← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

بطبعها مشغوفة بالفلسفة. وكان الفيلسوف يلتمس إرضاءها والتقرب إليها على غير شعور منه، فيذكر لها براعة النساء في الأدب والفلسفة، وكان هذا الحديث يروقها ويتملق كبرياءها، وكانت الفتاة تكبر في نفسها حين ترى الفيلسوف قد رآها لثقته أهلا. وذات يوم سقطت على الفيلسوف من السماء سعادة لم يكن يقدرها ولا ينتظرها ولا يحسب لها حساباً. زاره تلميذه ومعه أخته، وكان الفيلسوف في جماعة من العلماء، وكان الحديث علمياً عميقاً، فابتهج الفيلسوف وأعجبت الفتاة، وجلست تسمع في إكبار وتثاؤب خفيف لحديث العلماء، ثم همت تريد أن تنصرف فجمع الفيلسوف شجاعته كلها في يديه واستأذن الفتاة في أن يزورها في بيتها الخاص، فأذنت. هنالك بدأت الخصومة بين آلهة الفلسفة وآلهة الجمال. هنالك اضطرب (أغست كونت) بين العقل والقلب، وبين التفكير والحب. هنالك أخذ الفيلسوف يسأل نفسه: ما قيمة هذا العلم الخالص الجاف؟ وما قيمة هذا التفكير العميق العقيم؟ ومتى كان الرجل رجلا بعقله دون قلبه؟ ومتى كان الإنسان أنسانا بالتفكير دون الحب؟ إن الإنسان لا يستطيع أن يفكر في كل وقت، ولكنه يستطيع أن يحب دائماً. وإذا فقد تكون آلهة الفلسفة مسرفة في الطغيان، وقد يكون من الممكن أن يتخذ (أغست كونت) رأسه معبداً لأثينا وقلبه معبداً لكلوتيلد. وابتدأت زيارة الفيلسوف للفتاة في بيتها. وإذا الحب يعلن، وإذا الفيلسوف يلح في حبه ويسلك إلى إقناع الفتاة بهذا الحب طرقاً، منها الملتوي، ومنها المستقيم. ولكن كلوتيلد لا تحب ولا تهوى، إنما تعجب وتكبر، فهي ترده عنها في رفق، وتطلب إليه مودته دون حبه، فلا يكاد يعرف منها هذا حتى يضيق بنفسه وبالحياة، وحتى تضيق به حصته، ويعجز جسمه ورأسه عن احتمال هذا الخذلان، فهو مريض يلجأ إلى السرير أياماً، وهو مشفق أن يعاوده جنونه القديم، على أنه يبل من مرضه، ويحاول أن يجدد عهده بالفتاة، ولكنها تحظر عليه زيارتها في بيتها، وتعده باللقاء عند أمها مرتين في الأسبوع، فلا يكفيه ذلك، فتعده بلقائه مرة ثالثة، فلا يكفيه ذلك أيضاً، وتتصل بينهما كتب فيها حوار حلو ملؤه الحنان حين يصدر عن الفتاة، عنيف معوج ملؤه الفلسفة حين يصدر عن الأستاذ، ثم يستحيل هذا الحب في نفس الفيلسوف إلى شكل جديد، فليس هو حباً عادياً كهذا الذي يكون بين الناس، وإنما هو التقاء شخصين عظيمين قد خلقا ليلتقيا ثم ليتعاونا على إصلاح الإنسانية وإنهاضها.

стр. 422

هي إذن قد خلقت له ولن يدعها ولن يتخذ غيرها زوجاً، إذا ماتت زوجه النائية، ثم تستحيل هذه العواطف ويستحيل هذا التفكير إلى فن من الفلسفة، يضعه (أغست كونت) في رسالة، ويهدي الرسالة إلى الفتاة بهذا العنوان: (رسالة فلسفية في التذكار الاجتماعي). في هذه الرسالة يتغير رأي (أغست كونت) في المرأة ومكانتها الاجتماعية تغيراً تاماً. فقد كان منذ أشهر يكتب إلى تلميذه (ستوارت ميل) فيرى أن ليس في المرأة أمل ولا خير، أما الان فهو يرى المرأة عنصراً أساسياً في الإصلاح الاجتماعي الذي وقف نفسه عليه، وقد سرت الفتاة بهذه الهدية، وكبرت في نفسها فزارت الفيلسوف مع أمها شاكرة له. هنالك نشط الأمل وتجددت الحياة، واعتقد الفيلسوف أنه سعيد. واستأنف إلحاحه على الفتاة، واستأنفت الفتاة مدافعته عن نفسها، واحتالت في ذلك حتى زعمت له أنها قد أحبت من قبله فتى كان لحبها أهلا، وأحبها الفتى وسعد بهذا الحب؛ ولكن لم يجدا إلى الزواج سبيلا، لأن الفتى كان معلقا مثلها يخاصم امرأته ولا يستطيع لها فراقا، فيئست من الحب والسعادة، وأزمعت أن تنصرف عن لذات الحياة أبدا. ولكن الفيلسوف مغرم، والغرام لا يعرف اليأس، وهو إذا كان صحيحاً قويا قد يتحول ويتشكل، ولكنه لا يزول. وما الذي يمنع غرام كونت أن يتخذ شكلا فلسفيا ولو إلى حين. لقد كان عود نفسه الحرمان منذ دهر طويل، فألغى القهوة منذ عشرين سنة، وترك التدخين منذ عشر سنين، ثم ألغى النبيذ ثم ألغى الفاكهة، ثم اتخذ ميزانا يزن به ما يلائم حاجة جسمه من الطعام الخشن، وكان ربما يكتفي بالكسرة من الخبز يتبلغ بها، وهو يفكر في إخوانه من الناس الذين قد لا يظفرون بمثلها. وما دام قد سيطر على نفسه إلى هذا الحد، وعودها هذا الحرمان في الطعام والشراب، فما له لا يزيد هذه السيطرة وما له لا يعود نفسه الحرمان لا في الحب بل في لذات الحب. إذا فليبق حبه قويا حارا؛ ولكن ليظل هذا الحب نقيا طاهرا مجدبا من كل لذة، ولينتظر، وليجتنب اليأس، فكل شيء يدني الفتاة منه، وكل شيء يدنيه من الفتاة. لقد أصبحت زميلة له منذ نشرت بعض الصحف السيارة لها قصتها التي وضعتها عن نفسها فأصبحت كاتبة مثله تتحدث إلى الناس في الأدب كما يتحدث هو إلى الناس في الفلسفة. هما إذا زميلان، بل هما اكثر من زميلين؛ فقد أخذت الفتاة تدنو من مذهبه في الفلسفة، وتحس ميلا إلى آرائه الاجتماعية، وتكون منه مكان التلميذ والنصير. فليحب إذا وليصبر، وفي أثناء ذلك

стр. 423

كانت أم الفتاة تقول لها: لولا أن مسيو كونت قبيح دميم لقلت أنه يتملقك ويدور حولك كما يدور العاشقون حول من يحبون، ومع ذلك فإن من الحق عليه لك ولنفسه أن يفكر في أن هذه الزيارات المتصلة المنظمة، لا تليق بك ولا به لأنها تخالف العرف المألوف أشد الخلاف.

стр. 424

الوادي للشاعر الفرنسي لامرتين إن قلبي المكلوم، المتقطع رجائه حتى من الأمل، لن يزعج الأقدار بعد الآن بابتهالاته كما كان يزعجها من قبل. ولكن أيها الوادي، يا مأواي في أيام طفولتي، أفسح لي مجالا (ولو ليوم واحد) فأعيش في ربوعك في انتظار المنون. ها هي ذي الطريق الضيقة المؤدية إلى ذلك الوادي المظلم: هنا، في أحضان هذه الروابي، تقوم أشجار تلك الغابات الكثيفة، فترسل ظلها على وجهي الشاحب، وتحوطني بسكون مسكر. وهناك جدولان يسيران تحت (جسور) من الأعشاب المخضوضرة، فيرسمان في انسيابهما تعاريج الوادي ومنحدراته، وتراهما بين الفينة والفينة، يمزجان تموجاتهما الفضية بألحان خريرهما العذبة، ثم يتلاشيان قريبا من المنبع، بعيداً عن أعين الناس. وأيامي في انسيابهما أشبه بهذين الجدولين! فهي تمضي وتتلاشى دون أن يشعر بها الناس، ودون أن تحدث ذلك الخرير العذب! أما نفسي الكئيبة الملتاعة فهيهات أن تعنى بحياة يوم جميل من أيام حياتي. إن خمائل الوادي الفينانة، بظلها المخيم، دفعتني لقضاء النهار كله على ضفاف جداولها، فنفسي الحساسة تغفو على أنغام خرير المياه، كما يغفو الطفل في مهده على صوت المناغاة. هناك تحوطني الطبيعة بأسوار من العشب الاخضر، وبأفق محدود، لكنه فسيح لناظري. إنني أحب أن اثبت قدمي، وأن أبتعد عن الناس لأسمع خرير المياه، ولأتمتع برؤية السماء. لقد رأيت في حياتي أموراً كثيرة، وشعرت باحساسات جمة، وملأت أيامي عشقا. والآن جئت أستوحي الطبيعة في هدوئها الشامل. أيتها الأماكن البهيجة الجميلة! كوني لي تلك الضفاف التي ينسى الإنسان بقربها كل شيء، فقد أصبح سر سعادتي في النسيان.

стр. 425

هنا يطمئن قلبي؛ هنا ترتاح نفسي؛ هنا تلفظ ضوضاء العالم البعيد أنفاسها الأخيرة كما يلفظ الصوت البعيد أنفاسه حين تبعد به الشقة قبل أن يصل مع النسيم إلى الأذن الحائرة. من هنا، ومن خلال هذه الغيوم الصافية، أرى ماضي حياتي يختفي في ظلام دامس، تاركا لنفسي ذكريات حية لحبي، كما تترك اليقظة في نفس المستيقظ صور خيالات جميلة لحلم لذيذ قد استفاق منه. يا نفسي! خذي حظك من الراحة في هذا المنزل الأخير كما يأخذ المسافر الطافح قلبه بالامال، حظه من الراحة، قبل أن يدخل أبواب المدينة، يستنشق هنيهة نسيم المساء المعطر. ولننفض نعالنا كما يفعل هذا المسافر، لأننا لن نمر ثانية في هذه الطريق التي اجتزناها مملوءة بالغبار، ولنتذوق مثله أيضاً، في آخر مرحلة من طريقنا، هذا الهدوء الذي يبشرنا بضجعتنا الأبدية. أيها الإنسان! إن أيامك المعدودة، التي تشبه في حلكتها وقصرها أيام الخريف، تنحدر بك كما ينحدر الظل على جوانب الهضاب. فالصداقة تخونك، والرحمة تعرض عنك، إلى أن تتركاك في طريق القبر وحيدا. ولكن الطبيعة هنا تدعوك إليها لتبثك أشواقها، فارتم في أحضانها. عندما يقلب لك كل شيء ظهر المجن، عندما يخونك كل شيء ويعرض عنك، ترى الطبيعة على حالها المعهودة. فالشمس نفسها تشرق طيلة أيام حياتك. أن الطبيعة لم تزل كما كانت عليه بالأمس، ترشدنا تارة بنور حقيقتها، وتظللنا أخرى. فلا تأسف أيها الإنسان لكل ما تضيعه من متاع الحياة الدنيا. وتعال تعبد ذلك الصدى وألحان تلك الموسيقى العلوية كما كان يتعبدهما (فيثاغورس) من قبلك. دع الطرف يناج الغزالة في سمائها نهارا، والأشباح في محرابها ليلا؛ واسبح مع الغيوم على بساط الريح؛ واخترق غابات الوادي الظليلة مع أشعة ذلك الكوكب الخفي. إن الله خصك أيها الإنسان بالعقل والفطنة لكي تتحقق بهما وجوده. فاستجله في صحيفة الطبيعة، فإن في سكونها وهدوئها صوتا يهتف باسمه. من منا لم يسمع هذا الصوت يدوي في أعماق قلبه؟

стр. 426

بيروت. محمد كزما

стр. 427

غيرة قد زرعنا بين أفواف الربا … وردة الحب لإقبال الربيع داعبتها عند إقبال الصبا … نسمة الآصال والصبح الوديع خلع الروض شذاه بعدها … وحبتها اللون وجناتُ الحبيب فهي كالنار، ولكن عندها … تشتهي الأفواه تقبيل اللهيب كأن قلبي مسرح الود الندِي … وسقته العين أمواه الحياه وعزيز أن أرى غرس يدي … تحتويه بين عيني الشفاه وردة الحب استباحت ادمعي … وتولت عند إقبال الخريف عذبت قلبي وأبكته معي … وأرتني كيف إذلال الضعيف محمود محمد منتصر

стр. 428

العلوم أسرع كمرة في العالم صورة تؤخذ في جزء من ٤٠٠٠٠ من الثانية إذا أردت أن تصور جسما ثابتا، كتمثال من الحجر، كفاك في ذلك أن تثبت أمامه كمرة غاية في البساطة، تتكون من خزانة مظلمة، بسطحها القريب من التمثال عدسة تركز الأشعة المنبعثة منه على فلم حساس في السطح المقابل من الخزانة، فترتسم عليه الصورة المرغوبة. ثم يستخرج الفلم في الظلام ويثبت بالطرق المعروفة. ومن أهم الأمور التي يراعيها المصور مدة التجلية أي مدة تعريض الفلم للضوء، وهي تتوقف على أمرين: أولهما درجة إحساس الفلم، وثانيهما شدة الضوء الذي ينير التمثال. وفي المثل الذي نحن بصدده يكفي أن يغطي المصور عدسة هذه الكمرة البسيطة بورقة مقواة سوداء، فإذا حان وقت التصوير جلى عن الفلم مدة ثانية أو ثانيتين أو ثلاث أو أربع حسب ضوء الشمس الحاضر، وذلك بإزاحة الغطاء ثم رده سريعاً إلى مكانه. هب بعد ذلك أنك تريد تصوير رجل من لحم ودم، وهب أنك وقفته مكان التمثال وجليت عن الفلم ثلاث ثوان أو أربع، فهل تدري ما الصورة التي تخرج لك؟ صورة مغبشة على الأغلب لأن الإنسان ليس له سكون الحجر، فهو لا يستطيع صبراً على الوضع الواحد، فيتحرك فيتخذ أوضاعا كلها ترتسم على الفلم فتخرج الصورة مبهمة الحدود متضاعفة الخطوط مختلط بياضها بسوادها. فتجد نفسك عندئذ في حاجة إلى تقصير مدة التجلية حتى لا يتحرك الرجل، ومعنى هذا أنك بحاجة إلى زيادة حساسية الفلم، ومعنى هذا أيضاً أنك بحاجة إلى زيادة شدة الضوء، فبدل أن تصور في نور الصباح الأول أو في نور المساء الأخير، تصور والصباح ضاح مشرق، وعندئذ تكفيك بعض الثانية عن الثواني الكثيرة. هب بعد هذا أنك تريد أن تصور رجلا وهو يسير، أو حيوانا كقطة أو كلب لا تستطيع أنت أن تريده على السكون، أو هب أنك تريد أن تصور حصانا وهو يجري، أو طائرا إذ يطير، أو قطارا ينهب الأرض، فقد لا تنفعك تجلية الفلم ثانية أو عشر الثانية، فالقطار الذي يسير بسرعة ٦٠ كيلومتراً في الساعة يقطع في الثانية الواحدة نحو من ١٧ مترا. فانظر كم صورة تنطبع عندئذ على الفلم في الثانية الواحدة، وتخيل مقدار تغبش الصورة

стр. 429

الحاصلة. فكان لا بد من تقصير مدة التجلية تقصيرا كبيرا كان تكون مدة التجلية جزءا من مائة من الثانية أو من مائتين، ولما كانت اليد الإنسانية لا تستطيع كشف العدسة وتغطيتها بهذه السرعة كان لا بد من ابتداع غطاء تحركه قوة آلية كقوة الزنبركات مثلا، وتدخلت الكيمياء لتزيد في حس الأفلام لكي تتأثر بالضوء في المدة القصيرة الجديدة. وتقدم الإنسان في اختراع الكمرات السريعة حتى أصبح تصوير المتحركات أمراً سهلا لا يكلف تعبا ولا إجهادا، وأصبح مألوفا حتى لا يثير استغرابا ولا إعجابا. وصرنا نحلل بها حركات الحيوان لنعرف منها تفصيل سيره، ونحلل حركات الطائر لندرك منها كنه طيره، وصرنا نجمع هذه الوحدات التي تحللت إليها الحركة، والعناصر التي تقسمت إليها أفعال الحيوان والإنسان، فنعرضها على الشاشة البيضاء متتابعة متواصلة، فنحكي من حوادث الوجود ما نشاء أين نشاء ومتى نشاء. ولكن من حوادث الوجود ما يحدث في مدد قصيرة تنافس العين في لحظتها والخاطر في لمحته، فلا بد من تقصير مدة التجلية إلى ما يسبق لحظة العين ويقاصر لمحة الخاطر، وإذن فلا بد من الزيادة في حساسية الافلام، ولا بد من زيادة الضوء حتى يزيد على ضوء الشمس، فجد الباحث بعد الباحث، وعاون المفكر المفكر، وتضافر الطبيعي والكيميائي، والرجل النظري والرجل التطبيقي؛ حتى جاءت الأنباء حديثاً بأسرع كمرة عرفها الزمن، كمرة إذا صدقت الأخبار العاجلة تصور الصورة في جزء من أربعين ألفا من الثانية، اخترعها أستاذان من أساتذة معهد الصناعات بماساشوسيت بالولايات المتحدة، وهي تعتمد بالطبع على فلم شديد الحس، ولكن اكبر اعتمادها على دورة كهربائية تستطيع أن تحدث برقة ضوئية أسطع من شمس الظهيرة مرات وهي تعدل في شدة ضوئها ٤٠٠٠٠ مصباح كهربائي مركزة كلها في صعيد واحد، قوة الواحد منها خمسون واطاً. وقد استطاعا أن يصورا بها أموراً عدة لا تستطيع أن تصورها الكمرات السريعة المعروفة، نذكر من ذلك صورة للماء النازل من الصنبور، فهذا يخرج تحت ضغط وتسير قطراته في السيل المندفع بسرعة كبيرة، وإلى هذا فهي تتحرك في كل جهة بحركات تختلف سرعاتها باختلاف تدافع القطرات واتجاهها، وتراها في الصورة المرفقة كأنما قال

стр. 430

لها الله اجمدي مكانك فجمدت، وتراها على غير ما تراها العين من الانسجام والملاسة. ومن ذلك صورة للمضرب إذ يضرب به اللاعب الكرة في اللعبة المعروفة بالجلف، فأنك ترى الكرة المصنوعة من المادة الصلبة القوة قد انبطحت من قوة الضربة؛ ولأن انبطاحها لا يستغرق الا جزءاً من الثانية في غاية الصغر كان من المتعذر على العين أن تراه؛ وكان من المتعذر على الكمرات العادية أن تسجله. وبقي أمراً مفروضا حتى أتت الكرة السريعة فجعلته رأى العين، والعين جهيزة الحجج، إذا رأت قطعت قول كل خطيب. على أنه لا يفوتنا أن ننبه إلى أن كل صورة لشيء متحرك، مهما كان نوعها، وبأي كمرة صورت، ما هي الا مجموعة من صور لا حصر لعددها. هب أنك أخرجت يدك من جيبك فوضعتها تحت ذقنك؛ وهب أن هذا حدث في ثانية واحدة، فأنك لتجد يدك اتخذت عدداً من الأوضاع لا حد له. فما دامت يدك في حركة مستمرة ففي كل أجزاء الثانية، مهما صغر، وضع خاص به يختلف عن وضع الجزء الذي يليه من الثانية، ومن الطبيعي أننا كلما زدنا في التجزئة قل الخلاف بين أشكال هذه الأوضاع العديدة حتى تعجز العين الإنسانية عن إدراكه. فصور الكمرة السريعة المرفقة هي في الواقع عدة من صور عجز حس الإنسان عن إدراك الفروق بينها، فحس الإنسان لدقائق المكان محدود، كما أن حسه لدقائق الزمان محدود. ولعل هذا التثلم في الإحساس نعمة من نعم الله، ولو أن هذه الحدة في الإحساس بالزمان والمكان أعطيت لي هبة لترددت كثيراً في قبولها، لأني إن قبلتها لم أجد في الكون شيئا ناعماً، حتى أكثر المرايا انصقالا تصبح في عيني كسطح الصخرة المتهشم، ولأني أن قبلتها تراءت لي الدنيا تموج بمخلوقات أنا الآن عنها أعمى، وتكشف لي في طيات الدنيا التي أعرفها وفي حواشيها دنى أنا سعيد بجهلها، ولأني أن قبلتها لم يكن للفظة السكون موضع من قاموس لغتي، ولأصبحت أحس في هدوء هذا الليل وأنا أكتب هذه الكلمة على مكتبي هذا الساكن، وفي حجرتي هذه الهادئة كأني اكتبها في عربة رجراجة من عربات الترام إذ تمر نهاراً في أشد أحياء المدينة صخباً وجلبة، وأخيراً لأني أن قبلتها وقبلت زيادة الإحساس بالزمن أصبحت ثانيتي ساعة وأصبحت ساعتي سنة وسنواتي ألوفاً.

стр. 431

الأنفلونزا أو النزلة الوافدة للدكتور سامي كمال النزلة الوافدة مرض مستوطن في القطر المصري، فلا يمر شتاء دون أن نسمع ببعض إصاباته؛ لكن هذه الإصابات لا تأخذ شكلا وبائياً، وتظهر عادة في فصل الشتاء مقرونة بسابق التعرض لبرد شديد أو للرطوبة، وعاقبتها دائما حميدة. وتظهر هذه النزلة الوافدة في جميع أنحاء العالم، كما تظهر عندنا، ويكثر عدد المصابين بها في البلاد الحارة، وتقل إصاباتها عادة عند حلول فصل الربيع. وهي تنتقل بالعدوى بواسطة جراثيم خاصة؛ تلك الجراثيم عبارة عن بذور تتفاوت في حيويتها وتأثير إفرازاتها، لأن الجراثيم لا تؤثر الا بفعل هذه الإفرازات التي هي من أقوى السموم وأشدها فتكا بالإنسان. فإذا صادفت أجساماً قوية قاومتها، أما إذا عرضت لها أجسام ضعيفة فأنها تقوى عليها، وتشتد بانتقالها على غيرها، وتزداد قوة إذا تهيأت لها ظروف خاصة، كما حصل ذلك في نهاية الحرب العظمى عام ١٩١٨ إذ وجدت الإنسان ضعيفاً جائعاً منهوك القوى والأعصاب ففتكت به، ومات بالنزلة الوافدة في العالم عدد يفوق عدد من مات في ميادين القتال. هنا تكون وبالا، وهنا تكون خطراً على العالم أجمع، حيث تنتقل مع المسافرين بسرعة الطائرات والسيارات. وهذا النوع من النزلة الوافدة الوبائية يسمى عادة باسم الوطن الذي نشأ فيه، ففي عام ١٩١٨ كانت اسبانيا، وهي في هذا العام إنجليزية. وكل الأخبار تدل على أن خطر هذه الوافدة الإنجليزية أقل بكثير من سابقتها الإسبانية. وأوبئة الوافدة تتشابه في مجموعها من حيث الأعراض. لكنها تتفاوت من حيث مضاعفاتها وخطرها على العموم. ومدة حضانتها، أي من وقت العدوى إلى وقت ظهور أعراضها لا تزيد على اليومين. أما أعراضها فزكام واحتقان في أغشية الحلق والمجاري الهوائية مع قشعريرة وحمى وشعور بتكسر في الجسم وعطس وسعال، وهي سريعة العدوى خصوصاً لأن اكثر الناس لا ينعكفون في دورهم عند الإصابة بها، بل يستمرون في مزاولة أعمالهم، يذهبون

стр. 432

ويجيئون ويختلطون بالناس. وهم لو عرفوا كيف تحصل العدوى وعزلوا أنفسهم في بيوتهم وحجراتهم لدرءوا عن أنفسهم وعن عائلاتهم وعن مواطنيهم شر هذا المرض. أن العدوى تحصل بواسطة العطس أو السعال اللذين ينقلان جراثيم المرض مباشرة إلى السليم. لذا يتحتم على المريض أن يتحاشى العطس أو السعال في وجه الناس وليفعل ذلك يميناً أو شمالا. كذلك من يخالط المرضى يجب عليه أن يحتاط بوقوفه جانبا غير هياب ولا وجل، يخدم في رفق ثم يغسل يديه، ويستعمل مطهرات الفم والأنف، ويجب أن تكون غرفة المريض معرضة لأشعة الشمس يتجدد الهواء فيها مراراً كل يوم ثم يلازمها المريض عند أول الشعور بالمرض، ويستعمل الأطعمة السائلة والمعرقات والمشروب الساخن وهو خير علاج بجانب الأسبرين والكينين عند الاحتياج حسب أمر الطبيب مع استعمال مطهرات الأنف والحلق. ومن خير الاحتياطات الابتعاد عن حضور الاجتماعات العامة خصوصا في المحلات المغلقة، واستعمال مطهرات الأنف كزيت الأوكالبتوس صباحاً ومساء، ومطهرات الحلق مثل الماء المضاف إليه نقط اليود والابتعاد عن المرضى.

стр. 433

بحوث مصائد الأسماك وماهيتها للدكتور حسين فوزي. مدير إدارة أبحاث المصائد ليس المخلوق الحي مع ما هو عليه من مظهر الوحدة سوى مجموعة مركبة من مواد عضوية وغير عضوية، تربطها ببعضها قوى طبيعية هي نفس القوى الصادرة عن الكون المحيط بها، لذا يتقدم الباحث لدراسة هذه المجموعة كوحدة حية أولاً، ثم كجزء من ذلك الكل أو الوسط الذي يعيش فيه ثانياً. وقد أطلقت كلمة بيلوجيا (علم الحياة) على مجموع هذه الدراسات: دراسة أشكال المخلوق الحي وأوضاعه في الفضاء وهي (المورفولوجيا) ودراسة أوصاف أجهزته وأعضائه وهي (علم التشريح) والبحث عن تطور هذا المخلوق من البويضة حتى يصبح كامل الخلق وهو (الايمبريولوجيا) (علم الأجنة) ودراسة وظائف أجهزته وأعضائه وهي (الفيزيولوجيا). ودراسة الحياة وقوانينها وتطوراتها الكونية، والوسط الذي تعيش فيه المخلوقات باحثة عن غذائها، والغازات الضرورية لتنفسها، وكذا اثر هذا الوسط فينا. وتوزيعها حسب تطوراته تلك هي (الايكولوجيا). والأحياء المائية تتميز من غيرها بأن الوسط الذي تعيش فيه هو الماء. وهذا النوع من الحياة هو أهم الفروق بينها وبين الأحياء الاخرى، لأنها فيما عدا ذلك تتنفس وتتغذى وتتناسل وتؤدي أعضاؤها نفس الوظائف التي تؤديها الأحياء الهوائية. وإنما تتطور هذه الوظائف ويتطور شكل المخلوقات المائية تبعا للوسط الذي فرض عليها مظاهرها الخاصة. والأسماك فصيلة من المخلوقات المائية استرعت اهتمام الإنسان منذ اقدم العصور لأنها مصدر هام لغذائه. فالإنسان منذ النشأة الأولى كان صيادا قنصا. على أنه ثمة أحياء مائية أخرى أنتفع بها الإنسان أما لغذائه أو لأغراض نفعية أخرى. نكتفي منها بالإشارة إلى

стр. 434

الصدفيات (كالجندوفيلي وأم الخلول)، وذوات القشور (كالجمبري واللانجوست) لغذائه. وإلى الإسفنج وحيوانات اللؤلؤ والمرجان والسلاحف المائية والتماسيح (الباغة والجلود) لزينته ونظافته. وإلى الدرافيل والحيتان لصنع الجلود واستخلاص الزيوت. وإلى بعض الأسماك لاستخلاص سماد (الجوانو) والغراء الحيواني والمستحضرات الطبيعية كزيت كبد البكلاه (زيت كبد الحوت) وإلى الأعشاب البحرية التي يستخرج منها اليود وينتفع بها في الأسمدة. ونقصر هذا المقال على بحوث الأسماك وهي بحوث يمكن تطبيقها على الأحياء المائية الأخرى مع بعض تغيير في الطرائق يقضي به تكوينها المختلف ونوع حياتها الخاص. أول ما يعنى به من يدير شأنا من الشؤون كمنجم أو بحيرة هو أن يعرف ما تحويه التربة من معادن في طبقة مخصوصة، أو ما يعيش في البحيرة من مخلوقات نافعة أو ضارة، لذا كان أول ما يهم خبير المصائد هو أن يستعرض المخلوقات التي تعيش في مياهه فيعمل لها سجلا، وعلى أساس هذا السجل يستطيع أن يتعرف طرائق بحثه. وأن مؤلفا جليلا مثل (أسماك النيل) (لبولانجيه) أو (أسماك البحر الاحمر) لكلونتسنجر لهو محاولة موفقة في هذا السبيل، فعلى خبير المصائد أن يجمع المعلومات من المصائد المصرية المختلفة عن أنواع الأسماك التي تدخل أسواقنا، بل والأنواع الأخرى التي لا يهتم بها صيادونا أو لا يعرفون طرق صيدها. وليس عمل قائمة بجميع اسماك المياه المصرية سهلا كما يتراءى لأول وهلة. فمنذ ظهر كتاب (وصف مصر) الذي قامت به البعثة الفرنسية الملحقة بحملة بونابرت إلى يومنا هذا لم تبلغ بعد قائمة أسماكنا حد التمام خصوصا في البحرين الأحمر والأبيض، فثمة أسماك لا يعرف صيادو البحر الأبيض طرق صيدها (وأخصها الأسماك الرحل). كما أن طرق الصيد في البحر الاحمر لما تزل على حال من البساطة يتعسر معها الحصول على جزء كبير من الأسماك التي تعيش في ذلك البحر. فأمام أخصائيي المصائد في مصر سنوات طويلة يقضونها في البحث المتواصل حتى تتم قائمة الأسماك المصرية مرتبة حسب الأنواع والفصائل والأجناس. كما ينبغي أن تدعم هذه القائمة بمتحف كامل يضم نماذج من جميع أسماكنا جيدة الحفظ جلية العرض. كذلك يعنى الأخصائي بمعرفة مواطن الأسماك، فثمة اسماك تقطن الماء العذب وأخرى

стр. 435

تقطن الماء الأجاج، وغيرها تعيش في البحار، أو تنتقل بين الماء العذب وماء البحر. ومن الأسماك البحرية ما تعيش على القاع، وتفضل نوعا من القاع، رمليا أو صخريا أو طينيا، ومنها ما تغشى الصخور وفرجاتها، ومنها ما تعيش في طبقات الماء العليا أو السفلى متنقلة بين مناطق البحر سريعة الحركة. وفي مياه النيل يهمنا أن نعرف مواطن كل نوع من أسماكه، تلك التي تأوي إلى الحشائش أو تعيش على القاع الطيني. وتلك التي تقاوم التيار أو تقاوم كمية من الملوحة تسمح لها بالحياة إذا ما وصلت مع المصارف إلى بحيراتنا ذات الماء الأجاج. فإذا عرفنا مواطن كل نوع من السمك وجب علينا أن ندرس توالده، فعندما تبلغ الأسماك طولا معلوماً يختلف باختلاف الأنواع ينضج جهازها التناسلي، فتمتلئ مبايض الأنثى بأجسام كروية تبدو للعين المجردة كما يظهر لك بفحص قطعة من البطارخ، وليست هذه إلا مبيضاً ممتلئاً ببويضات أنثى البوري الناضجة. وإذ تنضج الأنثى فهي بادئة بالمبيض، وذلك بأن تلقى بالآلاف من بويضاتها في الماء، أما على قاع رملي أو طيني، أو بين الحصى أو الأعشاب المائية أو في شقوق الصخور، أو في أوكار محفورة في الطين، أو بين طبقتين من الماء حيث تبقى البويضات عائمة بفعل ثقلها النوعي وكذا ينضج الذكر عند طول معلوم يقرب من طول الأنثى، ويغلب أن يكون أقل قليلا. وينتج جهازه التناسلي خليات سريعة الحركة لا تراها العين المجردة. ففي موسم التوالد تتآلف الذكور والأناث، فما تكاد تلقى الأنثى بويضاتها في مكان من الأمكنة التي سلف ذكرها حتى يتقدم الذكر إلى ذلك المكان ليلقي بملايين من تلك الخليات السريعة الحركة بجانب البويضات التي لا حراك بها، وتسرع تلك الخلايا إلى الاندماج في البويضات. وقد يجتمع للبويضة بضعة من تلك الخلايا، فلا ترضى منها بغير واحدة تتغلغل داخلها وتمتزج بها كل الامتزاج. وينفث هذا الاتصال في البويضة حياة جديدة إذ تنقسم (وهي خلية واحدة) إلى ملايين من الخلايا تتطور حتى تصبح مخلوقا صغيرا لا يشبه والديه فهو محوط بغشاء رقيق هو غشاء البويضة الخارجي يذيبه ثم يخرج إلى الماء مزودا بكيس محي يكون غذاءه في الأيام الأولى. فإذا ما نفذ ذلك الغذاء أصبح الجنين سمكا صغيرا يسعى وراء غذائه، وهو لا يزيد طولا على بضع ملليمترات. ولا يزال يكبر حتى يبلغ بدوره الطول الذي تنضج فيه

стр. 436

أعضاؤه التناسلية إن ذكرا وإن أنثى. على أن السمك وقد بلغ ذلك الطول لا يبيض طوال السنة، لأن عملية نضوج الجهاز التناسلي عملية دورية تبلغ تمامها في وقت معين من السنة؛ يختلف باختلاف الأنواع؛ فمن أسماك تبيض في الشتاء وأخرى في الربيع أو الخريف أو الصيف. وقد يستمر مبيضها أياما أو شهورا. وكذا يتبع الذكر تطوراً موازيا لتطور كل أنثى من نوعه. وفهم أمثال هذه الحقائق (كمعرفة عمر الأسماك والطول الذي ينضج عنده جهازها التناسلي) من أهم القواعد التي يستند عليها التطبيق العملي. لأنه لما كان من الضروري أن يسمح لأكبر عدد من الأسماك بالتوالد وجب أن نعرف وقت هذا التوالد لحماية النوع برد عادية الصياد عنه، وهذه الحماية لا تتناول الأبوين فحسب، بل يجب أن تتناول البويضات وأفراخها. ولذا كان من المهم أيضاً معرفة المناطق التي تغشاها الأسماك وقت التوالد فيمنع الصيد فيها. من ذلك مثلا أنواع البلطي التي تبيض وتفرخ بين الحشائش المائية (كالبردي) فيجب إبعاد الصيادين عن تلك المناطق أثناء موسم التوالد. ومن أسماكنا كالبوري والطوبار ما يترك الماء العذب أو البحيرات الشاطئية ليخرج إلى البحر فيفرخ. ولما كان مخرج هذه البحيرات إلى البحر بوغازاً ضيقاً، أصبح واجبا منع الصيد بتاتاً في البواغيز الموصلة بين البحيرة والبحر للسماح للبوري والطوبار بالخروج إلى البحر، ولأفراخه (وهي تقدر بالملايين) بالعودة إلى البحيرات. كأننا بهذه المعلومات البيولوجية استطعنا أن نفي بالشرط الأول من شروط علم الحيوان التطبيقي. وهي حماية النوع بمساعدة الطبيعة في مجهودها نحو بقائه. على أن هذه المعلومات يمكن الانتفاع بها على وجه آخر، إذ يمكن للأخصائي أن يقلد الطبيعة في عملها بإعداد أمكنة خاصة لأفراخ الأسماك وتعهدها بالعناية، وذلك برد أعدائها عنها وتغذيتها تغذية تساعد على نموها العاجل، كذلكيستطيع نقل الأسماك من جهة تكثر فيها إلى جهة صالحة لنموها وتوالدها ولكنها فقيرة منها. وفي البحار تتخذ هذه المسائل طابعها الخاص، ولكن الدراسة تقضي هنا أيضاً بتعرف حياة

стр. 437

الأسماك البحرية من سرعة نموها إلى أمكنة توالدها إلى هجرتها. لقد كان حديثنا حتى الآن عن السمك نفسه تلك الوحدة الحية التي ليست سوى جزء من كل. وهذا الكل هو الوسط الذي يعيش فيه الأسماك ولها به صلات وثيقة، لذا كانت دراسة هذا الوسط تعادل في الأهمية دراسة السمك نفسه، هذا الوسط متجانس ظاهراً. ولكن كم من العوامل تجعل من هذا التجانس الظاهر اختلافات عديدة، ومن الطبيعي أن يتأثر المخلوق المائي بتلك العوامل، لقد كانت جميع المخلوقات في ظلام التاريخ الجيولوجي تعيش في الماء مرنة التكوين سهلة التأثر بالعوامل المحيطة، وقد احتفظت المخلوقات التي لا تزال تعيش في الوسط المائي بتلك المرونة التكوينية التي كانت الأصل في تعدد الأنواع، ودراسة الوسط المائي دراسة تفصيلية تلقي ضوءا جديدا على عوامل التطور. على أن لهذه الدراسة أهميتها العملية، فالوسط المائي يشطر أعمال الأخصائي شطرين: بيولوجيا المياه البحرية، وبيولوجيا المياه العذبة، وقد يتصل الشطران إذ يختلط وسط آخر كما يحدث ذلك في بحيراتنا الساحلية، أو يختلط بحران من تكوين وطبيعة مختلفين كما حدث ذلك بحفر قناة السويس. ما منشأ اختلافات المياه العديدة والماء وسط متجانس؟ أولها وأهمها وجود المواد الذائبة فيه، وينشأ عن وجود هذه المواد ظواهر كيميائية طبيعية أهمها (الأسموز) ومن أظهر المواد الذائبة في البحار كلورو الصوديوم. والمخلوق المائي يعيش في حالة توازن كيميائي طبيعي مع الوسط المحيط به، ولقوة الأسموز اليد الطولي في هذا التوازن، فإذا نقلنا سمكة من اسماك الماء العذب إلى البحر اختل هذا التوازن، وعجزت السمكة عن مقاومة هذا الاختلال طويلا ثم ماتت. وكذا العكس. على أن هناك غير قليل من الأسماك دخلت من البحر إلى البحيرات الساحلية، وتعودت مياها اقل ملوحة من مياه البحر، بل قد تصل في عذوبتها إلى ما يدنيها من مياه الأنهار. بل هناك أسماك تتحمل الحياة في الماء العذب والبحر على السواء. على أن تلك الأسماك البحرية التي تعودت الحياة في الماء العذب أو الأجاج تدفعها فطرتها إلى العودة إلى البحر لتفرخ. وإذا أمتنع عليها الوصول إلى البحر أصابها العقم، وتلك حالة ثعابين السمك (الأنقليس) والبوري والطوبار من أسماكنا المصرية.

стр. 438

ويعرف سكان المنزلة والبرلس وأدكو تلك الظاهرة حق المعرفة. إذ تخرج آلاف البوري والطوبار إلى البحر في مواسم معينة يطلقون عليها (الخرجيات). وقد اكتشف الأستاذ (يوهانس شميدت) اكتشافا يعد من أغرب ما وصل إليه الكشف العلمي في البحار، وهو أن ثعابينالسمك التي تعيش في الأنهار والبحيرات الأوربية تخرج إلى عرض الاقيانوس الاطلنطيقي لتفرخ قرب جزر (الأنتيل) عند منطقة تسمى بحر سارجاس. وتهاجر ثعابين السمك الأمريكية شرقا لتلتقي بثعابين السمك الأوربية في منطقة بحر سارجاس. فإذا انتهى موسم الأفراخ اتجهت أفراخ الثعابين الأوربية شرقا وأفراخ الثعابين الأمريكية غربا حتى يصل كل منها إلى قارته. فيدخل الأنهار في شكل أسماك مستديرة زجاجية بيضاء اللون. وهي ما تسمى بالحنكليس. وتعرف مصر هذه الظاهرة، أي خروج ثعابيننا إلى البحر وعودة آلاف الحنكليس إلى البحيرات الشاطئية ودخولها نهر النيل. وتلك ظواهر نراها رأي العين في مصر، ولو أننا لا نزال في شك مما إذا كانت الثعابين المصرية تفرخ وسط الأطلانطيق أو في البحر الأبيض المتوسط. لقد أوردنا تلك الأمثلة لنبين إلى أي حد وصلت مرونة تلك الأسماك في تقبلها تغير قوة الاسموز. كما يهم الباحث معرفة الأكسجين الذائب في مياه ما، لأنه يتوقف عليه تنفس الأسماك. الا أن احتياج نوع من السمك إلى كمية من الأكسجين لا يوازي احتياج نوع آخر. فقد يموت نوع إذا هبط مقدار الأكسجين الذائب إلى ٤ جرامات في اللتر مثلا، بينما يقاوم نوع آخر حتى يبلغ الأكسجين جرام ونصف في اللتر. ثم تبدو عليه علامات الضيق حتى يموت. ولكل هذا أثره في مواطن الأسماك، أسماك لا تعيش الا في مجاري المياه الجبلية حيث المياه جارية تذيب في تدفقها كمية كبيرة من الأكسجين. وافضل مثل على هذا سمك (الترونا) المعروف في البلاد ذات المجاري السريعة الجبلية كسويسرة واسكتلندا وكندا الخ. . وأسماك تعيش في الأودية كسمك الكارب والتانش في أوربا وجميع أسماك مياهنا العذبة. كذلك يهم الباحث معرفة درجة حرارة المياه وحركاتها كالتيارات والمد والجزر لأن كل

стр. 439

واحدة من هذه المسائل أهميتها في دراسة الأسماك. فهذا النوع يفرخ إذ تصل حرارة المياه التي يعيش فيها إلى درجة معينة، وذاك النوع يغشى المياه الهادئة كي يفرخ في مأمن من التيار الخ. . وقد سبق الكلام عن أهمية دراسة القاع لمعرفة الأنواع التي تغشاه، ودراسة القاع تدخل ضمن علم الصخور وهو فرع من الجيولوجيا. ودراسة غذاء الأسماك يتطرق بنا إلى دراسات بيولوجية أخرى. فعلينا أن نعرف نوع الغذاء، فمن اسماك تتغذى على اسماك اصغر منها، أو حيوانات صدفية أو ذات القشور أو ديدان. إلى اسماك لا تتغذى الا بالنباتات المائية. وعلى أخصائي الأسماك أن يتعرف جميع الأنواع التي تكون ذلك الغذاء، وحياة هذه الأنواع، ومما لا شك فيه أن لنوع الغذاء أثرا واضحا في شكل الأسماك. فتلك الأنواع التي تحتاج في غذائها إلى المطاردة السريعة يتخذ جسمها الشكل المغزلي، وهو أوفق الأشكال للحركة السريعة. كما نرى في التونة والبلاميطة. وتلك الأنواع التي تجد غذائها على القاع يتطور شكلها تبعا لحياتها الهادئة، فهي مفرطحة كما نرى ذلك في سمك موسى وأشباهه. ولا يستطيع خبير المصائد أن يقرر صلاحية بحيرة أو بركة لتربية نوع خاص من السمك قبل أن يقرر نوع الغذاء الذي يقتات منه، بل وأفضل تغذية تعجل في نموه وتكسب لحمه صفات شهية. رغبنا في هذا المقال أن نمر سراعاً على شتى المسائل التي تتناولها بحوث مصائد الأسماك. وهي متعددة الوجوه لا يستطيع فرد واحد أن يضطلع بها، بل هي في حاجة إلى فرقة من أخصائيين ذوي ثقافة علمية قويمة تشمل علوما مختلفة منها التاريخ الطبيعي بأنواعه (علم الحيوان والنبات والجيولوجيا) وعلوم الكيمياء والطبيعة، وعلم الأرصاد الجوية ومبادئ الإحصاء. على أننا لم نأت على آخر ما يتعين على أخصائي بحوث المصائد أن يعرفه. إذ أن هذه العلوم تتبع في تطبيقها العملي الظروف الخاصة بكل إقليم. ولنضرب مثالا لذلك نظام الري في مصر، من ري الحياض وما إليه من تيارات وقنوات. وري الدلتا بترعه ومصارفه واتصاله بالبحيرات الشاطئية. وأثر الخزانات والقناطر، تلك

стр. 440

مظاهر مائية تكاد تكون خاصة ببلادنا. وهي لهذا تفتح أمام خبير المصائد فتحا جديداً في التطبيق العلمي. إذ من العبث أن يطبق الإنسان بلا تبصر طرائق بلاد على بلاد أخرى، وإنما عليه أن يجد لكل حالة ما يلائمها معتمدا على دراسة متينة، وتجربة متعددة الوجوه، وفهم للظواهر الخاصة بالبلاد.

стр. 441

القصص مشاهدات غربية للأستاذ محمد احمد الغمراوي. أستاذ الكيمياء بكلية الطب - ١ - في منجم كانت ليلة السبت ١٨ فبراير سنة ١٨٧٨ موعد انعقاد الجمعية الطبيعية الكيميائية في الكلية، وكان المقرر أن يذهب أعضاؤها لزيارة منجم فخم على بعد ميلين أو ثلاثة من نوتنجهام. فبعد أن تناولنا الشاي بالكلية خرجنا ومعنا الرئيس الأستاذ بارتن فركبنا الترام إلى المنجم، وهناك وجدنا بعض رجاله ينتظروننا، فقيل لنا أنه لا بد من أن يحمل كل منا مصباحا يستضيء به، وقادونا إلى غرفة المصابيح أو بالأحرى مخزنها، وقد ذكرني حين دخلته بمخزن القناديل في مسجد البلد أيام كان المسجد يضاء بالقناديل، فقد كانت رائحة الزيت المحترق تفوح من المصابيح الموقدة المصفوفة. وكان كل مصباح عبارة عن فتيلة داخل اسطوانة قصيرة من الزجاج متصلة من أعلاها بمخروط ناقص من شبك الحديد، يظاهره مثله من صفائح النحاس، وهذا ينتهي بحلقة يحمل منها المصباح تلتقي عندها أسلاك تتصل بالقاعدة وتصون زجاجتها. هذا هو مصباح (دافي) اخترعه السير (همفري دافي) لأول مرة سنة ١٨١٥ وهو على بساطته جم النفع، لأن شبكته الحديدية تحول بين اللهب: لهب المصباح (أو لهب ما قد يدخله من غازات ربما تصاعدت من شقوق يصيبها العامل في اقتطاعه الفحم) وبين أن يمتد إلى ما قد يخالط هواء المنجم من غاز قابل للالتهاب، فيحترق دفعة واحدة فينسف ما حوله. وتلك خاصة من خواص ما شابه الحديد والنحاس من المعادن أنها لسهولة سريان الحرارة فيها إذا لامست غازا ملتهبا أخذت من حرارته ما يكفي لتخفيض درجتها عن درجة الالتهاب، فإذا نفذ الغاز منها إلى خارجها نفذ غير ملتهب. حمل كل منا مصباحا وذهبنا لننزل المنجم فإذا المنزل إليه فوهتان كأنهما بئران متجاورتان منصوب عليهما قوائم متشابكة من الحديد عظيم حجمها وارتفاعها، تحمل في أعلاها جهازا

стр. 442

يتدلى منه سلسلة متينة، تحمل في طرفيها صندوقين كل صندوق في فوهة. والسلسلة من الطول بحيث إذا حاذى أحد الصندوقين وجه الأرض، مس الآخر أرض المنجم على عمق خمس وسبعين ومائتي ياردة. هذا هو الرافع الذي يرفع به الفحم إلى سطح الأرض ولكنه لا كالذي نعرف عن الرافع، فأنه على سماجته التي لا تليق بما جعل له، عجيب في نظامه وحركته. وهو يتحرك بالكهرباء: يدير العامل مفتاحا في إحدى تلك القوائم، فيدق جرس صغير ثلاث دقات في باطن الأرض وفي ظهرها ايذانا، وعندئذ يهوى أحد الصندوقين ويرتفع الآخر بسرعة ثلاثين ميلا في الساعة. وكل منهما في بدء هبوطه يدع سلسلة كان قد رفعها تقل حاجزا من خشب فيسد باب الفوهة، فإذا ما قارب الصندوق مقره في صعوده رفع السلسلة فأنفتح الباب. بدأنا النزول منتصف الساعة السابعة، فدخل منا عشرة صندوقا فوسعهم مع العامل واقفين متلاصقين. وإذا في أرض الصندوق قضيبان حديديان إذا بلغ الصندوق أرض المنجم كونا جزءاً من السكة الحديدية الممتدة فيه، وعليهما توقف عربات الفحم وترتفع بما فيها إلى سطح الأرض. والهابط إلى المنجم يشعر بما لعلك شعرت ببعضه إذا كنت هبطت راكبا بعض مصاعد الحوانيت التجارية أو المباني الكبرى. يخيل إليه أن الرافع قد هوى من تحت قدميه، ويقوى هذا الشعور عنده كلما زادت سرعة الهبوط حتى إذا بدأت تتناقص في النصف الآخر من المسافة وأحس حمل أرض الرافع لقدميه أكثر من قبل خيل إليه أنه صاعد وليس بصاعد. وفي صعوده يشعر بعكس ما شعر في هبوطه. فلما تكامل عددنا داخل المنجم ذهبنا إلى غرفة الملابس فخلع بعضنا فيها رداءه، ثم سرنا في طرق فيها بعض سعة سقوفها أقبية مبنية، ونورها مصابيح كهربائية، نريد زيارة الجهاز الكهربائي الضخم الذي يجر عربات الفحم من مسافة لا تقل عن ميل. ولا تظن العربات تتحرك كما يتحرك الترام، ولكن بحبل غليظ مشدود بها إذا دار الجهاز دارت اسطوانة كبيرة بسرعة كبيرة فالتف عليها الحبل فانجرت العربات. ثم ذهبنا فرأينا مرابط الخيل التي تجر العربات فيما وراء الميل، فإذا هي ليست أسعد حالا من خيول جر الأثقال في مصر. وهي شر منها في أنها قائمة نائمة تحت الأرض لا ترى الشمس بعد نزولها المنجم حتى تموت. ثم سرنا بعد ذلك ميلين في طرق تضيق حتى لا تكاد تتسع لشخصين يسيران جنباً لجنب،

стр. 443

كانت من قبل عروق الفحم في الأرض فنقبها العامل بصبره ومعوله، نائما على بطنه ومستلقيا على ظهره ومائلاً على جنبه ومنحنيا وقائما. وكلما نقب خطوات إلى الارتفاع المرسوم جاء بالأخشاب الغليظة فجعلها سقفا يحمل طبقات الفحم أو الطين حتى لا تنهال؛ تحمله من جانبيه قوائم من مثله أقيمت عمودية على جانبي الطريق. ولم يخل سيرنا في تلك الطرقات من تعب، فكثيرا ما كنا نسير فيها منحنين نحس السقف بأعيننا والأرض بأرجلنا؛ ولكنا كنا نتخذ من ذلك كله فكاهات نضحك لها. فمن كان يرانا عندئذ كأن يرى أشباحا يحمل كل منها مصباحا، ولم يخل منظر المصابيح يتلو بعضها بعضا من بهجة في تلك الظلمة؛ ثم كان يسمع أصواتا تتجاوب، فلا يكاد القائد يقول (وكثر ما كان يقول) رأسك والخشبة! حتى يرفع بها صوته من خلفه، ولا يزال فم يلقى بها إلى فم كلما مر بالخشبة شخص حتى تبلغ آخر الصف. وقد تسمع بين ذلك هذا يصيح: وا دماغاه! وذاك: وا ركبتاه! أو تسمع سائلا يسأل وآخر يجيب. وأحيانا إذا استقام الطريق كانت ترتفع أصوات بعض الغناء نغنيه معا، فنجد له عندئذ ما يجد الجندي الذي أتعبه السير الموسيقى. وكنا نظن أننا ذاهبون لنرى القاطعات الكهربائية التي تقتطع الفحم؛ فإذا بالقائد يقودنا كل تلك المسافة ليرينا الفحم أين هو! فلما سألناه عن القاطعات قال هي في جهة أخرى لا نصل إليها من موقفنا ذلك الا عند منتصف الليل. فرجعنا أدراجنا نقول: متى نبلغ؟ ولم نبلغه الا بعد الثامنة، فكتب كل منا أسمه في دفتر الزائرين ثم صعدنا فزرنا المولد الكهربائي الذي يدير تلك الآلات كلها؛ فإذا بآلات يحار فيها الفكر في غرفة عرضها عشرون خطوة وطولها خمس وعشرون، ويكفي لتقدير عظم آلاتها أن التيار يتولد عن قوة محركة كهربائية قدرها ٢٥٠٠ فولت، ولعل ترام القاهرة لا تزيد القوة المحركة لتياره على خمسمائة. والعامل في منجم الفحم يتقاضى أجرا كبيرا لما في عمله من الخطر والمشقة، وهو يحاسب على كل طن يقتطعه، وقد يقتطع ما يؤجر عليه سبعة جنيهات في الأسبوع. وقد وجدنا أن المنجم مقسم إلى مناطق صغيرة كل منطقة لها رمز من عدد أو حرف تعرف به ويعرف به العامل فيها. وكلما ملأ عامل عربة كتب رمزه على كل قطعة ظاهرة من فحمها ليعرف أنها له فتضاف إلى حسابه. والمنجم الذي زرناه كان يستخرج منه في اليوم في ذلك الحين مائة

стр. 444

وألف طن من الفحم لقلة العمال، وقبل الحرب كان يستخرج منه حوالي طن في اليوم.

стр. 445

المبارزة للكاتب الروسي اسكندر بوشكين كنا نعسكر في قرية روسية صغيرة، وأنت تدرك بالطبع حياة الضباط وما تكون عليه، نؤدي في الصباح التمرينات العسكرية ونتدرب على ركوب الخيل، ثم نتناول طعام الغداء عند قائد الفرقة أو في المطعم اليهودي، فإذا جاء الليل أخذنا نشرب الخمر ونلعب الورق، ولم يكن لنا غير هذا الجانب الضئيل من التسلية، لأن الفتيات الناضجات لم يكن يسمح لهن بالخروج، وكنا ننفق الوقت معا حتى إذا اجتمعنا لم تجد بيننا فرداً لا يرتدي الملابس الرسمية. ثم تعرفنا على شخص من غير الجنود، ومع أنه كان في الخامسة والثلاثين تقريبا كنا نعتبره أكبر من هذا بكثير، وكنا نعتقد في حكمته وكثرة تجاربه، ولقد أسرنا نحن الشبان بكرمه وقوة شخصيته وما فطر عليه من التهكم وعدم الاكتراث. وخيل إلينا أن وراء هذا كله شيئا يكتمه، وأن بين ضلوعه سراً يطويه، ولقد نبئنا أنه كان في فرقة الفرسان يشهد له الجميع بالتفوق والنشاط، ثم استقال منها فجأة لسبب مجهول، واعتكف في هذه القرية الصغيرة؛ ومع قلة معاشه كنا نراه ينفق عن سعة ويفتح بيته لنا نحن الضباط، فإذا جلسنا إلى مائدته استطعنا أن نأكل ثلاثة أصناف من الطعام، وأن نشرب الكثير من كؤوس الشمبانيا؛ ولم نكن نعرف شيئا من شؤونه الخاصة، غير أن الذي يعد له طعامه هو خادمه العجوز الذي كان في مطلع حياته جنديا؛ ولم يجسر أحد على سؤاله عن حياته أو ماضيه. وكانت له مكتبة حافلة بالكتب (معظمها خاص بالجندية وما يتصل بها) يعيرها مسروراً ولا يسأل عنها بعد ذلك، كما أنه إذا استعار كتابا لم يفكر في رده إلى صاحبه. . فإذا دخلت غرفته وجدت جدرانها مغطاة بظروف الرصاص فيكسبها ذلك شكل عش الزنبور؛ ولم يكن في داره من معالم الترف غير مجموعة ثمينة من البنادق والأسلحة. وهو يرتدي في الغالب سترة رثة، فإذا نظرت إلى ملامح وجهه وجدته روسيا في الصميم، مع أنه يحمل اسما أجنبيا. ولقد كان ماهراً في الرماية إلى حد أنه يصوب بندقيته إلى خوذة الواحد منا فيصيبها دون أن ينال صاحبها بسوء. . وكثيراً ما تحدثنا عن المبارزة، ولكن (سيلفيو) (ولنسمه بهذا الاسم) لم يكن يشترك معنا في الحديث، فإذا ما سأله أحدنا عما إذا

стр. 446

كان قد تبارز في حياته، رد بالإيجاب ولم يزد، وخيل الينا أنه يكره هذا الموضوع لأنه يثير ذكرى حادثة معينة قتل فيها فرد معين من ضحاياه العديدين. وفي ذات يوم كان يتناول طعام الغداء في منزل (سيلفيو) ثمانية أو تسعة من الضباط، وكنت أحدهم، واذكر أننا شربنا وأسرفنا في الشراب، فلما انتهينا من طعامنا رجونا من مضيفنا أن يكون أمين الصندوق في لعب الميسر، ولكنه رفض، لأنه قلما يلعب، فلما أصررنا طلب لنا الورق وجلسنا إلى جانبه على شكل دائرة وأخذنا نلعب. لم يتحدث الرجل أثناء اللعب ولم نجره إلى المعارضة أو الشرح، وكان إذا أخطأ أحدنا أعطاه ماله أو حجز ما عليه لنفسه. وكنا جميعا نعرف طريقته. . وحدث أثناء اللعب أن ضاعف أحدنا (وكان ضابطا حديث العهد بمعسكرنا) رهانه على ورقة بالذات دون قصد منه لانشغاله وذهوله، فما كان من سيلفيو الا أن تناول قطعة الطباشير وكتب المبلغ المطلوب فقط. . عارض الضابط وأراد أن يصحح خطأه، ولكن سيلفيو لم يعره اهتمامه، وظل يدير اللعب كان لم يحدث شيء. . وهنا تناول الضابط الطلاسة ومحا الأرقام، فأجاب مضيفنا على ذلك بأن أعاد كتابتها في هدوئه المعهود. كان الضابط متأثراً بالشراب وباللعب وبضحكات زملائه الساخرة فظن أنه أهين، وتناول شمعدانا رمى به وجه سيلفيو ولكنه انحنى قليلا إلى الأمام فأخطأته الضربة، فدمدمنا جميعا انتظرنا ماذا يكون بينهما. وقف مضيفنا شاحبا، وسدد إلى الضابط نظرات دونها نظرات النسور وقال له (لتغادر المكان يا سيدي ولتشكر الله على أن ما حدث كان في بيتي). ولم نشك لحظة في نتيجة هذا الحادث وما سوف يسفر عنه من قتل زميلنا الجديد. ونظرنا جميعا إليه وهو يغادر المنزل في وجوم معلنا استعداده لمقابلة سيلفيو في الوقت الذي يراه. وطبيعي الا يستمر اللعب بعد ذلك كثيراً لأننا انصرفنا واحدا بعد واحد لما رأيناه على مضيفنا من علائم الذهول والانفعال. ولم نكد نعود إلى معسكرنا حتى أخذنا نتحدث فيما سيؤول إليه هذا الحادث الفريد. وفي صبيحة اليوم التالي عندما كنا نقوم بتمريننا العادي على ركوب الخيل تساءلنا هل مات الضابط أم لا يزال على قيد الحياة؟ ولكنه ظهر بيننا، فعجبنا للأمر وأمطرناه وابلا من الأسئلة، فأجابنا أنه لم يتلق دعوة ما إلى المبارزة من سيلفيو، وأسرعنا إلى زيارة الرجل

стр. 447

في منزله فوجدناه يتدرب على إطلاق الرصاص وقد الصق بالباب غرضا جعل يصوب الطلقات إليها له تباعا فلا يخطئه. فلما رانا تلقانا كعادته، ولم يذكر لنا شيئا عن حادث الليلة الماضية. . ومرت ثلاثة أيام والضابط لا يزال على قيد الحياة، ونحن نتساءل (ألا يتبارز سيلفيو؟) أجل لن يتبارز الرجل! بل راح يشرح الأسباب العرجاء التي لم تقنع أحدا منا. وهذا الرفض وذلك الاحتمال من جانب الرجل أساء إلى سمعته بيننا نحن الشبان، لأن الشباب لا يغتفر الجبن، ويعتقد أن الشجاعة خير الصفات التي يجب أن يتصف بها المرء في جهاد الحياة، وأن الشجاع يستبيح لنفسه كل شيء: يحلل الحرام ويحرم الحلال. ولكن سرعان ما نسينا كل شيء بعد مدة، وسرعان ما استعاد سيلفيو مكانته القديمة بيننا. وفي الحق أن رأيي في هذا الرجل لم يعد إلى ما كان عليه، لأنني رومانتيكي في خيالي وتفكيري، ولقد أحببت هذا الرجل اكثر من غيره، مع أنه كان لغزاً للجميع. وكنت أتصوره دائما بطلاً لدرامة رائعة. وكنت واثقا من أنه يحبني، فإذا انفرد بي ترك تهكمه اللاذع وراح يتحدث معي في شتى المواضيع، ولكني بعد الحادث المعروف لم أكن أطمئن إليه ولا أرتاح إلى حديثه، لاعتقادي أنه أهين ولم يغسل إهانته بالدم، وكنت أتحاشى مقابلته أو النظر إليه. وكان الرجل من الذكاء ونفاذ البصيرة بحيث أدرك تماما سبب تغيري، وخيل ألي مرتين أنه يريد أن يتحدث ألي في هذا الموضوع ولكنني تحاشيته ولم يصر من جانبه علي الحديث. عبد الحميد يونس

стр. 448

الكتب فتح العرب لمصر تأليف الدكتور ألفرد. ج. بتلر وتعريب محمد فريد أبو حديد للأستاذ عبد الحميد العبادي. أستاذ التاريخ بكلية الآداب سمعت أستاذنا الجليل احمد لطفي السيد بك يقول مرة ما معناه: أننا الآن في دور النقل والتعريب من حياتنا العلمية. وهو قول لا غبار عليه، فان زمن الاقتصار على تراثنا العلمي والأدبي القديم قد انقضى منذ عهد بعيد، وزمن الابتكار في العلم والأدب لم يأت بعد، وينبغي أن يتقدمه زمن نتوفر فيه على نقل أصول العلوم والفنون والآداب الغربية إلى لغتنا العربية إقتداء بما فعل السلف الصالح في صدر الدولة العباسية. أننا بهذا التوفر نبث في حياتنا العلمية روحا جديدا، ونكسبها مادة جديدة وأسلوبا في البحث والعرض العلمي جديدا، ونكون قد مهدنا للحياة العلمية المستقلة، وأعددنا لها أساسا قوياً راسخا لا يخشى عليه من تطاول البنيان ومرور الزمان، ونكون قد أدينا واجب العلم والوطن والإنسانية جميعا. لكن الترجمة الصحيحة عبء ثقيل مضن يقتضي كثيرا من الجهد والتضحية. فهي من ناحية المترجم تتطلب غزارة علم وأدب، وإنكارا شديدا للذات، يستعذب معه المترجم أن يكون أسيرا للمؤلف الذي ينقله، وقليل من الناس من يصبر على مثل هذا العناء. ثم هي تقتضي من ناحية الناشر، وبخاصة في بلدنا هذا، أن يوطن نفسه على الخسارة المادية تصيبه مما ينشر، فإذا استطاع أن يخرج من الأمر كفافا لا له ولا عليه فحسبه ذلك. والناشر يُعد تاجر يقيس قيمة الكتب بالفائدة المادية المرجوة منها، فماذا يحمله على أن يعرض ماله للضياع؟ من اجل هذا كسدت سوق الترجمة في بلدنا، وتأثرت حياتنا الأدبية بهذا الكساد تأثرا شديدا، حتى أصبحت لا شرقية ولا غربية، ولا قديمة ولا حديثة، ولكن الحمد لله، فقد أخذت هذه الحال تؤذن بالتحول والزوال. وآية ذلك ما نسمعه عن التفكير في وضع قاموس عربي

стр. 449

جديد يجمع شتات اللغة التي أصبحت إلى حد بعيد سماعية غير مدونة. ومن آيته أيضاً ما ترجم في السنوات الأخيرة من غرر أدب الغرب وعلمه. نذكر من هذه الغرر على سبيل المثال: كتاب الجمهورية لأفلاطون، وكتاب الأخلاق، وكتاب الكون والفساد، ونظام الأثينيين لأرسطو، وآلام فرتر لجوته، وفاوست له أيضاً، والشاهنامه للفردوسي، وأصل الأنواع لدارون، ثم كتاب فتح العرب لمصر، وهو الذي سقنا هذه المقدمة تمهيدا للتعريف به أصلا وترجمة. ألف كتاب (فتح العرب لمصر) منذ ثلاثين سنة بحاثة إنجليزي هو الدكتور الفرد. ج. بتلر، ونقله إلى العربية منذ عام صديقنا الأستاذ محمد فريد أبو حديد، ثم نشرته في هذه الأيام لجنتنا المباركة لجنة التأليف والترجمة والنشر. والكتاب يقع في قرابة ستمائة صفحة مكسورة على ثلاثين فصلا وبضعة ملحقات. في الفصول الأربعة الأولى يعرض المؤلف الحال السياسية العامة للدولة الرومانية في أوائل القرن السابع الميلادي ويتكلم عن الثورة التي انتهت بأن أصبح هرقل عاهل الدولة المذكورة، وفي الفصل الخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع يتكلم عن غزو الفرس الشام ومصر، فنهضة هرقل واسترداده الإقليمين المذكورين وعقده مع الفرس صلحا أعاد إلى الروم شرفهم العسكري، فالحال الأدبية للإسكندرية خاصة لذلك العهد. وفي الفصل العاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر يتكلم عن ظهور الإسلام، وفتح العرب الشام ومصر، واضطهاد قيرس البطريرك الملكاني للأقباط في السنوات العشر السابقة على الفتح. ومن الفصل الرابع عشر إلى الثالث والعشرين يفصل المؤلف الكلام عن حوادث الفتح العربي لمصر، فيتكلم عن زحف عمرو بن العاص على مصر وبلوغه مدينة مصر، فغزوة الفيوم، فواقعة عين شمس، فحصار حصن نابليون وأخذه، فالزحف على الإسكندرية والاستيلاء عليها، فاخذ المدن الساحلية الشمالية، فانتهاء السيادة الرومانية على مصر. ومن الفصل الرابع والعشرين إلى الثلاثين يتكلم المؤلف كلاما ممتعا موضوعه حال الإسكندرية وقت الفتح، ومكتبتها المشهورة، وحريق هذه المكتبة المنسوب إلى عمرو، وغزو عمر لبرقة وطرابلس، والنظام الإداري الإسلامي الذي وضع لمصر عقب الفتح. ثم يتبع المؤلف هذه الفصول بملحقات حقق فيها، بصفة خاصة، شخصية المقوقس، والترتيب الزمني لحوادث

стр. 450

الفتح العربي. والكتاب إلى جانب ذلك كله مزود بخرائط ورسوم تعين على فهم موضوعه. من هذا العرض العام يتبين القارئ أن المؤلف قد أحاط بموضوع الفتح العربي لمصر أتم الإحاطة، واستوعب وقائعهكل الاستيعاب، والحق أن الدكتور بتلر قد جلا موضوعا من أوعر موضوعات التاريخ الإسلامي، وحل كثيرا من ألغازه: أوضح شخصية المقوقس وكانت غامضة، ورتب حوادث الفتح ترتيبا أدنى إلى الصحة منه في أي مصدر قديم، وأتى بالقول الفصل في حريق مكتبة الإسكندرية، وبين وجه الخلاف القديم في فتح مصر، أصلحا كان أم عنوة؟ على أن الكتاب يؤخذ بنقص جوهري واحد: ذلك أن المؤلف عنى بالجانب السياسي والديني فقط من حال مصر قبيل الفتح وأغفل شئونها الإدارية والاقتصادية على ما كان لها من أثر قوي في سهولة انتقال مصر من حكم الروم إلى حكم العرب. ولقد ظهر في هذا الموضوع في العشرين سنة الأخيرة بحوث قيمة كنا نود لو أن الكتاب طبع طبعة ثانية تضمن نتائجها. من هذه البحوث: (النظام العسكري لمصر البيزنطية) لجان ماسبرو، و (الإدارة المدنية لمصر البيزنطية) لجرمين رويارد. ثم أننا لا نوافق المؤلف على تصويره لغارة عمرو على الفيوم، فهو يرى أن عمرا عندما بلغ رأس الدلتا ورأى قلة من معه من الجند، وحرج موقفه بين جنود الروم جنوبا وشمالا، أرسل إلى الخليفة عمر بن الخطاب يستمده، ورأى في الوقت نفسه أن يشغل جنده ويستنقذهم من الخطر ريثما يصل المدد، فتكلف عبور النيل إلى شاطئه الغربي، وأغار على الفيوم ثم عاد فعبر النيل ثانية، فوجد المدد قد قدم من المدينة. لا شك أن هذه طريقة غريبة جدا في الخلاص من المواقف العسكرية الحرجة، ثم هي لا تأتلف بحال مع ما عرف عن عمرو من شدة الدهاء وبعد المكيدة. يضاف إلى ذلك أن المصادر العربية من حيث هذه الغزوة نوعان: فنوع لا يعرفها بالمرة، ونوع يعرفها، ولكنه يوردها على صورة تجعلها أقرب إلى المعقول من الصورة المذكورة؛ ومع ذلك لم يعتمد عليها المؤلف واكتفى بمتابعة يوحنا النقيوسي بحجة إنه أقدم عهدا من كل المصادر العربية. ولكن القدم وحده لا يكون دائما دليلا على صحة المصادر التاريخية. كذلك يؤخذ على المؤلف حكمه في الفصل الحادي عشر بأن غزوة تبوك المشهورة كانت فشلا، لأنها لم تؤدي إلى ما كان الرسول يرمي إليه بها من مصادمة الروم. والحق أنها أدت إلى ما كان النبي (ص) يرمي إليه من

стр. 451

شد سلطانه السياسي على شمال الحجاز. بقيت ملاحظة يسيرة: لقد توهم المؤلف أن مسيلمة المتنبئ ظهر باليمن (ص١٣١) والصحيح أنه ظهر باليمامة. ومع ذلك فهذه الملاحظات لا تنقص من قيمة الكتاب العلمية، وحسب القارئ أن يعلم أن الدكتور بتلر قد أقام في كتابه، تاريخ الفتح العربي لمصر على أساس علمي متين، وأنه إلى الآن لم يظهر في ذلك الموضوع كتاب آخر يدانيه، فضلا عن أن يفوقه. أما الترجمة العربية لكتاب فتح العرب لمصر فأحب قبل كل شيء أن أهنئ صديقي فريدا على توفيقه فيها أخلص التهنئة. فقد جاءت صورة صادقة للأصل مطابقة له فقرة فقرة وجملة جملة. هذا مع سهولة العبارة وسلاستها ووضوحها، مما يشهد للأستاذ فريد بالبراعة في صناعة الترجمة. ولكن ليت شعري أي مترجم، ولو كان الأستاذ فريد نفسه، يترجم زهاء الستمائة صفحة ثم لا يهفو قلمه ولا ينحرف عن الأصل الذي ينقل عنه يمنة أو يسرة؟ على هذا الاعتبار أهدي إلى الأستاذ فريد هذه الملاحظات اليسيرة. جاء في صفحة ٢٥ هذه العبارة (النذر اليسير) وصوابها (النزر) بالزاي المعجمة. وفي صفحة ٢٧ عرب اسم المستشرق المشهور بـ (دي جويجة) وصوابه (ده غويه) ووردت في صفحة ٢٧ أيضاً كلمة (المونوفيسية) واحسن منها أن يقال (المذهب اليعقوبي). وجاء في صفحة ١٢٣ (هزيمة تبوك) بدلا من (فشل غزوة تبوك) وهو المقابل للأصل، وفي صفحة ٨٣ ترجمت (بالفقه) وصوابها (اللاهوت)، وجاء في صفحة ٢١٨ (تسور الزبير إلى الحصن) والصواب أن يحذف حرف الجر، وفي صفحة ٢٢٨ ترجمت بـ (قناطر) وأصح من ذلك (جسور) لأن العرف جرى بإطلاق اللفظ الأول على البناء الثابت الذي يعقد فوق الأنهار وهو غير المراد من اللفظ الإنجليزي. وجاء في صفحة ٢٥٥ (وكانت مسلحة المدينة) بدلا من (وكانت حامية المدينة). وفي صفح ٤٠٦ (وقال عنه النواوي) وصوابه (النووي) بدون ألف المد. على أن هذه الملاحظات أيضاً لا تضر الترجمة شيئا. وإذا كان الكتاب مثالا يحتذى من حيث دقة البحث العلمي، فترجمته العربية مثال ينسج على منواله من حيث أمانة النقل وصحة التعريب.

стр. 452

ضحى الإسلام ما كان لي أن اقف مع الذين يتحدثون عن الأستاذ المحقق (احمد أمين) ولا أن أساهم في الكلام عن علمه ومؤلفاته، لأن ذلك شأن لا يضطلع به الا كبار أهل العلم والفضل ليكون لكلامهم من القيمة ما يكافئ مكانة هذا العالم الكبير، ولكني وأنا أطلب العلم والأدب وادرسهما منذ ربع قرن (وما زلت مجداً في سبيلي) أجد لزاماً علي وقد قرأت كتابه الممتع (ضحى الإسلام) أن أبين في كلمة صغيرة لأخواني طلاب الأدب والعلم ومن يعنون بدراستهما مقدار ما أخذت من هذا الكتاب ومدى انتفاعي به. أخذت هذا الكتاب يوم صدوره اخذ المشوق اللهفان، لأني كنت ارتقب صدوره بعد أن بزغ (فجره) من زمن غير قليل، ولم البث أن عكفت على قراءته عكوفاً لم أدع معه النفس أن تتطلع إلى شيء غيره من متاع الحياة حتى انتهيت منه. وفي الحق أني لا أستطيع أن أصف وصفا دقيقا مقدار ما استمتعت به من هذا الكتاب، ولا أن أصور تصويراً صادقاً مبلغ ما فيه من علم وبحث، ولكني لو أردت أن أصف أمري بعد أن فرغت من قراءته في عبارة صغيرة لقلت: (أني على كثير ما قرأت من كتب العلم والأدب لم أفد من كتاب مثل ما أفدت من هذا الكتاب) فقد كشف عن الحياة العقلية الإسلامية في القرن الثاني للهجرة بما لم يكن معروفا مثله لأحد؛ فظهرت أشياء لم تكن تعرف من قبل، ووضحت أمور كانت غامضة أو مبهمة، وصححت مسائل كان الناس يعلمون منها غير الذي حققه ببحوثه العميقة عالمنا الجليل. ولقد شهدت في هذا الكتاب الممتع كيف سارت حياة الإسلام في الحقبة التي أرخت فيه، وتنورت على هدى تحقيقه ما أثر في هذه الحياة من مختلف النواحي وما تأثرت به هذه النواحي، حتى لكنت أحسب وأنا أدرس هذا الكتاب أن الحياة العقلية الإسلامية قد صورت تصويراً صادقاً على لوحة السينما بحيث لا يخفى منها شيء، ولا يحتجب منها وجه. وأني لأقرر في صراحة أني بعد أن قرأت كتابي (فجر الإسلام وضحاه) قد تغير رأيي في كثير من أمور ديننا الحنيف كنت فهمتها من بعض كتب العلم، وأصبحت بذلك مضطراً إلى أن أعود إلى هذه الكتب لأقرأها ثانية حتى أفهم ما فيها على حقيقته. هذا بعض ما أخذته من كتاب (ضحى الإسلام) بقدر (قريحتي وفهمي) أنشره وأؤذن بصوت الحق أن هذا الكتاب الفريد تجب دراسته على الأديب والعالم والديني والمؤرخ

стр. 453

وجوباً. جزى الله عالمنا الجليل لقاء ما ناله من تعب، وتحقيق في سبيل العلم خير الجزاء، وأعانه على إتمام ما انتدب له من خدمة العلم أنه سميع الدعاء. المنصورة - محمود أبو رية

стр. 454

الهيام لعبد الرحيم مصطفى قليلات هذا الكتاب ديوان شعر. وعنوانه (الهيام) قد يخدع القارئ لأول وهلة، فيحسب أن الديوان أكثره أو كله نسيب. والحقيقة أن العنوان مقتبس من الآية (ألم تر أنهم في كل واد يهيمون) وقد هام هذا الشاعر في أودية كثيرة، والكتاب الذي بين أيدينا هو ثمرة هذا (الهيام)، وأشعار الكتاب مقسمة إلى خمسة أبواب: الأول: في الدين والأخلاق؛ الثاني: في الثقافة والاجتماع؛ الثالث: في تهذيب المرأة ومحبتها؛ والرابع: في الفكاهة؛ والخامس: وهو أطول الأبواب جميعا، في الأناشيد. ومنه يتبين للقارئ أن المؤلف لم يدع هيأة من الهيئات في بلده الا علمها كيف تتغنى بأعمالها وشئونها، وكثير من هذه الأناشيد يصحبه توقيعه مكتوبا بالعلامات الموسيقية، وسيسر المصريون إذ يرون هذا الشاعر السوري الفاضل قد ختم الكتاب بنشيد جميل (دمعة على سعد) ومعه لحنه، ولم يتح لنا أن نسمع توقيعه. وقد أعجبنا في الكتاب كله تلك الروح الدينية والوطنية والخلقية العالية التي يحسها القارئ في كل صفحة من صفحاته. وقد عالج المؤلف عدة مواضع من الأهمية مكان، ولكن يخيل إلينا أن الشاعر يكتب بسرعة وبكثرة هائلة لا تسمح له بتنقيح شعره واختيار عباراته وألفاظه. وليس من شك في أنه لو تأنى وتريث لأتى بشعر جليل، وهو أحسن ما يكون حين يقص علينا قصة. وسيسر القارئ من القسم الفكاهي، وقد أعجبنا منه بنوع خاص قطعته البديعة (ليلة القدر). ومن أجل هذه القطعة وحدها يستحق الكتاب أن يقتنى. م. ع. م.

стр. 455

العدد ٦ - بتاريخ: ٠١ - ٠٤ - ١٩٣٣

стр. 456

في الربيع. . . منذ أيام تيقظت الطبيعة من رقادها الطويل، وأخذت تنضح جفنها الوسنان بأنداء الربيع، وتبحث عن حللها وحلاها في خزائن الأرض، وتأهب كل حي ليحتفل بشبابها العائد وجمالها المبعوث. فالحياة الهامدة تنتعش في الغصون الذابلة، والطيور النازحة تعود إلى الأعشاش المقفرة، والأفنان السليبة تتفطر بالأوراق الغضة، وبأرض النبت يحوك على أديم الثرى أفواف الوشى، والنسيم الفاتر يروض أجنحته ليحمل إلى الناس رسالة الزهور، وسر الحياة يستعلن في الحي فينتشي ويمرح، وطيوف الهوى تمس القلوب فتهفو وتختلج، والعالم كله يسبح في فيض سماوي من الجمال والنشوة والغبطة؛ اللهم إلا الإنسان!! فقد حاول بادعائه وكبريائه أن يكون عالماً بذاته، فكان نشوزاً في نغم الكون، ونفورا في نظام العالم، فلو أنه اقتصد في تصنعه وائتلف كما كان بالطبيعة، لاتَّحَدَ الآن مع الربيع فشعر بتدفق الحياة في جسمه، وإشراق الصفاء في نفسه، وانبثاق الحب في قلبه، وأحس أنه هو في وقت واحد زهرة تفوح، وخضرة تروق، وطائر يشدو، وطلاقة تفيض على ما حولها البشر والبهجة! لا يكاد يقبل على أوربا الربيع حتى تختلط أناشيد الشعراء وأغاريد البلابل في تمجيده وإعلانه، لأنه يفد إليهم فيرد عليهم النور والدفء والزهر والجمال والحركة. أما نحن فلا نكاد نفطن لحلوله ولا لرحيله، لأن العالم كله على ضفاف الوادي يوم من أيام الربيع: فجره النديُّ يناير، وضحاه الزاهر أبريل، وظهره الساطع يوليو، وأصيله الرخيُّ أكتوبر! فليس للربيع المصري على سائر الفصول فضل إلا بذلك السر الإلهي الذي تتشقق عنه الأرض، فيسري في العود، ويشيع في الجو، ويدب في الأجسام، وينشأ عنه هذا البعث الصغير! ففي الربيع يشتد الشعور بالجمال وبالحاجة إلى التجمل، فترى الشباب بجنسيه يستعير ألوان الرياض، وعبير الخمائل، ومرح الطيور، ويحتشد في دور الملاهي، وصدور الشوارع، فيخلع على الوجود وضاءة الحسن، وعلى الحياة رونق السعادة! وأجمل شيء في ربيع القاهرة أصائله وأماسيه!

стр. 457

ففي هذين الوقتين تزدهر شوارع القاهرة الحديثة بزهرات شتى الألوان من بنات الإنسان، فتملأ الجو عطراً، والعيون سحراً، والقلوب فتنة! وهنالك على أفاريز الطرق، ومشارف المقاهي، تقف أبصار الكهول والشيوخ حائرة مبهورة تلسع بالنظر الرغيب هذا الحسن المصون! وبين النظرة والنظرة عَبرة جافة تَصعَّد أسى على شباب ذاهب لا يرجع، وجمال رائع لا يُنال! وفي الربيع تضطرم العواطف والعزائم في الشباب، فينفحون بالأمل والطموح والحب نَفَحان الورُود النِواضر بِعَرْف الطيب! فقصائدهم الغزلية تنثال كل يوم على بريد (الرسالة) فيحول بينها وبين استيعاب (نشرها) العَطِرِ صفحاتها المعدودة. وكتبهم القيمة تظهر فياضة بالأفكار الوثابة، والعواطف المشبوبة: كالفكر والعالم، والشعبية، وعلى طريق الهند، والحياة الثانية، والربيع، والضحايا، وغير ذلك مما نقرأه الآن لنعود إلى نقده وتحليله بعد. ومشروعاتهم الاقتصادية والثقافية تظهر موسومة بطابع الإقدام والإخلاص والوطنية؛ كمشروع تعاون الشباب لمزاولة الأعمال الحرة، ومشروع القرى لتثقيف العامة. وفي الربيع تحتدم الطباع في الأدباء الكهول، فيثب بعضهم على بعض بالهجو المقذع والنقد اللاذع، ويتنافرون تناقر النسور على الصخور، والطيور الوديعة جاثمة في ظلال الغصون ترقب المعركة على بعد، فكلما رأوا الريش المنتوف والدم المنزوف، كبّروا واستبشروا، ودعوا الله في أغرودة شامتة أن يتفانى الفريقان، ليخلو الجو من البزاة والعقبان! وأدباؤنا الكهول شديد بعضهم على بعض! فهم يسخون بالنقد الممِض، ويضنون بالتقريظ العادل، كأنما العصر لا يحتمل غير كاتب من الكتاب، والمكاتب لا تحتمل لغير كتاب من الكتب! ويعجبني الأستاذ صاحب رواية (الهادي): عرف أن الأدباء ربما خرجوا عن نقدها وتقريظها بالصمت كالعادة، فكتب هو في مدحها فصلا في البلاغ. والإنسان أولى الناس بخيره، وأعرف بقيمة عمله من غيره. وفي الربيع تتقد حَمِية العروبة في العرب. فتسمع اليوم في فلسطين والشام أبناء الشعب

стр. 458

الخالد، ووراث المجد التالد، يصرخون صراخ الأسد في راقد العدل أن يستيقظ، وفي غائب الحق أن يثوب! وترى في العراق حطام السياسة البالية تكسحه الريح كسحها للهشيم، ثم تقوم على هذا الطلل المنسوف حكومة فيها حيوية الربيع، ولكن ليس فيها شبابه! والشباب في العراق كالشباب في مصر منذ سنين: يحاول القائمون على أمره أن يربوه تربية الدجاج: ينقنق دائراً بين الحَب والماء، ويبحث في الأرض ليذهل عن السماء، ويأبى الشباب إلا أن يكون طيراً يحتقر القفص، ويقتحم الجو، ويسمو إلى الغاية! والغد على كل حال يومه!. أحمد حسن الزيات

стр. 459

الخجول خجول بطبعه، ضعيف الثقة بنفسه، إن تحدث ظن حديثه مملولا فيقتضبه، أو معروفاً فتحمر بالخجل وجنتاه، ويبتل بالعرق جبينه. . ويحاول التخلص من موضوعه فلا يعرف، فيتلعثم لسانه، ويموت على شفتيه كلامه. إذا أراد شراء حاجة، كان كمن يحاول فعل شيء محرَّم، فهو يخرج من شارع إلى شارع، ويمر من أمام حانوت إِلى أمام حانوت، دون أن يجرؤ على دخول واحد منها!! ولا يزال كذلك حتى تكل رجلاه، فينكفئ راجعاً إلى بيته؛ فإذا كانت الحاجة شديدة، نسي خجله لحين، ثم استجمع ما استطاع من الشجاعة، ودخل رابع حانوت يقابله. فيطلب ما يشاء في صوت المسترحم، فإذا ما أحضر إليه، لم يفكر في جودة الصنف ولا في غلاء الثمن. . بل يؤدي الثمن فوراً. . ويغادر المحل منتصرا. .!! إذا قابل صديقاً انضمت يمناه إلى يسراه وأخذتا تتحاكَّان! فإذا كانت إحداهما مشغولة، ارتفعت الثانية إلى ذقنه. . أو إلى طربوشه. . أو إلى أذنه. . . . والسلام! أمر ما أشقه! فهو يبدأه والصديق على مسافة طويلة، ثم يحيي بصوت خافت لا يكاد هو يسمعه. هذا إذا كان الصديق بازائه، ولا مفر له من لقائه، أما إذا استطاع أن يهرب فهو يوفر على نفسه كل هذا العناء في خفة يحسده عليها اللص! إذا دعوته إليك، اعتذر وبالغ في الاعتذار، فإذا ألححت في الدعوة، دفعه خجله إلى الإجابة، وكم تكون تضحيته عظيمة في هذه الحالة! فهو يتحمل ساعة ما أشقها على نفسه! كلها عمل وإجهاد فكر. . . لا يكاد يدخل الحجرة حتى يصطدم بأول كرسي يقابله، فإذا ما حاول إعادته إلى وضعه الأول اصطدمت يده بالمنضدة. . . . إذا قدمت إليه القهوة اعتذر عن شربها. . ولكنه يتناول الفنجان عندما يقدمه إليه صديق، ولا يكاد يمسكه حتى تقوم في الفنجان عاصفة تدفع بالقهوة يمينا وشمالا، ولا مفر لها من هذا الاضطراب، ما دام هو بعينه حال يده. .!! إذا طلب إليه صديق أن يقرضه مبلغا من المال، امتدت يده إلى جيبه فأخرج المطلوب دون وعي ولا تفكير!! وقد يحتاج هذا المال بعد أيام، وتضطره الحاجة إلى الذهاب إلى صديقه، فإذا ما بلغ البيت

стр. 460

نسي سبب المجيء، وكاد يعود أدراجه. . . ولكن الحاجة تلح عليه. . فتدفعه إلى داخل المنزل. . فإذا ما قابل الصديق نسي كل شيء. . .!! وهو شاب مثقف، له غرام بالأدب الحديث، وله آراء سديدة فيه، ولكنه عندما يعارَض، ينسى آراءه ويعتقد أنها خاطئة، وإن كان لا يعرف وجه الخطأ فيها. . .!! قدِّر لي أن أسمع حديث حبه وغرامه. .، وقد كان هذا منه غريبا، ولكن أغرب منه غرامه، فقد رأى حبيبته مارة أمام بيته في خفة الغزال، وجمال الزهرة، فأعجب بها، ووقع في شراك حبها. .، وكان يظفر منها كل يوم بنظرة في هذا المكان وفي هذا الوقت. . أما اسمها ومنزلها وأسرتها فذلك أبعد شيء يفكر فيه. . . أليس الخجل كالتردد (مرضا من الأمراض يصيب المرء في حياته العملية فيغل يده ويشل عقله) ويجعل الحياة في نظره عبثا لا يحتمل، ولغزا لا يحل؟ سليمان محمود جاد
следующие страницы →