Полный текст (65 431 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
عيبته على، كتفه وصعد على سطح المكان فأبصره الذين على التل، فصاحوا وصوبوا بنادقهم عليه، وأمروه بالنزول فنزل، ثم أحاطوا بالدار، وطرقوا الباب طرقاً عنيفاً وأيقن المترجم انه مأخوذ لا محالة، ففتحه لهم، وواجههم متجلداً، فسأله محمد أفندي فريد عن اسمه فقال له: سبحان الله أتجهل اسمي وأنت مأمور بالقبض عليّ، أنا عبد الله نديم ذو الذنب العظيم، وعفو مولاي الخديو أعظم، سلمت أمري لله، فقبضوه هو وخادمه وأعماهم الله عن كتبه وأوراقه، ولولا ذلك لأصابه شر عظيم بسبب أهاجيه القبيحة في الخديو وأسرته، وكان القبض عليه في ٢٩ صفر سنة ١٣٠٩، ولم ينل الواشي به شيئاً من الجعل لفوات الأجل المضروب للمكافأة، ثم استاقوهما إلى المركز، وسألوه عمن اختفى عندهم، فلم يقر بأحد، وسألوا خادمه وضربوه، فأقر بالبعض ونقلوهما إلى المديرية بطندتا، فسجنا بعض أيام، ووكيل النيابة بالمحاكم يوالي سؤالهما، وانتهى الأمر بعفو الخديو عنه وعمن آواه ونفيه خارج القطر.
نفيه
فاختار يافا ثغر القدس الشريف ووصلها في غروب يوم الجمعة ١٢ ربيع الأول، ونزل عند السيد علي أفندي أبي المواهب مفتيها، ولما دخل دارهوعرفه بنفسه قام واعتنقه وضحك وبكى. فأقام عنده شهراً، ثم اتخذ له داراً وعرفه أعيانها وفضلاؤها، وأكرموه وواسوه جزاهم الله خيراً. ثم رحل رحلته إلى نابلس وسبطيه وقلقيلا وغيرها من البلاد الفلسطينية. واجتمع بطائفة السامرة واطلع على كتبهم ومعتقداتهم كما رأيته بخطه في كتابه أرسله لأحد أصدقائه في مستهل رمضان. ولم يزل مقيما بيافا حتى مات الخديو وتولى ولده عباس باشا في جمادى الثانية، فعفا عنه وأباح له العود إلى مصر. قال في آخر ذلك الكتاب (عزمنا على الحضور بعد العيد إن شاء الله تعالى، فإن موسم سيدنا موسى الكليم يعمل في نصف شوال، ولا أحضر حتى أزوره مرة ثانية فإنه صاحب الأمر بالعفو عني، وإن كان الظاهر خلافه، وذلك أني عند دخولي حضرته الشريفة أنشدته في الحال:
رجوتك يا كليم الله حاجا … أرجيها وقد حققت فضلك
فقل لي مثلما لك قبل أوحى … اله الخلق قد أوتيت سؤلك
فرأيته ليلا يقول لي (قم روح) ثلاثاً، وكانت ليلة ٣ رجب وهو تاريخ صدور الأمر).
стр. 3992
انتهى ما نقلته من خطه.
عودته إلى القاهرة
ولما عاد إلى مصر استوطن القاهرة، وأنشأ مجلة الأستاذ في شهر صفر سنة ١٣١٠، فبرزت موشحة ببديع مقالاته وغرر أزجاله وموشحاته. وبدت الوحشة في أثناء ذلك بين الخديو والإنكليز، وكان ما كان من عزله صنيعتهم مصطفى فهمي باشا كبير الوزراء ومعاكستهم فيما يريدون. فقام المترجم يستنهض الهمم ويحض على موازرة الخديو ونبذ طاعة سواه، وكتب في ذلك المقالات الطويلة بالأستاذ حتى أحفظ الإنكليز وخشوا من اتساع الخرق لمكانته السابقة من النفوس، وسعى حساده بما سعوا ولفقوا ما لفقوا، فأوقفوا مجلته في شهر ذي القعدة من السنة المذكورة وأعادوه إلى يافا منفياً بعد أن أعطوه أربعمائة دينار، وأجروا عليه خمسة وعشرين كل شهر، واشترطوا أن لا يكتب بشأن مصر كلمة، ولم ينفعه الخديو لقصر يده.
نفيه إلى يافا
فلما استقر المترجم بيافا لم يسلم من السعاية به لدى السلطان، فأمر بإبعاده فعاد إلى الإسكندرية متحيراً، ولقد لفظته البلاد لفظ النواة، فسعى له الغازي احمد مختار باشا وساعده حتى قبله السلطان المعظم عبد الحميد بدار السلطنة، واستخدمه في ديوان المعارف ووظف له خمسة وأربعين ديناراً مجيدياً في الشهر، فأمضى بها بقية أيامه شريداً عن وطنه بعيداً عن أهله وخلانه حتى اشتدت عليه علة السل، فلقي حمامه في الرابع من شهر جمادى الأولى سنة ١٣١٤
وفاته
ودفن بمقبرة يحيى أفندي في بشكطاش، وضاعت مؤلفاته ودواوينه ولم يظهر منها إلا جزء من (كان ويكون) كان يطبعه ذيلاً للأستاذ، وكتاب آخر نسبوه إليه اسمه (المسامير) محشو بالهجو القبيح في الشيخ أبي الهدى الصيادي نزيل دار السلطنة، فمضى وكأنه لم يكن ﵀ رحمة واسعة. ومن تألم بعين الاتعاظ في تقلب الأحوال بالمترجم، وما ذاقه من حلو الزمان ومره، وقاساه مدة الاختفاء ثم النفي حتى مات غريباً طريداً، حق له العجب
стр. 3993
وعرف كيف يعبث الزمان بأهل الفضل من بنيه.
ونشأ المترجم فقيراً كما قدمنا، وعاش في قلة فإن أصاب شيئاً بدده بالإسراف، وكان في أول أمره يرتدي الثياب الإفرنجية المعلومة، فلما ظهر بعد الاختفاء لبس الجبة والقفطان واعتم بعمامة خضراء إشارة إلى الشرف، وكان شهي الحديث حلو الفكاهة، إذا أوجز ود المحدث أنه لم يوجز، لقيته مرة في آخر إقاماته بمصر، فرأيت رجلاً في ذكاء إياس، وفصاحة سحبان، وقبح الجاحظ. أما شعره فأقل من نثره، ونثره أقل من لسانه، ولسانه الغاية القصوى في عصرنا هذا، وقد انتخب أخوه عبد الفتاح أفندي جملة صالحة من مقالاته جمعها في كتاب سماه (سلافة النديم) فارجع إليه إن شئت.
ونحن ذاكرون من شعره ما يحتمله المقام، فمن ذلك مرثيته في الخديو محمد توفيق باشا وقد أشار إليها في كتاب أرسل به من يافا في ١٦ جمادى الثانية سنة ١٣٠٩ يقول فيه (غمني وكدرني موت الحضرة الخديوية لأمور: (أولاً) فلعفوه عني وإحسانه إليّ، (ثانياً) لسابقة معروفة معي وتوجهاته السابقة، (ثالثاً) لصغر سنة، (رابعاً) لصغر سن أنجاله، (خامساً) لصغر سنة حرمه وما تقاسيه من حزنها عليه لما كان بينهما من شدة الألفة والمحبة (سادساً) لأنه كان برزخاً بين مصر وبين نكبات إنكلترة وغيرها والله تعلى يجري الأمور على السداد، وسأبعث بمرثية رنانة لحضرة ولدي مصطفى بك ماهر رئيس ترجمة ديوان الحربية ليطبعها وينشرها على حدتها) انتهى ما نقلته من خطه، ولم أقف إلا على ثلاثة أبيات منها ذكرها المترجم بالأستاذ وهي:
ما للكواكب لا ترى في المرصد … والكون أصبح في لباس أسود
عم الكسوف الكل أم فقد الضيا … أم كلنا يرنو بمقلة أرمد
وتاريخها
فملائك الجنات قالت أرخوا … توفيق في عز النعيم السرمدي
١٣٠٩
ومن مختار شعره قوله من قصيدة لم نعثر منها إلا على هذا القدر
سيوف الثنا تصدا ومقولي الغمد … ومن سار في نصري تكلفه الحمد
ومنها
стр. 3994
ومن عجب الأيام شهم أخو حجا … يعارضه غر ويفحمه وغد
ومن غرر الأخلاق أن تهدر الدما … لتحفظ أعراض تكفلها المجد
ويقال أنه نظمها بحضرة شاهين باشا تبكيتاً لمن زعم قصور الشعراء عن معارضة أبي الطيب المتنبي في قوله:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى … عدواً له ما من صداقته بد
قلت: بين القولين فرق ظاهر للمتأمل، وأين الثريا من يد المتناول؟ ومن شعره قوله أيام اختفائه، وكتب بها إلى صديق له يسليه على نازلة نزلت به:
يا صاحبي دع عنك قول الهازل … واسمع نصيحة عارف بالحاصل
اجهل تجد صفو الزمان فإنه … من قسمة الفدم الغبي الجاهل
ودع التعقل بالتغفل يستقم … أرم المعاش فحظه للغافل
وارض البلادة تغتنم من بابها … مالاً وجاهاً بعد ذكر خامل
وإذا أبيت سوى العلوم فلا تضق … بحروب دهر لا يميل لفاضل
قلب تواريخ الأولى سبقوا تجد … دنياك ما قيدت بغير الباطل
تجد الأفاضل في الزوايا كلهم … حال الحياة وبعدها بمحافل
العلم ستر كالسحاب به ترى … شمس الحقيقة خلف ذاك الحائل
هل أبصرت عيناك ديواناً به … مدح البليغ جميل سعد حافل
إن قلت أي، فاذكر لنا من ناله … أولا، فعش كالناس في ذا الساحل
ضدان لا تلقاهما في واحد … مال الغبي وحكمة للكامل
ثم ذيلها بنثر أضربنا عن ذكره. ومنه قوله وضمنها كتاباً كتبه مدة اختفائه لأحد أصدقائه:
وبعد فهذا شرح حالة غائب … عليه من اللطف الخفي ستور
تدور به الأهوال حول مدارها … فيصبر والقلب الرضى صبور
عسى فرج يأتي به الله إنه … على فرجي دون الأنام قدير
стр. 3995
كيف تهدى العروس إلى زوجها في حضرموت؟
مشهد من رواية شعرية تحت الطبع باسم (همام أو في عاصمة
الأحقاف)
للشاعر الحضرمي على أحمد باكثير
ساحة كبيرة أمام بيت العروس (حسن). فيما بعد منتصف الليل يرى هناك جمهور من النساء يصطففن لزفها إلى بيت (همام) تتوسطهن (حسن) عليها غطاء لا ترى منه. تحيط بهن الوصائف بأيديهن الشموع والمصابيح. تتقدمهن القينات بأيديهن الدفوف وهن يتغنين بينما الجمهور يتحرك ويتجه في سير بطيء إلى جهة بيت (همام):
القينات:
نحن نزُفُّ الشَّمسا … والشمسُ في ضُحاها
فما أجلَّ عُرْسا … يغمره سناها!
الجمهور:
نحن نزُفُّ الشَّمسا … . . . . . .
. . . . . . . . … . . . . . . .
القينات:
نحن نزف الحيا … نحن نزف المُنى!
نحن نزُفُّ الضِّيا … نحن نزف السَّنا
الجمهور:
نحن نزُفُّ الشَّمسا … . . . . . . .
. . . . . . . . … . . . . . . .
القينات:
يا عُصبة الغواني … هلمَّ للتطريبِ!
اشدُون بالأغاني … واهِتفن بالنسيبِ
واضمِدْن بالأماني … دواميَ القلوبِ!
стр. 3996
الجمهور:
نحن نزُفُّ الشَّمسا … . . . . . . .
. . . . . . . . … . . . . . . .
القينات:
حيِّين بالسَّلام … هذا الشُّعاع المسكُوبْ
وافنأْنَ بالأنغام … كل حزين منكوبْ
الجمهور:
نحن نزُفُّ الشَّمسا … . . . . . . .
. . . . . . . . … . . . . . . .
القينات:
روائحُ الجِنَانِ … تعبَقُ من هذي الدُّورْ
كأنما المغاني … أمسَتْ مراقِصَ الحُورْ!
الجمهور:
نحن نزُفُّ الشَّمسا … . . . . . . .
. . . . . . . . … . . . . . . .
القينات:
نحن نزفُّ الملَكْ … في صورة الإِنسانْ!
يجلو ظلام الحلَكْ … ويقَشع الأحزانْ
فهل لديكم فلَكْ … بنورِه يزْدَانْ؟!
الجمهور:
نحن نزُفُّ الشَّمسا … . . . . . . .
. . . . . . . . … . . . . . . .
القينات:
يا قمر السماء … غُضَّ الجفون أغْضِ!
بالذِّكر والأسماء … عوَّذْتُ بَدْرَ الأرض
стр. 3997
الجمهور:
نحن نزُفُّ الشَّمسا … . . . . . . .
. . . . . . . . … . . . . . . .
(على مقربة من بين (همام))
القينات:
سُقْنَ إلى هُمامِ … جمالَ هذا النّادي
واحدُونَ للضِّرْغامِ … لباةَ هذا الوادي!
الجمهور:
نحن نزُفُّ الشَّمسا … . . . . . . .
. . . . . . . . … . . . . . . .
(في الطابق العلوي من دار الزوج (همام) حيث تستقبل نسوة الدار النسوة اللاتي زففن العروس. تنحاز نسوة الدار إلى جهة، ونسوة الزفاف إلى جهة، والقينات في الوسط يضربن بالدفوف.)
القينات:
ألْيُمْنُ والإِقبالُ … والسَّعد والسعادَةْ
للمُعْرِسَيْنِ فالُ … والفضل والزيادة
شاعرة نسوة الزفاف ثم سائرهن:
نحن نزف الحُسْنا … نحن نزف بٌلْقَيْس
نحن نزف لُبْنى … فهل لديكم من قَيْس
شاعرة نسوة الدار مجيبة، ثم سائرهن وهكذا في باقي الأبيات:
هُمامنا كالمأمو … ن إن زففتُم بُوران
وإن تكُن بُلقَيساً … فإنّه سُليمان!
نسوة الزفاف: النَّصر للعروسَهْ
نسوة الدار: بل هو للعروسِ
نسوة الزفاف: للدُّرَّة النفيسة
стр. 3998
نسوة الدار: للجوهر النفيسِ
نسوة الزفاف:
للحُرَّة المَصُونهْ … وربّة الجمالِ
للدرة المكنونهْ … واسطةِ اللآلي!
نسوة الدار:
لِمَفْخَر المدينهْ … لسيِّد الرجالِ
الناسُ يعرفونهْ … بِكرَم الخِلال!
نسوة الزفاف:
النُّورُ والشُّعاعُ … ووَهَجُ الشُّموسِ
والجوهر اللَّمّاعُ … وحَبَبُ الكؤُوسِ
جميعُها أشياعُ … لهذه العَروسِ!
نسوة الدار:
المجدُ والكمالُ … وكرم الأخلاق
والقولُ والفعالُ … وحَسَبُ الأعراقِ
جميعهنَّ آلُ … عروسِنا الغَيْداق
القينات:
كِلا العَروسَيْن زَيْن … للمجد والعلاءِ
فلا تفاضِلْنَ بيْن … سراجَي السماءِ!
أين المجرّة؟ أين … كواكب الجوزاءِ؟
أصوغهنَّ لِذَيْن … تاجَيْنِ بالسَّواء
القينات ثم الجميع بصوت واحد:
يا رب بارِكْهُما … في ذا الزواج السَّعيدْ
واجعلْ زمانَهما … كأنّه يوم عِيد
وانفحمها بالوَلَدْ … مثل دراري النجومْ!
في ظل عيش رَغَدْ … وفي صفاء يدومْ
стр. 3999
على أحمد باكثير
стр. 4000
في الأدب الفرنسي
٤ - الدوق دي لاروشفوكو
للدكتور حسن صادق
ومن يوم أن غشى صالون المركيزة دي سابليه، شعر بميل شديد إلى كتابة الحكم والمواعظ، وبد في هذا النوع من الأدب ربة البيت وجاك إسبريه. وهذا أول نجاح صادفه في حياته وبعث السرور في دخيلته. وكان من القواعد المألوفة في هذه المجالس أن الإنسان إذا أراد أن يكتب للجمهور، وجب عليه أن يستنير برأي زملائه. وقد ذكر ذلك سجريه فقال: (كان من الواجب على الذين يكتبون للجمهور أن يطلعوا أصدقاءهم على ما يكتبون لإصلاحه وتهذيبه. وقد اتبع الدوق دي لاروشفوكو هذه القاعدة في مذكراته وفي مواعظه. فكان يرسل إلى ما يكتبه ويسألني أن أحتفظ بالكراسات خمسة أو ستة أسابيع حتى يتسنى له إنعام النظر فيها. ومن هذه المواعظ ما تغير أكثر من ثلاثين مرة)
وكثيراً ما كان يستشير المركيزة ويسألها أن تبدي رأيها فيما يكتب، ومما يثبت ذلك أنه كتب إليها في أحد الأيام يقول: (لا يصح أن تسمى هذه المواعظ بهذا الاسم إلا إذا وافقت عليها. إنك لا تستطيعين إنكارها، لأن الكثير منها يرجع إليك). وقد بلغ من اهتمام المركيزة بهذه المواعظ أنها نقلتها وأطلعت عليها كثيراً من أصدقائها في غيبة المؤلف وجمعت آراءهم في أسلوبها ومعانيها.
وقضى عام ١٦٦٤ في مراجعة كل مواعظه وتهذيب أسلوبها وعاونه على ذلك جاك إسبريه والمركيزة دي سابليه. وفي عام ١٦٦٥ ظهر الكتاب، أي في السنة التي ظهرت فيها قصص لافونتين المشهورة. وهذا الشاعر سيكون موضوع حديثنا في المقال الآتي
وعقب نشر هذه المواعظ، اتجهت المركيزة إلى العبادة وتوددت إلى الدوقة دي لونجفيل، فأعرض عنها لاروشفوكو بعد هذه الصلة الوثيقة التي استمرت خمسة أعوام. ثم شاء القدر أن يقضي أعوامه الأخيرة في هدوء وسعادة، فساق إليه الكونتس دي لافاييت تخلص له الود والوفاء وتهدهد نفسه الحزينة في شيخوخته
وفي عام ١٦٦٧ خاض غمار الحرب لآخر مرة في حصار ليل على الرغم من مرضه. ثم اشتدت عليه وطأة الداء فكف عن زيارة البلاط وراض نفسه على أن يقضي بقية أيامه في
стр. 4001
الراحة العذبة بجانب صديقته التي شهد لها بوالو بالتفوق في الأدب والنبوغ في الكتابة
وكان يجتمع في بيته الكتاب والشعراء. فكورني قرأ في صالونه قصة (بولشيري)، وراسين قصة (اسكندر)، وبوالو كتابه (الفن الشعري)، وموليير (النساء العالمات) هذه الكوميديا المشهورة التي قيل في ذلك الحين إنها سخرية من مدام دي سفنييه ومدام دي لافاييت.
وشغل أعوامه الأخيرة في تنقيح كتابه الصغير (مواعظ). فالطبعة الأولى في عام ١٦٦٥ وبها ٣٠٧ مواعظ، والطبعة الثانية في ١٦٦٦ وبها ٣٠٢ موعظة، والثالثة في عام ١٦٧١ وبها ٣٤١ موعظة، والرابعة ١٦٧٥ وبها ٤١٣ موعظة، والخامسة في عام ١٦٧٨ وبها ٥٠٤ مواعظ، وفي هذه السنة الأخيرة نشرت حكم المركيزة دي سابليه وكتاب جاك إسبريه (شوائب الفضائل الإنسانية)
وماتت زوجه في عام ١٦٧٠ فعاشت معه مدام دي لافاييت لا تفارقه إلا لماما، وبفضلها خفت لهجة المواعظ القاسية في طبعتي عام ١٦٧١ وعام ١٦٧٨. ويصح أن نطبق عليها جملة الشاعر الألماني الأكبر (جوت) التي قالها عن (مدام دي ستيل) إنها تحيل المرارة إلى عذوبة). ساعدته على تنقيح مواعظه، وساعدها على كتابة قصصها وعلى الأخص قصتها المشهورة التي خلدت ذكرها وهي (الأميرة دي كليف). وقد اعترفت بذلك وقالت (استفدت من عقله، ولكني أصلحت قلبه). أصلحت قلبه لأنها أخلصت له الحب وهيأت له أسباب السعادة
وفي شهر يونيو عام ١٦٧٢ جرح ابنه الأكبر في موقعة الرين جرحاً بليغاً وقتل فيها ولده الرابع والكونت دي سان بول ابنه غير الشرعي من الدوقة دي لونجفيل، فانتابه حزن أليم. وذكرت مدام دي سفنييه هذه الحادثة لابنتها في إحدى رسائلها (كنا عند مدام دي لافاييت لما بلغه ما أصاب أولاده، فسالت دموعه من أعماق قلبه على خديه. . . رأيت قلبه عاريا في هذا الظرف القاسي فعرفت فيه قلب رجل شجاع ثابت الجنان راجح العقل وافر الحنان)
ولما ماتت أمه في عام ١٦٧٨، وكان يحبها حباً شديداً، كتبت مدام دي سفنييه إلى ابنتها تقول: (رأيته يبكي في حنان جعلني أعبده)
وبكاؤه أولاده وأمه شيء عادي لا يستحق الذكر. وإنما ذكرته مدام دي سفنييه لأن الناس
стр. 4002
اعتقدوا أن هذا الرجل الذي أنكر العواطف الإنسانية في كتابه، غليظ القلب عار من العواطف، فأرادت أن تمحو ما وقر في أذهانهم وتبرهن لهم على خطأ اعتقادهم
وذات مرة فاجأته مدام دي سفنييه (متلبساً بالحنان) إذ سمع قصة تدل على الشجاعة ونبل العاطفة في أشد المواقف هولاً فبكى. وفي هذا تقول: (إنه يبكي نفسه بإعجابه بنبل هذه العاطفة) وأوحت إليه هذه القصة إحدى مواعظه: (يشعر الإنسان بأن له نصيباً في الأعمال الجميلة إذا مدحها بقلب خالص)
وقبل موته بقليل عرض عليه (هويه) أحد معلمي ولي العهد الدخول في مجمع العلماء، فاعتذر من القبول بالمرض. ولكن (هويه) يقول في مذكراته إن سبب رفضه يرجع إلى خجله الشديد في حضرة الجمهور
وفي أوائل شهر مارس عام ١٦٨٠ استبد به الداء، فعاده جميع الأطباء النابهين، ثم دعي (تالبوت) الطبيب الإنجليزي المشهور لعلاجه، ولكن الطب عجز عن قهر المرض. وفي ١٥ مارس كتبت مدام دي سفنييه إلى ابنتها تنبئها بحالة الدوق وتظهر لها إعجابها بهدوء نفسه واطمئنانه إلى لقاء الموت
وفي يوم ١٦ مارس استوفى أنفاسه ليلا بين ذراعي بوسويه، وهو في السابعة والستين من عمره، أي بعد موت الدوقة دي لونجفيل بعام، وبعد نشر قصة مدام دي لافاييت (أميرة دي كليف) بعامين وقد خلف لأولاده ديناً كبيراً على الرغم من ثروته الهائلة. ولكن ابنه الأكبر فرنسوا السابع نال بحكمته عطف الملك وحبه، وأصلح بمعونته ما أفسده أبوه
صفاته
ذكرنا في تاريخ حياته أنه وصف نفسه كتابة في صالون الآنسة دي مونبانسييه، ونشر هذا المقال عام ١٦٥٩، فكان أول عهد الجمهور بآثار هذا الكاتب الأدبية. وقد استهله بوصف دقيق لقامته وشعره ورأسه وأسنانه، ثم قال: (يحمل وجهي سمة الحزن وطابع العزة، وهذا ما يجعل الناس يعتقدون خطأ أن من طبعي ازدراءهم. ومزاجي تستقر فيه الكآبة وتألفه، ولم يرني أحد من الناس أضحك أثناء ثلاثة أعوام أو أربعة إلا ثلاث مرات أو أربع، ويخيل إلي أني كنت أحتمل اكتئاب مزاجي وأجد فيه بعض الراحة والهدوء لو لم يستطب صحبتي اكتئاب آخر يملأ مخيلتي ويستبد بفكري، ويجعلني أقضي جل وقتي إما صامتاً
стр. 4003
حالما وإما متكلما دون أن ألقى بالي إلى ما أقول)
وليس من العسير أن نجد سبب هذا الاكتئاب الآخر، فإن ذكريات الحرب الأهلية تركت في نفسه أثراً أليما، وولدت في دخيلته الاكتئاب الباطني الذي غمر (مواعظه) فبدت للناس قاتمة حزينة.
يتبع
حسن صادق
стр. 4004
العُلوم
النظريات الحديثة في تعيين الجنس ذكر أم أنثى
بقلم منير غندور ليسانسييه في العلوم
عندما يولد الطفل يكون قد حدد مصيره، ذكراً كان أم أنثى، من تسعة أشهر، منذ تألفت أول خلية من خلايا الجنين بالتحام خلية كبيرة تقدمها الأم وتسمى بويضة، مع خلية أخرى من الخلايا الكثيرة العدد التي يقدمها الأب، وتسمى خلية منوية (سبارماتوزيد ثم تتضاعف الخلايا وتنمو سائرة في أحد اتجاهين.
ولكن تحت أي تأثير تأخذ الخلية الأولى الاتجاه الأول أو الثاني؟ ترون هنا أهمية معرفة ما يدخل من عوامل لتعيين جنس الجنين من الناحية العلمية البحتة ومن الناحية التطبيقية أيضاً، إذ لا يخفى أنه لو توصلنا إلى معرفة العوامل التي تجعل الذكر ذكراً والأنثى أنثى وطرق استعمالها حسب مشيئتنا (فنوصي) على ذكر أو على أنثى حسب الحاجة لقلبنا النظام البشري الحالي.
إن علم (البيولوجيا) توصل اليوم إلى معرفة هذه العوامل وأزاح كل غطاء عنها، ولكن رجاله لا يزالون يكررون التجارب ليتمكنوا من استخدام هذه العوامل حسب مشيئتهم. وهذه التجارب التي أجريت أخيراً في هذا الصدد، وقد خصها مسيو جان روستان بكلمة أجملها فيها، هي التي بعثتني على الكتابة في هذا الموضوع لأبين العوامل التي تدخل في تعيين الجنين والاتجاه الذي يأخذه علماء البيولوجبيا الحديثين في تجاربهم هذه.
لنأخذ الخلية الأولى المكونة للجنين: لقد أصبح أكيدا اليوم أن هذه ستكون ذكراً أو أنثى تحت تأثير (الكروموزومات) وهذه عبارة عن ذرات متناهية الصغر توجد في نواة كل خلية. وفي الجنس البشري يوجد ثمان وأربعون (كروموزوم) عند المرأة، ٤٦ متشابهة ثم اثنان متشابهان، ولنسمهما وعند الرجل ٤٦ متشابهة ثم اثنان يختلف كل واحد منهما عن الآخر، ولندعهما
أما البويضة و (السبارماتوزيد) فهما لا يحتويان إلا على نصف عدد الكروموزومات الذي تحتويه الخلايا العادية فكل بويضة تحتوي على + ٢٣ أما السبارماتوزيد فـ ٥٠ % من مجموع عدده تحتوي على + ٢٣ و ٥٠ % على + ٢٣.
стр. 4005
إذاً بين السبارماتوزيدات التي يقدمها الأب نوعان مختلفان، نوع يحتوي على + ٢٣ ونوع يحتوي على + ٢٣. وعلى حسب ما تلتقي البويضة بالنوع الأول أو الثاني يكون الكائن الناتج أنثى (بويضة مع سبارماتوزيد) + ٢٣ أو ذكراً (بويضة مع + ٢٣) وفي مجموع الكروموزومات التي يقدمها الأب ٥٠ % من + ٢٣ و ٥٠ % من + ٢٣ فللكروموزوم الأول إذا نفس الإمكانية التي للثاني للالتحام مع البويضة وهما يخضعان في التحامهما مع البويضة، تارة هذا وتارة ذاك للمصادفة في الأعداد القليلة. في الإعداد الكبيرة لقانون - الاحتمال - ونحن نرى أن نسبة عدد الذكور للإناث في العالم يخضع تقريباً لنسبة ١٢ (أعني في المواليد). أما وجود المذكار (المرآة التي عادتها ولادة الذكور) والمثناث (المرأة التي عادتها ولادة الإناث) فهذا لا يعني أكثر مما يعنيه الحصول في لعبة (الروليت) مثلاً على نفس اللون مرات عديدة متتابعة. إذ نسبة مجيء اللون الأول واللون الثاني تبقى خاضعة في الأعداد الكبيرة، ٥٠٠ ألف مرة مثلا، إلى نسبة١٢.
إذاً لقد قال العلم كلمته في هذا الموضوع.
القسم الثاني من هذا البحث هو أن نستطيع إدخال النوع الذي بالتحامه مع البويضة يعطي ذكوراً وحده، والنوع الذي يعطي إناثاً وحده.
أما إدخال الخلايا المنوية الاصطناعي فهذا ما يستطيع أن يقوم به المتمرنون عند الحيوان كما عند الإنسان مع قليل من الاحتياط. ولكن فصل النوعين عن بعضهما لم يتم إلى الآن برغم كل ما أجرى من محاولات.
وأول ما يتبادر إلى الذهن إمكان وجود فرق في الحجم بينهما فنستطيع حينها أن نفصل الأول عن الثاني بسهولة. ولكن شيئاً من هذا لم يلاحظ. وهناك فكرة بثها وقال بتحقيقها عالمان روسيان هما: وهي افتراض أن الكروموزومات تحمل كهربائية على سطحها، كأكثر الذرات الحية المعلقة في وسطها الطبيعي، وأن هذه الحمولة الكهربائية هي سلبية عند نوع وإيجابية عن النوع الثاني. وفي هذه الحالة يكون من السهل فصل هذين النوعين عن بعضهما بمجرد تأثير مجرى كهربائي.
طبق هذا الافتراض على كروموزومات الأرنب، وكانت النتيجة أن الكروموزومات التي وجدت على القطب الإيجابي أي المكهربة سلبياً أدخلت لعشر أرنبات والعشرة أعطت
стр. 4006
ذكوراً، والكروموزومات التي وجدت على القطب السلبي أي المكهربة إيجابياً لعشر أخريات أعطت ثمانية منها إناثاً واثنان ذكوراً. والكروموزومات التي وجدت بين السلبي والإيجابي أعطت ذكرين وأنثيين:
وقد ذكر (جان روستان) الأبحاث الأخيرة التي قام بها طبيب ألماني يدعى في هذا المعنى. ونتيجة هذه الأبحاث هو أن الوسط القلوي يناسب النوع من الكروموزوم الذي يسبب ذكوراً، والوسط القليل الحمض يناسب مسببي الإناث. وهكذا يكفي لكي تحمل الأم ذكراً أن تحقن موضعياً بكربونات الصودا مثلا قبل الجماع. ويؤكد (انتار بارجار) نجاح هذه الطريقة عند الست والأربعين من النساء اللاتي تقدمن إليه خلال سنة ١٩٣٢.
ولكن العلم لا يستطيع الجزم بعد في هذا الموضوع. ولا يمكننا أن نقبل نظرية لها من الأهمية ما لهذه معتمدين على بضع نتائج لم يقم بها إلا فئة قليلة من علماء البيولوجيا. غير أنه لا يبعد أن يصل العلم بعد قليل إلى حقيقة نهائية في هذا الموضوع.
ولنفرض أن العلم وصل إلى هذه الحقيقة فهل ينتج عن إمكان إعطاء ذكر لأي كان؟ لا. فنحن لا نستطيع أن نعطي ذكوراً أو إناثاً إلا لمن نقصتهم الذكور أو الإناث لتصرف الصدفة الوحيد ولكن هناك خلايا منوية، من منتجات الذكور مثلا، تكون ضعيفة التركيب ينقصها شيء أساسي كامن فلا يمكنها الوصول إلى البويضة أو إذا أمكنها ذلك والتحمت معها يقف عند حد ما نحو الجنين، أو يتم ولكنه يولد ذا علة جسمية أو عقلية. والدليل على هذا ما نراه عند المرأة المئناث. فالمرأة التي عادتها ولادة الإناث نراها (في كثير من الأحيان) بغتة، بعد أن تكون وضعت أربع بنات أو خمسا تلد ذكراً ميتاً أو يعيش قليلا ثم لا يلبث أن يموت دون أن تظهر علة ما خارجية. ثم تسقط ذكراً لم يتم نموه ثم ذكراً ميتاً أو ابله.
وهنا أستطيع أن أقول، دون أن أبحث المسألة من وجهتها الفلسفية إن قانون المصادفات الذي تكلمت عنه في البدء والذي يجري على حسبه تلقيح البويضة إما بخلية منوية + ٢٣ أو بخلية منوية + ٢٣ يكون فوقه في تأثيرات وصفات بيولوجية عميقة لا يحيط بها بعد علمنا.
وعلى كل حال فأنتم ترون ما قد يثيره تحقيق هذه الفكرة من مشاكل فلسفية واجتماعية.
стр. 4007
ورأيي أنها لن تتعدى النظريات، وفي هذا، أي تحقيقها النظري عظيم رضى العالم وغايته الوحيدة، وإذا تعدتها للحيوان فهي لن تطبق على الإنسان لأنها لن تزيد في أكثر الأحيان إلا في إشقائه وإكثار المسؤولية التي تقع على كاهله.
منير غندور
стр. 4008
اللانهاية هي شيء كله مساو جزءه
للأستاذ قدري حافظ طوقان
مقدمة
يوجد في بعض فروع المعرفة اصطلاحات وتعبيرات من الصعب جداً تعريفها أو تفسيرها تفسيراً موجزاً في بضع كلمات، وقد لا يستطيع الباحث أو العالم المتضلع أن يعطي إيضاحاً بكلمات قليلة تبين المعنى المقصود بصورة دقيقة جلية واضحة، ولهذا يضطر للتقرب من تعريفها أو لإعطاء فكرة عنها إلى ذكر وشرح بعض خواصها. وقد تبدو التعاريف لبعض الاصطلاحات العلمية لأول وهلة غريبة أو غير معقولة. وإذا جاز للقارئ أن يدهش من الوضع الموجود به تعريف اللانهاية، وإذا جاز له أن يضحك عند قراءته، أقول إذا جاز له كل ذلك يجوز لنا أن نطلب منه التمهل وقراءة المقال بتمعن عسانا - نحن وهو - نلتقي، وعساه بذلك يوافق العلم ويقره، ويعذره حين يضطر إلى وضع تعاريف لبعض الاصطلاحات بصورة قد تبدو غريبة يمجها المنطق في البدء، وقد لا يستسيغها عقل غير المطلعين على الموضوعات التي تحتوي أمثال هذه الاصطلاحات.
إن تعريف اللانهاية يختلف بحسب الميدان الذي تكون فيه، فهي في ميدان الفلسفة والمعنى المقصود منها فيه غيرها في ميدان الرياضيات، غيرها في الدين، غيرها في ميادين الفروع المختلفة المتنوعة
معكوس الصفر
خذ أية كمية محدودة كالواحد مثلاً، ولنقسمه على ٢١ فخارج
القسمة ٢، وإذا قُسم على ٤١ فخارج القسمة ٤، وإذا قسم على
١٠٠١ فالخارج ١٠٠، وإذا قسم على ١٠٠٠١ فالخارج
١٠٠٠، وهكذا كلما صَغُر المقسوم عليه زاد خارج القسمة
وكبر، حتى إذا ما كان أصغر من أية كمية موجبة (صفر)
стр. 4009
كان الجواب أكبر من أية كمية موجبة (كمية لا نهائية)، أي
أن الواحد إذا قسّم على الصفر فالجواب كمية لا نهائية، أي
٠١=كمية لا نهاية ويُرمز لها بهذه العلامة ?، ويمكن وضع
المعنى السابق بهذه الكيفية: وكذلك إذا قسمنا الكمية المحدودة
على كمية لا نهائية فالجواب أصغر من أية كمية موجبة أي
الصفر. من هنا يتبين أن العلاقة متينة بين الصفر واللانهاية،
فالصفر هو في الحقيقة معكوس اللانهاية ومعكوس اللانهاية
هو الصفر.
هذا إيضاح يفسر خاصة من خواص اللانهاية، ويمكن وضع هذه الخاصة بالتعبير الآتي:
إذا قُسّمت أية كمية محدودة على الصفر فالخارج يساوي كمية لا نهائية.
تعريف غريب
لندع هذه الخاصية ولنأخذ غيرها علنا منها نستطيع أن نضع تعريفاً لـ (اللانهاية) وعلنا بذلك نوفر على الراغب في البحث عنها، وفي الوقوف على معناها قراءة صفحات عديدة من كتب الرياضيات وفلسفتها.
خذ المتوالية العددية الآتية: ١، ٢، ٣، ٤، ٥، ٦، ٧، ٨، ٩. . . . . إلى عدد لا نهائي من الحدود فمجموعها كما هو ظاهر كمية لا نهائية.
خذ أيضاً المتوالية الهندسية الآتية وهي غير المجموعة الأولى: ٢، ٤، ٨، ١٦. . . إلى عدد لا نهائي من الحدود، فمجموعها أيضاً يساوي كمية لا نهائية، ومن مراجعة المتواليتين يظهر أن كل حد من المتوالية الثانية موجود في المتوالية الأولى، أي أن المتوالية الثانية هي جزء من الأولى، ومع ذلك فمجموع كل من المتواليتين يساوي كمية لا نهائية، ومن هنا ظهر تعريف اللانهاية بالشكل الآتي: (هي شيء كله مساو جزءه) ومن هنا يظهر أيضاً
стр. 4010
للقارئ السبب الذي اضطر بعض العلماء إلى وضع مثل هذا التعريف الذي قد يبدو غريباً ومثيراً للدهشة وغير معقول
اللانهائي في المحدود
ومن غرائب خاصيات (اللانهاية) التي نجدها في البحوث الرياضية انه قد يتفق (في بعض الأحوال) أن يكون مجموع كميات عددها غير محدود لا نهائي يساوي كمية محدودة. أليس في هذا غرابة؟ أليس في هذا عجب؟ قد لا يصدق القارئ ما نقول ولذا سنوضح معنى ما مر:
خذ العدد الكسري ٣١ وهو كمية محدودة، ولنحوله إلى كسر
عشري فينتج لدينا كسر دائري ٠. ٣ أي ٠.
٣٣٣٣٣٠٠٠٠٠٠ وهذه تساوي ١٠٣ + ١٠٠٣ + ١٠٠٠٣ +
١٠٠٠٠٣ +. . . وهذه الأخيرة تساوي ١٠٣ (١ + ١٠١ +
١٠٠١ + ١٠٠٠١ +. . . إلى حدود عددها لا نهائي) ومن
هنا يتبين أن مجموع كميات عددها لا نهائي يساوي كمية
محدودة
اللانهاية والعلم
والآن قد يتبادر إلى ذهن القارئ أن يسأل ما علاقة العالم باللانهاية؟ وهل اللانهاية حقيقة موجودة؟ وهل يستطيع العقل البشري تصور شيء لا نهائي؟ وجواباً على هذه الأسئلة نقول: إن العلم يقرر (أو يجب أن يقرر) وجود شيء لا نهائي، فالخط يتكون من نقط عددها غير محدود ولا نهائي، والوقت يتكون من عدد غير محدود من اللحظات، ويمكنك أن تقسم المستقيم إلى أقسام لا عديد لها، وأن تستمر في ذلك إلى ما شاء الله.
وقد ظهر للقارئ بجلاء كيف أن مجموع كميات عددها لا نهائي يساوي كمية محدودة، وقد
стр. 4011
لا يكون غريباً إذا قلت أن كثيراً من البحوث الرياضية العالية لا يمكن أن يحاط بها، ولا أن تكون كاملة إلا بـ (اللانهاية)، وكم من الأعمال والمسائل الرياضية تحتاج إلى استعمال اللانهاية إذ لا يمكن حلها إلا بها.
على كل أرجو أن أكون قد وفقت إلى إعطاء فكرة عن اللانهاية، فان كان ذلك فهذا ما قصدت.
نابلس
قدري حافظ طوقان
стр. 4012
القصص
صاحب الملايين الأنموذج
للأديب الإنجليزي أوسكار وايلد
ترجمة الأستاذ بشير الشريقي
لا ينتفع المرء بجمال الشاب إلا مع الغنى؛ البطالة عمل الغني وليست شغل الفقير؛ على الفقراء أن يكدوا في طلب الرزق؛ دخل ثابت خير لك من شبابك الفاتن؛ تلك هي الحقيقة الواحدة في هذا الجيل الحديث، الحقيقة التي لم يدركها (هيوارسكين).
مسكين هيو! إنه ليس بالفتى صاحب الشأن أو الذي يضر وينفع؛ ولكنه كان يبدو مثال الملاحة بشعره الأسمر المجعد. وعينيه الرماديتين؛ ووجهه الجميل، وكان مشهوراً بالحسن بين الرجال والنساء على السواء، وبأنه يجمع كل الفضائل إلا فضيلة كسب المال؛ خلف له والده وكان فارساً مقداماً حسامه وتاريخ حرب الجزيرة في خمسة عشر مجلداً، فعلق (هيو) الحسام على مرآته، ووضع كتاب التاريخ على الرف. لقد طرق كل أبواب الرزق، فاحترف الصرافة ستة أشهر، ولكن ما الذي تفعله الفراشة بين الثيران والدببة؟ واشتغل بتجارة الشاي لمدة أطول بقليل، ولكن سرعان ما تعب: حينئذ جرب بيع الخمر الأسباني فلم ينجح؛ وأخيراً أصبح لا شيء، اللهم إلا شاباً طروباً قد أعطى البطالة مقوده.
وعلى نية العمل المثمر أحب؛ وكانت الفتاة التي أحبها تدعى (لورا ميرتون) وهي ابنة كولونيل متقاعد أضاع مزاجه ونظامه في بلاد الهند. لقد عبدته (لورا) وكان هو على استعداد لأن يقبل شريط حذائها؛ كانا أظرف عاشقين في لندن ولا يملكان فلساً واحداً.
أحب الكولونيل (هيو) كثيراً، ولكنه لم يكن يرغب أن يسمعه يتحدث عن أية خطبة، وكان يقول له من حين إلى حين: (تعال إليّ يا ولدي؛ حين تصبح مالكاً لعشرة آلاف جنيه عندها نفكر في أمر خطوبتكما) فيتألم (هيو) ويذهب إلى (لورا) ليجد بقربها العزاء.
في صباح أحد الأيام خطر له - وهو في طريقه إلى متنزه (هولاندة) - أن يرى أحد أصدقائه العظام (ألن تريفور) وكان (ألن تريفور) رجلاً غريباً فظاً؛ نمش الوجه أحمر الخدين خشن اللحية؛ ولكنه كان رساماً ماهراً، وفناناً إذا تناول قلم الرسم فهو الأستاذ
стр. 4013
الحقيقي والرسام العبقري.
وكان هذا الفنان عظيم الميل (لهيو) في الزمان الذي مضى، عظيم التقدير لجماله، وكثيراً ما كان يقول (على الفنان أن لا يصاحب إلا الظرفاء اللطفاء؛ والذين يشجيك مسمعهم ومنظرهم).
حين دخل (هيو) المحترف (الستديو) وجد (تريفور) يضع الأجزاء الأخيرة لصورة شحاذ كبيرة، ورأى الشحاذ نفسه واقفاً على منصة مرتفعة في زاوية المحترف، لقد كان شيخاً متهدماً ذا وجه كالجلد المجعد، قد ألقى على كتفه عباءة خشنة كلها رقع وخرق، ولبس حذاء رثاً بالياً، واتكأ بإحدى يديه على عصا غليظة، ومد بالأخرى قبعته الممزقة يلتمس المعروف!.
همس (هيو) وهو يصافح صديقه - ياله من أنموذج غريب! فصاح (تريفور) بأعلى صوته - أنموذج غريب. . أظنه كذلك. . إنك لا تلتقي بأمثال هذا الشحاذ كل يوم. . إنه لقية يا عزيزي.
هيو - مسكين هذا الشيخ إنه يبدو مثال البؤس والشقاء وإني لأظن أن ثروته بالنسبة إليكم أيها الفنانون إنما هي في وجهه
أجاب تريفور - طبعاً. . أنت لا تريد أن يبدو الشحاذ مسروراً
هيو - كم يأخذ الأنموذج عن كل جلسة.
- شلناً في الساعة.
- وكم تأخذ أنت على صورتك يا (ألن)
- أوه. . آخذ على هذه ألفي جنيه.
هيو ضاحكاً - حسن، ولكني أرى أن يأخذ الأنموذج نسبة من الأرباح، إنهم يتعبون بقدر ما تتعبون.
- كلام هراء. . يجب ألا تضيع وقتي بمثل هذا السخف، إنني مشغول جداً، دخن سيجارة واجلس صامتاً.
وبعد حين دخل الخادم وأخبر (تريفور) أن صانع الأطر يريد أن يكلمه.
(تريفور) وهو خارج - لا تذهب يا (هيو) سأعود حالاً.
стр. 4014
اغتنم الشحاذ الشيخ فرصة غياب (تريفور) فجلس يستريح على مقعد خشبي كان موضوعاً خلفه، حقيراً بائساً؛ حتى أن (هيو) لم يملك نفسه من الحزن عليه، فمد يده إلى جيبه ليرى مقدار ما معه من الدراهم، فكان كل الذي وجده ديناراً وبضعة دوانق، فقال لنفسه (مسكين الشيخ إنه أحوج مني إلى هذه الدراهم) وسار وسط (الستديو) ورمى الدينار في يد الشحاذ.
فزع الشيخ وارتسمت على شفتيه الذابلتين ابتسامة ضئيلة وقال: أشكرك يا سيدي. . أشكرك. .
ثم حضر (تريفور) فاستأذنه (هيو) بالانصراف إلى (لورا) حيث أمضى النهار وتمتع بتعنيف لذيذ على إسرافه.
وفي تلك الليلة؛ حوالي الساعة الثانية عشرة، ذهب إلى نادي (باليت) فوجد (تريفور) جالساً وحيداً في غرفة التدخين يعاقر بنت الحان؛ فقال له وهو يشعل سيجارته.
- خيراً (ألن). . هل أنهيت الصورة!
فأجاب تريفور - لقد انتهت يا ولدي، وأحيطت بالإطار؛ وعلى ذكر الصورة أخبرك أنك حزت ظفراً عظيماً نهار الأمس، إن ذلك الأنموذج الشيخ الذي رأيته معجب بك كل الإعجاب ولقد أخبرته عن كل ما يتعلق بك. . من أنت؟ وأين تعيش؟ وكم دخلك! وما هي مطالبك من الدنيا؟. . .
صاح (هيو) - يا عزيزي ألن، أخاف أن أجده في انتظاري كلما ذهبت إلى البيت؛ ولكنك تهزل. . مسكين هذا الشيخ الفقير.
آه! لو أقدر على نفعه. . إنه لشديد أن يعيش إنسان في مثل بؤسه؛ عندي في البيت تلال من الثياب القديمة، فهل تظن أنه يهتم بثوب منها؟ ولم لا؟ إن خرقه أخذ منها البلى مأخذه. .
تريفور - ولكنه يبدو في أطماره زاهياً، إن ما تسميه أنت اطماراً أسميه أنا حللاً، وما يظهر لك أنه الشقاء هو مثال البهاء عندي. . وعلى كل حال فسأخبره عن هديتك.
هيو جاداً - إنكم بلا قلب أيها الرسامون.
أجاب تريفور - قلب الفنان رأسه، ليس الإصلاح صنعتنا وإنما تصوير العالم كما نراه ولكل صنعته. . والآن حدثني عن (لورا) كيف هي؟ لقد أغرم بها الأنموذج كثيراً.
стр. 4015
هيو - أنت لا تريد أن تقول إنك حدثته عنها.
- أؤكد لك أنني حدثته، لقد عرف كل شيء عن الكولونيل الذي لا يرق له قلب، وعن (لورا) المحبوبة؛ وعن العشرة آلاف جنيه.
فصاح هيو وقد بدا عظيم الغضب كثير الاحمرار - إذن لقد أطلعت ذلك الشيخ الشحاذ على كل شؤوني الخاصة.
تريفور مبتسماً - يا ولدي العزيز إن الذي تدعوه بالشيخ الشحاذ هو من أغنى الرجال في أوربا، إنه يقدر أن يبتاع لندن كلها غداً من غير أن يؤثر ذلك في ثروته؛ إن له قصراً في كل عاصمة؛ ويأكل في أطباق من الذهب والفضة؛ وهو قادر - حين يشاء - أن يمنع روسيا من الحرب.
هيو متعجباً - من هذا الذي تعنيه؟!. .
تريفور - أقول إن الرجل الشيخ الذي رأيته في (الستديو) هو (البارون هوسبيرج) إنه من أعظم أصدقائي، ويبتاع كل صوري، وقد كلفني منذ شهر أن أرسمه كشحاذ فما قولك بهوي هذا المليونير.
صاح هيو - البارون هوسبيرج يا إله السموات. لقد تصدقت عليه بجنيه. . . وارتمى على المقعد مذعوراً. .
تريفور صائحاً - تصدقت عليه بجنيه!! وانفجر عن هدير من الضحك!
هيو بحزن - كان يجب أن تخبرني يا ألن. . .
ألن - لا بأس يا هيو. . إنه لم يخطر لي على بال أنك يمكن أن تذهب هذا المذهب في توزيع الصدقات؛ إنني افهم تقبيلك لأنموذج جميل، أما أن تعطي ديناراً لقبيح فلست أفهمه!
هيو - وأي غبي ظنني؟!.
- أبداً لقد كان في غاية السرور بعد أن غادرتنا، وظل يضحك في سره ويصفق بيديه المتغضنين مدة؛ لم أستطع إدراك سر سروره حينذاك؛ ورغبته في معرفة كل شيء عنك؛ أما الآن فقد فهمت كل شيء؛ سوف يشغل لك دينارك يا هيو ويدفع لك الفائدة كل ستة أشهر.
زمجر هيو - يا لي من شقي. الأحسن لي أن أذهب إلى الفراش، أرجوك يا عزيزي ألن
стр. 4016
ألا تخبر أحداً؛ إنني لم أعد أجرؤ على لقاء الناس
كلام هراء. إن عملك يا هيو يدل على ما في نفسك من الخير العظيم، لا تذهب، خذ سيجارة أخرى؛ وتكلم عن لورا بقدر ما تشاء. .
لكن (هيو) لم يقف بل سار إلى البيت حزيناً، تاركاً (ألن تريفور) غارقاً في الضحك.
في صباح اليوم الثاني وقد جلس (هيو) يتناول فطوره، أحضر له الخادم بطاقة كتب عليها (السيد كوستاف نودن، رسول البارون هاسبورج).
فقال هيو لنفسه - يغلب على ظني أنه آت يطلب إلى أن أعتذر، ثم أمر الخادم أن يصعده ردهة الاستقبال. .
دخل الغرفة شيخ جليل ذو منظار ذهبي وشعر أشيب وقال بلهجة فرنسية: هل لي شرف الكلام مع السيد (أورسكين).
- فانحنى له هيو.
الشيخ مستمراً - لقد أتيت من عند البارون هاسبيرج، ان البارون. . . .
هيو مقاطعاً - أرجوك يا سيدي أن تبلغه أصدق اعتذاري.
فابتسم الشيخ الجليل وقال - لقد أرسلني البارون أسلمك هذا الكتاب. ومد يده بمغلف مغلق قد كتب عليه (هدية عرس إلى هيو أورسكين ولورا ميرتون من شحاذ عجوز) وفي داخله حوالة بعشرة آلاف جنيه
وحين اقترنا صار لهما ألن تريفور عجاهنا، وألقى البارون خطاباً على مائدة العرس؛
وأبدى (ألن) هذه الملحوظة (إن نماذج صاحب الملايين نادرة، ولكن أنموذج أصحاب الملايين أندر)
شرق الأردن
بشير الشريقي المحامي
стр. 4017
النقد
حول ديوان الينبوع
للدكتور احمد زكي أبي شادي
إنني آسف أشد الأسف إذا كان ردي السابق على الأديب المرتيني يصح أن يوصف بالحدة كما وصفه حضرته، وما كنت أحسبه إلا مثالا للهدوء المقترن بالصراحة. وقد كرر ناقدي الأديب قوله عن الأدباء المصريين: (وإذاً أنا أعود فأردد مرة أخرى، ما عرفت الدكتور وإضرابه من إخواننا المصريين إلا أباة على النقد. يثيرون من أجله المعارك ويتسارعون بسبه إلى الخصام والنزاع). وقد أغناني الشاعر الناقد طلبة محمد عبده برده في عدد مايو من مجلة (أبولو) عن الرد المسهب على الأديب المرتيني، وحسبي هنا أن ألاحظ في إيجاز نقطتين: الأولى أن كل حجة صاحبنا في مؤاخذتي تقدمي إلى الرد عليه في أدب واعتدال، كأنما الواجب علي وعلى أمثالي الخضوع لديكتاتوريته النقدية، فإذا ما ناقشناها في هدوء مناقشة أدبية وصمنا بما وصمنا به، والثانية شهادة مجلة (الضياء) الهندية، وقد وافتني يوم صدور عدد (الرسالة) المنشورة به مقالة ناقدي، فقد ذكرت (الضياء) - وهي من أرقى المجلات الأدبية في العالم العربي - في كلامها على (الينبوع) وصاحبه وتشجيعه للنقد الأدبي أن تشجيعي هذا هو (جرأة نادرة) في هذا الزمن.
إذن ليس هناك يا صاحبي أي حدة ولا تأب على النقد، فأعداد (الرسالة) بين أيدي القراء، كما أن (الينبوع) وغيره من دواويني ومؤلفاتي بين أيديهم، ويمكنهم أن يدرسوا ويقارنوا لأنفسهم بين كتابتي وكتابتك. وفي الحق لم يعرف عني إلا العداء للديكتاتورية الأدبية، سواء أجاءت من ناحية المؤلفين أم من ناحية النقاد، وقد شجعت وسأشجع دائماً النقاش الأدبي البريء لأنه خادم وأي خادم للأدب، ومتى تحقق الاحترام المتبادل بين المؤلفين والنقاد، فلن يؤدي النقاش الأدبي بينهم إلا إلى الخير الأدبي المحض. ولولا هذا الإيمان في نفسي بالنقد وفوائده لصدقت عن التعليق على ما يكتب عني، فجل شعري لنفسي أولا لا للجمهور الذي تتحدث أنت عنه وتود أن تراعيه، وأنا لا أتطلع إلى مدح أو تصفيق لقاء جهودي، وقد أصبحت لا أتطلع حتى إلى محض الإنصاف من معظم معاصري
ومن كان لا يعنيه مدح ولا قلى … يعف عن المدح العريض ويستغنى
стр. 4018
وقد تأملت الملاحظات الفنية الجديدة التي جاء بها نقدي الفاضل في مقاله الثاني فأسفت لأنه لم يذكرها في مقاله الأول. ولو كان قد فعل ذلك لما كنت رددت عليه: فقد كان في مقاله الأول يلقي الأحكام كأنه القاضي الأعلى الذي لا مرد لحكمه. وأما في مقاله الثاني فهو ينزع إلى التفسير النفساني ويتحدث عن الذوق الفني وما إلى ذلك. . وهو في موقفه الجديد منع من أن يساءل أو يناقش، اللهم إلا في تذكيري إياه بأن قولي:
كن أنت نفسي واقترن بعواطفي … تجد المعيب لدي غير معيب
لا يعني شيئاً مما ذكره، وإنما يعني أن الناقد الذي لا يستطيع أن يتمثل نفسية الشاعر وظروفه والعوامل المؤثرة عليه وقت نظمه هو أبعد الناس عن الإنصاف، لأنه سيعيب ما لا يعاب لو أنه تمثل شخصية الشاعر في المناسبة التي نظم فيها ذلك الشعر المنقود. وليس من الحكمة ولا من الإنصاف في شيء أن يتقدم الناقد لي أثر شعري وهو نافر من صاحبه كيفما كانت أسباب ذلك النفور.
إن التحدث عن اللغة الفنية لا أول له ولا نهاية. وقد نقد لغتي من نقدها ممن عرفوا بالتضلع في اللغة والتمكن من الشعر. وفي مقدمتهم السيد مصطفى جواد، ولهؤلاء السادة ما لهم من الذوق الشعري الناضج. أليس هؤلاء إذن أولى من الأديب المرتيني بالحكم في هذا المجال؟ وما معنى انتقاص معارفهم ومناحيهم؟ أليسوا أجدر منه ومني بتحديد ما يسميه باللغة الصحفية؟ ليس لي يا صاحبي أن أزكي نفسي، وإن كان لي أن أدافع عن مذهبي أحياناً، وقد كتب في تقدير روحي الفنية وتعابيري الشعرية غير واحد من الأدباء المشهورين، ومنهم من ناقشك، فلك أن تناقشهم إذا شئت، وأما أنا فلا أجد فيما كتبت من جديد سوى إبهام جديد، إلا في موضع أو موضعين، وليس لي من رد على مثل هذا الانتقاص المبهم غير إنتاجي الجديد. . .
لقد أعجبك قول امرئ القيس
مكر، مفر، مقبلٌ، مدبرٌ، معاً … كجلمودِ صخرٍ حطه السيلُ مِنْ علِ!
نظراً لما فيه من موسيقى وحركة وخيال، ولا أعرف أن كل شعر امرئ القيس من هذا القبيل، أو أن شعري تجرد من مثل ذلك، كما أني لا أعرف أن مثل هذه الصفات التي شاقتك مرغوب فيها في جميع ضروب الشعر، ومنه ما قد تؤثر فيه موسيقى المعاني
стр. 4019
والهدوء والتأمل العميق قبل رنين الألفاظ والحركة والخيال الوثاب.
ولك أن تنتزع بيتاً أو بيتين من قصيدة، وأن تقف حائراً مستنكراً، ولكني (وأنا المؤمن بوحدة القصيد والحريص على ذلك) لا أطلب شططاً إذا سألت قرائي أن يقرءوا تلك القصائد كاملةً ليتبينوا مواقع الأبيات بعضها من بعض وما تحمله من المعاني الظاهرة والضمنية إذا ما انتظمتها وحدة القصيد، وله لها حينئذ قيمة مادية وروحية أم ليست لها تلك القيمة.
وقد تفضل الأديب المرتيني ببيان طويل عن نظراته الأدبية العامة وأسلوبه في النظم ونحو ذلك، أشكره عليه لما حواه من الطرافة ودواعي التسلية التي يتحدث عنها. ولا أود أن أشغل فراغ (الرسالة) بالتعليق عليه فذلك أمر يعنيه، وأود بهذه السطور أن أختم تعليقاتي على كتابته شاكراً (للرسالة) منبرها الحر وغيرتها، وشاكراً لناقدي الفاضل تحمسه للفن وللغة العربية السامية.
احمد زكي أبو شادي
стр. 4020
الكتب
مذكراتي في نصف قرن
بقلم الأستاذ أحمد شفيق باشا
(في ٥٢٧ صفحة كبيرة - طبع مطبعة مصر)
لم يجتمع لكثير من رجال الدولة المصرية مثلما اجتمع لصاحب السعادة الأستاذ أحمد شفيق باشا من ظروف المشاهدة وفرص الدرس والاطلاع والتحقيق؛ فقد عاصر هذا الشيخ النابه النشط عدة عصور ومراحل من تاريخ مصر الحديث؛ وشهد الحياة المصرية منذ أواخر عصر إسماعيل، واتصل بالقصر وشئون الدولة العليا منذ حداثته؛ وشهد حوادث الثورة العرابية وتتبعها بدقة، وكان مرجع النفوذ والحول طوال أيام عباس. ولم يكن شفيق باشا يطوي هذه المراحل والعصور مشاهداً فقط، ولكنه كان يقرن المشاهدة بالدرس والتدوين؛ فكان يدون مذكراته تباعاً عن الحوادث والشئون الخطيرة التي كان تتري في هذه الحقبة من تاريخ مصر، ويدون إلى جانبها كثيراً من الملحوظات عن تطور الحياة المصرية الاجتماعية، ثم عن حياته الخاصة التي كانت صدى ومثالاً صادقاً لهذه الحياة.
وقد أخرج لنا الأستاذ شفيق باشا الجزء الأول من هذه المذكرات في مجلد ضخم؛ يتناول وصف الحوادث والحياة المصرية منذ أواخر عهد إسماعيل حتى عزله، ثم عهد توفيق والثورة العرابية وأسبابها ونتائجها حتى استقرار الاحتلال الإنكليزي. وهذا هو القسم التاريخي العام. ويتناول القسم الثاني منه حياة المؤلف الخاصة أثناء دراسته في باريس، ومشاهداته العامة في فرنسا ومختلف البلاد الأوربية التي زارها.
ولعله لم يصدر عن الحياة المصرية في أواخر القرن وصف أصدق ولا أمتع من ذلك الذي يتحفنا به شفيق باشا في مذكراته. فقد تقلب شفيق باشا منذ حداثته في مختلف البيئات والمجتمعات المصرية لهذا العهد، واتصل بالطبقات الاجتماعية الرفيعة اتصالاً وثيقاً؛ وشهد بعينه من صورها وألوانها الشيء الكثير؛ ووصف لنا جدها وهزلها ولهوها وسمرها وصفاً صادقاً شائقاً؛ ويجد مؤرخ الحضارة المصرية في هذا العصر في مذكرات شفيق باشا مادة نفيسة تؤيدها المشاهدة الصادقة. وهذه ناحية من الكتاب لها أهميتها وسحرها.
стр. 4021
بيد أن لهذه المذكرات من الوجهة التاريخية ناحية أهم. ذلك أن المؤلف يقص علينا سيرة الحوادث السياسية الخطيرة التي وقعت في عهد توفيق، أعني الثورة العرابية وما انتهت إليه من النتائج المشئومة. وقد كتب تاريخ الثورة العرابية وما إليها في العصر الأخير غير مرة، وصدرت عنها مذكرات كثيرة مصرية وأجنبية، ولكن شفيق باشا ينفرد بمعالجة ناحية لم تعالج من قبل بمثل ما عالجها به من الإفاضة والدقة، ولم يكن ليستطيع معالجتها غير شفيق باشا نفسه. ذلك هو موقف القصر ووجهة نظره وحقيقة تصرفاته إزاء تلك الحوادث العصيبة. وقد كان شفيق باشا يومئذ من موظفي القصر، ومن الرجال الذي يضع فيهم الخديو ثقته؛ وكان بذلك في مركز يستطيع أن ينفذ منه إلى بواطن الأمور وحقائقها وأن يعرف حق المعرفة ما يقع في القصر وما يدبر فيه وما يقال نحو الحوادث وتطوراتها، وأن يقف على وثائق لا يقف عليها غير رجال القصر الأخصاء؛ وهذه الناحية تبدو واضحة قوية في رواية شفيق باشا عن الثورة العرابية، وتلقي الضياء على مسائل وشئون كثيرة في تاريخ الثورة لم نقف عليها من قبل بمثل ذلك الوضوح. وهذه الميزة وحدها تجعل لمذكرات شفيق باشا قيمة كبيرة؛ هذا إلى ما يتخلل ذلك كله من النبذ الاجتماعية والأدبية التي تمثل روح العصر وأحواله أصدق تمثيل.
فنهنئ الباشا بمجهوده القيم، ونرجو اله أن يمتعه بالصحة والعافية حتى يخرج لنا ما تبقى في جعبته من ذلك التراث القومي النفيس.
(ع)
стр. 4022
حياة وحياة
بقلم الدكتور محمد كامل الصبي دكتوراه في العلوم الطبيعية
كتاب يقع في نيف ومائتي صفحة، أخرجته جماعة نشر الثقافة بالإسكندرية على خير ما تخرج الكتب، دقة طبع، وحسن نظام، ومتانة ورق، وسلامة ذوق.
ولقد شاء الدكتور الفاضل ألا تقف جهوده عند العلم فرأيناه في هذا الكتاب أديباً، بل قصاصاً عذب الروح، واسع المعارف، متين الثقافة
تلمس في هذا الكتاب النهوض، وتعجبك فيه رغبة فنية لنفس متوثبة، تحتقر تقاليد الماضي البالية، وتتألم لما يرزح تحته المجتمع المصري من أعباء وما يتعثر فيه من قيود، وتتمنى أن ترى ذلك اليوم الذي تنفض فيه مصر عن نفسها غبار القرون وتحكم أغلال الجمود، ومن منا لا يشارك الدكتور عواطفه وآماله؟
ولقد وفق المؤلف إلى وسيلة جيدة لعرض آرائه فصور لنا أولاً الحياة المصرية في القرية، حياة الملاك القادرين والعمال المستضعفين من صغار المزارعين، حياة العتو والاستبداد، والمسكنة والذلة والجهل، ثم أرانا طرفاً من حياتنا المدرسية وما يكتنفها من آلام ومعايب مما شاهده وخبره بنفسه، فالقصة تدور حوله هو وحول حياته في مصر ثم انجلترا، وهنالك في إنجلترا، وصف لنا الكاتب حياة ذلك المجتمع الزاخر في صدق لهجة ودقة ملاحظة، دون أن تميل به عاطفة الوطنية إلى التحيز، بل إن هذه العاطفة كانت تحدوه إلى المقارنة بين حال وطنه وحال ذلك المجتمع في حماسة وصراحة وإخلاص وغيرة
ولقد قام برحلة في عطلته الجامعية إلى هولنده وألمانيا، ولم يفته هناك أيضاً أن يتعرض لمعايبنا الاجتماعية على ضوء ما صادف هناك من رقي عام قوامه الثقافة الفياضة والتضحية الخالصة، وفناء الفرد في المجموع، مما نتحرق ظمأ إليه في مجتمعنا
ولم يقف في كتابه عند النقد فحسب، بل لقد تعرض لكثير من ضروب الإصلاح، وأورد بعض اقتراحات جالت في ذهنه تشهد برجاحة علقه وصدق نظره
بيد أني أعيب عليه أنه يرى كل ما عندنا شراً، ولعل طموحه وتوثبه وشوقه الزائد إلى تغيير الحال وشدة إخلاصه هو الذي يملي عليه هذه الصرامة حين يشكو أو ينتقد، والحقيقة أني قد شاركته رأيه في جملة مسائل
стр. 4023
أحب الكاتب فتاة في الجامعة، وتعرف إلى فتاتين غيرها، فرأى إحداهما تضحي بشهرتها في سبيل الواجب فتقلع عن القيام برحلة جوية إلى استراليا لتسهر إلى جانب سرير أمها المريضة. ورأى الثانية ترفض خطبة حبيب لها لتعول أهلها، فأكبر هذه الأخلاق، ثم لم يشأ أن يكون أقل منهما نبلا، فضحى بحبه في سبيل عاطفته الوطنية، ولم يشأ أن يتزوج من فتاة تخالفه في طبيعته وآماله، وعاد إلى وطنه مسرعا. وكانت تلك هي خاتمة القصة، وكم نود لو نظفر بمثل هذا الخلق وبمثل هذا الروح، وبمثل هذا النشاط الأدبي ممن يعودون إلى أوطانهم من شباننا الناهض.
محمود الخفيف
стр. 4024
العدد ٤٨ - بتاريخ: ٠٤ - ٠٦ - ١٩٣٤
стр. 4025
لذة الشراء وآفة الملكية
للأستاذ أحمد أمين
بالأمس ضحك مني بائع الكتب القديمة، إذ رآني أقلب في الكتب، وأذهب ذات اليمين وذات الشمال، وأقف على الكرسي وأنزل من عليه، والكتب بعضها بال عتيق قد غلف بالتراب وأكلته الأرضة، وكلها وضعت حيثما اتفق، لم يعن فيها بترتيب حسب الموضوع ولا حسب الحجم ولا حسب أي شيء، ولم يبذل أي جهد في تنظيفها وعرضها، فكتب في الأرض، وكتب في السماء، وكتب في الرف، وكتب على المقاعد، وكتب في الممشى، البائع رجل تقدمت به السن، زهد البيع وزهد الشراء، وإنما يبيع ويشتري لأنه اعتاد أن يبيع ويشتري، كل ما في أمره أنه فضل أن يجلس في الدكان على أن يجلس في البيت إذ يرى الرائحين والغادين، ويستقبل الزائرين، ومن حين إلى حين يبيع كتابا أو كتابين.
وسط هذه المكتبة المغمورة بالكتب، والمغمورة بالتراب، والمغمورة بالفوضى، انغمست ببذلتي البيضاء، القريبة العهد بالكواء، أبحث عن كتب نادرة أشتريها، وأتصفح كتبا أتعرف قيمتها، فضحك إذ رأى غراماً بالكتب يشبه الجنون، ورغبة في البحث والشراء تشبه الخبل.
لا تضحك - يا سيدي - فإنما هي لذة الشراء أصيب الناس بها جميعاً، وان اختلفوا في مقدار الإصابة، فقد تهور فيها قوم، واعتدل فيها آخرون، وهي ظاهرة في منتهى القوة والغرابة، تتجلى بأجلى مظاهرها في الهواة، فهذا هاوي سجاجيد يجن جنونه إذ يرى سجادة قديمة، صنعت في أصفهان القرن الخامس عشر أو السادس عشر، يحتقرها الرائي العادي، ولا يرضى أن يأخذها ولا بالمجان، ويشمئز أن يراها في بيته، فإذا الهاوي يجري ريقه ويتحلب فمه، كأنه جائع سغب أمام أكلة لذيذة، وقد لا يجد ثمنها فيستدينه، وقد ينقصه الضروري من وسائل العيش ومرافق الحياة فيعمى عنه، ولا يرى أمامه إلا السجادة وشراءها، ولتكن النتيجة بعد ما تكون، وسيتكفل الزمن بسداد الدين، وليحمل الزمن وحده عبء ما يحتاج إليه من ضرورات العيش، بل سواء حلها أم لم يحلها، فليس في الوجود ما يعدل هذه السجادة، فلأشترينها ثم لتنطبق السماء بعد على الأرض
وكذلك الشأن في هاوي طوابع البريد، وهاوي الكتب، وكل الهواة، نمت عندهم على مر
стр. 4026
الزمان لذة الشراء لما يهوون، وغذاها كثرة الشراء وأحاديث الهواة الذين يحيطون به وإظهارهم الإعجاب الشديد بما اقتني، فإذا نظروا إلى سجادة عجبوا من لونها الباهت، وخيطانها التي هلهلها الزمن، وصورها غير المنسجمة، ونحو ذلك مما يدل على إمعانها في القدم، وكلما كان خيطها أبلى، ونسيجها أبسط، كانت أشد استخراجاً للعجب، وكانوا أكثر لها تقويماً، وأشد لها إعظاماً، وكانت لذة الشراء عند الهواة أشد طغيانا، وهم أمامها أشد ضغفاً.
هذه اللذة - لذة الشراء - يستغلها أرباب (المزاد) فهم يثيرونها إلى أقصى حدودها، ويبلغون مبلغاً جنونياً، فتحتدم الذات، ويخضع الشارون لتأثير الاستهواء، ويتغالبون في أثمان ما يعرض حتى قد تفوق أثمان الشيء الجديد، ولكن الشيء الجديد يشترى والعقل الواعي في سلطانه، وأما أشياء (المزاد) فتشترى والعقل الواعي قد أسدل عليه ستار من الاستغواء والاستهواء، ومن أغرب ما في هذا النوع أنك ترى الكثيرين يندمون إذا اشتروا، ويندمون إذا لم يشتروا.
ولذة الشراء هي السبب في أنك تشتري لزوجتك وبناتك الثوب الجميل، أو الحذاء الظريف، فتعرضه عليهن فلا يعجبهن، ثم يخرجن ويشترين ما هو أقل من جمالا وظرفا ثم يعدن راضيات، قد يكون السبب أن ما اشتريته ليس على ذوقهن، وأن هناك فرقاً كبيراً بين ذوق الرجال وذوق النساء، وأنك إذ تشتري لهن تحكم ذوقك في ذوقهن، ولكن يظهر لي أن ذلك في كثير من الأحيان ليس السبب الصحيح، وإنما السبب الصحيح أنك إذ تشتري لهن تحرمهن لذة الشراء، وهي في نفسها قد تفوق الشيء المشترى نفسه، ويفسر هذا أن السيدة قد تخرج وليس في نفسها شيء معين تشتريه، ولا تحس حاجة إلى شيء يشترى، وإنما هي - في أعماق نفسها - تريد أن تغذي لذة الشراء عندها، فما هي إلا أن تمر في دكان سمعان أو شملا أو شيكوريل حتى تشتري، وتشتري كثيرا، وتشتري ما لم يخطر لها على بال، ثم ترجع راضية لأنها أشبعت لذة الشراء عندها.
ولو أن الناس - وخاصة السيدات - اقتصروا على شراء ما هم في حاجة إليه لأغلقت دكاكين كثيرة، ولقل العرض وقل الطلب - ولكن لذة الشراء عندهم دفعتهم أن يشتروا ما لم يحتاجوا، وأوهمتهم في كثير من الأحيان بالحاجة إلى ما ليس لهم به حاجة - وإلا فما حاجتي إلى شراء كل هذه الكتب والمكتبات العامة مفتحة الأبواب؟ وما الحاجة إلى سراء
стр. 4027
نسختين من كتاب واحد والتعلل في ذلك بأتفه الأسباب؟ وما الحاجة إلى ملء البيت بهذا الأثاث وأقل منه يكفي ويزيده حسنا؟ وما الحاجة إلى شراء المرأة هذه الثياب المختلفة الألوان والأنواع، وقد لا تحتاج إليها مرة في الحياة؟ - لا شيء إلا لذة الشراء.
ويحدث في هذا الباب غرائب. فما وقوفك على الدكاكين واستعرضك ما فيها إما فيها إلا نوع مما تدعو إليه هذه اللذة، فان اشتريت فيها، وإلا فهو نوع من ظل اللذة كالسكير يتلذذ قليلا في رؤية الشاربين ولو لم يشرب معهم، والمحب يسر بعض الشيء من رؤية المحبين يتواصلون ولو هجره هو حبيبه.
قد كان من المعقول والطبيعي أن الناس - وهم يتلذذون هذه اللذة الشديدة القوية بشراء - يتلذذون كذلك لذة شديدة قوية بالملكية ثم يستمرون على التنعم بها، والتمتع الدائم بملكها، ولكن جرى الأمر في هذا العالم على غير ما يتوقع، فهم راغبون أشد الرغبة في ملك الأشياء، والملكية تذهب بلذتها. فالناس مولعون أشد الولع بالملكية حتى لو استطاعوا أن يملكوا القمر في السماء لملكوه، ولو ملكوه لحرموا جماله، وهم مولعون أن يملكوا كل شيء إلى درجة الجنون، حتى لو استطاعوا أن يسلبوا السماء زرقتها، والمزارع بهجتها، والبحار جمالها ليجعلوها في حوزتهم لفعلوا - وقد أدرك مهرة الباعة هذا الجنون في الإنسان فتفننوا في عرض ما يبيعون بحسن الوضع وتزويق وإيهام الترخيص وكثرة الإعلان في شكل جذاب يوقع في الوهم أن الشراء فرصة لن تعود، وأن ملكية الشيء تملأ الحياة سعادة وغبطة - ولو أنك دخلت بيوت الأغنياء والطبقة الوسطى لرأيت كثيرا مما فيها لا حاجة للبيت إليه، بل قد حمل أكثر مما يطيق حتى ذهبت بساطته، وزاد تعقده، واحتاج إلى زيادة الخدم والاتباع للعناية بنظافته وترتيبه، وجعل الحياة أكثر تعقداً وأشد ارتباكاً، وما دعا إلى هذا كله إلا لذة الشراء وجنون الملكية، وما قصر الفقراء في هذا إلا أنهم لا يجدون ثمن ما يطلبون، ولو أتيح لهم ذلك لأفرطوا في الشراء إفراط الأغنياء، ولولا جنون الملكية لكانت الحياة أبسط، ووسائل العيش أيسر، والتنعم بها أتم.
وكأن الطبيعة العادلة أرادت أن تعاقب على هذا النوع من الجنون، فسلبت المالك أكثر ما يتصور من لذة، فالشيء جميل لذيذ ممتع، فيه كل ما يتمنى المرء من سعادة ما لم يملك، فإذا ملك لم يجد فيه المالك كل ما يتصور ويتخيل، وأصبح أقل قيمة مما يأمل، ولا تزال
стр. 4028
قيمته في نقصان حتى يصبح عادياً تافها كأنه والحرمان سواء.
فالقصر الجميل هو أجمل ما يكون في عين من يمر به ويقل جماله شيئاً فشيئاً في عين من له به علاقة ما، حتى إذا بلغت المالك وجدت القصر لا قيمة له في نظره، ووجدت شعوره به كشعور الفلاح نحو كوخه، والفقير نحو عشه، وكلما طال الزمن بالغني تفه القصر في نظره، وحرم حرماناً تاماً من لذة الملكية، وصارت لذته خيالا لمن يمر به ويتصور نعيم سكانه أو مالكه.
وهذه قاعدة الحياة، فأجمل أيام الزوجية قبيل أيام يتخيل المرء أو المرأة ما ينتظر من نعيم مقيم، وأيام يسبح خياله أو خيالها في الآمال والأماني التي لا حد لها، ثم تصدمه أو تصدمها الملكية أو شبه الملكية، فإذا كل شيء عادي مألوف.
وأجن بالكتاب قبيل شرائه وعند شرائه، وأبيت ليلة وأنا أحلم به ولا أسمح لنفسي بالنوم ليلة الشراء قبل تصفحه ومعرفة ما فيه أو على الأقل عناوينه، ثم يوضع في المكتبة وينسى وكأنه لم يملك.
والأملاك الواسعة والغنى الوافر أمل الناس جميعاً، ولو درسوا في دقة - أربابها وحالهم وشعورهم لوجدوا الفرق الواسع بين ما يتخيلون وما يدرسون، ولو وجدوا أن أكثر الأغنياء يعانون من غناهم ما لو عقلوا وخف عنهم جنون الملكية لنزلوا للمجتمع عن شيء مما يملكون ويعانون، فسعدوا وأسعدوا.
أليس عجيباً في هذه الحياة أن ألذ شيء في الملكية خيالها؟
أحمد أمين
-
стр. 4029
من ذكريات العراق
تأمل ساعة
بقلم أحمد حسن الزيات
في الشرفة الوسيعة في فندق (كارلتون) جلست أطالع في صفحة دجلة ما خطته يد القرون. وكانت شمس الأصيل تنفض تبرها على أمواج النهر وسطوح الكرخ وحواشي الأفق، والطبيعة الأنيفة تنعم بالصفاء والبهاء والدفء، بعد ما أجهدها رعد الأمس وبرقه، وأغصها وابل الغمام وودقه، فالسماء مصرية الأديم، والجو عبهري النسيم، والأفق الغربي مزدان بقزعات من السحاب الأبيض الرقيق، والماء قد استحال لجينه نضاراً من طول ما حمل إليه السيل من كنوز الجبل.
أخذت أصوب النظر وأصعده في النهر والجسر والشاطئ. فأرى أنماطاً من الناس، وأخلاطاً من الأجناس، وصوراً من الأشياء، تنكرها العين ويعرفها القلب، لأنها شرقية، ولأنها عربية، ولأنها مظلومة!. . . .
ذكرتني هذه المناظر مناظر غابت في سويداء القلب ولفائفه: ذكرني تقابل الرصافة والكرخ على دجلة، تقابل القاهرة والجيزة على النيل الأعلى، والمنصورة وطلخا على النيل الأسفل!.
وفي هذه الأماكن الحبيبة مدرج طفولتي وشبابي، وملتقى أحبتي وصحابي، فهاجت شجوني وسالت شؤوني. فوضعت جبهتي المضطرمة على سياج الشرفة البارد، وعدت بالذاكرة وشيكاً إلى بغداد، ثم انطويت على نفسي، وأخذت أتفكر وأتذكر وأعمه في غيابة الماضي، حتى انقطع ما بيني وبين الحاضر، وانمحى من حوالي العالم بأسره
وحينئذ انبعث من جانب الكرخ صوت شاد يرجع بالنغم العربي الشجي، فخيل إلي أنني أرى دجلة (الأمين). وجسر (ابن الجهم)، وكرخ المجان والخلعاء من أهل بغداد المترفة؛ ووقع في سمعي أن هذا الشادي يقول:
سقى الله الكرخ من مُتَنزَّهٍ … إلى قصر وضاح فِبرْكَةِ زلزل
مساحب أذيال القيان ومسرح ال … حسان ومثوى كل خرق معذل
وصور لي أنني أسمع غناء الملاحين في الزلازل، وأبصر (الدلفين) و (العقاب) يمخران
стр. 4030
العباب بالأمين وحسانه وقيانه ونداماه!. . . وتراءت لي على الشاطئ الشرقي قصور البرامكة الحزينة، يقابلها على الشاطئ الغربي قصور الخلفاء والأمراء تعج بالجواري والغلمان، وتضج بالشعراء والندمان، وتموج بالسادة والقادة والجند، وتفيض بالنعيم والجلال والعظمة، وتمثلت في خاطري بغداد الأمس كباريس اليوم في عدد سكانها، وفخامة بنيانها، واتساع رقعتها، وازدهار مدنيتها، وانبعاث الحضارة من مجامعها ومنابرها، وانبثاق الهداية من جوامعها ومنائرها. إلا أن باريس تشع في أجواء مشرقة تسطع فيها شموس أخرى تضارعها وتصارعها، أما بغداد التي عنت لها وجوه القياصرة، وكان من جندها أبناء الدهاقين والأكاسرة، فكانت شمساً واحدة ترسل الضوء والحرارة والحياة في القارات الثلاث فتبدد ما غشيها من ظلام وخمود ونوم
لا أدري متى كنت أصحو من نشوة هذه الذكريات الحلوة المرة، لو لم يعدني إلى وجودي صوت منكر من أصوات الحضارة الحديثة، قد انطلق من جوف مركب بخاري عظيم، كان يشق بحيزومه صدر دجلة، فسرحت طرفي في الأفق فإذا شمس الشرق تجاهد ظلام الغرب، وإذا القزعات قد ارتد بياضها سواداً ضربت في حواشيه حمرة الشفق، فصارت كأجنحة الغربان الدامية، أو كقطع من الفحم علقت بأطرافها نار حامية. ثم نظرت شمالاً فإذا المكان الذي سجدت فيه رسل (شارلمان) أمام الرشيد يخفق فوقه علم غريب، لا هو أسود ولا أبيض ولا أخضر وإذا قطع من السحائب السود قد انعقدت فوقه ملبدة هنا مبددة هناك. . . فقلت في نفسي ليت شعري أهذه بقايا أعلام الرشيد والمأمون، أم هذه أثواب الحداد لبستها سماء العراق على السعدون؟!
الزيات
следующие страницы →