← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

حرصاً كبيراً، ثم أن الشباب في أوربا يشعر هو الآخر بالواجب عليه إزاء أهل الريف فينظم نفسه جماعات تجول في مختلف أنحاء الدولة التي ينتمي إليها أثناء العطلة الدراسية لتستفيد هذه الجماعات معرفة بلادها معرفة دقيقة، وليستفيد أهل الريف من اختلاط الشباب بهم فتياناً وفتيات اتصالاً بالروح العلمية، والحياة الثقافية، يربط ما بين الريف والعواصم بخير الروابط. وليس من ذلك شيء في مصر إلى الإطلاق، بل أن المشروعات الحيوية الأولية، كتعميم المياه الصالحة للشرب، وكجعل الأسمدة بعيدة عن القرى، وكتعميم التعليم الأولي إلاجباري، وما إلى ذلك من مثله من أمور تعتبر في الدرجة الأولى بالنسبة للحياة الإنسانية ما يزال مهملاً في مصر، بل ما يزال منظوراً إليه على انه أدنى إلى الكماليات، وتلك نظرة خاطئة جد الخطأ، فإذا أريد بمصر أن تصل إلى نشاط صحيح في حيويتها. فالخطوة الأولى يجب ألا تكون شق الشوارع وإقامة المباني الفخمة في المدن، بل يجب أن تكون العناية بأحوال الريف عناية صحيحة، والعناية في المدن بالتعليم الجامعي الصحيح قبل كل شيء. فلتعمل جمعية مشروع القرى في حدود البرنامج الذي رسمت لنفسها تلق من غير ريب تشجيعاً صادقاً من كل من يعنيهم الأمر ومن كل من يدركون مصالح بلادهم الحقيقية.

стр. 4132

مشروع القرى الإصلاح الاجتماعي في مصر ونصيب طلبة الجامعة والمدارس العالية منه للأستاذ عبد الله أمين عضو مجلس إدارة المشروع قد يخيل إلى المتعجل في الحكم على الأمور أن الشعب المصري قد خطا خطوات واسعات في سبيل التقدم والإصلاح إلاجتماعي، وذلك حين يرى ما في أمهات المدن المصرية لا سيما القاهرة الأم الكبرى، عروس الشرق، من مبان شاهقة فخمة، قد بنيت على أحدث مثال، وأثثت فأفخر الأثاث، ومن أزياء حديثة يختال في حللها القشيبة شبانها وشوابها، رجالها ونساؤها؛ ومن متاجر ودور للملاهي يُعرَض فيها من السلع والمناظر ما يُعرض في متاجر أوربا وملاهيها؛ ومن مصارف وبيوت مالية ومدارس ومستشفيات وأندية وإنزال، وغير ذلك من مظاهر المدنية الغربية الحديثة. أما المتأمل البصير فلا يرى في شيء من هذه المظاهر دليلا على شيء ذي خطر من التقدم والإصلاح الاجتماعي في مصر، لأنها كلها مظاهر مستعارة من الغرب لا ترتكز في هذه البلاد على شيء من عناصر المدنية التي ترتكز عليها في الغرب، وهي العلوم والفنون والصناعات والذوق المصري والعادات والتقاليد والنظم الموروثة، ولذلك تعد في مصر مظاهر كاذبة. وقد تعاون على استعارتها ثلاث جماعات، هي: (١) النزلاء الأجانب (٢) الوطنيون المفتونون بهم، الناسجون على منوالهم، وما أكثر هؤلاء وهؤلاء في أمهات المدن المصرية، لا سيما مصر والإسكندرية (٣) والحكومات المصرية المتتابعة. وليس هؤلاء جميعاً هم الشعب المصري. إنما الشعب المصري هو ملايين الفلاحين الكثيرة المقيمة في القرى المصرية. وإذاجردت أمهات المدن المصرية من مظاهر المدنية الكاذبة أصبحت كالقرى المصرية شبراً بشبر وذراعاً بذراع. وأي شيء في القرى المصرية لا يحتاج إلى إصلاح؟ أمظاهر المدنية أم العماد الذي لا تقوم إلا عليه وهو عناصر المدنية؟ أم أساس هذه العناصر؟ إن كل شيء في القرى المصرية بل في مصر كلها أم المدنية القديمة والحديثة ومطمع

стр. 4133

أنظار الغرب، ومعقد آمال الشرق، فقير كل الفقر إلى إلاصلاح، فالأخلاق والعقائد وهي الأساس الذي تقوم عليه عناصر المدنية، والمنوال الذي تنسج عليه برودها قد أصيب بالخلل والفساد، فهي فقيرة إلى الإصلاح. والعلوم والفنون والصناعات والآداب والعادات والتقاليد والذوق واللغة والنظم المنزلية والمدرسية والاجتماعية والحكومية وغيرها من عناصر الحضارة لم يبق من محاسنها شيء، فهي أشد فقرا إلى الإصلاح. والأزياء والمساكن والأثاث والمتاجر والمصانع والمزارع والطرق والمتنزهات والأندية والمدارس وغيرها من مظاهر المدنية أصبحت ممقوتة بغيضة إلى النفوس لبقاء أكثرها على ما كان عليه منذ آلاف السنين، ولإنشاء أقلها على مثال غربي لا يلائم أخلاقنا وعقائدنا، فلابد من إصلاحها وإصلاح كل شيء إصلاحاً نحتذي فيه مثال الأمور الصالحة في الغرب، ثم نصبغها بصبغتنا ونجعلها ملائمة لأخلاقنا وعقائدنا ومزاجنا النفسي والعقلي. وإذ كانت الأخلاق والعقائد هي الأساس الذي تبنى كل أمة عليه حضارتها، وكانت أخلاقنا وعقائدنا محتاجة إلى الاصطلاح كل إلاحتياج، فقد وجب أن نبدأ باصلاحها، فاذا صلحت صلح كل شيء، وان لم تصلح فلا رجاء في إصلاح. ألا تذكر قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). ولا ينبغي لنا أن يعوقنا على التصدر لإصلاح ما في نفوسنا من مفاسد، وما في عقائدنا من ضلال عِلْمَنا أن الأخلاق وهي الصفات النفسية ثابتة في الأمم ثبوت صبغاتها الجسدية، وأنها لذلك لا تتغير إلا بمضي آلاف السنين، وأن العقائد لا تقل عنها ثبوتاً، لأننا إذاأمسكنا عن التصدر للإصلاح لهذا العلم فلن نتقدم له أبداً ولن نبلغ ما نريد أبداً. ولا ينبغي لنا أن ننسى بجانب هذا أن للتغيير عوامل فعالة تجعله سهلاً سريعاً وهي الحروب والنهضات القومية، والثورات الفكرية، وأن النهضة المصرية الحديثة من عوامل التعجيل للإصلاح، وان قيام المتعلمين آباء وأبناء بإثارة الأفكار وتوجيهها في القرى إلى الإصلاح مما يكفل لنا بلوغ المراد منه، فيجب أن نتعاون على هذه الإثارة لنبلغ الأمر الذي نبتغيه. فإذا نحن أيقظنا بصيحاتنا ودعوتنا النفوس النائمة، وأصلحنا العقائد والأخلاق وهذبناها بما لابد منه من العلم والمعرفة فلنعمد بعد ذلك إلى إصلاح كل شيء إصلاحاً يلائم أخلاقنا وعقائدنا، أو مزاجنا النفسي والعقلي، وإلا وضعنا بجانب كل حجر من أحجار الصرح الذي

стр. 4134

نبنيه معولاً لهدمه، لأن الأمة التي تستعير مدنية لا تلائم مزاجها النفسي والعقلي لا تلبث أن تهدم ما بنت بثورة منها، وحسبك دليلا على ذلك الثورة البلشفية التي قوضت أركان المدنية الغربية في روسيا، فقد كانت روسيا شرقية في كل شيء، فلما ولى أمرها بطرس الأكبر حملها على تقليد الغرب بالقوة فجاءت هذه المدنية الغربية غير ملائمة لأخلاق الروسيا وعقائدها لذلك هدمتها أخيراً. وبمثل هذا يتنبأ إمام علم الاجتماع في العصر الحاضر (جوستاف لوبون) للمدنية اليابانية التي نقلت عن الغرب في خمسين سنة. وبمثل هذا يمكنك أن تتنبأ للمدنية التركية الحديثة لأنها من عمل الحكومة لا من عمل الشعب نفسه، وقد نقلتها كما هي بلا تهذيب، ولأنها نقلت طفرة لا بالتدريج. وليس المسئول عن هذا الإصلاح الحكومة وحدها، فان الحكومات لا تقوى على كل شيء. وإن من الناس من يقصر عمل الحكومات على حماية الوطن من اعتداء بعض أبنائه على بعض، ومن اعتداء الأجانب عليه. أما ما عدا ذلك فهو عنده من علم الأمة وحدها، ولئن استطاعت الحكومات أن تعمل كل شيء وحدها فإنها لا تستطيع أن تقوم البتة بالمرافق الكبرى كالزراعة والصناعة والتجارة والتعليم والتهذيب، فان هذا بلا شك من أعمال الشعوب، ولا بأس بمعونة الحكومة فيه والمسئول من الأمة المصرية عن تحرير ملايين الفلاحين المصريين من مفاسد الأخلاق ومن البدع والخرافات والأوهام والضلالات وتزويدهم بشيء من مكارم الأخلاق ومن العقائد والمعارف الصحيحة التي لابد لهم منها في دينهم ودنياهم ليصبحوا كأمثالهم في البلاد الراقية وليستطيعوا أن يقوموا بإصلاح عناصر المدنية ومظاهرها إنما هم أهل المعرفة من البالغين الراشدين المصريين لاشك أن العالم مسئول عن أخيه الجاهل، فلو أن رجلين اجتازا طريقاً خطيرة، وكان أحدهما علم بما فيها من خطر ولم يكن الآخر على شيء من العلم بما فيها من خطر، ثم أصابهما فيها صائب من الأذى كان العالم حينئذ هو المسئول عن الجاهل وإذا كان أكثر طلبة الجامعة والمدارس العالية من الراشدين المكلفين شرعاً وعرفا، كانوا من المسئولين عن الإصلاح الاجتماعي ولا يرفع عنهم هذا التكليف أننا معاشر الآباء العارفين نحمل هذه التبعة لأن الأمر أكبر من أن يقوم به فريق دون فريق، فليس هو من

стр. 4135

فروض الكفاية التي إذا قام بها بعض الناس سقط عن الباقين. وإنما هو في الوقت الحاضر من الفروض الوطنية العينية التي يجب على كل ذي معرفة القيام بنصيب منها، وقد تكون من الفروض الدينية. وأبناؤنا الطلبة مع ذلك أطهر قلوباً وأخلص نية وأشد غيرة وحمية وأقوى أبداناً ونفوساً، فإذا خلا منهم ميدان الإصلاح فقد خلا من كل شيء وإنا لا نبغي من أبنائنا النجباء طلاب الجامعة والمدارس العليا أن ينصرفوا عن التزود من العلم وتكميل أنفسهم إلى معالجة الإصلاح في القرى، لأننا إن طلبنا ذلك منهم كنا خاسرين مسرفين نشتري إصلاح الفلاح بإفساد الطبقة الممتازة التي نعلق عليها كل الآمال، وإنما نريد من أبنائنا الطلبة النجباء عُدّة الوطن وأعظم كنوز ثورته أن يقسموا أوقاتهم وجهودهم على ثلاثة أمور لا رابع لها وهي: (١) طلب العلم. (٢) الرياضة البدنية واللهو المباح اللذين لابد منهما لحفظ الصحة وتجديد القوى والنشاط (٣) خدمة الوطن من أحسن الوجوه وهو نشر العلم والفضيلة بين سواده الأعظم في القرى أما البطالة والكسل والخمول فقد آن أن يكون بين أبنائنا وبينها ما بين المشرقين من بعد في هذا الزمن العصيب الذي يستهدف فيه للفناء كل إنسان وكل جماعة لا يكون شعاره وشعارها الجد، الاجتهاد، اليقظة، الاستقامة، العمل، التقدم. وانه ليعز علينا أن ينصرف فريق من شبابنا في أيام الدراسة وفي أيام العطل إلى اللهو غير المباح والى الكسل والخمول ناسين أنفسهم ووطنهم. وان أخسر الناس صفقة وأعظمهم غبناً في رأيي شاب آتاه الله قوة الشباب وسلامة الأعضاء والصحة وفراغ البال ورزقه من يعلوه ويكلف أموره ومهدت له سبل الاستفادة والإفادة، ثم هو مع ذلك يضيع هذه الهبات الثمينة والمواهب العقليلة التي من بها الله عليه من اللهو والبطالة فلا هو ينفع نفسه ولا ينفع غيره. لا بل قد. قد يكون بلاء على نفسه وعلى غيره وما أشبه المصريين الآن بركاب سفينة تسير بالمجاديف مع طائفة من سفن أخرى لا أقول تسير بالبخار، وإنما أقول إنها تسير بالمجاديف مثلها، تلك السفن هي دول الغرب. وتسعة أعشار من في السفينة المصرية نيام نوم أهل الكهف، والعشر المستيقظ هو الذي يسير السفينة وحده، على حين أن ركاب كل سفينة أخرى يتناوبون العمل بينهم، فلابد لسواعد المصريين من الكلال ولابد لعزائمهم في النهاية من الخور، ولابد لسفينتهم من الانقطاع

стр. 4136

عن السفن الأخرى. وأنت عليم بما يصيب هذه السفينة المنقطعة من البلاء ولو أن هذا العشر أيقظ تسعة الأعشار لاستغلّ جهودهم ولوصل بالسفينة وهي مصر إلى حيث تصل السفن الأخرى وأصبحت بنجوة من المهالك ونجا هو ونجوا هم معه. وليس ما يبذل من جهد ومال في تهذيب العامة وإصلاح شأنهم بكثير وان عظم. ولو علم الناس ما في تركهم أبناء وطنهم فريسة للجهل وللضلال وللفقر وللأمراض الجسدية والنفسية من الأخطار المحققة التي لا يمكن أن يسلم منها مجموع الأمة لافتدوا سلامتهم بأموالهم وأنفسهم، فما أشبه أبناء الوطن الواحد بأبناء أب واحد، عنى بتربية فريق من هؤلاء الأبناء فشبوا مهذبين قادرين على كسب قوتهم من أحسن الوجوه، ثم أدركته الوفاة قبل أن تشتد سواعد الفريق الآخر ويربيهم، ثم أهمل أخواتهم تربيتهم فشأوا جهلة مرضى النفوس عجزة عن كسب أقواتهم. فلا شك أن الفريق الأخير يصبح عالة على الأول مسئولا منه شرعاً وعرفا، فهو إما أن ينهض بأعبائهم، وإما أن يستهدف لخطرهم ويكون هو أول فريسة لهم يسلبونه ماله وراحته وربما سلبوا روحه، وما أكثر ما يمثل أمامنا من آن لآخر من هذه الحوادث فيا أيها الشبان المتعلمون النجباء، يا رجال المستقبل القريب، اعملوا من الآن على إيقاظ تسعة أعشار المصريين إخوانكم لئلا يكونوا عالة عليكم غداً، بل ليكوا عوناً لكم على إحياء الحضارة وإصلاح كل فاسد، واحذروا أن تشتروا العاجل بالآجل بأن تؤثروا ساعات تقضونها في اللهو والكسل والخمول الآن على راحة المستقبل وسعادة المستقبل، وتعالوا إلى الميدان الذين فتحه لكم إخوانكم الأمجاد أعضاء اللجنة التنفيذية لمشروع القرى وجال فيه جولات صادقات في هذه العطلة الصيفية أبطال من ذوي العزائم هم إخوانكم المتطوعون لمشروع القرى فكان هؤلاء وهؤلاء من المجاهدين السابقين الأولين الموفقين. تعالوا واعملوا لوطنكم منذ الآن تحت العلم الخفاق الذي يحمله علم مصر وفخرها في القرن العشرين أبو الطب غير منازع ولا تدافع، الدكتور علي باشا إبراهيم واذكروا قول الشاعر املأ الدنيا بما تسطيع من … عمل يبقى إذا العمر ذهب إنما الأعمال تاريخ الفتى … تقرأ الأجيال فيه ما كتب تعالوا واعملوا للخير، وفقكم الله لإسعاد أنفسا ولإسعاد وطنكم وأبقاكم ذخراً له.

стр. 4137

عبد الله أمين

стр. 4138

بين المعري ودانتي في رسالة الغفران والكوميدية المقدسة بقلم محمود احمد النشوي الوطنية لدى الشاعرين رأينا فيما عرضنا له من وطنية شاعر الطليان أنه كان يخلق المناسبات ليصدع بشعوره نحو بلاده ووطنه، فيحاور شخصيات وايته في جرائمهم الوطنية، ويتخيل لهم من صنوف العذاب ما تقشعر لهوله الأبدان، وفي الحق أن وطنية دانتي ملكت عليه كل نفسه، وسأقص عليك حديثاً طرز به كوميدتيه، فكان حليتها وزينتها، وسأعرض عليك تلك الأنشودة لتعلم أي حد بلغت به وطنيته، وأي مقدار بلغه النزاع والفشل بين الطليان في عهده، وكم برح بهم الظلم، وهدت من أركانهم الفوضى، ثم تقرن حالهم بالأمس بحالهم اليوم لتعلم أن الأمم تسقم وتبرأ، وتضعف وتقوى، فلا يخالج اليأس نفسك، ويمتد بك الأمل فتوقن باليوم الذي تتبوأ فيه بلادك مركزها تحت الشمس مستعيدة عصر صلاح الدين، وأيام رمسيس. فبينا دانتي يجوب (الأعراف) مع فرجيل إذا بروح نبيل يرمقهما ملياً، ثم يسألهما قائلا: من أنتما أيها القادمان؟ فيكون تعارف يعقبه عناق، وإذابهذا الروح روح الشاعر سوردلو مواطن فرجيل، ولم يكد يعرفه حتى انتحى به قليلا يحدثه، وبقى دانتي منفرداً يفكر في لقاء المواطن للمواطن، ومحبة ابن الشعب لابن الشعب. فثارت شاعريته، وصدح بما خلدته الأجيال، فقال: (لك الله يا إيطاليا، أيتها الأمة الذليلة المستعبدة، يا موطن الآلام وميدان المظالم، لقد أصبحت وكأنك سفينة بغير ربان ينقذك وسط هذه الزوبعة، ويقودك إلى شاطئ السلامة وبر الأمان، إن هذه الروح الكريمة قد وقفت تحتفل بمواطنها بمجرد أن سمعت باسم وطنها، بينما أنت لا يستطيع أبناؤك الأحياء أن يعيشوا دون أن يتقاتلوا ويحارب بعضهم بعضا، وحتى أبناء المدينة الواحدة قد أخذوا يتخاصمون ويتنازعون! أنظري أيتها البلدة التعسة الذليلة، وابحثي في كل بحارك وجبالك ووديانك وفي كل ناحية من نواحيك، فهل ترين جزءاً واحداً يتمتع بالسكينة والراحة والسلام؟ آه. إنك لو قيض الله

стр. 4139

لك حاكما أو رئيساً حازماً لحسنت حالك، وهدأ بالك، ولكن القياصرة يعيشون بعيدين عن أرضك التي سيئول أمرها لا محالة إلى الخراب والدمار. إن روما تبكي وتستغيث بالإمبراطور، وكل بلاد إيطاليا قد امتلأت بالظلمة قساة القلوب، وفي فلورنسا أصبحت الأحوال أسوأ منها في أي مكان آخر؛ فقد تسن فيها القوانين ولا تلبث أن تلغي بين عشية أو ضحاها، وأصبحت كالمريض الذي ألح عليه الداء، وأعوزه الدواء، وأخذ يتقلب من جنب إلى جنب لكي يخفف من آلامه وعذابه دون أن يشعر بالراحة أو يذوق لها طعما). أفرأيت إذا كيف كان دانتي حدباً على وطنه يندبه ويبكي انقسامه واضطرابه، وضعف قوانينه وتذبذبها بين الإلغاء والوضع كل عشية وضحاها؟ فلو أنه بعث الآن من مرقده ورأى بلاده اليوم وهي تنعم بالقوة وبالمنعة لقرت عيناه، ولرفأ مدمع كان هتاناً على وطن ملكت فكرته عليه كل شعاب نفسه. الانتحار في الروايتين كلا الشاعرين ذم هذا المرض الفتاك، وثار على ذلك الداء الوبيل؛ وما كان شاعر المعرة بالذي لا يعرض للانتحار: يهجنه ويزري به؛ فقد افتن في الزراية به بعبارة احتفل بها، وأسرف في احتفاله، فكانت جد غامضة ومبهمة. وما نحسب أن كثيراً من الأدباء يستشف غرض أبي العلاء دون أن يلحق به كبير من عناء ومن جهد. على أن في تهذيب الأستاذ كامل كيلاني لرسالة الغفران، وفيما حلى به جيدها من شرح وعنوانات، ما يجعل الطريق أمام روادها معبداً شائقاً إلى حد كبير. ورغماً من أغراب أبي العلاء هنا فانك تراه جانف الخيال، وسلك سبيل الفلاسفة والحكماء؛ فجعل يبرهن ويعلل متخذاً من جهالة الإنسان بمصيره بعد الموت، ومن تقلبات الأيام وابتسامها بعد العبوس أدلة يهجن بها الانتحار، ويقبحه. وإني ذاكر لك شيئاً من قوله في ذلك، فاستمع إليه حين يقول: (قد كدت ألحق برهط العدم، من غير الأسف ولا الندم؛ ولكنما أرهب قدومي على الجبار، ولم أصلح بخلتي بأبار. وقيل لبعض الحكماء: إن فلاناً تلطف حتى قتل نفسه، وكره أن يمارس بدائع الشرور، وأحب النقلة إلى دار السرور. فقال الحكيم قولاً معناه: أخطأ ذلك الشاب المقتبل، له ولأمه يحق الهبل، هلا صبر على صروف الزمان، فانه لا يشعر علام يقدم، ولولا حكمة الله جلت قدرته، وأنه حجز الرجل عن

стр. 4140

الموت بالخوف من العلز والفوت، لرغب كل من احتدم غضبه، وكل عن ضريبة مقضبه أن تترع له من الموت كؤوس) أفرأيت في حديث أبي العلاء كيف سلك سبيل الحكماء، وكرر معنى ذكره في لزومايته، ذلك المعنى هو رهبة ما بعد الموت، وصدها عن ورود حوضه حين يقول: لو لم تكن طرق هذا الموت موحشة … مخشية لاعتراها القوم أفواجا وكان من ألقت الدنيا إليه أذى … يؤمها تاركاً للعيش أمواجا فما هو سر ذلك وما سببه؟ أكبر الظن أن سر ذلك هو وقوع ذكر الانتحار في الرد على رسالة ابن القارح بعد أن انتهى حديث الفردوس والجحيم. ولقد نرى أبا العلاء يتطاحن خياله، بل يودعه خياله حين يودع الجنان والنيران، وحين يأخذ في الرد على ما جاء في رسالة ابن القارح وما فيها من أشخاص يساجله الحديث عنهم، ويزيد عليه بسطاً في القول، والمساجلة في الشخصيات وفي تواريخها، وفي المذاهب والعقائد أبعد شيء عن الخيال، وأحوج شيء للعبارة البينة في دلالتها، السافرة عن غرضها ولكن دانتي يحدثنا عن الانتحار وهو في دوره الثاني من الطبقة السابعة في جهنم فأعمل خياله في تهجينه، ووصف عذاب المنتحرين وصفاً يبعث في الجلود قشعريرتها، وفي القلوب هلعها. وموعدنا بالحديث عن ذلك العدد القادم. محمود احمد النشوي

стр. 4141

٣ - أعيان القرن الرابع عشر للعلامة المغفور له احمد باشا تيمور مصطفى باشا الخزينة دار جركسي الأصل، اشتراه عزت باشا، أحد الصدور في زمن السلطان محمود الثاني، ورباه صغيراً في القسطنطينية، ثم أتى به إلى مصر سنة ١٢٥٢، فاشتراه كتخداها عباس باشا بن طوسون باشا بن محمد علي باشا، وحظي عنده حظوة عظيمة، وقدمه إلى سائر مملوكيه، ولما تولى إبراهيم باشا بن محمد علي على مصر سنة ١٢٦٤ استأذن منه عباس باشا في السفر إلى الحج فسافر إلى الحجاز وأقسم بأنه لا يعود لمصر ما دام عمه والياً عليها، لوحشة وقعت بينهما، وأخذ المترجم معه، فلما وصل إلى مكة وأدى فريضة الحج وصل إليه البشير بموت عمه إبراهيم باشا، وتوليته مكانه، وصادف ذلك موت خزينة داره راغب أغا الموره لي فأقام المترجم بدله وأعتقه، ولزمه من ذلك الحين لقب الخزينة دار، ثم جعله رئيساً لمملوكيه، وأنعم عليه برتبة أميرالاي، ووظف له ألف دينار مصري في السنة، وعاد معه إلى مصر، فكبر شأنه، وعظمت منزلته بين الأمراء، وأمر ونهى في الولاية، وحل عند سيده بمنزلة كبيرة، حتى أمر أن يكون أمر المترجم كأمره نافذاً لا يرد في كافة الدواوين، وكان يقول له أنت يا مصطفى مثل أولادي، والمترجم لا يقابل ذلك إلا بالصدق والاخلاص في الخدمة، والوالي يوالي بره، ويزيد في إعزازه، حتى أمر أن يركب مثل ركوبه في موكب بجند وحاشية، فاستعفى من ذلك وقال: عبدكم يكفيه ركوب جنديين يستخدمهما في خدمة أفندينا فقبل منه وأعفاه، وتسامع الناس بذلك فلامه بعض أخصائه على إبائه هذا الشرف العظيم، فقال له أنتم جهلاء لا تقرأون العواقب، أما تعلمون انه إذامات أو غضب عليّ أسلب هذا الشرف وينحط قدري بين الناس، أفليس الأولى لي أن أبقى على حالة واحدة لا أغيرها؟ وكان المترجم ميالاً لفعل الخير يسعى فيه جهده، ويروي انه أنقذ نحو ثلاثمائة شخص من القتل والنفي لنفاذ كلمته عند الوالي ويروي أن عباساً باشا غضب مرة على احمد باشا المنكلي، وكان من جلة القواد، فجفاه الناس، وخصوصاً الأمراء على عادتهم مع من يغضب عليهم الولاة، حتى يبلغ بالواحد انه

стр. 4142

لا يستطيع المرور أمام دورهم، واتفق ان المنكلي ذهب يوم العيد إلى العباسية لمقابلة الوالي وطلب العفو، فلقي إعراضاً من الحاشية ونفوراً، ورآه المترجم على هذا الحال فصعب عليه مكانه لما كان يعلمه عنه من علو المنزلة عند الولاة السابقين، فأسرع إليه وأكرمه وأمر له بالقهوة والدخان، وجلس بين يديه متأدباً، ونمى الخبر لعباس باشا فغضب واستدعى المترجم ووبخه على إكرامه رجلاً مغضوباً عليه منه، فتلطف معه وقال له: حلم أفندينا أكبر من كل ذنب، وهذا الرجل تعلمون حسن بلائه في الخدمة، وقد جرأني هذا الحلم بأن سكنت روعه وأخبرته برضاكم عنه، وإنكم دائماً تذكرونه بالخير وتقولون هذا رفيقنا بالشام يوم كنا مع عمنا في المحاربة، وأفندينا اكرم من ألا يقبل شفاعة عبده فيه، فضحك عباس باشا وقال لا بأس عليه قد عفوت عنه، ثم استدعاه فدخل وقبل الأرض من شدة فرحه، ودنا منه حتى قبل قدمه، فأجلسه وبش في وجهه وقال له أنت (أرقداش) ثم صرفه شاكراً مسروراً. ثم لما مات عباس باشا بقى المترجم خزينة داراً لدائرته زمناً قليلا، وتولى محمد سعيد باشا على مصر وكان بالإسكندرية فتأخر بها خمسة أيام خوفاً من أن تغتاله شيعة عباس باشا إذاحضر إلى القاهرة، لما بلغه من أن الألفي يريد تولية الأمير الهامي باشا بن عباس باشا، فتأخر حتى كتب له الأعيان والأمراء بالطاعة وأرسلوا كتابهم اليه، وفيه توقيع المترجم، فاطمأن وحضر إلى القاهرة ونزل في قصر شبرا عند أخيه حليم باشا، فبات عنده ليلة لم يهنأ فيها بنوم، وأخبر أخاه انه بلغه عن المترجم ان عنده في العباسية خمسمائة فارس بسلاحهم، وانه يخشى من هجومه بهم على القصر قصد اغتياله، فصرف عنه أخوه هذا الوسواس، ثم طلب المترجم بعد ذلك إلى القلعة وخرج إليه حسن باشا المناسترلي، وقال له أفندينا يعلم انك رجل عاقل فما هذه الخمسمائة الفارس التي عندك بالعباسية؟ أتحاول أن تحدث بهم أمراً، أو تجدد لك ملكا؟ فقال معاذ الله من ذلك، إنما أنا عبد من عبيد أفندينا، وكل ما سمعه عني زور وبهتان من سعي المفسدين، وبعد، فهل هذه الفرسان في بطن الأرض أو فوق ظهرها، وكيف خفي عليكم أمرها، نحن ليس عندنا غير عشرين فارساً لحفظ قصور الحرم، فتبين لهم صدقه، ثم لما أراد سعيد باشا السفر إلى دار السلطنة لشكر السلطان على توليته على عادة ولاة مصر من بني محمد علي مع سلاطين آل عثمان وجد

стр. 4143

خزانة مصر خالية من المال، فطلب من المترجم إقراضه خمسين ألف دينار من أموال عباس باشا التي بيده فأبى وتوقف وقال: إنما أنا أمين عليها، وصاحبها الهامي باشا باستنبول، ولا يجور لي التصرف في ماله بغير اذنه، فتداخل بعض الأمراء في الأمر، حتى رضى بإقراضه القدر المذكور بشرط أن يكتب صكاً به ويوقع عليه، ففعل وأخذ المال، ولما حضر الهامي باشا من دار السلطنة أعطاه المترجم الصك وقال له: هذا المال أخذه عم أبيك، فان شئت طالبته به، وان شئت تجاوزت له عنه، فعدت هذه الحادثة من مواقف المترجم المحمودة. وبقى المترجم خزينة دارا لالهامي باشا حتى رآه ينفق أمواله في غير وجهها، فنصحه بأنه إذا دام على هذا الحال لا يبقى ولا يذر شيئاً مما تركه والده، وأوصاه بالحزم، وقال له في عرض كلامه يا سيدي أنا لا أنهاك عن الكرم والإحسان إلى الفقراء، ولكني أنهاك عن الإسراف والتبذير والإنعام على صغار الخدم بهذه الجواهر والنفائس الثمينة التي نراها في أيديهم كل يوم، ولما رأى إعراض الأمير عنه وتماديه فيما هو فيه استعفى من منصبه ولزم داره التي بالتبليطة. ثم بدا له السفر إلى دار السلطنة فسار إليها وعلم السلطان عبد المجيد بن محمود بمقدمه فطلبه إلى القصر، ولكنه لم يقابله بل أمر أولاده الأمراء مرادا وعبد الحميد ورشادا بإكرامه فقابلوه ولاطفوه، ثم قيل له إن في نية السلطان الإنعام عليه برتبة باشا وأشير عليه بعدم السفر فلم يوفق للإقامة بل سافر بغير إذن إلى الحجاز، فحج وعاد لمصر، وكان الوالي سعيد باشا أرسل إلى كامل باشا زوج أخته الأميرة زينب هانم أن يراقب المترجم مدة وجوده بدار السلطنة لأنه يوجس من سفره خيفة، فأعلمه أنه تحقق من أن الرجل ليس له مقصد سوى التنزه والسياحة فقط. وأراد سعيد باشا مرة استخدامه فشكر ولم يقبل، ولما تولى إسماعيل باشا على مصر أنعم عليه برتبة ميرميران وأمر باستخدامه عضواً في مجلس الأحكام فاعتذر عن إلاستخدام وقال للرسول ان كنتم تجبروني على الخدمة لأجل رتبتكم فهاك (فرمانها) أرده لأفندينا فاقره إسماعيل باشا على الرتبة وأعفاه من الخدمة. وبقى بعد ذلك في داره وينتقل تارة إلى ضياعه يراقبها وينفق من غلتها حتى وافاه أجله فمات محمود السيرة عف السريرة قليل الشاكين كثير الشاكرين لا يقطع فرضاً ولا يقصر

стр. 4144

عن نافلة مع إحسان للفقراء وسعة في النفقة من غير تقتير ولا اسراف، وخلف ثروة واسعة وأموالاً طائلة من غير عقب لأنه لم يتزوج في عمره إلا بنت راغب آغا سلفه في الخزينة دارية، وكان إلهامي باشا أراد أن يزوجها لشكيب باشا مدير ديوان الأراضي الأميرية فلم تقبله واختارت المترجم فتزوجها وانتقل إلى دارها فأقام معها نحو ثلاثة أعوام ثم فارقها بكرا لم يبن بها رحمه الله تعالى.

стр. 4145

الشيخ محمد أكرم الأفغاني هو الشيخ الأجل، والعالم العامل، القدوة الورع، نزيل القاهرة أصله من القبيلة الأفريدية النازلة في مضيق جبل حيدر المشهور الآن بجبل خيبر الفاصل بين الهند وبلاد الأفغان، ولد ونشأ به، ثم رحل إلى الهند لطلب العلم وهو في الحادية والعشرين، فورد لكنهوه وهي حافلة بالعلماء، فقرأ العربية والمنطق والحكمة والعقائد والتصوف والفقه الحنفي والطب والرياضيات على الطريقة القديمة حتى صار من الفحول المشار إليهم مع العفة والتقوى والتشدد في الدين. ثم ساح في أغلب بلاد الهند وجعل اكثر إقامته في لكنهوه، ثم بدا له السفر إلى الحجاز لقضاء فريضة الحج فسافر إليه حوالي سنة ١٢٧٢ وقعد قضاء المناسك ورد على مصر ونزل بالأزهر برواق الأفغانية المشهور برواق السليمانية، فاجتمع به هناك جلة العلماء مثل الشيخ حسين المرصفي وغيره، وبلغ خبره محمداً أفندي الأفغاني المشهور بالكشميرجي تاجر المطارف الكشميرية بجوار خان الخليلي فاجتمع به وصوب له الانتقال إلى مكان فوق حانوته فاكترى به محلا وانتقل إليه وأقام به نحو تسعة أشهر، وتسامع به الأكابر مثل حسن باشا المنسترلي كتخدا مصر وإسماعيل باشا عاصم، فسعوا إليه وزاروه، وبلغ خبره الأمير احمد باشا رفعت ابن إبراهيم باشا والي مصر من محمد أفندي الأفغاني فاشتاق لرؤيته، إلا أنه كان على قدم السفر إلى ضيعة له فأرسل له خمسة وعشرين ديناراً حباه بها. ثم سافر المترجم إلى دار السلطنة واجتمع هناك بعارف حكمت بك الذي كان شيخاً للإسلام وبغيره من العلماء، فظن عارف بك أن مجيئه لطلب منصب علمي أو فتح (تكية) أو نوال صلة، وسأله عن ذلك ووعده بالمساعدة فعرفه المترجم حقيقة أمره، وانه ما ورد إلا للسياحة. وأقام بدار السلطنة نحو عشرة أشهر، ثم سافر منها إلى الشام، ومر بأزمير وتسامع به علماؤها فحضر له كبيرهم إلى السفينة، وسأله النزول وألح عليه فقبل، وأقام عندهم عشرة أشهر أخرى قرأ لهم فيها ديباجة الفتوحات المكية. ثم سافر على غير رغبتهم إلىالشام، فلقى من علمائها إكراماً زائداً واحتفالاً كبيراً لا سيما من كبيرهم الشيخ سليم العطار، وتلقوا عنه بعض رسائل منها تشريح الأفلاك في الهيئة، وفصوص الحكم لابن العربي، ثم أراد الشخوص إلى بغداد، ولكنه استصعب السفر إليها براً لكبر سنه وبدانة جسمه، فعول على السفر إليها بحراً، وأتى مصر بنية السفر منها في البحر الأحمر وخليج

стр. 4146

فارس إلى البصرة ومنه إلى بغداد، فلما وردها أنزله السيد احمد الحسيني شيخ طائفة النحاسين بداره وقام بشؤونه أتم قيام، وتراخت عزيمة المترجم عن السفر، وبدا له أن يتخذ القاهرة دار إقامة ما شاء الله تعالى فانتقل إلى ٠١٢ مكان اكتراه بخان الخليلي وأقام به بضع سنوات منكمشاً عن العالم مقبلا على شأنه، مواظباً على الإقراء والتدريس، ولم يكن معه غير أحد تلاميذه، وعلى هذا التلميذ قرأ شيخنا العلامة الشيخ حسن الطويل خلاصة الحساب لبهاء الدين العاملي. ثم لما كانت ولاية إسماعيل باشا على مصر أجرى على المترجم عشرة دنانير في الشهر تصرف له من الحكومة، واستصوب أبو بكر راتب باشا ناظر الأوقاف إذ ذاك انتقال الشيخ إلى مدرسة محمد بك أبي الذهب التي بجوار الأزهر فانتقل إليها وسكن بها في قاعة الشيخ الصبان الذي كان موقتاً لهذه المدرسة، وأقام المترجم بها نحو أربع سنوات، ثم وافاه أجله المحتوم في ربيع الثاني سنة ١٢٨٧، وقد جاوز التسعين ودفن ببستان العلماء في مقبرة المجاورين ومات من غير عقب لأنه لم يتزوج في حياته. وكان ربعة أبيض اللون واللحية كثهاً، كبير الهامة، بديناً مهيباً إذاسار في الطريق قام له الناس من يعرفه ومن لا يعرفه، حليماً متواضعاً عفيف النفس زاهداً، مع كمال عقل وحسن فراسة. وكانت له اليد الطولى في كافة العلوم، وكان الشيخ مصطفى العروسي شيخ الأزهر يعرف له قدره، ويزوره بمدرسة محمد بك. ولما مات الشيخ الباجوري وبقى الأزهر بلا شيخ اكتفاء بالوكلاء، ولهج الناس بضرورة إقامة الشيخ قال الشيخ الأشموني لو استشرت في ذلك ما رضيت بسوى الشيخ محمد أكرم، فانه رجل له جانب مع الله، وبلغ المترجم قوله فتبسم وقال مالي وأزهرهم، لو عرضوا عليّ ولاية مصر ما قبلتها، رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

стр. 4147

من طرائف الشعر طيور الأماني للشاعر الوجداني الرقيق احمد رامي الاهداء إلى محراب أفكاري … ومهبط وحي أشعاري إلى القلب الذي حرّ … ك بالأشجان أوتاري إلى جنة أحلامي … إلى نزهة أبصاري إلى الروح التي أحيت … مُنى نفسي وأوطاري إلى الفجر الذي رصع … بالأنداء نوّاري إلى الطير الذي آنس … بالتغريد أسحاري أقدم كأس أشعاري … وأهدي غضّ أزهاري احمد رامي

стр. 4148

طيور الأماني هتفت في الدجى طيور الأماني … باكيات على النعيم الفاني حائرات العيون رفّافة الأ … جنح مطرودة عن الأفنان كلما أوشكت تقارب غصناً … ذادها حاصب عن الأغصان أو أسفّت تريد نقع ظماها … حلأَتها الأيدي عن الغدران فهي الدهرّ حائمات ترى الأ … ثمار والماء نائيات دوان ولو ان الرياض خلو لعزّت … نفسها بالقنوط والسلوان غير أن الغصون ناضجة الأ … ثمار والنهر طافح الفيضان هكذا نحن في الحياة نريد ال … صفو فيها والصفو نائي المجاني ونريد النعيم فيها ومن دو … ن منانا سدّ من الحرمان ونشيد البنى من الأمل السا … مي وفأس الزمان في الجدران ونبثُّ البذور في الأرض وال … دهر ضنين بالعارض الهتان ومن الزرع باسق حفت الأ … ثمار فيه وماجنتها يدان ومن الماء دافق جف فوق ال … أرض ما مس قطره شفتان لهف نفسي على شباب ذوي قب … ل كمال واجتثّ قبل الأوان وضياء خبا ولم يك هدياً … للذي ضلَّ في سبيل الزمان لو نظرنا إلى الحياة بعين ال … حق راحت بالكره والشنآن غير أنَّا نعيش فيها بآما … ل تسرّى لواعج الأشجان وإذا أخطأت ظنون فيا رُ … بّ ظنون تريح قلب العاني فلنعش بالمنى فكم صدع ال … بدر حجاب السحابة المِدجان ولنعش بالمنى فكم سقت ال … أنواءُ ذاوي الثمار والأغصان ولنعش بالمنى فكم جرت ال … أقدار بالعزّ بعد طول الهوان فارفعي الصوت بالغناء قليلاً … بدل النوح يا طيور الأماني احمد رامي

стр. 4149

هند للأستاذ محمود خيرت ومخلْخَلاتٍ يستبِينَك كلما … يخطُرْنَ في روض الملاحة عِينا وقدُودُهنَّ من الرماح وإِن تكن … في مثل عود الخيزرانة لِينا كم خلّفت ألحاظُهنَّ نصبْنَها … شرك الهوى في الآمنين طعينا يَمَّمْنَ نحو النهر ذات عشِيّة … بجرارهنَّ ورُحن يستَسقينا والأرض ترقص تحتهن صبابةً … والنهر مرتقبٌ يحنُّ حنينا والبدر يُرسل من سماء جلاله … نوراً كذرَّات اللجين خَفِينا ويمُدُّ ظلاًّ خلفهنَّ كأنه … ذيلٌ فيمشي كلما يمشينا قد كُنَّ يقطعْنَ الطريق وقد نأى … بالسير حيناً والتوقُّفِ حينا والأُنس يكسو حسنهن بشاشةً … كان الشبابُ بها لهُنَّ مَدِينا حتى اقتربْنَ فعندما أبصَرْنني … أجفلْنَ حتى كِدْنَ يستلقينا وقد انتثرْن على الخميلة أنجماً … وشرَدْن مني يسرة ويمينا إِلا فتاةً كالنعيم نضارة … والظبى جيداً والصباح جبينا قالت عجيبٌ أن أراك على مَدى … ما بيننا وقد احتجبتَ سِنينا فأجبتُها يا هند بُعْدُكِ شفَّني … ولقد ظللْتُ على هواكِ أمينا أين الكناس نبثُّ في أركانه … وجداً بمشبُوبِ الضلوع دفينا ونُعيد سيرةَ ذلك العهد الذي … غرسَتْ لياليه الصَّبَابةَ فينا فتراجعَتْ جَزَاعاً تُكفكِفُ دمعَها … كالدرِّ فوق الوجنتين سخينا وقرأْتُ في إطراقها وخُفُوقها … أن الكناس غدا يضمُّ عرينا وكأنما خَشِيَتْ عليَّ فطوّقت … عُنُقي مُسارعةً تئنُّ أنينا وجرَتْ علَى شفتيَّ منها قُبلةٌ … حرّاء كان بها السُّعُود ضنينا إِنّي لأَذكرُها الزمانَ، فعندَها … نسِىَ الزمانُ وجوده، ونسينا محمود خيرت

стр. 4150

من الأدب الإنجليزي الشعر عند ماكولي للأستاذ محمود الخفيف للكاتب الإنجليزي العظيم اللورد ماكولي طريقة انفرد بها في عرض آرائه والدفاع عنها، فقد أوتى بسطة في العلم، وامتاز إلى جانب عبقريته بقريحة وقادة، وذاكرة عجيبة، هذا إلى روعة في الأسلوب، وسلامة في المنطق، ولباقة في سوق المقدمات وضرب الأمثلة واستخلاص النتائج. كتب رسالة عن الشاعر ملتن، وضح فيها آراءه في الشعر وتناول الموضوع من جميع نواحيه، ولقد أشار في رسالته إلى بعض المسائل التي يختلف فيها شعراؤنا وأدباؤنا اليوم. كان ماكولي شديد الإعجاب بالشاعر الكبير، ولذلك أحفظه ما كتبه النقاد عنه وانبرى للرد عليهم في ماسة استثارت عبقريته وأيقظت قريحته. رأى هؤلاء النقاد يسلكون السبل الملتوية للحط من قيمة الشاعر، فبينما هم يسلمون في غير تحفظ بأن آثاره جديرة بأن تأخذ مكانها بين أعظم الآثار التي أنتجتها العقول البشرية، إذابهم يأبون على الشاعر أن يتبوأ مكاناً بين فحول الشعراء كهومير ودانتي وفرجيل وإضرابهم، وحجتهم في ذلك أن هؤلاء نشاؤا في عهد طفولة المدنية، فلم يكن لهم من المعارف مثل ما كان لملتن الذي نشأ في عهد مستنير وتلقى علماً منظماً، واطلع على كثير من آثار المتقدمين، ولكنهم على الرغم من ذلك قد تركوا للعالم آثاراً تجل على المحاكاة، فكانت شاعريتهم طبيعية تتجلى فيها الأصالة، وتشع منها العبقرية، ولا يمكننا على ذلك أن نضع ملتن في صفهم، بل إنه لينبغي علينا إذاأردنا الأنصاف أن نحسب على ملتن، عند قياس شاعريته، كل ما أتيح له من ظروف طيبة. يسرد ماكولي آراء خصوم الشاعر ثم يعلن في حماس ويقين أنه على الرغم مما يقولون يقرر أنه ما من شاعر قد اضطر أن يغالب من الظروف أسوأ مما اضطر ملتن إلى مغالبته، حتى لقد كان يخيل إلى الشاعر أنه خلق متأخراً عما كان ينبغي له بأجيال، ذلك لأنه كان يحس أن شاعريته لم تستفد شيئاً من الثقافة التي تثقفها، بل إنه كان يتطلع بعين ملؤها الأسف إلى تلك العصور التي فاتته، عصور الكلمات البسيطة والتأثير العميق!

стр. 4151

يأخذ ماكولي في الدفاع عن رأيه هذا فيجره الدفاع أولا إلى العلاقة بين العلم والمدنية. ما حال الشعر في عصور التقدم؟ وكيف كان حاله في العصور السابقة؟ وهل لتقدم المدنية تأثير مطرد فيه؟ يقرر ماكولي أنه كلما تقدمت الحضارة، انحط الشعر تبعاً لذلك التقدم، ولهذا فانه إذا أعجب بتلك الآثار الشعرية التي جادت بها الأخيلة في العصور المظلمة، فليس إعجابه بها قائماً على أنها وليدة تلك العصور، كلا. فانه يعتقد أن البرهان القاطع على العبقرية إنما هو قصيدة عظيمة تظهر في عصر من عصور المدنية والتقدم، في عصر من عصور الفلسفة والتفكير. وان الذين ينكرون هذا المبدأ ليخدعون أنفهسم في رأيه، ذلك أنهم ينظرون إلى الفنون نظرتهم إلى العلوم التجريبية والعقلية، فيقيسون الجميع بمقياس واحد متخذين تقدم العلم والفلسفة دليلا على تقدم الشعر والتصوير مثلا، وفات هؤلاء أن الفرق شاسع بين الفن والعلم، بين الخيال والتفكير، بين الحلم والحقيقة، نسى هؤلاء أن العلوم تتقدم بتقدم العصور لأن أهل كل عصر يبتدئون دراستهم في النقطة التي وقف عندها أسلافهم، ومن ثم كان التقدم العلمي تدريجياً، وكلما تقدمت العصور، كان من أيسر الأمور على من رزق حظاً من الذكاء تحصيل العلم، فان أي شخص عادي الآن ليستطيع أن يحصل من قوانين الرياضة في بضع سنين أضعاف ما استطاع نيوتن العظيم تحصيله في نصف قرن قضاه في الكد والتأمل. ولكن الأمر على خلاف ذلك في الفنون كالموسيقى أو التصوير أو النحت، وعلى الأخص في الشعر، فان تقدم الإنسان في الاختراع، قد يساعد على تحسين الأدوات التي يستعملها كل من الموسيقار والنحات والمصور، ولكن اللغة وهي أداة الشاعر تكون أكثر ملاءمة لفنه وهي في حالتها الفطرية الساذجة. هذه الآراء التي يعرضها ماكولي في تحديه العلاقة بين الشعر والمدنية، تسوقه إلى نقطة أخرى قريبة من هذه، أعني بها العلاقة بين الشعر والفلسفة، فالفلسفة من عمل العقل والتحليل والتمحيص والموازنة والاستقراء والاستنباط، وتلك كلها أشياء تتقدم بتقدم العصور، إذافما موقف الشعر من الفلسفة؟ يتساءل ماكولي هل هما شيء واحد، وبعبارة

стр. 4152

أخرى هل يمكن أن يكون الشاعر فيلسوفاً والفيلسوف شاعراً؟ هي كما ترى نقطة ثار فيها الجدل بين كثير من الأدباء في الشرق والغرب، فبعضهم لا يجد غضاضة في الجمع بين الشعر والفلسفة في شخص واحد، بل وفي موضوع واحد تناوله النظم، ومن أجل ذلك تراهم يطلقون لقب الشاعر الفيلسوف على بعض الأشخاص. ولكن ماكولي يرى أن الشعر والفلسفة شيئان، بل نقيضان، والجهل بهذه الحقيقة في زعمه جهل بمعنى الشعر وجهل بأغراضه فهو لا يعني بالشعر كل كلام منظوم، لا ولا كل جيد من النظم، بل انه إذاأراد الشعر بمعناه الحقيقي، ليستبعد كثيراً من الكلام المنظوم، الذي ربما نال حظاً من الإعجاب في مجال آخر، وإنما يقصد ماكولي بالشعر، تلك القدرة على الوصول بواسطة الكلمات إلى ما يصل إليه المصور بواسطة الألوان، ثم ذلك الجو أو ذلك السحر الذي ينتزع الإنسان مما يحيط به ويطير به على أجنحة الخيال إلى وديان فسيحة مليئة بالرؤى والأطياف، ثم ذلك التأثير القوي، وتلك الحرارة أو ذلك الحماس المشبوب، الذي يجعل المرء طوع قلبه، وان هو خالف في ذلك منطقه وقواعد فكره. ذلك هو الشعر في جوهره وطبيعته، وعلى ذلك فان كثيراً من النثر الذي تتحقق فيه هذه الصفات ليعد من روائع الشعر، فإذا - ما أردنا الشعر في الاصطلاح التزمنا النظم، وبواسطة الوزن والقافية والمهارة في التوقيع، نستطيع أن نجمع بين الشاعر والموسيقار، كما جمعنا بين الشاعر والمصور. وشتان بين هذا وبين الفلسفة. نعم شتان بين عمل العقل في التفكير والتحليل، وبين اختلاج النفس بالأحاسيس وامتلاء المخيلة بالصور، وجيشان القلب بالعاطفة، وامتلاء المحاجر بالدموع، أو إشراق الوجوه بالفرح، واهتزاز الهيكل كله بالموسيقى. وإذا كان الأمر كذلك فما أعجب الخلط بين الشاعر والفيلسوف في موضوع لا يمكن إلا أن يكون واحداً من اثنين: فإما إلى العقل وإما إلى القلب!! يستخلص ماكولي من ذلك أن الرجل إذامال إلى التفكير والتحليل كان أقرب إلى الفلسفة منه إلى الشعر، وإذاأسلس العنان لخياله وأحلامه، كان إلى الشعر أقرب منه إلى الفلسفة، وقل في الأمم مثلما تقول في الإنفراد.

стр. 4153

فالأمم كالأفراد، تبدأ أولاً بالإدراك الحسي، ثم بعد ذلك ترقى إلى الإدراك العقلي أو المعنوي، وبعبارة أخرى، تبدأ أولاً بفهم الصور الجزئية، ثم تتدرج منها إلى الحدود أو النصوص العامة، وعلى ذلك كانت لغة المجتمع الراقي لغة فلسفية، ولغة المجتمع نصف المتمدين لغة شعرية، وان التطور الذي يطرأ على اللغة من تذليلها وتوسيعها وإعدادها لمقابلة التقدم الفكري ليعد شديد الخطر على الشعر عظيم الفائدة للفلسفة. وعلى ذلك فانه بقدر ما تتزايد معارف الناس وبقدر ما يتزايد تفكيرهم، بقدر ما ينصرفون عن الجزئيات ويقبلون على الأنواع، وحينئذ يصلون إلى نظريات راقية، بينما هم في الشعور لا ينتجون إلا آثاراً سقيمة قوامها العبارات الغامضة، بدل الصور الناطقة، والحجج الجافة بدل الأخلية الرائعة، أو بعبارة أخرى يكون قوام عملهم في الشعر الصفت المجردة بدل الأشخاص والأرواح الحية. نعم إن هؤلاء المفكرين قد يكونون أكثر ممن سبقوهم مقدرة على تحليل وفهم الطبيعة البشرية، ولكن التحليل ليس من عمل الشاعر، فعمل الشاعر أن يصور وليس من عمله أن يحلل أو يشرح، والتحليل في الفنون يذهب روعتها، ويبطل سحرها، وموقف الشاعر من الفيلسوف موقف المصور في صالته من الطبيب أمام مشرحته، كلاهما يعرف أجزاء الجسم ولكنهما لا يقصدان غرضاً واحداً، بل ولا يركبان في زورق واحد، ولقد يفهم الشاعر الفضائل العامة والطبيعة البشرية كما يفهمها الفيلسوف، ولكنه في تلك الحالة لا تؤثر عقيدته في شعره إلا كما يؤثر علم المصور بنظام الدورة الدموية في فنه إذاهو حاول أن يرسم تساقط دموع (نيوبا) أو توقد خد (أورورا) ولو أن شكسبير مثلا قد وضع كتاباً في الدوافع التي تسيطر على سلوك الإنسان لما كان من المحتمل بأي حال أن يجيء كتابه جيداً، ولما كان من المحتمل أن يحوي من التحليل ومتانة الحجج مثل ما يحويه كتاب يخرجه عالم من العلماء المعاصرين، ولكن أي عالم لعمري يستطيع أن يخلق (اياجو) نعم! أي عالم يستطيع مع قدرته على تحليل الشخصيات إلى عناصرها أن يضم من هذه العناصر ما يريد ليخرج لنا في النهاية رجلا مثل (اياجو) له خلق خاص وطبيعة خاصة وسلوك خاص؟ ولا يكتفي ماكولي بهذه البراهين التي ساقها للتفرقة بين الشعر والفلسفة، بل انه ليخطو إلى

стр. 4154

أبعد من ذلك فيقول انه ربما كان من المستحيل على أي امرئ أن يكون شاعراً لا ولا أن يفهم الشعر ما لم يتجرد بعض الشيء من حدة عقله، أو بعبارة أخرى ما لم يكن له نصيب من خمود الذهن، إذا صح هذا التعبير وجاز لنا أن نسمي تلك القوة العجيبة التي تملأ قلوبنا بهجة خموداً ذهنياً. نعم ان الصدق في الشعر أمر جوهري ولكنه (صدق الجنون) ذلك لأننا في الشعر نقيم الجدل الصحيح على المقدمات الزائفة، فبعد أن نضع الفروض الأولى، يسير كل ما بعده في توافق واتزان، ولكن قبول تلك الفروض يحتاج إلى نوع من التصديق قد لا يتسنى لنا إلا إذا ألغينا عقولنا مؤقتاً، ومن ثم كان الأطفال أكثر الناس خيالاً، فانهم يستسلمون إلى الوهم، فإذا ما عرضت أية صورة خيالية أمام أذهانهم عرضاً قوياً فأنها تفعل بنفوسهم ما تفعله الحقيقة. وليس ثمة من رجل مهما بلغت قوة إحساسه يتأثر بقراءة (هملت) أو (لير) كما تتأثر فتاة صغيرة بقصة الذئب والجدة العجوز، إن تلك الفتاة تعلم حق العلم أنه ما من ذئب في إنجلترا، وأن الذئاب لا تتكلم، ولكنها على الرغم من يقينها هذا تصدق فتبكي فترتعد، وذلك هو سلطان الخيال على العقول التي لم يصقلها العلم أو على الأمم في عهد طفولتها. ولن يترك ماكولي أدلته دون أن يتوجها بتشبيه بديع، فهو يشبه الشعر بالفانوس السحري؛ فالشعر يرسم أطيافه في مخيلة المرء، أو كما يسميها ماكولي (عين العقل) كما يرسم الفانوس السحري لا يؤدي عمله إلى الوجه الأكمل إلا في الحجرات المظلمة، فكذلك الشعر لا يؤثر تأثيره القوي إلا في العصور المظلمة، عصور العقول الساذجة الفطرية التي لم تغيرها الفلسفة والعلوم. وكلما انتشر نور العلم وتمكنت العقول من استنباط الأصول وتقرير القواعد وكشف النقاب عن حقائق الحياة، تضاءل تبعاً لذلك عمل الخيال وتزايل تأثير الشعر، وحالت ألوانه، وتلاشت أطيافه، وهكذا نرى الفلسفة والشعر على طرفي نقيض. تلك هي خلاصة آراء ماكولي في العلاقة بين الشعر والمدنية وبين الشعر والفلسفة. ولعلي أعرض على القارئ في القريب رأيه في شاعرية ملتن، فقد تعرض في ذلك إلى كثير من الأفكار التي تدور حول الشعر ولغته ومحسناته ومراميه.

стр. 4155

محمود الخفيف

стр. 4156

في الأدب الفرنسي ٦ - الدوق دي لاروشفوكو للدكتور حسن صادق فلسفته: لما عجز لاروشفوكو عن تحقيق آماله ويئس من إرضاء طموحه، صدف عن حياة الاجتماع الصاخبة، وانطوى على نفسه وحللها، واستعرض في ذهنه حوادث الماضي وأخلاق الناس الذين عاشروهم ولاحظهم، ثم طلع عليهم بمواعظه القاسية الأليمة التي تظهر عواطفهم في صورة دميمة، وتجعل لجميع أعمالهم مصدراً واحداً هو الأثرة. وليس عجيباً أن يقسو هذا الرجل في الحكم على نفسه وعلى الناس، وأن يقوده التفكير إلى فلسفته اللاذعة، لأن التحليل لا ينتج التسامح، والغلو في الشك يؤدي إلى حب النفس. وأعتقد أن آراءه في معاصريه وبيئته، تنطبق على الإنسان في كل زمان، مع أن المصور الذي يرسم البحر أثناء العاصفة فقط، لا يعطينا عنه إلا فكرة ناقصة إلى حد بعيد. ولكي يكون الحكم على الجماعة صحيحاً، يجب ملاحظتها ودرسها في حالتي الهدوء والشغب، ولكن لاروشفوكو رأى الناس في عصره يعملون مدفوعين بمصلحتهم الذاتية، كما هو الحال دائماً أثناء الاضطراب الداخلي والحروب الأهلية، فاستخلص من ذلك أن المصلحة الذاتية التي يسميها عزة النفس أو الأثرة هي الباعث على جميع الأعمال الإنسانية، وينبوع العواطف البشرية. ولا شك في أن الإنسان يعمل دائماً طوعاً لمبدأ في دخليته يدفعه إلى البحث عن مصلحته الذاتية وسعادته. ولكن يعاب على هذا الفيلسوف أنه يضع لجميع الأعمال والعواطف على اختلاف أنواعها تفسيراً واحداً، على حين أن الطبيعة قد منحت الناس مواهب خاصة وغرائز متعددة وأذواقاً متباينة وملكات مختلفة تسبق الفكر في كثير من الأوقات والحالات الى الحركة والعمل، وجعلت لكل فرد طريقة يتبعها في الوصول إلى هدفه من الدنيا. وفي الحياة كثير من الناس يرثون عن أصولهم السذاجة الكريمة وصفاء القلب الجميل، فليس لهم مبتغى ولا متمني غير إسداء المعروف إلى إخوانهم في العاجلة مخلصين. وهم يلاقون في سبيل ذلك عناء كبيراً ويصادفون أخطارا جمة ويقدمون على

стр. 4157

تضحية كثيرة يستعذبونها. وطريقتهم في الحياة هذه عزيزة عليهم، يجدون فيها مثلهم الأعلى في الشرف والسعادة. وليس من الحق والإنصاف أن يسمى الباعث إلى أعمالهم أثرة بالمعنى الذي يقصد إليه لاروشفوكو ويفهم عادة من هذه الكلمة وهذا الفيلسوف أبيقوري كمعاصره (هوبز) الإنجليزي الذي يرد بعض العواطف الهامة مثل الشفقة وحب البر والإحسان إلى مصدر واحد هو المصلحة الذاتية. ولكن الحكيم الفرنسي توغل أكثر منه في النفس الإنسانية. وقليل من علماء النفس ماثلوه في دقة التحليل، ولم يصل أحد منهم بمثل مهارته إلى هذا الجزء الخفي من النفس الذي تكمن فيه بعض الأفكار الأنانية العميقة. هذه الأفكار المبهمة ينفذ إليها لاروشفوكو بعقله ويخرجها إلى النور دون أن تستطيع الإفلات منه ويرى هوبز أن في الحياة لذتين رئيستين: لذة البدن وهي الاستمتاع، ولذة النفس وهي الغرور، ويفضل الأولى على الثانية. أما لاروشفوكو فيعتقد أن اللذة النفسية هي الجديرة بالتفضيل على غيرها. ويقول، (اكبر مسرات النفس في اعتقادي هي المجد الصحيح والمعارف الجميلة. وأومن بأن الذين يجعلون للذة الجسدية قيمة كبرى لا يملكون من هذه المعارف إلا قليلا. وأرى أن اللذة الحسية خشنة مبتذلة تلهم الاشمئزاز، ولا تستحق البحث عنها والسعي وراءها إلا إذاكان للذة النفسية نصيب كبير فيها ولم يقل ذلك إلا بعد أن مل العبث وكلف بالقراءة والتفكير العميق. وهو وهوبز يتفقان على أبيقور على أن الأعمال الإنسانية ليست نقية من الغرض. وقد اتبعا طريقتين مختلفتين في الوصول إلى آرائهما، ولكنهما التقيا في نقطة واحدة. أما هوبز فقد استعمل طريقة الاستنباط (أي استخراج قضية من قضية أعم منها) والتعقل. وأما لاروشفوكو فقد اتبع طريقة الاستقراء (أي الانتقال من الخاص إلى العام) والملاحظة. وكلاهما اتبع سبيلا واحدة في اتجاهين متضادين، ونجحا في قطعها إلى آخرها كل في اتجاهه لما كف لاروشفكو عن حياة الخيال والدسيسة والشغب، بدأ حياة الفكر وتسلل بعقله إلى أبعد أغوار نفسه، ولاحظ في دقة ناردة نفوس أهل عصره. ثم وجد بأنه أينما ولى بصره لا يرى غير النفاق، يطل عليه الغرور، ويمكن خلفهما الأثرة. ودلته التجربة على أن هذه الأثرة كلما دقت واستخفت على الملاحظة، كانت قوية حادة، لأنه يجعل مقياسها مبلغ

стр. 4158

المشقة التي يعانيها الإنسان في استكشافها. ومن ملاحظاته التفصيلية الخاصة، استخلص فكرته العامة عن الإنسان، وهي تتلخص في أن المصلحة الذاتية تقوده في كل موطن، وحب النفس يدفعه إلى كل عمل. وصاغ هذه الفكرة العامة في تعبير دقيق: (تتلاشى الفضائل في المصلحة الذاتية كما تتلاشى الأنهار في البحر) (موعظة رقم ١٧١). ولكي يكسبها الوضوح والجلاء رجع إلى ملاحظاته التفصيلية واختبرها ليثبت أن كل واحدة منها تدخل في حكمه العام. وهذا يدل على أن لاروشفوكو له أسلوب (مجموع المقدمات الصحيحة الموجزة الموصلة للحقائق) أو طريقة منظمة متناسقة متصلة الحلقات، ومن يلق على مواعظه نظرة سطحية يرها مفككة الأجزاء مبعثرة، ويعتقد أنها ملاحظات بسيطة دونها صاحبها مصادفة تبعاً للظروف دون أن يكترث لما سيكون لها من القيمة أو لما ستنتجه من الأثر ولكن القارئ الذي يمعن في التفكير يجدها متصلة بأقوى إيمان بالأثرة العامة الشاملة، وأشده ثباتاً وعنادا. وهذه الطريقة تتلخص فيما يلي: الأهواء مصدر أعمالنا وأحكامنا وعواطفنا، وكل فضيلة تفنى في الأهواء التي تجاورها، كل فضيلة تقترب غاية القرب من رذيلة وتمتزج بها في ميدان العمل، وإننا نطلق عليها اسم فضيلة بدلاً من الرذيلة المجاورة خطأ أو إرضاء لكرامة غرورنا أو كبريائنا: (إن ما نعده فضائل، ليس في أغلب الأحيان إلا مجموعة من أعمال متعددة، ومصالح متنوعة يرتبها الحظ أو صناعتنا) (موعظة رقم ١). فالرحمة - مثلاً - التي نؤمن بوجودها يقول عنها: (الرحمة التي يحسبها الإنسان فضيلة، تستعمل أحياناً بدافع الغرور وأحياناً بدافع الكسل، وفي أغلب الأحيان بدافع الخوف، ودائماً بدافع هذه الصفات الثلاث مجتمعة) (موعظة رقم ١٦). ونرى من قوله أن كل عمل من أعمال الرحمة يتلاشى في إحدى الرذائل المجاورة أو يتلاشى فيها مجتمعة، كما يتلاشى النهر في البحر. وهذه الجملة (التي يحسبها الإنسان فضيلة) تدل على أن الرحمة ليست في ذاتها فضيلة، أو على الأقل على أن مصدرها الغرور والكسل والخوف وليس غير، مع أنها قد تصدر عن الشفقة وهي عاطفة عامة، أو عن الطيبة الكريمة التي تشعر بها النفوس العالية الكبيرة. ولنضرب مثلا: يوليوس قيصر الذي انتصر على بومبيوس في موقعة فإرسال (من أعمال اليونان الآن) في عام ٤٨ قبل الميلاد، وأسر كثيراً من عظماء عدوه، فانه عفا

стр. 4159

عنهم وكان في استطاعته قتلهم جميعاً. فهل يقول العقل إن هذا العفو مصدره الغرور، والغرور هو الكبرياء الذي تنشئه في النفس الأعمال التافهة الهزيلة، وانتصار قيصر على عدوه ليس من الأعمال التافهة، أو يقول إنه صدر عن كسل وهو في مقدوره أن يأمر بالقتل فيطاع، أو يقول إنه صدر عن خوف وهو منتصر قوي؟ ولكن لاروشفوكو لا يجد في الإنسان طيبة نقية، ويحرم علينا أن نؤمن بوجودها، وهو يبهر النظر بالضوء الذي يلقيه على رذائل الإنسانية، ويلقي بالفضيلة في ظلمة تحجبها عن الأبصار. ولا شك في أن الرذيلة هي التي تسب شقاء الناس، وأن الفضيلة تهيئ لهم أسباب السعادة. فكل فكرة ترمي إلى هدم الفضيلة لتقيم على أنقاضها رذيلة، هي فكرة قاضية على سعادة البشر. والفكرة التي تقضي على سعادة البشر لا يمكن أن تشتمل على حقيقة، لأن صفة الحقيقة وعملها أن تسمو بالنفس لا أن تفسدها، وأن تشع الحياة في الجماعات الإنسانية لا أن تدمرها، وأن ترهب الطغاة لا أن تشجعهم. وقد سبق القول إن هذا الفيلسوف صور نفسه وعصره ومواعظه. ورأيه في الرحمة يدلنا على ذلك أفصح دلالة، لأنه ينطبق على سياسة الملكة آن دوتريش. فان هذه الملكة بعد أن ضحى لاروشفوكو في سبيلها كثيراً وشاكس ريشليو ورفض ما عرضه عليه من الرتب إرضاء لها، لم تحسن إليه بعد أن أقيمت وصية على العرش، بل أحسنت إلى الذين كانت تحقد عليهم. وهؤلاء كانوا أتباع ريشليو، فلما مات هذا الوزير وخلفه في الحكم صنيعته مازاران، بسط عليهم جناح حمايته كسلفه، فلم تجد الملكة بداً من مداراتهم بالرحمة التي ألهمت لاروشفوكو موعظته. يتبع حسن صادق

стр. 4160

العُلوم الفكرة الذاتية والفكرة الموحاة للدكتور عبد الفتاح سلامه قد يلعب الإنسان النرد مع صديقه للتسلية ولتمضية الوقت، ولكنه قد يغافل صديقه هذا فيغالطه في أثناء اللعب لأجل أن يكسبه. وقد يجلس الإنسان في المقهى فيرى غادة حسناء فيوسوس له الشيطان أن يتبعها، فيحول الضمير دون ذلك وينسى كل شيء عنها، ولكنه بعد قليل قد يجد نفسه سائراً في نفس الطريق وقد يلحق بها. وقد يدخل الإنسان في بيت ما فيجد سلعة جميلة صغيرة فيود لو تكون له ثم ينسى أيضاً كل شيء عنها. ولكنه بعد خروجه من البيت يضع يده في جيبه ولدهشته ودهشة العالم معه قد يجد هذه السلعة فيه. فالفكرة الذاتية اللاشعورية عن وجوب الكسب هي التي جعلته يغافل صديقه برغم وجود فكرة شعورية عنده عن وجوب اللعب لمجرد التسلية وبدون اهتمام للنتيجة. والفكرة اللاشعورية الخاصة باتبعاع الفتاة هي التي قادته للسير في هذا الطريق رغم احتجاج الضمير واستنكاره. والفكرة اللاشعورية الخاصة بامتلاك تلك السلعة هي التي دفعته إلى أخذها. وهكذا يبدوا أنه إذاكان اللاشعور ليس عليه إلا أن يرغب فان الشعور عليه أن ينفذ هذه الرغبة. وهذه هي القاعدة في الإنسان. ولكن كيف يتسنى لهذا الشيطان أن يملي رغبته على الشعور وكيف يتسنى للشعور أن ينفذ هذه الرغبة مع وجود الضمير القوي والعقل المميز الموزون؟ انه يلجأ في هذا السبيل إلى الحزن والتنغيص على الشعور فيضطره إلى تنفيذ ما يريد. والحزن سببه عدم التمكن من تنفيذ الرغبة أو تخيل عدم إمكان تنفيذها، والحزن يختلف من مجرد شعور بعدم السرور إلى انقباض مستمر، وفي نهايته العظمى يكون الحزن المرضي المسمى بالسوداء ففي مثلنا الأول يجلس الإنسان للعب وعنده رغبتان كما قدمنا ويبتدئ في تنفيذ الرغبة الشعورية أي اللعب لمجرد التسلية وعدم الاهتمام للنتيجة حتى إذا ما خانه الحظ وعرف أنه سيخسر الدور فان الرغبة اللاشعورية - حب الكسب - تجد نفسها على وشك عدم التنفيذ فيبتدئ مرح اللاعب يقل شيئاً فشيئاً، ثم يبتدئ أن يكون لعبه آليا أي

стр. 4161

بدون تفكير منتظم فيشعر الإنسان بالضيق فيضطر بعد ذلك أن يجد له مخرجاً يقضي به الرغبة اللاشعورية التي سببت له هذا الضيق. وقد يكون هذا المخرج عن طريق النكتة والفكاهة وهذا من شأنه أن يقلب وضع الأمور فيخيل للمغلوب أنه غالب، وقد لا يكتفي المغلوب بهذا التخيل فيغالط إذن في اللعب عن قصد وغير قصد. هو إذ يغالط قد يعمل ذلك أيضاً على سبيل النكتة والفكاهة. والشعور في عمله لإزالة ما قعد يشعر به الإنسان من ضيق يرضي الرغبة اللاشعورية فيشعر الإنسان بالسرور والفرح. ويرضى كذلك الضمير لأنه إنما يغالط لأجل الضحك والسرور ولا حرج عليه في ذلك. فبالحزن إذن يسيطر اللاشعور على الشعور ويضطره إلى تنفيذ ما يريد. وهذه هي طريقة اللاشعور السحرية في إملائه لرغباته. أو هذا هو عمل الشيطان في وسوسته لما يبديه. ولعمري لو كان الشيطان جسماً مستقلاً عن جسم الإنسان ولم يكن ممثلاً في العقل الباطن فان هذا العقل هو صلة الاتصال بينه وبين الإنسان. وفي مثلنا الثاني نجد أن صاحبه بعد أن أمره ضميره بالجلوس عاقلاً مؤدباً ما لبث أن شعر بالقلق في جلسته وسرعان ما فكر في مغادرة المكان، ولكنه لا يعلم سبب قلقه هذا، لأن الضمير قد طرد الفكرة اللاشعورية من الشعور، أو بمعنى آخر فان الضمير كان سبباً لنسيانه كل شيء عن هذه الفتاة. ولا يكون هناك بعد هذا النسيان ما يبرر منع المسير في هذا الطريق لو تذكر الإنسان لزوم قضاء حاجة معينة فيه. وهكذا تلجأ النفس إلى فكرة شراء شيء معين أو مقابلة شخص معين في هذا الطريق بالذات. فيقوم الإنسان من مكانه سائراً في الطريق الذي أراده اللاشعور ويزول القلق الذي سببه إذن هذا الأخير عندما منع عن تحقيق رغبته التي أبداها. ومع أن اللاشعور يسبب للنفس المتاعب من جراء عدم تلبيتها لطلباتها فيضطرها إلى إجابتها. فانه كالطفل الذي قد يقنع من تحقيق رغبته بالأوهام دون الحقيقة الواقعة. وهكذا نرى في مثلنا الأول أن اللاشعور قد اكتفى بالنكتة والفكاهة دون تحقيق الكسب نفسه. وفي مثلنا الثاني ولو ان صاحبه سار في نفس الطريق الذي أراده اللاشعور إلا أن الغرض من السير قد التوى عليه. ذلك هو اللاشعور، وقد رأيت أنه الطفل الذي يعيش في الأوهام أو هو الشيطان الذي

стр. 4162

يحاول أن يخرج الإنسان من الحقائق إلى عالم الخيال. وقد نجح فعلاً في هذا الأمر أي نجاح سواء مع المرضى أو مع الأصحاء. وهل نرى في العالم شيئاً غير أخيال في كل مكان؟ فالمريض العصبي مريض لأنه تخيل المرض. ويقوم الإنسان من نومه معللاً الآمال على ما وجد في رؤياه من تحقيق أمل يرقبه أو النجاة من مكروه يرهبه. ويستمد الشعراء منه الخيال فتكون الاستعارة والتشبيه والتورية. ويستمد الروائيون منه والفنانون كل دقائق الفن ومعجزاته، فالمثال لم يعمل إلا أنه رغب فتخيل فجسم خياله. وحقق رغبته تحقيقاً رمزياً. وهذا مما يدل في ذاته على أن ذلك الطفل الذي يتذرع بالحزن للحصول على تنفيذ رغباته مع انه قد يقنع بالتحقق الجزئي أو الرمزي لهذه الرغبات، قادر كل القدرة على السيطرة على النفس لأنه تريد أن تتحاشى غضبهفتنفذ له ما يشاء. فهل يمكن بعد ما تقدم أن نستخدم هذه القوة لعلاج بعض الأمراض؟ في الإمكان الإجابة على هذا السؤال بالايجاب، وذلك بواسطة طريق الإيحاء المختلفة، وسنرى فيما يلي كيف يمكن التغلب على هذا الشيطان واستخدامه في أغراض علاجية كثيرة. وإننا نود أن نشير أولاً إلى إن قوة الإيحاء تتوقف على عوامل شتى. وأهم هذه العوامل ما كان بفعل المودة والمحبة والتقدير لأنه بسببها يعتقد اللاشعور بما يوحي إليه تمام الاعتقاد. ويرسله إلى الشعور ليتولى تنفيذه. ولما كان الإيحاء لا يمكن أن يثمر إلا في وجود الاعتقاد، وكان الاعتقاد أيضاً متوقفاً على العوامل المختلفة السالفة الذكر فانه من الواجب أن تكون شخصية الموحى بعيدة كل البعد عما يسبب الريبة أو الشك، وأن يكون هو نزيهاً يزن كل كلمة يقولها، وأن يكون صالح المريض أول ما يرمي اليه، ونحن إذاأردنا سهولة التعبير وتوخينا إظهار ما نقصده على وجه عام فانه يمكن القول بأن الإيحاء هو وضع أفكار أمام العقل على أمل قبولها والاعتقاد في صحتها. وهي لذلك تأخذ مجرى عكسياً لمجرى الأفكار الذاتية لأنها تبدأ في الشعور أو التمييز ثم تذهب بعد ذلك إلى اللاشعور إذا لم تجد ما يمنع دون الوصول إليه. وقد يكون الإيحاء من أشق الأمور إذا وجدت أفكار ذاتية تخالفه أو تشك فيه، ويكون من أسهل الأمور إذا وجد من الأفكار الذاتية ما يعززه أو ما لا ينقضه. والإيحاء موجود في الحياة العملية، وقد يكون الموحى أي إنسان مهما يكن مركزه أو عمره. فقد يجتمع اثنان

стр. 4163

ويبدي أحدهما إعجابه بشيء معين وقد يكون على حق، ولكن سرعان ما يغير وجهة نظره بعد ملاحظة صغيرة من رفيقه فيبدو له قبح ما كان يعجب به، وقد ينقم إنسان على نفسه لتصرف يعتبره خاطئاً، ولكن سرعان ما يعد ذلك النوع من الإيحاء إيهاماً، لأن الأفكار الموحى بها كثيراً ما تكون مخطئة. وترك كلمة إيحاء للأفكار الصحيحة التي لا تحتمل الشك. وعلى كل حال فان الأفكار الموحى بها سواء أكانت صحيحة أم خاطئة فأنها تتبع نفس الطريق. أي إنها تسير من الشعور إلى اللاشعور حيث يحتويها ذلك الأخير فتصبح كالأفكار الذاتية ويعتقد بها الإنسان تمام الاعتقاد والفكرة سواء أكانت ذاتية أم موحاة، تتحول في اللاشعور من مجرد تخيل إلى حقيقة متخيلة، وترسل على هذا الاعتبار الى الشعور فيتولى تحويلها من حقيقة متخيلة إلى حقيقة فعلية، أو بمعنى آخر من فكرة إلى فعل (من إلى وهكذا يكون التخيل من عمل اللاشعور، وتنفيذ التخيل من عمل الشعور. والشعور مع هذا ليس آلة ميكانيكية لتنفيذ تخيلات ورغبات اللاشعور، بل أنه قد يرد بعض هذه التخيلات إلى اللاشعور لعدم ملاءمة تنفيذها وهنا تحدث المشادة بينهما. فإذا أمكن إقناع مريض عصبي بأن يده المشلولة قد شفيت تماماً فان فكرة الشفاء هذه تتحول في اللاشعور إلى حقيقة متخيلة أو بتعبير أدق إلى حقيقة نفسية. وترسل على هذا الاعتبار إلى الشعور حيث يتولى إثبات هذه الحقيقة بإخراجها من حيز التخيل إلى حيز الفعل فيأمر العضات أن تنقبض، وهكذا تتحرك اليد ويتحقق الشفاء الموحى به. والمريض العصبي لا يمرض إلا إذا تخيل المرض ولا يشفى إلا إذا تخيل الشفاء وهناك قانون آخر كشف عنه كوويه وهو أنه إذا حدثت مشادة بين الإرادة والتخيل أو بين التمييز من جهة واللاشعور والشعور من جهة أخرى، فان الغلبة تكون دائماً للتخيل على الإرادة. فشارب الخمر أو الدخان عنده إرادة قوية تحاول منعه من تعاطيهما، ولكن تخيله احتياجه إلى الشرب أو التدخين يقهر الإرادة عنده ويستمر في التعاطي. وهكذا نرى كوويه يتحدث عن المشادة وهي تقرب من المشادة التي يتكلم عنها فرويد بين اللاشعور والشعور، ولو أن مشادة كوويه شعورية ومشادة فرويد لا شعورية أو تكاد. ولهذا أشار هذا الأخير بتحليلها ومعرفة أسبابها وعرض نتيجة ذلك على التمييز ليبت فيها بصورة معقولة، أما

стр. 4164

كوويه فانه لما كانت المشادة التي يتحدث عنها شعورية فهو لا يحتاج إلى تحليل، بل يقول انه ما دامت الإرادة ضعيفة بالنسبة إلى التخيل فيجب وضع تخيل جديد أمام العقل يكون من شأنه أن يقلل من قيمة التخيل الأول الذي يتعارض مع الإرادة. وهكذا تبطل المشادة ويشفى المريض، وهو يضع التخيل الثاني بواسطة إيحاء لا يكون فيه ذكر للإرادة، فيطلب إلى مريضه أن يقول (لقد تحسنت صحتي وأنا في طريق الشفاء) لا أن يقول (أريد أن تتحسن صحتي وأريد أن أشفى) وإذا قال أتباع نظرية فرويد بأن المرض يختفي بالإيحاء ليحل محله مرض أخف أو أشد منه. أجاب أتباع كوويه بأن من الممكن عمل إيحاء تام يشمل جميع الأمراض، والواقع أن هذا إذا نجح في كثير من الأمراض فانه يعجز عن شفاء الكثير منها أيضاً، لأن المشادة الشعورية ليست إلا أثراً أو دليلاً على وجود مشادة لا شعورية. والإيحاء إذا عمل قبل الكشف عن هذه المشادة الأخيرة قد يخفف من وطأة المرض العصبي مؤقتاً ولكنه يزيد من فعل الضمير في كبح الرغبات والأفكار الذاتية وضغطها، وذلك يؤدي إلى نتائج غير مرغوب فيها. فمعرفة المشادة اللاشعورية في هذه الأحوال وتحليلها هو من أهم الأمور أولاً، ثم يأتي الإيحاء بعد ذلك بأفكار جديدة سامية وتخيلات ممكنة معقولة. ولهذا نرى فرويد في كتبه يقول إنه لا يميل إلى إيحاء أي فكرة إلى المريض بل يجب تركه ليكون لنفسه من الأفكار والتقدير ما يراه مناسباً لها، فهو بعد الكشف عن المشادة يكون قد شفى من مرضه. وإذاكان المريض لا يزال في حاجة إلى الإرشاد فقد يوحي إليه في بعض الأفكار والمثل العليا. ولما كان كوويه يعتقد أن وجود الإرادة من شأنه أن يزيد في عناد التخيل وتشبثه بتنفيذ رغباته فإننا نجده يعمل لإزالة التمييز وهو محل الإرادة من مريضه قبل إيحاء أي فكرة إليه، وذلك بواسطة أربع تجارب تثبت للمريض مقدار تأثير التخيل على الإنسان في غياب التمييز. وهو بعد أن يقتنع بقوة التخيل هذه يطلب إليه أن يستخدمها في شفاء نفسه، وذلك بأن يتخيل الشفاء، ولكنه بالطبع لأي طلب إليه أن يقول إنه يتخيل الشفاء، بل انه شفى من مرضه وأن مرضه لن يعود. وهناك طريقة أخرى للإيحاء وهي أن يكرر المريض جملة معينة في أوقات مختلفة من

стр. 4165

النهار ولمدة طويلة، وهذه هي الطريقة التي يتبعها في أمريكا وهي كثيرا ما تفيد في بعض الأحوال، لأن التمييز إذا عارض الفكرة الموحى بها في أول الأمر لا يلبث أن يتعرض لها بنقض أو شك فيما بعد فتصل في النهاية إلى اللاشعور وهو مركز التخيل كما قدمنا حيث تخرج منه حقيقة واجبة التنفيذ. أما الإيحاء بالتنويم فلا شك أن الفكرة الموحى بها تصل إلى اللاشعور دون أن يقف في طريقها أي حائل. ذلك لأن النائم يعتقد في المنّوِم القدرة الفائقة والإرادة القوية، وهو لذلك يأخذ منه الأفكار دون أي مناقشة أو شك فينفذها الشعور بعد قيامه من النوم في الوقت المناسب. وهذه الطريقة ينطبق عليها ما سبق أن تكلمنا عنه بصدد الإيحاء بطريقة كوويه. أي أن الأعراض تختفي لأجل أن يظهر غيرها، وأن الضمير يشتد في الضغط على رغبات الإنسان اللاشعورية بدل أن يسمح لها بالمثول أمام الشعور والتمييز لمناقشتها. هذا إلى أن شخصية النائم تصبح ضعيفة تتأثر بأي فكرة يوحيها أي إنسان، لأن اللاشعور عنده قد كبر على حساب عقله المميز. أما قيمة الإيحاء العلاجية فإنها تظهر من استعراض بعض حالات تمكن كوويه من شفائها شفاء تاماً. ومن الغريب أن بعض هذه الأمراض لا يمت إلى الأمراض العصبية بصلة ما. مثال ذلك أنه تمكن من شفاء صبي عنده التهاب في عضلات القلب وهبوط قلبي يئس أطباء مشهورون من شفائه. وقد تمكن أيضاً من شفاء النزلة الرحمية والنزيف بالإيحاء، ولنذكر القصة الآتية التي تكلم عنها البروفسور بودوان. فقد حدث أن مريضاً يشكو من نوبات ضيق التنفس بات ليلة في فندق وانتابته النوبة ليلا فقام فزعاً يريد فتح النافذة يلتمس منها هواء نقياً ولكنه بسب الظلام وللحالة النفسية التي كان بها إذ ذاك لم يتمكن من العثور إلا على لوح زجاجي تخيله جزءاً من النافذة فضربه بيده وكسره، وعند ذلك ذهبت عنه النوبة ونام مستريحاً. وعندما تيقظ في الصباح وجد أن خادم الفندق كتب له ورقة بأن عليه أن يدفع ثمن زجاجة ساعة الحائط التي كسرها. إذن فالذي أنقذه من نوبته ليس دخول الهواء النقي بل هو مجرد تخيل دخول هذا الهواء، لأنه كسر زجاج الساعة بدلا من أن يكسر زجاج النافذة. وقد ذكر الأستاذ بودوان أيضاً أن زوجة رأت وهي حام إصبعاً قبيحة الشكل فاستاءت منها وأصبحت صورتها لا تفارق مخيلتها فوضعت هذه الزوجة طفلا

стр. 4166

بإصبع مماثلة لتلك الإصبع القبيحة تماماً، وفوق ذلك فإننا نرى كوويه يقول إن المرأة يمكنها أن تلد ما تشاء من ذكر أو أنثى وما تشاء من محاسن وصفات إذا تخيلت رغبتها طول مدة الحمل وليس هذا الأمر بغريب علينا نحن الشرقيين فإننا كثيراً ما نسمع عما يسمونه (الوحم) هذا فيما يتعلق بتأثير الإيحاء على الجنين، أما تأثيره على الشفاء من المرض فليس هذا بغريب علينا أيضاً لأننا كثيراً ما نقرأ في الكتب القديمة عن شفاء بعض الأمراض بالطلاسم والرقي والبخور، وهذه هي الأشياء التي نسميها الآن شعوذة وتدجيلا، مع أنها مدرسة قائمة بذاتها بتعاليمها وتلامذتها وأساتذتها الخ. . والواقع أنها كانت في العصر القديم لها من الأهمية بالنسبة إليه ما للإيحاء في العصر الحاضر من أهمية بالنسبة إلينا. والفرق بين طريقة اليوم وطريقة الأمس هو أن الشخص الذي يقوم بالإيحاء الآن رجل متعلم يعمل بوازع من ضميره الإنساني النبيل ويوحي إلى مرضى مثقفين أيضاً يعرفون قيمة ذلك الإيحاء ويعرفون أن قوة الشفاء موجودة في أنفسهم إذا أمكنهم أن يتخيلوا الشفاء أو إذا أمكنهم أن يتحكموا في مخيلتهم. وهكذا نرى أننا بعد أن وصلنا إلى هذه الدرجة من المدنية والعلم قد رجعنا إلى الطرق التي كان يعالج بها في الأزمنة القديمة والتي لا نزال نرى بقاياها. والتاريخ يعيد نفسه، فالمريض يشفى في العصر الحاضر إذا أوحى إليه بالشفاء بأذن الله على شرط أن يحمل حجاباً أو يحرق بخوراً. وهو بعد أن ينفذ هذه الشروط يتخيل الشفاء فيتم له. وقد تكون هذه الطريقة القديمة أجدى وأنفع للإنسان لأنها تجعله يضع ثقته في خالقه تعالى فيستمد من هذه الثقة كل معاني القوة والاطمئنان والراحة والمواساة. بدل أن يضعها في نفسه وهو كثيرا ما يشعر بضعفها. وقد يساعد الإيحاء أو الإيهام على استفحال الداء، وذلك إذا كانت الفكرة الموحاة مخطئة كما يحدث في بعض حالات السل. ذلك لأن لفظة (سل) مخيفة عند الكثيرين الذين يعتقدون أنه لا سبيل إلى شفاء المريض به، وبمجرد معرفة أحدهم بأن هناك شكاً في تشخيص مرضه من هذه الناحية لا يلبث أن يعتقد بأنه مريض بهذا المرض فيتحقق له اعتقاده ويستفحل الداء ويسير به إلى الهلاك بخطى سريعة واسعة. ومع ذلك فمن منا سلمت رئتاه من هذا المرض؟ وكم رئة إذا شرحت وجدت خالية من التدرن أو من آثاره؟ فالسل مرض قابل

стр. 4167

للشفاء ما لم يعتقد المريض بخلاف ذلك. عبد الفتاح سلامه

стр. 4168

بين الدين والعلم كتاب عن فساد الداروينية كان من نتائج الحرب العالمية الماضية طغيان موجة الكفر والالحاد، والمذهب الدهري الذي شعار أنصاره: (نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر)؛ وزوال فكرة الألوهية من بعض الرءوس الصغيرة والأحلام الضعيفة. ذلك بأن الناس تناحروا وتطاحنوا في الحرب، ثم لما رأوا أهوالها جعلوا يضرعون إلى الله أن يحقن دماء الباقين منهم وينجيهم من شر المخبأ لهم في عالم الغيب كما يقول شحاذونا. فلما لم يسمع لهم نادوا بالكفر، وطلقوا البقية الباقية في صدورهم من الإيمان، فكان هذا الاستهتار وكانت هذه (الكلبية) التي رانت على القلوب وبلغت أقصاها في روسيا البلشفية لكن يظهر إن رد الفعل هذا سيعقبه رد فعل آخر من الجهة المقابلة، ويعيد الناس إلى صوابهم مرة أخرى. ففي كل بلد من بلاد أوربا يقظة دينية، وفي كل قلب ندامة، وفي كل ضمير شيء من الوخز يبشر بانتعاش الإيمان من إغماء كان يخشى أن يكون طويل الأمد، وأن ينتهي بموت الأبد، وبيقظته من سبات كان يخشى أن يكون دائماً، وأن يليه مرض خبيث كمرض النوم لا يخلّص صاحبه منه إلا الموت لكن أغرب من هذا كله أن يقوم من يقول لنا إن أعظم حوادث القرن العشرين فقد الناس إيمانهم بالعلم بعد عودة إيمانهم بالدين، وكما أن العلم هد أركان الدين في بعض البلدان وفي خلال القرن الماضي، كذلك نرى الأديان الآن تنتقم من العلم بتقويض أركانه، والبناء على أطلاله. فقد أعطانا العلم الحرب العالمية بفظائعها وأهوالها، فضربت أركان الديانة ضربة شديدة، ولكنها ضربت العلم ضربة أشد منها قال أحد الكتاب: لما أعلن اينشتين مذهب النسبية الذي قلب به مذهب نيوتن، قلت في نفسي ومن يدرينا متى يقوم مذهب من نوع سوبر اينشتين يقضي على مذهب اينشتين؟ ظهر بالأمس كتاب جديد عنوانه (هذا التقدم - مأساة مذهب النشوء) أي مذهب داروين الذي ينكر الخلق الفجائي، ويقول إن أنوْاع الحيوان والنبات حتى الإنسان متسلسل بعضها

стр. 4169

من بعض، وان بيننا وبين القرود لذلك لحمة نسب وصلة قرابة. ولا يزال مذهب داروين ناقصاً ما يسمونها (الحلقة المفقودة) التي تثبت قرابة الإنسان للقرد، ومادامت مفقودة يبقى مذهباً، ويبقى لذلك خارجاً عن دائرة اليقينيات المثبتة إذ يعوزه البرهان ومؤلف هذا الكتاب عالم إنجليزي اسمه الكبتن اكوارت، وهو يقول فيه: إن الداروينية كذبة كانت السبب الأول في تدهور الحضارة الغربية، بانياً حكمه هذا على اكتشاف اكتشفه وبرهن فيه على أن نشوء الطيور خرافة لا كما يقول المذهب الدارويني وقد عرض المؤلف فكرته التي بنى عليها مؤلفه على بعض أصحابه النشوئيين فأقروه عليها، ولم يستطع أحد منهم أن يبين وجه الخطأ فيها وهزأ في كتابه ببعض الآراء الشائعة بين علماء الطبيعة عن النور ونهاية الفضاء والأثير والفراغ والسدام وأبان في كتابه أن النشوئيين لم يهتدوا بعد إلى الحلقة المفقودة التي تصل الإنسان بالقرد كما يزعمون، مع انهم قلبوا بطن الأرض يبحثون عنها، ولكن الجيولوجيا تضحك من بحثهم عن شيء لا وجود له. وقد اعترف داروين نفسه في زمانه بأن (الجيولوجيا لا تؤيد وجود تلك السلسلة الدقيقة المتدرجة التي يتطلبها ناموس النشوء نفسه) بل بالضد من ذلك تثبت ان الداروينية غير صحيحة، لأن وجود بقايا الحيوانات في الصخور لا يمكن تعليله بأي مذهب من المذاهب، فان عظام الفرس مثلاً كانت موجودة في قلب الصخور قبل ظهور ما زعموا أنها أسلافه لا بعد ظهورها وقد هدم مندل بناموسه عن الوراثة ناموس الانتخاب الطبيعي الذي هو أساس الداروينية. ويقول المؤلف إن الداروينية زعزعت أسس الدين، فلو أمكننا التخلص منها لمهدنا الطريق إلى إحياء الإيمان بالخالق. وان من الغربة بمكان ان يبنى الناس تزعزع إيمانهم بالله مدة قرن كامل أو نحو ذلك على مذهب لم يثبت بالبرهان ولا يمكن إثباته. فالأيمان بالله أسهل كثيراً من الإيمان بخدع العلم وأوهامه. ق. س

стр. 4170

القصص النفس الرقيق. . . لايفان بونين ترجمة ع. الحمدي في المقبرة فوق أكمة نضرة مخضرة صليب جديد مصنوع من خشب البلوط، قوي ثقيل، ثابت راسخ، ناعم الملمس، بهيج المنظر. وكان الشهر أبريل ولكن الأيام غائمة كالحة. فكنت ترى من مراحل شاسعة خلال الأشجار الجرداء شواهد الأجداث قائمة في المقبرة - مقبرة رحبة ريفية أو اكبر من الريفية بعض الشيء - والريح الباردة القاصفة تصفر صفيراً مخيفاً كلما مرت من تجاويف الإكليل المصنوع من الخزف الصيني عند قاعدة الصليب. وفي الصليب نفسه ركب إطار مستدير من النحاس الأصفر. وفي الإطار صورة لفتاة حسناء فاتنة من طالبات المدارس، مهندمة الملبس، لها عينان فرحتان براقتان تنمان على الحياة والغضارة هذه الصورة هي صورة (أولجا مسجرسكي) لما كانت بنتاً صغيرة لم يكن لها ما يميزها في ذلك الجمع الصاخب من ذوي الأثواب السمراء الذين كان لغطهم المتنافر يدوي في ابهاء المدرسة وصفوفها. وكل ما كان يستطيع الإنسان ان يقوله عنها هو أنها ليست إلا واحدة من هؤلاء الفتيات الكثيرات الجميلات السعيدات، وإنها ذكية، لكنها لعوب كثيرة الحركة، لا تصغي لما يلقيه عليها العلم في الصف من دروس. ثم صارت إلى النمو، وأخذت تتفتح أكمامها لا بالأيام بل بالساعات. وفي سن الرابعة عشرة، وقد أصبح لها خصر أهيف، وساقان جميلتان متسقتان، برز نهداها ولاحت عليها تلك الرسوم والملامح الدالة على النضوج، ولم تستطع لغة البشر بعدُ أن تصف فتنتها وسحرها. وفي سن الخامسة عشرة قيل عنها إنها حسناء. . . وكم كان أترابها ورفيقاتها في المدرسة شديدات العناية بتنظيم شعورهن، وكم كن نظيفات محترسات في حركاتهن! ولكنها ما كانت لتخشى شيئاً فهي دائماً نظيفة الثياب حسنة الهندام، متوردة الوجه من غير قصد فمنها ولا عناء من جانبها، اجتمع لها في سنتيها الأخيرتين كل ما
следующие страницы →