليفة بذلك اجتمع بأصحابه ليتشاورا في الخطب، فقال بعضهم إذا أردنا أن نقدم لهم الهدايا الفاخرة ونفتدي المدينة بالدرهم والدينار فعسى أن يحملوا هذا دليلا على الخوف والهوان، والأصلح إيفاد الوزير (صاحب الديوان) مع (ابن الدربوس) بقليل من التحف والرياش فاستحسن الجميع قوله فلما احضر صاحب الديوان وزميلاه إلى السلطان قال: لماذا لم يحضر عندنا (سليمان نشاه) و (الدوات دار)؟ فاجيب بان السلطان كان قد كتب للخليفة أن يبعث واحد من هؤلاء الثلاثة فأرسل الخليفة الوزير الذي هو أكبرهم، فقال السلطان نعم. ولكن أردت ذلك في همدان، وهاأنذا في بغداد، هذا وبعد أحد ورد ظهرت
стр. 3892
بوادر القتال ظهورا تدريجيا، وابتدأت العساكر المغولية الحرب في ٢٢ محرم وحمل السلطان بنفسه على بغداد من جانبها الشرقي تجاه برج العجم، وحاربت عساكر (كبة بوق) بالسهم والنشاب، وكان القائدان (بلغاي) و (سناي) يتقاتلان في الجانب الأيمن لمدينة. وأما (بوقاتيمور) فانه انهال بجيشه على بغداد من الجانب الغربي في ارض كانت تعرف حينذاك بـ (روضة النقل)، أما (تايجونوئين) و (صوغنجاق) فقد احتوشا المدينة وزحفا عليها مما يلي المارستان العضدي، ودام القتال الشديد لمدة ستة أيام بلياليها، وأمر السلطان أن ترسل ست رسائل بواسطة النشاب لجماعة السادة والعلماء والأركان والمشايخ وغيرهم ليفهموهم بأن الجيوش المغولية لا تتحرش بهم أن القوا السلاحهم وكانوا في حياد. وما بزغت شمس يوم الثامن والعشرين من شهر المحرم إلا وتمكن العسكر المغولي من الاستيلاء على برج العجم، وقبل صلاة ظهر ذلك اليوم تم النصر للمغول باندحار البغداديين اندحاراً عظيماً ووقوع المدينة في قبضة التتر، وكان قد أرسل السلطان وحدات من جيشه للحراسة على دجلة من أعلاها إلى أدناه وللقبض على الذين يريدون الفرار واتفق أن صادفوا ثلاث سفن تحمل أثاث (الدوات دار) وشيئا كثيرا من أمواله وسلاحه وغير واحد من رجاله وصحبه من جملتهم نقيب العلويين، فأوقفوها عن السير برشاشات النفط النارية، ولما تمكنوا منهم قتلوهم جميعا حتى النقيب العلوي وصادروا جميع ما فيها من المحولات، هذا وقد أمر السلطان أهل بغداد ان يشتركوا جميعهم بهدم الدور التي تحيط بالبلد، وبعد ما أعلن السلطان العفو العام استأذن الخليفة السلطان للخروج من بغداد لأنه تحقق من نفسه وجيشه الضعف الكامل وانه باء بالفشل المبين. والخلاصة ان الخليفة قابل السلطان في (باب كلواز) بجمع حاشد من السادة والأئمة والمشايخ والأركان وهذه هي المقابلة التي كانت تعد آخر يوم من أيام الخلافة العباسية.
ثم صدرت أوامر السلطان ان يبادر الجند بنهب المدينة وغزو ما فيها من الأموال. وفي يوم الأحد الموافق لرابع شهر صفر سنة ٦٥٦ هـ دخل السلطان المدينة وولج القصر العباسي ثم دخل الغرفة التي كانت معدة لجلوس الخليفة عند ما يريد القراءة والكتابة وكان الخليفة حاضرا هناك مع نفر غير قليل من العلماء والإشراف، فتقابل السلطان معهم وتكلم بعد ذلك مع الخليفة وقال له أين الهدايا؟ فأحضرت له فقسها بين رؤساء الجند وقادة
стр. 3893
الجيش، ووضع السلطان طبقا ملؤه الذهب الإبريز الخليفة وقال له تقدم وكله لسد جوعك، فقال الخليفة ليس هذا مما يأكل الإنسان! فقال السلطان إذن ما ضرك لو كنت قسمته على أعوانك وجيشك ليكون وسيلة لقوة أمرك وداعيا لنصرتك؟ ولم لم تخلع هذه الحدايد التي غلقت بها هذه الأبواب لصنعوا منها سهاما تمنع عبور أعدائك من الجيحون (دجلة)؟ فأجابه الخليفة كل ذلك كائن بتقدير الله، فقال السلطان نعم وغن الذي سيجري عليك يكون بتقديره أيضا. ثم أمر السلطان أن تدخل النساء اللواتي باشرهن الخليفة أو ولده بقصر دار الخلافة، وأذن بدخول الوصائف والخدم أيضا، وأحصيت فكانت (٧٠٠) امرأة و (١٣٠٠) وصيف وخادمة. وبعد أسبوع أعلن آلام العام وجمعت الغنائم والأسلاب.
وفي اليوم الرابع عشر من صفر خرج السلطان من المدينة وأمر بإحضار الخليفة بظاهرها فاحضر مع ابنه الأوسط وخمس أو ست من خدمه الخصوصيين فوقعت الواقعة وصار ما صار وانتهت آخر أيام الخليفة العباسي في ذلك اليوم، وفي اليوم التالي قتل نجل الخليفة الأكبر وشتت بعد ذلك شمل الحرم والنساء فتفرقوا أيدي سبأ. ثم أيمر السلطان بعد ذلك بتعمير بغداد ودفن أجساد البشر والحيوانات التي كانت مطروحة في الطرقات بعدما نصب الوزير - ابن العلقمي - للوزارة وصاحب الديوان لديوانه، وأعطى إمارة الجيش لبن الدربوس وسلم إدارة الشرطة في بغداد لرجل يدعى - استونها - وبعد ذلك رحل من بغداد إلى حيث يريد محفوفاً بهالة من النصر،
وكان السلطان قبل رحلته من بغداد سير (بوقاتيمور) بحملة أخرى لإخضاع الحلة وواسط فخضعتا وتوجه (بوقاتيمور) بعد ذلك نحو مدينة (تستر الأهواز) بقصد الاستيلاء عليها ورافقه شرف الدين بن الجوزي إلى هناك.
وأما الكوفة والبصرة فانهما أظهرتا الخضوع بلا أدنى حرب أو مقاومة.
كربلاء
عباس علوان الصالح
стр. 3894
٥ - بين المعري ودانتي في رسالة الغفران
والكوميدية المقدسة
بقلم محمود احمد النشوي
لقد وعدنا في العدد الماضي أن نذكر أحراس الجحيم من الشياطين في خيال دانتي. وفي الحق انه افتن في وصفهم. وجعل منهم أولى أذناب يطوقون بها المعذبين مثنى وثلاث ورباع. وآخرين في صورة كلاب تعددت رؤسها وأفواهها. وجعل منهم من يصرخ ويصيح بصوت تنبو عن جرسه الأسماع. .
جمهرة من المردة استغل الشاعر مواهبه إلى أقصى حدودها في وصفهم محتفلا بذلك الوصف حتى جعل لهم مدينة تخصهم لا يلجها سواهم ففي بعض طبقات الجحيم، وعلى ضفاف نهر اكرونتي يقف الشيطان بزورقه ينقل فيه المعذبين من مكان إلى مكان ضاربا بمجدافه كل من أبطأ به ضعفه أو تمرده. وفي بعض جنباتها يرى الشيطان شربيرو في زي كلب ضخمت جثته، وتعددت رؤوسه وأفواهه ترسل الصراخ والنباح عاليا تنكره الآذان. وفي بعض نواحيها يرى الشيطان بلوطو ملحا في هذيانه بصوته الذي لا تبين نبراته. ويبعث رنينه في القلوب الفرق والرعب والهلع. ثم يحدثنا مرة أخرى عن شيطان له زورق يعبر عليه أهل النار بركة سوداء قاتمة يتقلب في أوحالها وأقذارها المتكبرون والحاسدون. ذلك الشيطان هو حدثنا عن الشيطان مينوتاورو الذي تراءى في ظلمات الجحيم متخذا هيئة ملفقة من الإنسانية والحيوانية نصفه ثور ونصفه ادمي إلى كثير من زبانية ومن شياطين افتن شاعر الطليان في وصفها افتتانا جعله يختصها بمدينة (ديتي تلك التي اشرف دانتي منها على أبراج وقباب يلفحها لهب الجحيم. وينعكس عليها ضوء النيران. ولم يكد يخطو نحوها يريد اختراقها حتى اعتراضه ألف من الزبانية يحتجون على دخوله مدينتهم واختراقه حرمتهم. ولقد كانت الشياطين كلما اعترضته في طريقه أو أرادت إلحاق الأذى به هرع إلى فرجيل فاستنصر به، فأقنعها فرجيل بالإرادة السماوية التي تأمره بالمسير فخلت له السبيل. بيد ان المردة من (ديتي) أبوا إلا إعراضا وعصيانا فأغلقوا من دونه أبوابهم، فوقف الشاعر مشدوها يعجب لمئات الشياطين من حوله. ولثلاث من إناث الجن وقفن فوق اكبر البروج مولولات صائحات. وليس خضابهن الحناء بل
стр. 3895
يصطبغن بالدماء. وتدور على أوساطهن الثعابين وتنسدل على أعناقهن ورؤسهن الأفاعي مكان الشعر متكاثفة يركم بعضها بعضاً. ولا زال دانتي تحيط به المرعبات من كل الجوانب حتى جاءه ملك كريم أهوى نحو الشياطين بعصاه ففتحت له أبوابها. واخترقها دانتي ذاهبا لطيته واستكمالا لرحلته بين حراس الجحيم وعذاب العاصين مسهبا في الحديث عنهم. بيننا المعري لم يسهب في وصفهم فلم يكن له غرض في ذلك بله الافتتان فيه فهو لم يرد ذكر لعصاة والمجرمين يصف للناس عذابهم عظة وذكرى حتى يفتن في وصف ذلك العذاب. وفي وصف الزبانية والأحراس الموكلين بالعذاب وإنما هو رجل لغة وأدب وشعر. يتلمس الطرق الشائقة ليبرزها طريفة محببة للنفوس. فلم يعرض لخزنة النيران إلا قليلا على حين أنك ترى دانتي همه وصف المجرمين والخائنين: خائني أوطانهم وإخوانهم وأهليهم، معملا خياله فيوصف المعذبين، وفي وصف الموكلين بعذابهم حتى ينفر الناس من الخطيئة، ويتجافوا عن المعصية.
إبليس في الروايتين
ذكر الجحيم يتتبع ذكر إبليس. وإبليس رمز الشر حتى عند عبدة الشيطان، فهم يعبدونه اتقاء لشره. فتحدث عنه المعري ولم يغفل دانتي ذكره. وكلاهما صورة في آلامه وأوصابه وفي عذابه وما يلاقيه. بيد أنك إذ تقرا وصف المعري له تغرق في الضحك وتعلم أي سخرية بلغها أبو العلاء. وأي دعابة اغرق فيها رهين المحبسين. وتعلم من بعد ذلك ان صاحب رسالة الغفران هو اشد كتاب العربية جرأة على ما لم يجروء عليه أحد غيره.
وسأنقل إليك ما ذكره عن إبليس متدرعا بالشجاعة أنا الآخر حتى في النقل، ولولا ان واجب الموازنة يضطرني للنقل. ولولا أن حاكي الخبر ليس بمسؤول عنه، لضربت صفحا عما سطره المعري عن ابليس. فقد ذكره وهو يحاور ابن القارح يسائله عن صناعته ويذم له حرفة الأدب. ويسائله عن أعمى البصرة بشار بن برد ذي اليد عليه كما يقول حين فضله على آدم. ثم يستفتيه في تحريم وتحليل. . وفي أحكامفقه ودين. . .
فدونك ذلك القصص أكتبه واترك للقارئ تفهم ما تحدث به المعري في خلاله. وقال المعري محدثا عن ابن القارح (ثم يطلع على أهل النار فيرى إبليس لعنه الله وهو يضطرب في الأغلال والسلاسل، ومقامع الحديد تأخذه من أيدي الزبانية، فيقول الحمد لله
стр. 3896
الذي أمكن منك يا عدو الله وعدو أوليائه، لقد أهلكت من بني آدم طوائف لا يعلم عددها إلا الله، فيقول: من الرجل؟ فيقول: أنا فلان ابن فلان من أهل حلب. كانت صناعتي الأدب أتقرب به إلى الملوك، فيقول بئست الصناعة إنها تهب غفة من العيش لا يتسع بها العيال، وإنها لمزلة القدم وكم أهلكت مثلك، فهنيئا لك إذ نجوت، فأولى لك ثم أولى لك، وان لي إليك حاجة فان قضيتها شكرتك يد المنون، فيقول: إني لا اقدر لك على نفع، فان الآية سبقت في أهل النار، اعني قوله تعالى (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا أن الله حرمها على الكافرين) فيقول: إني لا أسألك في شيء من ذلك ولكن أسألك عن خبر تخبرنيه، أن الخمر حرمت عليكم في الدنيا وأحلت لكم في الآخرة، فهل يفعل أهل الجنة بالولدان المخلدين فعل أهل القريات؟ فيقول: عليك البهلة، أما شغلك ما أنت فيه؟! أما سمعت قوله تعالى (لهم فيها أزواج مطهرة وهم خالدون). .؟
فيقول: وان في الجنة لأشربه كثيرة غير الخمر فما فعل بشار ابن برد؟ فان له عندي يدا ليست لغيره من ولد آدم، كان يفضلني دون الشعراء، وهو القائل
إبليس افضل من أبيكم آدم … فتبينوا يا معشر الأشرار
النار عنصره وآدم طينة … والطين لا يسمو سمو النار
(لقد قال الحق: ولم يزل قائله من الممقوتين)
في تلك الصورة الهازئة الساخرة يرسم لنا المعري إبليس تضربه المقامع. ويضطرب في الأغلال وهو لا يني يسأل ابن القارح تلك الأسئلة السفسطية من ناحية، البذيئة من ناحية أخرى. ولكن المعري جمع به خياله في تلك الليلة النبوية فتكشف عما ترى
ودانتي بماذا وصف إبليس؟ وماذا تخير له من طبقات الجحيم؟ وعماذا سأله؟
لقد تخيله تعصف به الثلوج في ظلمات السعير. ويهلكه لزمهرير في الهاوية. وهو فيما بين الثلوج والعواصف كطاحونة الهواء تقلبه الرياح كيفما أرادت.
ثم اختار له الدرك التاسع من جهنم وهو اسفل طبقتها واشدها هولا وبلاء.
ولم يسأله في الأدب ولا عن أحد الشعراء ولا عن أحكام تحليل وتحريم. ولم يكن له سعة اطلاع المعري حتى يدخل في نحو ذلك النقاش. بل انساق يعلل ما أحاط به من عذاب اليم
стр. 3897
بأنه كان ملكا صوره ربه فاحسن صورته، وأعطاه جمالا يفرع فيه كل مخلوق بيد نفسه المليئة شرا وخبثاً جعلته يسرف في الغرور حتى تمرد على ربه فطرده من جنته وبقي طيلة عمره مذءوماً مدحورا وله في الآخرة عذاب شديد.
يتبع
محمود احمد النشوي
стр. 3898
أيها الشرق. .!
أيها الشرق! يا وطني الكبير،
أهتف بك فتسبق إلى عيني باكية دامية ذليلة، وتتدفق على ذهني ذكريات بعضها شجي يزجي الألم حاداً عنيفا، ويذكي الدم حاراً مستعراً، وبعضها حلو يثمل النفوس بالفخر، ويهز الأعطاف بالإعجاب. .
ولكنك الآن ذليل أيها الشرق! آه لو استطاع هذا القلم الضعيف أن ينفث في نواحيك الإيمان، ويبعث في جوانبك الأمل، لكان سعيداً، أنت يا وطني مهبط الحضارة ومسقط النور، ما في ذلك شك. أنت مجال الأبطال والقوة، ومراد الحكمة والنبوة، ومخرج الدعاة والقادة، هذا حق لا تخلص إليه شبهة، ولا تنصرف إليه ريبة.
ليقل - كبلنج - إن الشرق شرق والغرب غرب ولا يلتقيان - فلسنا نتوقع من دعاة الاستعمار أقل من هذا. . ولكن الحقيقة تلطم كبلنج وتلزم المكابرين من أمثاله حدود الاقتناع
فان كانت أوربا تفخر بنابليون لأنه عبر الألب وتخطى البرانس، ونلسن لأنه كسب موقعة أو موقعتين، وولنجتن لأنه ذبح مليوناً أو يزيد، فان الشرق ليتية بزغلول لأنه قهر إنجلترا بغير السيف والرمح، وغاندي لأنه هز إنجلترا بغير الحديد والنار، ومصطفى كمال لأنه دوخ في ساح الحرب أصحاب الغازات الخانقة والطائرات المحلقة والمدافع الرشاشة. . .! وإبراهيم لأنه طرق أبواب اليونان مرات وعبث بحبل أولمب مهبط الوحي وملعب الأبطال ومستقر الآلهة!!
وإن كان للغرب أن يفخر بروسو وفولتير وشكسبير وجوت وبيرون، فإن الشرق والعالم يفخر بالأفغاني ومحمد عبده وابن خلدون والمتنبي وفيلسوف المعرة. الشرق غني برجاله قوي بأبطاله، خصب بحضاراته. . . ولكني بعد هذا ومع هذا لا أستطيع إلا الاعتراف بالحق - وليس ينكر الحق إلا الضعاف - والحق أن الشرق كان فتياً فأصابه الكبر، وكان قوياً فأخذه اليأس والخور، وكان عاملاً فجنح إلى الراحة واستراح إلى المسالمة. . . هذا هو المنطق الذي يرضي الله والعقل والناس، والحق إننا نغالي في تقدير ما ضينا ونشغل به عن حاضرنا. وهل أتاك حديث المرأة الصلعاء التي أخطأها الزواج لصلعها فكانت إذا جاءها الخاطب ثم هم بأن ينصرف استوقفته قائلة (ألم تر إلى خالتي إن لها شعراً جميلاً!!)
стр. 3899
هل لمحت وجه الشبه؟
الشرق محتل كله أو يكاد: تضرب في نواحيه الخيام الدخيلة، وترفرف على سواريه الأعلام الغريبة، وتحلق في سمائه الطائرات الأجنبية. . . وأهل الشرق نيام ضرب عليهم الغفلة وملكهم اليأس واستبد بهم الخور وانشقت بهم العصا.
يا أبناء الشرق! إن أخاف عليكم اليأس أن يدرككم فيشل عقولكم، ويغل أيديكم ويضل هداكم.
أنا أعرف وأعترف أن الغاية بعيدة، وأن السبيل قفر وعر وأن الشرق ضعيف الحول والحيلة، وهذا بعينه ما يلقى في نفسي الجزع ويردني إلى حيرة تشبه أن تكون جنوناً لأني أخاف عليك أيها الشرق أن تلقى عصا لأمل وتغمد سيف العزيمة وترفع الراية البيضاء. . .!
وأخاف عليك ظاهرة أخرى: في الشرق تنشق العصا وتتفرق الكلمة وتشت الوحدة، وتتبدد القوافل في شعاب الجبال فلا تزال كل قافلة تتهادى وحيدة فريدة في الوهاد والنجاد حتى ينال منها الجهد، وتشتبه عليها السبل وتنبت بها الأسباب في صميم الصحراء. .! والعدو على المستشرف يرقب ويغري ويبتسم، حتى إذا ضمن تصدع الشمل وتقطع الأسباب انثنى فهاجم كل قافلة في مواضع الضعف منها، فأطمع الأولى بالرغبة، وقمع الثانية بالرهبة، وأغرى الثالثة بالرابعة. . . حتى يستقيم له الأمر ويخلو له الطريق ويصفو له الجو. أفليس أجمع للكلمة وأضمن للنصر وأحزم للرأي، لو تلافت هذه القوافل كلها في السهل فضمت شتاتها ولمت شعثها ونظمت نفسها في سرب طويل قوي ثم سارت على حداء الأمل وهداية الأيمان. .؟؟
مؤلم هذا الانقسام الذي يشيع في صفوف المجاهدين في بلاد العرب وفي مصر وفي الهند، في الجزيرة ملكان مسلمان يتحاربان وفي مصر أحزاب تتطاحن. وفي الهند طوائف تجور عن السبيل والغاية. والشرقي المخلص الصادق لا يستطيع أن يشهد هذا دون أن يضيق به ويأسف له، ويتمنى على الله أن يكشف عن الشرق هذا البلاء. . .
أيها الشرق. . . أحب أن أعتقد أن سكونك تحفز الأسد قبل أن يقفز، وأحب أن أسمع أن صمتك استقرار العاصفة قبل أن تزأر وتثور وتدوي، وأحب أن لو كان سيرك تسلسل
стр. 3900
النهر قبل أن يفيض ويطغى فيجترف السدود ويكتسح الحدود ويجتاح العالم. وأحب ألا يأكل بعضك بعضاً، وألا يقضي قويك على ضعيفك، وأحب أخيراً ألا تضيق بالألم وألا يأخذك اليأس، فلا بأس بالمحن لهيب يصفي الروح وينقي الجوهر وينفي العرض، ويذكي الحفيظة ويغلي الدم ويفجر الثورات.
محمود البكري القلوصناوي
стр. 3901
٧ - بديع الزمان الهمذاني
للدكتور عبد الوهاب عزام
(تتمة)
يقول الحصري: إن البديع حاكى ابن دريد. وهي رواية جديرة بالاهتمام. ولست أعرف أين أحاديث ابن دريد إلا أن تكون بعض روايات القالى عن ابن دريد في الأمالي تتضمن هذه الأحاديث أو أشباهها. ومن ذلك ما رواه القالى عن ابن دريد من سؤال إعرابي في المسجد: (قال أبو علي وحدثنا أبو بكر ﵀، قال أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة عن يونس، قال وقف إعرابي في المسجد الجامع في البصرة فقال: قل النيل، ونقص الكيل، وعجفت الخيل، والله ما أصبحنا ننفخ في وضح، ومالنا في الديوان من وشمة. وأنا لعيال جربة. فهل من معين - أعانه الله - يعين ابن سبيل، ونضو طريق، وفل سنة؟ فلا قليل من الأجر، ولا غنى عن الله، ولا عمل بعد الموت).
وأقرب من هذا إلى المقامات حديث المرأة التي سكنت البادية قريباً من قبور أهلها، وهو مروي عن ابن دريد أيضاً، ووصية رجل أعمى من الأزد لشاب يقوده ويؤيد هذا ما رواه بن خلكان عن المرزباني عن ابن دريد
(وقال المرزباني: وقال لي ابن دريد سقطت من منزلي بفارس فانكسرت ترقوتي فسهرت ليلتي. فلما كان آخر الليل غمضت عيني فرأيت رجلا طويلا أصفر الوجه كوسجا دخل عليّ وأخذ بعضادتي الباب، وقال أنشدني أحسن ما قلت في الخمر. قلت ما ترك أبو نواس لأحد شيئاً فقال أنا أشعر منه. فقلت ومن أنت؟ فقال أنا أبو ناجية من أهل الشام وأنشدني:
وحمراء قبل المزج، صفراء بعده … أتت بين ثوبي نرجس وشقائق
حكت وجنة المعشوق صرفا فسلطوا … عليه مزاجا فاكتست لون عاشق
فقلت أسأت، فقال ولم؟ قلت لأنك قلت وحمراء، فقدمت الحمرة ثم قلت بين ثوبي نرجس وشقائق فقدمت الصفرة، فهلا قدمتها على الأخرى؟ فقال ما هذا الاستقصار في هذا الوقت يا بغيض؟
وجاء في رواية أخرى أن الشيخ أبا علي الفارسي النحوي قال أنشدني ابن دريد هذين البيتين لنفسه، وقال جاءني إبليس في المنام وقال أغرت على أبى نواس، فقلت نعم، فقال
стр. 3902
أجدت إلا أنك أسأت في شيء ثم ذكر بقية الكلام اهـ
فهذه الرواية عن ابن دريد تذكرنا بالمقامة الإبليسية والمقامة الناجية من مقامات البديع.
وكذلك وصف الفرس في المقامة الحمدانية يشبه وصف الفرس في الأمالي. ويمكن إذا أريد، ذكر كل ما يخطر بالبال، أن يقال إن ابن دريد أزدى وعيسى بن هشام كأنه ينتسب إلى الازد في المقامة الفزارية.
وفي كتب الأدب كثير من القصص الصغيرة المصوغة في أسجاع مختارة وكلمات منتقاة. ولكن مهما يقل فبديع الزمان فيما نعرف، مخترع هذه القصص الخيالية التي عرفت في الأدب العربي باسم المقامات، وأما روايات اللغويين فقد رويت على أنها حقائق، وأريد بها رواية اللغة قبل أي شيء آخر، وحديث الراوي فيها مرسل لا صناعة فيه، ولا يقصد في الرواية على حين يستوي في المقامة أو يتقارب من حيث البلاغة والفصاحة حديث عيسى بن هشام وكلام أبي الفتح الإسكندري.
وأما تسمية هذه القصص بالمقامات فلأن أبا الفتح يقوم فيها واعظا أو مستجديا أو محتالا وهلم جرا. وفي القرآن الكريم:
(عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا). وفي شعر لبيد:
ومقام ضيق فرجته … بلسان وبيان وجدل
وقد استعملت كلمة (مقامة) في معنى مقام. وفي رسائل الخوارزمي (ولكل مقامة مقالة). وفي شرح الشريشي لمقامات الحريري (والمقامات المجالس واحدتها مقامة. والحديث يُجتمع له ويجلس لاستماعه يسمى مقامة ومجلساً، لأن المستمعين للمحدث ما بين قائم وجالس، ولأن المحدث يقوم ببعضه تارة ويجلس ببعضه أخرى قال الأعلم: المقامة المجلس يقوم فيه الخطيب يحض على فعل الخير.)
والهمذاني نفسه يبين ذلك بقوله في المقامة الوعظية (قال عيسى ابن هشام فقلت لبعض الحاضرين من هذا؟ قال شخص قد طرأ لا أعرفه. فاصبر عليه إلى آخر مقامته، لعله ينبئ عن علامته)
يقول الثعالبي إن بديع الزمان أملى المقامات في نيسابور، ويظهر أنه أملى معظمها هناك، وأنه أملى بعد مقامات أخرى كالمقامات الست التي مدح بها خلف بن أحمد أمير سجستان.
стр. 3903
والحصري يدلنا على تاريخ المقامة الحمدانية يقول إن البديع أملاها في شهور سنة خمس وثمانين وثلاثمائة: وأظنه أملى معظم المقامات قبل هذا
هل ارتجل المقامات؟
يروي الشريشي عن بعض أشياخه أن البديع ارتجل المقامات، وأنه كان يقول لأصحابه اقترحوا غرضاً نبني عليه مقامة فيقترحون ما شاءوا فيملي عليهم المقامة ارتجالا. ولا أحسب هذا حقاً، فبديع الزمان نفسه لم يدع هذا، وقد فخر بالمقامات على الخوارزمي وتحداه أن يأتي بمثلها، ولم يتحد بذكر الارتجال، بل قال انه أملاها والإملاء لا يقتضي ارتجالا.
موضوع المقامات
أراد البديع بمقاماته أن يدل على تمكنه في اللغة ومكانته من البلاغة، وقدرته على تصريف القول في فنون شتى. هذا غرضه الأول، وقد سلك إلى هذا الغرض موضوعات كثيرة
وليست الكدية موضوع المقامات كلها، بل كثير منها لا كدية فيه، وفي كثير منها لا يقف أو الفتح موقف المستجدي إلا في آخر المقامة وبعضها ليس فيه إلا الاستجداء كالمقامة الساسانية والمجاعية والبخارية والمكفوفية.
ومن أغراض المقامات الوعظ كالمقامة الوعظية والأهوازية، وفي بعضها الألغاز كالمغزلية والإبليسية. وبعضها أنشئ للمدح وهي المقامات الست التي مدح فيها خلف بن أحمد: الناجية والخلفية والنيسابورية، والملوكية، والسارية، والتميمية. وبعضها يتضمن الحجاج في المذاهب كالمقامة المارستانية، وبعضها للكلام عن الشعراء ونقد الشعر، كالمقامة القريضية والشعرية والعراقية والابليسية، وبعضها يتضمن حوادث زمانه وأخلاق معاصريه وأحوالهم، كالمقامة الأسدية والخمرية التي نرى فيها أبا الفتح إماماً في مسجد يشم رائحة الخمر من عيسى بن هشام وأصحابه فيزجرهم ويشتمهم، ثم نراه بعد في حانة يلقاه فيها هؤلاء، وكالمقامة الرصافية التي ذكر فيها أصناف اللصوص وحيلهم. وهي تشبه القصيدة الساسانية لأبي دلف الخزرجي، معاصر بديع الزمان.
وهو في هذا الضرب من المقامات كالمقامة المغيرية، والحلوانية، يبين عن علم واسع
стр. 3904
بأحوال زمانه، ويذكرنا بالجاحظ، والمقامات البشرية والصيمرية أقرب إلى روايات الأدباء، وهو حسن الفكاهة جداً في المقامة المغيرية التي وصف فيها أبو الفتح ضيفه الثرثار، والحلوانية التي يصف فيها اختلاف رجلين في الحمام على أجرة عيسى ابن هشام والحلاق المجنون، والأصفهانية التي وصف فيها الإمام الذي يطيل الصلاة.
وانظر قول عيسى بن هشام فيما أصابه في الحمام: (فأخذنا إلى الحمام السمت، وأتيناه فلم نر قوامه، ولكني دخلته) الخ المقامة الحلوانية
والقصص في المقامات لا تفصيل فيه ولا اتقان، وإنما هو وسيلة إلى مواقف الإسكندري أو عيسى بن هشام، ويحس القارئ بعيب في بعض هذه القصص على قصرها: ففي المقامة الأصفهانية يحدثنا عيسى ابن هشام أنه كان على أهبة السفر فسمع النداء للصلاة، وخاف أن تفوته القافلة، ولكنه آثر أن يصلي فابتلى بإمام مطيل ممل، ثم قام رجل فقال من كان منكم يحب الصحابة والجماعة، فليعرني سمعه ساعة، فلم يستطع عيسى الخروج، ثم قال الرجل قد جئتكم ببشارة من نبيكم لكن لا أؤديها حتى يطهر الله هذا المسجد من كل نذل يجحد نبوءته، قال عيسى فربطني بالقيود، وشدني بالحبال السود. ويدعى الرجل أن معه دعاء علمه إياه النبي في المنام، وأنه كتبه في رقاع فتسابق الناس إلى الرقاع، وانثالت على الرجل الدراهم. وعرف عيسى بعد خروجه أنه أبو الفتح، ولا يخبرنا ما الذي فعل في أمر السفر الذي بدأ المقامة بحديثه. وفي المقامة الفزارية يقول انه لقي الإسكندري في ليلة يضل فيها الغطاط، ولا يبصر فيها الوطواط. ثم يقول آخر المقامة، فحدر لثامة عن وجهه، فإذا هو والله شيخنا أبو الفتح الإسكندري، فكيف عرفه في الظلام؟ وفي المقامة الغيلانية يحدث عيسى بن هشام عن عصمة بن بدر الفزاري أنه لقي ذا الرمة والفرزدق، ولا يقول إنه لقيهما في منام أو لقي شيطانيهما فكيف رأى هذين الشاعرين رجل معاصر لعيسى بن هشام الذي يحدث بديع الزمان.
وأما عيسى بن هشام وأبو الفتح الإسكندري فيقول عنهما الحريري في مقدمة مقاماته: (وكلاهما مجهول لا يعرف، ونكرة لا تتعرف.) وكأنه يريد أن يقول انهما ليسا كأبي زيد السروجي، عيسى بن هشام لا ينتسب إلى بلد، وفي بعض المقامات كلام يمكن أن يؤخذ منه أنه ينتسب إلى الازد، وابو الفتح انتسب في المقامة العراقية إلى عيسى، وهو منسوب
стр. 3905
إلى الإسكندرية من الثغور الأموية وهي نسبة غريبة. ماذا يريد بالثغور الأموية؟. يرى شارحو المقامات أنها ثغور الأندلس، وكانت بها إذ ذاك دولة بني أمية. وهذا غريب كذلك فما عرف في كتب التاريخ أو تقويم البلدان اسم الثغور الأموية، ولا الظن بالبديع أنه ينسب صاحبه إلى الأندلس ويسميها الثغور الأموية، وهو رجل يكره الأمويين كما يؤخذ من شعره. أرى في المسألة وجهاً آخر لا أجزم به، ولكني أرجحه. ذلك أن تقرأ (الثغور الأموية). نسبة إلى مدينة آمو أو أموية وهي مدينة آمل الشط على نهر جيحون أو نسبة إلى جيحون وهو يسمى أمودريا أي نهر أمو. ويقول ياقوت في معجم البلدان. وهو يعدد المدن التي سميت الإسكندرية: (ومنها الإسكندرية التي على شاطئ النهر الأعظم.) هذا إلا أن يكون البديع نسب صاحبه الذي لا يستقر في مكان نسبة لا يعرفها أحد.
وبعض المقامات لا يسمى فيها أبو الفتح، وان عرف بصفاته كالأهوازية والبصرية، وبعضها يخلو من أبي الفتح اسماً وفعلاً كالمقامة البغدادية والنهدية. وأحياناً يأتي أبو الفتح في آخر المقامة بعد مضي معظم حوادثها كالمقامة الأسدية التي تصف لقاء عيسى بن هشام وأصحابه الأسد، ثم قاطع طريق، ثم لقاء أبى الفتح بعد ورودهم حمص.
أسلوب البديع في نثره
البديع يلتزم السجع إلا قليلاً. وهو في الرسائل اسجع منه في المقامات، وجملة قصيرة وسجعه متقارب. وذلك أحسبه نتاج الطبع الذكي الحساس، الذي يود أن يسمع الأنغام متتابعة رنانة. وذلك ما جعله يؤثر في كثير من شعره الأوزان المجزوءة. وهو في الرسائل يترك السجع أحياناً إلى المزاوجة أو الإرسال كقوله في رسالته إلى أبي الطيب عن الأمير خلف بن أحمد: (فلما ايفع وارتفع، طالبته الهمة العلياء برفض الدنيا حتى يؤدي فرض الله في الحج، فقام عن سرير الملك، إلى سبيل النسك، فحج البيت، ودرس العلم حتى علم ناسخ الكتاب ومنسوخه، ومباحه ومحظوره الخ) وكذلك في المقامات يترك السجع أحياناً ولا سيما في رواية عيسى بن هشام
وقد يأتي بثلاث سجعات متواليات أو أربع، بل يتابع في الرسائل عشر سجعات أحياناً كقوله: (ونادمته والمنادمة رضاع ثان، وطاعمته والمواكلة نسب دان، سافرت معه والسفر والأخوة رضيعاً لبان، وقمت بين يديه والقيام والصلاة شريكا عنان، وأثنيت عليه، والثناء
стр. 3906
من الله تعالى بكل لسان، وأخلصت له والإخلاص محمود من كل إنسان. ثم أربع سجعات أخرى على هذا الروي
وقد يجعل السجع مركبا على رويين في أربع فواصل أو ست كقوله في رسالة خلف بن أحمد: (وكأن هذا العالم قد أحسن عملا فجعل هذا الملك ثوابه. وكأن هذا الملك قد أساء مثلاً، فجعل هذا العالم عقابه)
وقوله: فكان ما أضعناه، كإنا زرعناه فأنبت سبع سنابل، وكان ما فقدناه، كإنا أقرضناه هذا الملك العادل
وقد يسجع في أثناء الجملة قبل تمام المعنى كقوله (حقاً أقول أن التمرة، بالبصرة، اقل خطراً من البذرة، بهذه الحضرة، وإني أيد الله القاضي على قرب العهد، بالمهد، قطعت عرض الأرض، وعاشرت أجناس الناس)
ومما يكثر في نثر البديع تحليته بالشعر، وقد قال الثعالبي في ذلك: (ويوشح القصيدة الفريدة من قوله، بالرسالة الشريفة من إنشائه، فيقرأ من النظم والنثر، ويروي من النثر والنظم. وهو لا يكتفي بتفصيل نثره بأبيات من الشعر، بل يصل النثر بالشعر حتى يتوقف معنى كل منهما على الثاني، كرسالته إلى الخوارزمي التي ذكرناها فيما تقدم، وكقوله في مدح أبي جعفر الميكالي:
ولو نظمت الثريا … والشعر بين قريضا
وكامل الأرض ضربا … وشعب رضوي عروضا
وصغت للدر ضدا … أو للهواء نقيضا
بل لو جلوت عليه … سود النوائب بيضا
أو ادعيت الثريا … لأخمصيه حضيضا
والبحر عبد لهاه … عند العطاء مغيضا
لما كنت إلا في ذمة القصور، وجانب التقصير.)
ومن أحسن افتنانه في ذلك المقامة الوعظية التي لاءم فيها بين المنثور والمنظوم أحسن ملاءمة.
ويجد قارئ الرسالة والمقامات قطعاً من تحداها في الأخرى فمقامة الوصية التي يوصى
стр. 3907
فيها تاجر ابنه معظمها في إحدى رسائله وبعض المقامة النيسابورية ومعظم العلمية، في رسالة إلى أبي القامس الكرجي التي وصف فيها بعض القضاة. وبعض المقامة الملوكية التي مدح بها خلف بن أحمد في رسالة يمدح فيها الملك نفسه.
وكذلك نجد في الديوان والرسائل والمقامات وصف وقائع واحدة، كلقاء الأسد في الديوان والمقامة الاسدية، وقطع الأعراب طريقه في هذه المقامة والرسائل. وذلك يثبت أن المقامات تمثل كثيراً من حوادث زمانه.
نشأ البديع في عصر بلغ فيه الأدب العربي أوجه، وازدهر فيه الأدب الفارسي، وقد عرفنا أنه ترجم كثيراً من الأبيات الفارسية في ديوانه. فهل ظهر أثر الفارسية في معانيه وألفاظه؟ أثر قليل.
فمن المعاني الشائعة في الأدب الفارسي قوله (أو لم يكفنا الجرح حتى ذر عليه الملح) وقوله (أنا العبد قرطك في أذنه مطيعاً وطوقك في عنقه) فهي عبارة فارسية شاعت حتى كنى عن العبودية بالحلقة في الأذن. وقوله: (هيفاء لا تسع العيون جمالا) فتسع هنا تشبه كنجد بالفارسية
ومن الألفاظ الفارسية أو العربية المستعملة على الأسلوب الفارسي قوله في مدح السلطان محمود:
إذا ما ركب الفيل … لحرب أو لميدان
رأت عيناك سلطانا … على كاهل شيطان
ففي هذا إشارة إلى قصة طهمورث والشيطان.
وقوله:
عند فديتك جدي … شويته بمضيره
فان أتيت فخير … وأن أبيت فخيره
فالخيرة فارسية معناها الحيرة أو اللغو. ولذلك قال الصديق الذي أرسل إليه هذان البيتان: لا نبيع الخير بالخيرة وأجاب الدعوة. وقوله:
يا بن النبي كفاني … من الثناء وبسي
بسي بمعنى حسبي، وهي كلمة بس المستعملة في العامية المصرية.
стр. 3908
وقوله في الديوان:
فان مددت يدي يوما فلا رجعت … حتى يعود على شسته النوق
والشست سية القوس، والنوق تعريب نوك أي السهم.
وقوله:
والدهر لونان في تصرفه … يضرب بالبيدق الغرازينا
وفي الرسائل الباغ بمعنى البستان، وكتخداي الخلق، وزرق بمعنى نفاق، وقلب بمعنى زائف، والسياسة في معنى العقوبة، وقوله (فان كان قد عرض في البين عارض العين.) فاستعمال البين هذا الاستعمال ترجمة كلمة (درميان). وحصار بمعنى قلعة وغير ذلك.
هذا ما وسعه المقام في الإبانة عن سيرة الهمذاني وأدبه. ولا بد من ترتيب الرسائل ترتيباً تاريخياً لتفصيل سيرته ومعرفة تطور أسلوبه. وحسبنا الآن ما قدمنا عن هذا الأديب العظيم الذي أخترمتهالمنية في سن الأربعين، ولو عمر لكان عسى أن يكون له في الأدب العربي آثار أبعد شأوا، وأعظم خطرا وأسير ذكرا من آثاره التي أوحت إلى معاصريه أن يلقبوه (بديع الزمان).
عبد الوهاب عزام
стр. 3909
هانيبال يرثي أخاه
للأستاذ فخري أبو السعود
بينما كان هانيبال في جنوب إيطاليا غازياً سار إليه أخوه بمدد فقابله الرومان في الشمال فقتلوه، وبعثوا برأسه إلى أخيه
رويد الليالي قد خَضَدْنَ قناتي … ويا طالما استعصت على الغمزات
سلام على عهد العظائم والعلا … وتلك الفتوح الغُر والغزوات
وأيام ألهو بالمدائن زاحفا … وأهزأ بالأوعار والفلوات
لِيَهْن بني روما صعود نجومهم … فَنَجْمِيَ هاوٍ حالك الظلمات
اتانِيَ منهم جحفل بعد جحفل … فمزقتهم في خالد الوقعات
وشردتهم عن معقل إثر معقل … وروَّيت من قوادهم أسَلَاتي
وبات حماهم مستراد فوارسى … ومعهد لذاتي ومُرْ تَبَعاتي
فَثَّلوُّا أكاليلى وحلوا عزائمي … بمصرع نَدْبٍ خائض الغمرات
طلوُبِ عظيمات زعيم كتائب … ركوب مشقات قريع كماة
رضى السجايا ثابت الجأش باسل … كريم المحيا ناضر القسمات
فهل علموا لادرَّ درُّ أبيهمُ … بأي صفات أوقَعُوا وسِمات؟
أذَلوا أجلَّ الهام غرد أو عفرَّوا … بساقي تراب أشراف الجبهات
فأصبح من بعد الأمارة جسمه … أنيس ذئاب أو سمير بُزاة
وأدْلوّا بهذا الرأس فهو مُخَبِّري … بتصويح مجدي وانطواء حياتي
أخَيَّ جَنىَ ظلما عليك تجبري … وُغلوّاهُ أطماعي ولؤم عداتي
فداؤك أعضائي، لقد كنت ساعدي … فبان، فقلبي دائم الحسرات
وكنت أليفي مذ شببنا وصاحبي … وكنت خدين اللهو والصبوات
وكانت تهاب الأُسد بأسك قانصا … وترمي مصيبا أبعد الفلوات
وكنت مبائي إن ألمَّتْ ملمة … ومرجع أسراري وكهف شكاتي
وكنت ظهيري في مُغار وملحم … ويوم طرادٍ هائج الهبَوات
وكنت ملاذ الروح واللب والنهى … وكنت سراج الرأي في الشبهات
стр. 3910
أخيَّ وهل مثلُ الأُخوة نعمة؟ … وهل بعدها من لُحمة وسداة؟
فديتك منهوبَ الترائب مثخَنا … بكف الأعادي داميَ الطعنات
تنوشك منهم عصبة بعد عصبة … خضيبَ العوالي ثائرَ الفتكات
سيبكي فؤادي يوم رزئك موجعا … واسقي قديم العهد بالعبرات
مصابك أو هي مِرَّني وأغصني … وزهدني في العيش والمتُعات
وأبدي لعيني آخر المجد والعلا … فعفت طلاب المجد والعظمات
فلا طال عيش آض بعدك موحشا … كبيت خلاء مقفر العرصات
سوى ريثما أشفي من الروم غلت … وأنهل من تلك الجموع ظُباتي
ويبكي حسامي مصرعَ الفضل فيهمُ … ويأخذ من أبطالهم بِتِرات
فخري أبو السعود
стр. 3911
تذكار الشاعرة الكونتس دي نواي
للأستاذ خليل هنداوي
- ٢ -
الحب والموت في شعرها
لم تذهلها هذه الطبيعة التي فنيت في حبها وجنحت الويها كل ميولها وأهوائها عن كل شيء، كما كانت تقول (إن نظرات الغابات والغدران والحقول أشد تأثيراً في نفسي من نظرات الإنسان) ولكنها سرحت في عوالم غير هذه العوالم: في عالم الحب، وعالم الموت والفناء.
يقول (جابر يول) (لم أجهل إلا يوما واحدا إن هذه الهائمة بالأزهار والأعشاب قد جحدت العالم كله لتقود نفسها إلى حب شهواني)
(ماذا يهمني إذا تلاشى اليوم عالم من الوجود؟
(فالزمن يستطيع أن يلد - ما ظلت حيا - صيفا جديداً)
وهي في هذه الخطرة غادة فاسقة متوهجة، تتبع ملذاتها الفانية برغبة عارية، وفي عينيها رواقان يظهران ويختفيان. يقولا ن (تعال، تعال، تعال!) وهادنت الساعة التي كانت ترتقبها لتنعم فيها بالرجل الذي توهجت للقائه. وهذه هي نفس الروح الأولى بما يغشاها من ذهول ووثوب، لا تهيم - في هذه المرة - في وجه الطبيعة، ولكن في وجه الإنسان، وعناق الإنسان
ولكن ما عسى يكون هذا الحب؟ إذا كانت الشاعرة تتخيل أن الحب بعد أعوام طافحة بالخداع والافتتان والزهو يغدو الوسيلة الوحيدة لتوليد الجشع النفسي الباعث على امتلاك الوجود!
(إن الوجود النقم الذي لا يأنس أبدا. . . .
أستميله إلي، وأطوي نفسي في حناياه. . .
حين يلتف ذراعاي على جسد نقي لامع كالصيف)
وهل يكون هذا الجسد إلا جسد من تحنو عليه ويبهجها البلوغ إليه؟
стр. 3912
ألا أيها الوجود! إنما يدرك الناس باللذة الملتهبة نفسك التي لا نهاية لها.)
أحب منها هذا الارتباك بعد العناق ممثلا في قولها:
(إن نفسي خارجة عني، واللانهاية تملأ روحي روعة، فهل أراني متحدة معك. أم ممتزجة معها؟
إنني أحس قلبي، في جنح الليل الثائر. . . مؤتلفا مع النجوم.)
وهذا الاعتراف من والهة تؤمن بأن (اللذة لا تكمل الرغبة) أوه وهي مخدوعة بعمر السرور القصير، تاوى إلى جنات أحلامها الزاهية وتقول
(هذه كلها ستبقى عندما الحلم يفر،
هذه التي سنقدم لها في أعماق الليالي شفاهنا مغشاة بالظل، ونفتح لها أذرعنا مغمورة بالحلم.)
إلا تتجلى في هذه المقاطيع ذات الروح التي تجلت في مقطوعات الحدائق!
(عندما يطغى على الألم من وجهك الساطع
عندما لا يقدر قلبي المستعبد على مغادرتك
أحلم بأن ورائي - مغاني بعيدة وسفنا وموانئ، ومدنا أنيسة ما زالت تبهر لبى
ورغبتي الضالة تؤمن بأنها لا تقدر أن تحيا بعيدة عن هذه الشواطئ أنا في غنى عن كل شيء حين أترنم بها)
وقد يتجهم في وجهها كل وجوه الحب فتضمر الانتقام من الرجل، أو تغفي عنه. وتهيم في الحياة معتزلة بنفسها،
(أنا أعلم أن الهواء جميل، وأن هذا الفضاء هو الذي يسطع وأن لمعات النهار لا تهب على منك
وأسمع كبريائي يقول لي
أيتها الغادة العزيزة، أنا حماك الغيور إلى الأبد)
ولننظر إلى هذا الكائن المحبوب! كيف أرضى نفسه وأحب نفسه، وكيف طغى عليه القلق؟
(أيها الكائن العزيز الذي بكيته. . .
هل أستطيع أن أغفر لنفسي القاسية قعودها عنك هادئة يوم انتابك الألم)
стр. 3913
يقول (جابريول): وفي ديوان (دي نواى) شعر مجوني شهواني لم تصنفه قلبها امرأة، تبرز فيه الحواس متيقظة، تتروح وتتلمس وتتذوق، شعر امرأة تتنشق وترشفها، وتتروح الطيوب العابقة من بلاد المشرق.
(عبير المسك، والأرز والورد يضمحل مع الرياح
والحب يعيده وينشره بأنامله الإلهية في جوف أريكة ملتهبة)
شعر امرأة وصفت العناق بكلمات رقيقة، لها وسوسة القبل وحلاوة العناق.
(وأنا لا أزال أرتقبك لأتذوق هذا السكر الفاسق.
أحلم بنظرتك الطافحة حبا، وبذراعيك العاريتين، وبعطفك الجميل الذي يطير عذبا. . .
ومن مقاطيعها الخالدة ما أوحاه إليها الموت، والموت عندها هو البلد المجدب، حيث لواء الحب فيه غير خفاق. وهذه الفكرة قد تحتلجها كثيرا وتحملها على استحضار الأسقام حين يغيض ماء الشباب، كأنها وثنية يروعها القبر الذي يمثل لها ساحة العدم، وطالما ذكرت الموت فثارت، وهاج قلبها واحتد عقلها وأعلنت حواسها العصيان على (عالم النسيان)
(أيها الموت! أيها السر الجديد! أيها الدرس الذي لا يتبدل.)
ولكن امرأة حية مثلها (ما خلقت لتموت) فكم مرة أعلنت بصفاء نفسها - في أشعارها - أنها لا تريد أن تموت. . . فهي طورا تجرب أن تستأنس بالعدم بواسطة الملاصقة.
(أيها الوجود الذي همت فيه كثيرا
سيأتي يوم تغتمض فيه عيناي. . .
فأحلم، وأنا ملتهبة معتزلة. بآخر شيء على العارض تهافت عليه ناظري عند الرحيل)
وتارة تعلل نفسها بإمكان التقمص والاستحالة.
(أيها الوهم المشتت! ألا تسمع صوت الأرض التي تشق؟)
مثلها كمثل الوثنيين الذي يكتبون ويعلمون (ألا شيء سيحيا بحرارة عروقه). وراء ذلك كله تعتمد على خلودها الأدبي الذي يقدر على استنقاذها من الردى.
(أكتب لليوم الذي أحول فيه رفاتا.
ليعرف الجيل القادم مبلغ ارتياحي للهواء والهناء. اكتب لأكون محبوبة بعد الموت.
إذا ما تلا أحد الفتيان ما كتبته، يحس قلبه يخفق، ويرتعش ويضطرب.
стр. 3914
وإذا به يحملني في صدره، ويؤثرني على غاداته. . . .)
دير الزور:
خليل هنداوي
стр. 3915
حول السلم الموسيقي
طالعت في مقال لحضرة الأستاذ مدحت عاصم نشر بالعدد ٤٤
من مجلة الرسالة أن المسافة بين درجتين متتاليتين في السلم
الغرب المقرب تساوي ١٦١٥. ولما كانت القيمة الحقيقية
لهذه المسافة ليست وإنما هي أي الجذر الثاني عشر للنصف
ويساوي ٠. ٩٤٣٨ (مقربا إلى أربعة أرقام عشرية) على حين
أن ١٦١٥ تساوي ٠. ٩٣٧٥ ولما كانت فكرة الجذر الثاني
عشر للنصف فكرة أساسية في السلم المقرب الذي يشير إليه
حضرته، بل هي أساس التقريب في بناء السلم بواسطتها أمكن
توحيد المسافة بين الدرجات المتتالية وجعلها جميعاً متساوية،
على حين أن النسبة ١٦١٥ إنما تنطبق على السلم الدياتوني
قبل تعديله إلى السلم المقرب في أواخر القرن الثامن عشر،
فلذا رأيت أن أكتب منبها على ذلك.
وقد أشار الأستاذ عاصم في نفس المقال إلى تسمية الدرجة السابعة في السلم بالدرجة الحساسة قال (وان كنت لا أدري مصدر هذه التسمية - وأحسب علماء النغم أنفسهم لا يستطيعون لذلك تفسيراً دقيقا.)
والدرجة الحساسة التي تشير إليها حضرته وهي التي تعرف أيضا بالدرجة المؤدية أو الموصلة إنما سيميت بالحساسة أو الموصلة باعتبار الوظيفة التي تؤديها في التأليف الموسيقي، أو بعبارة أخرى مركزها النسبي في السلم وعلاقتها بالدرجة الأساسية أو الـ ومن المعلوم في التأليف الموسيقي أن الدرجة السابعة تجيء سابقة مباشرة ومؤدية أو
стр. 3916
موصلة إلى الدرجة الأساسية كما يحدث عند نهاية كل قطعة موسيقية تقريباً، فمثلا الفالس برييانت لشوبان (نمرة ٢ من المؤلف نمرة ٣٤)
فإذا علم أن القطعة درجتها الأساسية هي الـ أو الـ فان الدرجة السابعة وهي أو الصول الحادة كما يظهر بوضوح تؤدي أو توصل إلى الدرجة الأساسية في الختام أو الـ النهائية. أما فكرة الحساسية فناشئة عن إننا إذا وقعنا مجموعة النوتات أو الـ المشتمل عل الدرجة السابعة، فإننا نشعر بحساسية خاصة للصوت الحادث أو شعور بتوقع حدوث صوت آخر هو النهائي المشتمل على الدرجة الأساسية.
هذا وقد لاحظت بعض ملاحظات أخرى في المقالين السالفين لحضرته في هذا الموضوع منها وصف حضرته في المقال الثاني (المنشور في ٢٩ يناير) لسلم فيثاغورس بأنه أقدم سلم عرف في التاريخ، مع أننا إذا ضربنا صفحاً عن موسيقى الأمم القديمة كالصين والهند، فان اقدم سلم عند الإغريق هو السلم الدوري ويليه في القدم السلم الفيثاغورسي. ولعل منشأ الخطأ في ذلك يرجع إلى ما حدث في القرون الوسطى من خطأ في هذه الأسماء يرجع إلى امبروز اسقف ميلانو الذي صار بعد ذلك بابا لروما، وسمي باسم جريجوري فانه أصدر أمرا بتجديد السلالم الموسيقية ورد فيه خطأ وخلط كثير في أسمائها.
محمد مصطفى شريف
стр. 3917
الدوق دي لاروشفوكو
للدكتور حسن صادق
ورأى لاروشفوكو أن يرضي الدوقة فانضم إلى أخيها ودارت رحى القتال. وفي ٧ أبريل عام ١٦٥٢ انتصر جيش الملك في (بلنو) وأثناء ذلك عاد مازاران إلى فرنسا وبدأ يستخدم الحيلة والدهاء في إخماد الثورة، وعرف لاروشفوكو أن الدوقة أعرضت عن حبه وكلفت بالدوق دي نيمور فآلمه ذلك جد الألم. وقد ذكرت حفيدة الدوقة في مذكراتها أن لاروشفوكو كان شديد الرغبة في قطع هذه الصلة والخلاص من هذا القيد. واستدلت على صحة قولها بإحدى مواعظه: (لما نمل الحب، نغتبط إذا خان الحبيب عهد وفائه، لأنه بعمله هذا يحلنا من عهد وفائنا له). ولكن الغيرة بقيت تخز قلبه زمناً طويلاً لأنها كما قال في موعظة أخرى: (تولد مع الحب ولا تموت في كل حالة معه)
نال إعراض الدوقة منالا كبيرا من كبريائه، ولكنه استمر في القتال يشد أزر أخيها. ثم حدثت موقعة حي سان انطوان، وقتل فيها كثير من النبلاء، وأصيب لاروشفوكو برصاصة في وجهه كادت تقضي على بصره، فنقل إلى مستشفة لبانكور وكان هذا آخر عهده بالحرب الأهلية، وجنبته هذه الإصابة عار الاشتراك مع كونديه في قيادة جيش من الأسبان ضد بلاده
ونذير بهذه المناسبة أن عهد الحرب الأهلية من أسوأ العهود التي مرت بها فرنسا، فقد أظهر النبلاء أثناءه نزقا كثيرا، ونبغوا في فن الدسيسة، وكشفوا عن الأثرة المتأصلة في نفوسهم، وجمعوا كل وطنيتهم في مصالحهم الذاتية، وتكالبوا على متع الحياة في جشع وضيع، وكاد بعضهم لبعض في سبيل الألقاب والرتب، وأسالوا الدماء، وأسلموا البلاد للفوضى تفتك بها دون أن يروعهم وازع نفساني. كان كونديه ولاروشفوكو ومن إليهما في ذلك العهد قطاع طرق ورؤساء مناسر، تنهب وتحرق وتهتك الأعراض في مرح وحشي. واهتبل النبلاء فرصة الاضطراب فعاشوا في البلاد ذئابا إقطاعيين، وساءت حال الفلاح حتى عزت عليه اللقمة التي تحفظ ذماءه، وامتلأت السجون بالبائسين الذين عجزوا عن دفع الضرائب الباهظة المفروضة عليهم، ورأت باريس في عام ١٦٥٢ مائة ألف جائع يهيمون في طرقاتها ويستجدون أهلها وهم في أسمال بالية. ولهذه الأسباب فرح الشعب لما
стр. 3918
استتب الأمر للملك، ونظروا إلى استبداده نظرهم إلى نعمة هبطت عليهم من السماء.
وأثر هذه الحرب الأهلية المادي ليس بأقل سوءا من أثرها المعنوي، فقد دفعت الناس في طريق النفاق والخيانة والأثرة الجامحة، وكان من نتائجها أن يتهافت النبلاء المتكبرون على قدمي الوزير مازاران يرجون ويستعطفون في ذلة وخنوع
ولم تنتج هذه الحرب أثرا طيبا إلا في الأدب والفنون، وتعتبر نهايتها فاتحة العهد الأدبي الحافل الكبير الذي صقلت فيه العبقرية الفرنسية، وأصبح الأسلوب فيه عذبا نقيا، والتعبير لاذعا دقيقا. وكثير من الذين حملوا السيف وخاضوا غمار هذه الحرب شاهدوا صروحا أدبية خالدة، بعد أن لاحظوا أهواء الناس ورأوهم في ثوبهم الحقيقي. ومن هؤلاء هذا الكاتب الذي نتحدث عنه
وفي ٢١ أكتوبر عام ١٦٥٢ أصدر الملك لويس الرابع عشر العفو عن لاروشفوكو، وسمح له بالعودة إلى باريس، ولكنه لم يعد إليها إلا بعد وقت طويل قضاه في الريف هادئا يفكر في آماله الضائعة، وأحلامه المتداعية
الشيخ الفيلسوف
لما فشلت ثورة الأمراء واستتب الأمر للملك لويس الرابع عشر، عرف ضروب الأهواء التي تتلاعب بنفوسهم، واستغلها استغلال رجل قدير، وجاد على هؤلاء السادة العظماء بأنواع الإحسان الوفير حتى أحالهم إلى ندماء متواضعين، استكانت الأهواء الجامحة بعد انتصار الملكية، فأخلد الناس إلى السكينة، وعادت الحياة إلى مجراها النمطي، وبدأت النساء ينشدن في (الصالونات) أو بين جدران الأديرة ضروب الانفعال التي كن يجدنها في نكبات الحرب الأهلية. ولم تعد تفكر الطبقة العالمية إلا في قهر (الضجر) مرض الأغنياء الذين لا يعملون، الذي استحوذ عليها. يدلنا على ذلك قول مدام دي مننون: (إني عاجزة عن أن أبين مبلغ الضجر الذي يعذب العظماء الاغنياء، والمشقة التي يلاقونها في قضاء يومهم)
وفي ذلك الوقت عاد بيت رامبويية إلى فتح أبوابه، ولكنه لم يلق الإقبال الذي اعتاده قبل الحرب الأهلية، لأن ربة البيت المركيزة دي رامبويية كانت في الثانية والسبعين من عمرها، واضمحلت قواها الذهنية، وتفرق أثناء الاضطراب الذين كانوا يترددون عليه، ثم
стр. 3919
ظهرت في باريس (صالونات) أخرى أهمها صالون الآنسة دي مونبانسييه، والآنسة دي سكودري، والكونتس دي لافاييت، وصالون الدقو دي لاروشفوكو، الذي بدأ بعد الشغب يبحث عن السعادة في الأدب والفكير، ثم صالون المركيزة دي سابيله.
وكان كل صالون يميل إلى نوع خاص من الأدب. فصالون الآنسة دي سكودري يميل إلى وضع المعاني الغزلية الرائعة في شعر قصير، وصالون الآنسة دي مونبانسييه يحب الصور الشخصية، وصالون المركيزة دي سابليه يتعشق عمل المواعظ، أما بيت رامبوييه فكان مولعاً بالأدب وفروعه جميعها
وفي أحد الأيام، وكان ذلك في عام ١٦٥٨، طلبت الآنسة دي مونبانسييه من الحاضرين في مجلسها أن يرسموا صورهم كتابة في مقالات موجزة. ثم تناولت القلم ووصفت على القرطاس أجزاء وجهها، ثم قوة ذهنها، ثم أهواء نفسها وميولها وأخلاقها. وقلدها جميع الحاضرين ومن بينهم لاروشفوكو. ثم جمعت هذه الصور ونشرت في عام ١٦٥٩ وكانت صورة لاروشفوكو الممهورة بالحروف الأولى من اسمه أول عهد الجمهور الفرنسي بكتابته. وسنذكر نبذا من هذه الصورة عند الكلام على أخلاقه وميوله
وكانت جماعة المركيزة دي سابليه يعالجون في صالونها الموضوعات الجدية، ويتحدثون عن ديكارت والمنطق والأهواء الإنسانية، وقبل أن يتفرقوا يحاول كل منهم أن يضع خلاصة المناقشة في جمل قصيرة فصيحة، أي يضعها في حكم أو مواعظ. وانتشر هذا الميل إلى الحكم حتى بلغ الريف. وفي عام ١٦٦٠ كتب لاروشفوكو من (فرتى) إلى المركيزة يقول (هل لاحظت أن الميل إلى كتابة حكم ومواعظ يعدي كالزكام؟ هنا في الريف كثير من الناس انتقلت إليهم العدوى وشغفهم هذا الميل حبا). وصالون هذه المركيزة هو الذي ملك على لاروشفوكو عقله ولبه، واستأثر به دون الصالونات الأخرى
وفي عام ١٦٦١ أصيب بمرض النقرس، فلازم بيته في شارع السين بباريس، وجعله (صالونا) يجتمع فيه عظماء الفرنسيين وأدباؤهم. وفي هذه السنة اعتزلت الدوقة دي لونجفيل الاجتماع واتجهت إلى العبادة والتكفير عن سيئاتها، بعد أن هجرها صاحبها الدوق دي نيمور، ومات قتيلا في مبارزة وقعت بينه وبين الدوق دي بوقور
وكان لاروشفوكو قد بدأ يكتب مذكراته بعد أن وضعت الحرب الأهلية أوزارها في لهجة
стр. 3920
المؤرخ الرزينة، ويذكر فيها الأسباب التي حملته على الاشتراك في هذه الحرب ويردها كلها إلى نكران الجميل الذي بدا له من الملكة آن دوتريش والدوقة دي شفرير والدوقة دي لونجفيل. وأطلع عليها أحد أصدقائه في عام ١٦٦٢ فنصح له بعدم نشرها حتى لا يغضب الملك والأشخاص الذين ورد ذكرهم فيها، فقبل نصحه، ولكن صديقاً آخر نقلها مشوهة دون أن يعلم المؤلف ونشرها في هولانده في عام ١٦٦٤، فأثارت لغطا كثيرا. ويقول الدوق سان سيمون: (لما اطلع أبي على هذه المذكرات ملكته سورة الغضب، وتوجه في الحال إلى المكتبة التي تبيعها، وكتب على كل عدد منها عنوة واقتدارا (كذب المؤلف) وكاد الملك يتدخل في الامر، ويسئ إلى لاروشفوكو لولا حظوة ابنه البكر فرنسوا السابع لدى مولاه.
يتبع
حسن صادق
стр. 3921
العُلوم
العقل البشري
للدكتور عبد الفتاح سلامه
العقل ثلاثة أقسام:
١ - العقل المميز
٢ - العقل الواعي أو الشعوري أو العقل الظاهر
٣ - العقل غير الواعي أو اللاشعوري أو العقل الباطن، ' والعقل غير الواعي يحتوي على قوى عقلية وأفكار مستترة ليست ظاهرة للجزء المجاور له المسمى بالعقل الظاهر. والفكرة المستترة فيه والتي تنضج بالنسبة إليه، يرسلها إلى العقل الظاهر لتحويلها من مجرد فكرة إلى حركة أو عمل، هذا إذا وافق عليها ذلك العقل الظاهر.
والعقل الظاهر هو ذلك الجزء من العقل الذي نعي به كل ما حولنا من ظروف وأحوال، فيختار منها ما قد يبدو له مهماً ويبت فيه إن أمكنه، وهو يتلقى أفكار العقل الباطن لينفذها أو يناقشها ويبت فيها كذلك إن أمكنه، وإلا فانه يعرض ما عسر عليه على العقل المميز.
وسواء أكان العقل الظاهر أو التمييز هو الذي بت في أمر ما فان ذلك يعتبر تجربة يصح القياس عليها، فترسل هذه التجربة إلى العقل الباطن فتسجل وتبقى فيه إلى الوقت المنسب إذ يطلبها أحد العقلين في أي ظرف يحتاج فيه إليها.
على أن تسجيل التجارب والأفكار ليس هو العمل الوحيد للعقل الباطن، بل إن هناك عملا آخر يقوم به، وهو إنه قد يكون له رأياً مستقلا من الأفكار المسجلة عنده، أو قد يوازن بين هذه الأفكار المسجلة ويستخلص منها رأياً يود إثباته أو تنفيذه فيعرضه على العقل الظاهر كما سبق أن بينا ذلك.
ولأجل أن يكون الفكر الذاتي ناضجاً تماماً يجب أن يعرض على العقل الظاهر ثم على العقل المميز حتى تتم له صفة الصحة، فيعتقد الإنسان به تمام الاعتقاد، وهذا هو الطريق الطبيعي للأفكار الذاتية التي لا تسبب أي مشقة للإنسان.
وهناك أفكار ذاتية أخي لا يمكن بأي حال عرضها على الجهات الرئيسية من العقل فتبقى في العقل الباطن، ذلك لأن هناك ما يمنع العرض على العقل الظاهر، وقد يكون هناك
стр. 3922
أيضا ما يمنع العرض على العقل المميز. وأما المانع في الحالتين فهو الضمير الذي يقوم بالمحافظة على تقاليد المجتمع وواجباته من جهة، وبالمحافظة على الدين وتعاليمه من جهة أخرى
والفكرة الذاتية التي لم تتمكن من الوصول إلى العقل الظاهر تبقى في العقل الباطن كوحدة قائمة بذاتها. ذلك لأن الضمير طردها من الجهات الرئيسية من العقل، فلا هي نفذت كما يريد العقل الباطن ولا هي نوقشت حتى يتضح له فسادها فيتركها، وهذا هو السر في تشبث العقل الباطن بالأفكار التي لا يوافق عليها الضمير الديني أو الاجتماعي أو الأخلاقي وفي عمله على تنفيذها بأي شكل كان، ولما كان ذلك التنفيذ محالا بفعل الضمير فان العقل الباطن يتخيل تحقيق هذه الفكرة المحرمة عليه، وهذا التخيل يسبب في كثير من الأحوال حركات جسمانية أو ألفاظاً تنم عليه. والحركات والألفاظ ليست إلا نتيجة تخيل تحقيق فكرة مكبوتة في العقل الباطن، وعلاقة هذه الحركات والألفاظ بالفكرة هي علاقة الصورة أو الخيال الذي يستمد وجوده من وجود جسم آخر قد لا يكون ظاهرا للعيان. وهكذا نرى أن الفكرة الذاتية نفسها وهي التي سببت الحركات والألفاظ لم تتمكن من الوصول إلى الشعور أو التمييز، أي إن الإنسان لا يدري عنها شيئاً مطلقا
ولتسهيل فهم علاقة أقسام العقل الثلاثة ببعضها نشبهها بثلاث غرف متصلة مع بعضها ببابين، وأمام كل باب حاجب يصرح أو لا يصرح بالدخول، وإذا عرفنا أن الحاجب قد يتجاوز مهمته بان يمنع من الدخول من يجب أن يدخل، فإننا نجد أن الضمير قد يغالي في منع مرور الأفكار الذاتية من قسم عقلي إلى القسم الأعلى المجاور له فتبقى الفكرة الذاتية كما قدمنا مصدراً لحركات وألفاظ وعواطف قد تأخذ صفة أعراض الأمراض العصبية، على حين أنه لو سمح لها بالمرور لعرفها العقل الظاهر ولناقشها العقل المميز وبث فيها على أساس سليم فتصبح غير قادرة على إيجاد ما كانت تسببه
على أن هذه الحركات والألفاظ لا يمكن لها الحدوث إلا في غياب التمييز، لأن هذا الأخير كثيراً ما يترك القيادة الفعلية في الإنسان إلى العقل الظاهر، وهذا بدوره كثيراً ما يتأثر في تصرفاته برغبات العقل الباطن وأفكاره، ويكون العقل الباطن إذن هو القائد الأعلى في غياب التمييز أو في حالة ضعفه لسبب ما، ولما كانت الأفكار الذاتية هي من عمل العقل
стр. 3923
الباطن، ولما كان هذا الأخير محدود التمييز فهو عرضة للخطأ في تقديره لحقيقة الامور، وينتج من ذلك أنه كثيراً ما تكون الأفكار الذاتية مخطئة، ولما كانت هذه الأفكار هي التي تقود الإنسان غالباً - في غياب التمييز - فانه من الجلي أن يكون الإنسان العادي عرضة للخطأ في كثير من تصرفاته، وأن يكون الإنسان العصبي عرضة لأن يسبب لنفسه ولمن حوله شتى المتاعب
وإذا كان العقل الباطن محدود التمييز لانه لا يأبه بالحقائق فانه غزير الخيال واسع الحيلة في هذا الباب. ولك خيال عنده حقيقة وإن خالف الواقع، وهذا ما حدا بفرويد أن يقول بان هناك حقيقتين: الحقيقة الواقعية والحقيقة النفسية، وإذا كان الإنسان العادي يعيش في الحقيقة الواقعية فان الإنسان العصبي يعيش في الحقيقة النفسية - أي فيما يصور له الخيال، وهناك أمر آخر يقوم به العقل الباطن، وهو تسجيل الأفكار والتجارب والمعلومات على قواعد الاصطحاب والقرينة أي أن الأشياء المماثلة أو المخالفة لبعضها مسجلة مع بعضها أو بالقرب من بعضها
وتبدأ الأفكار الذاتية والاصطحاب في الظهور عند الإنسان من يوم ولادته، فالجوع يسبب الرغبة في الأكل، والوالدة تطعم طفلها، وهكذا تنشأ فكرة عند الطفل بأنه في حاجة إلى شخص آخر يمده بما يشبع جوعه، ويتعود الطفل سماع صوت معين ورؤية شخص معين يطعمه ويسهر عليه ويسبب له الشعور بالراحة والسرور والاكتفاء، فيصحب ذلك الصوت المعين وهذا الشخص المعين بالسرور والاكتفاء، وهكذا ينشأ الاصطحاب عند الطفل، وهذا يفسر خوف الطفل وبكاءه عند شعوره بانفراده، واطمئنانه وسروره عند رؤيته لوالدته أو عند سماعه صوتها
وإذا عرفنا أن حواس الجسم خلقت لتحمي وجوده، وعرفنا ان العقل هو القائد المدبر لهذه الحماية، وانه من اجل ذلك يسجل عنده الحوادث الماضية كتجارب يستنير بها في أي موقف من مواقفه، وان هذه التجارب وان لم يذكرها الإنسان مسجلة في الجزء اللاشعوري من عقله، مهما طال عليها القدم. إننا إذا عرفنا ذلك أمكن لنا أن نفهم ما قد يبدو لنا غريباً، فقد يسيء إلينا في طفولتنا بعض أشخاص ذوي خلقة معينة، وقد ننسى هؤلاء الأشخاص بالذات ولكننا لا ننسى ان نقابل اي شخص يماثلهم في الخلقة بالكراهية، ذلك لاصطحاب
стр. 3924
الخوف والخطر لهذا الشكل المعين، وهذا يفسر أيضا قول البعض انه يمقت فلانا من أول ما يراه، ولكنه لا يعرف سبب ذلك
على ان هذه الفكرة الذاتية كثيراً ما تتعدى الحاضر إلى المستقبل، فقد تجلس في المقهى على ان تغادره في ساعة معينة فيشغلك الحديث مع جارك، وتنسى كل شيء، ولكن لا تلبث ان تذكر ميعادك في الوقت المناسب فتستأذن لتلبيته، أو قد تنما على أن تستيقظ في ساعة معينة فيكون لك ما تريد. ذلك لانه في اللاشعور قد تكونت عقيدة بأنه من مصلحة الإنسان أو من مصلحة وجوده ان يذهب إلى الميعاد في ساعة معينة، ولهاذ ترى اللاشعور يذكر الشعور باستمرار بالموعد، فهو بين آونة وأخرى يقذف بفكرة الموعد أمام الشعور، وقد لا يأبه الشعور إلى هذا التذكير، لأن الوقت لا يزال مبكراً، ولكن اللاشعور يستمر في التذكير بين آونة وأخرى حتى يحل الموعد فيتذكره الإنسان إذا كان متيقظاً، أو ينتبه من نومه إذا كان نائماً
وكما إن الأفكار الذاتية قد تكون مخطئة فكذلك الاصطحاب قد لا يكون على أساس سليم. ومحاولة تصحيح خطأ الاصطحاب أو توجيه اللاشعور إلى الأفكار والعقائد الصحيحة هو في الواقع واجب على كل إنسان يود أن يحيا حياة عقلية سليمة
وإذا كنا قد أثبتنا أن العقل الباطن هو الذي يقوم بمهمة التخيل فان الجزء الشعوري من العقل هو الذي يقوم بتنفيذ كل ما يوحي به العقل الباطن في غياب التمييز، لأنه يعتقد أن كل ما يوحي به العقل الباطن مهم لاستكمال النقص الموجود في الجسم. وهو في تنفيذه لرغبات العقل الباطن قادر كل القدرة على عمل ما قد يبدو مستحيلاً لأول وهلة، لأن الشعور لا يسيطر فقط على حركة الإنسان الظاهرة، بل يسيطر أيضا على كل الأعضاء الداخلية للجسم. فيكفي أن يخيل العقل الباطن السفر لأجل أن ينفذ الشعور ذلك السفر. ويكفي أن يتخيل العقل الباطن الشفاء لأجل أن ينفذ الشعور الشفاء أيضاً. وهذا هو الأساس في الإيحاء بأنواعه
هذا إلى أن الشعور تتمثل فيه غريزة التغذية، وهي التي تهيئ للجسم أسباب المأكل والمشرب والدفء. . . الخ. وهكذا يتبين أنه إذا كانت كل الجهود التي ترمي إلى حفظ النفس وجعل الجسم كاملاً سليماً ممثلة في العقل الظاهر. ولما كان الإنسان قليل العقلان في
стр. 3925
هذا السبيل فيكون الطمع والحسد والغيرة والمغالاة في جمع المال. ولما كانت كل من هذه الجهود ترمي الى تفكك المجتمع وانحطاط الأخلاق فإننا نجد أن المجتمع قد حاربهما لشيئين:
أولا: من الطفولة إلى إكمال الدراسة نجد أن الأب والمدرس والدين يتعاونون على كبح هذه الرغبات بما يخونه من تعاليم، ثم ينسى الإنسان الأب والمدرس وتبقى التعاليم في العقل بصفة ضمير أو وازع نفساني يحض على الخير وترك الشرك.
ثانياً - إن ما يلاحظه الإنسان في الحياة من احتقار الهيئة الاجتماعية لكل من يحاول إشباع رغبة محرمة يجعل الشعور، وهو الذي يهمه حفظ الجسم وسلامته من الامتهان، يقف في وجه العقل الباطن أو يقلل من مغالاتها هي الأخرى في تنفيذ رغباتها. وهي تقف هنا أيضاً في وجه العقل الباطن باسم الضمير الإنساني النبيل في الظاهر.
والواقع أن خوفها مما حدث لغيرها هو الذي يجعلها تقف هذا الموقف وهكذا يبدو أن الضمير مفيد للهيئة الاجتماعية، وهذا هو الواقع ولكن إلى درجة محدودة. لأن ذلك الضمير إذا كان قوياً أكثر من اللازم فانه يمنع الرغبات من المثول أمام التمييز أو الشعور فتبقى في العقل الباطن دون أن تنفذ، ولما يقتنع العقل الباطن بضرر تنفيذها بعد. وهنا كثيراً ما تنشأ الأمراض العصبية. والطريق الوحيد لإقناع ذلك العقل والتغلب عليه هو عرض رغباته على الشعور أو العقل المميز لمناقشتها والبت فيها
والعقل المميز هو القوة الاختيارية، أي التي توازن بين كل شيء وتختار التصرف الذي يتراءى لها، وهي موضع الذكاء في الإنسان
ويجب أن نذكر أن الضمير لا يمنع كل رغبات العقل الباطن من الوصول إلى الشعور ثم إلى التمييز، بل بالعكس فانه يسمح للكثير منها بالوصول إلى التمييز نفسه، ولكنه يقف أمام رغبات معينة فيمنعها من طريقها إلى الشعور. وهذه الرغبات المعينة الممنوعة هي التي تسبب الأمراض العصبية واما هذه الرغبات المعينة فإننا سنذكرها بشيء من الإسهاب بعد أن نتكلم عن قصة أوديب الملك، وعما يسميه -
والعقل بأقسامه الثلاثة ما هو إلا شيء معنوي أو بمعنى آخر هو وظيفة يقوم بها المخ الذي يتكون من جزأين - الأول وهو القشرة السنجابية الرمادية، يتكون من مجموعة من خلايا
следующие страницы →