Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
الزمان لذة الشراء لما يهوون، وغذاها كثرة الشراء وأحاديث الهواة الذين يحيطون به وإظهارهم الإعجاب الشديد بما اقتني، فإذا نظروا إلى سجادة عجبوا من لونها الباهت، وخيطانها التي هلهلها الزمن، وصورها غير المنسجمة، ونحو ذلك مما يدل على إمعانها في القدم، وكلما كان خيطها أبلى، ونسيجها أبسط، كانت أشد استخراجاً للعجب، وكانوا أكثر لها تقويماً، وأشد لها إعظاماً، وكانت لذة الشراء عند الهواة أشد طغيانا، وهم أمامها أشد ضغفاً.
هذه اللذة - لذة الشراء - يستغلها أرباب (المزاد) فهم يثيرونها إلى أقصى حدودها، ويبلغون مبلغاً جنونياً، فتحتدم الذات، ويخضع الشارون لتأثير الاستهواء، ويتغالبون في أثمان ما يعرض حتى قد تفوق أثمان الشيء الجديد، ولكن الشيء الجديد يشترى والعقل الواعي في سلطانه، وأما أشياء (المزاد) فتشترى والعقل الواعي قد أسدل عليه ستار من الاستغواء والاستهواء، ومن أغرب ما في هذا النوع أنك ترى الكثيرين يندمون إذا اشتروا، ويندمون إذا لم يشتروا.
ولذة الشراء هي السبب في أنك تشتري لزوجتك وبناتك الثوب الجميل، أو الحذاء الظريف، فتعرضه عليهن فلا يعجبهن، ثم يخرجن ويشترين ما هو أقل من جمالا وظرفا ثم يعدن راضيات، قد يكون السبب أن ما اشتريته ليس على ذوقهن، وأن هناك فرقاً كبيراً بين ذوق الرجال وذوق النساء، وأنك إذ تشتري لهن تحكم ذوقك في ذوقهن، ولكن يظهر لي أن ذلك في كثير من الأحيان ليس السبب الصحيح، وإنما السبب الصحيح أنك إذ تشتري لهن تحرمهن لذة الشراء، وهي في نفسها قد تفوق الشيء المشترى نفسه، ويفسر هذا أن السيدة قد تخرج وليس في نفسها شيء معين تشتريه، ولا تحس حاجة إلى شيء يشترى، وإنما هي - في أعماق نفسها - تريد أن تغذي لذة الشراء عندها، فما هي إلا أن تمر في دكان سمعان أو شملا أو شيكوريل حتى تشتري، وتشتري كثيرا، وتشتري ما لم يخطر لها على بال، ثم ترجع راضية لأنها أشبعت لذة الشراء عندها.
ولو أن الناس - وخاصة السيدات - اقتصروا على شراء ما هم في حاجة إليه لأغلقت دكاكين كثيرة، ولقل العرض وقل الطلب - ولكن لذة الشراء عندهم دفعتهم أن يشتروا ما لم يحتاجوا، وأوهمتهم في كثير من الأحيان بالحاجة إلى ما ليس لهم به حاجة - وإلا فما حاجتي إلى شراء كل هذه الكتب والمكتبات العامة مفتحة الأبواب؟ وما الحاجة إلى سراء
стр. 4027
نسختين من كتاب واحد والتعلل في ذلك بأتفه الأسباب؟ وما الحاجة إلى ملء البيت بهذا الأثاث وأقل منه يكفي ويزيده حسنا؟ وما الحاجة إلى شراء المرأة هذه الثياب المختلفة الألوان والأنواع، وقد لا تحتاج إليها مرة في الحياة؟ - لا شيء إلا لذة الشراء.
ويحدث في هذا الباب غرائب. فما وقوفك على الدكاكين واستعرضك ما فيها إما فيها إلا نوع مما تدعو إليه هذه اللذة، فان اشتريت فيها، وإلا فهو نوع من ظل اللذة كالسكير يتلذذ قليلا في رؤية الشاربين ولو لم يشرب معهم، والمحب يسر بعض الشيء من رؤية المحبين يتواصلون ولو هجره هو حبيبه.
قد كان من المعقول والطبيعي أن الناس - وهم يتلذذون هذه اللذة الشديدة القوية بشراء - يتلذذون كذلك لذة شديدة قوية بالملكية ثم يستمرون على التنعم بها، والتمتع الدائم بملكها، ولكن جرى الأمر في هذا العالم على غير ما يتوقع، فهم راغبون أشد الرغبة في ملك الأشياء، والملكية تذهب بلذتها. فالناس مولعون أشد الولع بالملكية حتى لو استطاعوا أن يملكوا القمر في السماء لملكوه، ولو ملكوه لحرموا جماله، وهم مولعون أن يملكوا كل شيء إلى درجة الجنون، حتى لو استطاعوا أن يسلبوا السماء زرقتها، والمزارع بهجتها، والبحار جمالها ليجعلوها في حوزتهم لفعلوا - وقد أدرك مهرة الباعة هذا الجنون في الإنسان فتفننوا في عرض ما يبيعون بحسن الوضع وتزويق وإيهام الترخيص وكثرة الإعلان في شكل جذاب يوقع في الوهم أن الشراء فرصة لن تعود، وأن ملكية الشيء تملأ الحياة سعادة وغبطة - ولو أنك دخلت بيوت الأغنياء والطبقة الوسطى لرأيت كثيرا مما فيها لا حاجة للبيت إليه، بل قد حمل أكثر مما يطيق حتى ذهبت بساطته، وزاد تعقده، واحتاج إلى زيادة الخدم والاتباع للعناية بنظافته وترتيبه، وجعل الحياة أكثر تعقداً وأشد ارتباكاً، وما دعا إلى هذا كله إلا لذة الشراء وجنون الملكية، وما قصر الفقراء في هذا إلا أنهم لا يجدون ثمن ما يطلبون، ولو أتيح لهم ذلك لأفرطوا في الشراء إفراط الأغنياء، ولولا جنون الملكية لكانت الحياة أبسط، ووسائل العيش أيسر، والتنعم بها أتم.
وكأن الطبيعة العادلة أرادت أن تعاقب على هذا النوع من الجنون، فسلبت المالك أكثر ما يتصور من لذة، فالشيء جميل لذيذ ممتع، فيه كل ما يتمنى المرء من سعادة ما لم يملك، فإذا ملك لم يجد فيه المالك كل ما يتصور ويتخيل، وأصبح أقل قيمة مما يأمل، ولا تزال
стр. 4028
قيمته في نقصان حتى يصبح عادياً تافها كأنه والحرمان سواء.
فالقصر الجميل هو أجمل ما يكون في عين من يمر به ويقل جماله شيئاً فشيئاً في عين من له به علاقة ما، حتى إذا بلغت المالك وجدت القصر لا قيمة له في نظره، ووجدت شعوره به كشعور الفلاح نحو كوخه، والفقير نحو عشه، وكلما طال الزمن بالغني تفه القصر في نظره، وحرم حرماناً تاماً من لذة الملكية، وصارت لذته خيالا لمن يمر به ويتصور نعيم سكانه أو مالكه.
وهذه قاعدة الحياة، فأجمل أيام الزوجية قبيل أيام يتخيل المرء أو المرأة ما ينتظر من نعيم مقيم، وأيام يسبح خياله أو خيالها في الآمال والأماني التي لا حد لها، ثم تصدمه أو تصدمها الملكية أو شبه الملكية، فإذا كل شيء عادي مألوف.
وأجن بالكتاب قبيل شرائه وعند شرائه، وأبيت ليلة وأنا أحلم به ولا أسمح لنفسي بالنوم ليلة الشراء قبل تصفحه ومعرفة ما فيه أو على الأقل عناوينه، ثم يوضع في المكتبة وينسى وكأنه لم يملك.
والأملاك الواسعة والغنى الوافر أمل الناس جميعاً، ولو درسوا في دقة - أربابها وحالهم وشعورهم لوجدوا الفرق الواسع بين ما يتخيلون وما يدرسون، ولو وجدوا أن أكثر الأغنياء يعانون من غناهم ما لو عقلوا وخف عنهم جنون الملكية لنزلوا للمجتمع عن شيء مما يملكون ويعانون، فسعدوا وأسعدوا.
أليس عجيباً في هذه الحياة أن ألذ شيء في الملكية خيالها؟
أحمد أمين
-
стр. 4029
من ذكريات العراق
تأمل ساعة
بقلم أحمد حسن الزيات
في الشرفة الوسيعة في فندق (كارلتون) جلست أطالع في صفحة دجلة ما خطته يد القرون. وكانت شمس الأصيل تنفض تبرها على أمواج النهر وسطوح الكرخ وحواشي الأفق، والطبيعة الأنيفة تنعم بالصفاء والبهاء والدفء، بعد ما أجهدها رعد الأمس وبرقه، وأغصها وابل الغمام وودقه، فالسماء مصرية الأديم، والجو عبهري النسيم، والأفق الغربي مزدان بقزعات من السحاب الأبيض الرقيق، والماء قد استحال لجينه نضاراً من طول ما حمل إليه السيل من كنوز الجبل.
أخذت أصوب النظر وأصعده في النهر والجسر والشاطئ. فأرى أنماطاً من الناس، وأخلاطاً من الأجناس، وصوراً من الأشياء، تنكرها العين ويعرفها القلب، لأنها شرقية، ولأنها عربية، ولأنها مظلومة!. . . .
ذكرتني هذه المناظر مناظر غابت في سويداء القلب ولفائفه: ذكرني تقابل الرصافة والكرخ على دجلة، تقابل القاهرة والجيزة على النيل الأعلى، والمنصورة وطلخا على النيل الأسفل!.
وفي هذه الأماكن الحبيبة مدرج طفولتي وشبابي، وملتقى أحبتي وصحابي، فهاجت شجوني وسالت شؤوني. فوضعت جبهتي المضطرمة على سياج الشرفة البارد، وعدت بالذاكرة وشيكاً إلى بغداد، ثم انطويت على نفسي، وأخذت أتفكر وأتذكر وأعمه في غيابة الماضي، حتى انقطع ما بيني وبين الحاضر، وانمحى من حوالي العالم بأسره
وحينئذ انبعث من جانب الكرخ صوت شاد يرجع بالنغم العربي الشجي، فخيل إلي أنني أرى دجلة (الأمين). وجسر (ابن الجهم)، وكرخ المجان والخلعاء من أهل بغداد المترفة؛ ووقع في سمعي أن هذا الشادي يقول:
سقى الله الكرخ من مُتَنزَّهٍ … إلى قصر وضاح فِبرْكَةِ زلزل
مساحب أذيال القيان ومسرح ال … حسان ومثوى كل خرق معذل
وصور لي أنني أسمع غناء الملاحين في الزلازل، وأبصر (الدلفين) و (العقاب) يمخران
стр. 4030
العباب بالأمين وحسانه وقيانه ونداماه!. . . وتراءت لي على الشاطئ الشرقي قصور البرامكة الحزينة، يقابلها على الشاطئ الغربي قصور الخلفاء والأمراء تعج بالجواري والغلمان، وتضج بالشعراء والندمان، وتموج بالسادة والقادة والجند، وتفيض بالنعيم والجلال والعظمة، وتمثلت في خاطري بغداد الأمس كباريس اليوم في عدد سكانها، وفخامة بنيانها، واتساع رقعتها، وازدهار مدنيتها، وانبعاث الحضارة من مجامعها ومنابرها، وانبثاق الهداية من جوامعها ومنائرها. إلا أن باريس تشع في أجواء مشرقة تسطع فيها شموس أخرى تضارعها وتصارعها، أما بغداد التي عنت لها وجوه القياصرة، وكان من جندها أبناء الدهاقين والأكاسرة، فكانت شمساً واحدة ترسل الضوء والحرارة والحياة في القارات الثلاث فتبدد ما غشيها من ظلام وخمود ونوم
لا أدري متى كنت أصحو من نشوة هذه الذكريات الحلوة المرة، لو لم يعدني إلى وجودي صوت منكر من أصوات الحضارة الحديثة، قد انطلق من جوف مركب بخاري عظيم، كان يشق بحيزومه صدر دجلة، فسرحت طرفي في الأفق فإذا شمس الشرق تجاهد ظلام الغرب، وإذا القزعات قد ارتد بياضها سواداً ضربت في حواشيه حمرة الشفق، فصارت كأجنحة الغربان الدامية، أو كقطع من الفحم علقت بأطرافها نار حامية. ثم نظرت شمالاً فإذا المكان الذي سجدت فيه رسل (شارلمان) أمام الرشيد يخفق فوقه علم غريب، لا هو أسود ولا أبيض ولا أخضر وإذا قطع من السحائب السود قد انعقدت فوقه ملبدة هنا مبددة هناك. . . فقلت في نفسي ليت شعري أهذه بقايا أعلام الرشيد والمأمون، أم هذه أثواب الحداد لبستها سماء العراق على السعدون؟!
الزيات
стр. 4031
حمار بوريدان
بقلم السيد محمد روحي فيصل
لعل أشد الأدواء فتكاً في النفوس، وأكثرها ذيوعاً وانتشاراً، وأعمقها أثراً وتغلغلا، هذا الضعف في الإرادة أو التردد في العمل. يقعد بالمرء عن تحقيق رغائبه وآماله، ويمسكه عن تنفيذ مشاريعه وخططه، ويحول بينه وبين الإنتاج المتصل الذي يفيد الأمة ويفيد الإنسانية ثم يدفعها نحو المثل العليا الثلاثة: الخير والجمال والحقيقة
ومن العجب أن التردد على شدة فتكه وكثرة ذيوعه وعمق تغلغله لا يحسب ولا يلتفت إليه كأنما هو عرض من هذه الأعراض الهينة اليسيرة التي لا قيمة ولا وزن، أو كأنما هو شذوذ خفيف ضئيل في اتجاه مجرى الإرادة الصحيحة القوية!! ولعمر الحق ما شيء أنكس للرقى والمدنية وأدعى إلى الجمود والموت مثل التردد والإحجام (يصيب المرء في حياته العملية فيغل يده، ويشل عقله، ويتركه فريسة للألم من ضعفه، والخجل من صحبه. تظهر أعراضه في صغار الأمور وكبارها، فيكون في انتقاء الثوب واختيار الحالة، وفي الإقدام على الزيارة القصيرة والرحلة الطويلة، ويدخل في لذاذات الرجل وأعماله، كما يدخل في إدباره وإقباله)
أجل! يكون التردد في زورة الصديق، وافتتاح الحانوت، وارتياد المقهى كما يكون في طلب العلم والقوت والمال. وسواء أدخل في حقير الأمور أم جليلها فإنما هو يقف النهضة، ويبطئ الحركة، ويعوق عن التجدد والإبداع
لقد كشف السيكولوجيون عن نفسية المتردد، وأوضحوا المظاهر المتباينة العنيفة التي تطغى عليه وتأخذه بالحيرة والقلق فقالوا إن كل فعل إرادي لابد أن يجتاز على التوالي أربعة أطوار:
١ - تصور غاية الفعل، وإدراك المقصود من تحقيقه
٢ - طور الموازنة والمفاضلة. ذلك بأن كل فعل إرادي له بواعث قلبية وجدانية تخلقها الأهواء والميول، وتغذيها العواطف والنزعات، وتنميها المشاعر والأحاسيس. وعوامل عقلية ذهنية مصدرها المنطق والمحاكمة والمعرفة. فالمرء في هذا الطور يوازن بين البواعث القلبية والعوامل العقلية ويفاضل بينهما، ويقوم بعملية حسابية يزن بها قيمهما
стр. 4032
٣ - طور التقرير، ذلك أن المفاضلة بين البواعث والعوامل لابد أن تسفر عن نتيجة هي حل الفعل وتقريره
- طور التنفيذ - والتنفيذ تاج يزين هام الفعل الإرادي، ويتم محاسنه
شاء بعضهم أن يحذف من هذا التقسيم طور التنفيذ لأن الفعل الإرادي في نظره مرتبط من الوجهة النفسية بالتنفيذ أو عدمه. على أنه ينبغي أن يكون ثمة بداية في تحقيق الفعل واتجاه نحو العمل. لذلك قلنا إن التنفيذ (تاج يتمم محاسن الفعل الإرادي ويزين هامته)
فالتردد إنما يكون في الطور الثاني، طور الموازنة والمفاضلة. والمتردد إنما تتجاذبه البواعث والعوامل، يوازن بينهما ويفاضل بين قيمهما ثم لا ينتهي من موازنته ومفاضلته، ولا يضع حدا لهذا الاضطراب والفوضى. تناجيه بواعث القلب فيتفيأ ظلاله ويطمئن إلى أفنانه، ثم لا تلبث عوامل العقل أن تخرجه من طمأنينته وتغزو نفسه كلها. فهو ساحة حرب ما تكاد البواعث القلبية تنتصر فيها حينا إلا لتنخذل وتتراجع أمام قوة العوامل العقلية. وشدة منعتها، وعظمة سلطانها.
هكذا كتب الله على المتردد أن يقف بين بين، لا يقرر ولا ينفذ وإنما يخضع لطائفة من الاعتبارات النفسية المتعاكسة. وهذه الاعتبارات قد تنشأ عن خصب في الخيال، وسعة في المعرفة، وقوة في التفكير. وقد تنشأ عن تيقظ في الحيوية الانفعالية، واشتداد في الميل والهوى، وتدفق في الرغبة والعاطفة.
ومها يكن منشأ هذه الاعتبارات القوية فان المتردد عضو أشل (يعيش على هامش المجتمع البشري) كما يقول الدكتور بلوندل
قد تسأل بعد هذا: إذا كان الأمر ما تقول فما شأن الحيوان هنا؟ ومن يكون بوريدان هذا؟ وما هي العلاقة التي تصل عالم النفس الإنسانية بعالم (الحمير)؟؟
الحق إنه سؤال وجيه ممن لا يعرف وجه الاتصال والتقارب. فأما بوريدان فهو فيلسوف من فلاسفة اللاهوت والدين المسيحي في العصور الوسطى، ولد في مدينة بيتون من أعمال فرنسا الشمالية وتوفي عام ١٣٦٠ ميلادية. ينتسب إلى مدرسة (السكولاستيك) المشهورة بالجدل الديني والتفكير الغيبي، والتي من رجالها (روجر باكون) و (القديس بونا فانتير) و (دونز سكوت). وأما الحمار فقد شاء بوريدان أن يوضح (حرية الاختيار) في الحياة
стр. 4033
والنفس بتشبيه طريف ومثل قريب فافترض وجود حمار جائع ظمآن على مسافة معينة واحدة من إناء فيه ماء عذب، ومعلف فيه تبن وشعير. . . وطفق الحمار يفكر على جوعه وظمئه بأي الأمرين يبدأ: أيملأ بطنه أولا أم يروي ظمأه؟ فما يكاد يتجه نحو الماء مثلا حتى ينكفئ راجعاً نحو التبن والشعير!! وقد كان في وسعه أن يختار الذي يريد ويلتهم ما يهوى، ولكن الحمار المسكين بقي يفكر على ذلك النحو من المنطق العقيم حتى سقط جثة هامدة، ومات جوعاً وظمأ!!
هذه القصة الموجزة الخيالية تصور، غير حرية الاختيار، طبيعة التردد وعاقبة المتردد. فأما طبيعة التردد فقد شرحناها من الناحية النفسية، وأما عاقبة المتردد فهي كما رأيت: الفناء والموت. ذلك بأن الحياة تتطلب السرعة والحركة والعمل لا الجمود والإحجام. وكل من لابس الحياة وخاض غمارها فإنما ينبغي له أن يعمل ويعمل، لا يأبه بالموانع والصعوبات التي قد يصادفها في طريقة وتتعثر بها رجلاه، وإلا فان مصيره المحتوم التخلف عن الحياة، والانحدار نحو التفكك والانحلال. يذهب غويو إلى أن العمل المستمر أو الفاعلية الشديدة إنما يجب أن تكون المثل الأعلى في الأخلاق، لأن الحياة ليست ترددا ومحاسبة وإنما هي عمل وإنتاج , ` , ` ,
ولسنا نحب هنا أن نقيد الفاعلية الشديدة بالخيرية والشرية، وإن شئت فقل إننا لن نتعرض للخيرية والشرية في صدد الحث على الفاعلية الشديدة والجهد الدائم.
وعلم الأخلاق الحديث المبني على التجربة والمشاهدة يأبى ذلك وينفر منه كل النفور. فما يدربنا أن الأمر الذي نحكم بخيريته وشرف غايته يصبح شراً كله إذا نحن طبقناه ومارسناه في الحياة العملية. فالخيرية التي نخلعها على طائفة من الأمور دون أخرى هي خيرية سابقة للتجربة ومتقدمة على المشاهدة , فلنزاول إذن كل الأمور ولنتصل بكل شيء، ولتكن حياتنا ملآى مستفيضة الجوانب، متصلة الحركة، قوية الإرادة
والإرادة العاملة المحركة كنه الوجود وأس الكون كما يقرر شوبنهور إذ يعتقد أن الأحياء جميعاً محكومون بإرادة باطنية لا شعورية عمياء، دائبة الهمة والنشاط، متجددة الشهوة والرغبة، تسيطر على الفكر والعقل سيطرة عظمى.
إن صاحب الإرادة القوية سيد عواطفه وآرائه، فرغائبه تنقلب آناً إلى إرادة فاعلة، ليس
стр. 4034
يعرف المستحيل ولا يقر بوجوده في قاموس الأعمال!!
وبعد. ما دواء التردد؟ وكيف السبيل إلى الشفاء من هذا الداء؟ ذكر أطباء النفس طائفة من العلاجات الناجعة، منها ما هو لمداواة الجسم ومنها ما هو لمداواة الروح: ينبغي قبل كل شيء ترويض الأعضاء وتقوية الحواس وامتلاك الصحة لأن للإرادة أساساً عضوياً، ولسنا نبالغ إذا قلنا إن قوة العضلات هي الصورة الأولية الابتدائية لقوة الإرادة. فالمريض لا يستطيع تحقيق أمانيه لأن جسده فاتر العزم خائر القوى، وينبغي الطاعة وحب النظام، فالطفل إذا أطاع غيره فإنما يتعلم كيف تكون السيادة على الذات وقهر النفس، وهنا قد يكون للأسرة والمدرسة الأثر البليغ في ذلك
كذلك ينبغي تثقيف العقل وتهذيب الشعور. أما تثقيف العقل فيكون بالتفكير الصحيح، والانتباه الثابت، وتصور غاية الفعل بصورة محسوسة مسهبة، وإدراك مختلف المذاهب والنحل. وقد قال ديكارت (إن الإرادة القوية في العمل تقتضي وضوحاً شديدا في العقل). وأما تهذيب الشعور فيكون بالميل إلى المثل العليا الإنسانية، والاعتدال في الحب والهوى بحيث لا تطغى البواعث القلبية على العوامل العقلية فتجري الموازنة في جو هادئ ثم تسفر عن التقرير والتنفيذ ويسلم المرء مما وقع فيه حمار بوريدان.!
حمص
محمد روحي فيصل
стр. 4035
الانقلابات السياسية المعاصرة وأثرها في تطور
التفكير والآداب
للأستاذ محمد عبد الله عنان
من المبادئ الخالدة أن الفكر تراث الإنسانية، وأن ثمار التفكير البشري ملك حق لجميع الأمم والناس. وأن العلوم والآداب والفنون لا وطن لها ولا تعرف فوارق الجنس والقومية. وقد كانت هذه المبادئ وما زالت هي الغالبة في توجيه الفكر الإنساني؛ وإذا كان التفكير يتأثر في أحيان كثيرة بالعوامل والاعتبارات القومية فالمفروض دائماً أن هذه المؤثرات لا تجني على المبادئ والحقائق الخالدة. فقد مجدت الحرية مثلاً في كل العصور، واعتبرت أعز أمنية للشعوب والأفراد وأجدرها بالتضحية، وقدست حرية الفكر واعتبرت دائماً عنوان الكرامة البشرية؛ واعتبر الإخاء والمساواة منذ الثورة الفرنسية من أقدس المثل الإنسانية. ولكنا نرى اليوم هذه الحقائق تهدر في أمم عظيمة، فالحريات بأنواعها تسحق وتذم، وتعتبر العبودية نظاما، والخضوع الأعمى وطنية، والقومية المتعصبة تطغى على كل المبادئ والمثل الإنسانية؛ ونرى التفكير والآداب في هذه الأمم تنزل على وحي السياسة وإرادتها، وتغدو ألسنة مصفدة لتتأيد المبادئ والدعوات الجديدة.
وهذه ظاهرة خطيرة في عصرنا تستحق الدرس العميق. فمنذ الثورة الفرنسية لم يشهد العالم المتمدن انقلاباً في النظم الاجتماعية والفكرية كالذي نشهده اليوم كأثر للانقلابات السياسة التي وقعت منذ نهاية الحرب في كثير من الأمم الأوربية. وقد كانت الحرب الكبرى ذاتها وما ترتب عليها من النتائج السياسية والعسكرية أكبر عامل في التمهيد لهذه الانقلابات، فقد هزت الحرب دعائم المجتمع كله، وقوضت كثيراً من نظمه وآرائه ومعتقداته القديمة، وعصفت ويلاتها وأزماتها المتوالية بالنفوس والعزائم، وبعثت اليأس والاستكانة إلى كثير من المجتمعات، وظهر أثر ذلك كله واضحاً في آداب ما بعد الحرب. ونلاحظ في هذه الفترة أن النزعات الحرة والثورية تغلب على معظم ألوان التفكير والأدب، وأنها تتجه غالباً إلى الثورة على المبادئ والآراء القديمة، سواء في النظم السياسية أو الاجتماعية، أو تقدير الفضائل والأخلاق. على أن هذه الآثار العامة ليست كل شيء في هذا الانقلاب الفكري العميق الذي نريد أن نتحدث عنه. وإنما يمتاز الانقلاب بآثاره المحلية
стр. 4036
والخاصة، فهذه الآثار تذهب اليوم في بعض الأمم إلى إنكار الماضي كله والمثل الفكرية والأدبية والإنسانية كلها.
وهذه الثورات الفكرية والاجتماعية العميقة ترجع كما قدمنا إلى الحركات السياسية والقومية العنيفة التي جاش بها كثير من الأمم عقب الحرب، فقد كان لهذه الحركات أكبر أثر في توجيه التفكير والآداب والثقافة. والحقيقة أننا لا نستطيع أن نلاحظ مثل هذا الانقلاب العميق في مناحي التفكير والآداب إلا حيثما وقع انقلاب سياسي عميق يقوم على إنكار الماضي ومبادئه وآرائه القديمة. ففي روسيا السوفيتية حيث سحقت الثورة دولة القياصرة والمجتمع الروسي القديم بكل ما فيه من نظم ومبادئ وتقاليد، وقامت نظم سياسية واجتماعية واقتصادية جديدة البلشفية، نرى التفكير الروسي يتميز بلون ثوري عميق، ونرى نظريات الثورة العالمية، وسيادة الطبقات العاملة، والإخاء الدولي، ونضال الطوائف، وسحق الرأسمالية وغيرها تغمر الأدب الروسي المعاصر، ونرى الثقافة الروسية كلها تتجه إلى غرس هذه النظريات واعتبارها قوام الحياة الروسية العامة، وغذاء التفكير والآداب والفنون. ولم يبق من الأدب الروسي القديم ما يستحق التقدير في نظر روسيا البلشفية سوى آثار المفكرين والكتاب الأحرار والثوريين، مثل ترجينيف ودوستويفسكي وتولستوي والبرنس كروباتكن، تلك الآثار التي تصف شقاء المجتمع الروسي في عصر القياصرة، والتي كانت غذاء للحركة الثورية. وفي تركيا الكمالية نرى نواحي التفكير والثقافة تصطبغ بصبغة غربية جديدة هي أثر مباشر لاتجاه ثورة التجديد التركي ودفعها لتركيا نحو الغرب، بعد أن لبثت قرونا شرقية أسيوية، ونرى زعماء تركيا الجديدة يحاولون أن يخلقوا للشعب التركي عقلية جديدة تقوم على نسيان الماضي وبغض دول السلاطين، وتحقير العصبية الشرقية أو الإسلامية، وتمجيد الإصلاحات الجديدة، والاندفاع وراء التيار الغربي. ويذهب زعماء تركيا الجديدة إلي غرس النزعة القومية والتفكير والآداب إلى حدود الإغراق، فنراهم يغيرون قواعد اللغة التركية وألفاظها ويستبعدون منها الألفاظ المشتقة من لغة أخرى، ويضمون لتركيا تاريخاً جديداً تغفل فبه الحقائق العلمية والتاريخية الراسخة، ويقال لنا فيه إن الحضارة التركية هي أساس الحضارة البشرية، وأن اللغة التركية القديمة هي مصدر اللغات البشرية، وغير ذلك من المزاعم المغرقة التي تنقضها أبسط الحقائق
стр. 4037
التاريخية؛ وهذه المزاعم والنزعات كلها تمثل اليوم بقوة في الأدب التركي الجديد، ولا يسمح للمفكرين والكتاب الترك أن يعالجوا غيرها أو أن يعالجوها بما يخالف النظريات الرسمية؛ فالأدب التركي اليوم كالأدب الروسي، أدب حكومي تشرف عليه الحكومة وتوجهه إلى ما ترى فيه تحقيق برنامجها السياسي والاجتماعي.
وقد كانت الفاشستية بلا ريب أعظم حركة سياسية اجتماعية حدثت بعد الحرب؛ وكان لها في توجيه التفكير والآداب أعظم أثر. ونلاحظ أولاً أن الانقلاب الروسي في هذا التوجيه أبعد مدى من حيث كونه ينكر أسس المجتمع القديم كلها، سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية، ولكن الفاشستية لا تذهب في الهدم إلى هذا الحد؛ وبينما تذهب البلشفية إلى تقوية النزعات الثورية والحرة في حدود الطغيان البلشفي، إذا بالفاشستية تقمع كل نزعة ثورية أو حرة تتجه إلى محاسبتها. وقد كانت الفاشستية إلى ما قبل عامين حركة محلية إيطالية، ولكنها تغدو اليوم حركة أوربية عامة تحدث آثارها السياسية والاجتماعية والفكرية في ألمانيا وبولونيا والنمسا وغيرها. ولما كانت الفاشستية حركة طغيان شامل، فإنها تبسط سلطانها على الحركة الفكرية كما تبسطه على كل قوة معنوية أخرى، وتحاول أن تصفدها في حدود برنامجها، وأن تسيرها طبقا لوحيها وإرشادها. وهنا فرق جوهري بين موقف الديموقراطية وموقف الفاشستية من الحركة الفكرية؛ ذلك أن الثورة الديمقراطية تقع دائما في المحيط العقلي، ثم تحدث آثارها المادية بعد ذلك في الأنظمة السياسية والاجتماعية؛ ولكن الفاشستية تقوم بالعكس في المحيط المادي وبوسائل العنف المادية، ثم تحاول بعد ذلك أن تغزو الميدان العقلي وأن تجعل من الحركة الفكرية أداة لتوطيد سلطانها كما تجعل من الجيش والأسطول؛ ومن أهم الظواهر الفاشستية إنها تعمل على مطاردة القوى العقلية الممتازة التي لا تخضع لوحيها، ولا ترعى سوى الأذهان الضئيلة المتواضعة التي تهرع لخدمة كل سلطة جديدة وكل نظام جديد
ويبدو أثر الثورة الفاشستية في الحركة الفكرية الألمانية بشكل قوي واضح. ففي إيطاليا تسود المبادئ الفاشستية الرجعية في توجيه التفكير والآداب والفنون والحياة العقلية كلها كما تسود الحياة السياسية والاجتماعية، وتغمر الثقافة الإيطالية في جميع نواحيها، وتحاول أن تحدث أثرها في توجيه الثقافة العالمية. ولما كانت الفاشستية تنكر الحريات العامة، فهي لا
стр. 4038
تعترف بحرية الفكر بل تبغضها وتسحقها بكل قواها، لأنها ترى في وجودها خطراً على كيانها؛ وحرية الفكر أسمى مزايا الإنتاج العقلي والفني، وإذاً ففي ظل هذا الطغيان الذي يسلب الفكر أقدس حقوقه، لا يمكن أن يزدهر التفكير الرفيع، ولا أن تصل الآداب والفنون إلى ذرى القوة والصقل؛ وتغدو الحياة العقلية مطبوعة بطابع التماثل الممل، لأنها تسير وتسخر طبقاً للوحي القاهر. هذا إلى أن التفكير والآداب في هذا الأفق المصطنع قد جردت من أقدس المثل التي استرشدت بها في كل العصور، فأصبحت تمجد العبودية لأنها أسيرة الطغيان، وتمجد الحرب لأنها جردت من المثل الإنسانية الخالصة. وهذه الظواهر هي وليدة الطغيان قبل كل شيء تتجلى اليوم بأوضح ألوانها في ألمانيا على حداثة عهدها بالفاشستية؛ فإن الحركة الوطنية الاشتراكية الألمانية ما كادت تظفر بقلب نظم الحكم في ألمانيا، وإقامة الطغيان على أنقاض الديموقراطية، حتى أخذت تفرض مبادئها ونظرياتها على التفكير والآداب والثقافة الألمانية؛ وهي اليوم تمثل في الحياة الألمانية بقوة، ونظرياتها القومية والجنسية المغرقة تطبع التفكير الألماني في جميع نواحيه العلمية والأدبية والفنية، بل هي تذهب في الجرأة إلى حد محاولة التأثير في العقيدة النصرانية وصبغها بصبغتها. والعلم والتفكير والآداب والفنون في ألمانيا تسخر كلها لخدمة الدعوة الوطنية والاشتراكية وتمجيد مبادئ هتلر، واثبات نظرياته المغرقة في تفوق الجنس الآري على الأجناس الأخرى، وتفوق السلالة الألمانية على سائر المخلوقات؛ واثبات صلاحية الحكم المطلق وفشل الحكم الديموقراطي؛ وتمجيد الخضوع المطلق للزعامة، والانتقاص من قيمة الحريات العامة، وغير ذلك مما تضمنه برنامج الوطنية الاشتراكية (وإنجيل) هتلر. وقد ذهب الوطنيون الاشتراكيون بعيداً في السيطرة على زمام الحركة العقلية في ألمانيا، فبسطوا إشرافهم على الجامعات، وأصدروا تشريعاً يصفد الصحافة ويجعلها مهنة شبه حكومية، ويجعل الكتاب دعاة للوطنية الاشتراكية وطغيانها. وكما أن الفاشستية الإيطالية بعثت إلى الأدب الإيطالي بصور رومة القديمة وذكريات الإمبراطورية الرومانية ومجد القياصرة، وبالطموح إلى إحياء هذه الذكريات والصور في حياة إيطاليا وآمالها، فكذلك بثت الوطنية الاشتراكية في الأدب الألماني مثل الإمبراطورية المقدسة الذاهبة، وصور ألمانيا العسكرية الظافرة الزاهرة تحمل زعامة الجنس الآري كله، وتملي على أوربا القديمة
стр. 4039
إرادتها ومثلها.
وقد كان للانقلابات السياسية والقومية دائماً أثرها في توجيه التفكير والآداب في جميع الأمم والعصور؛ ولكن لعل التاريخ لم يشهد عصراً غمرت فيه القومية المتطرفة والنزعات الرجعية التفكير والآداب كعصرنا؛ ذلك أن التوجه القومي المعاصر يذهب إلى حد الإغراق ويتخذ صوراً من العنف لم يسمع بها، ويحاول أن يسيطر على جميع نواحي الحياة العامة، وأن يتدخل في صوغ العقلية العامة. ولا ريب أن الحركات القومية تكسب من وراء ذلك قوة، وربما كست الأمم في بعض نواحي الحياة المادية حيوية جديدة، ولكن الحركة العقلية تعرض بالعكس لأخطار كثيرة. ذلك لأن الثورات القومية العميقة تقوم على العوامل السياسية قبل كل شيء، وتستخدم في سبيل مآربها سلاح الدعوات المغرضة والنظريات الموضوعة التي لا تقرها المثل الإنسانية دائماً، ولا يقرها العلم الخالص والحقائق المنزهة. والثقافات التي تطبعها أهواء السياسية والنظريات المغرضة، والآداب التي ترغم على تصوير ألوان مصطنعة من الحياة العامة والحياة الفردية، وتحمل على تمجيد البطولة الزائفة، وتمجيد العبودية في عصر النور والحريات، وامتهان المبادئ والمثل المقدسة، وتزييف حقائق العلم والتاريخ الراسخة، هذه الثقافات والآداب ليست جديرة بأن تقود الأمم العظيمة، وليست جديرة بالأخص بأن تتخذ مكانها بين تراث الإنسانية الرفيع.
إن تطور التفكير والآداب على هذا النحو في أمم عظيمة كإيطاليا وألمانيا، هو بلا ريب ظفر جديد للمبادئ والاعتبارات المادية، ولكن ظفر المبادئ والاعتبارات المادية على حساب الحياة العقلية والروحية من ظواهر انحلال الحضارات والأمم؛ وإن حضارة تمجد فيها العبودية، وتطارد فيها العلوم والآداب لأجدر بالعصور الوسطى منها بعصرنا.
محمد عبد الله عنان
المحامي
стр. 4040
من ذكرياتي في مصر:
ساعة عند أمير الشعراء
لا أزال اذكر تلك الساعة السعيدة التي هبطت فيها مصر لأول مرة في
حياتي عام ١٩٢٩ فقد كانت مليئة بالخواطر، فياضة بالآمال، محفوفة
بالأحلام. وكانت الفصل بين ماض راحل، ومستقبل ماثل، لقد تذكرت
وأنا أجتاز ميدان (باب الحديد) وطرفي شاخص إلى تمثال (نهضة
مصر) القائم وسط ذلك الميدان الفسيح، أنني قد بلغت ما كنت أتشوف
له وأصبوا إليه، فها أنا في تلك المدينة الجميلة التي طالما تاقت إلى
مرآها نفسي، ونزع إليها هواي، وها أنا في ذلك البلد الأمين الذي كان
ملاك خاطري وقيد ناظري، ومعقد أملي، ومحط رغابي، كم كنت
أتمنى في تلك الساعة لو يتاح لي شهود مصر كلها فاجتلي ما فيها، لقد
تمثلت أمامي بحضارتها المزيجة من روح الشرق الخالدة، أو نفسية
الغرب الجديدة، فعملت فيها كل منهما عملها، فظهرت من الاثنتين ثالثة
كانت رباط الشرق بالغرب، وجماع شخصيتيهما المتباعدتين من أقدم
العصور حتى اليوم.
وتمثلت أمامي بأعلامها الميامين، وأبنائها المقاويل، وأساتيذها الأماثيل. وشعرائها المفلقين، أولئك الذين تسمع دوي اسمهم في أنحاء الشرق يملك عليك سمعك، ويأخذ بمجامع قلبك، فرفعوا اسم مصر وبنوا لها في الأدب والفن مجداً أصبحت به محط الرجال وقبلة الآمال. . .
رحم الله (شوقي وحافظ) فقد كنت إذا ذكرت مصر أو مرت على خاطريالحياة على جنبات النيل ذكرت قبل كل شيء (شوقي وحافظ) وأنهما يقيمان في هذه المدينة القائمة في هذا السهل الوسيع، يحرسها (أبو الهول) الرابض في كنفها هازئاً بالزمن ساخرا من الحياة
стр. 4041
الخاطفة. . والحق أن (شوقي وحافظ) أقاما لهما من المجد ما أخرس كل لسان، فملكا على الناس أسماعهم، وإنك لتسمع لهما صوتاً يرن في الآذان، حيثما وليت وجهك في هذه البلاد العربية المترامية الأطراف، فكان مما أردته وأنا في مدينة شوقي وحافظ أن أراهما حق الرؤية، وأن أعرفهما حق المعرفة، وهكذا كان. .
لقد أشربت النفوس حب شوقي فخالط اللحم والدم، لأنها كانت تجد فيه فيضاً من العبقرية لا ينضب، وكنزاً من الإبريز يزيد قدره تعاقب الأيام والسنين، هذا إلى ما كان عليه من عظيم الخلق، ونبل القصد، وسجاحة النفس، وعفة اللسان، وحب الخير، وصلابة الإيمان، والملاحاة عن بيضة الدين والعربية بما حباه الله من صارم ذرب، ولسان عضب، وقول فصل، يدعمه غزارة العلم، وضلاعة في التأثير، وشت الخصوم.
رأيت (شوقي) لأول مرة في دمشق بـ (كازينو الخديوية) وكان بالقرب من الطاولة التي كنت عندها فعرفته من غير دليل، وعرفت أنه الشاعر العظيم بلا لبس ولا مراء، وإن لم يرشدني إليه أحد فما أعظم المثلة بين هذه الأسرة والقسمات وبين تلك التي كنت أتوسمها في صوره في الكتب والمجلات. . .
لقد كنت جد شيق إلى التعرف به في تلك الفترة من الزمن، ولكن كم كنت أراني فضولياً إذا قمت بذلك في غير الفرصة السانحة التي تقضي بهذا التعارف، فحملت نفسي على إرجاء ذلك إلى الظروف والمناسبات. .
وفي عام ١٩٣٠ بعد تجوال أربعة أشهر في سورية وفلسطين، عدت إلى القاهرة للمرة الثانية غب عطلة الصيف. فوجدت الكثير من الشباب العرب في معاهد مصر يزمعون إنشاء جمعية باسم (جمعية الوحدة العربية) تلك التي طالما كنا نتغنى بذكرها، ونؤكد وجوب تأسيسها في السنة المنصرمة لضم شمل أبناء الضاد وعقد تعارف وثيق بينهم على ضفاف النيل السعيد، وسرعان ما نضجت تلك الفكرة، فأتت أكلها عن قريب، ولقد وجدت من (شوقي) ﵀ خير نصير لها، حريص عليها، مبشر بها، فأوفدت الجمعية ممثلين لمختلف أقطار العرب كنت أحدهم لتقديم الشكر إليه باسمها، وتهنئته بابلاله من علته، فما كان أعظم ابتهاجه بنا، لقد كان يحثنا على مواصلة ما نحن فيه، ويضرب لنا الأمثال بصوته الضعيف المتقطع يخرجه بتكلف وعناء، مدعماً إياه بإشارات مختلفة من يديه
стр. 4042
يستعين بها على إظهار ما يريد، لقد كان أساي في تلك الساعة عظيما كلما نظرت إلى الشاعر وما يقاسيه، التياعاً مما سيصيب دولة الشعر في المستقبل، وإشفاقاً على شوقي مما هو فيه من داء كامن بالغ، وإعياء شامل وشحوب باد. . .
لقد كان ذلك الاجتماع أول اجتماع عقد صلة المعرفة بيني وبينه، وكنت كلما زدت تعرفاً به، ازددت إعجاباً بعبقريته الفياضة، وزدت شوقاً إلى مجلسه الجامع لافانين الأدب، وروائع الحكمة، وطرائف الأخبار وأوابد الملح والمفاكهات، ولا غرور في ذلك فشوقي يمثل عصراً بكامله، عصراً كان فيه مالك سمعه، وشاغل لبه، ومثير مشاعره، وهو خير مرآة له، بل خير من سيصوره للأجيال الآتية حق التصوير.
وفي عام ١٩٣٢ عدت إلى مصر بعد أن فارقتها ما يناهز سبعة أشهر، وكنت إذ ذاك في ضيق من دروس متراكمة، أتدارك ما فات، فشغلتني مشاغل المراجعة والحياة بين الكتب، والحرص على الوقت القصير من زيارة شوقي وتجديد عهد الاجتماع به. .
وأقبلت طلائع الصيف لهذا العام، وانتهت أعوام المدرسة اللذيذة، أو قل الحياة في مصر، ودنا أوان العودة إلى الوطن العزيز، والتزود من النيل بذكريات على جنباته لا تنسى، وصور باقية لا تمحى، فقد أوشكت أن تكون الحياة المغمورة بمختلف الخواطر، المحفوفة بشتى الألوان، ذكراً ماضياً، أو خيالاً سارياً ألم بنائم، وأطاف بحالم.
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا … أنيس ولم يسمر بمكة سامر
أي والله: لقد أوشكت أن تكون تلك العهود إذ ذاك، ذكريات دفينة يضفيها الزمن إلى خزانته، تتجدد في نفوسنا كلما جد عهد، وهاج بعد، وحالت حال، ولاح خيال، وهاهي اليوم قد أصبحت كذلك، مطمورة في الصدر، رهينة في الفكر، تبتعثها لواعج الهم، وتشب جذوتها كوامن الألم.
قلت لقد دنا الفراق، فبعد أيام معدودات امتطي القطار الزفوف، وبعده السيارة الربيدة، إلى حيث ملاعب الصبا، ومجامع الألفة والهوى، والتئام الشمل، ولقيا الأهل، فكان من الواجب بعد هذا وأنا أودع مصر عن قريب أن ألقى (شوقي)، وأن أودعه، وما كنت أحسب أن ذلك الوداع سيكون الأخير، وان ذلك الاجتماع ليس بعده اجتماع، فكنت قد عقدت النية على الذهاب إليه. والتزود بالحديث العذب، وبينما أنا كذلك إذ جاءني صديق عراقي يخبرني
стр. 4043
بدعوة (شوقي) لي معه في داره (كرمة ابن هانئ) ضمن نخبة أمجاد من غطارفة مصر، وأهلة العصر، فما منهم إلا من استفاض ذكره، وعلا في الفضل كعبه، ونما في المجد حظه. .
ذهبت أنا ورفيقي في الموعد المنتظر إلى (كرمة ابن هانئ) ظهراً، وكنت قد زرتها قبل هذه المرة، جنة أنيقة زاهية، نسقت فيها مغارس الزهر، وخمائل النبت وأصص الورد تنسيقاً يبعث البهجة في النفس، يقوم وسطها قصر جميل يطل على النيل، ويقابل القطم مدلاً عليه بما أوتيه من جمال وجلال، وروعة أخاذة بالألباب، مستفزة للمشاعر، وذلك لأنه مقام الشاعر ومبيت جسمه، ومهبط وحيه وخياله، ومرتع شاعريته وتأمله، ومجتمع أمانيه وآماله، فله ذلك ما دام كذلك. .
دخلنا القصر فاستقبلنا سكرتير الشاعر، فجلسنا في الشرفة الأمامية منه ننتظر قدوم شوقي، ونتأمل محاسن الطبيعة أمامنا، هذه مدينة القاهرة تجاه أبصارنا، كم من خواطر تاريخية تمر على البال في تلك الساعة، إن الإنسان بهذا ليستعرض تاريخ مصر وما يتوالى عليها من حوادث وفتن وانقلاب وأحوال، تتزاحم كلها في ذاكرة الناظر إذا ما أمعن في نظره، ورجع إلى الماضي البعيد، أجل! تستثير كل تلك الذكريات مبان عالية مختلفة، ومنائر ضاربة في الفضاء، وقبب منتثرة هنا وهناك مختلفة في الأعمار، تنطق بالعبر، وتشهد على أن الزمان دول. وكان على جانبي السلم الرخامي تمثالان قائمان يحمل كل منهما شبه مصباح في يديه. فسألني صاحبي عن تعليل لطيف لذلك، فقلت إن هذا أصدق تخيل يطابق (ديوجيني) وقد حمل سراجا يدور به في شوارع (أثينا) ليفتش عن الرجل في الليل والنهار، وفي الأخير وبعد تجوال طويل عثر على امرأة خبرها فوجد فيها المثل الأعلى للإنسان الذي يبتغيه فقال (لقد بحثت عن الرجل بكل مكان فلم أجده، ولكني وجدت المرأة) وما أشبه هذا التمثال الصامت الناطق القائم في مدخل الدار حاملا بيده مصباح الحكمة والهداية بديوجيني، وكأنه هنا وقف للغادين والرائحين يقول (ها قد وجدت ضالتي المنشودة بعد عصور طويلة، لقد وجدت الرجل، لقد عرفت الرجل، هيا أدخل ترى الرجل).
وأقبل إلينا شوقي بعد فترة عاجلة من الزمن متهللاً، فتقدمنا إليه مسلمين، فرحب بمقدمنا غاية الترحيب. وانتبذنا جانب شرفة القصر ريثما يتم اجتماع الآخرين، وكان الشاعر في
стр. 4044
هذه المرة التي لقيتها فيها خيراً منه في النشاط ودلائل القوة في كل مرة رأيته قبلها، فقد هادنته العلل في ذلك الحين، وناهض المرض وصاوله حتى تغلب عليه إذ ذاك، ولكن من كان يدري أن (شوقي) سخر صريعاً في الميدان بعد أشهر قليلة من هذا الانتصار. وان تلك العلل إنما كمنت لتتجمع للوثوب، واختفت متراجعة لتظهر على حين غفلة، وهادنت خداعاً، والحرب خدعة، من كان يدري ذلك ومن المصدق بهذا المنقلب العاجل؟. . لقد كان شوقي في تلك الساعة قرير النفس، رخي البال، طافح البشر، وكان صورة من الطبيعة الباسمة في ذلك اليوم، وهكذا يكون الشاعر هو والطبيعة صنوان لا يفترقان. . تنظر إليه فتقرأ في جبينه المتغضن خطرات السنين المتعاقبة، وأصداء الزمن الماضي بما فيه من حوادث وشئون، كان لسانها الناطق وحافظها للأجيال المقبلة من الاندثار، فإذا أمعنت في سطور ذلك المحيا داخلت نفسك هزة وانتفاضة هي هزة الإجلال والمهابة، حيث ترى ذلك العقل الجبار وذلك الذهن المتقد يشع نوراً وحكمة، وذلك الخيال المطلق أعني به الشاعر أو روح الطبيعة الثاني، ذلك الذين يهم في كل واد، ويسبح في كل لجة، فيحلق مع الطيور في سمائها ليساجلها أنغامها، ويعانق الطبيعة في خمائلها ويتغنى بجمالها، وقد تراه فتبصر فيه خفة السرور وتقرأ عليه نضرة النعيم، وقد تراه فتجده بائساً لبؤس غيره، أنيس المحزون، وعزاء الضعيف، يشفق على المنكوبين وتذهب نفسه حسرات عليهم
وتقرأ في عينيه الذابلتين اللتين أتعب أجفانهما السهد وتعاقب الزمن، صفاء السريرة، وعفة القلب، وحدة الذكاء، وهي خير مترجم عن قلب الشاعر، ذلك القلب العامر بالفضيلة والخير. وإذا استمعت إلى حديثه العذب أسرتك طلاوته، واجتذبتك حلاوته، يبلغ إلى فؤادك قبل سمعك فلا تمل منه لغة، ولا تسأم فيه لهجة، وشوقي إذا حدث تخير ما راق لسامعه، ورقت حواشيه، وأتى بكل طريف قشيب، تستهله طرافة في التعبير، وتختتمه دعابة أو عبرة في الحديث تقتضيها الحال ويستدعها المقال، وكان الحديث جامعاً وكان إقبالنا عليه بالغاً، تناولنا شئوناً مختلفة في أحوال (العراق) والأدب العربي في هذا العصر وبعض مشهوري الشعراء والكتاب، وقضينا في هذا حينا حتى قدم علينا الأستاذ محمد عبد الوهاب، وكان حديث القدوم من العراق ثم اكتمل العقد، وانتظم الجمع فنهضنا إلى داخل الدار حيث مائدة الطعام.
стр. 4045
ولا تسل عما كان يدور حينذاك من مفاكهات عفة. وملح آبدة، ونوادر طريفة، ساقها فرسان مشهورون في مصر في هذا المضمار، مصلون به، والفكاهة والظرف والتندر من الغرائز التي طبع عليها المصري، وهي من خصائص دمه لا تفارقه، والذي يزيد فيها قوة وحسن وقع في النفس أنها تمرق من اللسان عفوا وتنطلق من غير تكلف وتعمل. . تزجيها الطبيعة، ويقذف بها الظرف الملائم، ولسرعة البديهة وحدة الخاطر أثر لا ينكر في سوقها. .
انتهى محفل الغذاء فجلسنا بعد برهة قصيرة حتى اقترب موعد سفرنا من مصر في ذلك اليوم، فتنازعنا عاملان: عامل البقاء والاستمتاع بهذه الأحاديث الطلية، وعامل الجلاء إلى حيث ينتظرنا القطار الذاهب إلى فلسطين، وفراق مصر على مضض، فتغلب العامل الثاني وإذا نحن في قطار المساء يزفر زفرة الوداع، وإذا بنا نودع من عز علينا وداعهم. وإذا بنا نستعرض صفحات وذكريات ماضية وإذا بنا نفارق أرض مصر وندخل في أرض الميعاد. . .
بغداد
كمال إبراهيم
стр. 4046
اختلاف المزاج وأثره في الأفراد والأمم
وفي السياسة العامة
إذا رجعت معظم أسباب حوادث الطلاق التي تنشرها الصحف الإنكليزية، وجدت أن في مقدمتها اختلاف المزاج، وهو ما يعبرون عنه بقولهم ولا نفهم تماماً كيف يؤدي اختلاف مزاج الزوجين إلى تنغيص عيشتهما حتى يطلبا الخلاص منه بالافتراق.
نريد أن نقول: هل إذا كان الزوجان من أهل المزاج العصبي يكونان أقرب إلى الاختصام مما لو كان الواحد عصبياً حامياً والآخر بلغميا بارداً؟
قد يخيل إليك لأول وهلة أن الأمر كذلك، أي أن العصبي سريع الانفعال إذا لقي مثله تطاحنا وتقاتلا حتى يغلب أحدهما الآخر. ويبقى ذلك ديدنهما حتى يفرق بينهما تفريقاً لا اجتماع بعده.
ولكن العكس صحيح أيضاً. أي أن العصبي - وحدته ونزقه معروفان - لا يطيق أن يرى أمامه بلغمياً بارد الطبع، لأن الأول شعاره السرعة والثاني البطء، فيؤدي اختلافهما هذا إلى تخاصمهما بشدة لا تقل عن شدة تخاصم الأولين.
وصحيح كذلك أن العصبي حاد المزاج يطلب تنفيذ إرادته بلا تهاون، فإذا لقي أمامه صفراوياً أو بلغمياً بطيء الانفعال والتأثر فالغالب أنهما لا يعارضانه فيتم له ما يريد بلا خلاف ولا احتكاك ولا قتال
ويظهر أن هذا الحكم الأخير هو الرائج في السياسة، فقد تبدلت محالفات الأمم المختلف المزاج وتغيرت، وبقيت محالفات الأمم المتشابهة الأمزجة. فمن القبيل الأول محالفات أوربا في القرن الماضي كالمحالفة الثلاثية بين ألمانيا والنمسا وإيطاليا، والمحالفة الثنائية بين فرنسا وروسيا. فقد زالت هاتان المحالفتان ولم يبق لها أثر.
ومن القبيل الثاني تحالف بلدان ألمانيا وتحالف ولايات أميركا. وهما تحالفان يبقيان على الدهر لأن (الدم أكثف من الماء) كما يقول المثل الإنكليزي. وعلى هذه النظرية يقدرون تحالف الأمتين الإنجلوسكسونيتين في مستقبل الزمان - أريد بهما أميركا وبريطانيا.
وقد وجد الإنكليز والفرنسيون بالاختبار الطويل أن كل سعي في التقريب بين الأمتين نجح حتى حين، ثم لم يلبث أن فشل لأن المزاج الأولين الصفراوي مضاد لمزاج الأخيرين
стр. 4047
العصبي. ومن ذلك كانت سلسلة حروبهما الطويلة التي بلغت أقصاها في عهد نابليون، ثم انتهت حروب نابليون ولم ينته عداؤهما. وقد تمكن الملك إدوارد السابع بكياسته وحسن سياسته من عقد الاتفاق الودادي بينهما، وظهر أن هذا الوداد ازداد توثقاً بتحالف الأمتين في الحرب العالمية وانضمام أميركا إليها بعد ما تلكأت نحو ثلاث سنوات عنها. ثم لما انتهت الحرب إذا هما كانتا في تاريخهما الطويل - أمتان دائمتا النفار إذا اصطلحتا اليوم فلتختصما غداً.
وهذا شأن الفرنسويين مع أميركا، ولكن بعد الشقة بينهما وقلة تصادم المصالح حالا دون بروز وجوه الخلاف. وحالت (مديونية) فرنسا لأمريكا دون إبداء مزاجها العصبي، وكانت خير شكيمة لتمادي جماحها على رجاء أن حسن سلوكها وكظم مزاجها العصبي وإحلال المحاسنة محل المخاشنة - تؤدي كلها إلى تجاوز أميركا عن مالها من الدين على فرنسا.
ولكن الأميركيين متصلبون في عزمهم على ما يظهر تصلب شيلوك في اقتضاء رطل اللحم من غريمه مما حمل فرنسا على التظاهر بشيء من الخلق العصبي الذي طالما أخفته المحاسنة والملاينة والمجاملة. فلما احتفلوا بعيد لافاييت في الأسبوع الماضي أوعزوا إلى وزير حربيتهم المارشال بتاين العسكري العبقري أن يخطب فخطب عاتباً، والعتاب أول درجات الخناق.
ذكر في خطبته مقاتلة الجنود الفرنسوية تحت لواء وشنطن دفاعاً عن استقلال أميركا وما كان من الود القديم بينهما ثم نعاه فقال أن الأمتين ليستا من الود الآن على ما كنتا في قديم الزمان
ولكن هذا الغضب المقنع بقناع العتاب اللطيف والغمز الظريف، لابد أن يكون صاحبه قد ندم عليه بعد ما وردت أنباء أميركا بأن الأميركيين لم ينسوا جميل لافاييت، بل قاموا قومة رجل واحد يعقدون الاحتفالات في جميع أرجاء فرنسا، ويدعوا مجلس أمتهم سفير فرنسا إلى احتفال عظيم في وشنطن يكون السفير ضيف الحكومة فيه، ورئيس الجمهورية خطيب الحفلة فيها خطبة مؤثرة، ويذكر مآثر فرنسا في شخص لافاييت.
ولكن ذلك لا ينقع غلة ولا يشفى علة، ما دامت أميركا تطالب برطل اللحم منقوص، هذا كله يجيء مصدقاً للقول أن اختلاف الأمزجة هو بيت الداء بين الأمتين كما هو بيت الداء
стр. 4048
بين الزوجين.
ق. س
стр. 4049
في المحكمة الصلحية
بكفيا - لبنان
للأستاذ حسن عبد الجواد
بكفيا بلد من بلاد لبنان يعلو ٩٥٠ متراً عن سطح البحر ويبعد ٢١ كيلو مترا عن بيروت. وعلى مقربة من هذا البلد تقع ضهور الشوير التي احتفلت بلديتها في الصيف الماضي بافتتاح شارع الأمير فاروق فيها بحضور كبار المصطافين المصريين.
وفي بكفيا محكمة صلحية (جزئية) يرأسها قاض على جانب كبير من الثقافة اسمه الأستاذ ناصر رعد.
والمحكمة الصلحية هي هي الجزئية. وهناك محاكم ابتدائية واستئنافية. ولديهم محكمة التمييز (النقض والإبرام).
وسراي محكمة بكفيا الصلحية بها غرفة للقاضي وقاعة للجلسة وغرفة لكتاب المحكمة (قلم كتاب) وغرفة المأمور الأجراء (المحضر القائم بالتنفيذ). - ومأمور الأجراء في تلك البلاد يتقاضى فوق مرتبه نسبة معينة على المبالغ التي يحصلها لأصحاب القضايا.
وكاتب التصديقات هناك يعمل لحسابه الخاص ويسمى (كاتب عدل) وله محل خاص أسفل سراي المحكمة يدفع هو أجرته الشهرية.
انعقدت الجلسة في الساعة التاسعة صباحاً ورأسها القاضي مرتديا الروب؛ وجلس على اليمين كاتب الجلسة مرتدياً الروب؛ وجلس المحامون بمقعدهم الأمامي يرتدي كل منهم الروب.
ووضعت القضايا على المنصة، أمام القاضي، وكل قضية في مظروف مختوم.
نادى حضرة القاضي (فتحت الجلسة علناً) وفتح مظروف القضية الأولى بين سكون شامل - فإذا ما نظر القضية فتح مظروف الثانية وقال نفس العبارة (فتحت الجلسة علناً) وهكذا في كل قضية.
ولقد أعجبنا كثيراً كثرة التجاء المحكمة إلى تعيين محكمين، بعد اتفاق الخصوم والتوقيع على محضر الجلسة بقبول التحكيم. وكثيراً ما انتهت القضايا صلحاً أمام المحكمة، وقد رأيناها تعرض الصلح على طرفي النزاع في كل قضية. وهذا طبيعي لأن المحكمة
стр. 4050
صلحية. وأول ما يجب على القاضي الجزئي عرض الصلح على المتخاصمين.
وقد لاحظنا أن القاضي قد درس القضايا جيداً قبل افتتاح الجلسة إذ أخذ يناقش الخصوم في كل صغيرة وكبيرة - وقد تأكدنا أن القائم بتبليغ القضايا (بالإعلان) قد استجوب المدعي عليه كتابة على عريضة الدعوى. وفي ذلك تسهيل كبير لمهمة القاضي، وحصر للمرافعة في نقطة الخلاف فقط. وفي ذلك توفير كبير للوقت.
وقد رأينا القاضي يملي الكاتب أقوال طرفي النزاع بلغة عربية فصحى، ثم يطلب إليه قراءة ما كتب للتأكد من صحته
وكان يسأل القاضي الشاهد عن اسمه وصناعته وعمره، وعما إذا كان متزوجاً أو أعزب - وإن كان متزوجاً سأله عما إذا كان له أولاد. وقد سألنا عن السر في هذه الأسئلة الخاصة بزواجه وبأولاده فقيل (لمراعاة ذلك عند تقدير العقوبة على شاهد الزور)
وقد كان القاضي ظريفاً حقاً، وعلى جانب كبير من الأدب، فوق دقته وذكائه. وسمعناه يقول للشاهد عند الانصراف: (مع السلامة).
وقد حكمت المحكمة في القضايا الكيدية بمبلغ من النقود (نظير العطل والضرر) كذا، وفي ذلك القضاء حقا على القضايا الكيدية.
وفي القضايا التي تعين المحكمة فيها خبيراً، تستدعيه وتحدد له مهمته، والساعة واليوم الواجب تقديم التقرير فيهما
والتوكيلات يطلع عليها القاضي ويملي رقمها للكاتب ويردها لأصحابها.
ونظام الإكراه البدني متبع في تلك البلاد لتحصيل الديون المدنية المحكوم بها بعد الاستشهاد بشاهدين على أن المدين قادر على الدفع. ويشترط ألا يكون للمدين عقار حتى يكره على الدفع بالطريقة المذكورة؛ لأنه في حالة تملكه عقاراً يمكن اتخاذ إجراءات نزع الملكية بدلا من الإكراه البدني. والمحكمة تقضي بحبس المدين ٩١ يوماً مع استمرار حق الدائن في التنفيذ مدنياً. ومن أجل هذا قلت دعاوى الاسترداد، وقلت الدعاوى الكيدية المقصود منها عرقلة التنفيذ، وتأجيل إيصال الحقوق إلى أربابها.
والمحكمة تنعقد مراراً في الأسبوع لنظر قضايا الحقوق المدنية أو لنظر الجنح والمخالفات (محكمة جزاء).
стр. 4051
والمحكمة تشدد العقوبة على سائقي السيارات المقدمين بتهمة الإسراع فتقضي بالحبس لغاية ٦ شهور - والإسراع بمصر مخالفة لا يزيد الحبس فيها على أسبوع حبسا بسيطا - ولعل السبب في ذلك سوء العاقبة عند الإسراع نظراً لارتفاع الجبال وعمق الوديان.
وعند انعقاد الجلسة - جلسة الجزاء - يقف بعض رجال البوليس (الجندرمة) للمحافظة على النظام. وعسكري البوليس هناك مثقف، ويتقاضى مرتباً حسناً، (حوالي تسعة جنيهات مصرية). وقد شاهدنا رجال الجندرمة يعاينون أدوات السيارة للتأكد من سلامتها قبل صعود الجبل، فإذا ما وجدوا تلفاً في أي جزء من أجزاء السيارة قدموا السائقين للمحاكمة. وكل هذا محافظة على أرواح الناس الذين تقلهم السيارات في طول البلاد وعرضها.
ولقد صادفنا عسكري بزحلة يحمل شهادة التجارة المتوسطة المصرية؛ وفي هذا الدليل على ما عليه رجال البوليس هناك في ثقافة ومعرفة.
تلك نظرة سطحية في نظام التقاضي بتلك البلاد الشقيقة؛ وهو في مجموعه في نظام طيب. وفقنا الله جميعا لخدمة العدالة ونصرة الحق، والأخذ بيد المظلوم.
حسن عبد الجواد
المحامي
стр. 4052
بين المعري ودانتي
في رسالة الغفران والكوميدية المقدسة
بقلم محمود أحمد النشوي
الوطنية لدى الشاعرين
ذكرنا في العدد الماضي حديث الوطنية لدى أبي العلاء، ورأينا حنينه للمعرة وللشام، وحبه لوطنه الذي ألقى رداءه على كل ما حوله حتى على نياقه التي تمنت قويقاً والصراة حيالها؛ والتي تلت زبور الوطنية المنزل عليها في أن الصبر عن الوطن غير حلال، ونريد الآن أن نتعرف الوطنية لدى شاعر الطليان، تلك التي نكاد نلمسها في كل ناحية من نواحي كوميديته. وكأني به يخلق المناسبات، ويتعمد الاستطراد ليتحدث عن إيطاليا وآلامها وأوصابها في عهده، وليتحدث عن خائني أوطانهم وبلادهم كذلك.
ولعلك على ذكر مما حدثتك به إبان استعراض طبقات الجحيم لديه عن الدرك التاسع الذي جعله مقراً لخائني أوطانهم، يشاركهم في تلك الطبقة إبليس ويهوذا الأسخريوطي. . أوليس في تسويته (وهو غرس الكنيسة) بين خائني الوطن وخائن المسيح وإبليس اللعين ما يجعلنا نكبر فيه وطنيته، ونعلم أي حد بلغه في حب بلاده؟
وسأستعرض شيئاً من نواحي الوطنية في كوميديته، تلك التي نتلمس الوطنية الملتهبة في كل ناحية من نواحيها، حتى لنظن أن الوطنية كانت أكبر الأسباب التي دعته أن يذبج رسالته. فكم تلمس دانتي الأسباب والمناسبات ليبكي مجد إيطاليا وحروبها الأهلية التي كانت تمزق أوصالها، وتفرق بين أبنائها. . فها نحن أولاء نراه يسير في الطبقة الثالثة من السعير، فلا تكاد تقع عينه على أحد مواطنيه (تشاكو) حتى يميل نحوه ويحدثه عن الوطن وعما أحاط به من ويلات ومصائب. وتشاكو بدوره ينسى الجحيم والعذاب، وينساق مع دانتي في حديثه، فيذكر له النزاع والفشل بين أحزاب فلورنسا.
وبينا هو يجوس خلال الطبقة السادسة من السعير، وبعد أن خلص من مدينة (ديتي) وشياطينها إذا هو أمام مواطن آخر اسمه (فاريناتا فيكرر على سمعه الحديث عن فلورنسا وأحزابها وحروبها حديثاً يخفق له قلبه، ويضطرب له جنانه.
стр. 4053
وفي (المطهر) بين النار والجنة يذكر أوجو كابيتو ونعيه على كارلو دي فالو الذي دخل فلورنسا وشرد أبناءها وأهلها. . ثم يرى في فراديس الجنان إمبراطور الدولة الرومانية الشرقية (جوستنيان فيوازن الإمبراطور بين قديم روما وحاضرها، وبين وفاقها في عهدها الأول وانحلال عراها، وتنازع أهلها وفشلهم في عصرها الحديث، ناعياً على معاصري دانتي تفكيرهم في مصالح أشخاصهم، وتركهم الوطن تعصف به رياح القلاقل والاضطرابات. وكذلك يرى جده كاتشاجويدا ينعم في الطبقة الخامسة من طبقات الفردوس، فيحدثه هو الآخر عن الأحزاب والخصومات، والحروب والويلات، موازناً أيضا بين عهده المليء بالمحبة والسلام، وعصر دانتي المترع بالنزاع والخصام. .
ذلك شيء من حواره الوطني الذي كان يهتبل الفرص فيذكره في ثنايا رسالته، وفي تضاعيف خياله.
فأما العذاب الذي تخيله ينصب من فوق رءوس هؤلاء الخائنين، فحسبك أن تعيره سمعك إذ يحدثك عنهم وهم في الدرك التاسع من السعير زرق الوجوه، مائلي الرءوس، غارقين في بركة من الثلج فسيحة الأرجاء، سار على صفحاتها فارتطمت قدمه بأحد الوجوه المشوهة، فتبين صاحبه فإذا هو (بوكا خائن الوطن، وقاتل من كان يحمل العلم الفلورنسي غيلة، فتفرق جندها، وحقت على جيشها الهزيمة، كما حقت على خائني الوطن كلمة العذاب.
وحسبك أن ترهف أذنيك الحديثة عن الكونت أوجولينو الذي ألقت إليه مدينة بيزا مقاليدها، وخضعت لسلطانه، فأسلمها وأسلم قلاعها وحصونها لأعداد البلاد. بيد أن قومه ظفروا به فاستفتوا في أمره المطران روجيرو فاشتط المطران في فتواه، وأسرف في حكمه، وما كان جوابه إلا أن قال: ألقوه مع أطفاله وأبناء أخيه الصغار في غيابة برج من الأبراج حتى يموتوا صبراً جوعاً وعطشاً. فحبسوه وذريته الأبرياء الضعفاء في برج ألقوا بمفتاحه في النهر حتى ماتوا جميعاً؛ فكان عاقبتهما: الكونت والمطران، أنهما في النار خالدين، ينهش كل منهما رأس صاحبه
ثم اختتم دانتي جحيمه بالحديث عن بروتس وعن كاسيوس قاتلي يوليوس قيصر خيانة وغدراً، ولم يرعيا عطفه عليهما، ولا إحسانه العظيم لبلاده. وهنا أطلق لخياله العنان وافتن
стр. 4054
في وصف العذاب لهذا الثالوث غير المقدس بروتس وكاسيوس ويهوذا، فتخيل وحشاً ذا ثلاثة وجوه متعددة الألوان، تبرز تحت تلك الوجوه أجنحة تفرغ أشرعة السفائن طولاً وعرضاً، وهي تهتز فترسل ريحاً باردة على الجحيم وعلى من فيها. ريحاً هي السبب فيما يلقونه من الزمهرير. لذلك الوحش ست عيون وثلاثة أفواه، يسحق أحدها بروتس، والآخر كاسيوس، وثالثها يهوذا، وهي دائبة على تمزيق أجسامهم؛ وكلما تقطعت أشلاؤهم عادت سيرتها الأولى، وعاد لها تمزيق أوصالها وسحقها. . .
وكم كان طريفاً حقاً إذ تكلم في المطهر عن امرأة تدعى سابيا وهي تتطهر من ذنوبها وآثامها؛ وما ذنبها إلا أنها فرحت واستبشرت إذ رأت قومها منهزمين، ولولا أن القدر أسعفها فأدركها المتاب قبل أن توارى في التراب، لكانت حصب جهنم وطعاماً للسعير.
يتبع
محمود أحمد النشوي
стр. 4055
أعيان القرن الرابع عشر
للعلامة المغفور له أحمد باشا تيمور
سلطان باشا
هو محمد باشا بن سلطان بن أحمد، من قرية بالصعيد تسمى زاوية الأموات، بالجانب الشرقي من النيل، تجاه منية ابن الخصيب. ولد بها في سنة ١٢٤٠ أو إحدى وأربعين. ورباه أبوه فسلمه لمعلم للقرآن بالقرية علمه القراءة والكتابة، وحفظه ما تيسر من القرآن الشريف. ولما بلغ أشده تركه أبوه ينظر في أمور القرية المذكورة، إلى أن نقل حسن باشا الشريعي من نظارة قسم قلوصنا، في ولاية محمد سعيد باشا على مصر، فسأله الوالي عمن يقيمه بدله على القسم المذكور فذكر له المترجم، وأثنى عليه، وضمن كفايته، فأقيم ناظراً لهذا القسم مدة ثلاث سنوات. ثم جعله سعيد باشا وكيلاً لمديرية بني سويف، وبعد سنتين جعله مديراً لها، فبقي فيها إلى أن توفي سعيد باشا، وتولى ابن أخيه إسماعيل باشا، فنقل المترجم مديراً للغربية فمكث بها نحو سنة، ثم أمر بنقله مديراً لأسيوط فأقام بها نحو سنتين، ثم جعله وكيلا لإدارة تفتيش الوجه القبلي ثم أحال عليه النظر في ضياعه التي بالصعيد المسماة بالجفالك، ثم جعله مفتشاً على مديريات الوجه القبلي، وانحرف عنه في أثناء ذلك عكوش باشا، وشاهين باشا، وعظمت الوحشة بينه وبينهما فوجد حاسدوه فرصة للإيقاع به، نظراً لمكانة الرجلين عند الخديو فسعوا به عنده، ووشوا له بأمور عنه كان يكرهها.
صداقته لتوفيق باشا
فغضب عليه وأمر بسفره إلى السودان رئيساً لمجلس الخرطوم وهو في الحقيقة نفي على جاري عادة ولاة مصر، إذا غضبوا على أحد نفوه إلى السودان في صورة تنصيبه بأحد المناصب. فصدع المترجم بالأمر وسافر، ولكنه لما وصل بني سويف وصله أمر الخديو بالرجوع بسبب تداخل ولي العهد محمد توفيق باشا وسعيه بالشفاعة له لدى والده لأنه كان يحبه. فرجع من الطريق وقصد قريته زاوية الأموات فمكث بها عدة شهور، ثم أذن له بالإقامة في القاهرة فأقام بها في داره المعروفة بجهة الإسماعيلية مدة إلى أن جعله الخديو
стр. 4056
إسماعيل باشا مديراً للفيوم، ولكنه عاد فألغى هذا الأمر قبل سفره. وبعد نحو سنة رجع بأمر الخديو المذكور إلى بعض المناصب التي كان بها بالوجه القبلي. وخلع الخديو وتولى بعده محمد توفيق باشا، وقامت الثورة العرابية وطالب العرابيون الخديو بإعادة مجلس النواب، وكان أهمل شأنه بعد توليته فأجابهم لذلك وألف مجلس النواب، فجعل المترجم رئيساً له لما يعلمه من إخلاصه ومحبته له؛ ثم وقعت بينه وبين العرابيين وأمراء الجند منازعات وخلاف في بعض الأمور ظهر لهم منها ميله للخديو فأبغضوه ونووا له السوء.
عرابي يهدده بالقتل
وقام عليه مرة عرابي وبعض الضباط في داره، فهددوه بالقتل، وجردوا سيوفهم في وجهه، وكاد يقع في أيديهم، لولا أنهم تراجعوا عنه من تلقاء أنسهم، واشتد قلقه بعد هذه الحادثة ورأى حياته معهم على خطر، فاحتاط لنفسه، وصار إذا جلس بداره وضع بجانبه مسدساً محشواً ليدافع به عن نفسه إذا فوجئ، ولم يغن تهديهم له شيئاً، ولم يجد في تحويله عن الخديو، بل استمر علة إخلاصه، والقيام بمساعدته، والأخذ بناصره. ثم اشتدت الفتنة، وسافر الخديو إلى الإسكندرية، فصحبه المترجم ملازماً خدمته، واستدعاه هناك درويش باشا مندوب السلطان في شعبان سنة ١٢٩٩، وأنبأه بإنعام السلطان عليه برتبة رومللي بيكلريكي، وأعطاه تقليدها بيده.
مع الإنجليز
ثم قامت الحرب على ساق، بين الإنكليز والعرابيين، فندبه الخديو لمساعدة الإنكليز، وإرشادهم إلى الطرق، فبذل ما في وسعه وكاتب بعض مشايخ العرب والعمد، ومن لهم شأن، يمنيهم بالخلع والرتب والأوسمة، على أن يبذلوا الطاعة للخديو والإنكليز وينبذوا طاعة العرابيين، فنجح في مسعاه ووافقه الكثيرون، فانضموا للخديو وشيعته سراً، ووقع الفشل في زمرة العرابيين، وانهزمت جموعهم، واستولى الإنكليز على مصر ودخلوا القاهرة يوم الخميس مستهل ذي القعدة سنة ١٢٩٩، فأرسله الخديو إليها نائباً عنه، وأطلق يده في التصرف في الأعمال، فوصلها في ٢ ذي القعدة ليلاً من الطريق بور سعيد، واستبد بالأمور أربعة أيام حتى حضر النظار إليها، وباشروا أعمالهم. وقد تاه المترجم وتجبر في
стр. 4057
هذه الأيام الأربعة، وأمر بالقبض على كثيرين ممن كان له بغية في القبض عليهم وإذلالهم، ومنهم حسين باشا الشريعي، فإنه أوغر صدر الخديو عليه، وأشار بسجنه، ونسي له سابق فضله عليه، وذلك لخلف وقع بينهما إبان قيام الفتنة.
بعد الثورة العرابية
ولما حضر الخديو من الإسكندرية عقب إطفاء الثورة وذهب الناس لتهنئته بقصر الجزيرة يوم الثلاثاء ١٣ ذي القعدة المذكور أثنى أمامهم على المترجم ثناء كثيراً وقال هذا هو الرجل الذي أخلص لنا في السر والعلانية، وأنعم عليه بالوسام المجيدي الأول، وأمر بإحضاره فوضعه على صدره بيده أمامهم، ثم سعى له عند النظار للإنعام عليه بعشرة آلاف دينار مصري مكافأة على خدمته ومسعاه، فأعطيت له من ديوان المالية. وكافأه الإنجليز بوسام (سان جورج، وسان ميشيل) من الدرجة الأولى لمساعدته لجندهم إبان الحرب، وذهب به السير مالت قنصلهم الكبير إلى داره وسلمه له يوم الثلاثاء ١٧ محرم سنة ١٣٠٠هـ، وقال له إن من شروط هذا الوسام أن تضعه مولاتنا الملكة بيدها على صدر من تنعم عليه به، وقد أتيت إليكم نائباً عنها في وضعه على صدركم جزاء إخلاصكم وولائكم لجلالتها ولحضرة الخديو. ثم في جمادى الأولى من هذه السنة أنعموا عليه أيضاً بالميدالية الإنجليزية المضروبة بخصوص الحرب العرابية.
وبقي المترجم بعد ذلك في داره بالقاهرة بلا عمل، ملقباً بلقب رئيس مجلس النواب، ثم انتدب للإشراف على شواطئ النيل وجروفه بالوجه القبلي لما زاد في الفيضان، فصدع بالأمر على كره منه، ورأى ذلك حطاً من مقامه، واستقل العشرة الآلاف والوسامين على ما قام به للخديو والإنكليز، وانعكست آماله التي كانت ترمي إلى تنصيبه في منصب كبير، وفترت نفسه، وكثرت همومه، وانحرف عن الإنكليز، وطفق يذمهم بعد أن كان لهجاً بمدحهم والثناء عليهم في كل مجلس يجلسه، واعتزل الناس فجعل إقامته بالصعيد، ولما ذهب اللورد دوفرين إلى تلك الجهة زاره المترجم فلم يلق منه ما كان يؤمله من حسن المقابلة، وسأله في عرض حديثه عن حضور أخوي الخديو حسين باشا وحسن باشا من أوربة، فقال له نعم حضرا، فقال ولم حضرا، فأعرض عنه اللورد ولم يجبه، ونقل حديثه مع غيره، فقام المترجم من المجلس كاظماً غيظه، وزاد في ذمه في الإنكليز، وأثرت هذه
стр. 4058
الأحوال فيه فاعتلت صحته.
رئاسة مجلس الشورى
ثم صدر الأمر العالي يوم الأربعاء ٢١ محرم سنة ١٣٠١ بجعله رئيساً لمجلس شورى القوانين الذي ألف حينذاك، بدلاً من مجلس النواب، حسب إشارة اللورد دوفرين في تقريره عن مصر، فتولى هذا المنصب وهو عليل، ثم ازدادت علته، فأشار عليه الأطباء بالسفر إلى أوربة للمعالجة، حيث لم تفده معالجة أطباء مصر، فسافر إلى بلاد النمسة، ونزل بنزل في مدينة غراتس، فوافاه أجله هناك يوم الاثنين ٢٦ شوال سنة ١٣٠١.
وفاته
ونعي إلى الخديو في ذلك اليوم بالبرق، نعاه له قليني باشا فهمي فأسف عليه أسفاً شديداً وجزع، وأمر بنقل جثته إلى القطر المصري لتدفن فيه، وأقام له مأتماً من الخاصة الخديوية، وناط بمحافظة القاهرة القيام به بالنيابة عنه. ووصلت جثة المترجم إلى الإسكندرية يوم الأربعاء ٦ ذي القعدة من السنة المذكورة فأمر الخديو بتشيعها تشييعاً كبيراً بالإسكندرية، فسارت في طليعة الجنازة كتيبة من فرسان الشرطة، ثم كتيبة من الجند الرجالة منكسي الأسلحة، يتلوهم قراء الأحزاب والبردة، ثم جميع كبار الموظفين بالإسكندرية، فتلاميذ المدارس، فجم غفير من الأعيان حتى أوصلوا النعش إلى السكة الحديد، فجعلوه في قطار مخصوص سافر به من هناك إلى منية ابن الخصيب، ونقل منها إلى الشاطئ الشرقي حيث دفن بمقبرة بلده. وخلف المترجم ثروة واسعة، وولداً واحداً عمره نحو سنتين، وثلاث بنات. وقد رثاه الشيخ علي الليثي بقصيدة.
أدبه
وكان للمترجم إلمام بالأدب وقرض الشعر، اشتهر عنه نظم النوع المسمى بالصعيد بالواو، وأخبرني من أثق بقوله أنه اطلع على قصيدة له في مدح حسن باشا الشريعي رحمهما الله.
وحدثني صديقنا على رفاعة باشا، ابن رفاعة بك الشهير قال: كانت بيني وبين المترجم وحشة ازدادت لما جعلت وكيلاً للمعارف إبان الثورة العرابية، ثم عزلت من هذا المنصب بعيد الثورة، وقصدت السفر إلى بلدتي طهطا، فلقيته بالقطار، فلما وقعت عينه على عيني
стр. 4059
نظر إلي نظرت الشامت ثم قال: إيه يا علي بك، لقد أجاد الشاعر في قوله:
برغم شبيب فارق السيف كفه … وكانا على العلات يصطحبان
فقلت نعم أجاد، وأجود منه قول الآخر:
أني لأرفع حين أرفعها … على كثير ولكن لا أرى أحدا
стр. 4060
يقظة الشرق
للآنسة فلك طرزي
. . . في ليلة من الليالي الشديدة القمر، الغائبة النجم، القاتمة السواد، الشديدة الحلوكة، قام طيف يخترق وحشة الليل، يسير بخطوات هادئة يتحسس طريقه على الأرض الحزون، يضرب فيها أخماساً لأسداس، ممسكاً بيده قيثارة قد أوتارها من نياط قلبه، وأنامله تلاعب هذه الأوتار بعزف يكشف رويداً غشاوة ما كان راكداً في أعماق النفس، وراسباً في قرارة القلب، من ذكرى الماضي الحافل التي طواها الزمن، وكان يشدو معها بالغناء بصوت رقيق حنون، تسبح موجاته مع تموجات الأثير تهدهدها طياته، وينقلها الهواء من شاطئ إلى شاطئ، ومن ضفة إلى ضفة، حتى ملأ أجواء الشرق بنغماته، وعبقت منه رائحة الأبدية وعبير الأزل.
أخذ الصوت يقول: تعالي إي قيثارتي نرتل لحناً نعيد به المجد البالي! تعالي نغرد أناشيد الصباح لعل الفجر يبدد الدجى! تعالي نتغنى بألحان السحر فتتحول الأرض القاحلة إلى حقول معشبة، والسهل الأجرد إلى سهول مخصبة! تعالي يا قيثارتي نوقظ النهار من غفلته والنفوس من نومها العميق! تعالي نرسل أنغامنا في سمج الدجى فتتحول السماء السوداء إلى قبة تسطع فيها النجوم وتتلألأ فيها الكواكب.
ظل هذا الصوت يشدو، وهذه القيثارة تجيب، حتى تمزقت حواشي الليل، وآذنت ساعاته بالفناء، وإذا بالفجر يبدو مشرقا وضاحاً، وإذا بواكير الصباح تكشف عن نهار مشرق وضاح جميل، وما لبثت السماء حتى تقشعت عنها الغيوم وتبدد عنها السحاب، فبدت بلونها اللاوزردي الجميل، وتربعت الشمس على عرشها، وأشرقت من أفقها ساطعة بنورها الوهاج على الجبال والأودية، وهي مشتعلة متأججة، وأخذت أشعتها تتفرق في السهول وعادت إلى الأرض حياتها، وإلى الزهر رونقه وبهاؤه، وإلى الزرع اخضراره وجماله.
فقالت الأزهار يخاطب بعضها بعضا: انظري يا أختاه إلى هذا النور المنبثق من السماء! انظري! ما هذا الضياء المشع؟ أليس هو نور (اليقظة) يسطع من سماء شرقنا المحبوب؟ وقالت الأشجار لبعضها: ألا تعلمين يا صديقتي أن أغصاننا كادت تتحول إلى أعواد يابسة يعصف بها الشتاء، لولا تلك النغمة المقدسة التي أرسلتها اليقظة من سماء مصر فأعادت لنا
стр. 4061
أنفاسنا وحياتنا! وقال الفجر يخاطب الليل: أنت أيها الحسود كدت أن تمحي خطوطي الزاهية إلى الأبد، لولا (هذه الفتاة الحسناء) التي عادت فرسمتها برغم أنفك! فيالك من عدو ماكر وحسود خداع!
وقالت الأطيار بعد أن عادت تغرد في الدوح: تعالوا نحلق في الفضاء ونرفرف بأجنحتنا فالجو صاف، والنسيم عليل، والعبير يعبق في جو الأفلاك! وقالت الأنهار: تعالوا نرو الأرض من مائنا السلسبيل ونطفئ ظمأها من ينابيعنا العذبة، تعالوا! تعالوا! أن غديرنا يبعث من خريره أناشيد ملؤها الغبطة والسرور!
عندئذ نظرت النفوس إلى (يقظة الكون) وتأملت طلوع شمسها البهية، واشرق محيا الصباح الجميل فتنفست الصعداء وارتسمت على الوجوه ابتسامة سرور وانشراح وقالت: لك الحمد يا رب! أنت الذي نظرت إلينا بعين الرحمة، فما أطلت علينا ليلك، وما طالت علينا حلوكة الظلام الدامس! فها نحن أولاء نستيقظ من سباتنا العميق، ودم الحياة يتدفق منا قوياً حاراً، وثغورنا تبتسم لابتسام ثغر الأدب من بين شفتي هذه النهضة المباركة التي أنشأتها أقلام الأدباء، ونظمت لحنها عقول الشعراء، وخلدت مجدها عبقرية الفانيين، فقامت عصبة الشباب تطالب بالحرية والمساواة، ورفع راية الشرق، تستنكر الذل والخضوع، وتأبى الضيم وعار الاستلام.
هاهما حافظ وشوقي قد طواهما الخلود بعد أن غرد أناشيد الحياة المتنوعة، وخلفا ذكراهما تتناقلها الأجيال زكية الأرج، ضواعة العبير، وسجلاً صحيفتيهما في عالم الخلود!
هاهي ذي (مصر) كما تخيلها مختار تقف بجانب أبي الهول توقظه من نومه الأبدي وغفلته العميقة، لينقذها من هذه الأهوال التي جعلتها تئن تحت نيرها! هاهي ذي (الرسالة) الغراء لما تبلغ سن الفطام شبت وترعرعت، وغدت لسان النهضة الأدبية في العالم العربي قاطبة يقوم بها أسطع الكتاب اسماً، وأوسعهم شهرة، وأجلهم قدراً.
فاللهم اجعل هذه النهضة مباركة ميمونة الطالع على الشرق فيتحد أبناؤه، وتتوحد كلمتهم، وتأتلف قلوبهم، وتخفق بأمنية واحدة هي (الحرية)! وقرب لنا الساعة التي تتهلل وجوهنا فيها بالسعادة والغبطة، وترسل أعيننا دموع الفرح والسرور، فيمتلئ الجو من ندائنا، ويرتفع علمنا المحبوب يشق أجواز الفضاء، ونصيح من أعماق قلوبنا بصوت واحد
стр. 4062
(ليحيى الشرق)
دمشق
فلك طرزي
стр. 4063
حقائق
لميشيل أنجلو
ترجمة عامر عبد الوهاب عامر
١ - يقول بنسن في كتابه (كلمات عن كورسيكا) لقد غرس حب الحرب في قلب نابليون منذ طفولته إذا أهدى إليه أحد أصدقائه الأحداث مدفعاً صغيراً من النحاس
٢ - بينما كانت جوزفين ذاهبة ذات يوم مع نابليون إلى الأوبرا استوقفها الجنرال (راب) لحظة ليضع لها الشال على طريقة السيدات المصريات. وبهذه الحادثة التافهة نجا نابليون بحياته إذ انفجر اللغم الذي أرصد لاغتياله في تلك اللحظة وهكذا توقف مصير أوربا على تعديل وضع الشال.
٣ - إن المؤامرة التي دبرت في عهد الملك شارل الثاني والمعروفة باسم - فشلت بسبب صغير. وذلك أن المنزل الذي أقام به الملك اشتعلت فيه النار فاضطر أن يرحل عن (نيو ماركت) قبل الميعاد المعين بعدة ساعات وكان ذلك سبيلاً إلى إفساد التدبيرات التي أعدها المتآمرون على جلالته
٤ - إن الحريق الكبير الذي شب في لندن عام ١٧٩٩ أحدثه خادم كان قد ألقى سهوا شرارة على تخشيبة كوخ. كذلك الحريق المروع الذي اندلع لهيبه في المدينة في عهد شارل الثاني يرجع إلى حادثة من هذا القبيل في مخبز قريب من جسر لندن
٥ - إن طموح القائد الروماني ماريس وكل ما استتبعه من الشرور والآثام يرجع إلى تلك النبوءة الخرقاء بأنه (سيصير قنصلاً سبع مرات)
٦ - هاجم الغاليون بزعامة برنوس روما عام ٣٩٠ ق. م ولكن برنوس امتنع عن اقتحام القلعة الرومانية على أثر سماعه نقنقة بعض الإوز المقدس الذي أهاجه سير المحاصرين الغاليين
٧ - إن اختراع الزجاج ينسب على العموم إلى بعض التجار الفينيقيين الذين أوقدوا ناراً على ساحل البحر. ثم لاحظوا بعد انطفائها تحول الرمل إلى زجاج
٨ - إن اختراع الطباعة - ذلك الاختراع الخطير - أستلهمه جون جينسفليش في ساعة نشوة وطرب حيث نقش الحروف الأولى من اسمه على شجرة، ثم ساقه الخيال الحالم إلى
стр. 4064
أن يضع عليها ورقة فانطبعت عليها هذه الحروف
٩ - إن جاك لافاييت أحد رجالات المال والسياسة الفرنسيين، والذي لعب دوراً خطيراً في ثورة عام ١٨٣٠ كان في الأصل بائساً معدوماً. وقد نسب العمل الذي فتح أمامه طريق اليسار والفخار إلى التقاطه دبوساً ضائعاً في شوارع باريس
١٠ - خطرت نظرية الجاذبية لسير اسحق نيوتن عندما رأى تفاحة تسقط مصادفة من شجرة كان يرقد تحتها في لحظة تفكير وتأمل.
١١ - قال قيصر (للمصادفة أثر كبير في الحرب) ولكن أثرها أكبر في الاكتشافات العلمية والأحداث السياسية (جريدة التيمس)
١٢ - قد تؤدي حادثة صغيرة جداً إلى نتائج عظيمة الشأن. وأحياناً تسبب أروع النكبات (تشيمبرز)
стр. 4065
تاريخ الأدب
بقلم الأستاذ محمود محمود محمد
سلكت دراسة التاريخ في العصر الحديث مسالك شتى، وتشعبت في فروع كثيرة؛ فأصبحنا نرى إلى جانب تاريخ السياسة تاريخاً للفلسفة، وتاًريخا للعلوم، وتاريخاً للاقتصاد، وتاًريخا للأدب. وسنحاول في هذه الكلمة أن نبين مدى ما يمسه تاريخ الأدب من مباحث.
١ - شخصية الكاتب
يعنى تاريخ الآداب بدراسة الآثار الأدبية من نثر ونظم. ولما كنا لا نستطيع أن نفهم الكتاب فهما صادقاً دون أن نعرف مؤلفه، أو نحلل القصيدة تحليلاً دقيقاً من غير أن نعرف ناظمها، فقد أصبح لزاماً علينا أن نجعل الكتاب والشعراء أنفسهم موضوعاً للدرس عند دراسة تاريخ الأدب، ذلك لأنه يستحيل علينا أن نفصل الأثر عن المؤثر أو نفهم النتيجة دون السبب. وإننا حين نقرأ كتاباً من الكتب تبرز لنا شخصية المؤلف الذي صب أفكاره ومشاعره في هذا الكتاب قوية واضحة، بحيث لا نستطيع إنكارها.
وتشمل دراسة الأشخاص نشأتهم وتجاربهم وأخلاقهم الموروثة والمكتسبة، ونزاعاتهم وتاريخ حياتهم، وغير ذلك من مكونات الشخصية. ولكن هناك ناحية أخرى يجب أن تنال من عنايتنا أكبر نصيب عند دراسة الأديب، تلك هي السمة الظاهرة، والطابع الخاص الذي يميز البعض عن البعض، ويرفع كاتباً فوق الآخر. ذلك لأن العبقرية معنى واسع تشمل أطرافاً متباعدة، ولكنها في صميمها عبارة عن قوة الشخصية، أو قوة الابتكار والابتداع. ويقول أحد الكتاب الإنجليز: (إن كل كاتب كبير يأتي إلى هذا العالم بشيء جديد كل الجدة: ذلك هو نفسه). والكاتب المخلص لفنه يسكب نفسه ويبث روحه في كل ما يكتب، ومن ثم اختلفت آثار الكتاب وانطبعت بصور شتى من شخصياتهم. وواجبنا عند دراسة الأديب أن نبرز طابعه الشخصي للعيان، ونفصله كل التفصيل؛ فهو أهم ما يجب أن نعرف عنه، وللأديب من الأهمية والعظمة بقدر ما لهذا الطابع من قيمة وجاذبية.
٢ - المذاهب والمدارس في الأدب
ليست شخصية الكاتب إلا ناحية واحدة من نواح كثيرة، يختص بدراستها تاريخ الأدب. فلو
следующие страницы →