Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.
стр. 4096
الثلوج، كل هذا والسنونو تضنيه تباريح البرد، ولكنه لا يبتغي عن الأمير حولاً. يبتغي في الأرض رزقه من فتات يسترقه من حانوت الخباز، ويبتغي دفئه من تحريك جناحيه الضعيفين، ولكنه أحس أخيراً بدبيب الموت يسري في جسمه المقرور، وأحس بقواه تضعف وتخور، حتى لم يقو على أن يطير إلا مرة واحدة يصعد بها إلى كتف الأمير، وقال (وداعاً أيها الأمير العزيز، أتسمح لي أن أقبل يدك) قال الأمير (إني لسعيد بما عزمت عليه من الرحلة إلى مصر - أيها السنونو الصغير - لقد طال مكثك معي. خذها قبلة من فمي فإني أحبك) قال (ما رحلتي إلى مصر ولكن إلى دار البقاء، وما يفزعني الموت فهو صنو النعاس، أليس هو كذلك؟) ثم طبع على فم الأمير قبلة. . . ثم رفرف بجناحيه. . . وسقط بين قدميه. . . ميتاً،.
في هذه اللحظة سمعت في جوف التمثال قرقعة داويه، وكان قلبه وقد قد من الرصاص قد انشطر شطرين.
وفي الصباح مر عمدة المدينة بالميدان وحوله أعضاء المجلس البلدي فشهدوا التمثال وقد أصبح عاطلاً من حلاه، وقال العمدة (ما أقبح منظر الأمير السعيد!) قال أعضاء المجلس (حقاً ما أقبحه!) وكانوا دائماً يرددون ما يقوله العمدة - ثم صعدوا إلى التمثال ليتبينوا شأنه وقال العمدة (لقد ضاعت حلاه، وسقطت عن قبضة سيفه ياقوتها الحمراء، وسقطت من عينيه جوهرتاهما الزرقاوان، وتعطل جسده عن لفائف الذهب، وهو بهذا لا يفضل الشحاذ إلا قليلاً) قال أعضاء المجلس (وهو لا يفضل الشحاذ إلا قليلاً) قال العمدة وهاكم طائراً قد مات بين قدميه، أرسلوا في المدينة إلى الطير نذيراً ألا يموت أحد في هذا المكان، وحرر كاتب المدينة إعلاناً كتب فيه (ممنوع موت الطيور هنا).
دكوا تمثال الأمير السعيد، وما بهم إليه من حاجة بعد أن زال عنه جماله، ثم صهروا معدنه، وعقد العمدة مجلساً يتشاورون فيما يستخدم فيه معدنه المصهور،.
قال العمدة: (ما أرى إلا أن تعملوا منه تمثالاً، ويكون التمثال لي) وقال كل عضو من أعضاء المجلس: (ويكون التمثال لي) فدبت بينهما الشحناء، وماج بعضهم في بعض وما زالوا مختلفين،.
قال أحد العمال الذين يصهرون معدن التمثال (هذه قطعة من الرصاص لا تذوب في النار
стр. 4097
ولا تلين) والقى بها على كومة القمامة، وكان على الكومة جثمان السنونو)
فلو قال الله لملائكته ائتوني باثنين من أعز ما لقيتم في المدينة، وأتاه الملائكة بقلب الأمير وجسم الطائر - لقال لهم (صدقتم فيما اخترتم - وسعت جنتي هذا الطائر الصغير يغرد فيها، وهذا الأمير السعيد يسبح بحمدي)
أحمد الطاهر
стр. 4098
الكتب
بحث في نقد الأدب العربي
بقلم محمد بديع شريف
مؤلف هذا الكتاب الموجز شاب عراقي، يتلقى علومه في مدرسة دار العلوم، تكلم فيه عن النقد في الأدب العربي من فجر تاريخه حتى يومنا هذا، فأرانا كيف كان أهل الجاهلية يتحاكمون في أشعارهم إلى النابهين منهم كالنابغة وأضرابه، ثم قص علينا حديثاً طريفاً عن النقد في صدر الإسلام وفي عهد بني أمية مشيراً إلى ما كان عليه أهل هذين العصرين من سلامة الذوق وحسن الفهم والنزاهة كما يتضح فيما أورده من حديث عقيلة بنت عقيل ابن أبي طالب مع جميل وكثير والأحوص، وانتقل إلى العصر العباسي فأرانا كيف كان الخلفاء يهتمون بالنقد ويفطنون إلى موازينه وأوضاعه، وأخيراً تكلم عن النقد في أيامنا ويعجبني منه قوله في ذلك (والنقد في أيامنا يجري في البيت والبيتين، وهو عند الصديقين إلى تقارض المدح أقرب منه إلى النقد، وعند المغيظ المحنق أبعد عن النقد وأقرب إلى السباب، والمنصف بينهما قليل بل من القليل أقل).
وختم المؤلف كتابه بكلمة عن النقد وموازينه وطرقه مورداً في ذلك كثيراً من الأمثلة التي تدل على صدق نظره وحسن فهمه وسلامة ذوقه، وهي باكورة تبشر بمستقبل أدبي باهر لهذا الطالب النجيب.
أما اسم الكتاب فقد يبدو لي غريباً أو منحرفاً عن موضوعه فكان أولى به أن يسميه بحث في طرق النقد في الأدب العربي، فهو لا ينقذ الأدب العربي كما يشعر بذلك عنوانه، ولكنه يبحث في أساليب النقد في هذا الأدب قديمه وحديثه.
م. الخفيف
مسعود
تأليف محمود أبو النجاة
يتوق كثير من شبابنا اليوم إلى التأليف، فأول ما يستهوي الشاب في مستهل حياته الأدبية، فترة المطالعة والتأمل والاستعداد، أن يكون له كتاب يقرؤه الناس. لا جناح على الشاب أن
стр. 4099
يعمل على رفع نفسه، بيد أن لكل غاية وسائلها ولكل أمر عدته، ولابد لمن يضطلع بالتأليف أن يكون له من الخبرة والنضوج ما يكفل له النجاح في هذه المهمة الشاقة، أما أن يعمد الشاب إلى التأليف وهو لم يدر بعد ما القراءة، فهذا إلى العبث أقرب منه إلى الجد، بل هو الهزل بعينه، وهذا الكتيب الذي أحدثك عنه مثل من أمثلة التسرع والشطط، فهو رواية شعرية في موضوع تافه لا يليق حتى الأسلوب (الحواديت) وحسبك أن تقرأ حواراً كهذا ولو على سبيل التندر والفكاهة
مسعود - ما العشاء الليلة؟
سعيد - إنه جبن وعدس
مسعود (متأثراً) - كنت أرجو الفرخة
زينب - ماتت الفرخة أمس
ثم اقرأ إحدى أغانيه وهي من أجود مقطوعاته
بسم الصبح ابتساماً … فيه آيات الجمال
فانحنى الزرع احتراماً … في سكون وجلال
وشعاع الشمس ضاءا … يملأ الآفاق نورا
وسرى الزهر هواءا … يملأ الدنيا عبيرا
ودونك حواراً لذيذاً بين المحضر والعمدة
المحضر: كم يملكون من العقار؟
العمدة: عشرون فداناً ودار
الحد من جهة الشمال: أرض مسطحة بوار
ومن الجنوب المصرف: والغرب أحمد ذو الفقار
والرواية كلها على هذا النحو وكم وددت لو اتسع المجال لأذكر لك طرفاً من ذلك الحوار البديع بين النائب والمحامي في الجلسة. . .!
وحي النسيب في شعر شوقي
تأليف أحمد محمود الحوفي بدار العلوم
стр. 4100
حاول المؤلف الشاب أن يبرهن على صدق عاطفة الحب عند شوقي، أو بعبارة أخرى أراد أن يقيم الدليل على أن الغزل في شعر شوقي نتيجة غرام حقيقي ملك قلب الشاعر الكبير ليبطل بذلك حجة الذين يقولون أنه غزل لم تلده عاطفة ولم يبعثه حب. ابتدأ المؤلف الفاضل كتابه بكلمة في الغزل وأنواعه، ثم تكلم عن العلاقة بين الحب والشعر، وذكر طرفاً من غزل شوقي في الصبا والكبر، ثم شرح بصره بنفسية المحبين، وتعرض لشرح بيئته وصور نزعته إلى الوصف وصلتها بالحب.
ولكنه لم يخرج في براهينه كثيراً عن ذكر أبيات شوقي في الغزل مستدلاً بها على صدق حبه مع أن تلك الأبيات التي يذكرها من ينكرون عليه هذا الحب مستشهدين بوجودها في مطلع بعض قصائده دون مناسبة أو داع، وكان أولى به أن يسلك في البرهان طريقاً غير هذا، فان إثبات مواقف معينه أو إقامة الدليل على صفة خاصة في حياة شاعر لا تتأتى إلا بذكر حوادث معينة واضحة، أو الإتيان بقرائن قوية توضح الغرض من شعره.
على أننا نحمد لهذا الشاب وأقرانه من طلاب دار العلوم نشاطهم وإقبالهم على الأدب العربي بحثاً وتنقيباً، ويسرنا بنوع خاص أن ينهض الشباب لدراسة شعر شوقي من جميع نواحيه، ولنا أن نعتبر هذا الكتاب باكورة طيبة لهذا الشاب الأديب.
م. الخفيف
المدينة الإسلامية وأثرها في أوروبا
تأليف محمد سعيد بخت ولي
دعا المؤلف إلى نشر هذا الكتاب كما يتضح من مقدمته ما يراه من إقبال الشبان على دراسة مدنية الغرب مع إغفالهم مدنية العرب والإسلام، ولقد تكلم في هذا الكتاب الصغير عن عظمة الإسلام في أول نشأته، ثم تقدم المسلمين في العلوم والمعارف والآداب، ثم عن قوى الإسلام البرية والبحرية في شتى عصوره، ثم عقد فصلاً عن مبلغ ما أفاده أهل الغرب من الإسلام مستشهداً بعبارات من كلام مؤرخيهم
وإنك لتلمس غيرة المؤلف وحماسته للإسلام في كتابه هذا على صغره، فلا يسعك إلا أن تشكره على هذه الأريحية، بيد أن الموضوع أوسع من أن يلم به كتيب كهذا لا تزيد
стр. 4101
صفحاته على السبعين.
م. الخفيف
العامي النبيل
تأليف موليير وتعريب فؤاد نور الدين
عرب هذه الرواية الظريفة التي تعد إحدى طرف الأدب الفرنسي شاب من شباب سوريا، ولا ريب أن حاجة العالم العربي في هذه الأيام إلى تعريب الآثار الغربية القيمة، حاجة شديدة ملحة، بيد أن الترجمة ليست كما يتوهم البعض من السهولة، وفضلاً عن ذلك فليس كل كتاب بصالح للنقل إلى العربية، وأكبر ظني أن معرب هذه الرواية لم يتوخ الدقة في الاختيار، فالرواية يغلب عليها عنصر الفكاهة، وأسلوب الفكاهة في لغة غيره في لغة أخرى، هذا إلى اختلاف الذوق العام في أمة عنه في أخرى وخصوصاً في الأدب الفكاهي، وهذه القصة بنوع خاص ينحصر جزء كبير من فكآهتها حول نطق الكلمات وإخراج الحروف فكيف ينقل ذلك إلى العربية؟ نقل المعرب الحروف الفرنسية كما هي، فكان موقفه أشبه بموقف ذلك الذي يتصدى لإضحاكك فلا تفهم ما يريد فتقابله بالوجوم فينقلب مرحه إلى فتور.
غير أني لا أنكر على المعرب ما بذل من جهد وما توخى من كمال كما يتضح في كثير من عبارته.
سعادة الأسرة
للحكيم الروسي الأكبر ليو تولوستوي
نقله إلى العربية (مختار الوكيل)
لا تكاد تمضي في قراءة هذه الترجمة العربية للقصة الروسية البديعة حتى تشعر بدقة المعرب وسلامة أسلوبه من الضعف والابتذال، فألفاظه منتقاة وتراكيبه عربية وجمله متزنة، ثم أنك لتشعر أيضاً بأن المعرب الفاضل يفهم الأصل فهما صحيحاً فلا التواء في الحوادث ولا اضطرب في مجرى القصة كلها، هذا إلى ما يشع من هذه الترجمة من روح
стр. 4102
الاتزان والحصافة والشغف بفن القصص مما كان له أكبر الأثر في إنجاز هذا العمل على خير ما يرجى من طالب في كلية الحقوق لما يزل بين أعماله الدراسية المرهقة، وحسبك أن تقرأ هذه الفقرة من مقدمة المعرب لتعرف الروح التي سيطرت عليه أثناء التعريب فهو يقول (أما بعد، فغاية ما أطمح فيه من نقل هذه القصة إلى لغتنا هو تغذية الفن القصصي الناشئ عندنا بضم عناصر قوية خالدة من الفن العالمي إليه، فهل يا ترى ستحقق هذه الأمنية؟ علم الله أنها غاية ما أتوق إليه. . .؟)
ولا شك عندي أن تعريبه جاء مصداقاً لمقدمته المهذبة.
ديوان الفراتي
نظم محمد الفراتي
مطبعة باييل أخوان - دمشق
يقع هذا الديوان في أربعين ومائتي صفحة من القطع الكبير، جيد الورق متقن الطبع قسم ناظمه ما جاء فيه من قصائد إلى مصريات وسوريات وحجازيات وعراقيات وبحرينيات! ولست أذكر ديواناً في هذا الحجم تنوعت قصائده على نحو ما تنوعت القصائد في هذا الديوان، فلقد نظم الشاعر في الاجتماعات وفي شكوى الزمان وفي الرثاء والمديح والعتاب، وتغني بحنينه إلى البادية، وتفاخر بمجد الأوائل، ونظم يستنهض أهل عصره، ثم نظم في الوصف فوصف الكهرباء وصاغ شعراً في الأكسجين والنتروجين! وناجى الكواكب، ولم تكفه الأرض بما رحبت فطار على أجنحة الشعر إلى المريخ ونظم قصائد في وصفه وشط به خياله فاخترع ألفاظاً أشار في الحواشي إلى أنها من لغة المريخ!!
وهكذا أطلق الشاعر العنان لخياله في غير تحفظ ولا احتراس وسجل كل ما جادت به قريحته من غير حذف ولا إصلاح
من أجل ذلك أرجع أن الفراتي الفاضل يعنى حقاً ما أثبته في مقدمة ديوانه إذ يقول (لم أنظمة للناس وإنما نظمته لنفسي، وحسبي أن نفسي عنه راضية، ولم أقدم على نشره ليذيع اسمي ويشتهر، وإنما نشرته حرصاً عليه من الضياع) أقول أني أرجح أنه يعني ما كتب، وقد كنت أحسب ذلك منه تواضعاً أول الأمر، على أنني لست أقصد بذلك أن الديوان لا
стр. 4103
يستحق النشر، كلا ففيه عدد من القصائد يستحق الشاعر من أجلها التهنئة الصادقة، ثم أن شعره في الجملة مشرق الديباجة جيد الصياغة بله تنوعه المدهش، ومن قصائده البارعة قصيدته المسماة (درة في جبين الدهر) وأختها (نفثت مصدور) وقصيدته تحت عنوان (يا ابنة عمي) ومرثيته لسعيد وغيرها.
وإنما أقصد بما ذكرت أنه كمان ينبغي أن يحذف الشاعر من ديوانه بعض القصائد التي لا تسمو إلى مستوى شعره، ولئن فعل فما كان ذلك بضائره، فبضاعته موفورة، ولا سيما وأن هذا هو الجزء الأول، وخير له أن ينتقي من الجزءين ديواناً جيداً. ثم ليسمح لي أن أنبهه في احترام إلى ألفاظ استعملها بكثرة وهي في زعمي مما يمجه الذوق الشعري (كالقطقط والعجنفل والصنبر ونفنف اللوح وغيرها مما يجب أن يخلص منها شعر الفراتي.
صحيفة مدارس الأقباط الخيرية الكبرى بطنطا
هذه الصحيفة التي تفضل حضرة المربي الفاضل ناظر مدارس الأقباط بطنطا بإهدائها إلى الرسالة، هي باكورة أعمال الطلبة وأول ثمرة لجهودهم الأدبية الفتية، فإذا قلبتها أعجبك وسرك أن تكون تلك الباكورة على خير ما تكون عليه المجلات المدرسية من دقة وجمال وحسن نظام، وإذا قرأتها حمدت لأصحابها روحهم الطيبة التي تتجلى في إخلاصهم لمدرستهم وبلادهم، فالصحيفة مليئة بدروس الوطنية، حافلة بالأبحاث المتنوعة في الاجتماع والاقتصاد والتاريخ والعلوم والآداب. والذي تغتبط له بنوع خاص أن هذه الأبحاث التي كتبها الطلاب من عملهم لم يعمدوا فيها إلى نقل أو تلفيق، بل هي أصدق صورة لعواطفهم وآمالهم، وإذا أنت قارنت بين هذه الصحيفة وأمثالها مما يظهر في مدارسنا اليوم، وبين الصحف التي كانت تصدرها المدارس منذ بضع سنوات أحسست بتقدم الطلاب في فهم العالم الذي يحيط بهم، واستبشرت بالخير لبلادنا على أيدي هؤلاء الشبان الذين نعتبرهم عدة الحاضر ورسل المستقبل.
صحيفة مدارس الأهرام
تفضل حضرة المربي الفاضل ناظر مدارس الأهرام فأهدى صحيفة مدارسه إلى الرسالة أيضاً، وتلك الصحيفة في مرحلتها الثالثة، متقنة الطبع، أنيقة الشكل، كبيرة الحجم، وهي
стр. 4104
كأختها السالفة دقة وحسن نظام، تشرق صفحاتها الغر بقيم البحث في شتى المواضيع، كما أنها ثمرة خالصة لجهود الطلاب، ومرآة صادقة لعواطفهم وميولهم، التي تنهض دليلاً على وصول التعليم الأهلي في بلادنا إلى درجة يغبط عليها، فالصحيفتان ناطقتان بما يرفع رأس رجال التعليم الحر، وما جاء فيهما على ألسنة أبنائهم شاهد بما يبثونه في قلوبهم من الفضائل وما يغذون به عقولهم من المعارف.
هذا وتجد في الصحفيتين طائفة من الصور البديعة للجمعيات المدرسية المختلفة، والفرق الرياضية تتوج كلاً منهما صورة صاحب السمو الكشاف الأعظم أمير الصعيد كما تتصدر الصحيفتين صورة جلالة الملك مما يكسبهما جلالاً وعزة.
стр. 4105
العدد ٤٩ - بتاريخ: ١١ - ٠٦ - ١٩٣٤
стр. 4106
الامتيازات والدين
. . . حتى على حرم الدين، وموئل علومه، ومعقل آدابه، تعتدي الامتيازات الأجنبية المشئومة!! فقد حدثني من لا يجهل ولا يكذب، أن طالباً من جنوب أفريقية، يطلب العلم في أحد المعاهد الدينية، دهمه الامتحان وهو في سكرة النعيم المصري الخالص من الأذى والمن، فلم يجد في رأسه غير وساوس الشباب وغماغم الهوى، ففزع إلى الكتاب ينقل منه نص الجواب، فأخذته عين المراقب! ثم كان ما يقتضيه القانون والخلق والنظام في مثل هذه الحال من طرد التلميذ وإلغاء امتحانه.
ولكن جنوب أفريقية - وأرجو أن تتذكر - له على شمالها امتيازات بالواسطة، يُدل بها على مصر ادلال الخادم بسطوة سيده، ويصول بسيفها صولة العبد بسيف مولاه! حملها أبو الغلام على ظهره عشية الحادث، وراح يهدج بها في فناء الدار المشرفة على النيل وعلى أمة النيل، فاهتزت الدار لشكواهِ حفاظاً وأنفة، وأقبلت حجرات الحراس على حجرات الخدم يتساءلن: أين إذن الامتياز إذا تساوى الأجنبي والوطني في قانون عام؟ وأين إذن الامتياز إذا جرى المحمى والمصري في الأمر على منهاج واحد؟!
وفي الصباح الباكر كان مدير المعهد جالساً إلى مكتبه يذكر الله على إيقاع المسبحة، وذِكْر الله تطمئن به القلوب وتشجع به الأنفس، ولكن جرس التليفون كان اليوم على ما خيل إلى المدير أحدّ رنيناً، وأشد صلصلة، فزعزع القلب المطمئن، وضعضع النفس القوية!
- ألو! ألو! مَن؟
- الإدارة العليا! أعد إلى الامتحان الطالب الذي أخرجته منه أمس
- كيف وقد غش في الإجابة، وضبطت معه أداة الغش، وضاع من أيام امتحانه يوم، وذهب من هذا النهار حصة، وأعلن إلى الملأ أمر رفضه؟؟
- أعد هذا الطالب من غير مناقشة!!
وكانت اللهجة حاسمة، والإجابة مفحمة، فخرس التليفون، وخشع المدير، وتقاصر المكتب، وخزى القانون، وبُهت الخلق، وعجب المدرسون والطلاب إذ رأوا التلميذ الذي طرد بالأمس، يعود إلى مكانه اليوم وهو أضخم مما كان جثة وانضر طلعة وأطول رقبة!!
تخالست العيون نظرات العجب، وتبادلت الشفاه بسمات السؤال، ولكن المكاتب الرسمية ظلت واجمة، والأسباب السحرية الرهيبة بقيت محجوبة، حتى أذن الله لها أن تظهر،
стр. 4107
فسكنت طبيعة المعهد، وركدت ريح الفناء، وثقلت حرارة الجو، وأخذ الدارَ ما يأخذ الأرضَ قبيل هبوب العاصفة!
وهنالك اقتحم الدار ذلك الأفريقي الذي رأيناه بالأمس يقرع الباب الأحمر، والامتيازات تجأر بالشكوى على ظهره، ثم أثار من حلقه عاصفة هوجاء ترمي بالسباب والسفه، فلم تدع كرامة على منصة، ولا مهابة على مكتب، ولا جلالة في الإدارة، حتى تناولتها بالعيب والزراية
من الذي جرؤ على أن يطرد ابني يا. . . . . أين ذهبت أوامركم بالأمس؟ ما حال قوانينكم اليوم؟ كيف ترفعون رءوسكم غداً؟ ثم تربد وجه الرجل وتزبد فوه فأرسل على القوم من فحش البذاء ما نحمد الله على الجهل برسمه حتى نكتبه!
برح الخفاء واستعلن السر، فسكن القوم سكون الطير في ثورة الطبيعة! فلما هدأت زمجرة الأسود الممتاز، وانصرف عنهم انصراف الليل المرعد عن الصباح الوديع، أفاقت الطير من دوُار الزوبعة، وفزعت إلىالإدارة العليا تستصرخها للكرامة، وتستعديها على الرجل، وتسألها أن تعارض شكاية بشكاية، وتقول في حرارة الموتور ومرارة النادم: لقد قال الرجل فأسرف، وسكتنا فأسرفنا!
وتشاء المصادفات العجيبة أن يكون بين يدي الإدارة آنئذ دلَو من الماء النمير البارد فتلقيه على ثورة الغضاب فتقر! ثم قالت لهم بتلك اللهجة الحاسمة والإشارة الحازمة:
نعما فعلتم! الحلم سيد الأخلاق
كان رجال الدين في العهود العزيزة مفزع الفضيلة المروعة، وملجأ الفضل المضطهد. يبغي الحاكم، ويجحف السلطان، ويطغى المستبد، حتى إذابلغوهم شدوا الشكيمة، وردوا الجماح، واستقاموا على الطريقة. ثم كانوا في حضرتهم يستكينون لسلطان الدين، وسيطرة الضمير، وعزة القناعة، وصراحة الخلق، وشجاعة القلب، وإعلان الحق في وجه الباطل وإن ذهبت عليه الدنيا، وأريقت في سبيله النفس
وكان من ورع رجال الدين في الأزمان الصالحة سياج على حمى الشريعة، يرد عنها خبائث الطمع، ونقائص المادة، فلا تُسخر للظلم، ولا تُستخدم للحكم، ولا تُستغل للهوى، وكانت كلمة العالم هي كلمة الله، يقولها فتعنو لها الجباه، وتجمد لها الشفاه، ويستقيم بها
стр. 4108
ميزان العدل.
فلما ابتلى المؤمنون بنفاق الحياة، وفُتن المتقون بزهرة الدنيا، وذل العلماء لشهوة الترف، فرغبوا في وجاهة المظهر، وفراهة المركب، ورفاهة العيش، سلبهم الله ميراث النبوة، وحرمهم جلالة الدين، فأصبحوا كسائر الناس، يجري عليهم ما يجري على غيرهم من ذل الامتيازات، وغل الحزازات، وعنت السياسة
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم … ولو عظموه في النفوس لعظما
احمد حسن الزيات
стр. 4109
(النيل)
تعيد مجدنا البحري
لكاتب كبير
بعد أيام قلائل - في يوم الجمعة ١٥ يونيه - تسير الباخرة المصرية (النيل) من ثغر الإسكندرية إلىنابل (نابولي) ثم إلى مرسيليا. وهذه الرحلة الأولى لباخرة مصرية كبيرة في عباب البحر الأبيض المتوسط، يجب أن تثير في نفوسنا كثيراً من الذكريات المجيدة. ذلك أن (النيل) تصل بهذا الفتح البحري الميمون ما انقطع من عصور السيادة البحرية المصرية في لجة هذا البحر الخالد؛ فمنذ قرون بعيدة كانت مصر تتبوأ في التجارة البحرية، كما تتبوأ في القوى البحرية مركزاً ممتازا، وكانت السفن المصرية تتردد بين الإسكندرية ودمياط وبين ثغور الشرق حتى قاصية البحر الأسود، والثغور الإيطالية، ثم ثغور المغرب والأندلس في الطرف الأخير من البحر الأبيض المتوسط، وكانت تساهم بأعظم قسط في النقل البحري ما بين أوربا والشرق، وتمر بثغورها معظم تجارة الشرق الأقصى. وكانت بين الإسكندرية وقسطنطينية، وبينها وبين البندقية وجنوة خطوط بحرية منظمة، والسفن المصرية تقطع لجة هذه المياة ذهاباً وإياباً، وعلم مصر الإسلامية دائم الخفوق في هذا العباب
ولقد تبوأت مصر الإسلامية مركزاً ممتازاً في السيادة البحرية منذ القرن الأول للهجرة؛ وكانت السفن المصرية والبحارة المصريون عماد الفتوحات الإسلامية البحرية الأولى في شرق البحر الأبيض: في رودس وقبرس واقريطش؛ وكان العرب قبل فتح مصر يخشون البحر وأهواله، فلما فتحوا مصر، وأدركوا أهمية مركزها البحري، اتخذوا من الإسكندرية قاعدة لحشد الأساطيل، والفتوحات البحرية؛ وكان لبحارة الإسكندرية شهرة خاصة؛ وكانت تدرب بينهم خيرة الضباط والجنود البحريين. ولما سار العرب لحصار قسطنطينية للمرة الرابعة سنة ٩٩هـ (٧١٧م)، وحل بهم الضيق تحت أسوار المدينة المحصورة، حشدت سفن المدد في الإسكندرية، وسيرها البحارة المصريون إلى مياه المرمرة. وكان للسفن المصرية والبحارة المصريين دائماً أكبر نصيب في الفتوحات البحرية التي كانت تسير إلى ثغور الدولة البيزنطية وجزائر بحر إيجه. وظهرت براعة المصريين البحرية في عشرات
стр. 4110
المعارك أثناء الحروب والحملات الصليبية التي كانت تهبط دائماً على الشواطئ المصرية، في الإسكندرية ودمياط، ثم في يافا وعسقلان وعكا، وقد كانت يومئذ ثغوراً مصرية. وتاريخ مصر الإسلامية حافل بهذه الصفحات المجيدة من تاريخنا البحري.
أما عن الملاحة التجارية فقد كانت مصر إلى جانب البندقية تتبوأ مركز الزعامة والسيادة في البحر الأبيض المتوسط، وكانت البندقية تسيطر على الطرق الشمالية والشرقية إلى ثغور المرمرة والبحر إلاسود، بينما كانت مصر تسيطر على الطرق الجنوبية، والجنوبية الشرقية؛ وكانت العلائق بين الثغور المصرية، والثغور الإيطالية ولاسيما البندقية وبارى ونابل وجنوه في منتهى الانتظام، وكانت المعاهدات التجارية والبحرية تعقد بين مصر والدول الإيطالية في كل العصور والدول. ولم تفقد مصر أهميتها البحرية والتجارية إلا بعد اكتشاف طريق الهند في أواخر القرن الخامس عشر، ثم الفتح العثماني الذي انتهى بالقضاء على جميع قواها ومواردها وحضارتها الزاهرة.
وفي عصر محمد علي استعادت مصر شيئاً من نشاطها البحري، فأنشئ الأسطول المصري، واستأنف البحارة المصريون جهادهم المجيد في المياه اليونانية. ولكن أوربا النصرانية لم تشأ أن تعود مصر الإسلامية فتساهم بقسط في السيادة البحرية في شرق البحر الأبيض، فائتمرت بالأسطول المصري فحطموه في (نافارين)؛ وكان محمد علي أكثر عناية بإنشاء السفن الحربية، فلم تتقدم الملاحة التجارية يومئذ تقدماً يذكر. وكان القضاء على الأسطول المصري في نافارين خاتمة عصر قصير من الإحياء البحري.
وهاهي ذي مصر تستأنف اليوم بعد مائة عام أخرى، نشاطها البحري؛ وتعود البواخر المصرية، فتشق لجة البحر الأبيض جيئة وذهاباً. والفضل في ذلك يرجع إلى نشاط ذلك الصرح القومي العزيز - بنك مص -؛ وهاهي (النيل) تعود فتحمل علم مصر الإسلامية خفاقاً في ذلك العباب الذي بقيت السفن المصرية قروناً تمتطي صهوته، وتجوس خلاله في عزة وفخار.
إن مصر تستأنف نشاطها البحري في ميدان السلم، لا في ميدان الحرب؛ وليس غريباً أن يكون لها بواخر تشق العباب، ولكن الغريب أن لا يكون لها بواخر، وثغورها محط البواخر الأجنبية من أقاصي العالم. . . .
стр. 4111
في مدينة بروسة
للدكتور عبد الوهاب عزام
هذه بروسة الجميلة تشرف العين على سهلها المشجر، تلوح سقوفها المسنّمة من خلال أشجارها منثورة في سفح الجبل وحضيضه. وهذا (يشيل جامع) الذي شاده السلطان العظيم (مجدّد الدولة) محمد بن بايزيد، وهو الذي اختاره القدر، بعد أن تقسمت اخوته الخطوب، ليجمع شتات الدولة بعد أن انفرط عقدها في موقعة أنقرة، وثوت الصاعقة رهن المحبس والقيد وبعد أن تنازع أشبال بايزيد ميراث أبيهم، وتمادى بهم الخلاف بضعة عشر عاماً. لقد قدر لمحمد أن يستأنف المسير في سبيل المجد الذي سلكه آباؤه. أين محمد ومجد محمد؟ تجيبك هذه القبة الخضراء وراء المسجد. فهناك رفات السلطان وبعض أبنائه.
وانظر إلى اليمن فهذا المسجد المشرف بين الأشجار على السفح، والذي يحاول السرو الباسق حوله أن يطاول منارتيه، هو مسجد الأمير محمد البخاري وهذه قبة ضريحه. وكم تحت هذه الأشجار من قبور عاذت بقبر هذا الرجل الصالح. ولله هذا الرجل العظيم، فما ينسى له التاريخ صرامته في الحق، ومجابهة السلطان بالنصح واللوم.
كان السلطان بايزيد يتهم بالخمر، فلما بنى مسجده الكبير دعا الأمير البخاري ليراه، وبيناهما يقلبان النظر في المسجد قال السلطان للشيخ: ما ترى في هذا المسجد العظيم؟ قال: حسن، ولكن لابد أن تقام في كل زاوية من زواياه حانة ليأتي السلطان إليه!
وأرى ذات اليمين جامع بايزيد تلوح قبتاه ومنارته، وبجانبه قبة تحنو على قبر السلطان العظيم. سطور من الخطوب والعبر لا تجد العين منها مهرباً.
ألا ترى إلى اليسار (أدلو جامع) ذا العشرين قبة؟ هذه قبته الكبيرة التي تنفذ الأضواء منها إلى الحوض الكبير، فيسيل عليه النور في ماء النافورة المنبجس ليل نهار؛ وكأن خريرها دعوة إلى الصلاة لا تفتر، وتسبيح مع المسبحين لا يصمت. وماذا على جدران هذا المسجد من بدائع الخط وسطور الجمال؟ لقد افتن الكتاب على مر العصور في تزيينها بكل آية من الخط الجميل، وإنها لحجة قائمة على الذين يريدون هجر الخط العربي إلى الكتابة اللاتينية. وكلما أدرت عيني في هذا المسرح الرائع عادت إلى هاتين المنارتين البيضاويتين المشرفتين على الجامع كأنهما شمعتان. وكل مآذن بروسة تشبه الشمعات، وما
стр. 4112
أشبه المآذن بالمصابيح: تهدي في ظلمات الضلال، وبحق سميت منارات.
وانظر هذا البرج البعيد على سفح الجبل في مكان من القلعة القديمة حيث قبرا الرجلين العظيمين عثمان وأورخان.
لست أرى جامع مراد الثاني وضريحه والقبور التي أطافت به وبينها قبر جم الأمير التعيس، ولا أبصر جامع مراد خداوند كار شهيد قوصوه، ولا قبر مشرفا على السهل منطوياً على سره وجلاله، ولا ينابيع المياه الحارة والباردة منبجسة بفنائه. وما أجمل ينابيع الماء في بروسة مساجدها وطرقها تلقى السائر حيثما توجه متدفقة بالحياة ليلا ونهارا.
وأين مسجد أورخان أقدم مساجد بروسة؟ غيبه عن عيني الجبل والشجر، ولكنه لم يغب عن القلب وجه المتواضع
وليت شعري ما خطب هذه المآذن الصغيرة، والقباب الخاملة المنثورة في المدينة؟ بناها قوم لم يبلغوا من حظ الدنيا ونباهة الذكر ما بلغ هؤلاء. ولعلهم كانوا أسعد حياة، وأعظم عند الله شأناً. وإن الجاه والمجد والسلطان وما يحيط بها من ضوضاء هذه الحياة لأسوأ ما يكافأ به الرجل الطيب ذو النفس الزكية في هذا العالم. فلا تأس على ما فات الصالحين من جلبة هذه السوق.
لا تقع عيني في مجلسي هذا إلا على أكداس من العبر، وأسطار من حظوظ البشر. وما أشقى هذه النفوس التي لا تقلب بصرها في هذا العالم إلا لتقرأ ما وراء صوره من عظات وآلام، يا لها ذكريات تجيش لها النفس، وينطلق بها الفكر في مسالك يعيا بها جهد المفكر.
لله بروسة الجميلة سهلها وجبلها، ودورها وشجرها، ولله فيها هذا التاريخ العظيم يملأ أرجاءها، ولله هذه النفس، كلما خلت وطلبت للفراغ مجلساً انهال عليها من العَبر والفكَر ما يكدّرها ويحزنها، وينفر بها عن الناس، ويسمو بها في معارج من الحقائق والخيال تلتبس فيها السعادة والشقاء.
أيها القلم حسبك، فما يتركني الناس أبلغ من خلوتي غايتها. فهاهم قد أقبلوا يتحدثون، وها هي أصوات النرد تُطير عنّي أسراب الأفكار. وقديماً قال أبو العلاء:
حوربتُ في كل مطلوب هممت به … حتى زهدتُ فما خُلّيت والزهدا
إيه يا بروسة والدنيا غِيَر، والدهر قُلّب! ليت شعري، وأنا أحبك، وأود لو إنفسح الزمان
стр. 4113
للإقامة فيك أياماً، لتبلغ النفس من جمالك وجلالك أمانيها - ليت شعري أأراك مرة أخرى، أم تلك جلسة التسليم والتوديع إلى الأبد؟!. إنما العلم عند الله، وما نحن إلا ظلال متنقلة ليس لها من الأمر شيء.
عبد الوهاب عزام
стр. 4114
قصاصات الورق
خمسة عشر عاماً بعد فرساي
للأستاذ محمد عبد الله عنان
مازالت الحرب الكبرى توصف بأنها أشنع وأروع مآسي التاريخ، ومازالت مصائبها وعبرها وآثارها المخربة ماثلة في أمم وشعوب كثيرة؛ وكنا إلى أعوام قلائل فقط نسمع أقطاب السياسة الدولية يؤكدون أن الدرس الأليم الذي ألقته الحرب على الدول والأمم العظمى لا يمكن أن يمر دون أن يحدث أثره؛ وأن الشعوب أشد ما يكون اليوم زهداً في خوض الحرب والتعرض لويلاتها المروعة؛ وكنا نشهد ابتهاج الساسة والحكومات كلما عقد ميثاق جديد بعدم الاعتداء بين دولتين أو أكثر، أو حلت مشكلة دولية صغيرة على يد عصبة الأمم بطريق التحكيم والحسنى، أو ظهرت بوادر تفاهم ووئام بين خصوم الأمس؛ كنا نشهد ذلك وأمثاله خلال الأعوام التي تلت الحرب، فيخيل إلينا أن نزعة الحرب والاعتداء قد ضعفت، وأن عقلية الشعوب قد تبدلت، وأن العالم مقبل على عصر جديد، تتبوأ فيه قضية السلام مكانها اللائق، وتغيض فيه الخصومات والأحقاد القومية القديمة، ويسود الوئام والحسنى بين الشعوب.
ولكنا نشهد اليوم منظراً آخر؛ فان الأفق الدولي يفيض بالتشاؤم، وعلائق الدول المختلفة في اضطراب دائم، وعبارات الوعيد والحرب والانتقام تتردد في بعض الدوائر، وأحياناً يلوح بها بعض الساسة المسئولين؛ وهنالك بعض المسائل الخطيرة التي خلفتها الحرب الكبرى مثل مشكلة نزع السلاح، ومسألة السار، ومسائل الحدود والأقليات، ومسألة المستعمران الألمانية وغيرها تزداد اليوم خطورة وتعقيدا، بل إنا لنشهد اليوم انتحار مؤتمر نزع السلاح في جنيف، وهو ذلك المؤتمر الذي علقت عليه قبل بضعة أعوام آمال كبيرة في تخفيض التسليح والتقريب بين الأمم، ونشهد عصبة الأمم تفقد هيبتها الدولية وتنحدر بسرعة إلى زاوية النسيان، وهي الصرح الذي هللت له الأمم يوم إنشائه، وقيل إنه سيكون منارة السلام العالمي والعدالة الدولية، وملاذ الأمم الضعيفة والمظلومة. والخلاصة أن تلك الآمال العريضة التي ساورت العالم حيناً عقب دروس الحرب الأليمة في أن تعتبر الأمم بتلك العبر القاسية وبتلك الضحايا الهائلة، وتغلب الروية والتفاهم في حسم مشاكلها، قد أخذت في
стр. 4115
الأعوام الأخيرة تنهار تباعا، ولا نكاد نلمس اليوم من آثارها شيئاً.
لقد اختتمت الحرب الكبرى بعدة معاهدات للصلح بين الأمم المتحاربة، أعظمها وأهمها معاهدة فرساي، التي أريد أن تكون دستوراً جامعاً لتنظيم أوربا الجديدة سواء من الوجهة الجغرافية، أو العسكرية أو الاقتصادية. ولكن معاهدات الصلح، كأية معاهدة يعقدها الغالب مع المغلوب، أو بعبارة أخرى يمليها الغالب على المغلوب، لم تخل من المبالغة والاغراق، ولم تحرص على مراعاة الحقائق التاريخية الخالدة، ولم تراع العواطف القومية لأمم عظيمة، وإنما روعي فيها قبل كل شيء أن تحقق شهوات الظافرين ومطامعهم وخططهم في تمزيق الأمم المغلوبة وتحطيم قواها ومواردها. ففي معاهدة فرساي أرغمت ألمانيا على الإقرار بأنها مسئولة عن آثار الحرب الكبرى، وألزمت بناء على ذلك بدفع تعويضات الحرب الهائلة، ونص على تجريدها من السلاح، وتدمير أسطولها، وانتزعت منها الألزاس واللورين لترد إلى فرنسا، كما انتزعت سيليزيا العليا، ودانتزج، ووادي السار، وفرضت عليها غير ذلك قروض مرهقة كثيرة؛ وفي معاهدة سان جرمان حلت إمبراطورية النمسا والمجر القديمة لتقوم على أنقاضها عدة دول جديدة، انتزعت منها أراضي كثيرة لتعطي لإيطاليا ويوجوسلافيا ورومانيا؛ هكذا غيرت معاهدات الصلح حدود أوربا القديمة، وأثارت في كل مكان مشاكل الأقليلات القومية، ودفعت بالشعوب المغلوبة إلى غمار البؤس والفاقة، وأثارت بذلك مشاكل اجتماعية خطيرة. ولم يكن يدور بخلد الساسة الذين أملوا هذه المعاهدات المرهقة على الأمم المغلوبة، أنها ستغدو منذ يوم وضعها مثاراً لمشاكل لا نهاية لها، وأنها ستنقض غير بعيد في كثير من نصوصها، وأنها ستعتبر في النهاية أصل كل متاعب أوربا الجديدة، وأنها إذااستمرت على حالها فقد تثير ضرام الحرب مرة أخرى، ولكن هذا ما وقع بالفعل، وهذا ما نشهد اليوم، فقد عدل كثير من نصوص معاهدة الصلح في الأعوام الأخيرة، وهي اليوم مثار حملات شدية، لا من ألمانيا وباقي الدول التي أرهقت بنصوصها فقط، ولكن من إيطاليا إحدى دول الحلفاء التي اشتركت في إجتناء مغانم النصر، بل أنا لنرى مستر لويد جورج أحد الأقطاب الذين وضعوا المعاهدة وأشدهم وقت وضعها وطأة على ألمانيا ينادي اليوم بفداحة الشروط التي وضعت ويقترح مثل إيطاليا تعديل المعاهدة وأدمجه الحلفاء فيها كنتيجة لنزع سلاح ألمانيا؛ وفي أواسط أوربا وشرقها
стр. 4116
تثار عشرات المشاكل التي ترتبت على إجحاف معاهدات الصلح بالحقوق الجغرافية والقومية لمختلف الدول. والخلاصة ان معاهدات الصلح تغدو اليوم كالثوب المهلهل. ويغدو الأفق الدولي مثقلاً بالسحب ومختلف الاحتمالات.
قبل الحرب كانت السياسة القومية المغرقة والسلام المدجج بالسلاح، وإنشاء المحالفات العسكرية الدفاعية والهجومية، وعقد المعاهدات السرية، هي قواعد السياسة الدولية، وهي التي توجه علائق الدول بعضها ببعض. ولم تكن الفكرة في تنظيم علائق الأمم قد تقدمت يومئذ كثيراً عما كانت عليه قبل ذلك بقرون؛ فقد كانت هذه القواعد هي الغالبة في العلاقات الدولية في جميع عصور التاريخ الحديث مذ قامت أوربا الحديثة على أنقاض العصور الوسطى، بل كانت هي الغالبة في العصور الوسطى والقديمة مع فروق يسيرة في علائق السلام والحرب؛ وكانت الأطماع القومية في بسط النفوذ وإجتناء مغانم الاستعمار والتجارة هي التي تحرك الأمم بعضها ضد بعض، وكانت الحرب وسيلة فريدة لتحقيق هذه المثل؛ وقد كشفت لنا الحرب الكبرى عن المدى الذي وصلت إليه الدول العظمى ما قبل الحرب في الاعتماد على التسليح والمعاهدات السرية، وفي التنافس على اجتناء المغانم الاستعمارية واستعباد الأمم الضعيفة؛ ثم جاءت معاهدات الصلح بعد محنة الحرب دليلاً قوياً على أن هذه النزعات الخطرة لم تخمد بل أذكاها الظفر في نفوس الأمم الغالبة، على أن نزعة أخرى برزت من خلال هذه الغمار ترمى إلى العمل على التقريب بين الأمم، وتخفيف حدة الأحقاد القومية التي أثارت الحرب؛ وقد أريد أن تكون عصبة الأمم رمزاً لهذا الاتجاه الجديد؛ ولكن العصبة ولدت ميتة من هذه الناحية، واستطاعت العوامل السياسية الخفية أن تسيطر عليها منذ الساعة الأولى، وأن توجهها حيث شاءت، وأن تستغل نفوذها الدولي؛ ولما أن بدت بوادر التفاهم بين ألمانيا وخصومها بالأمس، وفازت سياسة التقرب والحسنى بعقد ميثاق لوكا رنو سنة ١٩٢٥، هلل العالم مرة أخرى، واستقبل هذا الميثاق الذي يجمع بين أعداء الأمس ويقضي بتأمين منطقة الرين بين فرنسا وألمانيا، بوابل من الآمال الكبيرة، واعتقد أن الميثاق سيكون فاتحة لظفر السلام وقضيته؛ وساد في الأفق الدولي مدى حين نوع من التفاؤل، وحلت أثناء ذلك عدة مشاكل دولية خطيرة بالتفاهم والحسنى؛ ثم كانت الخطوة التالية بعقد ميثاق تحريم الحرب، أو ميثاق كيلوج سنة ١٩٢٩، وهو الميثاق
стр. 4117
الشهير الذي يقضي بتحريم الحرب كأساس للسياسة القومية ووسيلة لمعالجة المشاكل الدولية، ويقضي باستعمال التحكيم كوسيلة لحسم المنازعات بين الأمم، وقد جمع هذا الميثاق بين جميع الدول العظمى وبين أعداء الأمس، وانضم إليه عشرات من الدول في أوربا وأمريكا وآسيا، ووقعته مصر أيضاً، واعتبر يوم وضعه كأنه إنجيل جديد للسلام، واستقبل بأناشيد المديح والإعجاب في كل مكان؛ وكان عقد ميثاق تحريم الحرب في الواقع ذروة لظفر النزعة السلمية التي حملت الساسة والأمم في ذلك الحين؛ ولكنه كان ظفراً نظرياً فقط؛ ولم يمض سوى عام واحد حتى ظهر أن تطبيق الميثاق مستحيل من الوجهة العملية، وأنه ولد ميتاً كمشروع عصبة الأمم.
وهكذا ظهر عبث العهود والمواثيق الدولية مرة أخرى، وانهارت جميع الجهود التي بذلها أنصار السلام من الوجهة العملية؛ ولم يبق أمامنا من تراث هذا الماضي القريب سوى عصبة الأمم. ومأساة العصبة معروفة، فقد ظهر فشلها وعقمها في كل مسألة دولية خطيرة، وكل مسألة تقتضي العدالة والإنصاف، وظهر أنها أداة مسيرة في يد الدول الاستعمارية تتجاذب في داخلها النفوذ والوحي؛ وهذا مؤتمر نزع السلاح الذي أنشأته العصبة لتحقق على يده برنامجها السلمي يحتضر ويسير إلى الموت محقق. ولم يشهد العالم منذ نهاية الحرب ظرفاً أظلم فيه الأفق الدولي مثل الظرف الذي نشهد اليوم؛ فاليابان قد انسحبت من العصبة لتطلق العنان لمشاريعها الاستعمارية في الصين، وهي اليوم بتوغلها في الصين وتحديها جميع الدول الأخرى تثير خطر الحرب في الشرق الأقصى؛ وقد انسحبت ألمانيا الهتلرية أيضاً من العصبة، وهي اليوم تعود إلى تسليح نفسها متحدية خصومها بالأمس ولا سيما فرنسا، وتعمل بكل ما وسعت لإثارة الأحقاد القومية في الداخل والخارج، وفرنسا من جانبها تعود بمنتهى الشدة إلى سياستها القومية القديمة وتبذل جهوداً فادحة لتقوية جيشها وتسليحاتها، وإنكلترا وأمريكا تسيران في نفس الطريق وتعملان لتقوية التسليحات البحرية والجوية؛ وإيطاليا تقوي جيشها وتسليحاتها منذ أعوام وتلوح من آن لآخر بالحرب، ولا تخفى مطامعها الاستعمارية في آسيا وأفريقية، وروسيا السوفيتية تقف لليابان بالمرصاد في الشرق الأقصى، وتركيا تطالب بالعود إلى تحصين الدردنيل بعد أن قضت معاهدة لوزان بنزع سلاحه؛ وتجري في القارة من أقصاها إلى أقصاها حركة انزعاج وتوجس، وتجري
стр. 4118
مختلف المفاوضات بين دول البلقان وأوربا الوسطى ودول البلطيق، وتعقد المواثيق هنا وهناك لتنظيم الجباه السياسية والعسكرية وأحكام المحالفات، وتتنافس دول القارة العظمى أعني فرنسا وألمانيا وإيطاليا في تنظيم هذه الحركات وتسييرها.
والواقع أن التاريخ القريب يتكرر ويتصل؛ وما يجري اليوم في العالم من الأحداث السياسية والمنازعات الدولية يشبه من وجوه كثيرة ما كان يجري قبل الحرب بأعوام قلائل فقط، من تسابق الدول العظمى في التسليح والاستعداد الحربي، ومن تنافسها وتنازعها في إجتناء المغانم الاستعمارية والتجارية، ومن توتر أعصاب الحكومات والساسة، ومن العمل على إذكاء الأحقاد القومية؛ وقد ثارت في الأعوام القلائل التي سبقت الحرب بعض مشاكل دولية خطيرة كانت مقدمة لانقضاض العاصفة؛ والأفق الدولي مثقل اليوم بكثير من هذه المشاكل؛ ويكفي أن مسألة كمسألة السار قد تضرم الشرارة الأولى، كما أن مسألة أغادير كادت قبل الحرب بعامين تضرم هذه الشرارة؛ ونستطيع أن نشبه رحلة مسيو هريو رئيس وزارة فرنسا الأسبق إلى روسيا منذ عام، أو رحلة مسيو بارتو وزير خارجيتها إلى بولونيا ودول الاتفاق الصغير، برحلة مسيو بوانكاريه إلىروسيا قبيل الحرب الكبرى بأسابيع قلائل. ولقد وصفت المعاهدات الدولية في فاتحة الحرب على لسان بعض الساسة الألمان بأنها قصاصات ورق والتاريخ يؤيد هذا القول في كثير من المواطن؛ ولكن هذا القول اعتبر أثناء الحرب من الكبائر وسجل على ألمانيا ضمن الأخطار الفادحة التي بنيت عليها مسئوليتها في إثارة الحرب. أما اليوم، ونحن نشهد عقم المواثيق والعهود الدولية الكثيرة التي وضعت لتسوية المشاكل والعلائق الدولية؛ ونشهد انهيار عصبة الأمم ومؤتمر نزع السلاح، وميثاق تحريم الحرب، ومعاهدة واشنطون التي تعهدت الدول العظمى فيها بتحديد التسليح البحري، ونقض معاهدات الصلح سواء من جانب الغالب أو المغلوب، فانه يسمح لنا أن نكرر القول القديم بأن العهود والمواثيق الدولية تغدو دائماً قصاصات من الورق كلما شاءت السياسة والاعتبارات القومية.
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 4119
الأثر اليوناني في الأدب العربي
للأستاذ فخري أبو السعود
كانت الثقافة اليونانية خلاصة ثقافات البحر الأبيض القديمة: لأنها إلى جانب ما استوعبته من الحضارات الشرقية تمثل نتاج العقل اليوناني الذي كان أخصب عقل ظهر في العصر القديم. فلما مضى ذلك العصر
ودالت دولة اليونان وكان العصر الوسيط كان العرب هم السابقين إلى التعرف بالثقافة اليونانية فأخذوا من علوم اليونان وفلسفتهم، ثم تعرف الأوربيون بعدهم بتلك الثقافة في عهد النهضة، وأوسعوا علوم اليونان وفنونهم دراسة ونقلا ومحاكاة. فأغنوا بذلك علومهم وفنونهم الناشئة وشادوا على ثقافة اليونان صرح حضارتهم الحديثة.
بيد أن الذي يسترعي النظر أن العرب حين اتصلوا بثقافة اليونان اقتصروا على اقتباس بعض علومهم وفلسفتهم دون الآداب والفنون، فدرسوا أر سطو وأفلاطون، وعرفوا أبقراط وفيثاغورس، ولكنهم أهملوا هوميروس وسوفوكليس وأوربيدس، على حين لم يفرق الأوربيون بين ناحية من نواحي الحضارة اليونانية وناحية أخرى، بل أكبو على دراسة الجميع، وبينما تقدمت علومهم على مر العصور عن علوم اليونان أشواطاً بعيدة واستغنت عن معينها ظلت الآداب والفنون اليونانية مرجعاً دائماً للآداب والفنون الأوربية ومهبط وحي لا يفنى، ولم ينفك كتاب الغرب وشعراؤه إلى اليوم عن تمجيد الثقافة اليونانية والحث على الرجوع إليها دائماً، فما السر في اختلاف موقف العرب عن موقف الأوربيين حيال تراث اليونان؟
السر راجع إلى سليقة العرب المطبوعة على البيان، المفطورة على فصاحة اللسان، فان العرب نظراً لبيئتهم البدوية وحياتهم المتنقلة لم يكن لهم سوى السان أداة للتعبير عن شعورهم الفياض، فلم يكن التصوير ولا النحت ولا غيرها من الفنون ليزكو في بيئتهم تلك، ومن ثم تأصلت في العرب سجية البلاغة وارتقت بينهم مرتبة البلغاء وتوطدت لغتهم ونضج أدبهم وهم على بداوتهم وقلة حظهم من الحضارة، وكان لهم بعصبيتهم ولغتهم اعتداد شديد، فلما نهضت دولتهم بظهور الإسلام ودخلت الأمم في طاعتهم ودينهم أفواجاً ازدادوا اعتداداً بعربيتهم ولغتهم وشعرهم وقرآنهم المبين، فلم يكن في نفوسهم حافظ إلى
стр. 4120
الاطلاع على آداب غيرهم ولا لديهم رغبة في التتلمذ لسواهم، بل كانوا يرون أنفسهم هم الأجدر أن يحبذوا ويؤخذ عنهم، ولقد أخذ كثير من الأمم المفتوحة لغتهم واصطنعوا أدبهم بالفعل، وأصبح الناشئون في الأدب من أبناء الأجيال التالية لا يرون أن شيئاً يوصل إلىنيل الفصاحة والحكمة وحذق الأدب وراء دراسة القرآن واستيعاب شعر فحول المتقدمين، وإنما كان العرب أميل إلى الاعتراف بالقصور وإظهار الرغبة في الأمور التي لم يكن لهم فيها إلى ذلك الوقت باع ولا يد كالعلوم والفلسفة، فلم يروا ضيراً في أخذها على أساتذة اليونان.
ولم يقتصر أثر اعتداد العرب بأدبهم وشعرهم على ذود الأدب اليوناني عنهم، بل ذاد عنهم غير الأدب من الفنون: فلقد اطلعوا في أطراف دولتهم وبلاد جيرانهم على ما كان لدى اليونان والرومان والفرس والمصريين من تصوير ونحت، فما خطر لهم أن يحاكوا شيئاً من ذلك، وكان كل ما يساور شاعرهم حين يشاهد أثراً من هاتيك الآثار أن يتمثل بطش الدهر وحلول الفناء وسقوط الجبابرة فيقول:
أين الذي الهرمان من بنيانه؟ … ما قومه؟ وما يومه؟ ما المصرع؟
تتخلف الآثار عن أصحابها … حيناً ويدركها الفناء فتتبع
وما ذاك إلا لانصراف كل قوى العرب الفنية إلى ضرب واحد من الفنون هو الأدب واستغراقها فيه. فهي لا تحاول وسيلة أخرى سواه للتعبير عن نفسها، ومن ثم ظل العرب طوال عصورهم لا يعرفون من الفنون سوى الأدب والموسيقى المعتمدة عليه المرتبطة به ارتباطاً وثيقاً، فلا تصوير ولا نحت ولا تمثيل، اللهم إلا ذلك الضرب الوحيد من الزخرفة ذات الأغراض العملية المحضة، ومن الخطأ نسبة انعدام تلك الفنون بين العرب إلىالدين: ففضلا عن أن الدين لا ينافي شيئاً منها فانه لم يحل دون استمتاع العرب بالموسيقى وغيرها حين أرادوا.
فالعرب إذن اتصلوا بالثقافة اليونانية في غير الوقت الملائم: في وقت متأخر، كان أدبهم فيه قد نضج وقوى، وصار له من الاعتداد بنفسه ما يثنيه عن التتلمذ لغيره، أما الآداب الغربية فعرفت تلك الثقافة في عهد طفولتها ونشأتها، وهي لما تزل عاجزة تعترف بعجزها وتتلهف إلى المعرفة حيث وجدتها، فلم تتردد في الانتفاع بتراث اليونان إلى أبعد حد،
стр. 4121
فأثرت أيما إثراء بما أخذت عن اليونان من المواضيع والأشكال الأدبية، ومد الأدب اليوناني أمامها آفاق التفكير الواسعة وآماد المثل العليا وصور الجمال المختلفة، ووجدت في تاريخ اليونان وأدبهم وأساطيرهم ومنتجات فنونهم من صور وتماثيل وآثار منادح للكتابة والدرس والنظم، ومنابع للوحي لا تنضب.
فلا غرو أن طفرت تلك الآداب الغربية التي لم تكد في عهد النهضة تكون شيئاً مذكوراً، والتي كانت لغاتها ذاتها ما تزال في طور التكوين، فإذا هي بعد قرون ثلاثة أو أربعة تسبق الأدب العربي وهو أعرق منها محتداً وتفوقه اتساع آفاق وتعدد مواضيع، لأن الأدب العربي الذي م يكد يستفيد بأدب أمة أخرى ظل في مكانه جامدا يكرر نفسه ويعيد على نفسه الأبواب عينها التي جال فيها المتقدمون من فخر ورثاء ومدح وهجاء، حتى إذاكان العصر الحديث إذاهو يقف من الآداب الغربية موقف التتلمذ والتلقن.
ان تمكن ملكة البيان من العرب - مما جعلهم لا يدينون إلا لنبي يأتيهم بكتاب معجز، وجعل خلفاءهم يتخذون وزراءهم من أئمة البيان - واعتدادهم بأدبهم واستغراق مجهودهم الفني فيه وحده، هذا كله في مجموعة كان عاملا شامل الأثر بعيده في تاريخهم وأدبهم، ولقد كان أثره فيما يتعلق بالتراث اليوناني بليغ الضرر، فخسر العرب خسارة كبيرة بإغفال الأدب اليوناني الحي على توالي العصور، الشديد الإيحاء القوي التأثير، الذي كان بلا ريب أغنى من أدبهم. ولو لقح به الأدب العربي لاتسعت جوانبه وانصرف عن تلك الأغراض العلمية التي احتبس فيها إلى عوالم الفن الخالص وتغير مجرى تاريخه وأفاد العرب بذلك أضعاف ما أفادتهم دراسة الفلسفة اليونانية.
ونحن اليوم بدراسة الآداب الغربية والأخذ عنها بطريق غير مباشرة عن تلك الثقافة اليونانية، وندخل في أدبنا ذلك العنصر اليوناني الذي لابد منه لكل أدب يريد له مكاناً بين الآداب العالية، وإذا وقف شاعرنا العصري أمام الأهرام فلم ينصرف ذهنه إلى بطش الدهر بالجبارين الذين أعلوها ولم يتنبأ لها باللحاق بهم، بل حيا فيها الفن وعظم قدرة الإنسان وقال:
أهرامهم تلك حي الفن متخذاً … من الصخور بروجا فوق كيوان
لم يأخذ الليل منها والنهار سوى … ما يأخذ النمل من أركان ثهلان
стр. 4122
فما ذاك إلا لأننا قد تأثرنا بتلك الروح اليونانية التي تعظم الفن الخالص في مختلف صوره وتمجد قدرة الإنسان في مصارعتها للفناء، تلك الروح التي كان أغفلها أجدادنا العرب.
فخري أبو السعود
стр. 4123
إنما يرثها المؤمنون
أحلاف الأمل
للأستاذ أديب عباسي
الحياة كالسفينة: قلعها الأمل، ودفتها الفكر، والرابط لأجزائها واللاّم لشعثها هو الأيمان. والعقل يرسم الخطة، ويبين الاتجاه، ويدل على الطريق. والأمل شراع الحياة الذي يدفعها في أوقيانوس هذا العالم المضطرب وفوق لجه المصطخب، والذي يتلقى القوى من أين جاءته وأني واجهته ليحيلها في النهاية قوى
للدفع والانتظام في السير. أما الإيمان فهو هذا الذي يشد أضلاعها ويوثق أجزاءها، فلا يوهنها العاصف الشديد ولا يمزقها، أباد يد. وهو الذي يعدل انحناءها ويقوّم استواءها، فلا توهيها الصدمة ولا تزعزعها الزحمة. وبالقدر الذي تظفر به الحياة من توازن وائتلاف بين هذه القوى الثلاث يكون الخير والنجاح، وبالقدر الذي تتنافر وتضطرب يكون الفشل والخيبة. انظر إلى المتشائمين الصارخين في وجه الحياة الدافعين لها في الصدر، ترهم من أولئك النفر الذين كبرت عقولهم ونضبت آمالهم وتزعزع أيمانهم، فاضوا كالقارب قد تخرق قلعه، وحطمت دفته. يقابلهم المتهورون الذين لا ينزلون للعقل على حكم، ولا للمنطق على قاعدة، فتراهم يسيرون في هذه الحياة على غير توجيه يوجهونه، أو هدى يتوخونه، فلا يلبثون أن يرتطموا بصخورها الناشزة، فتتحطم آمالهم وتبخر الحقيقة أمانيهم كما تبخر الشمس أحلام النائم.
هذه هي صلة الأمل والأيمان بالفكر. وإذافإذا نحن ذكرنا أحدهما بعدئذ فإنما نذكره ونحن نضمر ونقدر الفكر. ذلك أن الأمل دون الفكر يضحى تهوراً ورعونة، والأيمان بلا عقل ملهم يمسي عناداً واشتطاطاً.
وماذا نقول بعد هذا الإجمال في دعامتي الحياة هاتين؟
نقول إن الأمل هو القوة الدافعة الكامنة في صدور الشباب، وهو النور الذي يبدد ظلام النفوس ويزيل حلكها عندما تتوالى النكبات وتتعاقب المصائب. هو ذلك المعبود الذي نصب له الرومان تمثالاً يجثون حواليه ويخشعون. وهو الإله الذي هجر رومة عندما عكفت على المادة تعبدها فسقطت سقوط شمشون في يد الشهوة. وهو الذي وقف في مضيق
стр. 4124
ترموبيلي يهزأ بالقوى المادية ويفخر بالتضحية الخالدة. هو ذلك الفيض العلوي الذي كان يخوض صفوف المسلمين مردداً: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين، فكان ملء الصدور في بدر، وكان ملء الصدور في اليرموق، وكان ملء الصدور في القادسية. هو الذي يحيل الشيخ الهرم شاباً إذا حل في صدره، والشاب شيخاً إذا زايله. وان شيخاً كبرت عدته من الأمل لا تنصفه إذ تحشره في زمرة الشيوخ وان بلغ عتياً. وان شاباً هزل أمله وفتر عمله هو والشيخ الفاني سواء. فالفتوة والشباب ليسا في السنين، إنما هما في القوى الروحية السليمة. والمهزومون في معركة الحياة الهاربون من وجهها هم الدليل. هذا شيخ مرفوع الرأس مسنود الظهر، قوي الأمل كبير الثقة بالنفس، يسير بقية الطريق في غير التواء، فيصل آخر مرحلة من مراحل الجهاد لا هو بالخائر العزيمة ولا بالخالي من الزاد. وذلك شاب (بحسب السنين فقط) خاوي الأمل فاتر الهمة، يدب كما تدب السلحفاة. . . أعياه نيل الشمس واصطياد النجوم، فلم يمدد يداً إلى ما هو في متناول اليد، وتملكه اليأس، وبث له من ترقب الخيبة نطاق، فلم يحفل كثيراً بالجني القريب، ففاته كثير من الجواهر واللآلئ التي يمر بها مرّ المجانب
إذاً فمعركة الحياة الصارمة تتطلب منك يا صاح الأمل القوي تسنده العزيمة المسددة، وتفرض عليك الاندفاع والسعي، ينير سبيلهما الاستبشار والثقة. وفي الوقت الذي يكف المرء فيه عن الحركة والدؤوب يدخل في ثبت الأموات الفانين. إن خير ما تشبه به الحياة هو الدوّامة التي ما تزال تدافع فعل الجاذبية وتقاومه بقوة الاندفاع وسرعة الحركة، ولكنها إذ تبطئ وتكف عن الحركة تسقط بعد إذ كانت مستوية على قدم قائمة على ساق.
وتفرض عليك معركة الحياة أيضاً أن يكون لك هدف تسعى إليه، لا هو بالوضيع الذي لا يستثير كل ما في النفس من استعداد ولا يستنفر كل ما فيها من قوة، ولا هو بالبعيد المنبت الذي تتقطع دونه جميع الأسباب وتفشل جميع الجهود.
ثم ليكن هدفك كالأفق العريض يتجدد على السير ويتسع مع الحياة ويغري على البذل. ولا يهمنك بعدها أنجحت أم فشلت. فالفشل ليس جرماً، إنما الجرم هي الآمال المحدودة والأهداف الوضيعة. ولا تغبطنّ من هو أحط منك هدفاً وأسعد حالاً. فقد تكون أنت بحرمانك وسمو هدفك أعظم منه في نجاحه وحطة هدفه الذي إذاوصل إليه لا يلاقي وراءه
стр. 4125
إلا ظلام القبر وقيد الفناء وأنت فوق هذا وذاك مكتسب من فشلك الآني منعة ضد مكروب اليأس الذي يقتل النفوس ويعصف بالرجولة.
وأخيراً - الإيمان - ماذا تقول فيه؟
نقول موجزين: إنه صفة العظماء الغالبة، ومزيتهم التي يمتازون بها عن الأوساط، ومن هم دون الأوساط. فيوليوس قيصر كان كبير الإيمان حينما قطع نهر الروبيكون واستولى على رومة بشراذم جنوده. وقد كان ضعيف الإيمان في الوصول إلى تاج الملك فذبح. وكولمب كان عظيم الإيمان، لذلك لم يفتّ في عضده كل ما قام في سبيله من صعاب، ولم يثنه أن يجد نصف العالم الذي كان مفقودا. ونابليون كان له نجم يراه في النهار ويسير بهديه. والمسيح كان كبير الإيمان، فكان يشفي المفلوجين ويقيم المقعدين. والنبي العربي كان وطيد الإيمان، فعمل لقومه في حقبة قصيرة من الزمن ما يُعجز أجيالاً ويفني آجالا.
ومن صفاته أن المؤمن يكون سريع العودة إلى ما اختطه لنفسه من طريق، ورسمه لها من مسير، بعد أن تحرفه عن ذلك رجات الحياة العنيفة وحوادثها الزاخرة. شأنه شأن الإبرة المغنطيسية - مهما بالغت الحياة في هزه، لا يلبث أن يعود سيرته الأولى ويتجه اتجاهه الأول. ذلك أن ثمة قوة حية مشبوبة فيه تتجاذب وقطب الحياة العام، قطب التقدم وارقي الذي تسير نحوه جميع الأحياء عامدة، لا تلفّ ولا تدور إلا مرغمة.
ومن صفات الإيمان أيضاً أنه لا يحتقر الأحلام، لأنها عنده أساس الحقائق وعدة الحياة. لهذا فهو رفيق جد الرفق بالصغار وما يحلمون، مؤمن جد الإيمان بما يكمن فيهم من قوى غير محدودة، واستعداد غير مُستغلّ، واندفاع غير مكبوت، ونقاء غير مرنق. وهو يقيم الدليل بعد الدليل على صدق متجهة بما أثبت التاريخ والحوادث من أن أحلام الطفولة وعبث الصبى كانت في غالبية العظماء حقائق الرجولة وعدتها إلى الحياة.
شرق الأردن
أديب عباسي
стр. 4126
ابن الهائم المصري المقدسي
للأستاذ قدري حافظ طوقان
كنت في القدس مع بعض الإخوان في زيارة المعرض العربي الثاني، وبينما نحن على مقربة من مقبرة مأمن الله سمعت أحدهم يقول: ان هذه المقبرة تضم عدداً كبيراً من فحول العلماء، وكبار الفقهاء ورجال الدين، ممن ظهروا في أيام الحروب الصليبية وقبلها. وقد سرد بعضهم أسماء بعض هؤلاء العلماء فلم يلفت نظري إلا اسم ابن الهائم، إذ تذكرت ان هذا الاسم مرّ بي أثناء مطالعتي لبعض الكتب الإنكليزية التي تبحث في تاريخ الرياضيات، وأصبح لديّ رغبة شديدة في الكتابة عنه. رجعت إلى مكتبتي لأبحث عنه فوجدت إن ابن الهائم من الذين لم يعطوا حقهم من البحث والاستقصاء، وحياته لا تزال غامضة في تاريخ المدنية الإسلامية، وهي في أشد الحاجة إلى من يتعهد جلاءها، ويقضي على غموضها. بحثت في الكتب الصفراء وغير الصفراء، قديمها وحديثها، من عربية وتركية وإنكليزية فلم أجد إلا جملاً هنا وهناك متناثرة لا يفهم منها إلا تاريخ الولادة والوفاة، وأشياء أخرى من الصعب جمعها وتكوين جملة تفي بالغرض وتشفي غلة الباحث المنقب. على كلٍّ، وبعد بحث في كتب متنوعة أمكننا أن نحصل على ترجمة متواضعة لهذا العالم من ناحية مآثره في العلوم الرياضية آملين أن نوفق في المستقبل للكتابة عنه بصورة أوسع وأوفى للمرام.
ولنرجع إلى صاحب الترجمة فنقول إن اسمه هو: شرف الدين أبو العباس (احمد بن محمد عماد) ابن الهائم المصري المقدسي، وقد اكتسب نسبته إلى مصر من ولادته فيها، وكان ذلك في المنتصف الثاني من القرن الرابع عشر للميلاد حوالي سنة ١٣٥٢م - ٧٥٣هـ أو ٧٥٦هـ، وعرف بالمقدسي لاشتغاله في القدس ووفاته فيها. وكانت الوفاة في أوائل القرن الخامس عشر للميلاد حوالي سنة ١٤١٢م - ٨١٥هـ. وقد وجدت ثلاثة تواريخ وفاة لصاحب الترجمة في كتاب كشف الظنون في أسامي الكتب والفنون، ففي ص ٤١٨ من الجزء الأول يقول إن ابن الهائم توفى في سنة ٩٨٧هـ، وفي الجزء الثاني في ص ٣٦٢ نجد أن الوفاة كانت في سنة ٣٨٧هـ، وفي ص ٤١٧ من الجزء نفسه نجد ان تاريخ الوفاة كان في ٨١٥هـ. بينما المصادر الإفرنجية ككتاب تاريخ الرياضيات لسمث، والتركية ككتاب آثار باقية، وبعض العربية ككتاب الأنس الجليل كل هذه تقول وتتفق على أن الوفاة
стр. 4127
حصلت سنة ٨١٥هـ - وهذا التاريخ (على ما أرجح) هو الصحيح. وقد يكون الاختلاف في الوفاة الموجود في كشف الظنون ناتجاً إما عن خلط في الأسماء أو في أغلاط مطبعية. والله أعلم.
وابن الهائم كما قلنا من الذين لم يعطهم التاريخ بعد حقهم من البحث والتنقيب، وقد يكون في كتاب الأنس الجليل عن حياته ما لا نجده في غيره من الكتب. ومن الكتاب المذكور يفهم ان ابن الهائم اشتغل في القاهرة، وانه لما ولى القمني تدريس الصلاحية أحضره إلى القدس، واستنابه في التدريس، وأصبح من شيوخ المقادسة. واستمر في وظيفته التدريسية إلىأن جاء الشيخ شمس الدين الهروي من هراة وكان حنفياً فرأى هذه الوظيفة فسعى اليها، واستطاع أن يأخذها من ابن الهائم. ولكن هذا لم يرق للأخير فسعى جهده لاستردادها، واستطاع أن يجعل ولاة الأمور يقسمون هذه الوظيفة بينهما. ونشأ لابن الهائم ولد نجيب اسمه محب الدين، كان نادرة دهره، ونابغة زمانه، ولكن المنية عاجلته فلم يعش طويلاً ومات صغيراً سنة ٨٠٠هـ. ومحاسن ابن الهائم كثيرة أهمها تمسكه الشديد بالدين، وكان دائماً لا يترك فرصة دون وعظ أو إرشاد، فتراه في أكثر الأوقات يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، وصار له مقام عند العامة وكان لكلامه وقع في القلوب، وتأثير على النفوس.
(وتوفى ابن الهائم في القدس الشريف في شهر رجب سنة ٨١٥هـ ودفن في مقبرة مأمن الله وقبره مشهور) وقد ذهبت بنفسي إلى القدس لأرى القبر فلم أتمكن من العثور عليه بسب أعمال الحفر التي قامت مؤخراً في المقبرة، واتصلت بالعارفين فقالوا إن قبر ابن الهائم كان يقع في الجهة الغربية على بعد بضعة أمتار من البركة وكان القبر مبنياً على شكل غطاء التابوت.
وابن الهائم من الذين درسوا على أبي الحسن علي بن عبد الصمد الجلابري المالكي ومن الذين ألفوا في الفرائض والحساب والجبر وله في ذلك كتب ورسائل قيمة منها:
كتاب شرح الأرجوزة لابن الياسمين في الجبر والمقابلة، ألفه في مكة سنة ٧٨٩هـ. وهذه الأرجوزة لدينا وقد أتتنا من الوطني العامل الأديب السيد عبد الله بن مكنون من أعيان طنجة بالمغرب، وسيأتي الكلام عنها عند البحث في ابن الياسمين. وله أيضاً رسالة اللمع في الحساب، ولدينا نسخة منها وقد نسخناها عن مخطوطة قديمة موجودة في المكتبة
стр. 4128
الخالدية بالقدس. ويقول المؤلف (ابن الهائم) في أولها: (. . وبعد فهذه لمع يسيرة من علم الحساب نافعة أن شاء الله تعالى. .) وهذه الرسالة تتكون من مقدمة وثلاثة أبواب يبحث الباب الأول في ضرب الصحيح في الصحيح ويتكون من أربعة فصول، الفصل الرابع منه طريف جداً ويحتوي على كثير من الملح الرياضية في الاختصار وفي ضرب أعداد خاصة في أعداد أخرى بدون إجراء عملية الضرب، ولا بأس من إعطاء مثال (من النسخة) على ذلك، ففي الفصل المذكور يقول المؤلف (. . وللضرب وجوه كثيرة وملح اختصاريه فمنها:. . إلى أن يقول. . ومنه أن كل عدد يضرب في خمسة عشر أو مائة وخمسين أو في ألف وخمسمائة فيزداد عليه مثل نصفه ويبسط المجتمع (أي يضرب حاصل الجمع) في الأول عشرات وفي الثاني مئات وفي الثالث ألوفاً، فلو قيل اضرب أربعة وعشرين في خمسة عشر فزد على الأربعة والعشرين مثل نصفها وابسط المجتمع وهو ستة وثلاثون عشرات فالجواب ثلاثمائة وستون، ولو قيل اضربها في مائة وخمسين فابسط الستة والثلاثين مئات، فالجواب ثلاثة آلاف وستمائة. . .) ويبحث الباب الثاني في القسمة ويتكون من مقدمة وفصل، والمقدمة تبحث في قسمة الكثير على القليل والفصل في قسمة القليل على الكثير، وأما الباب الثالث فيبحث في الكسور ويتكون من مقدمة وأربعة فصول. ولهذه الرسالة شرح لمحمد بن محمد بن احمد سبط المارديني وله أيضاً كتاب (حاوي) في الحساب وكتاب المعونة في الحساب الهوائي، ويتكون من مقدمة وثلاثة أقسام وخاتمة، وله مختصر اسمه الوسيلة وقد رأيته أيضاً على مقدمة وثلاثة أقسام وخاتمة. وقد قال المارديني في آخر شرح اللمع (ومن أراد الزيادة فعليه بالوسيلة لأنها من أحسن المصنفات في هذا الفن. .) وعليها أيضاً حاشية لمحمد بن أبي بكر الأزهري، ولها (أي الوسيلة) شرح للمارديني يسمى إرشاد الطلاب إلى وسيلة الحساب. ولابن الهائم كتاب مرشد الطالب إلى أسنى المطالب ويبحث في الحساب، ويتكون من مقدمة وخاتمة. وقد علم له مختصراً سماه كتاب النزهة. ومن مؤلفاته كتاب غاية السؤال في الإقرار في الدين المجهول، ويحتوي على أمثلة لحلول مسائل مختلفة في الحساب، والجبر، وكتاب المقنع هو قصيدة تتكون من ٥٢ بيتاً من الشعر في الجبر، وقد شرحها في رسالة خاصة، وله رسالة التحفة القدسية، وهي منظومة أيضاً في حساب الفرائض. وكتاب المعونة في
стр. 4129
السحاب. وقد شرحه المارديني واختصره ابن الهائم برسالة سماها أسنان المفتاح.
نابلس
قدري حافظ طوقان
стр. 4130
مشروع القرى
وجوب العناية بالقرية المصرية
للدكتور محمد حسين هيكل بك
لا أظن شيئاً مهملاً في مصر إهمال القرية المصرية وإهمال أهلها. فبينما تغدق الوزارات المتتابعة على تجميل المدائن الأموال الطائلة، وبينما تقوم في سبيل شق الشوارع وإقامة العمائر الضخمة فيها، إذا بها تضن على القرى بكل إصلاح أو تنظيم، ولقد لاحظ أهل الريف هذا منذ زمان بعيد، فقامت ضجة كبيرة في البرلمان المصري سنة ١٩٢٦ حين أريد توسيع شارع الهرم، ونال نواب الريف أغلبية في مجلس النواب لم يتيسر التغلب عليها إلا باجتماع مجلسي البرلمان في هيئة مؤتمر، ومع أن حاجات الريف إلى الإصلاح كثيرة جداً سواء من الجهة الصحية، أو من الجهة التعليمية، فان ما يبذل في سبيله من أموال وجهود يسير على سنة التطور البطيء جداً كأنما يجهل الذين يتبعون هذه السياسة أن ريف مصر يحتوي عوامل النشاط والقوى الحقيقية الحيوية في البلاد، وانه إذا حوربت الأمراض التي تفتك بأهل الريف، وإذانشر التعليم الأولي والابتدائي في ربوعه زاد الإنتاج الاقتصادي، والإنتاج الفكري، بما قدره بعض الأطباء بثلاثين في المائة من مجموع الإنتاج الحالي!!!
لذلك كان العمل الذي تقوم به جمعية مشروع القرى جديراً بأكبر التشجيع من كل إنسان، وكان ما يبذل الشباب من جهود في هذا الشأن حرياً بأن يلقى التشجيع والمعونة من جانب رجال هذه الأمة الرسميين وغير الرسميين، ونحسب الذين زاروا أوربا جميعاً ولم يكتفوا بالجلوس على مقاهي المدن الكبرى كباريس ولندن وكلفوا أنفسهم مؤونة التغلغل في أرياف فرنسا وإنجلترا وألمانيا وغيرها من الدول الأوربية، وقارنوا بين حياة ريف أوربا وحياة ريف مصر أشد شعوراً باستحقاق جمعية مشروع القرى لكل تشجيع، ويحسون في قرارة نفوسهم بشيء كثير من الأسف بل الألم لهذه المقارنة. فالمنزل القروي في أوربا يحتوي من معاني الحياة الإنسانية ما لا نجد له قط نظيراً في أحسن منازل القرى المصرية، والأماكن العامة كالكنائس والمدارس والمستشفيات في قرى أوربا تشهد بأن أهل تلك البلاد يحرصون على هذا المعنى الإنساني وعلى ترقية الذوق الفني في نفوس أهل الريف
стр. 4131
حرصاً كبيراً، ثم أن الشباب في أوربا يشعر هو الآخر بالواجب عليه إزاء أهل الريف فينظم نفسه جماعات تجول في مختلف أنحاء الدولة التي ينتمي إليها أثناء العطلة الدراسية لتستفيد هذه الجماعات معرفة بلادها معرفة دقيقة، وليستفيد أهل الريف من اختلاط الشباب بهم فتياناً وفتيات اتصالاً بالروح العلمية، والحياة الثقافية، يربط ما بين الريف والعواصم بخير الروابط.
وليس من ذلك شيء في مصر إلى الإطلاق، بل أن المشروعات الحيوية الأولية، كتعميم المياه الصالحة للشرب، وكجعل الأسمدة بعيدة عن القرى، وكتعميم التعليم الأولي إلاجباري، وما إلى ذلك من مثله من أمور تعتبر في الدرجة الأولى بالنسبة للحياة الإنسانية ما يزال مهملاً في مصر، بل ما يزال منظوراً إليه على انه أدنى إلى الكماليات، وتلك نظرة خاطئة جد الخطأ، فإذا أريد بمصر أن تصل إلى نشاط صحيح في حيويتها. فالخطوة الأولى يجب ألا تكون شق الشوارع وإقامة المباني الفخمة في المدن، بل يجب أن تكون العناية بأحوال الريف عناية صحيحة، والعناية في المدن بالتعليم الجامعي الصحيح قبل كل شيء.
فلتعمل جمعية مشروع القرى في حدود البرنامج الذي رسمت لنفسها تلق من غير ريب تشجيعاً صادقاً من كل من يعنيهم الأمر ومن كل من يدركون مصالح بلادهم الحقيقية.
стр. 4132
مشروع القرى
الإصلاح الاجتماعي في مصر ونصيب طلبة الجامعة
والمدارس العالية منه
للأستاذ عبد الله أمين عضو مجلس إدارة المشروع
قد يخيل إلى المتعجل في الحكم على الأمور أن الشعب المصري قد خطا خطوات واسعات في سبيل التقدم والإصلاح إلاجتماعي، وذلك حين يرى ما في أمهات المدن المصرية لا سيما القاهرة الأم الكبرى، عروس الشرق، من مبان شاهقة فخمة، قد بنيت على أحدث مثال، وأثثت فأفخر الأثاث، ومن أزياء حديثة يختال في حللها القشيبة شبانها وشوابها، رجالها ونساؤها؛ ومن متاجر ودور للملاهي يُعرَض فيها من السلع والمناظر ما يُعرض في متاجر أوربا وملاهيها؛ ومن مصارف وبيوت مالية ومدارس ومستشفيات وأندية وإنزال، وغير ذلك من مظاهر المدنية الغربية الحديثة.
أما المتأمل البصير فلا يرى في شيء من هذه المظاهر دليلا على شيء ذي خطر من التقدم والإصلاح الاجتماعي في مصر، لأنها كلها مظاهر مستعارة من الغرب لا ترتكز في هذه البلاد على شيء من عناصر المدنية التي ترتكز عليها في الغرب، وهي العلوم والفنون والصناعات والذوق المصري والعادات والتقاليد والنظم الموروثة، ولذلك تعد في مصر مظاهر كاذبة. وقد تعاون على استعارتها ثلاث جماعات، هي: (١) النزلاء الأجانب (٢) الوطنيون المفتونون بهم، الناسجون على منوالهم، وما أكثر هؤلاء وهؤلاء في أمهات المدن المصرية، لا سيما مصر والإسكندرية (٣) والحكومات المصرية المتتابعة. وليس هؤلاء جميعاً هم الشعب المصري.
إنما الشعب المصري هو ملايين الفلاحين الكثيرة المقيمة في القرى المصرية. وإذاجردت أمهات المدن المصرية من مظاهر المدنية الكاذبة أصبحت كالقرى المصرية شبراً بشبر وذراعاً بذراع. وأي شيء في القرى المصرية لا يحتاج إلى إصلاح؟ أمظاهر المدنية أم العماد الذي لا تقوم إلا عليه وهو عناصر المدنية؟ أم أساس هذه العناصر؟
إن كل شيء في القرى المصرية بل في مصر كلها أم المدنية القديمة والحديثة ومطمع
стр. 4133
أنظار الغرب، ومعقد آمال الشرق، فقير كل الفقر إلى إلاصلاح، فالأخلاق والعقائد وهي الأساس الذي تقوم عليه عناصر المدنية، والمنوال الذي تنسج عليه برودها قد أصيب بالخلل والفساد، فهي فقيرة إلى الإصلاح. والعلوم والفنون والصناعات والآداب والعادات والتقاليد والذوق واللغة والنظم المنزلية والمدرسية والاجتماعية والحكومية وغيرها من عناصر الحضارة لم يبق من محاسنها شيء، فهي أشد فقرا إلى الإصلاح. والأزياء والمساكن والأثاث والمتاجر والمصانع والمزارع والطرق والمتنزهات والأندية والمدارس وغيرها من مظاهر المدنية أصبحت ممقوتة بغيضة إلى النفوس لبقاء أكثرها على ما كان عليه منذ آلاف السنين، ولإنشاء أقلها على مثال غربي لا يلائم أخلاقنا وعقائدنا، فلابد من إصلاحها وإصلاح كل شيء إصلاحاً نحتذي فيه مثال الأمور الصالحة في الغرب، ثم نصبغها بصبغتنا ونجعلها ملائمة لأخلاقنا وعقائدنا ومزاجنا النفسي والعقلي.
وإذ كانت الأخلاق والعقائد هي الأساس الذي تبنى كل أمة عليه حضارتها، وكانت أخلاقنا وعقائدنا محتاجة إلى الاصطلاح كل إلاحتياج، فقد وجب أن نبدأ باصلاحها، فاذا صلحت صلح كل شيء، وان لم تصلح فلا رجاء في إصلاح. ألا تذكر قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). ولا ينبغي لنا أن يعوقنا على التصدر لإصلاح ما في نفوسنا من مفاسد، وما في عقائدنا من ضلال عِلْمَنا أن الأخلاق وهي الصفات النفسية ثابتة في الأمم ثبوت صبغاتها الجسدية، وأنها لذلك لا تتغير إلا بمضي آلاف السنين، وأن العقائد لا تقل عنها ثبوتاً، لأننا إذاأمسكنا عن التصدر للإصلاح لهذا العلم فلن نتقدم له أبداً ولن نبلغ ما نريد أبداً. ولا ينبغي لنا أن ننسى بجانب هذا أن للتغيير عوامل فعالة تجعله سهلاً سريعاً وهي الحروب والنهضات القومية، والثورات الفكرية، وأن النهضة المصرية الحديثة من عوامل التعجيل للإصلاح، وان قيام المتعلمين آباء وأبناء بإثارة الأفكار وتوجيهها في القرى إلى الإصلاح مما يكفل لنا بلوغ المراد منه، فيجب أن نتعاون على هذه الإثارة لنبلغ الأمر الذي نبتغيه.
فإذا نحن أيقظنا بصيحاتنا ودعوتنا النفوس النائمة، وأصلحنا العقائد والأخلاق وهذبناها بما لابد منه من العلم والمعرفة فلنعمد بعد ذلك إلى إصلاح كل شيء إصلاحاً يلائم أخلاقنا وعقائدنا، أو مزاجنا النفسي والعقلي، وإلا وضعنا بجانب كل حجر من أحجار الصرح الذي
стр. 4134
نبنيه معولاً لهدمه، لأن الأمة التي تستعير مدنية لا تلائم مزاجها النفسي والعقلي لا تلبث أن تهدم ما بنت بثورة منها، وحسبك دليلا على ذلك الثورة البلشفية التي قوضت أركان المدنية الغربية في روسيا، فقد كانت روسيا شرقية في كل شيء، فلما ولى أمرها بطرس الأكبر حملها على تقليد الغرب بالقوة فجاءت هذه المدنية الغربية غير ملائمة لأخلاق الروسيا وعقائدها لذلك هدمتها أخيراً. وبمثل هذا يتنبأ إمام علم الاجتماع في العصر الحاضر (جوستاف لوبون) للمدنية اليابانية التي نقلت عن الغرب في خمسين سنة. وبمثل هذا يمكنك أن تتنبأ للمدنية التركية الحديثة لأنها من عمل الحكومة لا من عمل الشعب نفسه، وقد نقلتها كما هي بلا تهذيب، ولأنها نقلت طفرة لا بالتدريج.
وليس المسئول عن هذا الإصلاح الحكومة وحدها، فان الحكومات لا تقوى على كل شيء. وإن من الناس من يقصر عمل الحكومات على حماية الوطن من اعتداء بعض أبنائه على بعض، ومن اعتداء الأجانب عليه. أما ما عدا ذلك فهو عنده من علم الأمة وحدها، ولئن استطاعت الحكومات أن تعمل كل شيء وحدها فإنها لا تستطيع أن تقوم البتة بالمرافق الكبرى كالزراعة والصناعة والتجارة والتعليم والتهذيب، فان هذا بلا شك من أعمال الشعوب، ولا بأس بمعونة الحكومة فيه
والمسئول من الأمة المصرية عن تحرير ملايين الفلاحين المصريين من مفاسد الأخلاق ومن البدع والخرافات والأوهام والضلالات وتزويدهم بشيء من مكارم الأخلاق ومن العقائد والمعارف الصحيحة التي لابد لهم منها في دينهم ودنياهم ليصبحوا كأمثالهم في البلاد الراقية وليستطيعوا أن يقوموا بإصلاح عناصر المدنية ومظاهرها إنما هم أهل المعرفة من البالغين الراشدين المصريين
لاشك أن العالم مسئول عن أخيه الجاهل، فلو أن رجلين اجتازا طريقاً خطيرة، وكان أحدهما علم بما فيها من خطر ولم يكن الآخر على شيء من العلم بما فيها من خطر، ثم أصابهما فيها صائب من الأذى كان العالم حينئذ هو المسئول عن الجاهل
وإذا كان أكثر طلبة الجامعة والمدارس العالية من الراشدين المكلفين شرعاً وعرفا، كانوا من المسئولين عن الإصلاح الاجتماعي ولا يرفع عنهم هذا التكليف أننا معاشر الآباء العارفين نحمل هذه التبعة لأن الأمر أكبر من أن يقوم به فريق دون فريق، فليس هو من
стр. 4135
فروض الكفاية التي إذا قام بها بعض الناس سقط عن الباقين. وإنما هو في الوقت الحاضر من الفروض الوطنية العينية التي يجب على كل ذي معرفة القيام بنصيب منها، وقد تكون من الفروض الدينية. وأبناؤنا الطلبة مع ذلك أطهر قلوباً وأخلص نية وأشد غيرة وحمية وأقوى أبداناً ونفوساً، فإذا خلا منهم ميدان الإصلاح فقد خلا من كل شيء
وإنا لا نبغي من أبنائنا النجباء طلاب الجامعة والمدارس العليا أن ينصرفوا عن التزود من العلم وتكميل أنفسهم إلى معالجة الإصلاح في القرى، لأننا إن طلبنا ذلك منهم كنا خاسرين مسرفين نشتري إصلاح الفلاح بإفساد الطبقة الممتازة التي نعلق عليها كل الآمال، وإنما نريد من أبنائنا الطلبة النجباء عُدّة الوطن وأعظم كنوز ثورته أن يقسموا أوقاتهم وجهودهم على ثلاثة أمور لا رابع لها وهي: (١) طلب العلم. (٢) الرياضة البدنية واللهو المباح اللذين لابد منهما لحفظ الصحة وتجديد القوى والنشاط (٣) خدمة الوطن من أحسن الوجوه وهو نشر العلم والفضيلة بين سواده الأعظم في القرى
أما البطالة والكسل والخمول فقد آن أن يكون بين أبنائنا وبينها ما بين المشرقين من بعد في هذا الزمن العصيب الذي يستهدف فيه للفناء كل إنسان وكل جماعة لا يكون شعاره وشعارها الجد، الاجتهاد، اليقظة، الاستقامة، العمل، التقدم. وانه ليعز علينا أن ينصرف فريق من شبابنا في أيام الدراسة وفي أيام العطل إلى اللهو غير المباح والى الكسل والخمول ناسين أنفسهم ووطنهم. وان أخسر الناس صفقة وأعظمهم غبناً في رأيي شاب آتاه الله قوة الشباب وسلامة الأعضاء والصحة وفراغ البال ورزقه من يعلوه ويكلف أموره ومهدت له سبل الاستفادة والإفادة، ثم هو مع ذلك يضيع هذه الهبات الثمينة والمواهب العقليلة التي من بها الله عليه من اللهو والبطالة فلا هو ينفع نفسه ولا ينفع غيره. لا بل قد. قد يكون بلاء على نفسه وعلى غيره
وما أشبه المصريين الآن بركاب سفينة تسير بالمجاديف مع طائفة من سفن أخرى لا أقول تسير بالبخار، وإنما أقول إنها تسير بالمجاديف مثلها، تلك السفن هي دول الغرب. وتسعة أعشار من في السفينة المصرية نيام نوم أهل الكهف، والعشر المستيقظ هو الذي يسير السفينة وحده، على حين أن ركاب كل سفينة أخرى يتناوبون العمل بينهم، فلابد لسواعد المصريين من الكلال ولابد لعزائمهم في النهاية من الخور، ولابد لسفينتهم من الانقطاع
следующие страницы →