Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.
стр. 3956
فافيلا الذي قتل الملك وتيزا في هضاب جليقية، وأنه كان لذلك من خاصة الملك رودريك وقادته. وتعرف الرواية الإسلامية بلاجيوس وتحدثنا عنه وتسمية (بلاي)، وتصفه أحياناً بأنه أمير أو ملك، وتنعته غالباً بأنه (علج من علوج النصارى)، وتتبع أخباره مع المسلمين ولكنها لا تلقي ضياء كثيراً على أصله، أو أحوال مملكته الصغيرة. ذلك لأن المسلمين لم ينفذوا قط إلى ما وراء الهضاب الوعرة التي امتنع بها هذا الزعيم وفله، والتي نشأت فيها جذور المملكة النصرانية الشمالية التي غدت غير بعيد خطراً على دولة الإسلام في أسبانيا. ومن الغريب أن راوية نصرانيا كبيراً معاصراً هو (ايزيدور الباجي) وهو حبر عاصر الفتح الإسلامي وكتب روايته في منتصف القرن السابع ووصل في كتابتها حتى سنة ٧٥٤م، لم يذكر لنا في روايته شيئاً عن قيام تلك المملكة النصرانية الصغيرة في الشمال، ولا عن زعيمها أو ملكها بلاجيوس، ولا عن غزوات المسلمين لها، مع أن ايزيدور يتتبع أخبار الغزوات الإسلامية كلها منذ الفتح حتى منتصف القرن الثامن، سواء في أسبانيا أو في مملكة الفرنج، ويقدم إلينا عنها كثيراً من التفاصيل والملاحظات الهامة. وقد يرجع ذلك إلى أن ايزيدور، وهو يقيم في الجنوب في مدينة باجة، كان يجهل قصة هذه المملكة النصرانية الشمالية الناشئة، ولكن ما نراه من عنايته بتدوين أخبار الغزوات الإسلامية في فرنسا، وأخبار مملكة أكوتين، يحملنا على الاعتقاد بأنه لم يكن يجهل أخبار مملكة جليقية النصرانية، وهي أقرب إليه من فرنسا، وأن أسباباً أخرى لعلها ترجع إلى انتماء أميرها بلاجيوس إلى حزب رودريك الذي كان يبغضه المؤرخ هي التي حملته على إغفال أخبارها.
وعلى أية حال فان الرواية الإسلامية تذكر لنا كيف نشأت المملكة النصرانية الأسبانية في الهضاب الشمالية بعد أن سحقت في موقعة شريش، فقد لجأت شراذم قليلة من القوط عقب الفتح إلى الجبال الشمالية، وامتنعت في مفاوز جبال استوريس كما قدمنا؛ وقامت إمارتان نصرانيتان صغيرتان في كانتابريا وجليقية. وكانت إمارة كانتابريا التي أسسها الدوق بتروس، لوقوعها في الطرف الغربي من جبال البرنيه (البرت) في سهول نافار وبسكونية عرضة لاقتحام الفاتحين حين سيرهم إلى فرنسا وحين عودهم منها. ولكن إمارة جليقية كانت تقع في أعماق جبال استوريس الوعرة، بعيداً عن غزوات الفاتحين، وسميت جليقية
стр. 3957
لأنها قامت على حدود الولاية الرومانية القديمة التي كانت تسمى بهذا الاسم. ففي هذه الهضاب النائية المنيعة اجتمع بلاجيوس وصحبه، وعددهم لا يتجاوز بضع مئات حسبما تقول الرواية، ولجئوا إلى مغار عظيم يقع في آكام كافادونيا، وتحيط به وديان سحيقة خطرة، ويعرف في الرواية الإسلامية باسم (الصخرة). ويقول لنا ابن خلدون في الفصل الذي يخصصه (لملوك الجلالقة) إن هذه الإمارة الصغيرة التي كانت مهد المملكة النصرانية لا تمت بصلة إلى القوط، وأن ملوك الجلالقة ليسوا من القوط، لأن أمة القوط كانت قد بادت ودثرت لعهد الفتح الإسلامي، بيد انه يصعب علينا أن نقبل هذا الرأي على إطلاقه، فمن المحقق أن فلول النصارى التي لجأت إلى الشمال كانت مزيجاً من القوط والأسبان المحليين، ولكن الظاهر مما انتهى إلينا من أقوال الروايتين المسلمة والنصرانية أن الزعماء، ولا سيما بلاجيوس كانوا من القوط، وأن ملوك الجلالقة يمتون إلى القوط بأكبر الصلات.
ولم يعن المسلمون بادئ بدء بهذه الشراذم الممزقة، وكان إغفال أمرها من أعظم أخطاء الفاتحين، بيد أنه لما كثرت ثورات النصارى في الشمال، وبالأخص في بسكونية، (أو بلاد البشكنس) اهتم ولاة الأندلس بقمعها وتأمين الولايات الشمالية؛ وسير الحر ابن عبد الرحمن الثقفي وآلي الأندلس سنة ٧١٨م (٩٨هـ) جيشاً إلى الشمال لإخضاع النصارى. فاجتاح المسلمون بلاد البشكنس وهضاب استوريس، وأوفدوا حليفهم الأسقف اوباس، وهو أخو الملك وتيزا، إلى بلاجيوس ليقنعه بالتسليم وعبث المقاومة، فأبى بلاجيوس، ونفذ المسلمون إلى أعماق الجبال، وحاولوا عبثاً أن يستولوا على مراكز العدو، وحالت بينهم وبينه الوديان السحيقة والآكام الرفيعة؛ وحصر بلاجيوس وأصحابه مدى حين، وقطعت عنهم المؤن، وتساقطوا تباعاً من الجوع حتى لم يبق منهم على قول الرواية سوى ثلاثين رجلاً وعشر نساء. وتزعم بعض الروايات النصرانية أن بلاجيوس كر على المسلمين، وأنهم هزموا هزيمة شنيعة وفقدوا ألوفاً كثيرة، ووقع أوباس أسيراً في أيدي مواطنيه فعاقبوه على خيانته بالموت.
ولما رأى المسلمون وعورة الهضاب وقسوة الطبيعة ارتدوا عن جليقية محتقرين شأن هذه الشرذمة الممزقة الجائعة؛ فقويت لذلك نفس بلاجيوس وأصحابه، وانضم إليه كثير من
стр. 3958
النصارى في كانتابريا وسهول جليقية، واختاروه ملكاً عليهم لما رأوا من بسالته وبراعته وقوة عزمه؛ وألفى بلاجيوس الفرصة سانحة لتوطيد سلطانه وتوسيع أملاكه، فأخذ يغير على الأراضي الإسلامية الشمالية، وبدا لحكومة الأندلس خطر هذه العصابات الجبلية التي أخذت تنظم إلى قوة يخشى بأسها؛ ولكن اضطراب الشئون الداخلية حال مدى حين دون مطاردتها وغزوها.
وفي سنة ١١٢هـ (٧٣٠م)، في عهد أمير الأندلس الهيثم ابن عبيد، بعث حاكم ولاية البرنيه، عثمان بن أبي نسعة الذي تعرفه الرواية النصرانية باسم منوزا أو منوز، جيشاً إلى جبال استوريس لغزو جليقية وسحق أميرها بلاجيوس؛ ولكن بلاجيوس استطاع أن يصمد للمسلمين كرة أخرى وأن يهزمهم هزيمة شنيعة. ولما رأى بلاجيوس منعة معقله وقوة عصبته، اخترق بسكونية، وهاجم قوات ابن أبي نسعة في الوقت الذي كان يتأهب فيه للسيراليه، ومزق بعض وحداتها، ثم ارتد إلى هضابه فاستعصم بها. ولما اضطربت شئون الأندلس بعد مقتل أميرها عبد الرحمن الغافقي وارتداد جيشه في بلاط الشهداء (١١٤هـ - ٧٣٢م)، وشغل الولاة برد جيوش الفرنج عن الأراضي الإسلامية في سبتمانيا، كثرت غارات العصابات الجليقية على الأراضي الإسلامية في شمال نهر دورو (دويره) وفي منطقة استرقة، وعانى المسلمون في تلك الأنحاء كثيراً من عيث النصارى؛ ولم تسعفهم حكومة قرطبة بالمدد والعون، لاضطرام الأندلس بالفتن ونشوب الحرب الأهلية بين مختلف الزعماء والقبائل. وكانت سلطة الحكومة المركزية ضعيفة في تلك الأنحاء النائية، وكان سكانها ومعظمهم من البربر يكثرون من الخروج والثورة سخطاً على العرب واستئثارهم بالحكم والسيادة. وكان النصارى من رعايا حكومة قرطبة يدسون الدسائس ويرتكبون شتى الخيانات، ويشجعون بذلك بلاجيوس وعصاباته على الإغارة والعيث في أراضي المسلمين؛ وكانت الإمارة النصرانية الناشئة تنمو خلال ذلك ويشتد ساعدها، ويهرع النصارى إلى لواء بلاجيوس من مختلف الأنحاء.
واستمر بلاجيوس في حكم إمارة جليقية زهاء تسعة عشر عاماً، وتوفى سنة ٧٣٧م. ولكن بعض الروايات النصرانية تضع تاريخ وفاته بعد ذلك، فتقول إنه لبث حتى ولاية عبد الرحمن بن يوسف الفهري للأندلس (١٢٧ - ١٣٨هـ) (٧٤٥ - ٧٥٥م)، وإن الموقعة
стр. 3959
التي نشبت بين عثمان بن أبي نسعة وبلاجيوس كانت بين سنتي ٧٤٦ و٧٥١، وهي رواية ظاهرة الضعف. لأن عثمان ابن أبي نسعة قتل سنة ١١٤هـ (٧٣٢م)، والرواية الإسلامية واضحة دقيقة في ترتيب الوقائع والتواريخ في هذا الموطن. وخلف بلاجيوس ولده فافيلا، ولكنه توفى بعد حكم لم يطل أمده سوى عامين (سنة ٧٣٩م). وكان الدوق بتروس أمير كانتابريا قد توفى في ذلك الحين أيضاً، وخلفه ولده الفونسو دوق كانتابريا، ونمت هذه الإمارة النصرانية الصغيرة أيضاً واشتد ساعدها، وقويت أواصر التحالف بينها وبين جليقية بتزوج أميرها الفونسو من ابنة بلاجيوس واسمها اورموزنده أو هرمزنده؛ فلما توفى فافيلا ولد بلاجيوس، اختار الجلالقة الفونسو دوق كانتابريا ملكاً عليهم، واتحدت الأمارتان، وقامت منهما مملكة نصرانية واحدة، هي مملكة ليون النصرانية أو مملكة جليقية في الرواية الإسلامية، تمتد من بلاد البشكنس شرقاً إلى شاطئ المحيط غرباً، ومن خليج بسكونية شمالا إلى نهر دويرة جنوبا، وتشمل مناطق شاسعة من القفر والهضاب الوعرة، وتحتجب وراء الجبال بعيدة عن سلطان المسلمين وغزواتهم.
ويعتبر الفونسو دوق كانتابريا، أو الفونسو الأول (الكاثوليكي) مؤسس المملكة النصرانية الشمالية، واصل ذلك الثبت الحافل من ملوك قشتالة الذين لبثوا قروناً يدفعون حدودهم إلى الجنوب في قلب المملكة الإسلامية، ثم انتهوا بافتتاحها والاستيلاء على غرناطة آخر معاقلها (١٤٩٢م)؛ وحكم الفونسو في ظروف حسنة، فقد كانت الحرب الأهلية تمزق الأندلس، وكان أمر الولايات الشمالية فوضى، والضعف يسود المسلمين في تلك الأنحاء. وكان ثمة منطقة عظيمة من القفر والخراب تفصل بين جليقية وبين الأراضي الاسلامية، فاجتاحها الفونسو بجموعه وقتل من بها من المسلمين القلائل، ودفع النصارى إلى الشمال. ولما حصل القحط بالأندلس (سنة ١٣٣هـ - ٧٥٠م)، واشتد عصفه بالولايات الشمالية الغربية، جلا كثير من المسلمين عن تلك الأنحاء، واشتد ساعد النصارى فيها، ورفعوا لواء الثورة، وفتكوا بالمسلمين، ونادوا بالفونسو ملكاً عليهم؛ وانتهز الفونسو هذه الفرصة فغزا استرقة واستولى عليها من يد المسلمين واستولى على كثير من البلاد والضياع المجاورة وضمها لأملاكه (١٣٦هـ - ٧٥٣م). وهكذا نمت تلك المملكة النصرانية التي نشأت في ظروف كالأساطير، واتسعت حدودها، واشتد بأسها بسرعة مدهشة، ولم يأت منتصف
стр. 3960
القرن الثامن حتى بدأت تناهض الإسلام في الأندلس وتغالبه؛ ولم يأت عهد الناصر لدين الله حتى كان وجودها خطراً على الدولة الإسلامية ذاتها؛ وحتى بدأت بين الإسلام والنصرانية في الأندلس معركة الحياة والموت. وسطع الإسلام في الأندلس واستعاد منعته وبهاءه مدى حين، أيام الناصر لدين الله، ثم في أيام الحاجب المنصور؛ واضطرمت فورة الإسلام أيام المرابطين، ثم الموحدين؛ ولكنها كانت جميعاً فورات مؤقتة، وكانت أسباب الانحلال التي سرت إلى الدولة الإسلامية تعمل عملها ببطء؛ ثم سطعت دولة الإسلام في مملكة غرناطة الصغيرة مدى حين، ولكن المعركة لم تكن متكافئة بعد، وكانت مملكة قشتالة النصرانية تسير ثابتة مطمئنة إلى تحقيق بغيتها الخالدة: استعادة الوطن القديم كله من يد الفاتحين.
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 3961
الحياة بعد الموت
ما هو الموت؟
رأي السير اوليفر لودج
حديث الحياة بعد الموت ألذ الأحاديث، ولا سيما إذا أنبأك به خبير يبني ما يقول على أساس علمي. ومن هؤلاء الخبيرين السير أوليفر لودج العالم الطبيعي الإنجليزي. وليس المراد بالطبيعي هنا ما يفهم عادة من هذه اللفظة، أي العالم الدهري المادي الذي ينسب إلى الطبيعة الجامدة ما ليس لها ويحلها محلاً أرفع من العقل، والذي شعاره وشعار طغمته (نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) بل المراد بالطبيعي في هذا المقال العالم الذي تفرغ لدرس نواميس الطبيعة وكشف النقاب عن أسرارها وحل ألغازها بانياً ذلك كله على البرهان العلمي
رأيت للسير أوليفر لودج مقالاً في مجلة إنجليزية عنوانه (ما هو الموت). وسأحاول تلخيصه بهذا المقال تاركاً للقراء الحكم فيه وما يستسيغون منه
مهد لموضوعه بمقدمة وجيزة عن كون الموت موضوعاً يدخل الغم على النفوس لأنه سفر مجهول وفرقة لا لقاء بعدها على هذه الأرض. ثم قال ما خلاصته.
إذا شئنا أن نفهم ماهية الموت وجب أولاً أن نعرف ما هي الحياة. وتعريف الحياة ليس بالأمر السهل. فإننا نعرف شيئاً عنها - نعرف أنها ليست صورة من صور الطاقة بل أنها مبدأ للهداية والإرشاد. وتستخدم لذلك الطاقة والمادة ولا يلوح أنها شيء طبيعي البتة
نحن نعيش في فرن من الطاقة المنبثقة من نور الشمس، ولنا قدرة على توجيهها وإدارتها. والدليل على أن الحياة ليست طاقة هو أن في وسع البذرة مثلاً أن تخرج أجيالاً لا يحصى عددها
والحياة تحدث أشياء لا يمكن أن تحدث بغيرها من الصدفة البحرية إلى الكنيسة الكاتدرائية. وذلك بتداخلها هي والمادة، وهذا التداخل أوجب تجهيزها بجسم مادي
وماذا نعني بالجسم؟ نعني به طريقة للظهور أو أداة. فقد يكون للموسيقار موسيقى في روحه، ولكنه يحتاج إلى آلة لإظهارها. فالجسم للنفس كالقيثارة للموسيقار
نحن بنينا الجسم طبقاً لأعمال طبيعية وبلا علم منا، وصففنا دقائق الطعام على شكل
стр. 3962
خاص. ولا ريب أن للشكل معنى
والعنصر الطبيعي والعنصر العقلي متفاعلان. فهل يحتمل أن العنصر العقلي الذي يدبر ويريد ويرجو ويرسم الخطط ويحب، محصور في طريقة ظهوره وعمله وحركته، ومقصور على مركب كيميائي معين، وخصوصاً المركب المعروف باسم البيومن (المادة الزلالية التي توجد فيها نطفة الحياة أو البروتوبلازم). فكرة على غاية من السخافة
إننا نعرف العنصر العقلي على هذه الصورة المعينة، ولكن قد تكون له صور وأشكال لا عداد لها ونجهلها الآن
ونحن مجهزون بآلة نسميها الجسم، وهذا الجسم مصنوع الآن من المادة. ومن السهل تصور صنعة من أشياء أخرى
ولكن هذه العلاقة علاقة المادة بالعنصر العقلي أو النفسي الذي يتسلطن عليها ويستخدمها يمكن فصلها وإنهاؤها، وهذا الفصل والإنهاء هو الموت، فالموت إذاً هو افتراق النفس عن الجسد، ولكنه ليس فناء واضمحلالاً، بل فرقة وخروجاً عن (علمنا الحاضر)
ويقول البيولوجيون الذين درسوا هذه المسألة إن الموت ليس أمراً لازماً للجسم كله، بل إن الخلايا الأخيرة خلايا التناسل لا تموت. والحييوينات الدنيا ذات الخلية الواحدة خالدة. فقد تقتل ولكنها لا تموت بل تنقسم قسمين وأكثر، وتبقى تتقسم وتستمر حية.
أما الأحياء العليا مثلنا ففيها خلايا أخرى غير الخلايا الخالدة، وهذه الخلايا هي التي تموت. ولما كانت تزيد كثيراً على الخلايا الخالدة، فأنها تزول بالتفاعل الكيميائي الحادث في الجسم بعد انفصال الروح عنه، وبذلك يزول الجسم أي أنه يتحول على طول المدى. وقد عرف الشعراء ذلك فقال شكسبير:
(أضجعت هنا في الأرض، ولتنبت أزهار البنفسج الربيعية من لحمها الجميل غير الفاسد)
وقال تنيسن: وليصنع من رماده بنفسج بلاده)
لكن الميت ليس هنالك، بل هو ذلك الذي مر في الجسم ورحل. فلا نخش لفظة الموت. ولا فائدة من القول أن لا موت. بل الموت موجود والمسألة مسألة تفسير وتأويل، فإذا قلت أن لا موت عنيت أن لا فناء. إذ الموتى لم يموتوا، بل لا يزالون أحياء عند ربهم يرزقون كما قال تنيسن، وليست حياتهم الثانية كالحياة الأولى ولكنها حقيقية مثلها
стр. 3963
يخبرنا الذين رحلوا عنا (يشير إلى ابنه رايموند الذي قتل في الحرب وقال انه ناجاه وكتب مجلداً كبيراً عنه وعن مناجاة الأرواح) بأن لهم أجساماً غير عادية، لكنها محسوسة وجامدة مثل الأجسام الأولى بل أحسن منها.
ويقولون إنهم مسرورون، وانهم لا يحبون العودة إلى الأرض مهما أعطيتهم. وانهم حولنا وأكثر دخولاً وخروجاً معنا مما يخيل إلينا. وكل ما هناك انهم لا يقعون تحت حواسنا
الحياة متصلة غير منقطعة، والموت لا يغير أحوال هذا الكون لانه شيء داخلي يتعلق بالفرد، وليس الموت سوى تغيير في نظره إلى الكون وفي إدراكه لما فيه. فقد كان يدرك نظاماً معيناً فإذا مات أدرك نظاماً آخر. ونحن نسمى ما وراء القبر العالم الثاني أو الحالة المستقبلة، وأما الكون فواحد ولكن هناك حاجزاً. ونحن نعرف الآن ونُعرف على جانب من هذا الحاجز، فإذا متنا عرفنا الجانب الآخر وعُرفنا فيه. وربما عُرفنا ما هناك وعرفنا بجلاء لا يقل عما نعرف ونُعرف هنا
إن في الكون عالماً آخر بل قد تكون هناك عوالم كثيرة غير التي قدرت لنا معرفتها، وليس عالم حواسنا سوى جزء صغير من ذلك الفلك المدار
وقد تسألني: وكيف عرفت أن أولئك الراحلين لا يزالون باقين. فأجيبك بأني لا أرتاب في ذلك لأني أتصل بهم كثيراً. وأنت لا تستطيع أن تشك في وجود الذين تخاطبهم بالتليفون أو اللاسلكي. وليست الحياة شيئاً يفنى ولكنها تظهر بمظاهر شتى، وهذه الحياة الدنيا هي أحد تلك المظاهر
وسنلبس في العالم الآخر أجساداً ونتخذ أشكالاً يمكننا التعارف بها. وإذا نظرنا إلى المسألة بعين العلم الباردة (أي الخالية من العواطف) وجدنا أن هناك حقائق كثيرة تؤيد البقاء بعد الموت، وأنا مقتنع بها بالبرهان التدريجي. ولست أنتظر أن يؤمن كل أحد على قولي هذا، ولكنني أؤكد تأكيداً علمياً أن الحياة شيء دائم، وأنها والمادة تتداخلان زمناً وتتفاعلان، ثم تطلق المادة إلى محيط آخر وبيئة أخرى
وتسألني هل الحياة القادمة أكثر سعادة من الحياة الحاضرة؟ فأجيبك بأن ذلك يتوقف على ما نصنع هنا، وعلى انتهازنا للفرص التي تعرض لنا في هذه الحياة.
ولقد تعودنا المظهر المادي هنا حتى بات يصعب علينا تصور مظهر آخر، بل أن بعضنا
стр. 3964
لا يستطيعون أن يتصوروه. أما أنا فأستسهل هذا التصور، لأننا في علم الطبيعة نبحث في أشياء كثيرة لا تقع تحت الحس، ولكنها مع ذلك حقيقة كالتي نشعر بها بحواسنا، بل ربما كانت أقرب إلى الحقيقة منها. فإننا جعلنا نحلل المادة وندرس طبيعتها حتى ليصح القول أننا مع كثرة تحليلنا لها نكاد لا نعرف شيئاً عنها
ولو أمكننا أن نرى المادة المحيطة بنا، يعني العلم، لم تظهر لنا كما تظهر عادة - أي جامدة ومحسوسة بل تظهر مثل المجرة كثيرة الثقوب والمسافات الشاسعة بين أجزائها. ففي داخل الذرة أماكن خالية. والدقائق قليلة متباعدة كالسيارات في النظام الشمسي
إنما الحياة في هذه الدنيا تجربة كبيرة، ونحن موجودون هنا لنجرب ونمتحن. ومصائر الوجود في الأبد وفي عين الخالق مفتوحة أمامنا، وهي أبعد مما نستطيع تصوره. وليس الوجود الحاضر على هذا السيار، سوى قصة قصيرة، ومخاطرة وقتية، وسفر زائل، يتبعها ذلك السفر السامي الطويل
فلا تخف لأن الخوف قطعة من العذاب (والمحبة الكاملة تزيل خوفنا) وهذا الكون تحكمه المحبة الكاملة. وهذه هي رسالتي. فلنغن مع المرنم صاحب الزبور (سبحي الرب أيتها السموات واسجدي له)
(ق. س)
стр. 3965
صورة من الثورة الفرنسية
مدام رولان ١٧٥٤ - ١٧٩٣
بقلم عبد الرحمن فهمي ليسانسيه في الآداب
مدام رولان، أنقى شخصيات الثورة الفرنسية، لا تزال تدوي كلماتها الأخيرة وهي تصعد درجات المقصلة في كافة الأرجاء.
وهي مانون ابنة مثال باريسي يدعى فيلبون، وكانت غرفتها ملاصقة (لاستيديو) النحت، تقضي فيها وقتها منهمكة في قراءة تراجم أبطال التاريخ. أبكاها يوماً أنها لم تكن رومانية أو اسبرطية، وقد جهلت أنها سوف تواجه أزمة لم يواجه مثلها أحد ممن كانت تحلم أن تكون مثلهم من أبطال التاريخ.
وكان يسرها كثيراً فوق قراءة الكتب اصطحاب أمها لها إلى حديقة النبات أو اللكسمبورج في باريس، عشقت القرية، ويدل على ذلك قولها (إنني أحب هذا السكون الذي لا يعكر صفوه غير صياح الديكة، وأشعر بالراحة التي تشعر بها شجرة ينقلونها من صندوق ضيق محدود إلى حقل واسع فسيح) وأحبت الرسم الذي يأخذك منه سحره وقوته. غير أنها لم تواصل عمل أبيها في النحت طويلا، لأنها مالت إلى العلوم، فكانت تنمي بما تقرأه وتلحظه من تجارب الحياة عقلا ناضجاً خدمت به الصالح العام.
أدخلت وهي في الحادية عشرة من عمرها ديراً تعرفت فيه بصديقتين حميمتين توثقت بينهن عرى الصداقة وهما: هنريت وصوفي كانيت. وبعد أن خرجن من الدير ورجعن إلى دورهن بقى الاتصال بينهن وثيقا، وذلك ما حدا بجدة مانون إلى أن تقول لها (ستنسين صديقتيك حالما تتزوجين) وسنرى مقدار صحة هذه الملاحظة من جانب الجدة العجوز.
ورسائل مانون أحسن وسيلة نرى منها صورة واضحة لشباب هذه الفتاة، فقد تحول اهتماماً بالدين إلى تعشق الفلسفة، ساعدها على ذلك عقل جبار يغلي كالمرجل ولا يستريح. وقد انتقت من بين خطابها العديدين رجلاً توهمت أنها تميل إليه، وهو مؤلف فيلسوف يدعى لابلانشير، ولكن سرعان ما ألقت عن نفسها هذا الميل واطرحته جانباً، غير واجدة فيه مثلها الأعلى. وكانت جد كلفة بكتابات روسو، وقدر لها أن تراه، وقد وصفت درجات سلم داره (. . . كما لو كانت درجات سلم معبد).
стр. 3966
من هذه الرسائل نرى في مانون فتاة متحمسة ذكية، حية نشطة، محبة للاطلاع، قوية الذاكرة، وقد أثرت وفاة أمها في حياتها فخبا نورها قليلاً بتأثير الصدمة والحاجة إلى المال بعد ذلك.
إلا أن القدر خط صفحة جديدة في حياتها، فأن شخصاً يكبرها بعشرين سنة تمكن من أن يكسب عطفها الدائم نحوه ومحبتها الثابتة له، وهذا الشخص هو السيد رولان المفتش العام للصناعات، وزفت إليه وهي في سن السادسة والعشرين، وانتقلت معه إلى ليون.
وكان لأسرة رولان نخبة طيبة من الأصدقاء المثقفين الوطنيين الذين غالبا ما كانت تراسلهم مدام رولان راغبة بذلك تحسس الطريق نحو المجتمع الباريسي الساطع، فأن أسعد أوقاتها هي تلك التي كانت تقضها في غرفة الموقد بين ابنتها الصغيرة تعلمها حياكة قطعة من قماش وبين زوجها يدرس أوراقه على مكتبه، على حين تطرق أذنها فرقعة النار في الموقد وصوت الصقيع يصدم النافذة. وصفت في رسائلها حبها الشديد لتغيير فصول السنة واختلاف مواسم الزراعة في الحقول، ولم يعل على حبها لفترة تقضيها وسط الطبيعة الهادئة أي حب آخر
غير أن هذا السلام لم يدم طويلا، فإن الحكومة في فرنسا كانت سيئة في هذا الحين، والأرستقراطية المترفة فوق القانون، والفوضى ضاربة بجرانها على ربوع المملكة، أما الشعب الجائع فالويل له إن نبس أحد أفراده ببنت شفة ضد النظام القائم، وكانت تكفى إشارة بسيطة أو تلميحة سريعة لطرح المحتج في أعماق السجون. ورمت أسرة رولان وأصدقاؤها بأنفسهم في أحضان الحركة التي قصد بها إسقاط النظام الإقطاعي ومساوئه، وأصبحت مدام رولان: هذه المرأة الجميلة الملتهبة، روح حزب الجيروند الذي عمل على تشييد عهد الحرية على أساس معتدل
وبدأت الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩ وعهد إلى رجال حزب الجيروند عام ١٧٩٢ بالحكم، ولكن اعتدالهم وإظهار استيائهم من مذبحة سبتمبر ورفضهم التصويت ضد إعدام الملك أتاح الفرصة لنجاح المتطرفين فقضوا على المعتدلين - منشأ الثورة ومنبعها - وصعدوا على أنقاضهم إلى منصة الحكم. وفي عام ١٧٩٣ أعدم الملك ومعظم الجيرونديين وبدأ عهد الإرهاب برعاية اليعاقبة أكثر متطرفي الثورة شدة وعنفا.
стр. 3967
عندما كانت السلطة في يد الجيرونديين عهد إلى السيد رولان بوزارة الداخلية، فكانت زوجته هي التي تحضر أوراقه الرسمية، وأصبحت بعد أن كانت تحرر إلى أصدقائها أمثال صوفي وهنريت تراسل البابا والملك برسائل يستعين بها المؤرخ الذي يكتب عن هذا الفصل من تاريخ فرنسا، ولو كانت مدام رولان رجلا أو لو سمح للمرأة في ذلك الوقت بلعب دور صريح على مسرح الحياة العامة لاختلف تاريخ الثورة الفرنسية عما هو عليه الآن.
وقد انتقلت مدام رولان من مسكنها المتواضع إلى الدار الفخمة التي كان يقطنها الوزير الخطير نكر، ووافقتها حياتها الجديدة كل الموافقة، إلا أنها لم تؤثر في خلقها السامي وطبيعتها البسيطة. وكانت تمد السماط للوزراء جميعاً مرة كل يوم جمعة، فإذا انصرفوا خلعت عنها ملابسها الرسمية، وانكبت على مكتبها تعمل بجد ونشاط فائقين.
وتمتاز من الجميع بهدوئها الظاهر، يكفي من جانبها كلمة هادئة تلقيها لتقضي بها على الاختلاف الحاد في الآراء، وغالباً ما أرسلت شعاعاً منيراً يستضيء به القوم في نقاشهم فتحلُ العقد وتفك الطلاسم.
وكثيراً ما دعاها المجلس الوطني ليمطرها أعضاؤه وابلا من الأسئلة كانت تجيب عليها جميعاً في اعتدال ووضوح وصراحة غير هيابة ولا وجلة، ولم تخف قط على حياتها، إنما كان إشفاقها دائماً على وطنها، وقد رأت بنظرها الثاقب وعقلها الفطن الناضج أنه ليس بين الجيرونديين رجل واحد يمكن أن يعهد إليه بأمر البلاد، وأنه لا يوجد بين اليعاقبة المتطرفين اثنان يمكن أن يثق أحدهما بزميله.
وسرعان ما تحقق تشاؤمها عندما تمكن اليعاقبة بقيادة مارا ودانتون وروبسبير من إسقاط الجيرونديين، وأدانوا أسرة رولان فيمن أدين من المعتدلين، فهرب رولان وقبض على زوجه، ثم أخلى سبيلها ليقبض عليها مرة أخرى بعد ساعة من إخلاء سبيلها ألقيت في أعماق السجون متهمة بأشنع التهم وأسفلها، ولكنها في السجن كما هو الحال في أي مكان آخر استطاعت أن تغزو القلوب، وصار حراسها طوع إرادتها ورهن إشارتها. ويشير صديق لها اعتاد زيارتها في سجنها (بأنها كانت تحدثه في شجاعة الرجل العظيم بصوت عذب كالموسيقى) إلا أنها كانت تخلو بنفسها تستند إلى النافذة وتمضي الساعات الطوال.
стр. 3968
وبعد أن كانت ترى في فرنسا مهداً للإخاء والحرية والمساواة، أصبحت تجد فيها كابوساً ثقيلا ومجزرة يذبح فيها أبناؤها بتهمة حانق أو شكوى حاسد، ولم تسد شهوة الدم وجشع السفاكين ما كان قائماً ليل نهار من قتل النفوس بالمقصلة والرصاص والإغراق.
وقد ذكرت في آخر رسائلها أنها (تحب ضوء الشمس ودارها وزوجها وابنتها المحبوبة وخادمتها الوفية) وتركت لابنتها صحفاً جمة من رسائل الحنان الأموي ملأى بالنصائح الغالية والكتاب الآتي أحد هذه الرسائل التي كتبتها في سجنها إليها:
(لست أدري يا عزيزتي إن كان يسمح لي بمقابلتك أو الكتابة إليك مرة أخرى أو لا. تذكري أمك دائماً. وهذا أحسن ما يمكن أن أقوله لك. ولقد عهدتني سعيدة لشعوري بتأدية الواجبات الملقاة على عاتقي، ولاستطاعتي خدمة الذين يعانون آلام الحياة ومساعدتهم؛ وهل الحياة إلا هذا؟ لقد وجدتني أذعن للقدر إذ يسوقني إلى الأسر، ولست مجرمة أستحق هذا، إلا أن الذكرى الطيبة والماضي الحسن والأعمال الجليلة هي كل عزائي، وبمثلها يستطيع المرء أن يحتمل مساوئ الحياة وتقلبات القدر. إن ما أتمناه هو ألا يقدر لك مثل ما قدر لي من المشاق والمتاعب وهناك ما لو استطعت اتباعه تفاديت به قسوة الحياة وحميت نفسك من مساوئها، ألا وهو العيش المنتظم الذي لا فراغ فيه؛ فهو حارس من كل خطر؛ وهو حاجة تبحث عنها النفس وحكمة يسعى إليها العقل، ليكون صاحبهما جاداً محترماً في حياته. فكوني عند حسن ظن أبويك بك، فقد تركاك مثلا جميلا، ولو استطعت أن تستغلي هذا المثل للوصول إلى ناحية الكمال أمكنك أن تحيي حياة نافعة).
زارتها في سجنها يوماً هنريت كانيت، وطلبت إليها أن تبدل لباسها وتسرع إلى الهرب، وتبقى هي في مكانها، إلا أن مانون رفضت طلب صديقتها في إباء وشمم، قائلة لها (ولكنهم يقتلونك إن فعلت ذلك) وبعد خمسة أشهر من سجنها استدعيت للمحاكمة، وكيلت لها التهم الشنعاء، فوقفت تدفعها عن نفسها باكية ساخطة. وفي اليوم التالي في ٨ نوفمبر سنة ١٧٩٣ سيقت إلى المقصلة، ولما رأت الشجاعة تخون جلادها حثته على أن يؤدي واجبه، وقد ظهرت وهي على شفا حفرة الموت نبيلةً في لباس أبيض ناصع يدل على طهرها. وشعرها الأسود الفاحم مرسل حتى وسطها، ينبعث من عينيها البراقتين شعاع الشجاعة والنبل.
стр. 3969
وبينا هي على درجات المقصلة إذ عنت لها أفكار فطلبت قرطاساً وقلماً لإثباتها، إلا أن طلبها رفض. ولن نعرف بطبيعة الحال ماهية هذه الأفكار التي نادتها ساعة الموت فلم تتمكن من تلبيتها.
بعد أسبوع من إعدام مانون عثر رجل على جثة قائمة إلى بعض الأشجار وقد امسكها بالشجرة سيف قد نفذ إليها من قلبه وعند قدمه ورقة خط عليها ما يأتي: (أنا رولان، لم أترك فرصة تمر دون اقتناصها في سبيل إسعاد وطني. أقدمت على إزهاق روحي لا من خوف ولا وجل، ولكن احتجاجاً على إعدام زوجي. فرغبت عن الحياة التي دنستها الجريمة).
حقاً إن هذه الصورة تمثل نهاية قاسية لفصل مزعج من فصول التاريخ الإنساني.
عبد الرحمن فهمي ليسانسيه في الآداب
стр. 3970
فن التصوير عند العرب
للأستاذ محمود خيرت
ضرب العرب بسهم وافر في الأدب والاجتماع والفلسفة والسياسة والفلك والكيمياء والطب وتخطيط البلدان وغير ذلك، فكانت مدنيتهم رائعة لم ينكرها المنصفون من علماء الغرب الذي نقلها وبني عليها
والى جانب هذه الفنون فن الزخرفة والعربيات التي يقوم أساسها على نبات عرف العرب كيف يبرعون في تعديد أوضاعه الهندسية براعة أثارت إعجاب هؤلاء العلماء الذين شهدوا لهم أيضاً بعلو كعبهم في فن الإنشاء والعمارة كما تنطق به جوامع القاهرة وقصر الحمراء بالأندلس وغيرها مما يعد من أعاجيب الآثار.
نعم، إن الطراز العربي غير مبتكر ابتكاراً لأنهم حين هبطوا إلى مصر والأندلس ووقعت عيونهم على آثار الفن البيزنطي فيهما استخلصوا منه عنصراً لطرازهم، وحسبهم أنه مع تصويره للروح العربية جمع بين المقدرة والحسن والرشاقة.
وهكذا برهن العرب على مقدرتهم الفنية وعلى تسامحهم واحترامهم تلك الآثار فلم يعبثوا بها كما فعل (الانكوكلاست) أولئك النساك المتطرفون بآثار بيزنطة لما سيطروا على الحكم بها في القرن التاسع وصدر القرن العاشر، إذ قضوا على الفن المسيحي فهشموا تماثيله وشردوا فنانيه حتى قصد بعضهم إلى اكس لاشابيل للخدمة في بلاط الملك شرلمان.
تلك هي شهادة أولئك العلماء في العرب بالنسبة لفني الزخرفة والإنشاء والعمارة، ولكن الذي نعرض له اليوم هو، هل زاول العرب أيضاً فن التصوير، وهل برعوا فيه كما برعوا في غيره؟ وهل كان من بينهم أساتذة مهرة كالذين ظهروا في أوروبا من عصر النهضة إلى الآن؟
أكثر الباحثين يذهبون إلى أن التصوير كان محرماً على المسلمين، وأن هناك أحاديث نبوية بهذا المعنى منها حديث: (أن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون).
وقبل أن نطرق هذا البحث نلفت النظر إلى مبلغ تبجح الغربيين بأنهم هم المنفردون بفن التصوير والأساتذة المبرزون فيه، لأن فن قدماء المصريين ما كان ليتجاوز مجرد التخطيط، على حين أنهم هم الذين اهتدوا إلى فكرة الظلال بأنواعها مما جعلهم يخرجون
стр. 3971
الصور ناطقة بأصولها المأخوذة عنها. ولكنها دعوى تستوقف نظر الباحث هنيهة، لأن الفرس لم يفتهم أيضاً وضع هذه الظلال وكتبهم المصورة بمختلف دور الكتب شاهدة بذلك. بل إن مما لا يصح أن يفوتنا ما جاء بكتاب كليلة ودمنة بالصفحة ٦٤ طبعة سنة ١٩٢٤ الأميرية، وهو: (. . . كالمصور الماهر الذي يصور على الحيطان صوراً كأنها خارجة وليست بخارجة، وأخرى كأنها داخلة وليست بداخلة) مع أن هذا الكتاب ترجمة ابن المقفع عن نسخة فارسية ترجمت بدورها عن أصل هندي قديم كما يفهم مما جاء بصدر هذا الكتاب. وإذن فالفضل الأول لابتكار الظلال التي هي الوسيلة كلها إلى استنطاق الطبيعة، إنما يرجع إلى الشرق وحده، لأن الوصف الذي نقلناه عن كليلة ودمنة لا يخرج عنه أحدث تعريف للرسم عند الغربيين، وهو إيجاد أنجاد وأغوار على سطح أملس بحيث إذا مررت بيدك من فوقه لا ترى لذلك أثراً.
ولقد كان انفراد الشيعيين على ما يظهر دون السنيين بهذا الفن مما ساعد على الاعتقاد بتأثير تلك الأحاديث الشريفة وفهمها على غير حقيقتها.
وأغلب الظن أن هذه الأحاديث لم تقصد إلا التماثيل مما كان شائعاً في الجاهلية بشيوع الوثنية وقضى الإسلام عليها لتنافرها مع أصول التوحيد. ومما يجعل هذا الفهم أقرب إلى الحقيقة ما رواه المسيو ال. جاييت في كتابه عن الفن الفارسي في باب التصوير من أنه كان بدمشق والقاهرة وبغداد مدارس راقية خاصة بالتصوير كان يقصدها الطلاب من كل صقع، وأنه كان هناك أساتذة بارعون يلقنونهم بها أصول هذا الفن كانوا محل إعجاب الخلفاء والسلاطين والوزراء، وكثيراً ما زينوا لهم قصورهم بصور حائطية
ويؤيد هذا ما جاء بخطط المقريزي بالصحيفة ٣١٨ من الجزء الثاني طبعة بولاق فقد قال عن جامع القرافة (جامع الأولياء في عهده) إن: (موقعه كان يعرف في القديم عند فتح مصر بخطة المغافر، بنته السيدة المعزية سنة ٣٦٦، وهي أم المعز بالله نزار ولد المعز لدين الله على نحو بناء الجامع الأزهر، وأن بابه الذي يدخل منه، ذا المصاطب الكبير الأوسط، تحت المنار العالي الذي عليه، مصفح بالحديد إلى خط المقصورة والمحراب من عدة أبواب عدتها أربعة عشر بابا مربعة مطوبة الأبواب قدام كل باب قنطرة قوس على عمودي رخام ثلاثة صفوف، وهو مزوق باللازورد والزنجفر والزنجار وأنواع الأصباغ،
стр. 3972
وفيه مواضع مدهونة، والسقوف مزوقة ملونة كلها، والحنايا والعقود التي على العمد مزوقة بأنواع الأصباغ من صنعة البصريين وبنى المعلم المزوقين شيوخ الكتامي والنازوك.)
ثم قال:
(وكان قبالة الباب السابع من هذه الأبواب قنطرة قوس مزوقة في منحني حافتيها شاذوران مدرج بدرج وآلات سود وبيض وحمر، وخضر وزرق وصفر، إذا تطلع إليها من وقف في سهم قوسها شائلاً رأسه إليها ظن أن المدرج المزوق كأنه من خشب كالمقرنص. وإذا أتى أحد قطري القوس نصف الدائرة ووقف عند أول القوس منهما ورفع رأسه رأى ذلك الذي توهمه مسطحاً لا نتوء فيه وهذا من أفخر الصنائع عند المزوقين. وكانت هذه القنطرة من صنعة بني المعلم، وكان الصناع يأتون إليها ليعملوا مثلها فما يقدرون. وقد جرى مثل ذلك للقصير وابن عزيز في أيام البازوري سيد الوزراء الحسن بن علي بن عبد الرحمن، وكان كثيراً ما يحرض بينهما ويغري بعضهما على بعض لأنه كان أحب ما إليه كتاب مصور، أو النظر إلى صورة أو تزويق. ولما استدعى ابن عزيز من العراق أفسده، وكان قد أتى به في محاربة القصير، لان القصير قد يشتط في أجرته ويلحقه عجب في صنعته وهو حقيق بذلك لأنه في عمل الصورة كابن مقلة في الخط. وابن عزيز كابن البواب وقد أمعن ذلك في الكتاب المؤلف فيه، وهو طبقات المصورين المنعوت بضوء النبراس وأنس الجلاس في أخبار المزوقين من الناس
وكان البازوري قد أحضر بمجلسه القصير وابن عزيز، فقال عزيز أنا أصور صورة إذا رآها الناظر ظن أنها خارجة من الحائط، فقال القصير، ولكن أنا أصورها فإذا نظرها الناظر ظن أنها داخلة في الحائط، فقال هذا عجب، وأمرهما أن يصنعا ما وعدا به فصورا صورة راقصتين في صورة حنيتين مدهونتين متقابلتين، هذه ترى كأنها داخلة في صورة الحنية، وتلك ترى كأنها خارجة من صورة الحنية. . . . فاستحسن البازوري ذلك، وخلع عليهما ووهبهما كثيراً من الذهب.
وكان بدار النعمان بالقرافة من عمل الكتامي صورة يسوف ﵇ في الجب وهو عريان، والجب كله أسود إذا نظره الإنسان ظن أن جسمه باب قد دهن بلون الجب. وكان هذا الجامع من محاسن البناء. وكان بنو الجوهري يعظون بهذا الجامع على كرسي في
стр. 3973
الثلاثة أشهر فتمر لهم مجالس بهجة تروق وتشوق)
وقد أشار أيضاً إلى اللوح الحائطية التي من تصوير أبي بكر المحتسب سنة ٣٦٥ في أول عهد الدولة الفاطمية، وكذلك إلى صور احمد بن يوسف المشهور بالأوسطي (أي الفنان) وكذلك صور محمد بن محمود. وإنه كان في عهد السلطان بيبرس رجل اسمه ابن دايا كان يشتغل بالسياسة والتصوير، حتى أنه لما عين بأمر السلطان سفيراً لدى بركه الأمير المغولي حمل إليه ثلاث لوحات من عمله تمثل مواسم الحج بمكة
نخرج من رواية المقريزي هذه بأن فن التصوير لم يكن متداولاً عند الفرس وحدهم، بل عند العرب أيضاً، وأن أساتذته كانوا مهرة تدل آثارهم كالشازوران الذي بأحد طرفي القنطرة والراقصتين، على إلمامهم بفن المنظور والتأليف كما في صورة يوسف ﵇ وهو في الجب. وأن هؤلاء المصورين وإن كانت أكثر آثارهم حائطية، إلا أنهم فكروا أيضاً في التصوير فوق لوحات مستقلة كما رأينا عند الكلام على ابن دايا، وأن هؤلاء الفنانين كانت لهم مكانة في نفوس السلاطين والوزراء، كما أن العناية بآثارهم بلغت حداً بعيداً، حتى أنها كانت تزين بها الجوامع مما يدل على أنهم كانوا لا يأخذون بحرفية الأحاديث، ولكن بالغرض منها
أما كتاب ضوء النبراس الذي بحث في سيرة أولئك المصورين فلا ندري إذا كان من وضع المقريزي أو وضع غيره، لأن ذلك غير واضح في عبارته، وعلى كل حال فإن فقدان هذا الكتاب مما يدعو إلى الأسف الشديد.
محمود خيرت بقسم قضايا المالية
стр. 3974
الموسيقى الشرقية
بقلم منير الجم الطرابلسي
- ١ -
اطلعت بالأمس على مقالين ممتعين في (الرسالة) الغراء حول فن الموسيقى: أحدهما للأستاذ قدري حافظ طوقان، والآخر للأستاذ عبد العزيز البشري، فسرني منهما أن يطريا فن الموسيقى العربية، ويتغنيا بعبقرية من اشتغلوا بهذا الفن الجميل من قدامى ومحدثين؛ أقول وأؤكد القول: بأنني جد مغتبط بمقاليهما كعزاء للفن المغبون. . .
ولقد رغبت ان أشاركهما فيما أبدياه من العواطف السامية نحو موسيقانا، فكتبت في عجالتي هذه نبذة عامة عن تطور الموسيقى الشرقية في العهد الأخير، وما طرأ عليها من الإصلاح والتجديد، كموسيقى يغار على الفن، ويؤدي نحوه الواجب المحتوم
- ٢ -
كانت الموسيقى في جميع العصور مقياساً لروحية الأمم، ورمزاً لأخلاقها ورقة طباعها، وإذا كان للشعر والأدب والنحت والتصوير وغيرها من الفنون منزلة سامية في النفوس، فللموسيقى رتبة أسمى وأعلى، وإذا كان لهذه الفنون أياد بيضاء على تهذيب الطباع الإنسانية، وصقل عواطفها، فأحر بالموسيقى أن تنال السبق في هذا المضمار، إذ تتعدى ذلك إلى شفاء بعض الأمراض، وطرد الهموم من النفوس، ومعالجة الحيوان والتلطيف من شراسته ووحشيته، فاسمها مقرون على الدوام بالروعة والاعتبار. . .
نشأت الموسيقى في دورها الأول مع الإنسان الساذج المقلد لمظاهر الطبيعة الفاتنة، فاندفع بميله الغريزي، وعواطفه الكامنة لإتقان هذا التقليد المستحب اللذيذ، حتى انقلب على مر العصور إلى فن جميل له مكانته بين الفنون.
عنيت الأمم الغابرة من مصريين ويونان ورومان، وصينيين وهنود ويابان وفرس وعرب بالموسيقى عناية قصوى جعلتها تتطور في أحضانها بخفة ولباقة، حتى وصلت إلينا بحلة قشيبة؛ وما أن افترق الشرق عن الغرب حتى كانت موسيقى الشرق غير موسيقى الغرب؛ طارت الأولى في سماء الروح والعواطف، ثم ما لبثت أن هبطت قليلا، فلا هي بالهابطة
стр. 3975
ولا هي بالصاعدة، متقلقلة بين الصعود والهبوط؛ وأما الثانية فلا تزال جادة في طريق المجد، تقطع مراحل وأشواطاً من التقدم، وغدت لدى الذوق الغربي أسمى وأشهى ما يلذ للسمع ويستطاب.
- ٣ -
بعد أن انتقلت الموسيقى إلى العرب برعوا فيها، وجددوا ما بلي منها، وبقيت في عهدهم زاهية ببغداد ومصر والأندلس وغيرها من البلاد العربية حتى دالت دولة العرب، فقبعت في زاوية الإهمال حقبة من الزمن، تترقب من ينتشلها من وهدتها، ويقيلها من عثارها بعد ذاك العز والمجد، حتى قيض لها منذ قرون تقريباً من يذود عن حقها المهضوم ويرفع من شأنها ولو قليلا أمثال الأساتذة المرحومين: عبده الحمولي، والشيخ يوسف المنيلاوي، ومحمد عثمان، وعبد الحي حلمي، والشيخ سلامة حجازي الذي نبغ في الغناء المسرحي وانفرد به، وكذلك احمد الليثي، وأمين بنايه، وإبراهيم سهلون، وغيرهم من عظماء الفن، ومشاهير الملحنين والعازفين الذين نهضوا بالموسيقى العربية نهضة مباركة لا بأس بها، وخاصة في قسم الغناء والإنشاد؛ ثم كان منهم النابغة المرحوم الشيخ سيد درويش الذي يعد من المجددين، وإليه يرجع الفضل في تعديل فن الغناء العربي تعديلا لطيفا، وهو الذي عنى بنغمة (الحجاز كار كردي) التركية، واستعملها في كثير من أغانيه وأدواره الخالدة، فزاد الفن بذلك عذوبة ورقة، وكان بحق آية في العبقرية والنبوغ. . . وأخيراً جاء نابغتنا الشاب الأستاذ محمد عبد الوهاب وأمثاله، وهو مجدد بكل ما في الجدة من معنى، وقد أضاف إلى الفن ما أضاف من عبقرية فذة تتجدد، ونبوغ مضطرم يزكو، ولنا كبير أمل بجهوده الفنية التي ستسمو إن شاء الله بالموسيقى إلى أقصى مراتب النجاح.
مازال الأستاذ محمد عبد الوهاب يخدم الفن خدمة يشكر عليها ويثاب، فجدد منه أصولاً، وأصلح فيه أنواعاً، ثم أضاف إليه أقساماً طريفة من الأنغام الإفرنجية، إلى غير ذلك من التجديد الموافق للذوق الشرقي والعربي، وغدت اسطوانات أغانيه تسمع حتى في بلاد أوربا بكل إعجاب، يشاركه في هذا التجديد نخبة صالحة من غواة الفن، وجمعيات ونواد فنية أسست في مصر وسوريا وغيرهما، يجاهدون جميعاً في تعزيز الموسيقى الشرقية لتستعيد مكانتها الأولى، ويكون لها الصدر في الموسيقى العالمية
стр. 3976
- ٤ -
هذا في مصر وسوريا وبعض البلاد العربية الأخرى، وأما في البلاد التركية، فقد وجدت الموسيقى الشرقية منتجعاً خصباً، فتطورت في سنين قلائل، حتى لتضاهي كل موسيقى عالمية، والحق يقال: أن للأتراك فضلا كبيراً على هذا الفن، فقد اخترعوا أنغاماً لم تكن تعرف من قبل، وحسنوها وهذبوا كثيراً من الألحان، وجعلوا في موسيقاهم أنواعاً منوعة من القطع الفنية الخالدة، ونبغ لديهم عظماء أفذاذ، أمثال الأساتذة المرحومين: حافظ، ومونلا عثمان، وقره قاض القديم، ووسيلاكي المغني المشهور، وعثمان بك، وعاصم بك، والطنبوري جميل بك، و (الكمنجاتي) طاتيوس، وواسلاكي، وغيرهم ممن أكسبوا الفن كنوزاً ثمينة لا تقدر، وقد جاء من بعدهم مجددون معاصرون فأدخلوا تحسينات جمة عليه، ولقحوا بعض أقسامه وأجزائه بشيء من الأنغام الإفرنجية اللطيفة، كما أنهم أضافوا فن تأليف الأصوات على فرع من موسيقاهم، ولا سيما دار الفنون والموسيقى في الأستانة، التي تعد في طليعة المجاهدين في سبيل ترقية الموسيقى الشرقية وتعزيزها.
وأما في بلاد فارس والهند والصين وغيرها، فالموسيقى مازالت مهملة أو كالمهملة، إلا في بلاد اليابان وشرقي الصين فآخذة في التقدم السريع، غير أن الموسيقى الغربية طغت عليها، وتكاد تكون معها في صراع عنيف، حيث لكل منهما أحزاب ومشايعون، والغريب في الموسيقى الشرقية هناك أنها تكاد تضارع الأنغام العربية والتركية في اللهجة والأصول، فقد ذكر صديق لي أنه كان منذ بضع سنوات في بلدة شنغاي من أعمال الصين الشرقية، وبينما كان ماراً في حي صيني سمع أنغاماً عربية من مقام (الحجاز) فظن لأول وهلة أن العازف على الآلة ربما كان عربياً، وفرح لهذه المصادفة، ورغب أن يجتمع به، ولشد ما كانت دهشته حينما وجده صينياً عريقاً في الصينية، لا يدري من أمر العرب شيئاً، مما يدل على أن لإيحاء الشرق على سكانه في كل صقع أثره الشديد حتى بموسيقاه العذبة.
- ٥ -
يعيب الغربيون موسيقانا بالجمود والتشابه والتكرار، ويتهموننا بقلة الأنواع الموسيقية، وعدم تأليف الأصوات، وإدماجها في القطعة الموسيقية جملة واحدة ولئن كان هذا النقص
стр. 3977
معيباً في موسيقانا، فإن قليلاً من الجهد والعناية يذهب به، وأنني لأرى أن هذا النقص الذي نعنيه لم يحصل من التهاون والإهمال، بل هي طبيعة الشرق الهادئ توحي لموسيقاه ألطف الأنغام الفردية العذبة.
إنني لا أنكر على الغرب محسناته في موسيقاه، كلا، ولا أنكر عليه التجديد الفني الذي أضافه عليها، فجعلها في مراتب سامة تفوق حد الإبداع، كلا، ولا أنكر عليه أيضاً استفادة الموسيقى الشرقية والعربية من هذا الرقي والتجديد، ولكن ذلك لا يمنعني من الجهر بجمال الموسيقى الشرقية اللطيفة إذا ما بذلنا في سبيلها جهداً ومثابرة وإخلاصاً، ولا سيما وهي العذبة بأنغامها، الزاخرة بألحانها، الطافحة بأسمى العواطف والشعور. .!
- ٦ -
إننا إذا دققنا في الأنواع الموسيقية لدينا وجدناها ضئيلة جداً بالنسبة إلى غزارتها في الموسيقى الغربية، يؤيد ما يعيبنا به الغربيون وهي على التقريب كما يلي: الموشحة، الليالي، الدور، القصيدة، الغناء المسرحي، الطقطوقة، المواليا.
فالموشحة: - قطعة غنائية من أرقى أنواع الغناء، إذا ما كانت متينة اللغة والمعنى، وليس كما يمسخها بعض المغنين بلغة ركيكة، وألفاظ سمجة، وتطويل جاف ممل. . .
الليالي: - (يا ليل يا عين) فهذه لا حدود لها، تابعة لشعور المغني أو العازف، وسمو إحساسه في الأنغام، وقدرته على الانتقال بينها بلباقة وأصول، حتى ينتهي إلى ما بدأ منه، وإذا كانت لموسيقانا مزية تنفرد بها، فتكون من هذه الناحية، إذ يعجز غيرها عن ترديد (الليالي) الإلهامية، وعزف (التقاسيم) الروحية ارتجالاً، ما لم تكن مسجلة ومخطوطة، أو محفوظة من سابق عهد.
الدور: - قطعة غنائية مركبة من جزأين: الأول يسمى (مذهب)، والثاني (دور) وفي الأخير تتعدد الأنغام اللذيذة المثيرة للطرب والسرور، وما زالت الأدوار لها مكانتها في الموسيقى العربية، وهي آخذة في التقدم والرقي، من متانة في اللفظ، وطرافة النغم، مما يجعلها في الصف الأول.
القصيدة: - قطعة شعرية تنشد بألحان معينة، وتكون عذبة مطربة إذا كانت محتوية على معان سامية وأنغام مؤتلفة، وقد أصبحت في الآونة الأخيرة من الأنواع الراقية نظماً ونغماً،
стр. 3978
يعالجها الشعراء والموسيقيون بكل همة ونشاط.
الغناء المسرحي: - قطعة غنائية تمثيلية، لها أصول خاصة في الغناء، بحيث تتناسب الأنغام مع معاني كل جزء منها، وتوافق الغرض المقصود؛ فالعتاب - مثلاً - في بيت شعري له نغم يناسبه، وكذا الاستعطاف له لحن يوافقه، وتزيد بذلك وضوحاً وتأثيراً في النفوس؛ وقد عني الشعراء والموسيقيون بهذا الضرب من الغناء، فنظموا ولحنوا قطعاً تناسب المقام أمثال المرحوم أمير الشعراء شوقي بك، والأستاذ محمد عبد الوهاب، وغيرهما من غواة الفن، وهواته ومجدديه.
الطقطوقة: - قطعة غنائية حاوية على مذهب ودور بسيط، فالمذهب هو القطعة الأولى منها اللازمة للدور في نهاية كل جزء من أجزائه، ولغتها على الغالب عامية، وهذا هو موضع العيب الفاضح فيها.
المواليا: - وهو في نظري أشد جموداً من غيره، حيث الركاكة في الألفاظ، والترادف في المعنى الواحد للعشق والهيام المبتذل، ولا يخرج عن كونه أنيناً متواصلاً، ونواحاً مؤلماً، لا أثر للحياة فيه، وموجباً للحزن والأسف الشديد؛ ولدينا اليوم أيضاً نوع اسمه (المونولوج) أو (الغناء الوجداني) الذي اقتبس أخيراً من موسيقى الغرب، وقد برع فيه الأستاذ محمد عبد الوهاب وأبدع فيه أيما إبداع.
- ٧ -
إن الأصوات تختلف في سيرها أثناء العزف أو الغناء، فتكون أنواعاً متنوعة يسمى كل منها نغماً، فالأنواع الموسيقية الآنفة الذكر يتركب مجموعها اليوم من أنغام كثيرة اختصر على أهمها:
(١) نغمات السيكاه (٢) نغمات العشيران (٣) نغمات العجم عشيران: - أوج - عراق (٤) نغمات الراست: راست، نهاوند، حجاز كار، حجاز كار كردي (٥) نغمات الديكاه: البيات، حجاز، صبا، عشاق، بيات شورى (٦) سيكاه (٧) جهار كاه (٨) حسيني، إلى غير ذلك من الأنغام الكثيرة المستعملة في الموسيقى العربية.
وأما الأنواع الموسيقية لدى الأتراك فقريبة الشبه من العربية غير أن الأنغام لديهم أكثر وأغزر، زادت في مادة الموسيقى الشرقية زيادة تذكر، وخاصة عنايتهم الفائقة بتأليف
стр. 3979
القطع الفنية التي تعزف على الآلات، فهي بحق قطع خالدة جديرة بالإكبار والإعظام؛ ولقد استفادت الموسيقى العربية من هذه القطع الفنية الطريفة والأنغام الإضافية العذبة، ما جعلها مدينة إلى الموسيقى التركية مادة ومعنى، والأنواع المعروفة لدينا من هذه المعزوفات الفنية هي: البشرف، والسماعي، والدولاب فالبشرف: قطعة فنية غزيرة بالأنغام المنسجمة، مركبة من جزأين أو ثلاثة أجزاء أو أربعة، والجزء الواحد يسمى (خانه)، تعزف على الآلات الشرقية بواسطة (النوته) الرموز الاصطلاحية ضمن قوانين وأوزان محكمة كأوزان الشعر لا يمكن للعازف أن يشذ أو يخرج عنها، ويكون عزفها عادة أبطأ من (السماعي)، وهي على أنواع من الوزن والقياس والعزف، لا مجال لذكرها الآن.
وأما (السماعي) فهو كالبشرف في أنغامه وتركيبه، غير أنه أصغر منه في مجموعه وأسرع في العزف، وله أوزان ومقاييس تختلف عنه، وأما (الدولاب) فهو قطعة فنية صغيرة بأوزان معلومة، تعزف عادة قبل الشروع في الغناء تمهيداً للنغم المنوي التغني به؛ وتوجد غير ذلك ضروب مختلفة، مقتبسة أصولها من الضرب: في الرقص والتمثيل والوصف. . . الخ كالفالس - مثلاً -، والبولكة، والمارش من القطع الفنية المصورة لنوازع النفس، ومظاهر الطبيعة الفاتنة، ووحي جمالها السامي تصويراً دقيقاً موافقاً بعد تعديلها للذوق الشرقي؛ ومن جملة ما اقتبس من الموسيقى الغربية: الرموز أو العلامات الموسيقية (نوته) التي تكتب بها المعزوفات الفنية، فخدمت الموسيقى الشرقية خدمة جلى، وكان لها الأثر الظاهر في تقدمها وحفظ كنوزها من الفناء. . .
- ٨ -
وأما الآلات المستعملة لدينا في الموسيقى الشرقية عامة فهي: العود، والقانون، والطنبور، و (الكمان) والناي، والمزمار، والدف؛ والطبلة، ويوجد آلات شرقية وعربية غير هذه كثيرة ولكنها مهملة، أو غير صالحة لعزف القطع الفنية؛ ثم أضيفت آلات حديثة من الموسيقى الغربية خاصة لعزف قطع (الهارموني) زيادة في التحلية عند اللزوم، أو لعزف القطع الحماسية. . . . في المعسكرات الحربية كالبيانو والكمان الأكبر والساكسوفون والفيفرا إلى غير ذلك من الآلات الوترية، والنفخية والهوائية، التي ليس لها - ويا للأسف أسماء عربية حتى اليوم!!
стр. 3980
وعلى هذا فالموسيقى الشرقية على العموم لا تزال بحاجة إلى جهود جبارة، وعزائم صادقة، وهي في دور نهضة مباركة تبشرنا بمستقبل قريب باهر.
حماه:
منير الجم الطرابلسي
стр. 3981
٦ - بين المعري ودانتي في رسالة الغفران
والكوميدية المقدسة
بقلم محمود احمد النشوي
الوطنية لدى الشاعرين
كأني بالمعري يختص رسالة غفرانه بخيال النعيم والجحيم. ومساجلة الشعراء والأدباء، والنحاة والرواة. ثم بالرد على ابن القارح والحديث عن بشار والمتنبي وصالح بن عبد القدوس والحلاج والصناديقي وغيرهم من المتأهلين والمتزندقين مما بدأه ابن القارح بالحديث عنهم في رسالته. فلم يكن في كل مواقف (رسالة الغفران) ما يثير في نفسه الحنين إلى الوطن، ولو أن موقفاً من مواقف رسالته ذكره بالوطنية أو تعمد هو أن يخلق المواقف في تضاعيف كلامه للحديث عن الوطن وآلامه كما كان يفعل دانتي لأرانا ضروباً من الحماس للوطن والتفاني في سبيله. . .
المعري رجل يريد أن يداعب وأن يسخر. يريد أن يذكر للناس غريب اللغة ونحوها وعروضها. ثم هو يخاطب صديقاً له فلم يكون ثمة مجال لذكر الوطن أو الحديث عن الوطنية. ولكن دانتي كان أهم أغراضه في رسالته بكاء الوطن. وإثارة الحمية في النفوس للأخذ بناصر الشعب الذي تمزقت أوصاله، ولعبت به الحروب الأهلية شنيع الألاعيب. فكنا نتلمس الوطنية في كل خطوة من خطوات دانتي. . ونفقد ذلك في رسالة الغفران. فهل ضعفت نزعة الوطنية عند المعري؟ ألم يطرب للمعرة والشام ولتلك الربا والبطاح؟ لقد كان أبو العلاء يطرب لدياره وبلاده. وكان مغرماً أشد الغرام بوطنه ومنبته. فنحن نراه يكره الخلود ويشيح عنه بوجهه إن كان مع الخلود انفراده عن أهله ووطنه. ثم هو يسخط على السحائب إن اختصته بغيثها ولم تهطل على كل بلاده تبل ثراها وتحيي مواتها فيقول:
ولو أني حبيت الخلد فردا … لما أحببت بالخلد انفرادا
فلا نزلت علي ولا بأرضي … سحائب ليس تنتظم البلادا
ثم يتمنى النعيم لوطنه وإن فاته نعيمه. وتنزع نفسه أن يعود لبلاده وإن كان في يوم الحشر، ويوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت فيقول:
стр. 3982
فيا وطني إن فاتني بك سابق … من الدهر فلينعم لساكنك البال
فإن أستطع في الحشر آتك زائرا … وهيهات - لي يوم القيامة أشغال
ثم نراه يقيم في بغداد والكرخ، وبين الرصافة والجسر، تلك التي شفه الحنين إليها منذ نعومة أظفاره. وكان يتكلف بها في شرخ الشباب، فحققت له الكهولة أمنيته. قال:
كلفنا بالعراق ونحن شرخ … فلم نلمم به إلا كهولا
بيد أنه لم تكد تمر عليه بضع ليال حتى حن لوطنه وتمنى قطرة من ماء المعرة يطفئ بها ظمأه فقال:
فيا برق ليس الكرخ داري وإنما … رماني إليه الدهر منذ ليال
فهل فيك من ماء المعِرة قطرة … تغيث بها ظمآن ليس بسال؟
لقد كان أبو العلاء يذكر وطنه كلما لمع السراب إبان الظهيرة وكلما جن عليه الليل واحتوته الظلمات، ويستعذب ماء بلاده وإن كان آسناً. عن ماء الكرخ وإن كان كالصهباء. فيقول:
إذا جن ليلى جن لبى وزائد … خفوق فؤادي كلما خفق الآل
وماء بلادي كان أنجع مشربا … ولو أن ماء الكرخ صهباء جريال
ولم يكف المعري أن يصدح بذكر بلاده وحده، بل أشرك معه نياقه تلك التي تمنت قويقا والصراة حيالها. والتي كانت تطرب لضوء بارق الشام وأن تعالي عن مستوى نظرها حتى ليسرها أن تقطع رؤوسها وترفع فوق أسنة الرماح لتشيم بارق الوطن، والتي كانت تتلو زبوراً في الحنين إليه، مترنمة بقصائد أودعتها كل أشواقها لديارها فقال:
تلون زبوراً في الحنين منزلا … عليهن فيه الصبر غير حلال
وأنشدن من شعر المطايا قصيدة … وأودعنها في الشوق كل مقال
. . ولقد كان المعري يستطيب الحديث عن بغداد وعما يحف بها من المشاهد. فيقول:
هات الحديث عن الزوراء أو هيتا … وموقد النار لا تكرى بتكريتا
ويجعل حفظ عهود أهلها من صلواته فيقول:
أعد من صلواتي حفظ عهدكم … إن الصلاة كتاب كان موقوتا
ويتمنى أن تكون العراق تربته. وبها منيته. فيقول:
وكان اختياري أن أموت لديكم … حميداً فما ألفيت ذلك في الوسع
стр. 3983
فليت حمامي حم لي في بلادكم … وحالت رمامي في رياحكم المسع
وجعل الإماء الوكع من بغداد أفصح من فصحاء البادية طبعوا على البيان واللسن. فقال:
وما الفصحاء الصيد والبدو دارها … بأفصح قولاً من إمائكم الوكع
وتمنى أن يأتي على ما في دجلة من ماء شرباً وجرعاً ليطفئ غلة حنينه نحو العراق فقال:
ألا زودوني شربة ولو أنني … قدرت إذا أفنيت دجلة بالجرع
ويرجو أن يعود إلى بغداد والكرخ، والرصافة والجسر، وألا يكون سيره عن ديارهم كرأي الملحد لا يرجو معادا ولا ينتظر إياباً للحياة، بل رأى المؤمن يثق بالرجعى فيقول:
فلا كان سيري عنكم رأي ملحد … يقول بيأس من معاد ومرجع
ثم يألم من الليالي التي تضن عليه بالرجوع إلى بغداد، فيقول:
أظن الليالي. وهي خود غوادر … بردي إلى بغداد ضيقة الذرع
ثم يدعو بالسلامة والنجاة لعارض تحدوه بوارقه يؤم الكرخ فيقول:
يا عارضا راح تحدوه بوارقه … للكرخ سلمت من غيث ونجيتا
ثم يستسقى لدجلة ويفي بعهده فيحرم على نفسه شرب مياه الأنهار من بعده كما حرم طالوت على قومه الشرب من النهر الذي ابتلاهم به ربهم فقال: إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني. وذلك حين يقول أبو العلاء
سقيا لدجلة والدنيا مفرقة … حتى يعود اجتماع النجم تشتيتا
وبعدها لا أريد الشرب من نهر … كأنما أنا من أصحاب طالوتا
ذلك هو طرب المعري للعراق وتعلقه بدجلة، فهل أنساه حب المعرة نعيم بغداد؟. وهل أنساه حب الشام حب العراق؟ كلا! فقد كانت لدى المعري وطنية يراها في كل شيء من حوله حتى في النياق تتلو زبور الوطنية. وإنجيل الشوق إليها، وإن لم يذكر ذلك في رسالة غفرانه، ولم يتخيل عذاباً أليما لخائني أوطانهم كما تخيل دانتي الذي افتن في وصف هذا الصنف من الناس وتخير لهم أٍفل دركات الجحيم. وأشدها هولاً وإيلاما.
وموعدنا بالحديث عن وطنية دانيت العدد القادم
يتبع
стр. 3984
محمود احمد النشوى
стр. 3985
أعيان القرن الرابع عشر
للعلامة المغفور له أحمد باشا تيمور
مقدمة بقلم الأستاذ احمد أمين
أهبت في مقال سابق بالرسالة، إلى الشيوخ والشبان أن يجدوا في تقييد ما عرف من العصر السابق لعصرنا من ترجمة لرجاله، وتدوين لأحداثه، وأشرت إلى أن كثيرين من عظماء شيوخنا أمثال أستاذنا أحمد لطفي السيد بك، والأستاذ إبراهيم الهلباوي بك، والسيد محمد الببلاوي، وسعادة احمد زكي باشا، وفضيلة الشيخ محمد بخيت، والأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجار، والصحفي العجوز وأمثالهم، قد شاهدوا من عظماء الناس في مصر، ووقعت لهم من الحوادث، ومر أمامهم من المناظر ما لو دون لكان ثروة لا تقدر، ولكان حلقة اتصال بين ما دونه المؤرخون قبلنا كالجبرتي، وما يراه جيلنا. وقلت إن في نفوسهم كثيراً من المعلومات تضيء السبيل للجيل الناشئ، وإن من الخسارة العظمى أن نسكت عن تدوينها، وألا نسرع في تقييدها، فعلى هؤلاء السادة أن يدونوا في ذلك مذكراتهم، وعلى الشبان أن يلحوا في رجائهم، وأن يستملوهم ما في ذكرياتهم، ضنا بتاريخ أمتهم، وحرصاً على فائدة الجيل المقبل
وقد سرنا أن يقوم صاحب السعادة احمد شفيق باشا بنشر مذكراته، وفيها كثير من المعلومات القيمة التي تلقي نوراً على تاريخ الجيل الماضي؛ وحبذا لو نحا نوه بقية رجالاتنا، فيكملوا النواحي الأخرى الاجتماعية التي لم يتصل بها شفيق باشا، فكل عظيم من هؤلاء العظماء كانت له نواح اجتماعية خاصة هو بها أكثر علماً وأوسع معرفة.
ويظهر أن هذه الفكرة نفسها كانت عند المرحوم احمد تيمور باشا، فقد بدأ بترجمة رجال القرن الرابع عشر، ولكن مع الأسف الشديد لم يتمه، وقد طلبت من صديقي الأستاذ محمود تيمور أن يتفضل فيسمح لي بالاطلاع على ما دونه في ذلك المرحوم والده، فقبل رجائي وأعارني الجزء الخاص بذلك - فإذا هو مجلد قد دون فيه بخط المؤلف اثنتان وسبعون صفحة، وقد ترجم فيها لأربعة وعشرين رجلاً من أعيان القرن الرابع عشر الهجري باعتبار الوفاة، وإن كان أكثر حياتهم في القرن الثالث عشر
وأكثر من ترجم لهم المؤلف من الأدباء كعبد الله نديم والشيخ شهاب، والشيخ على الليثي،
стр. 3986
أو من العلماء كالشيخ الأشموني والشيخ المهدي العباسي، والشيخ حسن الطويل، والشيخ أبي خطوة، والشيخ حسونة، لأن المؤلف ﵀ كانت حياته حياة علم وأدب، فعني بمن تتصل بهم حياته، وقد ترجم أحياناً لرجال السياسة كسلطان باشا، والغازي احمد مختار باشا
وقد أفاض المؤلف في بعض التراجم فخرجت كاملة مستوفاة كترجمة عبد الله نديم وسلطان باشا، وبعضها قاصرة كترجمة الغازي مختار باشا، وكل التراجم - مع ذلك - ذخيرة أدبية وتاريخية هامة، وفيها من المعلومات مالا نجده في سواها، ومن من المؤلف أعلم برجال هذا العصر وشيوخه؟
من أجل هذا اقترحت على صديقي الأستاذ الزيات أن تنشر هذه التراجم تباعاً في الرسالة حتى ينتفع بها جمهور القراء - ولا يفوتني أن أنبه أن أربعا من هذه التراجم الأربع والعشرين قد نشرت في مجلة الهلال الغراء، ولكني لا أرى بأساً من إعادة نشرها حتى تكون المجموعة عند قراء الرسالة كاملة.
احمد أمين
стр. 3987
عبد الله نديم أفندي
هو عبد الله بن مصباح بن إبراهيم، الأديب الألمعي، والخطيب المفوه، نادرة عصره، وأعجوبة دهره. ولد أبوه ببلدة الطيبة بمديرية الشرقية في شهر ذي الحجة سنة ١٢٣٤هـ ثم انتقل إلى ثغر الإسكندرية، فكان في مبتدأ أمره نجاراً للسفن بدار الصناعة، ثم اتخذ له مخبزاً لصنع الخبز، ومات بالقاهرة في ٤ رجب سنة ١٣١٠. وولد المترجم بالثغر المذكور في عاشر ذي الحجة سنة ١٢٦١ ونشأ في قلة من العيش، ومالت نفسه إلى الأدب، فاشتغل به واسترشد من أهله وطالع كتبه، وحضر دروس الشيوخ بمسجد الشيخ إبراهيم باشا، وكان قليل الاعتناء بالطلب، غير مواظب على الدرس، إلا أن الله وهبه ملكة عجيبة وذكاء مفرطاً، فبرع في الفنون الأدبية، وكتب وترسل، ونظم الشعر والزجل، وطارح الإخوان وناظر الأقران. ثم بدا له أن يتعلم صناعة للكسب، فتعلم فن الإشارات البرقية، واستخدم في مكتب البرق ببنها العسل، ثم نقل إلى مكتب القصر العالي، سكن والدة الخديو أيام ولاية ابنها إسماعيل باشا، وبقى به مدة عرف فيها كثيراً من أدباء القاهرة وشعرائها، مثل الأمير محمود سامي باشا البارودي، ومحمود أفندي صفوت الساعاتي، والشيخ احمد وهبي. ثم غضب عليه خليل أغا، أغا القصر، وكان في سطوة لم يبلغها كافور الأخشيدي، فأمر بضربه وفصله. فضاقت به الحيل ورقت حاله، حتى توصل إلى الشيخ أبي سعدة عمدة بداوي بمديرية الدقهلية، وأقام عند يقرئ أولاده، ثم تشاحنا وافترقا على بغضاء. واتصل بالسيد محمود الغرقاوي، أحد أعيان التجار بالمنصورة فأحسن منزله، وفتح له حانوتاً لبيع المناديل وما أشبهها. فكانت نهاية أمره أن بدد المكسب ورأس المال، وجعل يجوب البلاد وافداً على أكابرها، فيكرمون وفادته ويهشون لمقدمه، لما رزقه من طلاقة اللسان، وخفة الروح، وسرعة الخاطر في النظم والنثر، فيطوف ما يطوف ثم يأوي إلى دار الغرقاوي بالمنصورة، إلى أن ورد طندتا سنة ١٢٩٣، واتصل بشاهين باشا كنج مفتش الوجه البحري إذ ذاك، ولاتصاله به سبب لا بأس من ذكره: وهو أن الباشا المذكور كان بينه وبين الشيخ محمد الجندي أحد العلماء بالمسجد الأحمدي صحبة وتزاور، وكان الشيخ يحب الغناء ويطرب له، ولذلك كان يستحضر فتى حلاقاً حسن الصوت ليغني له في داره، فأمر مرة أن يغني بحضرة الباشا، فغنى بقول المترجم:
سلوه عن الأرواح فهي ملاعبه … وكفوا إذا سل المهند حاجبه
стр. 3988
وعودوا إذا نامت أراقم شعره … وولوا إذا دبت إليكم عقاربه
ولا تذكروا الأشباح بالله عنده … فلو أتلف الأرواح من ذا يطالبه
أراه بعيني والدموع تكاتبه … ويحجب عني والفؤاد يراقبه
فهل حاجة تدني الحبيب لصبه … سوى زفرة تثنى الحشا وتجاذبه
فلا أنا ممن يتقيه حبيبه … ولا أنا ممن بالصدود يعاتبه
ولو أن طرفي أرسل الدمع مرة … سفيراً لقلبي ما توالت كتائبه
وكان كثيراً ما يتغنى بها، فطرب الباشا طرباً شديداً، واستظرف قائل الأبيات وتمنى رؤيته، فأرسلوا له بالحضور. فلما حضر إلى طندتا، وواجهه استقبح صورته، إلا أنه أعجبه ظرفه وأدبه ومال إليه، فاتخذه نديماً لا يمل، ورفيقاً حيث حل. فلما استقرت به النوى وملأ يده من الباشا، استعداه على أبي سعدة الذي كان يقرئ أطفاله، وادعى أنه أخر له ثلاثين ديناراً من أجرة التعليم، فأمر الباشا بأشخاصه إلى طندتا، وألزمه أن يدفع للمترجم مائة جنية، فدفعها عن يد وهو صاغر. وكان مجلس شاهين باشا محط رجال الأدباء ومنتجع الشعراء والندماء، لا يخلو من مطارحات أدبية ومساجلات شعرية، وللمترجم بينهم المقام الأعلى والقدح المعلى. وحسبك ما وقع له من طائفة (الأدباتية) وهم مشهورون بالقطر المصري يستجدون الناس في الطريق بإنشاد الأزجال والضرب على الطبل، وأغلب أزجالهم مرتجلة في مقتضى الحال. فكان للمترجم معهم يوم مشهود ذكره في مجلة الأستاذ
ثم اتصل المترجم بالبيك التتونجي فجعله وكيلا على ضياعه، وما زال حتى لحق بالإسكندرية مسقط رأسه ومنبت غرسه، وكان منه ما سنقصه عليك
تلك خلاصة ترجمته في أول أمره ومبتدأ خبره، وكان القطر المصري في تلك الأثناء في اضطراب وهرج ومرج من اختلال الأحوال وفساد الحكام واعتلاء الإفرنج على الأهلين، وقد سئم الناس حكم إسماعيل باشا وتمنوا زوال دولته، فلما وفد المترجم على الثغر رأى لفيفاً من الشبان ألفوا جمعية سموها (بمصر الفتاة) يتآمرون فيها سراً خوفاً من بطش الخديو، فعرف منهم البعض، واشتغل بالكتابة في صحب الأخبار، فأعجب الكتاب بمقالاته، واقتدوا به في تحسين الإنشاء، وكان سقيما منحطاً في ذلك العهد. ثم سعى مع جمع من
стр. 3989
الأدباء فألفوا جمعية سموها (بالجمعية الخيرية الإسلامية) سنة ١٢٩٦ آخر سني إسماعيل باشا في الحكم وجعلوه مدير مدرستها. ثم عزل الخديو وتولى ابنه توفيق باشا، ففرح الناس وظنوا انفراج الأزمة. وجد المترجم واجتهد في إنجاح مسعاه في الجمعية حتى حمل الخديو على زيارة مدرستها، فزارها يوم امتحان تلاميذها، وجعلها في حماية ولي عهده عباس بيك، وأنعم لهم بالمدرسة البحرية يدرسون بها، وأجروا عليها من الحكومة مائتين وخمسين ديناراً في السنة مساعدة. وطفق المترجم يؤلف القلوب ويحض الأهلين على الالتئام بالمقالات والخطب ينفثها قلمه ولسانه، وألف قصة تمثيلية سماها (الوطن وطالع التوفيق) وأخرى سماها (العرب) شرح فيهما ما كانت عليه حالة القطر وما طرأ عليه، ثم مثلهما هو وتلاميذه بأحد ملاعب لثغر بحضور الخديو، فكان لهما تأثير كبير في النفوس، واشتهر المترجم وعلا كعبه، ولهج الناس بذكره، ثم طرأ فساد على الجمعية سبوه إليه فانفصل منها، وكان شرع في إنشاء صحيفة سماها (التنكيت والتبكيت) مزج فيها الهزل بالجد، ظهر أول عدد منها في ٨ رجب سنة ١٢٩٨، وظهر في أثناء ذلك وميض الثورة العرابية من خلل الرماد، فوافقت هوى في نفس المترجم لميله إلى الشهرة وبعد الصيت، فضموه إليهم وشدوا أزرهم به، فملأ صحيفته بمحامدهم، ودعا إلى القيام بناصرهم، وخطب الخطب المهيجة ونظم القصائد الحماسية، وندب الوطن ورثاه، وحض على الاجتماع والتكاتف ونبذ أضاليل الإفرنج، فأثرت قالته في النفوس وأشربتها القلوب، وادعى الشرف وانتسب إلى الإمام الحسن السبط ﵁، والله أعلم بتلك النسبة، فقد رأيت كثيرين ممن عرفوه ينكرونها. ثم أوقف صحيفته بعد أن ظهر منها ثمانية عشر عدداً آخرها تاريخه ٢٣ ذي القعدة سنة ١٢٩٨ وكانت أسبوعية تظهر يوم الأحد. وانتقل إلى القاهرة وهي جذوة من نار، وغير اسم صحيفته بأمر عرابي باشا كبير الثوار فسماها (الطائف) تيمناً باسم بلدة بالحجاز مشهورة، وتفاؤلاً بأنها تطوف المسكونة كما جابتها جوائب احمد فارس. واسترسل المترجم مع رجال الثورة حتى صار جذيلها المحك، وعذيقها المرجب، ولقبوه بخطيب الحزب الوطني. وقام سراة القطر وأعيانه يعقدون المجتمعات ويولمون الولائم للعرابيين ويدعون المترجم للخاطبة، فكانت له بها المواقف المشهودة، والأيام المعدودة، حتى استفحل الأمر وقامت الحرب بالإسكندرية بين الإنكليز والمصريين يوم الثلاثاء ٢٥
стр. 3990
شعبان سنة ١٢٩٩. فسافر المترجم إليها مع جماعة من رؤساء الجند وبات بها ليلة، ثم لحق بعرابي باشا وقد انهزم إلى كفر الدوار، ثم انتقل معه إلى التل الكبير وهو ينشئ صحيفة الطائف بالمعسكر فيضمنها أخبار الانتصار ويحشوها بالأكاذيب تهدئة للأفكار، حتى وقعت الهزيمة الكبرى على المصريين بالتل الكبير، ففر عرابي باشا وعلي باشا الروبي ومعهما المترجم إلى القاهرة يوم الأربعاء ٢٩ شوال من السنة المذكورة، واتفقوا على إرساله إلى الإسكندرية بكتاب يطلبون به العفو من الخديو فسافر به يوم الخميس، ولما وصل إلى كفر الدوار بلغه القبض على زعماء الثورة ودخول الإنكليز القاهرة. فعاد إليها ليلا وبقى في داره بجهة العشماوي إلى الصباح، وخرج مع والده وخادمه فركبوا عجلة وقصدوا بولاق، ورآه شاهين أفندي فؤاد المفتش بالمصرف العقاري، وهو من مماليك عباس باشا وآلي مصر فظنه غير مطلوب، قال ولولا ذلك لقبضت عليه. فلما وصلوا إلى بولاق ودعه أبوه واختفى هو وخادمه ولم يظهر لهما أثر، فأقام مختفياً نحو تسعة أعوام لا يهتدي إلى مكانه، وقد أعيى الحكومة المصرية أمره حتى جعلوا ألف دينار لمن يرشد إليه، وبثوا عليه العيون فلم يظفروا منه بطائل، فلما أعيتهم الحيل حكموا عليه بالنفي مدة حياته من القطر المصري، ويئس أصحابه من وجوده، وأشيع القبض عليه وخنقه سراً، ومنهم من أشاع موته حتف أنفه، ومنهم من أشاع هربه إلى بلاد الإفرنج، فعد اختفاؤه من الأمور الغريبة، ولا غرو فأمره غريب من أوله.
القبض عليه
وكان يتردد على بلدة الجميزة (مركز السنطة) رجل يقال له حسن الفرارجي كان منتظماً في العسكر، ثم استخدم جاسوساً سرياً، فأبصر رجلاً أنكر حاله لما رآه عليه من سيما الاختفاء، ورجح أنه عبد الله نديم، فكتب إلى الديوان الخديوي ينبئهم بوجود رجل من العرابيين مختف بالجميزة، وأسرع إلى ديوان الداخلية فأوضح لهم أمره فأعطوه ورقة بحليته، فلما تحقق منه أخبرهم به، فأمروا بالقبض عليه، وحضر من المديرية محمد أفندي فريد وكيل (الحكمدار) ومعه نفر من الشرطة ستروا ملابسهم بثياب أخرى، فأحاط بعضهم بالبلدة متفرقين، وصعد وكيل الحكمدار مع الآخرين على تل مشرف على أفنية الدور، وأحسن المترجم بتلك الحركة، فأوجس في نفسه خيفة، وأراد الانتقال إلى دار أخرى فأخذ
стр. 3991
عيبته على، كتفه وصعد على سطح المكان فأبصره الذين على التل، فصاحوا وصوبوا بنادقهم عليه، وأمروه بالنزول فنزل، ثم أحاطوا بالدار، وطرقوا الباب طرقاً عنيفاً وأيقن المترجم انه مأخوذ لا محالة، ففتحه لهم، وواجههم متجلداً، فسأله محمد أفندي فريد عن اسمه فقال له: سبحان الله أتجهل اسمي وأنت مأمور بالقبض عليّ، أنا عبد الله نديم ذو الذنب العظيم، وعفو مولاي الخديو أعظم، سلمت أمري لله، فقبضوه هو وخادمه وأعماهم الله عن كتبه وأوراقه، ولولا ذلك لأصابه شر عظيم بسبب أهاجيه القبيحة في الخديو وأسرته، وكان القبض عليه في ٢٩ صفر سنة ١٣٠٩، ولم ينل الواشي به شيئاً من الجعل لفوات الأجل المضروب للمكافأة، ثم استاقوهما إلى المركز، وسألوه عمن اختفى عندهم، فلم يقر بأحد، وسألوا خادمه وضربوه، فأقر بالبعض ونقلوهما إلى المديرية بطندتا، فسجنا بعض أيام، ووكيل النيابة بالمحاكم يوالي سؤالهما، وانتهى الأمر بعفو الخديو عنه وعمن آواه ونفيه خارج القطر.
نفيه
فاختار يافا ثغر القدس الشريف ووصلها في غروب يوم الجمعة ١٢ ربيع الأول، ونزل عند السيد علي أفندي أبي المواهب مفتيها، ولما دخل دارهوعرفه بنفسه قام واعتنقه وضحك وبكى. فأقام عنده شهراً، ثم اتخذ له داراً وعرفه أعيانها وفضلاؤها، وأكرموه وواسوه جزاهم الله خيراً. ثم رحل رحلته إلى نابلس وسبطيه وقلقيلا وغيرها من البلاد الفلسطينية. واجتمع بطائفة السامرة واطلع على كتبهم ومعتقداتهم كما رأيته بخطه في كتابه أرسله لأحد أصدقائه في مستهل رمضان. ولم يزل مقيما بيافا حتى مات الخديو وتولى ولده عباس باشا في جمادى الثانية، فعفا عنه وأباح له العود إلى مصر. قال في آخر ذلك الكتاب (عزمنا على الحضور بعد العيد إن شاء الله تعالى، فإن موسم سيدنا موسى الكليم يعمل في نصف شوال، ولا أحضر حتى أزوره مرة ثانية فإنه صاحب الأمر بالعفو عني، وإن كان الظاهر خلافه، وذلك أني عند دخولي حضرته الشريفة أنشدته في الحال:
رجوتك يا كليم الله حاجا … أرجيها وقد حققت فضلك
فقل لي مثلما لك قبل أوحى … اله الخلق قد أوتيت سؤلك
فرأيته ليلا يقول لي (قم روح) ثلاثاً، وكانت ليلة ٣ رجب وهو تاريخ صدور الأمر).
стр. 3992
انتهى ما نقلته من خطه.
عودته إلى القاهرة
ولما عاد إلى مصر استوطن القاهرة، وأنشأ مجلة الأستاذ في شهر صفر سنة ١٣١٠، فبرزت موشحة ببديع مقالاته وغرر أزجاله وموشحاته. وبدت الوحشة في أثناء ذلك بين الخديو والإنكليز، وكان ما كان من عزله صنيعتهم مصطفى فهمي باشا كبير الوزراء ومعاكستهم فيما يريدون. فقام المترجم يستنهض الهمم ويحض على موازرة الخديو ونبذ طاعة سواه، وكتب في ذلك المقالات الطويلة بالأستاذ حتى أحفظ الإنكليز وخشوا من اتساع الخرق لمكانته السابقة من النفوس، وسعى حساده بما سعوا ولفقوا ما لفقوا، فأوقفوا مجلته في شهر ذي القعدة من السنة المذكورة وأعادوه إلى يافا منفياً بعد أن أعطوه أربعمائة دينار، وأجروا عليه خمسة وعشرين كل شهر، واشترطوا أن لا يكتب بشأن مصر كلمة، ولم ينفعه الخديو لقصر يده.
نفيه إلى يافا
فلما استقر المترجم بيافا لم يسلم من السعاية به لدى السلطان، فأمر بإبعاده فعاد إلى الإسكندرية متحيراً، ولقد لفظته البلاد لفظ النواة، فسعى له الغازي احمد مختار باشا وساعده حتى قبله السلطان المعظم عبد الحميد بدار السلطنة، واستخدمه في ديوان المعارف ووظف له خمسة وأربعين ديناراً مجيدياً في الشهر، فأمضى بها بقية أيامه شريداً عن وطنه بعيداً عن أهله وخلانه حتى اشتدت عليه علة السل، فلقي حمامه في الرابع من شهر جمادى الأولى سنة ١٣١٤
وفاته
ودفن بمقبرة يحيى أفندي في بشكطاش، وضاعت مؤلفاته ودواوينه ولم يظهر منها إلا جزء من (كان ويكون) كان يطبعه ذيلاً للأستاذ، وكتاب آخر نسبوه إليه اسمه (المسامير) محشو بالهجو القبيح في الشيخ أبي الهدى الصيادي نزيل دار السلطنة، فمضى وكأنه لم يكن ﵀ رحمة واسعة. ومن تألم بعين الاتعاظ في تقلب الأحوال بالمترجم، وما ذاقه من حلو الزمان ومره، وقاساه مدة الاختفاء ثم النفي حتى مات غريباً طريداً، حق له العجب
стр. 3993
وعرف كيف يعبث الزمان بأهل الفضل من بنيه.
ونشأ المترجم فقيراً كما قدمنا، وعاش في قلة فإن أصاب شيئاً بدده بالإسراف، وكان في أول أمره يرتدي الثياب الإفرنجية المعلومة، فلما ظهر بعد الاختفاء لبس الجبة والقفطان واعتم بعمامة خضراء إشارة إلى الشرف، وكان شهي الحديث حلو الفكاهة، إذا أوجز ود المحدث أنه لم يوجز، لقيته مرة في آخر إقاماته بمصر، فرأيت رجلاً في ذكاء إياس، وفصاحة سحبان، وقبح الجاحظ. أما شعره فأقل من نثره، ونثره أقل من لسانه، ولسانه الغاية القصوى في عصرنا هذا، وقد انتخب أخوه عبد الفتاح أفندي جملة صالحة من مقالاته جمعها في كتاب سماه (سلافة النديم) فارجع إليه إن شئت.
ونحن ذاكرون من شعره ما يحتمله المقام، فمن ذلك مرثيته في الخديو محمد توفيق باشا وقد أشار إليها في كتاب أرسل به من يافا في ١٦ جمادى الثانية سنة ١٣٠٩ يقول فيه (غمني وكدرني موت الحضرة الخديوية لأمور: (أولاً) فلعفوه عني وإحسانه إليّ، (ثانياً) لسابقة معروفة معي وتوجهاته السابقة، (ثالثاً) لصغر سنة، (رابعاً) لصغر سن أنجاله، (خامساً) لصغر سنة حرمه وما تقاسيه من حزنها عليه لما كان بينهما من شدة الألفة والمحبة (سادساً) لأنه كان برزخاً بين مصر وبين نكبات إنكلترة وغيرها والله تعلى يجري الأمور على السداد، وسأبعث بمرثية رنانة لحضرة ولدي مصطفى بك ماهر رئيس ترجمة ديوان الحربية ليطبعها وينشرها على حدتها) انتهى ما نقلته من خطه، ولم أقف إلا على ثلاثة أبيات منها ذكرها المترجم بالأستاذ وهي:
ما للكواكب لا ترى في المرصد … والكون أصبح في لباس أسود
عم الكسوف الكل أم فقد الضيا … أم كلنا يرنو بمقلة أرمد
وتاريخها
فملائك الجنات قالت أرخوا … توفيق في عز النعيم السرمدي
١٣٠٩
ومن مختار شعره قوله من قصيدة لم نعثر منها إلا على هذا القدر
سيوف الثنا تصدا ومقولي الغمد … ومن سار في نصري تكلفه الحمد
ومنها
стр. 3994
ومن عجب الأيام شهم أخو حجا … يعارضه غر ويفحمه وغد
ومن غرر الأخلاق أن تهدر الدما … لتحفظ أعراض تكفلها المجد
ويقال أنه نظمها بحضرة شاهين باشا تبكيتاً لمن زعم قصور الشعراء عن معارضة أبي الطيب المتنبي في قوله:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى … عدواً له ما من صداقته بد
قلت: بين القولين فرق ظاهر للمتأمل، وأين الثريا من يد المتناول؟ ومن شعره قوله أيام اختفائه، وكتب بها إلى صديق له يسليه على نازلة نزلت به:
يا صاحبي دع عنك قول الهازل … واسمع نصيحة عارف بالحاصل
اجهل تجد صفو الزمان فإنه … من قسمة الفدم الغبي الجاهل
ودع التعقل بالتغفل يستقم … أرم المعاش فحظه للغافل
وارض البلادة تغتنم من بابها … مالاً وجاهاً بعد ذكر خامل
وإذا أبيت سوى العلوم فلا تضق … بحروب دهر لا يميل لفاضل
قلب تواريخ الأولى سبقوا تجد … دنياك ما قيدت بغير الباطل
تجد الأفاضل في الزوايا كلهم … حال الحياة وبعدها بمحافل
العلم ستر كالسحاب به ترى … شمس الحقيقة خلف ذاك الحائل
هل أبصرت عيناك ديواناً به … مدح البليغ جميل سعد حافل
إن قلت أي، فاذكر لنا من ناله … أولا، فعش كالناس في ذا الساحل
ضدان لا تلقاهما في واحد … مال الغبي وحكمة للكامل
ثم ذيلها بنثر أضربنا عن ذكره. ومنه قوله وضمنها كتاباً كتبه مدة اختفائه لأحد أصدقائه:
وبعد فهذا شرح حالة غائب … عليه من اللطف الخفي ستور
تدور به الأهوال حول مدارها … فيصبر والقلب الرضى صبور
عسى فرج يأتي به الله إنه … على فرجي دون الأنام قدير
стр. 3995
كيف تهدى العروس إلى زوجها في حضرموت؟
مشهد من رواية شعرية تحت الطبع باسم (همام أو في عاصمة
الأحقاف)
للشاعر الحضرمي على أحمد باكثير
ساحة كبيرة أمام بيت العروس (حسن). فيما بعد منتصف الليل يرى هناك جمهور من النساء يصطففن لزفها إلى بيت (همام) تتوسطهن (حسن) عليها غطاء لا ترى منه. تحيط بهن الوصائف بأيديهن الشموع والمصابيح. تتقدمهن القينات بأيديهن الدفوف وهن يتغنين بينما الجمهور يتحرك ويتجه في سير بطيء إلى جهة بيت (همام):
القينات:
نحن نزُفُّ الشَّمسا … والشمسُ في ضُحاها
فما أجلَّ عُرْسا … يغمره سناها!
الجمهور:
نحن نزُفُّ الشَّمسا … . . . . . .
. . . . . . . . … . . . . . . .
القينات:
نحن نزف الحيا … نحن نزف المُنى!
نحن نزُفُّ الضِّيا … نحن نزف السَّنا
الجمهور:
نحن نزُفُّ الشَّمسا … . . . . . . .
. . . . . . . . … . . . . . . .
القينات:
يا عُصبة الغواني … هلمَّ للتطريبِ!
اشدُون بالأغاني … واهِتفن بالنسيبِ
واضمِدْن بالأماني … دواميَ القلوبِ!
следующие страницы →