Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.
стр. 3921
العُلوم
العقل البشري
للدكتور عبد الفتاح سلامه
العقل ثلاثة أقسام:
١ - العقل المميز
٢ - العقل الواعي أو الشعوري أو العقل الظاهر
٣ - العقل غير الواعي أو اللاشعوري أو العقل الباطن، ' والعقل غير الواعي يحتوي على قوى عقلية وأفكار مستترة ليست ظاهرة للجزء المجاور له المسمى بالعقل الظاهر. والفكرة المستترة فيه والتي تنضج بالنسبة إليه، يرسلها إلى العقل الظاهر لتحويلها من مجرد فكرة إلى حركة أو عمل، هذا إذا وافق عليها ذلك العقل الظاهر.
والعقل الظاهر هو ذلك الجزء من العقل الذي نعي به كل ما حولنا من ظروف وأحوال، فيختار منها ما قد يبدو له مهماً ويبت فيه إن أمكنه، وهو يتلقى أفكار العقل الباطن لينفذها أو يناقشها ويبت فيها كذلك إن أمكنه، وإلا فانه يعرض ما عسر عليه على العقل المميز.
وسواء أكان العقل الظاهر أو التمييز هو الذي بت في أمر ما فان ذلك يعتبر تجربة يصح القياس عليها، فترسل هذه التجربة إلى العقل الباطن فتسجل وتبقى فيه إلى الوقت المنسب إذ يطلبها أحد العقلين في أي ظرف يحتاج فيه إليها.
على أن تسجيل التجارب والأفكار ليس هو العمل الوحيد للعقل الباطن، بل إن هناك عملا آخر يقوم به، وهو إنه قد يكون له رأياً مستقلا من الأفكار المسجلة عنده، أو قد يوازن بين هذه الأفكار المسجلة ويستخلص منها رأياً يود إثباته أو تنفيذه فيعرضه على العقل الظاهر كما سبق أن بينا ذلك.
ولأجل أن يكون الفكر الذاتي ناضجاً تماماً يجب أن يعرض على العقل الظاهر ثم على العقل المميز حتى تتم له صفة الصحة، فيعتقد الإنسان به تمام الاعتقاد، وهذا هو الطريق الطبيعي للأفكار الذاتية التي لا تسبب أي مشقة للإنسان.
وهناك أفكار ذاتية أخي لا يمكن بأي حال عرضها على الجهات الرئيسية من العقل فتبقى في العقل الباطن، ذلك لأن هناك ما يمنع العرض على العقل الظاهر، وقد يكون هناك
стр. 3922
أيضا ما يمنع العرض على العقل المميز. وأما المانع في الحالتين فهو الضمير الذي يقوم بالمحافظة على تقاليد المجتمع وواجباته من جهة، وبالمحافظة على الدين وتعاليمه من جهة أخرى
والفكرة الذاتية التي لم تتمكن من الوصول إلى العقل الظاهر تبقى في العقل الباطن كوحدة قائمة بذاتها. ذلك لأن الضمير طردها من الجهات الرئيسية من العقل، فلا هي نفذت كما يريد العقل الباطن ولا هي نوقشت حتى يتضح له فسادها فيتركها، وهذا هو السر في تشبث العقل الباطن بالأفكار التي لا يوافق عليها الضمير الديني أو الاجتماعي أو الأخلاقي وفي عمله على تنفيذها بأي شكل كان، ولما كان ذلك التنفيذ محالا بفعل الضمير فان العقل الباطن يتخيل تحقيق هذه الفكرة المحرمة عليه، وهذا التخيل يسبب في كثير من الأحوال حركات جسمانية أو ألفاظاً تنم عليه. والحركات والألفاظ ليست إلا نتيجة تخيل تحقيق فكرة مكبوتة في العقل الباطن، وعلاقة هذه الحركات والألفاظ بالفكرة هي علاقة الصورة أو الخيال الذي يستمد وجوده من وجود جسم آخر قد لا يكون ظاهرا للعيان. وهكذا نرى أن الفكرة الذاتية نفسها وهي التي سببت الحركات والألفاظ لم تتمكن من الوصول إلى الشعور أو التمييز، أي إن الإنسان لا يدري عنها شيئاً مطلقا
ولتسهيل فهم علاقة أقسام العقل الثلاثة ببعضها نشبهها بثلاث غرف متصلة مع بعضها ببابين، وأمام كل باب حاجب يصرح أو لا يصرح بالدخول، وإذا عرفنا أن الحاجب قد يتجاوز مهمته بان يمنع من الدخول من يجب أن يدخل، فإننا نجد أن الضمير قد يغالي في منع مرور الأفكار الذاتية من قسم عقلي إلى القسم الأعلى المجاور له فتبقى الفكرة الذاتية كما قدمنا مصدراً لحركات وألفاظ وعواطف قد تأخذ صفة أعراض الأمراض العصبية، على حين أنه لو سمح لها بالمرور لعرفها العقل الظاهر ولناقشها العقل المميز وبث فيها على أساس سليم فتصبح غير قادرة على إيجاد ما كانت تسببه
على أن هذه الحركات والألفاظ لا يمكن لها الحدوث إلا في غياب التمييز، لأن هذا الأخير كثيراً ما يترك القيادة الفعلية في الإنسان إلى العقل الظاهر، وهذا بدوره كثيراً ما يتأثر في تصرفاته برغبات العقل الباطن وأفكاره، ويكون العقل الباطن إذن هو القائد الأعلى في غياب التمييز أو في حالة ضعفه لسبب ما، ولما كانت الأفكار الذاتية هي من عمل العقل
стр. 3923
الباطن، ولما كان هذا الأخير محدود التمييز فهو عرضة للخطأ في تقديره لحقيقة الامور، وينتج من ذلك أنه كثيراً ما تكون الأفكار الذاتية مخطئة، ولما كانت هذه الأفكار هي التي تقود الإنسان غالباً - في غياب التمييز - فانه من الجلي أن يكون الإنسان العادي عرضة للخطأ في كثير من تصرفاته، وأن يكون الإنسان العصبي عرضة لأن يسبب لنفسه ولمن حوله شتى المتاعب
وإذا كان العقل الباطن محدود التمييز لانه لا يأبه بالحقائق فانه غزير الخيال واسع الحيلة في هذا الباب. ولك خيال عنده حقيقة وإن خالف الواقع، وهذا ما حدا بفرويد أن يقول بان هناك حقيقتين: الحقيقة الواقعية والحقيقة النفسية، وإذا كان الإنسان العادي يعيش في الحقيقة الواقعية فان الإنسان العصبي يعيش في الحقيقة النفسية - أي فيما يصور له الخيال، وهناك أمر آخر يقوم به العقل الباطن، وهو تسجيل الأفكار والتجارب والمعلومات على قواعد الاصطحاب والقرينة أي أن الأشياء المماثلة أو المخالفة لبعضها مسجلة مع بعضها أو بالقرب من بعضها
وتبدأ الأفكار الذاتية والاصطحاب في الظهور عند الإنسان من يوم ولادته، فالجوع يسبب الرغبة في الأكل، والوالدة تطعم طفلها، وهكذا تنشأ فكرة عند الطفل بأنه في حاجة إلى شخص آخر يمده بما يشبع جوعه، ويتعود الطفل سماع صوت معين ورؤية شخص معين يطعمه ويسهر عليه ويسبب له الشعور بالراحة والسرور والاكتفاء، فيصحب ذلك الصوت المعين وهذا الشخص المعين بالسرور والاكتفاء، وهكذا ينشأ الاصطحاب عند الطفل، وهذا يفسر خوف الطفل وبكاءه عند شعوره بانفراده، واطمئنانه وسروره عند رؤيته لوالدته أو عند سماعه صوتها
وإذا عرفنا أن حواس الجسم خلقت لتحمي وجوده، وعرفنا ان العقل هو القائد المدبر لهذه الحماية، وانه من اجل ذلك يسجل عنده الحوادث الماضية كتجارب يستنير بها في أي موقف من مواقفه، وان هذه التجارب وان لم يذكرها الإنسان مسجلة في الجزء اللاشعوري من عقله، مهما طال عليها القدم. إننا إذا عرفنا ذلك أمكن لنا أن نفهم ما قد يبدو لنا غريباً، فقد يسيء إلينا في طفولتنا بعض أشخاص ذوي خلقة معينة، وقد ننسى هؤلاء الأشخاص بالذات ولكننا لا ننسى ان نقابل اي شخص يماثلهم في الخلقة بالكراهية، ذلك لاصطحاب
стр. 3924
الخوف والخطر لهذا الشكل المعين، وهذا يفسر أيضا قول البعض انه يمقت فلانا من أول ما يراه، ولكنه لا يعرف سبب ذلك
على ان هذه الفكرة الذاتية كثيراً ما تتعدى الحاضر إلى المستقبل، فقد تجلس في المقهى على ان تغادره في ساعة معينة فيشغلك الحديث مع جارك، وتنسى كل شيء، ولكن لا تلبث ان تذكر ميعادك في الوقت المناسب فتستأذن لتلبيته، أو قد تنما على أن تستيقظ في ساعة معينة فيكون لك ما تريد. ذلك لانه في اللاشعور قد تكونت عقيدة بأنه من مصلحة الإنسان أو من مصلحة وجوده ان يذهب إلى الميعاد في ساعة معينة، ولهاذ ترى اللاشعور يذكر الشعور باستمرار بالموعد، فهو بين آونة وأخرى يقذف بفكرة الموعد أمام الشعور، وقد لا يأبه الشعور إلى هذا التذكير، لأن الوقت لا يزال مبكراً، ولكن اللاشعور يستمر في التذكير بين آونة وأخرى حتى يحل الموعد فيتذكره الإنسان إذا كان متيقظاً، أو ينتبه من نومه إذا كان نائماً
وكما إن الأفكار الذاتية قد تكون مخطئة فكذلك الاصطحاب قد لا يكون على أساس سليم. ومحاولة تصحيح خطأ الاصطحاب أو توجيه اللاشعور إلى الأفكار والعقائد الصحيحة هو في الواقع واجب على كل إنسان يود أن يحيا حياة عقلية سليمة
وإذا كنا قد أثبتنا أن العقل الباطن هو الذي يقوم بمهمة التخيل فان الجزء الشعوري من العقل هو الذي يقوم بتنفيذ كل ما يوحي به العقل الباطن في غياب التمييز، لأنه يعتقد أن كل ما يوحي به العقل الباطن مهم لاستكمال النقص الموجود في الجسم. وهو في تنفيذه لرغبات العقل الباطن قادر كل القدرة على عمل ما قد يبدو مستحيلاً لأول وهلة، لأن الشعور لا يسيطر فقط على حركة الإنسان الظاهرة، بل يسيطر أيضا على كل الأعضاء الداخلية للجسم. فيكفي أن يخيل العقل الباطن السفر لأجل أن ينفذ الشعور ذلك السفر. ويكفي أن يتخيل العقل الباطن الشفاء لأجل أن ينفذ الشعور الشفاء أيضاً. وهذا هو الأساس في الإيحاء بأنواعه
هذا إلى أن الشعور تتمثل فيه غريزة التغذية، وهي التي تهيئ للجسم أسباب المأكل والمشرب والدفء. . . الخ. وهكذا يتبين أنه إذا كانت كل الجهود التي ترمي إلى حفظ النفس وجعل الجسم كاملاً سليماً ممثلة في العقل الظاهر. ولما كان الإنسان قليل العقلان في
стр. 3925
هذا السبيل فيكون الطمع والحسد والغيرة والمغالاة في جمع المال. ولما كانت كل من هذه الجهود ترمي الى تفكك المجتمع وانحطاط الأخلاق فإننا نجد أن المجتمع قد حاربهما لشيئين:
أولا: من الطفولة إلى إكمال الدراسة نجد أن الأب والمدرس والدين يتعاونون على كبح هذه الرغبات بما يخونه من تعاليم، ثم ينسى الإنسان الأب والمدرس وتبقى التعاليم في العقل بصفة ضمير أو وازع نفساني يحض على الخير وترك الشرك.
ثانياً - إن ما يلاحظه الإنسان في الحياة من احتقار الهيئة الاجتماعية لكل من يحاول إشباع رغبة محرمة يجعل الشعور، وهو الذي يهمه حفظ الجسم وسلامته من الامتهان، يقف في وجه العقل الباطن أو يقلل من مغالاتها هي الأخرى في تنفيذ رغباتها. وهي تقف هنا أيضاً في وجه العقل الباطن باسم الضمير الإنساني النبيل في الظاهر.
والواقع أن خوفها مما حدث لغيرها هو الذي يجعلها تقف هذا الموقف وهكذا يبدو أن الضمير مفيد للهيئة الاجتماعية، وهذا هو الواقع ولكن إلى درجة محدودة. لأن ذلك الضمير إذا كان قوياً أكثر من اللازم فانه يمنع الرغبات من المثول أمام التمييز أو الشعور فتبقى في العقل الباطن دون أن تنفذ، ولما يقتنع العقل الباطن بضرر تنفيذها بعد. وهنا كثيراً ما تنشأ الأمراض العصبية. والطريق الوحيد لإقناع ذلك العقل والتغلب عليه هو عرض رغباته على الشعور أو العقل المميز لمناقشتها والبت فيها
والعقل المميز هو القوة الاختيارية، أي التي توازن بين كل شيء وتختار التصرف الذي يتراءى لها، وهي موضع الذكاء في الإنسان
ويجب أن نذكر أن الضمير لا يمنع كل رغبات العقل الباطن من الوصول إلى الشعور ثم إلى التمييز، بل بالعكس فانه يسمح للكثير منها بالوصول إلى التمييز نفسه، ولكنه يقف أمام رغبات معينة فيمنعها من طريقها إلى الشعور. وهذه الرغبات المعينة الممنوعة هي التي تسبب الأمراض العصبية واما هذه الرغبات المعينة فإننا سنذكرها بشيء من الإسهاب بعد أن نتكلم عن قصة أوديب الملك، وعما يسميه -
والعقل بأقسامه الثلاثة ما هو إلا شيء معنوي أو بمعنى آخر هو وظيفة يقوم بها المخ الذي يتكون من جزأين - الأول وهو القشرة السنجابية الرمادية، يتكون من مجموعة من خلايا
стр. 3926
عصبية متصلة ببعضها تمام الاتصال، والثاني وهو الجزء الأبيض المكون من خيوط دقيقة تقوم بمهمة أسلاك التلفون، وتوصل الخلايا مع بعضها كما توصل بين الخلايا وأجزاء الجسم المختلفة.
والخلية العصبية هي وحدة المخ التي تساهم في تكوين العقل بأقسامه الثلاثة، ففي كل خلية جزء من المعلومات والإحساس والتمييز الخ. والعقل التام أو قيام المخ بوظيفته كما يجب لا يمكن أن يكون إلا عن طريق الاتصال الكلي بين جميع الخلايا، وبهذا يمكن تبادل المعلومات والإحساس والتمييز بين الخلايا فيؤدي المخ وظيفته على أحسن حال. وكلما كان هناك ما يمنع اتصال الخلايا كان هناك أيضاً فكر غير ناضج ورأي غير معقول. وليست فائدة الاتصال بين الخلايا مقتصرة على تبادل المعلومات. إذ أن تسجيل التجارب والأفكار يحدث بواسطة هذا الاتصال على قواعد الاصطحاب والقرينة فالمعلومات المتشابهة أو المتضادة تسجل في خلايا متجاورة أو متباعدة، ولكنها متصلة ببعضها
ولما كان المخ البشري من الوجهة التشريحية الميكروسكوبية متماثل من جميع الوجوه - سواء في ذلك المخ الزنجي ومخ الرجل الأبيض، وسواء في ذلك أفتى وأغبى رجل - فإن اتصال الخلايالا يتوقف على كثرة أو قلة الخيوط الدقيقة، أو على مقدار تفرع هذه الخيوط كما يتوقف على العوامل النفسية والعقلية الأخرى
فالعوامل النفسية إذن هي التي تمنع الاتصال بين الخلايا. وأكثر هذه العوامل هو ما يكون بفعل المشادة بين اللاشعور والشعور، أو بمعنى أدق بين اللاشعور والضمير - أو بين ما يسميه فرويد وهو يقصد بكلمة لبدو كل الجهود التي ترمي إلى إشباع شهوة النفس وبكلمة الجهود التي ترمي إلى حفظ النفس وجعلها ملائمة لمقتضيات الوسط الذي تعيش فيه
هذه المشادة بين اللاشعور والضمير هي التي خلقت العواطف في الإنسان وخلقت فيه التردد وعدم البت في الأمور، وهي التي كثيراً ما تحول دون تمام الاتصال بين الخلايا، فيكون الفكر والرأي والتصرف غير ناضجة من الوجهة العقلية السليمة. وهي أيضا التي تمهد السبيل إلى الأمراض العصبية المختلفة
وليس هذا الاتصال المباشر بالخيوط الدقيقة - هو الاتصال الوحيد بين الخلايا. فان هناك اتصالا آخر غير مباشر وهو اتصال يمكن تشبيهه بالاتصال اللاسلكي بين المحطات
стр. 3927
المختلفة
هذا الاتصال الأثيري قد يكون موجودا، ولكنه نادر وقليل الحدوث بين خلايا المخ الواحد، وهو مع ذلك شائع وكثير الحدوث بين الخلايا التي لا تنتمي إلى مخ واحد. وهذا هو سبب ما نسميه توارد الخواطر وسبب الرؤيا الصادقة. ومن منا لا يذكر انه أراد مرة أن يقول كلمة فسبقه مخاطبه بقولها؟ ومن منا لا يذكر انه كان يتكلم مع صديقه عن شخص ثالث، فإذا بهذا الشخص الثالث يحضر على الأثر؟ ومن منا لا يذكر انه رأى شيئاً في الرؤيا فإذا به يراه في اليقظة في اليوم التالي؟
وهكذا نرى أنه قد يكون لكل رؤيا تفسيران - التفسير الأول وهو الثابت في جميع الرؤى هو التفسير التحليلي الذي سبق أن تكلمنا عنه. وأما التفسير الثاني الذي يتعلق بحوادث اليوم الأول أو الأيام القليلة التي تلي ليلة الرؤيا فانه، فضلا عن كونه قليل الأهمية في الغالب لا يمكن معرفته قبل حدوثه بالفعل، فهو نادر الحدوث، أي أن الرؤيا التي لها تفسير من هذا القبيل قليلة ونادرة. فالتفسير التحليلي إذن هو الأهم وبواسطته يمكن معرفة رغبات الإنسان الكامنة فيستدل على مواطن المرض العصبي ويستأصل من جذوره
هذا وقد حاول الكثيرون التخلص من الأفكار الذاتية المخطئة بطرق شتى
١ - الإيحاء
٢ - الإيحاء الذاتي
٣ - الجمع بين الطريقتين السابقتين وهي طريقة (وهي التي يسميها '
٤ - التنويم المغناطيسي. وعيبه أنه يؤثر تأثيرا بيناً في شخصية النائم. على أن هذه الطرق الأربعة مع إمكان نجاحها في الحالات البسيطة، فهي كثيراً ما تفشل، ذلك لأنها لا تؤثر إلا في الحركات والألفاظ أو الأعراض العصبية الأخرى التي سببتها الأفكار الذاتية الكامنة، ولكنها لا تؤثر في هذه الأفكار نفسها. ولذا فان هذه الأعراض قد تختفي لتحل محلها أعراض أخرى أخف أو أشد منها على حسب الظروف. ولو تسنى معرفة هذه الأفكار أو الرغبات الكافية لعرضت على العقل المميز وبت فيها ولخرجت إذن من العقل الباطن وأصبحت غير قادرة على ما كانت تسببه قبل ذلك
وفيما بعد سنتكلم عن الإيحاء والتنويم والاتصال الأثيري والتحليل النفسي مع شيء من
стр. 3928
الإسهاب. ولا بأس الآن بعد أن وصلنا إلى هذا القدر من البحث من أن نشير إلى الروح وما هي، فقد تعرض لها الكثيرون في العصور المختلفة. فمن قائل إنها في الدم، ومن قائل إنها في القلب. وربما يظن الإنسان أنه قد توصل إلى معرفتها، وأنها هي التي تتجلى في الاتصال الأثيري السالف الذكر، والواقع أنها بعيدة عن متناول يده الضعيفة، فهو لم يعرف بعد جميع أسرار المادة التي يراها حوله في كل مكان. وأولى له أن يعرف هذه الأسرار قبل التطلع إلى معرفة الروح. والروح من أمر الله
عبد الفتاح سلامه
стр. 3929
القصص
مغامرات آخر بني سراج
لشاتو بريان
'
تلخيص وتحليل ونقد
بقلم الآنسة سهير القلماوي ليسانسييه في الآداب
بنو سراج في التاريخ
إذا كان تاريخ سقوط غرناطة يحفه الكثير من الغموض والكثير من النقص واللبس، فلا غرو إذا كان تاريخ بني سراج كله غموض وإبهام، وكله لبس ونقص. لا نجد كتاباً يذكر عن بني سراج شيئاً كافياً، ولا نجد كاتباً ينتهي في أمرهم إلى ما ينتهي إليه غيره، هذا إذا ذكروهم وما أقل ما ذكروا.
فإذا بدأت بقولهم إن بني سراج اسرة، تجد خلافاً في هل عرفوا في التاريخ كاسرة حقاً، أو أن التاريخ لم يعرف منهم إلا فرداً واحداً؟ وهم بعد يختلفون في حقيقة اسمه. وإذا ثنيت بقولهم نشأوا في غرناطة وجدت من يقول إنهم نشأوا في قرطبة، ثم رحلوا عنها إلى غرناطة. وهكذا يستمر الخلاف في كل خطوة من خطى الكلام على بني سراج.
ولكن برغم هذا كله يمكن أن نستخلص من كلام المؤرخين في شأنهم ما يلي: إنهم أسرة عرفت في غرناطة أواخر أيام بني الأحمر وكان هلاكها على يد أحدهم: أما أبو الحسن علي، وأما أبو عبد الله. وكان لهم يد في الخلافات الأخيرة التي وقعت بين أفراد الأسرة الحاكمة. وهم مشهورون بعد بخلافاتهم مع بني الزغري أو الزغبي، ونجد تأييدا لذلك كتاباً إسبانياً ألف حوالي سنة ١٥٩٥ عنوانه (تاريخ عصابات الزغري وبني سراج والحروب الأهلية في غرناطة)
كذلك شهر بنو سراج بقصد الفتك بهم، فقيل أن بني الزغري كادوا لهم عند أبي عبد الله ففتك بهم. أما المكيدة نفسها فبعضهم يكتفي بالإشارة اليها، والبعض الآخر يتخذ الأسطورة
стр. 3930
المشهورة في الفتك بهم كحقيقة تاريخية فيرويها. وفيما بعد تفصيل لتلك الأسطورة
أما شانوبريان مؤلف القصة المشهورة باسمهم، فالظاهر انه كان يرى فيهم أسرة من أشراف غرناطة حاربهم الأسبان فقتلوهم وشردوهم، والدليل على قولي هذا إن بطل القصة آخر سلالة بني سراج جاء إسبانيا للانتقام من سلالة السيد الأسبان لأنهم شردوا أجد اده وقتلوهم: ولو صحت لديه الأسطورة المشهورة لجاء ابن حامد منتقماً من سلالة بني الأحمر لا من سلالة الأسبان.
ننتهي من كل هذا إلى ان بني سراج اسم يذكر مقروناً بذكر سقوط غرناطة وببني الأحمر. إما مآلهم وإما حقيقتهم فشيء يحفه الكثير من الغموض ويحيط به سياج من الأساطير يخفي الكثير من الحقيقة.
بنو سراج في الأساطير
إذا كان التاريخ لم ينصف بني سراج فان الأساطير أنصفتهم كما أنصفهم الفن في الأدب والغناء.
تتعلق ببني السراج أسطورتان مهمتان، وكلتا الأسطورتين كانتا منبعاً للأدب أو للقصص بنوع خاص.
أما الأولى فهي الأسطورة التي تروي في سبب الفتك ببني سراج وهي أن أبا عبد الله بلغه حب أحد بني سراج لأخته زريده، فثار ثائره، وجمع الحاسرة كلها في مكان من الحمراء وأحرقهم أو قطع رؤوسهم جميعاً، ومازال صدى أصواتهم يرن في جنبات الحمراء شاكياً من ظلم مالا قوه. ويلمح كاتب مقال بني سراج في دائرة المعارف الإيطالية شبهاً عظيماً بين هذه القصة والقصة التي تروي في الشرق عن سبب الفتك بالرامكة، مما يجعله يرجح ان قصة بني سراج هذه ما هي إلا أسطورة غريبة صيغت على نسق الأسطورة الشرقية، فبنو سراج وزراء بني الأحمر، والبرامكة وزراء بني العباس، وفتك بالبرامكة الرشيد، لان جعفراً البرمكي أحب أخته العباسة، وكذلك فتك أبو عبد الله بالسراجيين لأن أحدهم احب أخته زريدة. ثم يقول كاتب المقال، واسم وهو اسم غريب في الأسماء العربية ما هو إلا تحريف تحكمي لاسم زبيدة زوج الرشيد.
ومما يبعد هذه الأسطورة عن التاريخ أن مؤرخاً عربياً واحدا لم يذكرها وان كان الأسبان
стр. 3931
اكثروا من ذكرها في مؤلفاتهم.
وأما الأسطورة الثانية التي تتعلق ببني سراج فهي الأسطورة المذكورة في كتاب لانطيونو فالجانس اسمه تاريخ بني سراج وظريفة، ألفه سنة ١٥٥١ وقد استقاه من كتاب لا يعرف مؤلفه اسمه ' ويروي فيه قصة ابن دريز الرامي الذي تزوج سراً من ظريفة ابنة قائد قرطبة والذي أسره قائد الأنتقيرة. ولما صاحبته زوجه عن طيبة خاطر إلى السجن أخذت القائد شفقة على حالها المحزنة، وعلى حبهما وإخلاصهما، وطلب إلى أبيه أن يعفو عنهما، وحصل منه على أمر بإطلاق سراحهما. وقد رويت هذه القصة برقة زائدة حتى إن يقول، يظهر إنها كتبت بريشة من جناح أحد الملائكة واشتهرت هذه القصة شهرة عظيمة واعجب بها وذكرها في دون كيشوت. كتابه ديانا. واستخلص من موضوعها روايته. . . . وكانت القصة باختصار موضوعاً لعدة قصص من اشهرها أجملها ما رواه ' روايته
هاتان هما الأسطورتان، وما تفرع عنهما، ولكن موضوع بني سراج أنفسهم غير متأثر بأسطورة معينة من الأسطورتين كان وحياً للموسيقى المشهور شروبيني فقد وضع فيهم أوبرا مثلت في باريس سنة ١٣٨١ ووضع كلامها ولا تزال بعض ألحانها مشهورة إلى اليوم
كذلك نجد ذكرهم عند شعراء العرب، فهم يذكرون كثيراً، مثلا فيما ألف حول سقوط قلعة الحامة من شعر وغناء.
كذلك أنصفت الأساطير بني سراج كما أنصفهم الأدب والغناء.
قصة شاتو بريان
هؤلاء هم بنو سراج كما يعرفهم التاريخ وكما تعرفهم الأساطير ولكن الذي رفع ذكرهم ليس التاريخ أو الأساطير، وإنما هي قصة ألفها الكاتب الفرنسي المشهور شاتوبريان، وهي قصة (مغامرات آخر بني سراج). وليست القصة عن بني سراج أنفسهم كما يدل عنوانها، ولكن المؤلف اتخذ لقصته بطلا ادعى انه آخر سلالة هذه الأسرة، ولا يغير من القصة لو كان هذا البطل آخر سلالة أي أسرة عربية أخرى شهدت سقوط غرناطة وأصابها ما أصاب العرب جميعاً إذ ذاك.
كيف استقى المؤلف قصته
стр. 3932
عاش شاتوبريان في شمال فرنسا، ولكنه عرف بكثرة الرحلات واتساع نطاقها، كما عرفت أسرته كلها بولعها بالرحلات والمغامرات، وقام شاتوبريان نفسه بعدة رحلات، فقد سافر إلى امريكا، وكانت تلك الرحلة من أهم ما انتفع به في كتابه الذي رفع ذكره وهو أثالا. كذلك عاش زمناً في لندره، حيث كتب الكثير من مؤلفاته، ورحلاته هذه لم تمل عليه أدباً فحسب، وإنما وصفها في كتب عدة غير مشهورة.
ولكن هناك رحلة خاصة هي التي أوحت إليه بتلك القصة التي نحن بصدد الكلام عنها، فقد تواعد وإحدى صديقاته على زيارة الحمراء وما حولها في غرناطة. وفعلا تقابلا هناك وزارا معاً الحمراء وما جاورها. وكان من أثر هذه الزيارة ان كتب القصة في نفس تلك الأمكنة التي يصفها. في الحمراء وما جاورها.
هذا ما أوحى إليه بالقصة. وأما مادة القصة فقد استقاها من كتاب أشرنا إليه آنفاً وهو (تاريخ عصابات الزغري وبني سراج والحروب الأهلية لغرناطة) ألف هذا الكتاب حوالي سنة ١٥٩٥ ولكنه ترجم إلى الفرنسية وطبع في باريس ثلاث طبعات، الأولى سنة ١٦٠٦، والثانية سنة ١٦٩٨، والثالثة سنة ١٨٠٩، وإذا عرفنا أن شاتوبريان مات سنة ١٨٤٨ عرفنا انه كان يمكنه الاطلاع على كل هذه الطبعات الثلاث للترجمة الفرنسية فوق إن إحداها طبعت في شبابه، فلا غرو أن لفتت نظره. وهذا الكتاب الذي ألفه مستقى من ومن قصص العامة مسيحية وإسلامية حتى أن بعضها منقول نقلا. أضف إلى كل هذا أن أوبرا في بني سرا مثلت سنة ١٨١٣ فكانت حافزا للمؤلف ولا شك على تأليف قصته
ملخص: القصة
أما القصة نفسها فتتلخص في ان ابن حامد هاجر من قرطاجنة إلى غرناطة شوقاً إلى رؤية آثار أجداده وآخذاً للثأر ممن فتكوا بهم. وأثناء زيارته لتلك الآثار التي كانت تثير أشجانه، لمح أسبانية فتعرفها ثم احبها وأحبته. وزارا معاً قصر الحمراء، ولكن كل واحد منهما أصر على دينه، وأصر على ألا يتزوج صاحبه إلا إذا بقى على دينه. وكان ابن حامد يعرف أن صاحبته من أسرة أسبانية عريقة، ولكن لا يعرف عن هذه الأسرة شيئاً. وكانت إدماء تعرف أن صاحبها من أشراف العرب الذين هاجروا إلى المغرب، ولكنها لم تعرف لأسرته
стр. 3933
اسما.
ويضطر ابن حامد إلى ترك غرناطة ليودع والدته قبل فراقها الحياة، فيودع إدماء ويقسمان على الإخلاص والوفاء. ثم يعود إليها بعد أن فارقت أمه الحياة فيجدها كما أمل: وفية مخلصة ثابتة على دينها
ولكن يظهر لابن حامد منافس في حب إدماء هو صديق أخيها الفارس الفرنسي لوترك ويعرض عليها أخوها الزواج من لوترك فترفض وتعترف له بحبها لابن حامد، فيثور أخوها ويطلب ابن حامد للمبارزة فيتبارزان ويجرح ابن حامد. وتأتي إدماء إلى ميدان المبارزة في صحبة لوترك، وتحاول إصلاح الحال بين أخيها ولوترك من جهة، وبين ابن حامد من جهة أخرى، ولكنها لا تفلح، ويصر ابن حامد على أن يحترم دون كارلوس أخاها ويحتقر لوترك حبيبها ويكرههما الاثنين.
وعند الغروب بينما كان ابن حامد سائراً سابحاً في أفكاره، إذ تنبه على صوت الناقوس يدعو النصارى إلى صلاتهم، فيدخل الكنيسة على إله النصارى وهو إله أيضا أن يحل ما تعقد في رأسه من أفكار. فيرى في الكنيسة (لوترك) راكعاً يصلي، فيهم بالخروج وإذا به يفاجئ إدماء داخلة تصلي أيضاً، فيظن هو إنها آتية للقاء لوترك، ولكنها تنفي عنه الظنة قائلة (أنا أعلى من أن أغشك) ثم تشتكي له ما تلاقيه وتفهمه أنه بتنصره يبرئها من سقامها وآلامها، فيخرج ابن حامد من الكنيسة وهو مصمم على أن يتنصر في الصباح.
وفي المساء سار إلى دون كارلوس فوجده قد سبقه إلى بيت لوترك، فسار إليه هناك فوجد أن لوترك يقيم حفلا في هذا المساء، وبدأ القوم يغنون بمفاخر قومهم كعادتهم في حفلاتهم، وغنى دون كارلوس فعرف ابن حامد من غنائه أنه أحد سلالة السيد الأسباني الذي جاء ينتقم من سلالته لأجداده بني سراج. وهنا كشف ابن حامد لهم عن حقيقته، فخيره دون كارلوس بين المبارزة وبين التنصر والتزوج بإدماء. وكان الخيار عليه صعباً، فحكم إدماء، فكان حكمها أن (عد إلى صحرائك)
ظلت إدماء بلا زواج طول حياتها تندب السراجي، وضم السراجي قبر لا زال معروفاً إلى الآن في المغرب بقبر آخر بني سراج
هذه خلاصة القصة ونلاحظ عليها ما يلي.
стр. 3934
١ - إن القصة كلها لا أصل لها في التاريخ. ويقول صاحب مقال بني سراج في دائرة المعارف الإيطالية أن ليس لها من الحقيقة سوى الاسم، بنى سراج.
٢ - إن الفكرة الدينية كانت عنصرا هاما في الموضوع، وهي دائما عنصر هام في روايات شانو بريان حتى قصته التي رفعته إلى أوج الشهرة وهيمبنية على الفكرة الدينية.
٣ - تعد القصة من مؤلفات شاتو بريان الثانوية، قلما يقرؤها إلا من كان معنيا بشؤون الشرق والشرقيين. ولكنها برغم هذا من القصص التي تترك في نفس القارئ أثرا بينا، لا من حوادثها فقط ولا من شهامة إبطالها فحسب، ولكن من هذا كله ومن الوصف الدقيق الذي تمتاز به.
٤ - أبطال القصة مرتفعون بشهامتهم وشرفهم ارتفاعا لا يقربهم إلى نفس القارئ، ومما ساعد على بعدهم عن قلب القارئ قلة التحليل النفساني الذي يصل بالقارئ إلى معرفة هؤلاء الأبطال معرفة تقربهم منه، وهو وان كان قد عمد إليه في بعض الأحيان فلا انه لم يوفق فيه. فشخصية ابن حامد وهي أهم شخصية في القصة لا تجد لها تحليلا كافيا ولا تتبينها إلا إذا أسبغت عليها الكثير من خيالك الخاص.
٥ - والمحادثات التي تجري في القصة متكلفة بشكل غريب، وكان أبطالها كلهم ينشئون رسائل أو ينمقون مقالات، وكان لكل هذا أثره البين في إلباس هذه الشخصيات لباساً غامضاً لا يتنوع بتنوع الأشخاص.
٦ - كان المؤلف في قصته وصافاً اكثر منه مؤلفاً قصصياً، والظاهر أن موضوع القصة وأشخاصها لم يهم المؤلف قدر ما أهمه وصف الحمراء وما جاورها.
الترجمة لشكيب أرسلان
ترجم القصة الفرنسية الكاتب المعروف شكيب أرسلان، ولكن الترجمة حرفية، وقد أخلت حرفيّها بكثير من معانيها، وجعلت لها صبغة غريبة لغرابة تراكيبها وتعابيرها. ولو عمدت إلى نقل المواضع التي أفسدتها الترجمة الحرفية لاكترث وأمللت
وقد خلى المترجم ترجمته بأبيات شعر كثيرة مقتبسة غير التي اضطر إلى نظمها ترجمة للأصل الفرنسي الشعري، وكانت هذه الأبيات المقتبسة مما ساعد كثيراً على عدم الانسجام في القصة، فهي وان كانت في نفس المعنى المساقة فيه، إلا ان بعدها عن روح القصة
стр. 3935
وجوهاً جعلها كالأنغام الناشزة في الموسيقى.
وأخيراً لم يكن للمترجم فضل في تلك الترجمة إلا نقل صورة مهما تكن حالها لقصة يجب ان يطلع عليها كل قارئ لتاريخ الأندلس، وأما فضله حقاً فهو في الذيل الذي أتبعه قصته وهو ما لا نتعرض له.
سهير القلماوي
стр. 3936
الكتب
ديوان الأعشاب
لمحمود أبو الوفا
حديث عن الشعر وعن الديوان
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
في إحدى زياراتي للأستاذ مصطفى صادق الرافعي رأيت على مكتبه (ديوان الأعشاب) الذي أخرجه الشاعر المعروف الأستاذ محمود أبو الوفا، فاكبرت أن أجد هذا الديوان حيث وجدته، ولكن الأستاذ أثنى عليه وعلى صاحبه، ثم قال: هلم نقرؤه معاً، وبعد أن استوفيناه، نقلت عنه هذا الحديث للرسالة الغراء، قال:
(أبو الوفاء شاعر ملء نفسه، ما في ذلك شك. مذهبه الجمال في المعنى، يبدعه كأنما يزهر به، والجمال في الصورة يخرجها من بيانه، كما تخرج الغصون والأوراق من شجرتها. وله طبع وفيه رقة، وهو يجري من البيان على عرق، وسليقته تجعله ألزم لعمود الشعر وأقرب إلى حقيقته، حتى إنه ليعد أحد الذين يعتصم الشعر العربي بهم، وهم قليل في زمننا، فإن الشعر منحدر في هذا العصر إلى العامية في نسقه ومعانيه، كما انحدر التمثيل، وكما انحدرت أساليب الكتابة في بعض الصحف والمجلات.
وللعامية وجوه كثيرة تنقلب فيها الحياة، ومرجعها إلى روح الإباحة الذي فشا بيننا، ونشأ عليه النشء في هذه المدينة التي تعمل في الشرق غير عملها في الغرب، فهي هناك رخص وعزائم، وهي هنا تسمح وترخص، في ظل ضعيف من العزيمة. وإهمال البلاغة العربية الجميلة كما هي في قوانينها، ليس إلا مظهراً لتلك الروح تقابله المظاهر الأخرى، من إهمال الخلق، وسقوط الفضيلة، وتخنث الرجولة، وزيغ الأنوثة، وفساد العقيدة، واضطراب السياسة، إلى ما يجري هذا المجرى مما هو في بلاغة الحياة المبينة كالمرذول والمطرح والسفساف في بلاغة الكلام الفصيح. كل ذلك في مواضعه تحلل من القيود وإباحة وتسمح وترخص، وكل ذلك عامية بعضها من بعض، ولك ذلك لحن في البلاغة والخلق والفضيلة والرجولة والأنوثة والعقيدة والسياسة.
стр. 3937
والشعر اليوم أكثره (شعر النشر) في الجرائد، على طبيعة الجرائد لا على طبيعة الشعر. وهذه إباحة صحافية غمرت الصحف، وأخضعت أذواق كتابها لقوانين التجارة، فانهم لينشرون بعض القصائد، كما تنشر (الإعلانات) لا يكون الحكم في هذه ولا هذه لبيان أو تمييز أو منفعة، بل على قدر الثمن أو ما فيه معنى الثمن.!
ومن مادية هذا العصر وطغيان العامية عليه، إننا نرى في صدر بعض الجرائد أحياناً شعراً لا يكون في صناعة الشعر ولا في طبقات النظم أضعف ولا أبرد منه، ولا أدل على فساد الذوق الشعري، ولكنه على ذلك الأصل الذي أومأنا إليه يعد كلاماً صالحاً للنشر، وان لم يكن صالحاً للشعر.
وهكذا أصبحت العامية في تمكنها تجعل من الغفلة حذقاً تجارياً، ومن السقوط علواً فلسفياً، ومن الركاكة بلاغة صحفية، ومتى تغير معنى الحذق، وداخلته الإباحة، ووقع فيه التأويل، وأحيط بالتمويه والشبه - فالريبة حينئذ أخت الثقة، والعجز باب من الاستطاعة، والضعف معنى من التمكين، وكل ما لا يقوم فيه عذر صحيح، كان هو بطبيعة التلفيق عذر نفسه.
وأكثر ما تنشره الصحف من الشعر هو في رأيي صناعة احتطاب من الكلام. . . وقد بطل التعب، إلا تعب التقشش والحمل، فلم تعد هناك صناعة نفسية في وشي الكلام، ولا طبع موسيقي في نظم اللغة، ولا طريقة فكرية في سبك المعاني؛ وبهذه العامية الثقيلة أخذ الشعر يزول عن نهجه، ويضل عن سبيله، ووقع فيه التوعر السهل. . . والاستكراه المحبوب. . . وصرنا إلى ضرب حديث من الوحشية. هو الطرف المقابل للشعر الوحشي في أيام الجاهلية. فما دام الكلام غريباً، والنظم قلقاً، والمأتى بعيداً، والمعنى مستهلكاً، والنسج لا يستوي، والطريقة لا تتشابه - فذلك كله مسخ وتشويه في الجملة، وإن اختلفت الأسباب في التفصيل، وإذا كان المسخ جاهلياً بالغريب من الألفاظ، والنافر من اللغات، والوحشي من المعاني، وكان عصريا بالركيك من الألفاظ، والنازل من التعبير، والهجين من الأساليب، والسخيف من المعاني ثم بالسقط والخلط والاضطراب والتعقيد، فهل بعض ذلك إلى من بعضه؟ وهل هو في الشرع الجميل إلا كسلخ الإنسان الذي مسخه الله فسلخه من معان كان بها إنساناً، ليضعه في معان يصير بها فرداً أو خنزيراً ليس عليه إلا ظاهر الشبه، وليس معه إلا بقية الأصل؟
стр. 3938
فالفردية الشعرية، والخنزيرية الشعرية، متحققتان في كثير من الشعر الذي ينشر بيننا، ولكن أصحاب هذا الشعر لا يرونهما إلا كمالا في تطور الفن والعلم والفلسفة. وأنت متى ذهبت تحتج؟؟؟ الشعر من قبل الفلسفة، وتدفع عن ضعفه بحجة العلم، وتعتل ليصحح فساده بالفن - فذلك عينه هو دليلنا نحن على أن هذا الشعر فردي خنزيري، لم يستو في تركيبه، ولم يأت على طبعه، ولم يخرج في صورته؛ وما يكون الدليل على الشعر من رأى ناظمه وافتنانه به ودفاعه عنه، ولكن من إحساس قارئه واهتزازه له وتأثره به.
والشاعر أبو الوفا جيد الطريقة، حسن السبك، يقول على فكر وقريحة، ويرجع إلى طبع وسليقة، ولكن نفسه قلقة في موضعه الشعري من الحياة؛ وفي رأيي أن الشاعر لا يتم بأدبه ومواهبه حتى يكون تمامه بموضع نفسه الشعري الذي تضعه الحياة فيه. والكلام يطول في صفة هذا الموضع، ولكنه في الجملة كمنبت الزهرة لا تزكو زكاءها، ولا تبلغ مبلغها إلا في المكان الذي يصل عناصرها بعناصر الحياة وافية تامة، فلا يقطعها عن شيء ولا يرد شيئاً عنها؛ إذ هي بما في تركيبها وتهيئتها إنما تتم بموضعها ذا لتهيئته وتركيبه. فان كانت الزهرة على ما وصفنا، وإلا فما بد من مرض اللون، وهرم العر، وهزال النضرة، وسقم الجمال.
ولولا أن الحكمة وفت الأستاذ أبا الوفا قسطه من الألم، ووهبته نفساً متألمة حصرتها في أسباب ألمها حصراً لا مفر منه - لفقدت زهرته عنصر تلوينها، ولخرج شعره نظماً حائلاً مضطرباً منقطع الأسباب من الوحي؛ غير أن جهة الألم فيه هي جهة السماء اليه؛ ولو هو تكافأت جهاته المعنوية الأخرى، وأعطيت كل جهة حقها، وتخلصت مما يلابسها - لارتفع من مرتبة الألم إلى مرتبة الشعور بالغامض والمبهم، ولكان عقلا من العقول الكبيرة المولدة التي يحيا فيها كل شيء حياة شعرية ذات حس.
ولكن مادامت الحياة قد وزنت له بمقدار، وطففت مع ذلك وبخست، فقد كان يحسن به أن يقصر شعره على أبواب الزفرة والدمعة واللهفة، لا يعدوها، ولا يزاول من المعاني الأخرى ما ضعفت أداته معه أن تتصرف، أو انقطعت وسيلته إليه أن تبلغ. ويظهر لي أن أبا الوفا يحذو على حذو إسماعيل باشا صبري، وهو شبيه به في أنه لم تفتح له على الكون إلا نافذة واحدة؛ غير أن صبري أقبل على نافذته ونظر ما وسعه النظر، أما أبو الوفا
стр. 3939
فيحاول أن ينقب في الحائط ليجعلها نافذتين. . . .
أما انه ليس من الشعر أن تنزل الحيرة الفلسفية عن منزلتها بين اليقين والعقل، أو المشهود والمحجب، أو الواقع والسبب، أو الرسم والمعنى - فتنقلب حيرة معاشية تسم الأشكال والمعاني بسمتها المادية الترابية، وتقع في الشعر فتقحم بين شعر القلب العاشق، وشعر الفكر المتأمل - شعر المعدة الجائعة، وتضع بين أشواق الكون شوقها هي إلى الطعام والثياب والمال. . . .
على أنه كان الأمثل في التدبير، والأقرب إلى طريقة النفس الشاعرة أن يصرف أبو الوفا هذا الشعور المادي الذي يتلذع به فيحوله فيجعله باباً من حكمة السخر الشعري بالدنيا وأهلها وحوادثها، كما صرفه ابن الرومي من قبل فأخطأ في تحويله، فجعله مرة بابا من المدح والنفاق، ومرة باباً من الهجاء والإقذاع.
ولو بذل الشاعر أبو الوفا مجهوده في ذلك، واتهم الدنيا ثم حاكمها، ونص لها القانون، وأجلس القاضي، وافتتح المجلس، ورفعها قضية قضية، ثم أخذها حكماً حكماً، تارة في نادرة بعد نادرة، ومرة في حكمة إلى حكمة، وآونة في سخرية مع سخرية - إذن لاهتدى هذا المتألم الرقيق إلى الجانب الآخر من سر الموهبة التي في نفسه، فأخرج مكنون هذه الناحية القوية منها، فكان ولا ريب شاعر وقته في هذا الباب، وإمام عصره في هذه الطريقة.
على أن في صفحات ديوانه أشياء قليلة تومئ إلى هذه الملكة، ولكنها مبثوثة في تضاعيف شعره، والوجه أن يكون وجهه في تضاعيفها. وإنه ليأتي بأسمى الكلام وأبدعه، حين يعمد إلى ذلك الأصل الذي نبهنا إليه، فيصرف لهفة نفسه إلى بعض وجوهها الشعرية، كقوله في (حلم العذارى) وهي من بدائعه ومحاسن شعره:
هاهما عيناك تغري … ني على شتى الظنون
فيهما بحر وموج … وسهول وحزون
ووضوح وغموض … واضطراب وسكون
ومعان بينات … ومعان لا تبين
وتهاويل فنون … من رشاد وجنون
стр. 3940
وأشعات حيارى … من منى أو من حنين
ليت شعري أي سر … خلف هاتيك الجفون
آه إن السر أنبا … عنه ذان الطائران
حينما مالا على غص … نيهما يعتنقان. . .
(فهذه أبيات في شعر الجمال كالمحراب ملؤه عابده. . . اهـ)
محمد سعيد العريان خريج دار العلوم
стр. 3941
العدد ٤٧ - بتاريخ: ٢٨ - ٠٥ - ١٩٣٤
стр. 3942
الامتيازات والأدب!
الأدب عبير الروح، وشعاع النفس، ونضح العواطف. يتأثر حتما بما ينال أولئك من تطور الحياة، وتغير الناس، وتقلب الزمن؛ فهو يطيب أو يخبث، ويضطرم أو يخبو، ويمر أو يحلو، تبعاً لما يعرض للروح والنفس والعاطفة من أحوال الضعف أو القوة، والفساد أو الصلاح، والانحطاط أو السمو.
فالأدب العربي كان صادقاً حين فاض بالبطولة، وزخر بالحماسة، وجاش بالعزة، في عهوده الأولى أيام كان يمده العرب من قوتهم بالروح، ومن سلطانهم بالنبل، ومن حريتهم بالكرامة.
والأدب العربي كان صادقاً حين لج في الضراعة، وضج بالشكوى، وأن من الألم، وتحدث عن فسوق الخُلق المنحل، وإيمان القلب المستذَل، وضلال النفس المريضة في مذاهب القِحة، في عهوده الأخيرة أيام وهنت عزائم الملوك، ووهت دعائم الملك، وتخلت يد العرب عن زمام الدنيا، فوقعت الفوضى، وحدث الخلل، ولجأ الناس بعضهم إلى الله وراء شيوخ الطرق، وبعضهم إلى الشيطان وراء قطاع الطريق!
والأدب العربي الصادق اليوم في الإبانة عن هذا الشك المخامر في قدرتنا على التفكير الأصيل، واضطلاعنا بالأمر الجليل، واستقلالنا بتبعات الرأي وتكاليف الحياة. فان اعتقادنا الإيحائي المزمن بتفوق الأوربي وامتيازه سلب من نفوسنا الثقة، ومن قلوبنا الايمان، ومن عقولنا الاصالة، ومن شعورنا السمو، وتركنا كالعبد المملوك لا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على مولاه، ينقل فيما يقول عن لسانه، ويصدر فيما يعتقد عن قلبه.
فأديبنا يجهل اللغة العربية كل الجهل، ويعلم اللغة الأوربية كل العلم، لأنه إذا تكلم بها أو كتب فيها شعر بذلك الامتياز الذي يلازم أهلها في بلاد الشرق. وأديبنا يقرأ الأدب الأجنبي ويغفل الأدب العربي، لأن هذا أدب قوم كانوا يلبسون العمائم، ويأكلون بالأيدي، ويجلسون على الوسائد، ويقولون له نحن أجدادك! وذلك أدب قوم يلبسون البرانيط، ويأكلون بالشوْك، ويجلسون على الكراسي، ويقولون له نحن أسيادك.
وأديبنا يعمى عن مناظر بلده، ومحاسن طبيعته، ومفاخر قومه، ومآثر شرقه، ثم يفتح عينيه بكلتا يديه ليستشف من خلال السطور السودّ قناطر (السين) وشعاف (الألب) وخمائل (التيرول) لأن هذه ذكرها جوته ولامرتين وبيرن، وتلك إنما ذكرها البحتري والرضي
стр. 3943
وشوقي!
زارني ذات يوم شاعر من شعراء الشباب، وفي يده قصيدة يريد نشرها بالرسالة، وكان موضوع القصيدة كما يقول: تصوير منظر قروي في ريف مصر: مشرق الشمس في القرية أو مغربها لا أذكر. فلما نظرت إلى الصورة - وأنا قروي - أنكرت ما رَسم فيها من الخطوط، ووضع بها من الألوان، وحشد إليها من الطبيعة. فقلت له: يغلب على شعوري أنك ترجمت. فقال وهو يعقد من التيه عنقه: ثق أنها من وحي خاطري وفيض لساني. فقلت له: إذن ما هذه النواقيس التي ترن في الأبراج؟ أفي قريتكم كنيسة؟ فقال كلا، وإنما آثرت رنين الناقوس على أذان المؤذن، لأني أجد للأجراس والأبراج من الروعة والشاعرية ما لا أجده للمئذنة والمسجد. فألطفت للفتى في الاعتراض والاعتذار مخافة أن يرميني في سره بالجمود والتأخر!
كذلك قدم إِليّ كاتب من ناشئة الكتاب قصة مصرية، سمى أشخاصها: جان، وألبير، ولورا، وهيلين. لأنه يجد هذه الأسماء في الحوار والحديث أرق وأعذب من علي، وإسماعيل، وسعاد، وفاطمة!
فالأدب المصري الحديث، كالمجتمع المصري الحديث، يقوم على موت الشخصية، وفناء الذات، ونسيان التاريخ، ونكران الأصل، فهو يستلهم المطابع الأوربية، ويخضع قريحته للقرائح الأوربية، ويعقد لسانه بالألسن الموهوبة منها، فيحكى ما تقول في لعثمة نكراء من أثر العقدة، وهو لو وضع عن كاهله نير الامتياز، وفهم هذه الكلمة المخزية على المجاز، فأخذ عن طبعه، وترجم عن طبيعته، لفجأ الغرب بأدب قدسي الإلهام، سحري الأنغام، شرقي الروح، مصري الطابع، يحل أهله من أدب العالم ما أحل أدبُ الهند إقبالا وطاغور!
إن الطبيعة المصرية أولى أن تلهم الشاعر تأمل الصحراء، وأحلام النخيل، وابتسام الصحو، لا أن تلهمه ما تلهم الطبيعة الإنجليزية من أمثال (الملاح التائه)، و (الزورق الحالم)، و (وراء الغمام)! فان الفن لا يخضع خضوع العلم للعقل المشترك والوطن العام، وإنما يخضع قبل كل شيء لطبائع الاقليم، وخصائص البيئة، ومنازع الشخص، فإذا استنزل شعراؤنا الشبابُ على خواطرهم هذا الوحي الغريب، فذلك أثر ما نشكوه من هذه العبودية العقلية التي ضربت على الآذان، وغلبت على الأذهان، وجعلتنا للأجانب في كل
стр. 3944
شيء تبعاً.
فمتى يعلم المصري أن له مجداً يجب أن يعود، ووطناً ينبغي أن يسود، وصوتاً يحق أن يسمع، وأدباً يصح أن يحتذى، وتاريخاً يليق أن ينشر، وحقاً على أرضه تؤيده الطبيعة ويقره القانون ولا ينكره عليه إلا جبنه وذله؟!
أحمد حسن الزيات
стр. 3945
إنصاف المترجم
للدكتور محمد عوض محمد
أتى على المترجم حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً. وقد طال هذا الحين وامتد، حتى كدنا نظن أن ليس لليله المدلهم من آخر. وإن من الناس لمن يظن أن المترجم ذو مكان تافه يسير، وأن سيبقى مكانه مدى الدهر تافهاً يسيراً.
ولقد طالما أصغى المترجم إلى هذه الإشارات والعبارات، التي تنزله من عالم الأدب والكتابة أصغر المنازل. فيلقاها حيناً بالامتعاض، وحيناً بالاستسلام؛ وقد بات في حيرة من أمر نفسه، فجعل يدعو نفسه أحياناً المترجم، وأحياناً المعرب، لعل في هذه ما يحسن من شأنه ومن حاله؛ ثم يتواضع أحياناً فيكتفي بأن يقول: نقله عن الفرنسية. . . فلان، ويوصى الطابعين بأن يكتبوا اسمه بحروف صغيرة ضئيلة. . . وليس هذا كله بمغن عنه شيئاً، فليس الزهو بنافعه، ولا التواضع بمانعه.
وبالرغم من أن حاله باعثة حقاً على الرثاء، مثيرة حقاً للدموع والبكاء،؛ فأنا قلما نجد له بين الورى منصفاً. كأنما أجمع الناس على ظلمه واضطهاده. وما كفاه السهر الطويل المضني، والانكباب على البحث والتنقيب عن الألفاظ والعبارات، وإجهاده الفكر في فهم ما لا يفهم. وإنقاذ ما لا يمكن إنقاذه؛ حتى إذا ما أتيح له بعد لأي وعناء، وأن يخرج مترجمه إلى عالم الكتب، جعل يتقدم به إلى القراء، في حياء وتردد؛ كأنما ارتكب وزراً يريد أن يعتذر منه؛ ويسبق الناقدين إلى النقد فيقول لكل من يراه - بل ولكثير ممن لا يراه - إن الترجمة تشويه على كل حال!. . وهو يريد بهذا أن يستل سخيمة الناقدين، وأن ينتزع حمة العقرب أو على الأقل يهدئ من ثورتها. وشأنه في ذلك كشأن الطبيب الذي يطعمنا للجدري، فيعطينا المرض في شكل صغير لكي يدرأ عنا الخطر الكبير. .
لكن هذه الحيلة لا تجديه نفعاً؛ وهذا الاعتراف ليس بمنجيه من العذاب. فلا يلبث الناقدون أن يتناولوا المترجم بالتأنيب والتجريح، وترجمته بالتنكيل والتعذيب؛ ويمطرونه النقد المرير أينما ذهب، وحيثما نزل؛ في مجالس الأدب وفي غير مجالس الأدب؛ وفي الصحف السيارة وغير السيارة؛ ومن النقد ما يلقى إليه مشافهة، ومنه ما يلقى إليه كتابة.
هذا يتهمه بعدم الأمانة لأنه تصرف في اللفظ من أجل الحرص على المعنى: فالويل له
стр. 3946
كيف يتصرف في اللفظ وهو أثمن شيء في الوجود! والآخر ينعته بالجمود وبالتمسك بالحرف وبالحرص على اللفظ، حتى جاءت ترجمته في حاجة إلى ترجمة: لا هي عربية فتفهم، ولا أعجمية فتتفهم. ويقول الثالث: أجل وإن المترجم لذو شخصية ضعيفة ضئيلة، حتى لقد غمرته شخصية المؤلف وطغت عليه ومحته محواً تاماً. فقارئ الترجمة لا يجد فيها سوى روح المؤلف، أما المترجم فلا روح له! ويقول رابعهم مداعباً: إن هذه الترجمة والأصل كالزنجية الشوهاء وخيالها في الزفت! ويقول الخامس: ما كان أغنى قراء العربية عن ترجمة مثل هذا الكتاب، فياله من مجهود ضائع! ويقول السادس وهو يتكلف الظرف: إن هذه الترجمة لكتاب (هملت) من الإبداع بحيث يجب أن تترجم مرة أخرى إلى الإنكليزية! ليرى شكسبير كيف يجب أن يكتب (هملت)!
ثم من بعد هذا كله فما هو في نظر الجميع سوى مترجم! رجل أعوزته المقدرة على الابتكار، فانصرف إلى النقل! فهل يكون لمثل هذا في عالم الأدب أو العلم مكان؟ وأين هو من زيد وعمرو وبكر الذين ألفوا وصنفوا مجلدات فتحت في العلم أبواباً وطرقاً وشوارع؟ حتى إن منهم لمن يبيع لتلاميذه الملزمة الواحدة بعدة دراهم!
ينصت المترجم المسكين لكل هذا وهو مطرق الرأس مغمض الطرف، وقد أخذ الندم يأكل قلبه وكبده ورئتيه. وهو على هذا يعلم أنه ليس شراً من أولئك المؤلفين، وأنه لو شاء أن يسلك السبيل التي سار فيها زيد أو بكر لما كان من الصعب عليه أن يجمع الفصول من بعض الأسفار؛ ثم يسئ وضعها وترتيبها، ويعرضها على أنها من مؤلفاته القيمة، ومن بنات أفكاره ودلائل إعجازه. ولكنه آثر أن يسلك سبيلاً غير ذي عوج، وأن يعمل في وضح النهار. في زمان ساد فيه الالتواء والظلماء.
لا شك أن المترجم المسكين مهيض الجناح، مهضوم الحق، وقد بلغ من هوان أمره على بعض الناشرين أنهم ربما نشروا الكتاب، ولم يعنوا حتى بذكر اسم المترجم!
ومع ذلك فلقد يلقى المترجم من حين إلى حين منصفاً يكون بمثابة جزيرة من الأمل وسط هذا البحر الفسيح من القنوط! ومن أحسن ما يذكر في إنصاف المترجم ما قاله الأستاذ طه حسين في مقدمة الترجمة العربية لكتاب هرمن ودروتيه. وقد جاء في كلامه العبارة الآتية:
(إن الذين يترجمون آيات الأدب والفن والفلسفة ينسون أنفسهم، ويمحون شخصياتهم،
стр. 3947
ويقنعون بمكان المترجم، الذي ليس هو بالقارئ المستريح، ولا المنتج النابغة، لكنه صلة بين الرجلين: لا حظ له من راحة الأول، ولا حظ له من مجد الثاني، وإنما هو خادم مخلص أمين؛ يرفع القارئ إلى حيث يذوق جمال الفن وجلاله، وحين يشق لآثار النابهين من الأدباء والفلاسفة طرقاً جديدة. . . هذه منزلة المترجم يراها الناس يسيرة، وأراها عظيمة جليلة الخطر. وحسبك أنها هي التي تحقق الصلة القوية بين الأجيال والشعوب. فتزيل ما بينهم من الفروق وتدني بعضهم إلى بعض).
هكذا أنصف الأستاذ طه حسين المترجم؛ وردّ إليه شيئاً من حقه المضيع. ويحق للمترجمين أن يغتبطوا بأن قد صدر لصالحهم في هذا الأسبوعِ حكم آخر من ناحية لم يكونوا يتوقعون منها كل هذا العطف. وألذ النعماء ما جاءك من حيث لا تحتسب. ذلك أن القضاء المصري قد قضى في هذا الأسبوع - ولا راد لما قضى - بحكم لعله أكبر غنم يستطيع المترجم أن يظفر به. وهانحن أولاء نثبت هذا الحكم هاهنا بنصه وفصه:
(إن ما يلاقيه المترجم من صعوبة وعناء النقل من لغة إلى لغة، وإصلاح في عباراتها يستلزم كداً وعلماً معاً؛ حتى لقد يفضل المترجم أن يكون صاحب تأليف، أو أن يصرف وقته في التأليف بدل أن يصرفه في الترجمة والنقل، لأنه في التأليف مطلق، ما يريد من المعاني، ويضيف ما يريد من الألفاظ، ويقدم ويؤخر، ويحذف ويثبت على حسب ما يرى. أما في الترجمة فنجده مقيداً بما ينقل من نظام وترتيب، واثبات وتقييد. ولابد له من أن يدرك المعنى إدراكاً واضحاً، يلبسه زيه من الألفاظ والجمل في اللغة التي ينقل إليها، كما يكون أميناً في نقله، صادقاً في ترجمته. ولا يكون أهلاً لذلك إلا إذا ملك ناصية اللغتين، وعرف فيهما الشارد والوارد، وأدرك دقائق كل منهما: من معان خفية، وأسرار في التراكيب. وأن تكون نفسه قد مرنت على هذه الصناعة، ووقف على أسرارها، واتخذ له طريقة واضحة فيها. وإن كثيراً ما تزل أقلام المترجم الأمين، الذي يريد أن ينقل من قلب الشاعر كما يقولون، فناهيك بما يلاقي من تعب وكد في معرفة غرض الكاتب، فيلتجئ إلى معاجم اللغة؛ يقلب صفحاتها ويرجع إلى عبارات كبار الكتاب وأساليبهم، لعله يصل إلى معرفة مثل هذا التعبير، أو ما يقرب منه، أو يعثر على شرح له في كتب الأدب. ولقد يقطع المترجم أياماً في البحث عن كلمة واحدة!. . . وإنَّ هناك في الترجمة عقبات منشؤها
стр. 3948
خفاء المعنى، أو غرابة اللفظ، تظهر في بلاغة الكاتب. وتمكنه من امتلاك نواصي الأساليب، بعبارة يسهل إدراك معناها، ولكن يصعب على المترجم نقلها ووضعها في قالب آخر. . .)
ذلك هو الحكم القاطع الذي صدر في إحدى القضايا منذ بضعة أيام، وإن صدوره هو الذي حملنا على كتابة هذا المقال! ولعل مثل هذا الحكم هو أعظم حادث في عالم الأدب - على الأقل في عامنا هذا - فليغتبط المترجمون، فإن لهم من هذا الحكم سيفاً بتاراً يقطعون به رأس الجحود والنكران. وليحذر الذين يضعون من مرتبة المترجم بعد اليوم - فليس حكم القضاء بالشيء الذي يجوز معه العبث أو المراوغة؛ فليبادروا بالتوبة وبالتكفير عن سيئاتهم الأولى، ويعترفوا صاغرين بما للمترجم من المنزلة العالية والمقام الرفيع.
وأنتم معشر المترجمين، هلموا اليوم فشمروا عن ساعد الترجمة وأقبلوا عليها إقبال من يعرف مالها من جليل الخطر، وما عليكم من رسالة تؤدونها في أمانة وإخلاص جديرين بذلكم الحكم الباهر. .
محمد عوض محمد
стр. 3949
سبيل الخلاص من الامتيازات الأجنبية
للدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري
أستاذ القانون المدني بكلية الحقوق
تتمة البحث
الخطوة الثالثة
تتصل الحكومة المصرية في هذه الخطوة بالحكومة الإنجليزية لتتفاهم معها على الأسس الآتية:
(أولاً) تنفيذ إلغاء المحاكم المختلطة بعد انقضاء السنة من نشر المرسوم
(ثانياً) إعلان من جانب الحكومة المصرية وحدها بإلغاء الامتيازات
(ثالثاً) إحلال نظم جديدة محل النظم التي تغلى، وتصدر هذه النظم بتشريعات مصرية داخلية لا بمعاهدات دولية
(رابعاً) إعلان من جانب الحكومة الإنجليزية، باعتبارها دولة من الدول ذوات الامتيازات، وباعتبارها حليفة مصر إذا كانت المحالفة قد عقدت بين البلدين، بتأييد الحكومة المصرية فيما اتخذته من التدابير.
ولا شك في أن الدول ذوات الامتيازات، إذا حسبت حساباً لاحتمال تفاهم مصر مع إنجلترا على هذه الأسس، تكون أسلس قياداً في مفاوضاتها مع الحكومة المصرية أثناء الخطوة الثانية، وقد يؤدي ذلك إلى نجاح المفاوضات.
أما إذا لم تنجح، وكان لابد من اتخاذ الخطوة الثالثة، فان النظم الجديدة التي تحل محل النظم الحالية تكون بوجه عام هي النظم التي اقترحت مصر على الدول إدخالها بموجب معاهدة في الخطوة الثانية مع الفروق الآتية:
(أولاً) تقام هذه النظم الجديدة بمقتضى تشريعات مصرية داخلية، وبعد تبادل مذكرات مع الحكومة الإنجليزية في مسائل معينة.
(ثانياً) فيما يتعلق بالتشريع: تعلن مصر الدول أن كل تشريع مصري، مالي أو غير مالي، يسري على الأجانب سريانه على المصريين، وأن السلطات المصرية من هيئات قضائية
стр. 3950
وإدارية، ستقوم كل في دائرة اختصاصها بتطبيق وتنفيذ التشريعات المصرية على الأجانب كما تطبقها وتنفذها على المصريين. وتعلن الحكومة المصرية في الوقت ذاته أنها لا تنوي سن تشريعات تتنافى مع المبادئ العامة التي يقرها العالم المتمدين في التشريع، وأنها تقبل رفع الأمر إلى محكمة لاهاي في كل تشريع تنفذه على أجنبي كان متمتعاً بالامتيازات إذا أنكرت دولته أن هذا التشريع لا يتنافى مع المبادئ المذكورة وطلبت رفع الأمر إلى هذه المحكمة.
(ثالثاً) فيما يتعلق بالقضاء: تستصدر الحكومة المصرية تشريعات داخلية لإقامة محاكم يكون اختصاصها هو نفس الاختصاص الذي جعلناه للمحاكم الجديدة فيما تقدم. أما تشكيلها فيراعى فيه أن يكون ثلثا القضاة من المصريين، والثلث الباقي من الإنجليز، وأن يكون رئيس كل محكمة مصرياً والوكيل إنجليزياً، وأن يكون رئيس كل دائرة مصرياً، ولغة التقاضي هي العربية، عدا الدائرة التي يجلس فيها الوكيل فإنه يرأسها وتكون لغتها هي الفرنسية، وتحال إليها القضايا التي يكون فيها الخصوم جميعهم من الأجانب. وتتبادل الحكومتان المصرية والإنجليزية مذكرات بهذا المعنى، لا يكون من شأنها أن تغل يد الحكومة المصرية عن تعديل أو إلغاء التشريعات الصادرة بإنشاء هذه المحاكم متى رأت ضرورة لذلك.
ونحن نؤثر هذا الحل على حل آخر يقضي بجعل المحاكم الأهلية هي المختصة بقضايا الأجانب، لأن ذلك يقتضي أن يدخل قضاة من الإنجليز في المحاكم الأهلية، ونحن لم نصل إلى تمصير هذه المحاكم تمصيراً تاماً، وجعلها مقصورة على القضاة المصريين إلا بعد جهد وعناء، فالأولى إذن إبقاء العنصر الأجنبي بعيداً عن المحاكم الأهلية حتى تسلم لها مصريتها الكاملة. ونقيم لقضايا الأجانب محاكم أخرى يدخل فيها العنصر الأجنبي. ولا يغيب عن البال أن هذه المحاكم الأخرى رهن بمشيئة مصر، فهي قد أنشئت بتشريع مصري يمكن تعديله أو إلغاؤه في الظرف المناسب.
(رابعاً) فيما يتعلق بالإدارة: تستصدر الحكومة المصرية تشريعاً داخلياً كذلك بما كانت تنوي الاتفاق عليه مع الدول بمعاهدة، ويكون العنصر الأجنبي في رجال الضبطية القضائية من الإنجليز والنائب العام إنجليزياً. وتتبادل الحكومة المصرية مع الحكومة
стр. 3951
الإنجليزية مذكرات بهذا المعنى، مع احتفاظ الحكومة المصرية بحقها في تعديل هذا التشريع أو إلغائه إذا دعت الحال لذلك.
هذه هي الخطوة الثالثة. وبديهي أنه لا يقدر لها نجاح إلا إذا وصلت مصر إلى الاتفاق مع إنجلترا على الأسس المتقدمة. فإذا ما وصلت إلى هذا الاتفاق استطاعت أن تواجه الدول ذوات الامتيازات بالأمر الواقع، وإنجلترا من ورائها تؤيدها في ذلك ولا تستطيع هذه الدول أن تقوم بأكثر من احتجاج ليست له قيمة عملية، ولا تملك إلا أن تأسف على الفرصة التي ضاعت منها برفضها الاتفاق مع مصر عندما فاوضتها الحكومة المصرية.
وقد يقال: ولكن مالنا لا نجعل هذه الخطوة الثالثة هي الثانية، فلا نحاول الاتفاق مع الدول، ونتفاهم مع إنجلترا رأساً على الأسس المتقدمة فنكسب بذلك أن تكون النظم الجديدة قد أقيمت على تشريع مصري داخلي بدلا من معاهدة دولية، ويكون القضاة المصريون أوفر عدداً وأقوى نفوذاً؟ قد يكون هذا صحيحاً من الناحية النظرية، أما من الناحية العملية فيظهر لنا أن موقف الحكومة المصرية في اتخاذ الخطوة الثالثة يكون أشد قوة أمام الرأي العام الدولي إذ لم تخط هذه الخطوة إلا بعد إخفاقها في الخطوة الثانية وفشلها في الوصول إلى اتفاق عادل مع الدول. ثم إن إنجلترا تكون أقوى حجة في تأييد مصر، بعد أن تكون هذه قد أعذرت إلى الدول وأقامت الدليل على تعنتها. هذا إلى أنه قد يكون خيراً لمصر أن تعقد معاهدة مع الدول لتعديل نظام الامتيازات من أن تلجأ إلى التفاهم مع إنجلترا ولها مركز خاص في مصر كما لا يخفى. على أنه إذا أظهرت إنجلترا استعداداً للتفاهم معنا على الأسس المتقدمة دون أن يسبق ذلك مفاوضات مع الدول، فلا بأس علينا من السير في هذا الطريق، بشرط ألا يكون هذا التفاهم من شأنه أن يثبت لإنجلترا حقاً في حماية المصالح الأجنبية في مصر والتدخل في شؤوننا الداخلية تحت هذا الستار.
أما إذا لم نوفق في هذه الخطوة إلى التفاهم مع إنجلترا على ما قدمناه من الأسس، ووقفت هذه الدولة إلى جانب الدول ذوات الامتيازات فلا يبقى إلا أن نخطو الخطوة الرابعة، وهي الخطوة الأخيرة.
الخطوة الرابعة
في هذه الخطوة يجب أن نعتمد على أنفسنا: على قوة الرأي العام وعلى الحيوية الكامنة في
стр. 3952
الأمة. فإنه لا يوجد شعب يريد الحياة عزيزة ويذل. ونحن قد تلطفنا في المسلك وتدرجنا في السير ولم نخط خطوة إلا بعد أن ألجأتنا إليها الضرورة الملحة. فليس أمامنا بعد ذلك إلا إحدى سبيلين:
إما أن نعلن إلغاء الامتيازات الأجنبية بعد إلغاء المحاكم المختلطة، دون حاجة إلى التفاهم مع إنجلترا على ذلك. والقانون والعدالة في جانبنا، فأن هذه الامتيازات في أساسها التاريخي وفي تطبيقاتها الحالية جائرة لا تتفق مع أبسط مبادئ العدالة، وهي تصطدم مع مستلزمات السيادة الداخلية للدولة. وهي فوق ذلك يجب أن تسقط بانفصال مصر عن تركيا. وقد تخلصت منها بالفعل البلاد التي انفصلت عن الترك. ثم إنها مبنية على معاهدات بالية يجب أن تلغى طبقاً لمبدأ تغير الظروف، وهو مبدأ معروف في القانون الدولي أيدته المادة التاسعة عشرة من عهد عصبة الأمم.
هذا إلى أنه لا توجد دولة بليت بامتيازات كالتي بلينا بها إلا عمدت إلى إلغائها، رضيت الدول الممتازة أو لم ترض، وقد فعلت ذلك اليابان وتركيا وفارس والصين. فنحن الدولة الوحيدة المتمدينة التي ظلت فيها الامتيازات الأجنبية مترعرعة حتى الآن، ولسنا دون هذه الدول مرتبة في المدنية، ولا عذر لنا في الأحجام عن إلغائها إلا إذا كنا مقتنعين بأننا أضعف من هذه الدول عزيمة وأقل استحقاقاً للحياة. أما إذا صحت عزيمتنا على إلغاء الامتيازات أمكننا أن ندخل النظم التي أشرنا إليها بتشريعات داخلية دون اتفاق مع إنجلترا على ذلك، على أن يكون كل هذا موقتاً حتى يحين الوقت المناسب لإلغاء هذه التشريعات، وإرجاع الأمور إلى نصابها، وتوحيد المحاكم في البلاد.
وإذا ضعفنا عن هذا الموقف الحازم، فأمامنا سبيل أخرى: ننفذ إلغاء المحاكم المختلطة، وليس للدول علينا من سبيل في هذه الحالة إلا أن تطالب بإرجاع الامتيازات الأجنبية كما كانت قبل قيام هذه المحاكم أما في التشريع فنستمسك بحقنا في سريان التشريع المصري في المواد العقارية على الأجانب دون حاجة إلى موافقة الدول، بما في ذلك الضرائب العقارية. وأما في القضاء فتسترد المحاكم الأهلية لاختصاصها القضايا التي يكون المدعى عليه فيها مصرياً، وقضايا الأجانب غير المتمتعين بالامتيازات سواء أكانوا مدعين أم مدعى عليهم. ونحن، حتى إذا لم نضف إلى هذه القائمة جميع القضايا العقارية ولو كان
стр. 3953
الخصوم فيها أجانب متمتعين بالامتيازات، لا نكون قد استرددنا أقل من ثلاثة أرباع القضايا التي هي الآن من اختصاص المحاكم المختلطة. أما الربع الباقي فلا يهمنا منه إلا عدد قليل من القضايا يكون المدعي فيها مصرياً، فعليه أن يتحمل عناء مقاضاة الأجنبي في قنصليته. على أن عناء المصري لا يزيد على عناء الأجنبي إذا دخل هذا في خصومة مع أجنبي من جنسية أخرى فإن المدعي في هذه الحالة يقاضي المدعى عليه في قنصليته، وهذا يستتبع كثيراً من الفوضى يكون الأجنبي ضحية لها قبل المصري
قد يعترض على هذا الحل وعلى الحل الذي قبله بأن الأجانب سيبقون في مركزهم متعنتين لا يقبلون أي اتفاق على تعديل النظم القائمة، وإذا اقتضى الأمر أن يسحبوا أموالهم من مصر فعلوا ذلك، فتصبح البلاد في فقر مدقع، وتقع في أزمة أشد خطراً من أزمة الامتيازات الأجنبية. نحن نعتقد أن في هذا القول مبالغة كبيرة، فليس من اليسير على الأجانب أن يسحبوا أموالهم من بلد يستغلونها فيه على خير وجوه الاستغلال وأكثرها كسباً. ثم هم إذا فعلوا فلا يكون ذلك إلا تدرجاً، لأن من الأموال الأجنبية في مصر ما لا تمكن تصفيته إلا بعد مدة طويلة. أفلا يكون من الخير لمصر في هذه الحالة أن تنتهز هذه الفرصة التي سنحت فيحل أبناؤها شيئاً فشيئاً محل الأجانب في الميادين المختلفة التي أخلاها هؤلاء، وتستبدل بالأموال الأجنبية أموالاً مصرية؟ على أن هذه المسألة يجب أن تنتقل من رجال القانون إلى رجال الاقتصاد، فيبحثوها بحثاً دقيقاً على أساس اقتصادي صحيح. أما نحن فنعتقد أن خطر سحب الأموال الأجنبية من مصر خطر موهوم ولا نقيم له وزنا.
ومن ذلك نرى أنه إذا عدمنا الوسائل وأعوزتنا الحيل، لجأنا إلى هذا الحل الأخير، فألغينا المحاكم المختلطة، ورجعنا إلى نظام الامتيازات القديم، وهذا خير من بقاء المحاكم المختلطة معقلاً للامتيازات الأجنبية، تنتقص من سيادة البلاد، وتمتهن من كرامتها، ونحن عاجزون عن دفع هذا البلاء عنا كما أثبتت ذلك الحوادث الأخيرة. ولقد كانت الامتيازات الأجنبية في عصر إسماعيل بيتاً متهدماً يتداعى للسقوط، فأراد إسماعيل ونوبار أن يهدما البيت بإنشاء (محاكم الإصلاح)، فإذا بهما يرممانه بجدر سميكة من هذه المحاكم، حتى بقى متماسكاً صلباً زهاء الستين عاما. وقد آن لأبناء هذا الجيل أن يدخلوا البيت حتى يثبتوا فيه
стр. 3954
القدم المصرية، وإلا وجب عليهم أن يتركوه يتهدم.
عبد الرزاق السنهوري
стр. 3955
مملكة في الصخر أو بلاجيوس
للأستاذ محمد عبد الله عنان
منذ ثلاثة أعوام، في منتصف أبريل سنة ١٩٣١، انهار صرح الملوكية الأسبانية، واختتم أقدم العروش الأوربية حياته الطويلة الحافلة، وطويت من التاريخ صفحة يشغل تاريخ العرب والإسلام منها حيزاً كبيرا. ذلك أن الملوكية الأسبانية التي شهدنا سقوطها بالأمس، هي نفس تلك الملوكية التي سحقها العرب يوم فتحوا الأندلس (٩٢هـ - ٧١١م)، والتي استأنفت بعد ذلك حياتها ضئيلة متواضعة في قاصية أسبانيا الشمالية وفيما وراء الصخر، ثم لبثت تنمو بطيئة ولكن ثابتة حتى رسخت دعائمها في هاتيك الهضاب؛ وبدأت بعد ذلك معركة الحياة والموت مع تلك المملكة الإسلامية التي قامت في أسبانيا على أنقاض مملكة القوط النصرانية، ولبثت مدى قرون طويلة تطاولها وتجاهدها، حتى آذنت دولة الإسلام في الأندلس بالاضمحلال؛ وما زالت المملكة النصرانية في نمو مستمر، والمملكة الإسلامية في ضعف مستمر، حتى غدا الإسلام محصوراً في مملكة غرناطة الصغيرة، ثم حلت المعركة النهائية؛ وظفرت الملوكية الأسبانية بتحقيق برنامجها القديم وغايتها الخالدة، فانتزعت غرناطة معقل الإسلام الأخير، وقضت على دولة الإسلام بالأندلس (٨٩٧هـ - ١٤٩٢م).
وقد نشأت الملوكية الأسبانية الذاهبة في ظروف كالأساطير، ونشأت في نفس الوقت الذي افتتح فيه العرب أسبانيا، وسحقوا دولة القوط القديمة. ففي موقعة شريش التي مزق فيها جيش القوط، وقتل آخر ملوكهم رودريك (لذريق) (٩٢هـ)، فرت شراذم قليلة من الجيش المنهزم إلى الشمال، واختفت فيما وراء تلك الجبال الشمالية التي وقف عندها تيار الفتح الاسلامي، واجتمعت بالأخص في هضاب كانتابريا (نافار وبسكونية) في الشرق، وفي هضاب استوريس في الغرب؛ واجتمع فل النصارى في الهضاب الشرقية تحت لواء زعيم يدعى الدوق بتروس، واجتمع في الهضاب الغربية، في جليقية تحت لواء زعيم يدعى بلاجيوس أو بلايو. وكان بتروس ينتمي إلى أحد الأصول الملكية، وكان من قادة الجيش في عهد وتيزا ملك القوط، ثم في عهد خلفه ومغتصب ملكه رودريك. أما بلاجيوس أو بلايو فيحيط الغموض بأصله ونشأته، ولكن يبدو مما تنسبه إليه الرواية من ألوان الوطنية والبسالة والبطولة أنه كان رفيع المنبت والنشأة؛ وتقول بعض الروايات أنه ولد الزعيم
стр. 3956
فافيلا الذي قتل الملك وتيزا في هضاب جليقية، وأنه كان لذلك من خاصة الملك رودريك وقادته. وتعرف الرواية الإسلامية بلاجيوس وتحدثنا عنه وتسمية (بلاي)، وتصفه أحياناً بأنه أمير أو ملك، وتنعته غالباً بأنه (علج من علوج النصارى)، وتتبع أخباره مع المسلمين ولكنها لا تلقي ضياء كثيراً على أصله، أو أحوال مملكته الصغيرة. ذلك لأن المسلمين لم ينفذوا قط إلى ما وراء الهضاب الوعرة التي امتنع بها هذا الزعيم وفله، والتي نشأت فيها جذور المملكة النصرانية الشمالية التي غدت غير بعيد خطراً على دولة الإسلام في أسبانيا. ومن الغريب أن راوية نصرانيا كبيراً معاصراً هو (ايزيدور الباجي) وهو حبر عاصر الفتح الإسلامي وكتب روايته في منتصف القرن السابع ووصل في كتابتها حتى سنة ٧٥٤م، لم يذكر لنا في روايته شيئاً عن قيام تلك المملكة النصرانية الصغيرة في الشمال، ولا عن زعيمها أو ملكها بلاجيوس، ولا عن غزوات المسلمين لها، مع أن ايزيدور يتتبع أخبار الغزوات الإسلامية كلها منذ الفتح حتى منتصف القرن الثامن، سواء في أسبانيا أو في مملكة الفرنج، ويقدم إلينا عنها كثيراً من التفاصيل والملاحظات الهامة. وقد يرجع ذلك إلى أن ايزيدور، وهو يقيم في الجنوب في مدينة باجة، كان يجهل قصة هذه المملكة النصرانية الشمالية الناشئة، ولكن ما نراه من عنايته بتدوين أخبار الغزوات الإسلامية في فرنسا، وأخبار مملكة أكوتين، يحملنا على الاعتقاد بأنه لم يكن يجهل أخبار مملكة جليقية النصرانية، وهي أقرب إليه من فرنسا، وأن أسباباً أخرى لعلها ترجع إلى انتماء أميرها بلاجيوس إلى حزب رودريك الذي كان يبغضه المؤرخ هي التي حملته على إغفال أخبارها.
وعلى أية حال فان الرواية الإسلامية تذكر لنا كيف نشأت المملكة النصرانية الأسبانية في الهضاب الشمالية بعد أن سحقت في موقعة شريش، فقد لجأت شراذم قليلة من القوط عقب الفتح إلى الجبال الشمالية، وامتنعت في مفاوز جبال استوريس كما قدمنا؛ وقامت إمارتان نصرانيتان صغيرتان في كانتابريا وجليقية. وكانت إمارة كانتابريا التي أسسها الدوق بتروس، لوقوعها في الطرف الغربي من جبال البرنيه (البرت) في سهول نافار وبسكونية عرضة لاقتحام الفاتحين حين سيرهم إلى فرنسا وحين عودهم منها. ولكن إمارة جليقية كانت تقع في أعماق جبال استوريس الوعرة، بعيداً عن غزوات الفاتحين، وسميت جليقية
стр. 3957
لأنها قامت على حدود الولاية الرومانية القديمة التي كانت تسمى بهذا الاسم. ففي هذه الهضاب النائية المنيعة اجتمع بلاجيوس وصحبه، وعددهم لا يتجاوز بضع مئات حسبما تقول الرواية، ولجئوا إلى مغار عظيم يقع في آكام كافادونيا، وتحيط به وديان سحيقة خطرة، ويعرف في الرواية الإسلامية باسم (الصخرة). ويقول لنا ابن خلدون في الفصل الذي يخصصه (لملوك الجلالقة) إن هذه الإمارة الصغيرة التي كانت مهد المملكة النصرانية لا تمت بصلة إلى القوط، وأن ملوك الجلالقة ليسوا من القوط، لأن أمة القوط كانت قد بادت ودثرت لعهد الفتح الإسلامي، بيد انه يصعب علينا أن نقبل هذا الرأي على إطلاقه، فمن المحقق أن فلول النصارى التي لجأت إلى الشمال كانت مزيجاً من القوط والأسبان المحليين، ولكن الظاهر مما انتهى إلينا من أقوال الروايتين المسلمة والنصرانية أن الزعماء، ولا سيما بلاجيوس كانوا من القوط، وأن ملوك الجلالقة يمتون إلى القوط بأكبر الصلات.
ولم يعن المسلمون بادئ بدء بهذه الشراذم الممزقة، وكان إغفال أمرها من أعظم أخطاء الفاتحين، بيد أنه لما كثرت ثورات النصارى في الشمال، وبالأخص في بسكونية، (أو بلاد البشكنس) اهتم ولاة الأندلس بقمعها وتأمين الولايات الشمالية؛ وسير الحر ابن عبد الرحمن الثقفي وآلي الأندلس سنة ٧١٨م (٩٨هـ) جيشاً إلى الشمال لإخضاع النصارى. فاجتاح المسلمون بلاد البشكنس وهضاب استوريس، وأوفدوا حليفهم الأسقف اوباس، وهو أخو الملك وتيزا، إلى بلاجيوس ليقنعه بالتسليم وعبث المقاومة، فأبى بلاجيوس، ونفذ المسلمون إلى أعماق الجبال، وحاولوا عبثاً أن يستولوا على مراكز العدو، وحالت بينهم وبينه الوديان السحيقة والآكام الرفيعة؛ وحصر بلاجيوس وأصحابه مدى حين، وقطعت عنهم المؤن، وتساقطوا تباعاً من الجوع حتى لم يبق منهم على قول الرواية سوى ثلاثين رجلاً وعشر نساء. وتزعم بعض الروايات النصرانية أن بلاجيوس كر على المسلمين، وأنهم هزموا هزيمة شنيعة وفقدوا ألوفاً كثيرة، ووقع أوباس أسيراً في أيدي مواطنيه فعاقبوه على خيانته بالموت.
ولما رأى المسلمون وعورة الهضاب وقسوة الطبيعة ارتدوا عن جليقية محتقرين شأن هذه الشرذمة الممزقة الجائعة؛ فقويت لذلك نفس بلاجيوس وأصحابه، وانضم إليه كثير من
стр. 3958
النصارى في كانتابريا وسهول جليقية، واختاروه ملكاً عليهم لما رأوا من بسالته وبراعته وقوة عزمه؛ وألفى بلاجيوس الفرصة سانحة لتوطيد سلطانه وتوسيع أملاكه، فأخذ يغير على الأراضي الإسلامية الشمالية، وبدا لحكومة الأندلس خطر هذه العصابات الجبلية التي أخذت تنظم إلى قوة يخشى بأسها؛ ولكن اضطراب الشئون الداخلية حال مدى حين دون مطاردتها وغزوها.
وفي سنة ١١٢هـ (٧٣٠م)، في عهد أمير الأندلس الهيثم ابن عبيد، بعث حاكم ولاية البرنيه، عثمان بن أبي نسعة الذي تعرفه الرواية النصرانية باسم منوزا أو منوز، جيشاً إلى جبال استوريس لغزو جليقية وسحق أميرها بلاجيوس؛ ولكن بلاجيوس استطاع أن يصمد للمسلمين كرة أخرى وأن يهزمهم هزيمة شنيعة. ولما رأى بلاجيوس منعة معقله وقوة عصبته، اخترق بسكونية، وهاجم قوات ابن أبي نسعة في الوقت الذي كان يتأهب فيه للسيراليه، ومزق بعض وحداتها، ثم ارتد إلى هضابه فاستعصم بها. ولما اضطربت شئون الأندلس بعد مقتل أميرها عبد الرحمن الغافقي وارتداد جيشه في بلاط الشهداء (١١٤هـ - ٧٣٢م)، وشغل الولاة برد جيوش الفرنج عن الأراضي الإسلامية في سبتمانيا، كثرت غارات العصابات الجليقية على الأراضي الإسلامية في شمال نهر دورو (دويره) وفي منطقة استرقة، وعانى المسلمون في تلك الأنحاء كثيراً من عيث النصارى؛ ولم تسعفهم حكومة قرطبة بالمدد والعون، لاضطرام الأندلس بالفتن ونشوب الحرب الأهلية بين مختلف الزعماء والقبائل. وكانت سلطة الحكومة المركزية ضعيفة في تلك الأنحاء النائية، وكان سكانها ومعظمهم من البربر يكثرون من الخروج والثورة سخطاً على العرب واستئثارهم بالحكم والسيادة. وكان النصارى من رعايا حكومة قرطبة يدسون الدسائس ويرتكبون شتى الخيانات، ويشجعون بذلك بلاجيوس وعصاباته على الإغارة والعيث في أراضي المسلمين؛ وكانت الإمارة النصرانية الناشئة تنمو خلال ذلك ويشتد ساعدها، ويهرع النصارى إلى لواء بلاجيوس من مختلف الأنحاء.
واستمر بلاجيوس في حكم إمارة جليقية زهاء تسعة عشر عاماً، وتوفى سنة ٧٣٧م. ولكن بعض الروايات النصرانية تضع تاريخ وفاته بعد ذلك، فتقول إنه لبث حتى ولاية عبد الرحمن بن يوسف الفهري للأندلس (١٢٧ - ١٣٨هـ) (٧٤٥ - ٧٥٥م)، وإن الموقعة
стр. 3959
التي نشبت بين عثمان بن أبي نسعة وبلاجيوس كانت بين سنتي ٧٤٦ و٧٥١، وهي رواية ظاهرة الضعف. لأن عثمان ابن أبي نسعة قتل سنة ١١٤هـ (٧٣٢م)، والرواية الإسلامية واضحة دقيقة في ترتيب الوقائع والتواريخ في هذا الموطن. وخلف بلاجيوس ولده فافيلا، ولكنه توفى بعد حكم لم يطل أمده سوى عامين (سنة ٧٣٩م). وكان الدوق بتروس أمير كانتابريا قد توفى في ذلك الحين أيضاً، وخلفه ولده الفونسو دوق كانتابريا، ونمت هذه الإمارة النصرانية الصغيرة أيضاً واشتد ساعدها، وقويت أواصر التحالف بينها وبين جليقية بتزوج أميرها الفونسو من ابنة بلاجيوس واسمها اورموزنده أو هرمزنده؛ فلما توفى فافيلا ولد بلاجيوس، اختار الجلالقة الفونسو دوق كانتابريا ملكاً عليهم، واتحدت الأمارتان، وقامت منهما مملكة نصرانية واحدة، هي مملكة ليون النصرانية أو مملكة جليقية في الرواية الإسلامية، تمتد من بلاد البشكنس شرقاً إلى شاطئ المحيط غرباً، ومن خليج بسكونية شمالا إلى نهر دويرة جنوبا، وتشمل مناطق شاسعة من القفر والهضاب الوعرة، وتحتجب وراء الجبال بعيدة عن سلطان المسلمين وغزواتهم.
ويعتبر الفونسو دوق كانتابريا، أو الفونسو الأول (الكاثوليكي) مؤسس المملكة النصرانية الشمالية، واصل ذلك الثبت الحافل من ملوك قشتالة الذين لبثوا قروناً يدفعون حدودهم إلى الجنوب في قلب المملكة الإسلامية، ثم انتهوا بافتتاحها والاستيلاء على غرناطة آخر معاقلها (١٤٩٢م)؛ وحكم الفونسو في ظروف حسنة، فقد كانت الحرب الأهلية تمزق الأندلس، وكان أمر الولايات الشمالية فوضى، والضعف يسود المسلمين في تلك الأنحاء. وكان ثمة منطقة عظيمة من القفر والخراب تفصل بين جليقية وبين الأراضي الاسلامية، فاجتاحها الفونسو بجموعه وقتل من بها من المسلمين القلائل، ودفع النصارى إلى الشمال. ولما حصل القحط بالأندلس (سنة ١٣٣هـ - ٧٥٠م)، واشتد عصفه بالولايات الشمالية الغربية، جلا كثير من المسلمين عن تلك الأنحاء، واشتد ساعد النصارى فيها، ورفعوا لواء الثورة، وفتكوا بالمسلمين، ونادوا بالفونسو ملكاً عليهم؛ وانتهز الفونسو هذه الفرصة فغزا استرقة واستولى عليها من يد المسلمين واستولى على كثير من البلاد والضياع المجاورة وضمها لأملاكه (١٣٦هـ - ٧٥٣م). وهكذا نمت تلك المملكة النصرانية التي نشأت في ظروف كالأساطير، واتسعت حدودها، واشتد بأسها بسرعة مدهشة، ولم يأت منتصف
стр. 3960
القرن الثامن حتى بدأت تناهض الإسلام في الأندلس وتغالبه؛ ولم يأت عهد الناصر لدين الله حتى كان وجودها خطراً على الدولة الإسلامية ذاتها؛ وحتى بدأت بين الإسلام والنصرانية في الأندلس معركة الحياة والموت. وسطع الإسلام في الأندلس واستعاد منعته وبهاءه مدى حين، أيام الناصر لدين الله، ثم في أيام الحاجب المنصور؛ واضطرمت فورة الإسلام أيام المرابطين، ثم الموحدين؛ ولكنها كانت جميعاً فورات مؤقتة، وكانت أسباب الانحلال التي سرت إلى الدولة الإسلامية تعمل عملها ببطء؛ ثم سطعت دولة الإسلام في مملكة غرناطة الصغيرة مدى حين، ولكن المعركة لم تكن متكافئة بعد، وكانت مملكة قشتالة النصرانية تسير ثابتة مطمئنة إلى تحقيق بغيتها الخالدة: استعادة الوطن القديم كله من يد الفاتحين.
محمد عبد الله عنان المحامي
следующие страницы →