← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

أنفاسنا وحياتنا! وقال الفجر يخاطب الليل: أنت أيها الحسود كدت أن تمحي خطوطي الزاهية إلى الأبد، لولا (هذه الفتاة الحسناء) التي عادت فرسمتها برغم أنفك! فيالك من عدو ماكر وحسود خداع! وقالت الأطيار بعد أن عادت تغرد في الدوح: تعالوا نحلق في الفضاء ونرفرف بأجنحتنا فالجو صاف، والنسيم عليل، والعبير يعبق في جو الأفلاك! وقالت الأنهار: تعالوا نرو الأرض من مائنا السلسبيل ونطفئ ظمأها من ينابيعنا العذبة، تعالوا! تعالوا! أن غديرنا يبعث من خريره أناشيد ملؤها الغبطة والسرور! عندئذ نظرت النفوس إلى (يقظة الكون) وتأملت طلوع شمسها البهية، واشرق محيا الصباح الجميل فتنفست الصعداء وارتسمت على الوجوه ابتسامة سرور وانشراح وقالت: لك الحمد يا رب! أنت الذي نظرت إلينا بعين الرحمة، فما أطلت علينا ليلك، وما طالت علينا حلوكة الظلام الدامس! فها نحن أولاء نستيقظ من سباتنا العميق، ودم الحياة يتدفق منا قوياً حاراً، وثغورنا تبتسم لابتسام ثغر الأدب من بين شفتي هذه النهضة المباركة التي أنشأتها أقلام الأدباء، ونظمت لحنها عقول الشعراء، وخلدت مجدها عبقرية الفانيين، فقامت عصبة الشباب تطالب بالحرية والمساواة، ورفع راية الشرق، تستنكر الذل والخضوع، وتأبى الضيم وعار الاستلام. هاهما حافظ وشوقي قد طواهما الخلود بعد أن غرد أناشيد الحياة المتنوعة، وخلفا ذكراهما تتناقلها الأجيال زكية الأرج، ضواعة العبير، وسجلاً صحيفتيهما في عالم الخلود! هاهي ذي (مصر) كما تخيلها مختار تقف بجانب أبي الهول توقظه من نومه الأبدي وغفلته العميقة، لينقذها من هذه الأهوال التي جعلتها تئن تحت نيرها! هاهي ذي (الرسالة) الغراء لما تبلغ سن الفطام شبت وترعرعت، وغدت لسان النهضة الأدبية في العالم العربي قاطبة يقوم بها أسطع الكتاب اسماً، وأوسعهم شهرة، وأجلهم قدراً. فاللهم اجعل هذه النهضة مباركة ميمونة الطالع على الشرق فيتحد أبناؤه، وتتوحد كلمتهم، وتأتلف قلوبهم، وتخفق بأمنية واحدة هي (الحرية)! وقرب لنا الساعة التي تتهلل وجوهنا فيها بالسعادة والغبطة، وترسل أعيننا دموع الفرح والسرور، فيمتلئ الجو من ندائنا، ويرتفع علمنا المحبوب يشق أجواز الفضاء، ونصيح من أعماق قلوبنا بصوت واحد

стр. 4062

(ليحيى الشرق) دمشق فلك طرزي

стр. 4063

حقائق لميشيل أنجلو ترجمة عامر عبد الوهاب عامر ١ - يقول بنسن في كتابه (كلمات عن كورسيكا) لقد غرس حب الحرب في قلب نابليون منذ طفولته إذا أهدى إليه أحد أصدقائه الأحداث مدفعاً صغيراً من النحاس ٢ - بينما كانت جوزفين ذاهبة ذات يوم مع نابليون إلى الأوبرا استوقفها الجنرال (راب) لحظة ليضع لها الشال على طريقة السيدات المصريات. وبهذه الحادثة التافهة نجا نابليون بحياته إذ انفجر اللغم الذي أرصد لاغتياله في تلك اللحظة وهكذا توقف مصير أوربا على تعديل وضع الشال. ٣ - إن المؤامرة التي دبرت في عهد الملك شارل الثاني والمعروفة باسم - فشلت بسبب صغير. وذلك أن المنزل الذي أقام به الملك اشتعلت فيه النار فاضطر أن يرحل عن (نيو ماركت) قبل الميعاد المعين بعدة ساعات وكان ذلك سبيلاً إلى إفساد التدبيرات التي أعدها المتآمرون على جلالته ٤ - إن الحريق الكبير الذي شب في لندن عام ١٧٩٩ أحدثه خادم كان قد ألقى سهوا شرارة على تخشيبة كوخ. كذلك الحريق المروع الذي اندلع لهيبه في المدينة في عهد شارل الثاني يرجع إلى حادثة من هذا القبيل في مخبز قريب من جسر لندن ٥ - إن طموح القائد الروماني ماريس وكل ما استتبعه من الشرور والآثام يرجع إلى تلك النبوءة الخرقاء بأنه (سيصير قنصلاً سبع مرات) ٦ - هاجم الغاليون بزعامة برنوس روما عام ٣٩٠ ق. م ولكن برنوس امتنع عن اقتحام القلعة الرومانية على أثر سماعه نقنقة بعض الإوز المقدس الذي أهاجه سير المحاصرين الغاليين ٧ - إن اختراع الزجاج ينسب على العموم إلى بعض التجار الفينيقيين الذين أوقدوا ناراً على ساحل البحر. ثم لاحظوا بعد انطفائها تحول الرمل إلى زجاج ٨ - إن اختراع الطباعة - ذلك الاختراع الخطير - أستلهمه جون جينسفليش في ساعة نشوة وطرب حيث نقش الحروف الأولى من اسمه على شجرة، ثم ساقه الخيال الحالم إلى

стр. 4064

أن يضع عليها ورقة فانطبعت عليها هذه الحروف ٩ - إن جاك لافاييت أحد رجالات المال والسياسة الفرنسيين، والذي لعب دوراً خطيراً في ثورة عام ١٨٣٠ كان في الأصل بائساً معدوماً. وقد نسب العمل الذي فتح أمامه طريق اليسار والفخار إلى التقاطه دبوساً ضائعاً في شوارع باريس ١٠ - خطرت نظرية الجاذبية لسير اسحق نيوتن عندما رأى تفاحة تسقط مصادفة من شجرة كان يرقد تحتها في لحظة تفكير وتأمل. ١١ - قال قيصر (للمصادفة أثر كبير في الحرب) ولكن أثرها أكبر في الاكتشافات العلمية والأحداث السياسية (جريدة التيمس) ١٢ - قد تؤدي حادثة صغيرة جداً إلى نتائج عظيمة الشأن. وأحياناً تسبب أروع النكبات (تشيمبرز)

стр. 4065

تاريخ الأدب بقلم الأستاذ محمود محمود محمد سلكت دراسة التاريخ في العصر الحديث مسالك شتى، وتشعبت في فروع كثيرة؛ فأصبحنا نرى إلى جانب تاريخ السياسة تاريخاً للفلسفة، وتاًريخا للعلوم، وتاريخاً للاقتصاد، وتاًريخا للأدب. وسنحاول في هذه الكلمة أن نبين مدى ما يمسه تاريخ الأدب من مباحث. ١ - شخصية الكاتب يعنى تاريخ الآداب بدراسة الآثار الأدبية من نثر ونظم. ولما كنا لا نستطيع أن نفهم الكتاب فهما صادقاً دون أن نعرف مؤلفه، أو نحلل القصيدة تحليلاً دقيقاً من غير أن نعرف ناظمها، فقد أصبح لزاماً علينا أن نجعل الكتاب والشعراء أنفسهم موضوعاً للدرس عند دراسة تاريخ الأدب، ذلك لأنه يستحيل علينا أن نفصل الأثر عن المؤثر أو نفهم النتيجة دون السبب. وإننا حين نقرأ كتاباً من الكتب تبرز لنا شخصية المؤلف الذي صب أفكاره ومشاعره في هذا الكتاب قوية واضحة، بحيث لا نستطيع إنكارها. وتشمل دراسة الأشخاص نشأتهم وتجاربهم وأخلاقهم الموروثة والمكتسبة، ونزاعاتهم وتاريخ حياتهم، وغير ذلك من مكونات الشخصية. ولكن هناك ناحية أخرى يجب أن تنال من عنايتنا أكبر نصيب عند دراسة الأديب، تلك هي السمة الظاهرة، والطابع الخاص الذي يميز البعض عن البعض، ويرفع كاتباً فوق الآخر. ذلك لأن العبقرية معنى واسع تشمل أطرافاً متباعدة، ولكنها في صميمها عبارة عن قوة الشخصية، أو قوة الابتكار والابتداع. ويقول أحد الكتاب الإنجليز: (إن كل كاتب كبير يأتي إلى هذا العالم بشيء جديد كل الجدة: ذلك هو نفسه). والكاتب المخلص لفنه يسكب نفسه ويبث روحه في كل ما يكتب، ومن ثم اختلفت آثار الكتاب وانطبعت بصور شتى من شخصياتهم. وواجبنا عند دراسة الأديب أن نبرز طابعه الشخصي للعيان، ونفصله كل التفصيل؛ فهو أهم ما يجب أن نعرف عنه، وللأديب من الأهمية والعظمة بقدر ما لهذا الطابع من قيمة وجاذبية. ٢ - المذاهب والمدارس في الأدب ليست شخصية الكاتب إلا ناحية واحدة من نواح كثيرة، يختص بدراستها تاريخ الأدب. فلو

стр. 4066

أنا دونا مصنفاً يجمع بين دفتيه تاريخ حياة الأدباء وذكر آثارهم ومخلفاتهم متنافرة لا تؤلف بين ابعاضها فكرة، ولا تربط أجزاءها صلة، كان تأريخنا لأدب اللغة ناقصاً قليل الفائدة، لأن الأدب برمته يرتقي وينحط من عصر إلى عصر. وعلى مؤرخ الآداب أن يدرس أسباب الرقي والانحطاط، وتأثر الأدباء بها أو تأثيرهم فيها، وأن يدرس صلاتهم بأسلافهم وأخلاقهم، فان من الكتاب من يرتفع إلى درجة السمو والكمال، فيطبع عصره بطابع خاص، ويظهر من بعده أتباع له يتأثرون آراءه وأساليبه، معترفين بفضله حيناً ومنكرين أحياناً. والكتاب الذي يلقي رواجاً عند جمهور الناس لا يلبث أن يظهر له أشباه، وأن يتكرر ما فيه مرات ومرات: هكذا تنشأ المدارس في الأدب، وتظهر الحركات التجديدة التي تحيا حيناً من الدهر، ثم تموت لتخلي السبيل إلى ظهور مدرسة أخرى أو حركة جديدة حينما تتغير الأذواق وتتبدل المذاهب. فإذا قلنا - مثلا - مدرسة (بوب) في الأدب الإنجليزي، انصب قولنا على جميع الشعراء الذين تبعوه في الأسلوب الذي أذاعه بين الناس ورفعه إلى مرتبة الكمال. وإذا ذكرت (الحركة الكلاسيكية) في الشعر، حملت إلى أذهاننا عصر بوب الذي تميز بالرجوع إلى تراث الأقدمين وورود مناهجهم الأدبية. وإذا قلنا الحركة الرومانتيكية في النثر الخيالي، قصدنا ذلك المنوال الذي أنشأه (سكت) في كتابه القصص التاريخية، ونسج عليه أتباعه ومقلدوه. وقد ظهرت المدارس والمذاهب كذلك في الأدب العربي، فكان في العصر العباسي مدرسة وعلى رأسها الأصمعي، لا تحب إلا الشعر الجاهلي، ولا تحب من المحدثين إلا من قلد القدماء. وقد أدخل المتنبي والمعري الفلسفة في الشعر، فأصبحت مذهباً من المذاهب له أشياعه وأنصاره. هذه المدارس والحركات تلعب دوراً هاماً في تطور الأدب، ولها من الأهمية في دراسة تاريخ الآداب ما لا يقل شأناً عن دراسة شخصيات الكتاب أنفسهم. فان الأديب مهما كان مجدداً مبتكراً فهو ما يزال إلى حد بعيد وليداً لبعض الكتاب السابقين، يستلهمهم الرأي ويستوحيهم الأسلوب. وقد ذكرنا مثلا أن (بوب) مجدد في الشعر الإنجليزي، له أسلوب خاص ومدرس خاصة، ولكنا إذا أمعنا في البحث عرفنا أن هذا الأسلوب لم يكن من خلقه وإنشائه، وإنما بلغ الذروة والكمال على يديه بعد ما سار شوطاً بعيدا في التقدم والترقي، ووصل إلى درجة تكاد تدانيه دقة وروعة في كتابات الشاعر دريدن. وقد تعلم سكت في

стр. 4067

مدرسة رومانتيكية قبل أن يصبح زعيماً لهذه الحركة، وظهرت الفلسفة في الشعر العربي قبل المتنبي والمعري. وكثيراً ما ينعت شكسبير بأنه يتفرد في عصره بالسمو والكمال الأدبي، وأنه ابتكر الدرام لم يتبع في ذلك أحداً ولم يتأثر أحداً، ولكنه في الواقع لم يكن إلا متماً لمجهودات السابقين من الكتاب أمثال نكولاس يودال، وتوماس فورتن، وغيرهما ممن لا يرد ذكرهما في تاريخ الأدب إلا لماماً. وتاريخ الأدب يوضح لنا هذه الصلات ويربط كاتباً بآخر، وجماعة بجماعة، ومدرسة بمدرسة، كماً يدرس أسباب التطورات المختلفة في عصور الأدب، وتأثير فحول الكتاب في الجمود بالأدب والسير به في مناهجه القديمة والنهوض به وتوجيهه وجهات جديدة. وقد عرفنا أن روح الأدب تتغير من عصر إلى عصر، وكثيراً ما يتحكم الذوق العام عند جمهور الشعب في هذا التغير، فيخرج الأدب على غراره ويتطبع بطابعه. وكما أن لكل جيل أسلوبه في الشعور، فكذلك لكل جيل ذوقه الخاص. هذا الذوق سريع التقلب والتغير، فان عصر فكتوريا في الأدب الإنجليزي (١٨٣٢ - ١٨٧٧) على قرب عهده وشدة صلته بالعصر الحديث يختلف في أدبه عن الأدب الحديث، كما يختلف في زيه عن الأزياء الحديثة. والفرق واضح بين لغة الأدباء في مصر الآن، وبين لغتهم منذ عشرين عاماً فقط، ذلك لأن القراء قد تبدلت أذواقهم وتغيرت طرائق معيشتهم. وتاريخ الأدب يبحث قبل كل شيء عن أسباب هذا التطور في الأساليب والأذواق، وقد عرفنا أن شخصية الكاتب عامل عظيم الأثر في هذه الانقلابات، لأن الكاتب الفذ يخلق ذوقاً جديداً وينشئ عصراً جديداً ومرحلة جديدة في الأدب، ولكنا يجب ألا نغالي في تقدير شخصية الكاتب حتى نجعلها تبتلع العوامل الأخرى وتستغرقها جميعاً، فقد ذكرنا أن النابغة يصاغ في قالب من الثقافة والمثل العليا والاتجاهات العقلية والخلقية التي يولد فيها، مما يكون له أكبر الأثر فيما يكتب ويخرج لهذا العالم. وكما يؤثر الأديب الفحل في عصره فهو كذلك يتأثر به، ويتوقف نجاحه إلى حد كبير على خضوعه لأذواق الجماهير ومجاراته لأهوائهم، وعلى ذلك فالكاتب ابن عصره، ولابد لنا عند دراسته من معرفة العوامل التي كيفت آراءه وحددت ذوقه الأدبي، وجعلت له طابعاً خاصاً في أدبه - وقد تكون هذه العوامل أدبية ترجع إلى الكتب والمدارس كما يتميز عصر اليزابيث - مثلا - في الأدب

стр. 4068

الإنجليزي باندفاعه وراء الآداب اللاتينية والإغريقية التي بعثتها النهضة الأوربية، فتأثر الكتاب في ذلك العصر بسحر الأدب الإيطالي، وكما انبعثت آداب العصور الوسطى وفنونها منذ سنة ١٧٥٠، وتمثلت في كولروج وسكت. فالواقع الذي لا مراء فيه أن المؤثرات الأدبية تأتي بأذواق جديدة تجرف أمامها أشد الكتاب استقلالاً في الرأي. ولكن الأدب يتأثر بعدة عوامل أخرى غير العامل الأدبي، عوامل لا تمت إلى الكتب والمدارس بصلة، ولكنها تتصل بالحياة العامة والسياسة والاجتماع بسبب، فكل ما يبعث اتجاهاً جديداً في الرأي أو في منحى الحياة أو في مجرى السياسة والشعور العام يؤثر في تكوين الآداب إلى حد كبير. ويجب علينا دراسة أي أثر من الآثار الأدبية ألا ننسى ظروف الزمان والمكان التي أحاطت بالكاتب عند تحرير كتابه. ٣ - صلة التاريخ بالأدب لكل جنس من الأجناس البشرية ولكل عصر من عصور التاريخ مميزات خاصة، ومهما تكن شخصية الأديب بالغة من القوة، فأن روح جنسه وعصره لابد ظاهرة فيه وعلى ذلك فتاريخ الأدب يتأثر بمؤثرات وطنية كما يتأثر بمؤثرات شخصية. ويكفي أن نذكر الإصلاح الديني والثورة الفرنسية وظهور الإسلام وتقدم العلوم في القرن التاسع عشر، وغير ذلك من الحوادث العظمى في التاريخ لنتبين العلاقة المتينة بين تاريخ الأدب والتاريخ العام. ولا يقتصر تاريخ الأدب على دراسة المخلفات الأدبية لمختلف الكتاب، كل كاتب على حدة، وإنما هو يشمل كذلك دراسة أدب الأمة جملة واحدة، وإظهار مميزاته العامة باعتباره إنتاجاً لعقلية هذه الأمة ككتلة واحدة لها تفكير خاص وشعور خاص، فللأدب العربي - مثلا - مميزاته العامة، وللأدب الإنجليزي مميزاته العامة كذلك، وتختلف هذه عن تلك بمقدار ما يختلف الشعبان في الجنس والسلالة. كل ما له أثر في تكوين الأمة له أثر في نسج أدبها، فأن أدب الأمة هو تاريخها الذي دونته بقلمها يصور لنا أخبار رقيها العقلي والخلقي. وإذا تتبعنا تاريخ الأدب في كل ما طرأ عليه من تقلبات، فنحن على اتصال مباشر بالأسباب الحقيقية، والحركات الدافعة لحياة الأمة في العصور المختلفة، ونحن مستطيعون أن نفهم نظر أهل تلك العصور إلى الحياة وألوان

стр. 4069

مسراتها وأنواع ملاهيها وفلسفتهم في الوجود ومختلف العواطف والأحاسيس التي كانت تجول بنفوسهم، ومثلهم العليا في الأخلاق والذوق، وأي صفات البطولة كان لها سلطان قوي على النفوس، وكان لها نصيب كبير من الإعجاب، فالأدب كما يقولون مرآة تنعكس عليها روح الشعب وحياته ٤ - عصور الأدب وقد اعتاد مؤرخو الآداب أن يقسموا الأدب إلى عصور مختلفة، ولم يلجئوا إلى ذلك لسهولة الدرس فحسب، ومن قبيل تقسيم الموضوع المتشعب إلى أبواب وفصول، ولكن هناك ما يبرر هذا التقسيم، فالعصر التاريخي عبارة عن فترة زمنية يسود فيها نوع من الذوق العام، وعلى ذلك فأن أدب ذلك العصر يتسم بصفات خاصة من حيث المادة والفكرة والأسلوب. وقد تختلف آثار الكتاب البارزين بقدر ما تختلف شخصياتهم، ولكن تلك الصفات العامة تظهر فيهم أجمعين، ولا ينتهي عصر ويخلفه آخر، إلا بعد تغير حاسم في الذوق العام. ولكننا يجب أن لا نضع الحواجز المتينة بين عصر وعصر، فليس تاريخ الإنسان أبواباً وفصولاً، ولكنه تيار واحد متدفق يتعرج حينا ذات اليمين وحيناً ذات اليسار، وليس له بداية معينة ولا نهاية محدودة، والعصور التاريخية في الواقع آخذ بعضها بتلابيب بعض، وقد يبدأ الرحل عمله في عصر من العصور ولا ينتهي منه إلا في عصر آخر، كالمخضرمين بين الجاهلية والإسلام، وكبشار وابن المقفع بين العصر الأموي والعصر العباسي. وقد عاش دريدن وملتون في زمن واحد، ولم يعمر أولهما بعد الآخر إلا سنوات قلائل، ومع ذلك فقد أعتاد مؤرخو الأدب الإنجليزي أن يضعوهما على رأس عصرين متتابعين يعرفان بعصر (دريدن) وعصر (ملتون). ومع ذلك فإن لتقسيم الأدب إلى عصور أهميته الدراسية لأنه يوجه أنظارنا إلى المراحل التي اجتازها الأدب وتميز في كل مرحلة منها بميزة خاصة، وهو أهم ما يعنى به مؤرخ الآداب. وللمؤرخ أن يطلق على هذه العصور أسماء يشتقها من التاريخ ورجاله كعصر اليزابيث، وعصر فكتوريا، وعصر المأمون. ولكن الأجدر بنا أن نسمي تلك العصور بأسماء مشتقة من الأدب نفسه ونطلق عليها أسماء مشاهير الكتاب الذين يمثلونها فنقول عصر شكسبير وعصر ملتون وعصر المتنبي. وعصر الجاحظ. . الخ ليسهل على الطالب أن يدرك

стр. 4070

بنظرة سريعة الصفات التي يتميز جيل عن جيل. محمود محمود محمد -

стр. 4071

من طرائف الشعر الوادي لصوت الطبيعة الصارخ ألفونس دي لامارتين للشاعر الدمشقي أنور العطار (إلى التي علمتني الحب وعلمتني الألم، وجعلت من حياتي مشابه لحياة هذا الشاعر، في خيبة الحب، وحرقة القلب، ومشجعي النغم، ومذيب الألم!) إيهِ وَادي الصَّباءِ والأَحلَامِ … ِإيهِ مَهْوَى الإِيحاءِ والإِلهامِ هَبْ لِضَعْفي مَلَاذَ يوْمٍ قصير … أَتَرَقَّبْ فيهِ دُنُوَّ حِمامي لم يَعُدْ قَلْبيَ السَّئُوم المُعنَّى … يرْتجي مِنْ عَمايةِ الأَيَّامِ أَنْ تُعِيدَ المُنى إِليهِ عِذاباً … مُغْرِيَاتٍ بِثغرِهاَ البَسَّامِ هُوَ ذا المسلَكْ الذي ضاقَ ذرْعاً … في ثنَايَا الوَادِي المُضبَّ النَّوَاحي تَتَدلَّى الغَابَات حَوْلَ حِفَافيْ … هِ وَتَبْدُو مُلْتفَّةَ الأدْوَاحِ بَاعِثَاتٍ إلَى جَبِينيَ فَيْئاً … مِنْ غُصُونٍ تميدُ بالأَفرَاحِ غَاَمِرَاتٍ سَاحَ الفؤادِ سَلَاماً … مُقْصِيَاتٍ عَنَّي شَجَا الأَتْرَاحِ هَاهُماَ جَدْوَلَانِ في قَاتمِ البُعْ … دِ اسْتَسَرَّ في مَسْرَبِ الأَعْشاَبِ رَسما في المَسيِر مُنْعَطفَ الهضْ … بِ وَمَسرَى الرُّبا ومَنْحى الشَّعابِ مَزَجَا في هُنَيهْةٍ نَاغِمَ المَا … ءِ بَموْجٍ كَالهَادِرِ الصَّخَّابِ ثُمَّ غَابَا عَنِ العُيُونِ وَضَاعا … في قَصِيَّ المدَى وَخَافي الرَّحابِ وَلَكاَلجْدْوَلَيْنِ في التَّهدارِ … فَاضَ نَبْعي وَلّجَّ في التَّسيْاَرِ ثُمَّ ولَّى وَلَيسَ صَوتُ ولا اسْمٌ … أوْ مَعَادٌ إِلى حِمى التَّذكاَرِ فيهما المَاء قد ترَامى نَقيَِّا … مُشرِقَ السكْبِ مثلَ شمْسِ النَّهَاَرِ غيْرَ أنَّي، وَالهْفَ نفْسي، كئِيبٌ … وَمِيَاهي مُرْبدَّةُ الأنْوَارِ في ضِفَافٍ مِنَ الجدَاوِلِ غَرْقَى … في دُمُوع النَّدَى وَسَجْوِ الظَّلالِ كُنْتُ أَقْضيِ سَحَابةَ اليَوْمِ مَغْلُو … لاً بِقيدٍ ممِنَ الطَّبِيعةِ غَالِ

стр. 4072

وَعَلى هَادِرِ الميَاهِ تَغُطُّ النَّ … فْسُ في حُلْمِهاَ البَعيدِ المجَالِ مِثْلَ طِفْلٍ أَغْفى على نَغَمٍ حُلْ … وٍ غَميسٍ في زاهِرِ الآمَالِ آهِ! هَلْ لي إِلى هُنَاكَ مَعَادٌ … حَيْثُ أَفْنى في زاخِرِ الأَمْوَاجِ إنَّ عَيْني تَهفُو الى ذلك الأُفْ … قِ وَتَهْوى تَزَاحُمَ الأحرَاجِ ليتَني في حِمى الطبيعةِ أَبْقى … سَادِراً في بِقَاعِهَا والفِجَاحِ ثُمَّ أَرنُو إِلَى السماوات مِفرَا … حاً أُصَلَّي في ذَهَلتي وَأُناجي كم تَعشقَّتُ في حياتي وَكم زوَّ … دتُ عيني مَرْأَى، وَقَلبي شُعُورَا غيْرَ أَنَّي رجعتُ أَدراجَ ذاك الْ … عَيشِ أَبغي إلى الهُدُوءِ مَصيَرا يَا مطافَ الجمَالِ باللهِ كُنْ لي … شاطئِاً للسُّلُوَّ يوْماً قَصيرَا لَيْسَ غيْرُ النَّسْيانِ يَمْلأُ نفْسي … أَملاً وَاسعِاً وَصبْراً غَزيرَا إِنَّ نَفسي في هدْأَةٍ وَفُؤادِي … في ارتيَاحٍ يَفُوقُ كُلَّ ارْتيَاحِ لمْ يعكَّر صَفاَءهُ الأَلمُ المرُّ … (م) وَمَا في حِمَاهُ مِنْ أَترَاحِ والضَّجِيج القَصيُّ للسكوْنِ يَفنى … كَفَناءِ الأَشْباحِ في الأَشبَاحِ مِثلماَ يُضعِفُ المدَى الصَّوت في الأُذْ … نِ تمشَّتْ بهِ مُتُونُ الرَّياَحِ قَدْ رَأيْتُ الحياةَ بَيْنَ الغُيُومِ … تَتَوارى في الغَابرِ المَوْهُومِ وَيضيعُ البَرِيقُ منها وَيَخفى … خلْفَ سِتْرٍ مِنَ الزَّمانِ القْديِمِ غير باقٍ منها سِوى الحُبَّ يَبدْو … في إطارٍ منَ الخيالِ عظيمِ وحْدَهُ ثابِتٌ لدُنْ قَدْ أفاقَ ال … قلَبُ مِنْ حُلْمهِ العميقِ الهُمُومِ إيهِ نفسي قِفي على الملْجَأِ البا … قي وَلُوذِي بهِ لِكيْ تسترِيحي مثلما يجلِسُ المسافِرُ والقَل … بُ مَلئٌ مِنَ المرامِ المُرِيحِ هادئَ البالِ تَهَنَّأ لمَّا … بَلَغَ القَصْدَ بَعَدَ سَيرٍ طَليحِ راح يَستنْشِقُ الهواَء نقيّاً … في مَساءٍ بالنَّافِحَاتِ طفُوحِ مِثْلُهُ فلُثِرْ غُبَارَ خُطانا … مالنا رجعَةٌ إلى ذي الطَّريقِ مِثْلُهُ فَلْنَشمَّ في غايةِ العُم … رِ أريجاً مِنَ الصَّفاءِ العمِيقِِ حُلُمٌ عَيْشُنا يَمُرُّ وَيمضي … غيرَ حُلوِ الُّرؤى وغيرَ أنيقِ

стр. 4073

ما بِهِ جِدَّةٌ يرِفُّ سناهَا … وهو غَمْرٌ بِكُلَّ رثٍّ عتيقِ إنَّ أيَّامَكِ القِصَار العَبُوسَا … تِ كمِثلِ الخريفِ في الإجهَامِ تَنطوِي مثلما يُغَيَّبُ ظِلٌ … في ثنايا الهضابِ والآكامِ ثُمَّ تزوي عنكِ الصداقةُ والعط … فُ يُولَّي موَشَّحاً بظلامِ في طريقِ القُبُور تَهوين حَسْرى … وتضيعين في سجونِ القَتَامِ بيدَ أن الطبيعة الرحبةَ القَل … بِ تُناديكِ في حنانٍ عظيمِ فَاغمسي روحكِ اللهيفَةَ فيها … فهيَ أحْنى مِنْ كلَّ قلبٍ رؤومِ فإِذا ما ضجرتِ منْ عالمِ البُغْ … ضِ وما في مطافِهِ منْ همُومِ فارجعي القَهْقري ترَىْ عا … لَمَ حُبٍ ضَمَّ كلَّ مرومِ فهيَ توليكِ ظِلَّها وسناها … وتُصَفَّي مِنَ الأثامِ هواكِ أنصتي للصَّدى العميقِ (فبيتا … غور) قد تامهُ صدَى الأملاكِ فاعبُديهِ وقدَّسيه طويلاً … إن فيهِ ما تَشتهيهِ مُناكِ أَرهفي أُذْنكِ اللَّطِيفةَ تَسْمَعْ … في سَمَاها نشَائدَ الأفلَاكِ اْتبَعي النُّورَ في السَّمَاءِ ومَاشي ال … ظِلَّ في الأَرضِ وامْرَحي في الوِهادِ واصعَدِي في رُبا النَّسيم مع الرَّي … ح التي لا تَعي مِنَ الإِنشادِ وَاملئي الغَابَ فَرَحةً وَالسَّواقي … وَاسرَحي طلْقةً مِنَ الأَصفَادِ خاصِرِي ذلك الشُّعَاغَ السماويّ (م) … وَهيَّا ارقُصي بِظلَّ الوَادي نَفَحَ اللهُ بالذَّكاءِ بَني الأَرْ … ضِ لكي يهتْدوا إلى مُوحِيهِ وَيُناجُوهُ ضارِعِين إِليهِ … لم يِخبْ قَطُّ في الدُّنا راجيهِ إنَّ صوتْاً يُخاطِبُ الرُّوحَ حُلْواً … وَهيَ غَرْقى في صَمتِهاَ والتَّيهِ آهِ مَنْ لم يسْمَعْ نِداءً خفياًّ … هُوَ في قَلْبهِ صّدَى مُلْقِيهِ دمشق أنور العطار من المجمع الأدبي

стр. 4074

حنين إلى النخلة يا نخلةً في أعالي النهر باسقةً … قلبي إليك يذوب اليوم تحنانا هلا تزالين مثل الأمس وارفة … ولم يزل سعفك المخضر ريانا؟ تشدو القمارى فيه بكرةً وضحىً … ويسجع البلبل الغريد سكرانا والنهر تحتك يجري باسماً مطلقاً … والموج يغدو يجر الذيل خجلانا والفلك دونك تسري وهي حاملة … من أهل جنتنا حوراً وولدانا يا نخلةً أهلها يرجون غَلَّتها … ونرتجي ظلها الزاهي ليرعانا قولي بربك هل ما زلت قائمةً … ولم يزل ظلك الفينان فينانا يا نخلةً قد سقيناها بأنفسنا … إذ نستقي في حماها اللهو ألوانا هل صنتِ سري وعهدي بعد أن فضحت … سري الليالي وخان العهد من خانا من مسَّ جذعكِ بعدي جُذَّ ساعده … أو نال سعفك يوماً نال أحزانا لا طاب تمرك بعد اليوم من ثمر … ولا أفأتِ بظل منك إنسانا حتى ترد لنا الأيام غربتنا … وترجع العيش صفواً مثل ما كانا! بغداد فتى شط العرب

стр. 4075

خولة بنت الأزور الكندي بقلم. م. أسعد طلس في السنة الثالثة عشرة للهجرة يزعم خليفة رسول الله ﷺ أن يفتح الشام فيجمع الصحابة ويخطبهم قائلاً (. . . وإن رسول الله ﷺ كان عول أن يصرف همته إلى الشام فقبضه الله إليه، واختار له ما لديه، ألا وإني عازم أن أوجه أبطال المسلمين إلى الشام بأهليهم وما لهم؛ فماذا ترون؟) فلا يرى من المسلمين إلا ارتياحاً، فيعمد إلى بقية الأمصار الإسلامية من أطراف الجزيرة فيكتب إليهم بالأمر، ويستنفرهم خفافاَ وثقالاً ليجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وما هي إلا أسابيع حتى تقدم عليه الوفود في العدد العديد، والذراري والأموال، فيخرج إليهم المسلمون مستقبلين بوجوه باسمة، وقلوب جذلانة، ويعم المدينة روح مبارك، وكيف لا والمسلمون يجتمعون كلهم في صعيد واحد لنصرة دين الله، ورفعة شأو التوحيد. وهاهي ذي حمير بدروعها الدوادية، وسيوفها الهندية، وتزحف بآلافها المؤلفة وعلى رأسها زعيمهاذو الكلاع الحميري، يكبر ويهلل والقوم من ورائه يكبرون ويهللون. وها هي ذي كتائب مذحج وطيء والأزد وكنانة بخيولها العتيقة، ورماحها الدقيقة، تؤم عاصمة الإسلام، فما أن يراهم أبو بكر حتى يخر لله شاكراً أن ألف من هذه القبائل المتنافرة أمة واحدة، نزع الله ما في قلوبهم من غل، وجعلهم بنعمته أخواناً ينصرون دينه وينشرون رسالة نبيه. في أطراف المعمورة. اجتمعت هذه الآلاف العديدة فعسكرت خارج المدينة تنتظر إشارة خليفة رسول الله، وما أن تكاملت الوفود حتى خرج إليهم رضوان الله عليه في جمهرة من كبار الصحابة، فلما أشرف عليهم من عل ورآهم قد ملئوا السهول والجبال حتى حمد الله وقال (اللهم أنزل عليهم النصر وأيدهم، ولا تسلمهم إلى عدوك إنك على كل شيء قدير) ثم أمر الأمراء وعقد الألوية، وأوصاهم وصيته الخالدة وفيها يقول (. . . شاورهم في الأمر، واستعمل العدل، فإنه لا أفلح قوم ظلموا، وإذا لقيتم العدو فلا تولوهم الأدبار، وإذا نصرتم على عدوكم فلا تقتلوا ولداً ولا شيخاً ولا امرأة ولا طفلاً، ولا تغدروا إذا عاهدتم. وستمرون على قوم في الصوامع رهباناً يزعمون إنهم ترهبوا في الله فلا تهدموا صوامعهم

стр. 4076

ودعوهم. . .) فأمن القوم وهللوا فدوت بأصواتهم الجبال، ثم ساروا على يمين الله، وسار الخليفة وكبار الصحابة يودعونهم حتى ثنية الوداع. سار القوم وكلهم أيمان وصبر، وعزيمة وحزم، وطاعة لأمرائهم، وجلد على السير، وتواد وتعاطف. كان في هذا القوم شاب كندي ما جاوز العقد الثالث، جميل المحيا، عالم بفنون الحرب، فاتك في النزال، قوي الإيمان بنصرة الله عباده المخلصين، لا يعرف إلا الإقدام، يتقدم الجيوش والمنية مشهرة سهامها. ذلك هو الأمير (ضرار بن الأزور الكندي) الشاب الحدث الذي ما أغنى غناءه بطل في فتوح الشام إلا سيد القواد سيف الله خالداً. وكان في الغازيات اللائي كن يتبعن هذا الجيش، كاعب عروب، ذات جمال باهر، وطرف فاتر، خرجت فيمن خرجن من عقائل حمير تأسوا الجرحى، وتعين على نصرة الحق. ولقد أبلت بلاء مغاوير الأبطال، فكان هذا الغزال الغرير ينقلب إلى أسد كاسر يصلي العدا ناراً حامية، يروع القلوب، وتجف من هوله الأفئدة، ولم لا وهي ابنة (الأزور) ذلك البطل الذي قضى بين يدي المصطفى دفاعاً عنه، وأخت ضرار صاحب فتوح الشام؟. . . المسلمون يحاصرون دمشق وأهلها في أشد الضيق، وبينا المسلمون يكادون يظفرون بالقوم، إذا هم برسول من قائد جند أجنادين، يخبر خالداً أن الروم تجمعوا عليهم في أجنادين في عدد عديد، فيشاور خالد أبا عبيدة في ترك دمشق، فلا يرى ذلك أبو عبيدة فيقول خالد (فأرى أن ترسل إليهم كتيبة عليها قائد درب، وأرى أن ترسل إليهم يا أمين الأمة رجلاً لا يخاف الموت أبداً، خبيراً بلقاء الرجال، قد مات أبوه في القتال، فقال أبو عبيدة ومن ذلك يا أبا سليمان؟ قال هو ضرار بن الأزور بن طارق، فقال أبو عبيدة لقد صدقت ووصفت رجلاً باذلاً معروفاً). استدعى خالدا ضراراً فقال له (يا أبن الأزور أريد أن أقدمك على خمسة آلاف، قد باعوا أنفسهم من الله واختاروا دار البقاء والآخرة على الأولى، فقال ضرار (وا فرحتاه يا ابن الوليد، ما دخل قلبي مسرة أعظم من هذه. ثم يسير ضرار على يمن الرحمن، فلما بلغ أجنادين رأى جيش الروم ينحدر كأنه الجراد المنتشر، وهم غائصون في الدروع وقد أشرقت الشمس عليهم، فلمعت دروعهم، وخوذهم، فقال أصحاب رسول الله لضرار ما لنا

стр. 4077

والله بهم حول، فان هؤلاء جيش عرمرم، وخير لنا أن نقفل) فيكره ضرار ذلك القول ويقول (والله لا يراني الله منهزماً، ولن أزال أضرب بسيفي في سبيله وأتبع سبيل من أناب إليه، ولا أوليهم الدبر، والله يقول (ولا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله). . .) ثم تكلم رافع بن عميرة فقال (يا قوم أما نصركم الله في مواطن كثيرة وأنتم قليلو العدد؟ ألا إن النصر مقرون مع الصبر. ولم تزل طائفتنا تلقى الجموع الكثيرة، فاتبعوا سبيل المؤمنين، وتضرعوا إلى رب العالمين، وقولوا كما قال قوم طالوت (ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين). .) فيسترد القوم قواهم ويهللون ويكبرون (الله أكبر، الله أكبر، سيهزم الجمع ويولون الدبر). التقى الجمعان وضرار يتقدم القوم وهو يرجز: الموت حق أين لي منه المفر … وجنة الفردوس خير المستقر هذا قتالي فاشهدوا يا من حضر … وكل هذا في رضا رب البشر ثم اخترق القوم وحمل عليهم حملة نكراء فأحدقوا به، فأخذ يستصرخ قومه ويقول: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص) فيهجم المسلمون ويصيب ضراراً سهم في عضده فيطمع الروم فيه ويحملون عليه فيأسروه. ويجيء خالداً الصريخ فيولي على جند دمشق ميسرة بن مسروق سيد بني عبس، ويتوجه بطليعة إلى أجنادين، وكان بين جنده فارس على جواد فاره وبيده رمح طويلة، قد تجلبب بجلابيب سود، وتلثم حتى لا يرى منه إلا الحدق، وكان يسبق القوم وخالد يعجب من أمره، فلما أن أدرك خالد المسلمين في أجنادين وجد هذا الفارس المتلثم يهبط على الروم كأنه النار المحرقة، فزعزع الكتائب وحطم الأجناد. وكان يخترق قلب خميس الروم، فما هي إلا جولة جائل حتى يخرج وسنانه ملطخ بالدماء، وقد جندل رجالاًوصرع أبطالاً. ثم يعود فيخرق القوم ثانية معرضاً نفسه للهلاك والناس أمامه مصروع أو فار. وكثر قلق المسلمين عليه وهم لا يدرون من هو_وقد ظنه بعضهم خالد فما هي إلا جولات خالد - ولما رأوا خالداً بينهم سألوه عنه فقال أن والله لأشد إنكاراً وتعجباً. وما إن غابت الشمس ووقفت الحرب، حتى أحدق القوم بهذا الفارس وفيهم خالد يسألونه

стр. 4078

عن اسمه فلا يجيب، ثم ينتحي بخالد زاوية فيقول له: (ما سكت يا سيف الله حين سألتموني عن اسمي إلا حياء منك لأنك أمير جليل، وأنا من ذوات الحجال، وإنما حملني على ذلك أني محرقة الكبد، زائدة الكمد. فقال: من أنت؟ قالت: خولة بنت الأزور أخت ضرار أسير الروم، أتاني آت بخبر أخي فركبت وفعلت ما فعلت.). أشرقت الشمس فجدد المسلمون عزائمهم وكروا على القوم وحملوا حملة عظم أمرها على الروم، وكانت خولة تجول في كل مكان تطلب أخاها وهي لا ترى له أثراً ولا يراه أحد من المسلمين فيعم القوم حزن شديد وتبكيه بقولها: (يا ابن أمي! ليت شعري في أي البيداء طرحوك، أم بأي سنان طعنوك، يا أخي، أختك لك الفداء. . . ليت شعري، أتراني أراك بعدها أبداً؟ فقد تركت في قلب أختك جمرة لا يخمد لهيبها ولا يطفأ، فعليك مني السلام إلى يوم اللقاء). فبكي القوم وبكي خالد لحالها. وبينا المسلمون في شدة واضطراب إذا هم بمن يخبرهم بأن الروم أخذوا ضراراً إلى صاحب حمص لينفذه إلى الملك، ففرح خالد وتهلل وجهه، وشكرت خولة الله، فدعا خالد رافع بن عمرة الطائي لينفذه إلى حمص فسار خالد في مائة منهم خولة، فما وصل القوم قرب حمص حتى كمنوا، فبينا هم كذلك إذا بنفر أقبلوا، فنبه رافع قومه، فلما قاربوهم كر عليهم رافع فإذا فيهم ضراراً فتجالد الفريقان حتى أنقذ ضراراً، فخرت خولة لله شكراً وشكر خالد لرافع بلاءه. هذا موقف من مواقف بسالتها الخالدات، وما موقفها يوم أسر النساء في يوم صحورا والناس يغزون الشام بالأمر الذي ينسى فقد ذكر الطبري أنها أسرت في فريق من نسوة حمير. فجمعتهن وخطبتهن تستحثهن على الثورة على هؤلاء الأعلاج، وقالت (يا بنات حمير، وبقية تبع، أترضين لأنفسكن علوج الروم، وأن يكون أولادكن عبيداً لأهل الشرك، فأين شجاعتكن التي تتحدث بها عنكن أحياء العرب، ولا أراكن إلا بمعزل عن ذلك، وإني أرى القتل عليكن أهون من هذه المصائب، وما نزل بكن من خدمة الروم الكلاب) فقالت عفراء بنت غفار الحميرية (صدقت والله يا بنت الأزور، نحن والله في الشجاعة كما ذكرت، وفي البراعة كما وصفت، لنا المشاهد العظام، والمواقف الجسام. ولقد اعتدنا ركوب الخيل، وهجوم الليل. غير أن السيف يحسن فعله في مثل هذا الوقت، ولقد دهمنا العدو على حين غرة، وما نحن إلا كالغنم بدون سلاح) فقالت خولة (يا بنات التبابعة، خذوا

стр. 4079

أعمدة الخيام وأوتاد الأطناب، نحمل بها على هؤلاء، فلعل الله ينصرنا فنستريح من المعرة) فقالت عفراء (والله ما دعوت إلا ما هو أحب إلينا) ثم تناولن الأعمدة وتقدمتهن خولة وهي تقول لهن لا ينفك بعضكن عن بعض، وكن كالحلقة الدائرة، وأوسعن أرجل أفراس القوم ضرباً، ولا تتفرقن فيقع بكن التشتيت، ثم هجمت وهي تقول: نحن بنات تبع وحمير … وضربنا في القوم ليس ينكر لأننا في الحرب نار تسعر … اليوم تسقون العذاب الأكبر وما هي إلا جولات حتى خلصن إلى المسلمين. هذان موقفان من مواقف البطولة في هذه المرأة العربية المسلمة ولقد كان لها رضوان الله عليها مواطن أخر غر صالحات. جعل الله منها أسوة حسنة لمرأة اليوم، هداها الله أقوم طريق. م. أسعد طلس

стр. 4080

في الأدب الفرنسي الدوق دي لاروشفوكو للدكتور حسن صادق ثم انتقل إلى وصف عواطفه فقال (إنه رحب الأناة، ناصح السريرة، لا يتملكه الغضب، ولا يضمر لأحد من الناس العداوة والبغضاء). وعقب هذا الوصف قال: (لست مع ذلك عاجزاً عن الانتقام لنفسي إذا اعتدى أحد علي أو أساء إلى شرفي. وفي هذه الحال أؤمن بأن الواجب يقوم في نفسي مقام الحقد، ويأمرني بأن أتم انتقامي في صلابة وعزم) وليس في هذا القول شذوذ أو غرابة، ولكن ما يقوله عن الشفقة يثير الدهشة والعجب: (إني قليل الشعور بالشفقة، وأستريح إلى ذلك جد الراحة. ولكني إذا رأيت إنساناً جعجعت به المصائب، بذلت غاية جهدي في مواساته. وأعتقد حقاً أن من الواجب على الإنسان أن يسلك كل السبل التي تؤدي إلى إظهار الشفقة على من تصيبه الأرزاء والمحن، لان البائسين أغبياء إلى درجة تجعلهم يجدون في إظهار الشفقة عليهم والرثاء لحالهم راحة وعزاء. وأجد من الحزم إظهار هذه العاطفة دون الشعور بها صدقاً، لأنها لا تصلح لشيء في دخيلة الإنسان ولا عمل لها إلا إضعاف القلب وتحطيمه، ويجب النزول عنها للدهماء لأنهم لا يفعلون شيئاً بإيحاء العقل فهم في حاجة إلى عاطفة تحفزهم إلى العمل) وقوله هذا يعبر أبلغ تعبير عن روح القرن السابع عشر الذي عرف الناس فيه بصلابة القلب وضعف الحساسية. كانوا أثناء الحرب الأهلية يدمرون نهاراً ويقتلون، ثم يرقصون ليلاً ويمجنون، وكانوا يتحدثون عن التعذيب والقتل في بساطة الحديث عن الدعابة الفرحة، والفكاهة الشهية. ويجمل بنا في هذا المقام أن نذكر رأى ثلاثة من قادة الفكر في هذه العاطفة، لنرى الفرق الشاسع بينهم وبين لاروشفوكو. فمونتني يقول: (إني شديد الميل إلى الرحمة والوداعة). وديكارت يرى أن ميزة النفس الكبيرة (أن يكون شعورها بآلامها أضعف بكثير من شعورها بآلام غيرها). ويتطلب لابروبير من النفس العالية (أن تكون قوية الشكيمة فلا تلين صعدتها إلا أمام عاطفة واحدة هي الشفقة) ومما يدعو إلى العجب أن لاروشفوكو الذي ينكر هذه العاطفة في مقالة ومواعظه، يقرها

стр. 4081

في مذكراته ورسائله. فقد كتب عن ثورة الفلاحين في (بواتو) التي سبق ذكرها في تاريخ حياته يقول: (لا أنكر أن بؤسهم جعلني أنظر بعين الشفقة إلى تمردهم). ثم طلب من الوزير مازاران في ذلك الوقت أن يمنحه حق العفو. ولما أجيب إلى ما طلب أحسن استعمال هذا الحق، فلم يخدش شرفاً ولم يسفح دماً. وقبل موته بقليل أي في عام ١٦٧٤ كتب إلى الآنسة دي سكوردي يقول: (بودي لو تنفق سوق الرحمة وتصبح بدعة يولع الناس بها، فلا يقع بصرنا بعد ذلك على بائسين). وكثيراً ما رأته مدام دي سفنييه (متلبساً بالحنان)، فأدركت أنه يظهر من عواطفه وقلبه غير ما يبطن. ويغلب على ظننا أن هذا الرجل لم يميز طبيعة نفسه عن الأثر الذي أنشأته فيها البيئة والبلاط. فقد اشترك في الدسائس ورأى الأمراء والعظماء يتكالبون على متاع الحياة، ويجدون في البحث عن مصالحهم الذاتية في جشع وخسة، فكرههم واحتقرهم وقسا في الحكم عليهم، مع أنه بطبعه كريم رحيم. وأثر البيئة هو الذي جعله يخلص الود لعدد قليل من الناس اختارهم قلبه، وهذا شأن المتشائمين أمثاله، يضعون كل افتقارهم إلى الحب في بعض أفراد أعزاء عليهم. وهذا الافتقار إلى الحب هو جوهر نفورهم من الناس وكان لاروشفوكو إلى جانب الصفات التي سبقت، طموحاً ولو أنه ينكر ذلك. لم يستحوذ عليه طموح ريشيليو، أو على الأقل عجز عن بلوغ شأو هذا السياسي العظيم، فتمنع بالسعي وراء الحصول على لقب لزوجه، والسماح له بدخول قصر اللوفر في عربة. فلما أخفق في سعيه، اقتصر طموحه على كتابة (المواعظ) وقد حال خجله دون دخوله مجمع العلماء لأنه كان يعجز عن الكلام أمام جمع كبير من الناس، وتقليدات المجمع تفرض عليه أن يرد على خطبة الاستقبال بخطبة أخرى وما كان يجيد الحديث إلا في الصالونات الأدبية التي يؤمها عدد قليل من الأصدقاء الأخصاء. وكان من عادته أن يتكلم قليلاً، وينفر من الثرثارين الذين يدخلون الخطابة في الحديث، ويفرضون الصمت والإصغاء على غيرهم. ويعتقد أن (المصلحة الذاتية هي روح عزة النفس أو الأثرة) حتى في السمر والمناقشة، فإذا لم يفكر كل إنسان إلا في نفسه وفي قوله، شل الآخرين وبعث في نفوسهم الضيق والضجر، ويرى أن أمثل الطرق لإنعاشهم وإنقاذهم من الملل هو الإصغاء إليهم وإظهار الابتهاج بقولهم. ومن وصاياه المأثورة: (يجب

стр. 4082

الإصغاء إلى المتكلم مهما كان حديثه واهي الرباط طائش الغرض عارياً من المعنى. ولا أوصي بتجنب معارضته ومقاطعته فحسب، بل أوصي أيضاً برياضة النفس على احتمال روحه وذوقه والاطمئنان إليهما والتشبع بهما، وإطراء قوله بقدر ما يستحق، ووضع هذا الإطراء في قالب أميل إلى الحقيقة منه إلى اللياقة والمجاملة). وعرف بالتجربة والملاحظة أن لا شيء أبغض إلى النفس وآلم للأذن من أن يجعل الإنسان نفسه محور الحديث في كل موطن، فتجنب ذلك جهد المستطاع وكان يكره من المتكلم لهجة الثقة المستبدة والتعبير الذي يدل على البحث الطويل وإعنات القريحة، ويكلف بتوزيع القسط بين المعاني والمباني. ويميل إلى الإيجاز الممتع ويفخر بذلك (من شأن العقول الكبيرة أن تدل بقولها الموجز على كثير من المعاني. ومن صفات العقول الهزيلة أن تتكلم كثيراً ولا تقول شيئاً). وقد أجاد الإيجاز في مواعظه إلى درجة كادت تبلغ حد الكمال. ولنضرب مثلاً هذه الموعظة: (يملك الإنسان دائماً ما يكفي من الجلد لاحتمال آلام الغير)، فليس من المستطاع (تكثيف) التهكم في كلمات أقل من هذه. وهذا الإيجاز يجعل (للمواعظ) قيمة تاريخية هامة، لأنها تعين طوراً جديدا للنثر الفرنسي. وقد قدرها فولتير حق قدرها فقال: (يرجع أكثر الفضل في تكوين ذوق الأمة وجعلها تتعشق الأصالة والدقة إلى مواعظ لاروشفوكو) وذكر معاصروه أنه كان دقيقاً في الحكم على الكتب التي تعرض عليه، وأنه كان يحب قراءة الكتب القيمة التي تتطلب الحوار والمناقشة، وترغم العقل على التفكير العميق. وكان من أحب الأشياء إلى نفسه أن يستمع إلى حديث ذوي العقول الراجحة إذا تكلموا في الموضوعات الجدية وجعلوا للأخلاق النصيب الأكبر من حديثهم. وهذا يدلنا على ولعه الطبعي بكتابة المواعظ ومن تاريخ حياته يتبن لنا أنه كان مشغوفاً بالنساء في كل أدوار حياته. ولا يذكر اسمه في كل دور إلا مقروناً باسم امرأة تحمل لقباً كبيراً، أولها في تاريخ الأدب ذكراً جميلاً. واللهجة التي استعملها في كلامه عن عفة النساء، هي لهجة الرجل الغني العظيم الحب الذي لم يصادف في حياته امرأة تدمي قلبه بالصد والدلال وكان يفضل مجلس النساء على مجلس الرجال. يدلنا على ذلك قوله: (إني أحترم النساء

стр. 4083

وأعاملهن في أدب جم ورفق كثير، وأعتقد أني لم أقل قط أمامهن كلمة تؤذي شعورهن. (ولكنه آلم الدوقة دي لونجفيل في مذكراته، وآلم النساء جميعاً في مواعظه) وأفضل حديثهن، إذا كن حصيفات العقل، على حديث الرجال، لأني أجد فيه عذوبة وسحراً. ويخيل إلي أنهن يعبرن عن أفكارهن في وضوح وجلاء أكثر منا، ويضعن أقوالهن في أسلوب بهيج يسر النفس والخاطر) ومن حسن حظه أن ساق إليه القدر الكونتس دي لافاييت في شيخوخته، تؤنسه وتنسيه مرارة الحياة وتهيئ له أسباب الهدوء والسعادة الروحية يتبع حسن صادق -

стр. 4084

العلوم جاليليو ١٥٦٤ - ١٦٤٢ بقلم عبد الرحمن فهمي بكالوريوس في الآداب يمكننا أن نقول أن الكواكب في مسارها حفظت للجنس البشري عبقرية جاليليو. وجاليليو هو الابن البكر لأب فقير، بدأ تعلمه في دير بالقرب من فلورنسا، وبينما هو على وشك أن يكون راهباً رأى أبوه أن يرسله إلى جامعة بيزه ليتعلم فيها علوم الطب، مستعيناً على ذلك بموارد الأسرة الضيقة المحدودة. وبينا كان الطالب الصغير يقضي بعض أوقات فراغه في العبادة بكاتدرائية بيزه، لاحظ أن المصباح الهائل المعلق في سقفها يتأرجح كما لو كان به مس من تيار شارد من الهواء، ولحظ أيضاً أن قوس التذبذب سواء أكبر هذا القوس أم صغر يكمل دورته في وقت بذاته، فاستخلص من ذلك قانون اضطراد (البندول). وسنحت له الفرصة عن طريق المصادفة، فاستمع إلى محاضرة في العلوم الرياضية في بلاط الدوقية الكبير في بيزه، ومنذ هذه الساعة تعلقت نفسه بالأبحاث الرياضية فترك الجامعة ولم يستطع أبوه إرغامه على البقاء بها، وقضى سنوات مجدبة في درس العلم الجديد الذي اختاره لنفسه في حماسة فائقة، ولكنه استطاع فيما بعد أن ينال من الجامعة أجراً ضئيلاً على محاضرات في الرياضة يلقيها على طلابها. وكان أجره من الجامعة قليلاً، ولكن تهيأت له فيها صفحة جديدة لمستقبل مجيد من أعلى برجها المائل، وتفصيل ذلك أن أحداً لم يكن ليفكر حينئذ في زعزعة عقيدة راسخة في الأذهان هي أن سرعة الأجسام الثقيلة ترجع في هبوطها إلى أوزانها، فقذيفة المدفع مثلاً تهبط أسرع مما لو هبطت ريشة. ولكن جاليليو نسب سرعة الهبوط إلى مقاومة الهواء، ودلل على صحة ذلك بأن ألقى عدة أجسام معدنية وخشبية من حجم واحد من أعلى قمة برج بيزه، وأرى العلماء أن هذه الأجسام تصل إلى الأرض في أوقات متقاربة جداً،

стр. 4085

وبرهن بذلك على أنه لم يكن لأوزانها تأثير مذكور في سرعة هبوطها، فقضى على اعتقادات قديمة وخلق لنفسه أعداء كثيرين. ثم بدأ يتفهم طبيعة الجاذبية التي بقيت راسخة في عقله ولكنها لم تخرج من حيز هذا العقل. وترك بيزه إلى فلورنسا لما طردته الجامعة، وفي هذا الوقت مات أبوه، واضطره الدهر إلى أن يعول باقي أفراد أسرته. ولكنه فيما بعد استطاع أن يوجد له كرسياً في جامعة بادوه، ومن هذا الكرسي واصل بحوثه ونظرياته العلمية ثمانية عشر عاماً بين استحسان إيطاليا وإعجاب أوروبا كلها، فأضحى بذلك أحد المفكرين الخالدين. ولم يكن جاليليو ليستفيد من بعد نظره وقوة إدراكه فقط، بل استفاد أيضاً من أبحاث غيره واكتشافاته، ويعد اختراع (التلسكوب) وهو المثل الأعلى بين كافة أبحاثه واختراعاته، ففي حوالي هذا الوقت اخترع جوان ليبرشي من هولاندا بعض العدسات، وما إن سمع بهذا الاختراع حتى استولى عليه، وأوجد من هذه العدسات أول مجهر فلكي، وبه حول أبحاثه وفحوصه إلى الفضاء حيث كشف جديداً غير معروف، وقضى على معتقدات قديمة: كشف سطح القمر الجبلي، وأثبت طبيعة إضاءته بالانعكاس الضوئي، ومحا خرافة المجرة ودلل على أنها مجموعات من الكواكب، كذلك كشف أقمار زحل وأوجه الزهرة، واستعان بكل هذه الاكتشافات على تخليد الحق في تاريخ الفلك، وهو كل ما كان يعنى به من أبحاثه الطويلة، فأخذ عالم الخرافات المظلم في هذا الحين يستنير بضوء هذا الحق. وكان جاليلو خلفاً لكوبرنيق الذي أثبت أن الأرض والكواكب تدور حول الشمس، وليست الشمس والكواكب هي التي تدور حول الأرض كما اعتقد ارسططاليس، بل أن كبلر وهو من معاصري جاليليو أوغل في هذا البحث، فدرس طبيعة مدار الكواكب. وبينما كان جاليليو يدري هذه الحقائق الفلكية كان باقي العالم ولا سيما الكنيسة ينكرها بتاتاً. ولم تحرك الكنيسة ساكناً في بادئ الأمر، زعماً منها أن العاصفة التي نفخها جاليليو لا تلبث أن تهدأ، ولكن بحوث الفلكي وطريقة عرضها نبهت الأذهان إلى مناقضتها، لما جاء في الكتاب المقدس، وقويت الشبهة ضده بتأثير جيوردانو برنو، وهو زنديق ثائر على المسيحية، مفكر حر، بالرغم من إن جاليليو أعلن أنه ينكر على جيوردانو أن يقول عن بحوثه العلمية أنها تبرهن على تخبط الدين المسيحي، وحاول أن يظهر للعالم أن اكتشافاته

стр. 4086

العلمية لم تعارض يوماً ما التعاليم الدينية المقدسة، إلا أن ذلك لم يفده، بل استدعته روما إليها ليدافع عن نفسه ويبرر هرطقته. ولكن كان له في البلاط البابوي أصدقاء ومريدون من علماء غير متعصبين، فسمعوا لنقاشه، ثم سمحوا له بالعودة إلى فلورنسا. وعاد وهو يعتقد أن من حقه أن يتابع بحوثه دون إذاعتها. وكانت مهادنة بين الجانبين بعد عودته إلى فلورنسا ظل فيها سبعة أعوام ساكنا راكنا إلى قريحته العلمية الوقادة. إلا أنه لم يكن من طبعه وجبلته أن يبقى ساكناً إلى الأبد، فطبع مطبوعات مختلفة مطولة ضمنها محاوراته ومناظراته في نظام الأرض، وعندئذ استدعي إلى روما مرة أخرى، ولكن ليقابل في هذه المرة بابا عابساً حانقا على رجل متمرد ناكر للجميل، ولم تقبل منه شفاعة، بل اضطر تحت تأثير آلات التعذيب إلى أن ينقض أفكاره، ثم حكمت المحكمة عليه بالسجن، إلا أن هذا الحكم لم ينفذ، وإنما استبدلوا به يكفر عن خطيئته بتلاوة أدعية التوبة، وهي من سبعة أبواب في الزبور مرة في كل أسبوع. وتتصل بهذا العبث الرسمي من جانب الكنيسة فكاهة طريفة وهي أن جاليليو في كل مرة عندما كان ينهض من ركوعه بعد تلاوته الأدعية وقسمه اليمين بنقض معتقداته في الفلك، كان يقول بصوت خافت (ولكن الأرض ما زالت تدور). كانت هذه الكلمات تقال بصوت يكاد لا يكون مسموعاً ولكن فكر العالم بدأ يلتهب بهذه الشرارة، وكان جاليليو رمزاً لتوسيع حدود العالم برغم محاولات الصلف والتحكم لتضييق محيطه ولا يزال الكون دائراً على رغم عرقلة المعرقلين من رجال الدين والمتعصبين ضد دورانه. فهل يعد خضوع جاليليو للكنيسة جبناً منه؟ إن لكل بطل ساعة جبن في حياته، وقد تقلب الزمن من عهد هذا الفلكي العظيم حتى اليوم، فرأينا الآن الجمعية الإيطالية الملكية تطبع على النفقة العامة كل مؤلفاته في واحد وعشرين مجلداُ، شاملة وثائق محاكمته ومضابطها، وكان جد راغب في تجنب التصادم مع تعاليم الكنيسة، فأذعن لحقها في تعليم كافة الناس الإيمان بالدين، وبلغ من ذلك أنه كان يؤمن في الظاهر بكل ما كانت تطلب إليه أن يؤمن به، وباعد بقدر استطاعته بين العلم والدين علماُ منه بما يجب أن يكون بينهما من مسافة سحيقة، وجعل آراء كل منهما منفصلة عن الأخرى.

стр. 4087

ولكن لم كل هذا، وغيره من الناس لم يكن ليفعل ذلك لو كان مكانه؟ ولا سيما أن الكنيسة طلبت إليه أن يقارعها بالحجة وقد كان من الطبيعي أن ينتصر عليها لو أنه قبل ذلك، لأنه على حق فيما يقول، ولأن تعاليمها متناقضة لا يصح أن يقبل عالم مثله أن تذاع على الناس فيقبلوها كأنها حقائق ثابتة غير قابلة للبحث والتمحيص. ولكنه لم يبغ قتالاً مع الكنيسة، بل سار معها موافقاً على كل ما طابت إليه، مكتفياً بالبقاء على عقيدته في نفسه واجداً فيها فضولياً متحرشاً واصفاً إياها (بأن واجبها هو تعليم الناس كيف يسيرون إلى عالم السموات، لا كيف يسير العالم السماوي). وبذلك استطاع أن يجد في بعض الأحيان تعضيداً من سلطة الكنيسة، لولا المتعصبون الذين كانوا يضغطون عليه ويضطهدونه بين آونة وأخرى، لما وقفت الكنيسة قط في وجهه، بل كثيراً ما حماه الباباوات والكرادلة ودرأوا عنه السوء، عنه السوء، بل كان يعلم بعضهم أنه على حق في بحوثه العلمية، وكثيراً ما لمحوا إليه بالهروب من أعدائه في الوقت المناسب. وقد بعثت الكنيسة إليه يوماً بالكردينال بللارد ليوبخه ويحذره، ولكنه بدلاً من أن يفعل ذلك أرشده إلى طريق التعبير عن نظرياته، فكتب إليه (لا تقل إن الأرض تدور حول الشمس بل قل لنفرض أنها تدور حول الشمس، لأن من الخطر عليك أن تقول بأنها تدور، ولكنه من المأمون قولك بفرض دورانها) وبذلك ظل جاليليو يفرض قي الظاهر وهو مؤمن بالحقيقة في الباطن مؤكداً أن للحق الغلبة في النهاية. وقد ولد أسحق نيوتن في ٨ يناير سنة ١٦٤٢، وهو اليوم الذي توفي فيه جاليليو، وبذلك بدأ فصل جديد من حيث انتهى آخر. ولم تؤيد نظرية الأرض وموقعها من المجموعة الشمسية ودورتها فقط، بل أصبحت العقول تدرك جيداً حركات الكواكب وقانونها أيضاً. وقد أصيب بالعمى في أواخر حياته، إلا أنه وهو أعمى كشف عن أقمار زحل، وبحث ودرس البقع الشمسية مستعيناً على ذلك بتلاميذه بدل عينيه. وهو بشير لنيوتن وطليعة له، وإذا كان نيوتن هو الذي وضع قوانين الحركة وأثبت بالدقة الرياضية قانون الجاذبية بين الكون المرئي والقاعدة المضبوطة لحركاته، فإن جاليليو هو الذي مهد إلى ذلك وقاد نيوتن إلى الحقيقة الخالدة. ولم يستطع إي بلاط بابوي في هذا الوقت تقييد أفكاره الطامحة، وأبحاثه العلمية، بل اكتفى

стр. 4088

بإرساله أخيراً من روما إلى دير سينا، وهو دير تطل جدرانه على سهول توسكاني، اعتكف فيه أشهراً قلائل، ثم سمح له بالعودة إلى فلورنسا حيث قضى الأعوام الثمانية الأخيرة من حياته في عزلة تامة امتثالاً لأمر روما، إلا أنها عزلة لم تعرف قط السكون بل كان جاليليو فيها يغلي بأبحاثه كالمرجل. وقد لحقه الأسى وحلت به عاهته في كبره، وكان أعمى عندما زاره جون ملتون في إركتري عام ١٦٣٨، وقد واصل رسالته العلمية وهو بعاهته فاخترع وأملى اختراعاته. وانتابته حمى بسيطة وهو يملي ملحوظاته على تلميذين من حواريه، فأسدلت حياته الطويلة ستاراً كثيفاً أبدياً، ولكن برغم ذلك بقي للعالم من هذه الحياة بحث خالد في الأرض وعقل إنساني جبار. عبد الرحمن فهمي

стр. 4089

القصص الأمير السعيد للكاتب الإنجليزي أوسكار وايلد مترجمة بقلم اليوزباشي أحمد الطاهر يقوم تمثال الأمير السعيد على عمود باسق يشرف على المدينة، وقد كست التمثال لفائف من صفائح الذهب الخالص، وجعل له من الياقوت الأزرق عينان، وأمسك بسيف في قبضته ياقوتة حمراء. وكان هذا التمثال موضع الإعجاب والفخار من الناس أجمعين، فينظر إليه عضو من أعضاء المجلس البلدي فيتحدث عنه ويتكلف الوصف والتشبيه حتى يقول (إنه لجميل، وله من الجمال ما لديك الرياح، وإن لم تكن ما لذلك الديك من المنفعة) وكان هذا العضو يحاول ما استطاع في تشدقه بالحديث أن يمتاز بما للفنانين من بديع الذوق، وما للعمليين من صدق النظر،. وتمر بالتمثال إحدى العاملات وبيدها طفلها يبكي لأنها لم تستطع أن تجتذب إليه القمر، وتقول له مفتخرة بالأمير السعيد (لم لا تكون يا بني كهذا الأمير، وما أحسبه بكي في حياته من حاجته لشيء؟) وينظر إلى التمثال رجل قد شاع في نفسه اليأس ويقول (كم يسرني أن أرى على الأرض رجلاً قد حاز السعادة كاملة). ويطوف بالتمثال أطفال المبرة وهم منصرفون من الكنيسة في أرديتهم القرمزية، وعباءاتهم البيضاء الناصعة فيقولون (أليس هذا التمثال شبيها بالملائكة!!) فينهرهم أستاذ الرياضة في حدة وجفاء مستنكراً هذا التشبيه (وأنى لكم هذا وأنتم لم تروا واحداً من الملائكة؟) فيجيب الأطفال (نحن لم نر الملائكة جهرة ولكنهم طافوا بنا في أحلامنا) فيعبس أستاذهم ويتولى. في إحدى الليالي كان يطير فوق المدينة سنونو صغير، وكان رفاقه قد رحلوا إلى مصر وتقدموه بستة أسابيع وتخلف هو عنهم وقد فتن بحب مغردة تقطن شجر الغاب الذي يكتنف النهر، وكانت أجمل بنات جنسها، لقيها في الربيع وهو يطارد يراعة كبيرة صفراء، فأعجبه خصرها الناحل، فكاشفه بحبه وابتدرها في صراحة وبيان (أتأذنين لي في حبك؟)

стр. 4090

فأومأت إليه إيماءة خفيفة، فطار من فرط الفرح، وكانت آية حبه أن يحلق في الجو طائراً حولها يرتفع أحياناً ويسف بجناحيه أحياناً حتى يضرب بهما صفحة النهر، فيخط عليه سطوراً من فضة كانت هي تقرأ فيها التحية والإجلال، وكانت هذه تحيته طوال أشهر الصيف، ولقد شاع حديث حبه بين أبناء جنسه، فتغامزوا عليه يتساءلون عن هذه الصلة التي توثقت بينه وبين المغردة، وهي ليست بذات مال ولها من أقربائها عدد وفير، وكان النهر غاصاً بأسراب المغردات. ثم رحل رفاق السنونو رحلة الخريف وشعر صاحبنا بعدهم بسأم الوحدة وشاع السأم في نفسه حتى غشى حبه لصاحبته المفردة، فبدا له ما يعيبها من صمتها، وحدثته نفسه بأنها فتاة مبتذلة، ولا سيما وقد رآها تداعب الهواء في خفة ودلال!! وهو أن وثق بما لها من طبيعة الاستقرار، فلا يتفق طبعها مع ما جبل عليه من حب الأسفار، ولن تكون له إذاً الزوجة الصالحة، وصارحها يوماً برأيه فسألها (أتظعنين معي؟) فهزت رأسها مستنكرة أن تهجر وطنها. ولقد ساءه منها إباؤها، وصاح في وجهها (أنت إذاً كنت عابثة في حبي؟ سأرحل عن ديارك إلى الأهرام!! وداعا!! وداعا!!) وطار طوى نهاره طائراً وأدركه الليل عند المدينة، فتحسس فيها مهبطاً سوياً، وساءه أن المدينة لم تعد له العدة لهبوطه، ثم تراءى له التمثال فطاب له النزول عليه، واستهواه من المكان هواؤه العليل واتخذ له بين قدمي الأمير مقعداً. ثم دار ببصره في المكان يتبينه، وقال معجباً (ما أجمله فراشاً من ذهب) ثم طوى رأسه تحت جناحه، وما لبث أن أحس بقطرة من الماء تسقط عليه فعجب للسماء تمطر بغير سحاب، والنجوم سافرة بغير حجاب، وما له يعجب لهذا الجو وهو في شمال أوربا أشد نكاية بالخلق وأبلغ إيذاء، ثم خطرت له المغردة وحبها لوطنها المطير وقال (إنها لمؤثرة) ثم قطرة ثانية تسقط عليه فينحى باللائمة على هذا التمثال القائم (أما فيه على طول قامته عاصم من الأمطار؟؟.) (سآوي إلى رأس مدخنة لعل فيها من المطر تقية) وهم بأن يطير فشخص ببصره إلى السماء ورأى. . . . وما أعجب ما رأى. . . . غشيت الدموع عيني الأمير السعيد، وهطل الدمع على خديه الذهبيين مدراراً، وبدا وجهه تحت سنا البدر في حلة من الجمال،

стр. 4091

أشفق السنونو من بكاء الأمير السعيد وقال له (من أنت؟) قال (أنا الأمير السعيد) قال (وما بكاؤك في هذه الساعة وقد بللتني دموعك؟) قال (كنت حياً وكان لي قلب كقلوب الناس، وما عرف الدمع إلى عيني سبيلاً، كنت أسكن قصر (البال الخالي) وكان الحزن لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه، وكنت أمضي سحابة اليوم ألهو وألعب مع رفاقي بين الزهر والشجر، وأقضي هزيعاً من الليل أطرب وأرقص في بهوه الفسيح، وكان يحيط بالقصر حائط لم أحفل بما وراءه، وكان كل ما حولي جميلاً، طربت لهذه الحياة حتى دعتني حاشيتي بالأمير السعيد يحسبون السعادة في الطرب. إلى أن أدركني الفناء فأقاموني على هذا الشرف، أرى منه كل ما في المدينة فلا يقع بصري إلا على ما تكره الأبصار، ولا يمتد إلا ليرتد حسيراً، ولي قلب قد من الرصاص ولكن لا محيد لي عن البكاء،.) عجب السنونو في نفسه من هذه القصة، وزاد عجبه أن القلب قد قد من الرصاص، والجسم من الذهب قال الأمير في صوت هادئ ونغم موسيقى،: (في أقصى المدينة دار فيها البؤس، وفيها الشقاء، وفيها أم قد ألح عليها الفقر العنيف. حتى شحب وجهها، وغابت نضارتها، واحمرت يداها من فرط ما تعانيان من وخز الإبر، وهي جالسة إلى منضدة وبين يديها ثوب من الحرير توشيه (بزهر العواطف) وتعده لأجمل وصيفات الملكة، تريد أن تزدهي به في مرقص يقام في القصر غداً. وإني لأرى الأم من نافذة الدار وأرى ولدها الصغير طريح الفراش، تضطرم في أحشائه نار الحمى، ولا عاصم له من شرها إلا شربة من عصير البرتقال، وأنى لهذه الوالدة بعصير البرتقال؟ - إنها تسكب في فمه ماء النهر، وهو لا يروي صداه، ولا يدفع جواه، هذه رسالتي أيها السنونو الصغير، اخلع عن قبضة سيفي هذه الياقوتة، وألقي بها بين يدي الأم البائسة، فأنا في موقفي هذا لا أستطيع حراكاً بما شدت به قدماي إلى هذا العامود). برم السنونو بهذا الأمر واستعفى منه الأمير قائلا (إن لي في مصر من يترقب عودتي. أولئك رفاقي ترفرف أجنحتهم فوق نهر النيل يناجون أزهار اللوتس العظيمة، وما أحسبهم الآن إلا آوين إلى مضاجعهم في مقبرة الملك العظيم، المضطجع في تابوته الموشى، وقد ضمت لفائف التيل الأصفر جسده المحنط بالتوابل والأفاويه، ويحيط بعنقه قلادة من

стр. 4092

الكديش الأخضر الشاحب، وتمتد يداه كأوراق الشجر الذابلة،) توسل الأمير السعيد للسنونو أن يقيم معه الليلة، وأن يبلغ رسالته إلى ذلك الطفل الصادي، وتلك الأم الحزينة، قال السنونو أنا لا أعطف على الأطفال، فقد كنت في الصيف الماضي مقيماً على النهر، وكان هناك صبيان يحصبانني بالحصى وهما ولدا الطحان، ولم يكن الحصى يصيبني لما اشتهرت به طائفتنا من خفة الحركة، وسرعة الطيران، ولكن الذي يحزنني هو ما ينطوي عليه عملهما من المهانة لنا والتحقير لشأننا) طافت بوجه الأمير سحابة حزن أشفق منها السنونو ولان قلبه وقال: (الآن طبت نفساً بالبقاء معك هذه الليلة، وسأحمل رسالتك) وشكره الأمير، واقتلع السنونو الياقوتة من قبضة السيف وضم عليها منقاره وطار،. . . طار فوق برج الكنيسة ورأى تماثيل الملائكة قد قدت من الرخام الأبيض إذا رأيتها حسبتها لؤلؤاً منثوراً، وطاف بالقصر الملكي فرأى مرقصاً ونعيماً ونوراً، وخرجت إلى شرفة القصر غادة جميلة مستندة إلى ذراع صاحبها فأنصت إليهما فإذا الرجل يقول (ما أغرب الحب وما أشده) قالت الفتاة لاهيةً عن حديث الحب بحديث الثياب (ما أشد لهفتي على ثوبي الذي أعده لليلة المرقص! لقد كلفت الحائكة وشيه بأزهار العواطف، ولكن الحائكة كسول،) وطار فوق النهر وأبصر المصابيح تتدلى على ساريات المراكب، وطاف بحي اليهود، فرأى شيوخهم يتنازعون في البيع والشراء، ويزنون الدراهم بموازين من نحاس، وحط على الدار الحزينة ونظر من خلال النافذة فإذا الصبي يصطلي بنار الحمى فلا يهدأ مضجعه، وإذا الأم قد احتواها التعب فقامت إلى فراشها. ونفذ السنونو إلى الغرفة وألقى بالياقوتة على المنضدة، ثم طاف يرفرف بجناحيه على الصبي. تحرك الصبي في مضجعه وقال (ما أعذب هذا النسيم العليل، لعلي واجد من المرض خلاصاً) ثم أخذته سنة مريحة. عاد السنونو إلى الأمير السعيد، وقص عليه ما رأى وما فعل وقال (عجباً! إنني لأشعر بالدفء في هذا الجو البارد!) قال الأمير (ذلك بما وفقت إليه من فعل الخير) وساد صمت عميق، كان السنونو فيه مطرقاً مفكراً وهو إذا فكر نام!! ولما انبثق الفجر طار إلى النهر واغتسل بمائه فأبصره أستاذ علم الطير، وراعه أن يرى السنونو في فصل الشتاء، وعد هذا من خوارق الطبيعة، فحرر مقالاً طويلاً نشره في الصحيفة المحلية وقرأه

стр. 4093

الناس جميعاً ولم يفهموا منه شيئاً لأنه وحشاه بألفاظ لا يفقهون لها معنى. قال السنونو وقد هزه الطرب (الليلة سأطير إلى مصر) وقام يزور آثار المدينة وأعلامها، فحط على منارة الكنيسة، وطابت نفسه بالاستراحة عليها ثم طار، وكان حيثما طار سمع تغريد العصافير يقول بعضها لبعض: (ما أعجب هذا الطائر وما أغربه!) فلما استمتع من رحلته وطلع البدر خف إلى الأمير السعيد وقال له (هل لديك رسالة أحملها إلى مصر، فأنا ميمها الساعة) قال الأمير السعيد (أيها السنونو الصغير هل لك أن تبقى معي الليلة؟) قال السنونو (إن لي بمصر رفاقاً يترقبون عودتي. وما أحسبهم في الغداة إلا طائرين إلى الشلال الثاني ينعمون بطلعة فرس النهر مضطجعاً بين أوراق البردي ويسعدون بلقيا الإله ممنون جالساً على عرش من الجرانيت يناجي النجم طيلة الليل، حتى إذا أقبلت نجمة الصباح حياها بصيحة عالية ثم لزم الصمت، ويرقبون الأسود الصفراء ذات العيون الخضراء تنساب إلى الشاطئ وتستسقي ثم تزأر زأرة تذوب في صداها زأرة الشلال،) قال الأمير (أيها السنونو الصغير! في أقصى المدينة رجل يقيم غرفة وقد أكب على أوراق بين يديه، وأمامه باقة من زهر البنفسج الذابل، وله شعر مجعد، وشفتاه كجب الرمان، وعيناه ناعستان، أراه جاداً في نسج قصة تمثيلية يعدها لمدير المرسح وقد ألح عليه البرد والفقر فما يستطيع منهما خلاصاً، وما يستطيع معها التحرير،) قال السنونو وقد رق قلبه (إني مقيم معك الليلة، فهل أنت مرسلي إليه بياقوتة أخرى؟) قال الأمير (لقد نفد الياقوت الأحمر، وما أملك إلا عيني، وهما من الجوهر الأزرق النادر، جلبت حبتاهما من ألف سنة من بلاد الهند، فاقتلع واحدة منهما وخذها إلى الرجل يبيعها للجوهري ويشتري طعاماً وناراً فيقوى على إتمام قصته) قال السنونو (أيها الأمير السعيد، لا قبل لي بما كلفتني، وما أستطيع على بعض هذا صبراً) وذرفت عيناه. قال الأمير (افعل ما أمرتك به) وفعل، وطار إلى القصصي فنفذ إلى غرفته من ثغرة في سقفها، وكان الرجل قد أسند رأسه إلى يديه فصمت أذناه، ولم يسمع حفيف أجنحة السنونو، ثم رفع رأسه وبهره بريق الجوهرة الزرقاء وسط باقة البنفسج الذابل، فأفتر ثغره عن ابتسامة فيها الزهور وفيها الإعجاب وقال: (لقد آن للناس أن يحسنوا تقديري، ما أحسب هذه العطية إلا من

стр. 4094

عظيم قد أعجب بقصصي وما أحسبني الآن إلا قادراً على إتمام القصة) ثم أشرقت في نفسه السعادة،. وفي الغداة طار السنونو إلى مرفأ المدينة وجلس إلى سارية سفينة فأشرف على الحمالين وهم يجتذبون الصناديق الثقيلة وقد شدوها إلى الحبال، وألقي إليهم السمع وهم يصيحون جماعات كلما اجتذبوا صندوقاً فصاح بهم السنونو وقال (أنا طائر إلى مصر) فلم يحفل به أحد، ثم طار في ضوء القمر إلى الأمير السعيد وقال (جئت الآن لأستودعك الله) قال الأمير (هل لك أن تبقى معي الليلة؟) قال (نحن في زمان الشتاء وسيشتد البرد بهذه المدينة ومالي بها بعد اليوم مقام. سأطير إلى مصر فأنعم بشمسها الحارة تنصب على رءوس النخل الأخضر، وأسعد برؤية تماسيحها، وقد اطمأنت إلى أرض رخوة واستمرأت الكسل، ودارت عيونها تبصر ما حولها، وما أحسب رفاقي إلا جادين في اتخاذ أعشاشهم في معبد بعلبك، ترقبهم أعين الحمامات الرقطاوات تتناجى بأعذب الأنغام، أيها الأمير العزيز لست بعد اليوم مقيماً، وما أنسى فضلك وجودك، وسأعود إليك في الربيع وفي فمي جوهرتان جميلتان أعوضك بهما عن الجوهرتين اللتين جدت بهما، ستكون إحداهما أشد حمرة من الورد، والأخرى أشد زرقة من البحر.). قال الأمير (هنا في الميدان فتاة تبيع أعواد الكبريت، ولقد سقطت الأعواد من يدها وأصابها البلل فما تصلح للبيع، وستلقى الفتاة من أبيها نصباً، وإني لأرها باكية، وأراها حافية القدمين حاسرة الرأس،. . اقتلع عيني الأخرى وجد بها عليها عل أباها يعفيها من سوط عذابه) قال السنونو (أما البقاء معك هذه الليلة فنعم، وأما ما تأمرني به فلا! أتحسبني لا أعصيك في هذه فأقتلع عينك فتصبح مكفوفا!!) قال الأمير (بل لا تعص لي أمراً). . . فما عصاه. . .! وطاف فوق رأس الفتاة وأسقط الجوهرة في يدها. قالت (ما أجمل هذه الزجاجة! وسارعت إلى بيتها ضاحكة مستبشرة،) وعاد السنونو إلى الأمير وقال له (أما الآن فحق علي البقاء معك، فقد أصبحت كفيفاً ولا غنى لك عني!) قال الأمير المسكين (بل ارحل إلى مصر) قال السنونو (ما بي إلى الرحلة حاجة، ولن أبرح مقامك) وطوى رأسه تحت جناحيه واستكن بين قدمي الأمير)

стр. 4095

وفي الغداة جلس على كتف الأمير وأخذ يقص عليه من أنباء الدنيا عجباً، قص عليه أنباء طير مصر المعبود، وكيف وقوفه على ضفتي النيل يمسك بين منقاريه سمكاً ذهبياً، وقص عليه أنباء أبي الهول وقد عمر عمر الدنيا واتخذ الصحراء مسكناً، وأوتي علم كل شيء، وقص عليه أنباء التجار يسيرون الهوينى بجانب إبلهم وفي أيديهم مسابح من الكهرمان يذكرون عليها اسم الله ويسبحون بحمده، وقص عليه أنباء الأرقط الذي يأوي إلى سعف النخل، وله من الكهنة سدنة عشرون يطمعونه فطيراً معسولاً، وقص عليه أنباء الأقزام وما شب بينهم وبين الفراش من حرب في البحر، وألقى إليه الأمير السمع ثم قال (أيها السنونو الصغير، في حديثك العجب، ولكني أرى في شقاء الرجال وشقاء وفي النساء ما هو أعجب، ليس في العالم مأساة أمعن في الأسى من الشقاء) طر أيها السنونو فوق مدينتي، وائتني بأنباء ما ترى، وما لا أرى. طاف بالمدينة فرأى دوراً منجدة، وقصوراً مشيدة. وأغنياء ينعمون وعلى أبوابهم سابلة محرمون،! وطار إلى أزقة يغشاها الظلام فرأى أطفالاً يتضورون جوعاً، ترنو أبصارهم المتلهفة إلى الشوارع المظلمة، ورأى تحت جسر صبيين قد استلقيا على الأرض متعانقين يتقيان شر البرد، ويهمس أحدهما في أذن الآخر (ما أشد الجوع) فينهرهما حارس الليل ويقول (ما ينبغي لكما أن تقيما في هذا المكان) فيفران وقد صب عليهما عذاب عنيف من الجوع والبرد والمطر.! وعاد السنونو إلى الأمير وحدثه بما رأى، قال الأمير (هذه لفائف الذهب فوق جسدي فانزعها عني ورقة ورقة وهبها إلى الفقراء، فقد جبل الناس على حب الذهب، كأنهم يرون فيه السعادة.) وقام السنونو ينزع الذهب عن الأمير ورقة بعد ورقة، حتى بدا جسمه كالح اللون شاحباً، وطاف بها على الفقراء يغدقها عليهم أرزاقاً، فتهللت وجوه الأطفال واستخفهم الطرب، فملئوا شوارع المدينة بشراً وسروراً وقالوا (لقد أوتينا طعاماً). ثم قسا الشتاء على المدينة وصب عليها صقيعه وجليده، وتدلى الثلج من النوافذ، وخرج الناس يبتغون أرزاقهم، وقد اكتسوا الفراء، وخرج الأطفال يلعبون ويتسابقون زحفاً على

стр. 4096

الثلوج، كل هذا والسنونو تضنيه تباريح البرد، ولكنه لا يبتغي عن الأمير حولاً. يبتغي في الأرض رزقه من فتات يسترقه من حانوت الخباز، ويبتغي دفئه من تحريك جناحيه الضعيفين، ولكنه أحس أخيراً بدبيب الموت يسري في جسمه المقرور، وأحس بقواه تضعف وتخور، حتى لم يقو على أن يطير إلا مرة واحدة يصعد بها إلى كتف الأمير، وقال (وداعاً أيها الأمير العزيز، أتسمح لي أن أقبل يدك) قال الأمير (إني لسعيد بما عزمت عليه من الرحلة إلى مصر - أيها السنونو الصغير - لقد طال مكثك معي. خذها قبلة من فمي فإني أحبك) قال (ما رحلتي إلى مصر ولكن إلى دار البقاء، وما يفزعني الموت فهو صنو النعاس، أليس هو كذلك؟) ثم طبع على فم الأمير قبلة. . . ثم رفرف بجناحيه. . . وسقط بين قدميه. . . ميتاً،. في هذه اللحظة سمعت في جوف التمثال قرقعة داويه، وكان قلبه وقد قد من الرصاص قد انشطر شطرين. وفي الصباح مر عمدة المدينة بالميدان وحوله أعضاء المجلس البلدي فشهدوا التمثال وقد أصبح عاطلاً من حلاه، وقال العمدة (ما أقبح منظر الأمير السعيد!) قال أعضاء المجلس (حقاً ما أقبحه!) وكانوا دائماً يرددون ما يقوله العمدة - ثم صعدوا إلى التمثال ليتبينوا شأنه وقال العمدة (لقد ضاعت حلاه، وسقطت عن قبضة سيفه ياقوتها الحمراء، وسقطت من عينيه جوهرتاهما الزرقاوان، وتعطل جسده عن لفائف الذهب، وهو بهذا لا يفضل الشحاذ إلا قليلاً) قال أعضاء المجلس (وهو لا يفضل الشحاذ إلا قليلاً) قال العمدة وهاكم طائراً قد مات بين قدميه، أرسلوا في المدينة إلى الطير نذيراً ألا يموت أحد في هذا المكان، وحرر كاتب المدينة إعلاناً كتب فيه (ممنوع موت الطيور هنا). دكوا تمثال الأمير السعيد، وما بهم إليه من حاجة بعد أن زال عنه جماله، ثم صهروا معدنه، وعقد العمدة مجلساً يتشاورون فيما يستخدم فيه معدنه المصهور،. قال العمدة: (ما أرى إلا أن تعملوا منه تمثالاً، ويكون التمثال لي) وقال كل عضو من أعضاء المجلس: (ويكون التمثال لي) فدبت بينهما الشحناء، وماج بعضهم في بعض وما زالوا مختلفين،. قال أحد العمال الذين يصهرون معدن التمثال (هذه قطعة من الرصاص لا تذوب في النار

стр. 4097

ولا تلين) والقى بها على كومة القمامة، وكان على الكومة جثمان السنونو) فلو قال الله لملائكته ائتوني باثنين من أعز ما لقيتم في المدينة، وأتاه الملائكة بقلب الأمير وجسم الطائر - لقال لهم (صدقتم فيما اخترتم - وسعت جنتي هذا الطائر الصغير يغرد فيها، وهذا الأمير السعيد يسبح بحمدي) أحمد الطاهر

стр. 4098

الكتب بحث في نقد الأدب العربي بقلم محمد بديع شريف مؤلف هذا الكتاب الموجز شاب عراقي، يتلقى علومه في مدرسة دار العلوم، تكلم فيه عن النقد في الأدب العربي من فجر تاريخه حتى يومنا هذا، فأرانا كيف كان أهل الجاهلية يتحاكمون في أشعارهم إلى النابهين منهم كالنابغة وأضرابه، ثم قص علينا حديثاً طريفاً عن النقد في صدر الإسلام وفي عهد بني أمية مشيراً إلى ما كان عليه أهل هذين العصرين من سلامة الذوق وحسن الفهم والنزاهة كما يتضح فيما أورده من حديث عقيلة بنت عقيل ابن أبي طالب مع جميل وكثير والأحوص، وانتقل إلى العصر العباسي فأرانا كيف كان الخلفاء يهتمون بالنقد ويفطنون إلى موازينه وأوضاعه، وأخيراً تكلم عن النقد في أيامنا ويعجبني منه قوله في ذلك (والنقد في أيامنا يجري في البيت والبيتين، وهو عند الصديقين إلى تقارض المدح أقرب منه إلى النقد، وعند المغيظ المحنق أبعد عن النقد وأقرب إلى السباب، والمنصف بينهما قليل بل من القليل أقل). وختم المؤلف كتابه بكلمة عن النقد وموازينه وطرقه مورداً في ذلك كثيراً من الأمثلة التي تدل على صدق نظره وحسن فهمه وسلامة ذوقه، وهي باكورة تبشر بمستقبل أدبي باهر لهذا الطالب النجيب. أما اسم الكتاب فقد يبدو لي غريباً أو منحرفاً عن موضوعه فكان أولى به أن يسميه بحث في طرق النقد في الأدب العربي، فهو لا ينقذ الأدب العربي كما يشعر بذلك عنوانه، ولكنه يبحث في أساليب النقد في هذا الأدب قديمه وحديثه. م. الخفيف مسعود تأليف محمود أبو النجاة يتوق كثير من شبابنا اليوم إلى التأليف، فأول ما يستهوي الشاب في مستهل حياته الأدبية، فترة المطالعة والتأمل والاستعداد، أن يكون له كتاب يقرؤه الناس. لا جناح على الشاب أن

стр. 4099

يعمل على رفع نفسه، بيد أن لكل غاية وسائلها ولكل أمر عدته، ولابد لمن يضطلع بالتأليف أن يكون له من الخبرة والنضوج ما يكفل له النجاح في هذه المهمة الشاقة، أما أن يعمد الشاب إلى التأليف وهو لم يدر بعد ما القراءة، فهذا إلى العبث أقرب منه إلى الجد، بل هو الهزل بعينه، وهذا الكتيب الذي أحدثك عنه مثل من أمثلة التسرع والشطط، فهو رواية شعرية في موضوع تافه لا يليق حتى الأسلوب (الحواديت) وحسبك أن تقرأ حواراً كهذا ولو على سبيل التندر والفكاهة مسعود - ما العشاء الليلة؟ سعيد - إنه جبن وعدس مسعود (متأثراً) - كنت أرجو الفرخة زينب - ماتت الفرخة أمس ثم اقرأ إحدى أغانيه وهي من أجود مقطوعاته بسم الصبح ابتساماً … فيه آيات الجمال فانحنى الزرع احتراماً … في سكون وجلال وشعاع الشمس ضاءا … يملأ الآفاق نورا وسرى الزهر هواءا … يملأ الدنيا عبيرا ودونك حواراً لذيذاً بين المحضر والعمدة المحضر: كم يملكون من العقار؟ العمدة: عشرون فداناً ودار الحد من جهة الشمال: أرض مسطحة بوار ومن الجنوب المصرف: والغرب أحمد ذو الفقار والرواية كلها على هذا النحو وكم وددت لو اتسع المجال لأذكر لك طرفاً من ذلك الحوار البديع بين النائب والمحامي في الجلسة. . .! وحي النسيب في شعر شوقي تأليف أحمد محمود الحوفي بدار العلوم

стр. 4100

حاول المؤلف الشاب أن يبرهن على صدق عاطفة الحب عند شوقي، أو بعبارة أخرى أراد أن يقيم الدليل على أن الغزل في شعر شوقي نتيجة غرام حقيقي ملك قلب الشاعر الكبير ليبطل بذلك حجة الذين يقولون أنه غزل لم تلده عاطفة ولم يبعثه حب. ابتدأ المؤلف الفاضل كتابه بكلمة في الغزل وأنواعه، ثم تكلم عن العلاقة بين الحب والشعر، وذكر طرفاً من غزل شوقي في الصبا والكبر، ثم شرح بصره بنفسية المحبين، وتعرض لشرح بيئته وصور نزعته إلى الوصف وصلتها بالحب. ولكنه لم يخرج في براهينه كثيراً عن ذكر أبيات شوقي في الغزل مستدلاً بها على صدق حبه مع أن تلك الأبيات التي يذكرها من ينكرون عليه هذا الحب مستشهدين بوجودها في مطلع بعض قصائده دون مناسبة أو داع، وكان أولى به أن يسلك في البرهان طريقاً غير هذا، فان إثبات مواقف معينه أو إقامة الدليل على صفة خاصة في حياة شاعر لا تتأتى إلا بذكر حوادث معينة واضحة، أو الإتيان بقرائن قوية توضح الغرض من شعره. على أننا نحمد لهذا الشاب وأقرانه من طلاب دار العلوم نشاطهم وإقبالهم على الأدب العربي بحثاً وتنقيباً، ويسرنا بنوع خاص أن ينهض الشباب لدراسة شعر شوقي من جميع نواحيه، ولنا أن نعتبر هذا الكتاب باكورة طيبة لهذا الشاب الأديب. م. الخفيف المدينة الإسلامية وأثرها في أوروبا تأليف محمد سعيد بخت ولي دعا المؤلف إلى نشر هذا الكتاب كما يتضح من مقدمته ما يراه من إقبال الشبان على دراسة مدنية الغرب مع إغفالهم مدنية العرب والإسلام، ولقد تكلم في هذا الكتاب الصغير عن عظمة الإسلام في أول نشأته، ثم تقدم المسلمين في العلوم والمعارف والآداب، ثم عن قوى الإسلام البرية والبحرية في شتى عصوره، ثم عقد فصلاً عن مبلغ ما أفاده أهل الغرب من الإسلام مستشهداً بعبارات من كلام مؤرخيهم وإنك لتلمس غيرة المؤلف وحماسته للإسلام في كتابه هذا على صغره، فلا يسعك إلا أن تشكره على هذه الأريحية، بيد أن الموضوع أوسع من أن يلم به كتيب كهذا لا تزيد
следующие страницы →